← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 853

الأبواب والتراجم لصحيح البخاري

محمد زكريا الكاندهلوي

Полный текст (3 740 стр.). Показаны 1488–1527 · переход к 1493.

стр. 1488

(١٧ - باب الاعتكاف في العشر الأوسط. . .) إلخ قال الحافظان ابن حجر والعيني (١): كأنه أشار بذلك إلى أن الاعتكاف لا يختص بالعشر الأخير وإن كان الاعتكاف فيه أفضل، انتهى. (١٨ - باب من أراد أن يعتكف ثم بدا له أن يخرج) قال الحافظ (٢): أورد فيه حديث عائشة وقد تقدمت مباحثه، وفيه إشارة إلى الجزم بأنه لم يدخل في الاعتكاف ثم خرج منه، بل تركه قبل الدخول فيه، وهو ظاهر السياق خلافًا لمن خالف فيه، انتهى. كذا قال الحافظ ههنا، وقال في "باب اعتكاف النساء" تحت حديث الباب (٣): وفيه جواز الخروج من الاعتكاف بعد الدخول فيه، وأنه لا يلزمه بالنية ولا بالشروع فيه، ويستنبط منه سائر التطوعات خلافًا لمن قال باللزوم، وفيه أن أول الوقت الذي يدخل فيه المعتكف بعد صلاة الصبح، وهو قول الأوزاعي وغيره، وقال الأئمة الأربعة: يدخل قبيل غروب الشمس، وأوَّلوا الحديث على أنه دخل من أول الليل، ولكن إنما تخلى بنفسه في المكان الذي أعده لنفسه بعد صلاة الصبح، وهذا الجواب يشكل على من منع الخروج من العبادة بعد الدخول فيها، وأجاب عن هذا الحديث بأنه ﷺ لم يدخل المعتكف ولا شرع في الاعتكاف، وإنما همّ به ثم عرض له المانع المذكور فتركه، فعلى هذا فاللازم أحد الأمرين: إما أن يكون شرع في الاعتكاف فيدل على جواز الخروج منه، وإما أن لا يكون شرع فيدل على أن أول وقته بعد صلاة الصبح، انتهى. قلت: وترجمة المصنف هذه صريحة في أنه ﵊ لم يشرع في الاعتكاف إلى الصبح، فلعل الإمام البخاري اختار في هذه المسألة مذهب الأوزاعي.

стр. 1489

(١٩ - باب المعتكف يدخل رأسه البيت للغسل) أورد فيه حديث عائشة، وقد تقدم الكلام عليه في أوائل الاعتكاف، قاله الحافظ (١). قلت: وغرض المصنف من الترجمة أن الخروج لا يتحقق بإخراج بعض البدن حتى يخرج رجليه ويعتمد عليهما، ثم الظاهر عندي أن الإمام البخاري لم يذكر هذا الباب إلا للتنبيه على براعة الاختتام، وهي عند الحافظ في قوله: "ما أنا بمعتكف فرجع"، وعند هذا العبد الضعيف بلفظ "البيت" كما تقدم في المقدمة، فإن البيت يطلق على القبر كما في حديث أبي ذر مرفوعًا: "كيف أنت إذا أصاب الناس موت يكون البيت فيه بالوصيف؟ " وترجم عليه أبو داود (٢) "باب في قطع النباش"، وإدخال المعتكف رأسه بالبيت أشبه بإدخال الميت في القبر مع أن المعتكف منقطع عن الدنيا مجاور في بيت الله كالميت لا يستطيع الخروج عن القبر. * * *

стр. 1490

٣٤ - كتاب البيوع ولما فرغ البخاري عن بيان العبادات المقصود منها التحصيل الأخروي، شرع في بيان المعاملات المقصود منها التحصيل الدنيوي، فقدّم العبادات لاهتمامها، ثم ثنى بالمعاملات لأنها ضرورية، وأخَّر النكاح لأن شهوته متأخرة عن الأكل والشرب، وأخَّر الجنايات والمخاصمات؛ لأن وقوع ذلك في الغالب إنما هو بعد الفراغ من شهوة البطن والفرج، وأغرب ابن بطال فذكر هنا الجهاد، وأخَّر البيع إلى أن فرغ من الأيمان والنذور، قال صاحب "التوضيح" (١): ولا أدري لم فعل ذلك؟. قلت: لعله نظر إلى أن الجهاد أيضًا من العبادات المقصود منها التحصيل الأخروي؛ لأن جلّ المقصود ذلك لأن فيه إعلاء كلمة الله تعالى وإظهار الدين ونشر الإسلام، وبعض أصحابنا قدَّم النكاح على البيوع في مصنفاتهم نظرًا إلى أنه مشتمل على المصالح الدينية والدنياوية، ألا ترى أنه أفضل من التخلي بالنوافل؟ وبعضهم قدم البيوع على النكاح نظرًا إلى أن احتياج الناس إلى البيع أكثر من احتياجهم إلى النكاح، فكان أهم بالتقديم انتهى من "العيني" (٢). قلت: وعامة الأحناف من الفقهاء والمحدثين يقدمون النكاح على البيع وغيره من المعاملات كما فعل الإمام الطحاوي في "شرح معاني الآثار" والإمام محمد في "الموطأ" وكذا صاحب "البدائع" والإمام السرخسي في "المبسوط" وصاحب "الهداية" و"شرح الوقاية" و"الدر المختار" وغيرهم، والظاهر أن هذا اختلافهم في حكم النكاح، فعند

стр. 1491

الجمهور من المندوبات أي في حال الاعتدال، وعند الشافعي كما في "البدائع" (١) أنه مباح كالبيع والشراء وبسط الكلام على حكمه الموفق (٢)، فقال: الناس في النكاح على ثلاثة أضرب، إلى أن قال: الثاني: من يستحب له، وهو من له شهوة يأمن معها الوقوع في محظور، فهذا الاشتغال به أولى من التخلي لنوافل العبادة، وهو قول أصحاب الرأي، وقال الشافعي: التخلي لعبادة الله أفضل؛ لأن الله تعالى مدح يحيى ﵇ بقوله: ﴿وَسَيِّدًا وَحَصُورًا﴾ [آل عمران: ٣٩] فكان الاشتغال بالعبادة أفضل منه كالبيع، ثم بسط الموفق في دلائل الجمهور. وفي "الأوجز" (٣): البيوع جمع بيع، وجمع لاختلاف أنواعه، فهو المطلق إن كان بيع العين بالثمن، والمقايضة إن كان عينًا بعين، والسلم إن كان بيع الدين بالعين، والصرف إن كان بيع الثمن بالثمن، والمرابحة إن كان بالثمن مع زيادة، والتولية إن لم يكن مع زيادة، والوضيعة إن كان بالنقصان، واللازم إن كان تامًا، وغير لازم إن كان بالخيار، وأيضًا الصحيح، والباطل، والفاسد، والمكروه، قاله العلَّامة العيني (٤). وقوله: (﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ الآية [البقرة: ٢٧٥]) قال الحافظ (٥): كذا للأكثر ولم يذكر النسفي ولا أبو ذر الآيتين، والآية الأولى أصل في جواز البيع، وللعلماء فيها أقوال: أصحها أنه عام مخصوص، فإن اللفظ لفظ عموم يتنادل كل بيع فيقتضي إباحة الجميع، لكن قد منع الشارع بيوعًا أخرى وحرمها فهو عام في الإباحة، مخصوص بما لا يدل الدليل على منعه، ثم ذكر الحافظ أقوالًا أخر، وقال: والآية الأخرى تدل على إباحة التجارة في البيوع الحالة وأولها في البيوع المؤجلة، انتهى.

стр. 1492

(١ - باب ما جاء في قول الله : ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ﴾ الآية [الجمعة: ١٠]) قال الحافظ (١): والآية الأولى يؤخذ منها مشروعية البيع من طريق عموم ابتغاء الفضل لأنه يشمل التجارة وأنواع التكسب، ثم قال: والذي يظهر أن مراد البخاري بهذه الترجمة قوله: ﴿وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: ١٠]، وأما ذكر التجارة فيها فقد أفرده بترجمة تأتي بعد ثمانية أبواب، انتهى. قلت: ويحتمل عندي أن غرض الترجمة إثبات جواز البيع. قوله: (فما نسيت من مقالته تلك) ظاهره عدم النسيان من هذه المقالة، وما تقدم في "كتاب العلم" من قوله: "فما نسيت شيئًا بعد" يفيد عدم النسيان مطلقًا لكل شيء من الحديث وغيره، بسط الكلام عليه في "اللامع" وهامشه فارجع إليه لو شئت (٢). (٢ - باب الحلال بيِّن، والحرام بيِّن. . .) إلخ وقال الحافظ (٣): ذكر فيه حديث النعمان بن بشير بلفظ الترجمة وزيادة، ثم قال بعد الكلام على شرح الحديث: وقد توارد أكثر الأئمة المخرجين له على إيراده في "كتاب البيوع" لأن الشبهة في المعاملات تقع فيها كثيرًا، وله تعلق أيضًا بالنكاح وبالصيد والذبائح والأطعمة والأشربة وغير ذلك مما لا يخفى، انتهى. ويشكل على حديث الباب ما أخرجه أبو داود عن ابن عباس وفيه: "فما أحل فهو حلال، وما حرم فهو حرام، وما سكت عنه فهو عفو" فإن المرتبة الثالثة وهي التي بين الحلال والحرام مما يستبرأ عنه في رواية البخاري ومعفوٌ عنه في رواية أبي داود، ويمكن الجمع بينهما بوجهين:

стр. 1493

الأول أن يقال: إن ما في "البخاري" مرتبة الورع، وما في أبي داود مرتبة الجواز. والثاني - وهو الأوجه - أن يقال: إن ما بين الحلال والحرام نوعان: الأول: المشتبه، وهو ما تعارض فيه الأدلة وحكمه الاستبراء، وهو محمل رواية البخاري. والنوع الثاني: المسكوت عنه، وهو مصداق رواية أبي داود وحكمه الإباحة، فقد قال ابن عابدين: قال أكثر أصحابنا وأكثر أصحاب الشافعي: إن الأشياء التي يجوز أن يرد الشرع بإباحتها وحرمتها قبل وروده على الإباحة وهي الأصل فيها، انتهى من هامش "اللامع" (١). (٣ - باب تفسير المشبهات) قال الحافظ (٢): لما تقدم في حديث النعمان "إن الشبهات لا يعلمها كثير من الناس" واقتضى ذلك أن بعض الناس يعلمها، أراد المصنف أن يعرف الطريق إلى معرفتها لتجتنب، فذكر أولًا ما يضبطها، ثم أورد أحاديث يؤخذ منها مراتب ما يجب اجتنابه منها، ثم ثنَّى بباب فيه بيان ما يستحب منها، ثم ثلَّث بباب فيه بيان ما يكره، ثم ذكر الحافظ شرح المشبّهات، وبسط الكلام عليه الشيخ قُدِّس سرُّه في "اللامع" (٣) فأجاد فارجع إليه لو شئت. وقال الموفق (٤): المشكوك فيه على ثلاثة أضرب: ما أصله الحظر كالذبيحة في بلد فيها مجوس ومسلم، فلا يجوز شراؤها، والأصل فيه حديث عدي بن حاتم في الكلاب. والثاني: ما أصله الإباحة كالماء يجده متغيرًا لا يعلم بنجاسته،

стр. 1494

والأصل فيه حديث عبد الله بن زيد "شكا الرجل يخيل إليه في الصلاة". والثالث: ما لا يعرف له أصل كرجل في ماله حلال وحرام، فهذا هو الشبهة التي أولى تركها عملًا بما روي عنه ﵊ أنه وجد تمرة ساقطة، إلى آخر ما قال. ثم في الحديث الأول شهادة المرضعة الواحدة، والمسألة خلافية شهيرة؛ وهي كافية عند الإمام أحمد، ولا تقبل فيها إلا شهادة امرأتين عند مالك، وعند الشافعي لا تقبل إلا شهادة أربع نسوة، وأما عند الإمام أبي حنيفة فلا تقبل شهادتهن منفردات على الرضاع بل لا بد لها من رجل وامرأتين، وعلى هذا فحديث الإرضاع مبني على الورع عند الأئمة الثلاثة بخلاف الإمام أحمد، فإن حرمة الرضاع ثبتت عنده بهذا الحديث. (٤ - باب يُتَنَزَّهُ من الشبهات) قال الحافظ (١): بضم أوله، أي: يجتنب، وللكشميهني "يكره" بدل "يتنزه"، انتهى. وقد تقدم في الباب السابق مقصود الترجمة. (٥ - باب من لم ير الوساوس ونحوها من الشبهات) قال الحافظ (٢): هذه الترجمة معقودة لبيان ما يكره من التنطع في الورع، قال الغزالي: الورع أقسام: ورع الصديقين وهو ترك ما لا يتناول بغير نيَّة القوة على العبادة، وورع المتقين وهو ترك ما لا شبهة فيه ولكن يخشى أن يجر إلى الحرام، وورع الصالحين وهو ترك ما يتطرق إليه احتمال التحريم بشرط أن يكون لذلك الاحتمال موقع، فإن لم يكن فهو ورع الموسوسين، قال: ووراء ذلك ورع الشهود وهو ترك ما يسقط الشهادة، أي: أعم من أن يكون ذلك المتروك حرامًا أم لا؟، انتهى.

стр. 1495

وغرض المصنف هنا بيان ورع الموسوسين كمن يمتنع من أكل الصيد خشية أن يكون الصيد كان لإنسان ثم أفلت منه، انتهى. (٦ - باب قول الله: ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا﴾ [الجمعة: ١١]) أشار بذلك الترجمة إلى أن التجارة وإن كانت ممدوحةً باعتبار كونها من المكاسب الحلال، فإنها قد تذم إذا قدمت على ما يجب تقديمه عليها، انتهى من "الفتح" (١). وهكذا قال العيني (٢)، وهو الأوجه، ويحتمل عندي: أن يقال: إن المصنف بعد بيان أنواع الشبهة المتقدمة أراد بيان الشبهة العارضة يعني قد يكون الشيء حلالًا في نفسه لكنه يشتبه لعارض. (٧ - باب من لم يبال من حيث كسب المال) في هذه الترجمة إشارة إلى ذم ترك التحري في المكاسب، قاله الحافظ (٣). (٨ - باب التجارة في البزّ وغيره. . .) إلخ لم يقع في رواية الأكثر قوله: "وغيره" واختلف في ضبط "البز" فالأكثر على أنه بالزاي، وليس في الحديث ما يدل عليه بخصوصه بل بطريق عموم المكاسب المباحة، وصوَّب ابن عساكر أنه بالراء، وهو أليق بمؤاخاة الترجمة التي بعد هذه بباب وهو "التجارة في البحر" وعند ابن بطال وغيره بضم الموحدة وبالراء، وقد أخطأ من زعم أنه بالراء تصحيف إذ ليس في الآية ولا الحديث ولا الأثر الآتي أوردها في الباب ما يرجح أحد اللفظين، انتهى (٤).

стр. 1496

وحمله العلامة السندي (١) على مقابل البحر إذ قال: بفتح وتشديد: مقابل البحر، وذكر فيه قوله تعالى: ﴿رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ﴾ [النور: ٣٧] لما أنه قبل ذلك ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ﴾ [النور: ٣٦] وهي المساجد، والتسبيح فيها يكون في البر لا البحر، وذكر فيه حديث الصرف؛ إذ هو بيع يكون عادة في البر وقلَّ من يركب لأجله البحر، انتهى. قوله: (﴿رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ﴾) إلخ، قال الحافظ (٢): أي: وتفسير ذلك، وقد روي عن ابن عباس أن المعنى لا تلهيهم عن الصلاة المكتوبة، وتمسك به قوم في مدح ترك التجارة وليس بواضح، انتهى. قلت: وعلى هذا فيمكن أن يكون الغرض الرد على هذا المتمسك، وأما على نسخة "البز" بالزاي فيمكن أن يكون الغرض التنبيه على إثبات الجواز ردًا لما ورد في بعض الروايات "أينما خونة الله؟ فيؤتى بالنحاسين والصيارفة والحاكة" كما في "نهاية الأرب" (٣). (٩ - باب الخروج في التجارة وقول الله تعالى: ﴿فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ﴾ الآية [الجمعة: ١٠]) قال ابن المنيِّر: غرض البخاري إجازة الحركات في التجارة ولو كانت بعيدة، خلافًا لمن يتنطع ولا يحضر السوق، كما يأتي في مكانه، انتهى من "الفتح" (٤). (١٠ - باب التجارة في البحر) أي: إباحة ركوب البحر للتجارة، وفي بعض النسخ "وغيره" فإن ثبت قوي قول من قرأ "البر" فيما سبق بباب بضم أوله أو بالزاي، انتهى (٥).

стр. 1497

قلت: وعندي غرض المصنف بظاهره الرد على ما روي عن عبد الله بن عمرو بن العاص عند أبي داود (١) "لا يركب البحر إلا حاج أو غاز" فإن الحديث ضعيف. (١١ - باب قول الله: ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا﴾ الآية [الجمعة: ١١]) قال الحافظ (٢): كذا وقع جميع ذلك معادًا في رواية المستملي، وسقط لغيره إلا النسفي، فإنه ذكرها ههنا وحذفها مما مضى، وكذا وقع مكررًا في نسخة الصغاني، وهذا يؤيد ما تقدم من النقل عن أبي ذر الهروي أن أصل البخاري كان عند الفربري وكانت فيه إلحاقات في الهوامش وغيرها، وكان من ينسخ الكتاب يضع الملحق في الموضع الذي يظنه لائقًا به، فمن ثم وقع الاختلاف في التقديم والتأخير، ويزاد هنا أن بعضهم احتاط فكتب الملحق في الموضعين فنشأ عنه التكرار، وقد تكلف بعض الشرَّاح في توجيهه بأن قال: ذكر الآية هنا لمنطوقها وهو الذم، وذكرها هناك لمفهومها وهو تخصيص وقتها بحالة غير المتلبسين بالصلاة وسماع الخطبة، انتهى. قلت: والظاهر عندي كما يظهر من تمام ما ذكر ههنا أن المذكور أولًا كان التنبيه على الاجتناب للعوارض مطلقًا، وههنا التنبيه على تقديم حق الله تعالى، وتقدم بحث تكرار الترجمة في الأصل الثاني والعشرين من أصول التراجم المتقدمة في الجزء الأول من هذا الكتاب. (١٢ - باب قول الله تعالى: ﴿أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٦٧]) قال الحافظ (٣): أي تفسيره، وحكى ابن بطال أنه وقع في الأصل:

стр. 1498

"كلوا" بدل "أنفقوا" وقال: إنه غلط، وحكي عن مجاهد أنه قال في تفسيرها: إن المراد بها التجارة، انتهى. قلت: وما يظهر عندي من النظر على هذه التراجم أن المصنف ذكر قبل ذلك الذم على من لا يقدم حق الله تعالى، ثم ذكر ههنا الإنفاق في سبيل الله مما كسب، وذكر بعد ذلك في الترجمة الآتية وسعة الرزق. قوله: (كان لها أجرها) وفي الرواية الآتية "فلها نصف أجره" واختلفوا في وجه الجمع بينهما كما في الشروح (١). والأوجه عندي: أن الأول محمول على الإنفاق من مال أعطاها الزوج وملكها إياها، والثاني محمول على الإنفاق من مال لم يملكها إياها بل أعطاها للصرف في البيت، ويؤيده تغاير سياق الحديثين، أو يقال: إن الأول محمول على الطعام وهو يكون في تصرفها، والثاني على غير الطعام فيكون مشتركًا بين الزوجين تصرفًا. (١٣ - من أحب البسط في الرزق) أي: التوسع فيه، وجواب "من" محذوف تقديره ما في الحديث، وهو "فليصل رحمه"، ويستفاد منه جواز هذه المحبة خلافًا لمن كرهها مطلقًا، انتهى (٢). وفي "الأنوار لأعمال الأبرار": يستحب ترك التبسط في الحلال بلا حاجة، انتهى. قلت: فلا ينافي هذا حديث "اللهم اجعل رزق آل محمد قوتًا" (٣).

стр. 1499

(١٤ - باب شراء النبي ﷺ بالنسيئة) قال ابن بطال: الشراء بالنسيئة جائز بالإجماع. قال الحافظ (١): لعل المصنف تخيل أن أحدًا يتخيل أنه ﷺ لا يشتري بالنسيئة لأنها دين، فأراد دفع ذلك التخيل، انتهى. قلت: هذا ليس بتخيل محض بل هو نص رواية أبي داود (٢) عن ابن عباس قال: اشترى النبي ﷺ من عير تبيعًا وليس عنده ثمنه، فأربح فيه فباعه، فتصدق بالربح على أرامل بني عبد المطلب، وقال: "لا أشتري بعدها شيئًا إلا وعندي ثمنه". فالأوجه عندي: أن الإمام البخاري لمح إلى هذا الحديث، وسيأتي في "كتاب الاستقراض" "باب من اشترى بالدين. . ." إلخ. قال الحافظ (٣) في شرحه: كأنه يشير إلى ضعف ما جاء، ثم ذكر الحديث المذكور، وقال: تفرد به شريك عن سماك، واختلف في وصله وإرساله، انتهى. والأوجه عندي: أن هذه الترجمة المذكورة ههنا أجدر بالتلميح إلى حديث أبي داود بتقييد هذه الترجمة بشرائه ﷺ ، وأما الترجمة الآتية في "كتاب الاستقراض" فهو لبيان جواز الشراء بالدين، وأورد الإمام البخاري في هذه الترجمة حديث عائشة ﵂؛ لأن حديثها كان في آخر حياته ﷺ ، فلا يمكن أن يقال: إن حديث أبي داود مؤخر عن قصة الرهن. قال الحافظ: ووقع في آخر المغازي "توفي رسول الله ﷺ ودرعه مرهونة". . .، إلى آخر ما في هامش "اللامع" (٤). قوله: (ولقد سمعته يقول. . .) إلخ، اختلف الشرَّاح في تعيين القائل وبسط الكلام عليه في هامش "اللامع" (٥).

стр. 1500

(١٥ - باب كسب الرجل وعمله بيده) قال الحافظ: قد اختلف العلماء في أفضل المكاسب، قال الماوردي: أصول المكاسب الزراعة والتجارة والصنعة، والأشبه بمذهب الشافعي أن أطيبها التجارة، قال: والأرجح عندي أن أطيبها الزراعة؛ لأنها أقرب إلى التوكل، وتعقبه النووي بحديث المقدام الذي في هذا الباب، وأن الصواب أن أطيب الكسب ما كان بعمل اليد، قال: فإن كان زراعًا فهو أطيب المكاسب لما يشتمل عليه من كونه عمل اليد، ولما فيه من التوكل، ولما فيه من النفع العام للآدمي وللدواب؛ ولأنه لا بد فيه في العادة أن يؤكل منه بغير عوض. قال الحافظ: وفوق ذلك من عمل اليد ما يكتسب من أموال الكفار بالجهاد وهو مكسب النبي ﷺ وأصحابه وهو أشرف المكاسب لما فيه من إعلاء كلمة الله وخذلان كلمة أعدائه والنفع الأخروي، قال: ومن لم يعمل بيده فالزراعة في حقه أفضل لما ذكرنا. قال الحافظ: والحق أن ذلك مختلف المراتب، وقد يختلف باختلاف الأحوال والأشخاص، انتهى من "الفتح" (١). وفي "الأنوار" في فقه الشافعية: وأطيبها التجارة عند الشافعي؛ لأن الصحابة رضوان الله عليهم كانوا يكتسبون بها، انتهى. قال العيني (٢) في "باب فضل الزرع والغرس" من "كتاب المزارعة": واستدل بحديث الباب بعضهم على أن الزراعة أفضل المكاسب، واختلف فيه فقال النووي: أفضلها الزراعة، وقيل: الكسب باليد، وهي الصنعة، وقيل: التجارة، وأكثر الأحاديث تدل على أفضلية الكسب باليد، وروى الحاكم في "المستدرك" من حديث أبي بردة قال: سئل رسول الله ﷺ : أي الكسب أطيب؟ قال: "عمل الرجل بيده وكل بيع مبرور" وقال: هذا حديث صحيح الإسناد، إلى آخر ما قال.

стр. 1501

قلت: وظاهر الترجمة الإشارة إلى ترجيح الحرفة، وبه صرح العيني والقسطلاني (١). والأوجه عندي: أن غرض المصنف الإشارة إلى المكاسب كلها، فالأنواع الثلاثة المذكورة ثابتة في روايات الباب، فالتجارة في الحديث الأول لأنها كانت حرفة الصديق ﵁، وأما الزراعة فيستفاد من ثاني أحاديث الباب بلفظ "كانوا أعمال أنفسهم" وكانت حرفة الأنصار الزراعة، وأما الصنعة فيستفاد من الحديث الثالث من عمل داود ﵇، والنوع الرابع الإجارة، وهو ثابت من حديث أبي هريرة "لأن يحتطب أحدكم" الحديث، وأما عدهم الجهاد من المكاسب فليس بواضح عندي، بل الظاهر أن الجهاد ليس بكسب، نعم فيه حصول مال لكن العمل فيه ليس لأجل تحصيله، وإلا فللحصول أسباب أخر، كالتصدق، والهبة، والميراث، اللهم إلا أن يقال: إن للحاصل في الجهاد دخلًا للعمل بخلاف الإرث وغيره، فإنه لا دخل فيها للعمل، وعلى هذا فيمكن إدخال الجهاد في المكاسب، وعندي أن الصنعة ليست من الأصول بل هي داخلة عندي في التجارة، فأصول المكاسب عندي ثلاثة: التجارة، والزراعة، والإجارة، وتقدم في كلام الحافظ الاختلاف في التفصيل بينها، وفي "البحر الرائق": أفضل الكسب بعد الجهاد التجارة، ثم الحراثة، ثم الصناعة، انتهى. وبسط الكلام عليه في هامش "اللامع" (٢) في مبدأ أبواب الحرث والمزارعة. (١٦ - باب السهولة والسماحة في الشراء والبيع. . .) إلخ قال الحافظ (٣): يحتمل أن يكون من باب اللف والنشر مرتبًا أو غير مرتب، ويحتمل كل منهما لكل منهما، إذ السهولة والسماحة متقاربان في

стр. 1502

المعنى فعطف أحدهما على الآخر من التأكيد اللفظي، وهو ظاهر حديث الباب، والمراد بالسماحة ترك المضاجرة ونحوها لا المكايسة في ذلك، انتهى. قلت: وقول الحافظ: متقاربان في المعنى، قال القسطلاني (١): تعقبه العيني بأنهما متغايران في أصل الوضع، فلا يصح أن يقال من التأكيد اللفظي؛ لأن التأكيد اللفظي أن يكون المؤكد والمؤكد لفظًا واحدًا من مادة واحدة كما عرف في موضعه، انتهى. (١٧ - باب من أنظر موسرًا) قال الحافظ (٢): أي فضل من فعل ذلك وحكمه، وقد اختلف العلماء في حد الموسر فقيل: من عنده مؤنته ومؤنة من تلزمه نفقته، وقال الثوري وأحمد وإسحاق: من عنده خمسون درهمًا أو قيمتها من الذهب فهو موسر، وقال الشافعي: قد يكون الشخص بالدرهم غنيًا مع كسبه، وقد يكون بالألف فقيرًا مع ضعفه في نفسه وكثرة عياله، وقيل: الموسر والمعسر يرجعان إلى العرف؟ فمن كان حاله بالنسبة إلى مثله يعد يسارًا فهو موسر وعكسه، وهذا هو المعتمد، وما قبله إنما هو في حد من تجوز له المسألة والأخذ من الصدقة، انتهى. وكتب الشيخ في "اللامع" (٣): والظاهر أن المراد بالموسر ههنا القادر على أداء ما عليه من الدين، وإنظاره أن يداينه حتى يأتي بالثمن من بيته، والتجاوز عنه أن يقبل منه رديئه وزيفه، وإنظار المعسر إمهاله حتى يفتح الله عليه بشيء، والتجاوز عنه أن يعفي عنه الثمن ويبرأ عنه، انتهى. قلت: وهذا الذي أفاده الشيخ قُدِّس سرُّه أوجه عندي مما قاله الحافظ وغيره، ولا يبعد عند هذا العبد الضعيف أن الإمام البخاري نبَّه بالترجمة

стр. 1503

على أن في إنظار الموسر أيضًا أجرًا دفعًا لما يتوهم أن تأخير الموسر في الأداء داخل في مطل الغني وهو ظلم، فإنظاره إعانة على ظلمه، فكيف الأجر عليه (١)؟. (١٨ - باب من أنظر معسرًا) قال القسطلاني (٢): وهو الذي لم يجد وفاء، انتهى. سكت الشرَّاح عن غرض الترجمة، ولا يبعد عندي أن يقال: لما كان المعسر عاجزًا عن الأداء فاللائق بحاله التجاوز والإبراء، وليس له كبير نفع في مجرد الإنظار، فأشار المصنف بالترجمة إلى دفع هذا التوهم، وذلك لأن في الإنظار تخفيفًا وإن كان أدنى بالنسبة إلى العفو والإبراء. وقال الحافظ (٣) في مطابقة الحديث بالترجمة: قوله: "تجاوزوا عنه" ويدخل في لفظ التجاوز الإنظار والوضيعة وحسن التقاضي، انتهى. (١٩ - باب إذا بيَّن البيعان ولم يكتما. . .) إلخ بفتح الموحدة وتشديد التحتانية، أي: البائع والمشتري، أي: إذا أظهر البائع والمشتري ما في المبيع من العيب، وجواب "إذا" محذوف، أي: بورك لهما فيه، أو نحو ذلك، ولم يذكره البخاري اكتفاء بما في الحديث، انتهى من "الفتح" (٤) و"العيني" (٥). قوله: (هذا ما اشترى محمد رسول الله من العداء. . .) إلخ، اعلم أن تعليق البخاري هذا يخالف رواية الترمذي وغيره. وقال الحافظ (٦): هكذا وقع هذا التعليق، وقد وصل الحديث الترمذي والنسائي وغيرهما، فاتفقوا كلهم على أن البائع النبي ﷺ والمشتري العداء

стр. 1504

عكس ما ههنا، فقيل: الذي وقع ههنا مقلوب، وقيل: هو صواب، وهو من الرواية بالمعنى؛ لأن اشترى وباع بمعنى واحد، انتهى. ونحوه في "القسطلاني" (١) وزاد: وحمله في "المصابيح" على تعدد الواقعة وحينئذٍ فلا تعارض، وأجاد الشيخ قُدِّس سرُّه الكلام على ذلك في "الكوكب الدري" (٢) إذ قال: قوله: "اشترى" لعل البيع كان بيع مقايضة فيصح على كل من المتعاقدين إطلاق البائع والمشتري، وسبب ذلك التكلف أن العلماء يتفقون على أن النبي ﷺ لم يبع بعد الهجرة شيئًا، والمراد به البيع بأحد النقدين، وأما مبادلة العروض فكان جاريًا ولا يلزم فيه شيء، وما قيل: إن "اشترى" ههنا بمعنى "باع" فلا يناسبه كتابة الشروط وكون الصك مع العداء، فإنه لو كان كذلك لكان الكاتب هو العداء لأنه البائع حينئذٍ، ولكان النبي ﷺ صاحب صك، وكان عنده لا عداء، انتهى. (٢٠ - باب بيع الخلط من التمر) الخلط بكسر المعجمة التمر المجتمع من الأنواع المتفرقة، و"الجمع" بفتح الجيم وسكون الميم: فسر بالخلط، وقيل: هو كل لون من النخيل لا يعرف اسمه، والغالب في مثل ذلك أن يكون رديئه أكثر من جيده، وفائدة هذه الترجمة رفع توهم من يتوهم أن مثل هذا لا يجوز بيعه لاختلاط جيده برديئه؛ لأن هذا الخلط لا يقدح في البيع لأنه متميز ظاهر فلا يعد ذلك عيبًا، بخلاف ما لو خلط في أوعية يرى جيدها ويخفى رديئها، انتهى من "الفتح" (٣). قلت: فكأن هذه الترجمة بمنزلة الاستثناء من الترجمة السابقة وهي "باب إذا بين البيعان. . ." إلخ، والمعنى أن الخلط إذا كان ظاهرًا بمرأى من المشتري لا حاجة إلى بيان ما فيه من الجيد والرديء، ثم لا تعلق لهذه

стр. 1505

الترجمة بالربا يعني بيع الصاع بالصاعين كما يوهمه كلام العيني (١)، فإن ابتداء أبواب الربا عندي من الباب الذي بعد بابين. (٢١ - باب ما قيل في اللَّحَّام والجزَّار) قال الحافظ (٢): كذا وقعت هذه الترجمة ههنا، وفي رواية ابن السكن بعد خمسة أبواب، وهو أليق لتتوالى تراجم الصناعات، انتهى. وقال العيني (٣) بعد ذكر قول الحافظ: قلت: توالي التراجم إنما هو أمر مهم، والبخاري لا يتوقف غالبًا في رعاية التناسب بين الأبواب، انتهى. وقال السندي (٤): قوله: "باب ما قيل. . ." إلخ، أي: هل لكسبهما أصل بأن كانا وقت النبي ﷺ وقررهما على ذلك أو هو من الأمور الحادثة؟، انتهى. قلت: ولعل غرض المصنف الرد على من قال بكراهة هذه الحرفة، كما ذكره في "الأنوار لأعمال الأبرار" وفيه: كسب المكناس والذبال والدباغ والقصاب والخاتن مكروه، انتهى. وقد أخرج أبو داود من حديث عمر: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إني وهبت لخالتي غلامًا وأنا أرجو أن يبارك لها فيه، فقلت لها: لا تسلميه حجامًا ولا صائغًا ولا قصابًا" وذلك لأن الحديث ضعيف؛ لأن في سنده أبا ماجدة وهو مجهول كما في "التقريب"، وقال المنذري: في طرقه محمد بن إسحاق وقد تقدم الكلام عليه، انتهى. والأوجه عند هذا العبد الضعيف: أن الإمام البخاري لم يذكر هذه

стр. 1506

الترجمة ههنا من حيث الصناعة، حتى يقال: إنه ذكرها في غير محلها، بل هذه الترجمة نظير لبيع الخلط من التمر، وكأن المصنف أشار بذلك إلى جواز بيع اللحوم مع العظام دفعًا لما يتوهم أن من يبيع اللحم لا يجوز له أن يدخل العظام في الوزن؛ لأن اللحم مع العظام كالخلط من التمر، بل في هذه الترجمة ترقٍّ من الترجمة الأولى؛ لأن رديء التمر هو من جنس التمر الأعلى، والعصب والعظم ليسا من جنس اللحم ومع ذلك يباعان مع اللحم، وما يظهر من كلام الشيخ قُدِّس سرُّه في "اللامع" أن الغرض من الترجمة بيان جواز بيع اللحم مع تلبسه بالدم، انتهى من هامش "اللامع" (١). ثم الترجمة مشتملة على جزئين: اللحام والجزّار، والمذكور في الحديث واحد منهما، أي: الجزّار، فإن القصاب هو الجزّار كما قال الشرَّاح، وحاصل ما أفاده الشيخ قُدِّس سرُّه في "اللامع" أن إثبات الجزاء الثاني من الترجمة بطريق المقايسة. وقال العلامة العيني (٢): مطابقته للترجمة في قوله: "لغلام له قصاب"، قال القرطبي: اللحام هو الجزار، والقصاب على قياس قولهم: عطار وتمار للذي يبيع ذلك، فهذا كما رأيت جعل اللحام والجزار والقصاب بمعنى واحد، وعلى هذا تحصل المطابقة بين الترجمة والحديث، انتهى. ثم ذكر العيني الفرق بين هذه الثلاثة بحسب العرف. (٢٢ - باب ما يمحق الكذب والكتمان في البيع) أي: من البركة، ذكر فيه حديث حكيم بن حزام المذكور قبل بابين وهو واضح فيما ترجم له، انتهى من "الفتح" (٣).

стр. 1507

(٢٣ - باب قول الله : ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ الآية [آل عمران: ١٣]) هكذا للنسفي، وساق غيره فيه حديث أبي هريرة الماضي في "باب من لم يبال من حيث كسب" بإسناده ومتنه، وهو بعيد من عادة البخاري ولا سيما مع قرب العهد، ولعله أشار بالترجمة إلى ما أخرجه النسائي من وجه آخر عن أبي هريرة مرفوعًا "يأتي على الناس زمان يأكلون الربا، فمن لم يأكله أصابه من غباره"، انتهى من "الفتح" (١). قلت: وعلى نسخة النسفي يمكن أن يجاب عن عدم ذكر الحديث أنه بمنزلة الكتاب لأبواب الربا، فالمصنف بدأ من ههنا أبواب الربا، فلا حاجة إلى الحديث. (٢٤ - باب آكل الرِّبا وشاهده. . .) إلخ أي: بيان حكمهم، والتقدير: باب إثم أو ذم. . . إلخ، ثم ساق البخاري في الباب حديثين: حديث عائشة، وحديث سمرة، قال ابن التين: وليس فيهما ذكر لكاتب الربا وشاهده، وأجيب بأنه ذكرهما على سبيل الإلحاق لإعانتهما للآكل على ذلك، وأيضًا فقد تضمن حديث عائشة نزول آخر البقرة ومن جملة ما فيه قوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٥]، وفيه: ﴿إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾ [البقرة: ٢٨٢]، وفيه: ﴿وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٨٢]، فأمر بالكتابة والإشهاد في البيع الذي أحله، فأفهم النهي عن الكتابة والإشهاد في الربا الذي حرمه، ولعل البخاري أشار إلى ما ورد في حديث مسلم وغيره عن جابر "لعن رسول الله ﷺ آكل الربا وموكله وكاتبه وشاهديه"، انتهى من "الفتح" (٢).

стр. 1508

(٢٥ - باب مؤكل الربا) كتب الشيخ في "اللامع" (١): ودلالة الآية عليه من حيث إن مؤكل الربا معين على ما يفعله الآكل من عدم الترك المأمور به في الآية، انتهى. وفي هامشه: أجاد الشيخ قُدِّس سرُّه في وجه الاستدلال، وسكت عنه الشرَّاح، وأجاد بعض أحبتي الأذكياء حيث قال: إنه لا يبعد من جودة طبع الإمام البخاري أنه استدل بعموم قوله تعالى: ﴿وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٨] فإن الأمر بالترك كما يدل على ترك الآخذ يتناول المعطي أيضًا، أي: يترك أداء ما بقي عليه من الربا، ومن الأصول المطردة للبخاري الاستدلال بالعموم وبكل المحتمل، انتهى. (٢٦ - باب ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا﴾ الآية [البقرة: ٢٧٦]) قال ابن المنيِّر: مناسبة حديث الباب للترجمة أنه كالتفسير للآية؛ لأن الربا الزيادة، والمحق النقص، فقال: كيف تجتمع الزيادة والنقص؟ فأوضح الحديث أن الحلف الكاذب وإن زاد في المال فإنه يمحق البركة فكذلك قوله تعالى: ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا﴾، أي: يمحق البركة من البيع الذي فيه الربا، انتهى مختصرًا من "الفتح" (٢). (٢٧ - باب ما يكره من الحلف في البيع. . .) إلخ أي: مطلقًا، فإن كان كذبًا فهي كراهة تحريم، وإن كان صدقًا فكراهة تنزيه، وفي السنن من حديث قيس بن أبي غرزة مرفوعًا: "يا معشر التجار إن البيع يحضره اللغو والحلف فشوِّبوه بالصدقة"، وقال الحافظ تحت حديث الباب: وقد تعقب بأن السبب المذكور في الحديث خاص والترجمة عامة لكن العموم مستفاد من قوله في الآية: ﴿وَأَيْمَانِهِمْ﴾، انتهى من "الفتح" (٣).

стр. 1509

(٢٨ - باب ما قيل في الصوّاغ. . .) إلخ قال ابن المنيِّر: فائدة هذه الترجمة وما بعدها التنبيه على أن ذلك كان في زمنه ﷺ وأقره مع العلم بهم فيكون كالنص على جوازه وما عداه يؤخذ بالقياس. قال الحافظ تحت حديث الباب: والغرض منه قوله: "واعدت رجلًا صواغًا" وقد قدمنا أنهم رهط من اليهود، فيؤخذ منه جواز معاملة الصائغ ولو كان غير مسلم، ويؤخذ منه أنه لا يلزم من دخول الفساد في صنعة أن تترك معاملة صاحبها ولو تعاطاها أراذل الناس مثلًا، ولعل المصنف أشار إلى حديث "أكذب الناس الصباغون والصوّاغون" وهو حديث مضطرب الإسناد أخرجه أحمد وغيره، انتهى (١). وتقدم شيء من الكلام في "باب اللحام والجزار" وفي "الأنوار لأعمال الأبرار": كره جماعة كسب الصواغ، انتهى. وفي هامشه: كذا في "الروضة"، قال الرافعي: لأنهم كثيرًا ما يخلقون الوعد ويقعون في الربا لبيعهم المصوغ بأكثر من وزنه، قال الإسنوي: وهو وجه مرجوح إذ الأصح في الشهادات أن الصائغ ليس من أهل الحرف الدنيئة، وقد صححو أن الحائك منهم فهو دون الصائغ، وقد صححه أن لا كراهة في الحياكة، فلزم أن لا كراهة في الصياغة، إلى آخر ما ذكره، فالأوجه أن الإمام البخاري أشار إلى تلك الروايات بقوله في الترجمة: ما قيل، انتهى من هامش "اللامع" (٢). فائدة: بسط العلامة الدميري في "حياة الحيوان" (٣) أسماء أصحاب الحرف من الصحابة والتابعين والعلماء المشهورين، فقال: كان عمرو بن العاص جزارًا وكذلك الزبير بن العوام، وكان أبو بكر ﵁ بزّارًا، وكذلك

стр. 1510

عثمان وطلحة وعبد الرحمن بن عوف، وكان عمر دلّالًا ﵃ أجمعين، إلى آخر ما بسط. (٢٩ - باب ذكر القين والحدّاد) قال الحافظ (١): قال ابن دريد: أصل القين الحدّاد ثم صار كل صائغ عند العرب قينًا، فقال الزجاج: القين الذي يصلح الأسنة، والقين أيضًا الحدّاد، وكأن البخاري اعتمد القول الصائر إلى التغاير بينهما، وليس في الحديث الذي أورده في الباب إلا ذكر القين، وكأنه ألحق الحدّاد به في الترجمة لاشتراكهما في الحكم، انتهى. وتعقب عليه العلامة العيني (٢) فقال: لا يحتاج إلى هذا التكلف، والوجه أن القين يطلق على معان كثيرة: يطلق على العبد والأمة، فعطف الحدّاد على القين ليعلم أن مراده من القين هو الحدّاد، انتهى. وتبعه القسطلاني (٣) وجعل العطف تفسيريًا، وقد عرفت فيما سبق أن غرض المصنف بهذه التراجم بيان جواز هذه الحرف، ولا يبعد عندي أن الإمام البخاري أشار بالترجمة إلى ما سيأتي قريبًا في "باب العطار": "مثل الجليس السوء كمثل كير الحدّاد يحرق بيتك. . ." إلخ فهذا يوهم قباحة حرفة الحدّاد، وأيضًا أخرج أبو داود "أن رجلًا جاء إلى النبي ﷺ وعليه خاتم من حديد فقال: ما لي أرى عليك حلية أهل النار" (٤) الحديث، وهذا أيضًا يوهم أن الحدّاد صائغ لحلية أهل النار فنبَّه الإمام البخاري بالترجمة والحديث على كونها من حرف بعض الصحابة ﵃ أجمعين. قوله: (كنت قينًا في الجاهلية) إنما استدل بفعله في الجاهلية لأنه لو كان حرامًا لما طلب الواجب بعمله الحرام بعد ما أسلم، والظاهر أنه

стр. 1511

كان يطلب منه أجرة عمله الذي عمله فيها، انتهى [من "اللامع" (١)]. وفي هامشه: ما أفاده الشيخ قُدِّس سرُّه ظاهر من لفظ الحديث، وإلا فخباب ﵁ كان قينًا في الإسلام أيضًا، فقد ترجم الإمام البخاري على حديث الباب في "كتاب الإجارة": "باب هل يؤاجر الرجل نفسه من مشرك في أرض الحرب" قال الحافظ: أورد فيه حديث خباب وهو إذ ذاك مسلم في عمله للعاص بن وائل وهو مشرك، إلى آخر ما قال. (٣٠ - باب الخيّاط) قال الخطابي: في أحاديث هذه الأبواب دلالة على جواز الإجارة، وفي الخياطة معنى زائد؛ لأن الغالب أن يكون الخيط من عند الخياط فيجتمع فيها إلى الصنعة الآلة، وكان القياس أنه لا تصح إذ لا تتميز إحداهما عن الأخرى غالبًا، لكن الشارع أقره لما فيه من الإرفاق، واستقر عمل الناس عليه، وفيه دلالة على أن الخياطة لا تنافي المروءة، انتهى (٢). (٣١ - باب النساج) بالنون والمهملة وآخره جيم، وهو الحائك، لعل المصنف أراد إثبات جوازه إذ عدوه من الحرف الدنيئة كما تقدم في "باب ما قيل في الصواغ" عن "الأنوار" وفيه أيضًا: ولا يكره كسب الفاصد والحائك، انتهى. (٣٢ - باب النجار) بالنون المشددة والجيم، ولأبي ذر عن الكشميهني النجارة بكسر النون وتخفيف الجيم وفي آخره هاء، قال الحافظ ابن حجر (٣): والأول أشبه بسياق بقية التراجم، وفي "الفيض" (٤): لما دخل المصنف في بيان الصنائع والحرف ذكر النجّار والصوّاغ والنسّاج، انتهى.

стр. 1512

(٣٣ - باب شراء الإمام الحوائج بنفسه) بنصب "الحوائج" على المفعولية وسقط لغير أبي ذر لفظ "الإمام" فهو أعم. قال الحافظ: وفي بعض الروايات "شراء الحوائج بنفسه" أي: الرجل، وفائدة الترجمة رفع توهم من يتوهم أن تعاطي ذلك يقدح في المروءة، انتهى من "القسطلاني" (١). (٣٤ - باب شراء الدّوابّ والحمير. . .) إلخ وفي رواية أبي ذر "الحمر" بضمتين، من عطف الخاص على العام؛ لأن الدواب في الأصل موضوع لكل ما يدب على الأرض، ثم استعمل عرفًا لكل ما يمشي على أربع وهو يتناول الحمير وغيرها، وليس في حديثي الباب ذكر للحمر، وكأنه أشار إلى إلحاقها في الحكم بالإبل؛ لأن حديثي الباب إنما فيهما ذكر بعير ولا اختصاص في الحكم المذكور بدابة دون دابة، انتهى من "الفتح" (٢) و"القسطلاني" (٣). (٣٥ - باب الأسواق التي كانت في الجاهلية. . .) إلخ أي: جواز التبايع فيها، قال ابن بطال: فقه هذه الترجمة أن مواضع المعاصي وأفعال الجاهلية لا تمنع من فعل الطاعة فيها، انتهى من "القسطلاني" (٤). (٣٦ - باب شراء الإبل الهيم. . .) إلخ قال القسطلاني (٥): الهيم بكسر الهاء جمع أهيم للمذكر، ويقال: للأنثى هيمى، وهي الإبل التي بها الهيام وهو داء يشبه الاستسقاء تشرب منه، انتهى.

стр. 1513

وقال العيني (١): قيل: الهيام داء يكون معه الجرب، وبهذا ترجم البخاري "شراء الإبل الهيم والأجرب"، وفي "كتاب الإبل" للنضر بن شميل: وأما الهيام فنحو الدوار جنون يأخذ الإبل حتى تهلك، انتهى. وكتب الشيخ في "اللامع" (٢): يعني بذلك أن بيع الشيء المعيب جائز نافذ ولو من غير إظهار العيب إلا أن للمشتري خيارًا إذا اطلع على العيب، انتهى. وقال الحافظ (٣): في الحديث جواز بيع الشيء المعيب إذا بيَّنه البائع ورضي به المشتري، سواء بينه البائع قبل العقد أو بعده، لكن إذا أخر بيانه عن العقد ثبت الخيار للمشتري، انتهى. وهكذا قال العيني وزاد: وليس هذا من الغش، وأما ابن عمر فرضي بالعيب والتزمه، فصحت الصفقة فيه، انتهى. قوله: (الهائم المخالف. . .) إلخ، قال ابن التين: وليس الهائم واحد الهيم، فانظر لم أدخل البخاري هذا في تبويبه؟ وأجيب عن هذا: بأن البخاري لما رأى أن الهيم من الإبل كالذي قاله النضر بن شميل، وقد تقدم، شبهها بالرجل الهائم من العشق، فقال: الهائم المخالف إلخ، فكذلك الإبل الهيم تخالف القصد في قيامها وقعودها ودورها مع الشمس كالحرباء، انتهى من "العيني" (٤). وفي "الفيض" (٥) أي: الذي يخبط في مشيه، فهذا عيب، انتهى. وقال القسطلاني (٦): قوله: "الهائم المخالف" كأنه يريد أن بها داء الجنون، وقال بعد نقل اعتراض ابن التين المتقدم: وأجاب في "المصابيح"

стр. 1514

بأنه لم لا يجوز أن يكون كبازل وبزل ثم قلبت ضمة هيم لتصبح الياء كما فعل بجمع أبيض، انتهى. قوله: (لا عدوى. . .) إلخ، قال الحافظ (١): قال الخطابي: لا أعرف للعدوى هنا معنى، ثم بسط في توجيهه، انتهى. والأوجه عند هذا العبد الضعيف ما مال إليه شيخ مشايخنا الدهلوي في "التراجم" (٢) إذ قال: الوجه الموافق لمذهب الفقهاء في هذا الحديث أن ابن عمر كان له رد هذه الإبل بحكم العيب وكان له إمساكها فتروى (٣) في أمره فرأى مرضها هينًا وخاف عدواها فعزم على ردها لأجل العدوى، ثم تذكر حديث "لا عدوى" فأمسك عن الرد، انتهى. (٣٧ - باب بيع السلاح في الفتنة. . .) إلخ كتب الشيخ في "اللامع" (٤)، يعني بذلك أن كراهة البيع إنما هو إذا لم يأمن أن تستعمل هذه الأسلحة في الفتنة، وأما إذا أمن فلا، انتهى. وقال الحافظ (٥): كأن المراد بالفتنة ما يقع من الحروب بين المسلمين لأن في بيعه إذ ذاك إعانة لمن اشتراه، وهذا محله إذا اشتبه الحال، فأما إذا تحقق الباغي فالبيع للطائفة التي في جانبها الحق لا بأس به، إلى أن قال: وكأن المصنف أشار إلى خلاف الثوري في ذلك حيث قال: بع سلاحك لمن شئت. ثم قال الحافظ: وقد استشكل مطابقة الحديث للترجمة، قال الإسماعيلي: ليس في هذا الحديث من ترجمة الباب شيء، إلى آخر

стр. 1515

ما بسط في هامش "اللامع" (١) من كلام الشرَّاح ومن تقارير الشيخ الكَنكَوهي. والأوجه عندي: أن المصنف مال إلى قول الثوري ورد قول ابن عمر، وإنما ذكر قوله لبيان الاختلاف لا لاختياره، وثبت في الحديث بيعه زمن القتال وهو زمن الفتنة. (٣٨ - باب في العطار وبيع المسك) كتب الشيخ في "اللامع" (٢): خصه بالذكر لما فيه من مظنة عدم الجواز لما أنه دم في الأصل انتهى. وفي هامشه: قال الحافظ: ليس في حديث الباب سوى ذكر المسك وكأنه ألحق به العطار لاشتراكهما في الرائحة الطيبة، وفي الحديث جواز بيع المسك والحكم بطهارته لأنه ﷺ مدحه ورغَّب فيه، وفيه الرد على من كرهه، وهو منقول عن الحسن البصري وعطاء وغيرهما، ثم انقرض هذا الخلاف واستقر الإجماع على طهارة المسك وجواز بيعه، انتهى. (٣٩ - باب ذكر الحجَّام) لعل المصنف ﵀ ذكره ههنا باعتبار كونها من الحرف وإلا فليس هو من البيوع، وسيأتي أيضًا الروايات فيه في محلها من "كتاب الإجارة" و"كتاب الطب". قال العلامة العيني (٣): ولما ذكر في "باب موكل الربا" النهي عن ثمن الدم الذي هو الحجامة، وظاهره التحريم، عقد هذا الباب ههنا، وفيه حديثان يدلان على جواز الحجامة، وأخذ الأجرة، فذكرهما ليدل على أن

стр. 1516

النهي المذكور فيه إما منسوخ كما ذهب إليه البعض، وإما أنه محمول على التنزيه، كما ذهب إليه آخرون، وهذا الذي يذكر ههنا هو الوجه، لا ما ذكره بعضهم - الحافظ - لما لا طائل تحته، انتهى. وميل الحافظ (١) في غرض الترجمة أيضًا إلى الجواز، إذ قال: ولا يلزم من كونها من المكاسب الدنيئة أن لا تشرع فالكساح أسوأ حالًا من الحجام ولو تواطأ الناس على تركه لأضر ذلك بهم، انتهى. (٤٠ - باب التجارة فيما يكره لبسه للرجال والنساء) كتب الشيخ في "اللامع" (٢): يعني بذلك أن المكروه من التجارة تجارة ما كره الانتفاع به مطلقًا، فأما ما لا يكره للنساء أو غيرهن ويمكن الانتفاع به فلا كراهة فيه، فدلت الرواية الأولى على هذا المعنى من حيث إن الثوب المذكور فيه لما لم يكره الانتفاع به للنساء لم يحرم بيعه، وكذلك الرواية الثانية فإن الثوب ذا التصاوير وإن لم يجز لبسه كما هو إلا أنه مجوز الاستعمال بعد قطعه بحيث لا تسلم الصور أو تتبدل، انتهى. وبسط في هامشه الكلام على مطابقة أحاديث الباب بالترجمة. (٤١ - باب صاحب السلعة أحق بالسوم) بفتح المهملة وسكون الواو، أي: ذكر قدر معين للثمن، وقال ابن بطال: لا خلاف بين العلماء في هذه المسألة وأن متولي السلعة من مالك أو وكيل أولى بالسوم (٣) من طالب شرائها. قال الحافظ: لكن ذلك ليس بواجب، فسيأتي في قصة جمل جابر أنه ﷺ بدأه بقوله: "بعنيه بأوقية" الحديث، انتهى من "الفتح" (٤).

стр. 1517

(٤٢ - باب كم يجوز الخيار ؟) قال صاحب "الفيض" (١): وقد كان يخطر بالبال أن في تراجمه سوء ترتيب، فإنه قد تعرض إلى كيفيات الخيار قبل تقرر حقيقته، والذي يتبادر إلى الذهن أن يترجم أولًا على نفسه الخيار ثم إلى سائر كيفياته، وتبين آخرًا أن المصنف جعل الخيار في البيع أصلًا، وعدمه تبعًا على خلاف نظر الحنفية، فإذا كان الخيار عنده أصلًا لم ير حاجة إلى تقديمه، لكونه مفروغًا منه عنده، ودخل في فروعه، انتهى. قلت: فالمصنف ﵀ بدأ من ههنا مسألة الخيار، وبسط الكلام على أنواع الخيار في "الأوجز" (٢) وفيه: قال ابن قدامة في "الشرح الكبير": إن الخيار في البيع على سبعة أقسام، ثم بسطها، والمعروف في كتب الفقهاء الحنفية ثلاث خيارات: خيار الشرط، والرؤية، والعيب، لكن في الشروح وغيرها أكثر من ذلك، فقد ذكرها ابن نجيم ثلاثة عشرة. وفي "الدر المختار": أن الخيارات بلغت سبعة عشر نوعًا. قال الحافظ (٣): الخيار طلب خير الأمرين من إمضاء البيع أو فسخه، وهو خياران: خيار المجلس، وخيار الشرط، والكلام هنا على خيار الشرط، والترجمة معقودة لبيان مقداره، وليس في حديثي الباب بيان لذلك. قال ابن المنيِّر: لعله أخذ من عدم تحديده في الحديث أنه لا يتقيد بل يفوض الأمر فيه إلى الحاجة لتفاوت السلع في ذلك ويحتمل أن يكون مراد البخاري بقوله: "كم يجوز الخيار؟ " أي: كم يخيَّر أحد المتبايعين الآخر مرة، وأشار إلى ما في الطريق الآتية بعد ثلاثة أبواب من زيادة همام "ويختار ثلاث مرار" لكن لما لم تكن الزيادة ثابتة أبقى الترجمة على الاستفهام كعادته، انتهى.

стр. 1518

قلت: وتعقب على الاحتمال الثاني العلامة العيني (١) وقال: لأن لفظة "كم" موضوعة للعدد والعدد في مدة الخيار لا في تخيير أحد المتبايعين الآخر. واختلفوا في مدة الخيار، فعند الحنفية والشافعية موقتة بثلاثة أيام، وأنكر مالك التوقيت في ثلاثة أيام بغير زيادة، قال: أمد كل شيء بحسبه، فللدابة مثلًا والثوب يوم أو يومان، وللجارية جمعة، وللدار شهر، وقال أبو يوسف ومحمد وأحمد وإسحاق: إنه لا أمد لمدة خيار الشرط بل البيع جائز والشرط لازم إلى الوقت الذي يشترطانه، انتهى ملخصًا من "الفتح" (٢). (٤٣ - باب إذا لم يوقت الخيار. . .) إلخ كتب الشيخ في "اللامع" (٣): أي: هل يجوز البيع؟ أراد بذلك إثبات أن الرواية لما كانت مطلقة عن ذكر المدة فالفصل بين مدة ومدة مما لا يجوز فيكون تأييدًا لمذهب من لم يوقت الأجل، ثم ذكر الشيخ قُدِّس سرُّه الجواب عنه على مسلك الحنفية. قال العلامة العيني (٤): لم يذكر جواب الاستفهام لما فيه من الخلاف، انتهى. وقال الحافظ (٥): أي: إذا لم يعيّن البائع أو المشتري وقتًا للخيار وأطلقاه "هل يجوز البيع؟ " وكأنه أشار بذلك إلى الخلاف في حد خيار الشرط، ثم ذكر الحافظ اختلاف العلماء في تلك المسألة كما تقدم في الباب السابق، ثم قال: فإن شرطا أو أحدهما الخيار مطلقًا، فقال الأوزاعي وابن أبي ليلى: هو شرط باطل والبيع جائز، وقال الثوري

стр. 1519

والشافعي وأصحاب الرأي: يبطل البيع أيضًا، وقال أحمد وإسحاق: للذي شرط الخيار أبدًا، انتهى. ولم يذكر الحافظ مذهب المالكية، وفي "الأوجز" (١): قال الباجي: إذا شرط الخيار ولم يقرر المدة لم يبطل البيع، وحكم في ذلك بمقدار ما تختبر به تلك السلعة في غالب العادة، وقال أبو حنيفة والشافعي: يبطل العقد، انتهى. وهو الراجح عند أحمد كما قال الموفق (٢)، والرواية الثانية عنه ما تقدم في كلام الحافظ، والبسط في "الأوجز". (٤٤ - باب البيعان بالخيار ما لم يتفرقا، وبه قال. . .) إلخ أي: بخيار المجلس، وهو بيِّن من صنيعه الذي مضى قبل باب، انتهى من "الفتح" (٣). وبه قال الجمهور، منهم الشافعي وأحمد، وقال مالك وأبو حنيفة: يلزم العقد بالإيجاب والقبول، ولم يقولا بخيار المجلس، إلا أنه يبطل عند الشافعي بالتخاير، وعن أحمد: روايتان كما في "المغني" (٤) والبسط في "الأوجز" (٥). (٤٥ - باب إذا خيَّر أحدهما صاحبه بعد البيع) حاصل الترجمة أن خيار المجلس يبطل بالتخاير، وقد تقدم الخلاف فيه، فهو رد على إحدى الروايتين لأحمد من أنه يبقى الخيار إلى المجلس بعد التخاير أيضًا. وكتب الشيخ في "اللامع" (٦): هذه الترجمة تحتمل محملين:

стр. 1520

أحدهما: أن المتبايعين إذا كان لأحدهما خيار الشرط فقد وجب البيع وانعقد السبب وإن تأخر المسبب والحكم إلى ما بعد إسقاط الخيار أو انقضاء الأجل، وهذا إذا أريد بقوله: "أو يخير أحدهما الآخر" شرط الخيار. وثانيهما: أن يراد بالترجمة أن المتبايعين إذا قال أحدهما لصاحبه في أثناء المبايعة: اختر لنفسك القبول أو الرد فاختير البيع والقبول لا الرد فإن البيع واجب حينئذٍ ويثبت الحكم وهو الملك غير متراخ، وهذا إذا حمل قوله: "أو يخير أحدهما الآخر" على هذا المعنى فمعنى قوله في الرواية: "فتبايعا على ذلك فقد وجب البيع" مختلف باختلاف معنى قوله: "أو يخير"، انتهى. واختار الشرَّاح الاحتمال الثاني من هذين الاحتمالين. (٤٦ - باب إذا كان البائع بالخيار. . .) إلخ كأنه أراد الرد على من حصر الخيار في المشتري دون البائع فإن الحديث قد سوى بينهما في ذلك، وقال في موضع آخر: قال الثوري: يختص الخيار بالمشتري ويمتد له إلى عشرة أيام فأكثر، ويقال: إنه انفرد بذلك، انتهى من "الفتح" (١). (٤٧ - باب إذا اشترى شيئًا فوهب من ساعته) كتب الشيخ في "اللامع" (٢): كأنه قاس على الهبة البيع فكما جازت هبة المشتري قبل قبضه فكذلك البيع، وإنما منعه أبو حنيفة رحمه الله تعالى لقوله ﵊: "لا تبع ما ليس عندك" ولورود النهي عن بيع الطعام قبل القبض، وقد قال ابن عباس: "أحسب كل شيء مثله" مع أن العلة وهي كون المبيع مظنة الهلاك يشمل كل شيء إلا العقارات فوجب

стр. 1521

تعميم الحكم، ولا يبعد أن يقال - والله أعلم بحقيقة الحال -: إن غرض البخاري ﵀ منها ليس إثبات جواز الهبة بخصوصها بل المقصود بيان بعض التصرفات الجائزة قبل القبض كالعتق مثلًا والهبة على رأيه والبيع مطلقًا على رأي طاوس كما ذكره ﵀، فكان من جزئياته بيع المبيع من البائع ولو قبل قبض البائع الثمن والمشتري المبيع، وإن كان مشروطًا بكونه على الثمن الأول على ما ذكروه في باب الإقالة، وعلى هذا فلا يضرنا أثر ابن عمر ﵄ على التأويل الذي ذكرنا من حمل الخيار على الاستحباب، والله أعلم، انتهى. وبسط في هامشه الكلام على شرح كلام الشيخ قُدِّس سرُّه. قلت: قصة عمر في الإبل الصعب لما كان مخالفًا لمن قال بخيار المجلس أولها المصنف بهذه الترجمة وأشار إلى الجواب بأن سكوت البائع يكفي، وأشكل بأنه ﷺ لم يكن له حق في التصرف لما فيه خيار لغيره، وأجاب عنه الحافظ بأنه واقعة لا نعلم حقيقتها، وأوَّله الشافعية بوجوه أخر ذكره في "الفتح" (١). والعجب من الإمام البخاري أورد على الأحناف في "كتاب الإكراه" في "باب إذا أكره حتى وهب عبدًا أو باعه لم يجز، وبه قال بعض الناس. . ." إلخ، وحاصله أنه ألزم الحنفية أنهم لا يجوزون بيع المكره وهبته ومع ذلك قالوا: لو نذر المشتري في ذلك الشيء المشترى أو دبره لو كان عبدًا أنه جائز، فأثبت التعارض والتناقض بين قولهم من عدم جواز البيع مع جواز تصرف المشتري فأنا أقول: إنه يرد مثل ذلك ههنا على الإمام البخاري ومن وافقه ممن قالوا بخيار المجلس من أنهم لما أثبتوا خيار المجلس للبائع فكيف جاز عندهم تصرف المشتري في ذلك، فتأمل.

стр. 1522

(٤٨ - باب ما يكره من الخداع في البيع) قال الحافظ (١): كأنه أشار بهذه الترجمة إلى أن الخداع في البيع مكروه ولكنه لا يفسخ البيع، إلا إن شرط المشتري الخيار على ما تشعر به القصة المذكورة في الحديث، انتهى. قلت: لكن الخداع حرام منهي عنه، والمصنف أبطل بيع النجش كما سيأتي لكونه حرامًا ومنهيًا عنه. قال العيني (٢) تحت ذكر ما يستفاد من الحديث: مذهب الحنفية والشافعية على أن الغبن غير لازم فلا خيار للمغبون سواء قل الغبن أو كثر، وهو الأصح من روايتي مالك، وقال البغداديون من أصحابه: للمغبون الخيار بشرط أن يبلغ الغبن ثلث القيمة وإن كان دونه فلا، وقيل: السدس، وعن داود: العقد باطل، وعن مالك: إن كانا عارفين بتلك السلعة وسعرها وقت البيع لم يفسخ البيع، كثيرًا كان الغبن أو قليلًا، فإن كان أحدهما غير عارف بذلك فسخ البيع إلا أن يريد أن يمضيه، ولم يحد مالك حدًا، وأثبت هؤلاء خيار الغبن بالحديث المذكور، انتهى. وقال القسطلاني (٣): قوله: "إذا بايعت فقل لا خلابة"، واستدل به أحمد لأنه يرد بالغبن الفاحش لمن لم يعرف قيمة السلعة، وحده بعض الحنابلة بثلث القيمة، وقيل بسدسها، وأجاب الشافعية والحنفية والجمهور بأنها واقعة عين وحكاية حال فلا يصح دعوى العموم فيها عند أحد، انتهى. وذكر في "الأوجز" (٤) ههنا عدة أبحاث فقهية، فارجع إليه. (٤٩ - باب ما ذكر في الأسواق) قال ابن بطال: أراد بذكر الأسواق إباحة المتاجر ودخول الأسواق للأشراف والفضلاء، وكأنه أشار إلى ما لم يثبت على شرطه من أنها شر

стр. 1523

البقاع، وهو حديث أخرجه أحمد والبزار وصححه الحاكم من حيث جبير بن مطعم أن النبي ﷺ قال: "أحب البقاع إلى الله المساجد، وأبغض البقاع إلى الله الأسواق": وإسناده حسن، قال ابن بطال: وهذا خرج على الغالب وإلا فرُب سوق يذكر فيها الله أكثر من كثير من المساجد، انتهى (١). قوله: (دعا رجل بالبقيع) كتب الشيخ في "اللامع" (٢): وكانت على قرب منه تجارات من الخيول وغيرها فصح إيراده ههنا وفيه الترجمة، انتهى. وبسط في هامشه الكلام من كلام الشرَّاح وغيره. (٥٠ - باب كراهية الصخب في السوق) وفي نسخة الحافظ (٣): "السخب" بالسين المهملة، فقال: السخب بفتح المهملة والخاء المعجمة بعدها موحدة، ويقال فيه الصخب بالصاد المهملة بدل السين، وهو رفع الصوت بالخصام، وأورد المصنف فيه حديث عبد الله بن عمرو في صفة النبي ﷺ ، والغرض منه قوله: "ولا سخّاب في الأسواق"، انتهى. قلت: والحاصل أنه أخذ الكراهة من نفي كونه صفة له ﷺ ، وهو مشكل لأن كثيرًا من المباحات ليست من صفته ﵊، اللَّهم إلا أن يقال: إنه ذكر في مقام المدح فمقتضاه أن مقابله مما يذم ويكره. قوله: (﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ. . .﴾) إلخ، قال العلامة السندي (٤): لعله يكون حكاية عما أنزل الله تعالى عليه في القرآن أو غيره إذ لا يمكن الخطاب معه ﷺ في التوراة حين أنزلت التوراة، انتهى.

стр. 1524

(٥١ - باب الكيل على البائع والمعطي) قال الحافظ (١): أي مؤنة الكيل على المعطي بائعًا كان أو مُوَفِّي دين أو غير ذلك، ويلتحق بالكيل في ذلك الوزن فيما يوزن من السلع وهو قول فقهاء الأمصار، وكذلك مؤنة وزن الثمن على المشتري إلا نقد الثمن فهو على البائع على الأصح عند الشافعية، انتهى. قال العيني (٢): قال الفقهاء: إن الكيل والوزن فيما يكال ويوزن من المبيعات على البائع، ومن عليه الوزن والكيل فعليه أجرة ذلك، وهو قول مالك وأبي حنيفة والشافعي، انتهى. وفي "الهداية": وأجرة الكيال وناقد الثمن على البائع، أما الكيل فلا بد منه للتسليم وهو على البائع، ومعنى هذا إذا بيع مكايلة، وكذا أجرة الوزان والزراع والعداد، وأما النقد فالمذكور رواية ابن رستم عن محمد، وفي رواية ابن سماعة عنه: على المشتري، انتهى. وقال الموفق: أجرة الكيال والوزان على البائع، انتهى مختصرًا من هامش "اللامع" (٣). وكتب الشيخ في "اللامع" (٤) تحت الباب: ودلالة الرواية عليه ظاهرة أما في الأولى فقد كتبه المحشي، وأما في الثانية ففي قوله ﵊ لجابر: "كِلْ للقوم" وكان هو المعطي، ولما كان في الترجمة ذكر الكيل ناسب أن يذكر الآية التي ذكر فيها الكيل فقال: ﴿وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ﴾ [المطففين: ٣] مع أن فيه دلالة على أن الكيل والوزن إنما هو على البائع والمعطي، ولا يتوهم أن أول الآية وهو قوله تعالى: ﴿إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ﴾ [المطففين: ٢] يدل على أن الكيل قد يكون من المشتري والآخذ أيضًا؛ لأن معنى قوله: ﴿اكْتَالُوا﴾ هو الأخذ والاستيفاء لا الكيل، ولو سلم

стр. 1525

فالمعنى إذا كال لهم البائع لا يستسلمون كيله فنسب الكيل إليهم لأنهم المتصرفون فيه، وقوله ﷺ : "اكتالوا حتى تستوفوا" أورده ههنا لدلالته على ما دلت عليه الآية من أن الاكتيال يستعمل لما يجعله المرء لنفسه، انتهى. وبسط الكلام عليه في هامشه. (٥٢ - باب ما يستحب من الكيل) قال الحافظ (١): أي: في المبايعات، انتهى. قلت: هذا ليس بوجيه بل الأوجه عندي أن المراد منه الكيل في الإنفاق على الأهل والعيال كما يدل عليه حديث الباب، وذكره المصنف ههنا تبعًا واستطرادًا. قال الحافظ (٢): قال ابن بطال (٣): الكيل مندوب إليه فيما ينفقه المرء على عياله، ومعنى الحديث أخرجوا بكيل معلوم يبلغكم إلى المدة التي قدرتم، مع ما وضع الله من البركة في مد أهل المدينة بدعوته ﷺ ، وقال ابن الجوزي (٤): يشبه أن تكون هذه البركة للتسمية عليه عند الكيل، انتهى. ويشكل على الحديث ما ورد من قوله ﷺ : "لا توكي فيوكي الله عليك" (٥)، وأشكل منه ما روي عن عائشة "كان عندي شطر شعير فأكلت منه حتى طال علي فكلته ففني" (٦)، وجمع الشرَّاح بينهما بوجوه. (٥٣ - باب بركة صاع النبي ﷺ -) إيراد المصنف هذه الترجمة عقب التي عقب التي قبلها يشعر بأن البركة المذكورة في حديث المقدام مقيدة بما إذا وقع الكيل بمد النبي ﷺ

стр. 1526

وصاعه، ويحتمل أن يتعدى ذلك إلى ما كان موافقًا لهما لا إلى ما يخالفهما، انتهى من "الفتح" (١). قال القسطلاني (٢): قوله: "يعني أهل المدينة" وهل يختص بالمد المخصوص أو بكل مد تعارفه أهل المدينة زاد أو نقص، وهو الظاهر لأنه أضافه إلى المدينة تارة وإلى أهلها أخرى، ولم يضفه ﵊ إلى نفسه الزكية فدل على عموم الدعوة لا على خصوصها بمده ﵊، وقال أيضًا تحت قوله: "اللهم بارك لهم في صاعهم ومدهم": وقد استجاب الله دعاء رسوله وكثر ما يكتال بهذا الكيل حتى يكفي منه ما لا يكفي من غيره في غير المدينة، ولقد شاهدت من ذلك ما يعجز عنه الوصف، وهو علم من أعلام نبوته ﷺ ، فينبغي أن يتخذ ذلك المكيال رجاء بركة دعوته ﵊ والاستنان بأهل البلد الذين دعا لهم ﵊، انتهى. (٥٤ - باب ما يذكر في بيع الطعام والحكرة) قال القسطلاني (٣): أي: ما يذكر في بيع الطعام قبل قبضه وما يذكر في الحكرة، انتهى. قال الحافظ: الحكرة بضم المهملة وسكون الكاف: حبس السلع عن البيع، وليس في حديث الباب للحكرة ذكر، وكأن المصنف استنبط ذلك من الأمر بنقل الطعام إلى الرحال ومنع بيع الطعام قبل استيفائه، فلو كان الاحتكار حرامًا لم يأمر بما يؤول إليه، وكأنه لم يثبت عنده حديث معمر بن عبد الله مرفوعًا "لا يحتكر إلا خاطئ" أخرجه مسلم، لكن مجرد إيواء الطعام إلى الرحال لا يستلزم الاحتكار الشرعي؛ لأن الاحتكار الشرعي إمساك الطعام عن البيع وانتظار الغلاء مع الاستغناء عنه وحاجة الناس إليه،

стр. 1527

ويحتمل أن يكون البخاري أراد بالترجمة بيان تعريف الحكرة التي نهي عنها في غير هذا الحديث، وأن المراد بها قدر زائد على ما يفسره أهل اللغة، فساق الأحاديث التي فيها تمكين الناس من شراء الطعام ونقله، ولو كان الاحتكار ممنوعًا لمنعوا من نقله، أو لبيَّن لهم عند نقله الأمد الذي ينتهون إليه، أو لأخذ على أيديهم من شراء الشيء الكثير الذي هو مظنة الاحتكار، وكل ذلك مشعر بأن الاحتكار إنما يمنع في حالة مخصوصة بشروط مخصوصة، انتهى من "الفتح" (١). وفي "تراجم (٢) شيخ المشايخ": إن قلت: ليس في أحاديث الباب ذكر الحكرة، قلت: أراد أن بيع الطعام لا بأس به إلا من علة خارجية كعدم القبض ونحوه، كأنه يقول: ما يذكر في بيع الطعام وما يمنعه من الحكرة ونحوها، انتهى. قلت: واختلفوا فيما يكره فيه الاحتكار، قال النووي (٣): قال أصحابنا: الاحتكار المحرم هو الاحتكار في الأقوات خاصة، وهو أن يشتري الطعام في وقت الغلاء للتجارة، ولا يبيعه في الحلال، بل يدخره ليغلو ثمنه، فأما إذا جاءه من قرية، أو اشتراه في وقت الرخص وادخره، أو ابتاعه في وقت الغلاء لحاجته إلى أكله، أو ابتاعه ليبيعه في وقته، فليس باحتكار، ولا تحريم فيه، وأما غير الأقوات فلا يحرم الاحتكار فيه بكل حال، وهذا تفصيل مذهبنا. وقال ابن العربي (٤): قال مالك: الاحتكار في كل شيء إذا أضرّ بالناس، إلا الفواكه، وأما عند الحنابلة فما في "المغني" (٥): قال الأثرم: سمعت أبا عبد الله يسأل عن أي شيء الاحتكار؟ قال: إذا كان من قوت الناس فهو الذي يكره.
следующие страницы →