← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 853

الأبواب والتراجم لصحيح البخاري

محمد زكريا الكاندهلوي

Полный текст (3 740 стр.). Показаны 1558–1597 · переход к 1563.

стр. 1558

(٨٧ - باب إذا باع الثمار قبل أن يبدو صلاحها. . .) إلخ قال الحافظ (١): جنح البخاري في هذه الترجمة إلى صحة البيع وإن لم يبد صلاحها، لكنه جعله قبل الصلاح من ضمان البائع، ومقتضاه أنه إذا لم يفسد فالبيع صحيح، وهو في ذلك متابع للزهري كما أورده عنه في آخر الباب. وقال بعد حديث الباب: واستدل بهذا على وضع الجوائح في الثمر يشتري بعد بدو صلاحه ثم تصيبه جائحة، فقال مالك: يضع عنه الثلث، وقال أحمد: يضع الجميع، وقال الشافعي والكوفيون: لا يرجع على البائع بشيء وقالوا: إنما ورد وضع الجائحة فيما إذا بيعت الثمرة قبل بدو صلاحها بغير شرط القطع فيحمل مطلق الحديث في رواية جابر على ما قيد به في حديث أنس، انتهى. وكتب شيخ مشايخنا مولانا أحمد علي المحدث السهارنفوري نور الله مرقده في هامش "البخاري" (٢): قوله: "أرأيت إن منع الله الثمرة. . ." إلخ، فيه الترجمة لأن الثمرة إذا أصابتها عاهة ولم يقبضها المشتري تكون من ضمان البائع، فإذا قبضها فهو من مال المشتري، وبه قال جمهور السلف والثوري وأبو حنيفة والشافعي في الجديد وغيرهم، قاله العيني (٣)، انتهى. (٨٨ - باب شراء الطعام إلى أجل) قال العلامة العيني (٤): تقدم حديث الباب في "باب شراء النبي ﷺ بالنسيئة"، انتهى.

стр. 1559

قلت: هو كذلك، وتقدم أيضًا في "باب شراء الإمام الحوائج بنفسه" وفي "الفيض" (١)، يعني اشترى طعامًا، ولم يؤد ثمنه، فهو بيع مطلق؛ لأنه أنه سلم، كما فهم، انتهى. (٨٩ - باب إذا أراد بيع تمر بتمر. . .) إلخ أي: ما يصنع ليسلم من الربا، وأجمعوا على أن التمر بالتمر لا يجوز بعضه ببعض إلا مثلًا بمثل، وسواء فيه الطيب والدون، وأنه كله على اختلاف أنواعه جنس واحد، انتهى من "الفتح" (٢) باختصار. (٩٠ - باب قبض من باع نخلًا قد أُبِّرت) هكذا في النسخة المطبوعة الهندية التي بأيدينا، وفي نسخة الشروح: "باب من باع" بدون لفظ "القبض". قال القسطلاني (٣): قوله: "باب من باع. . ." إلخ، ولأبي ذر "قبض من"، انتهى. قوله: (بإجارة) قال الحافظ (٤): أي أخذ شيئًا مما ذكر بإجارة، انتهى. وقال العلامة العيني (٥): وجواب من محذوف تقديره: فثمرتها للذي أبّرها، ولم يذكره اكتفاءً بما في الحديث. قال العيني بعد ذكر أثر ابن عمر: فإن قلت: للترجمة ثلاثة أجزاء: الأول: بيع النخل المؤبرة، والثاني: بيع الأرض المزروعة، والثالث: الإجارة، فأين مطابقة الحديث لهذه الأجزاء؟ قلت: قوله: "نخل بيعت قد أبّرت" مطابق للجزء الأول، وقوله: "والحرث" - هو الزرع - مطابق للجزء الثاني، فالزرع للبائع إذا باع الأرض المزروعة ويفهم منه أنه: إذا آجر أرضه

стр. 1560

وفيها زرع فالزرع له، وإن كانت الإجارة فاسدة عندنا في ظاهر الرواية، وهذا مطابق للجزء الثالث، ولم أر أحدًا من الشرَّاح قد تنبَّه لهذا مع دعوى بعضهم الدعاوي العريضة في هذا الفن، انتهى. قلت: وذكر في "الأوجز" (١) في الحديث سبعة أبحاث، كما ذكر في هامش "اللامع" (٢) فارجع إليه. (٩١ - باب بيع الزرع بالطعام كيلًا) قال الحافظ (٣): قال ابن بطال (٤): أجمع العلماء على أنه لا يجوز بيع الزرع قبل أن يقطع بالطعام؛ لأنه بيع مجهول بمعلوم، وأما بيع رطب ذلك بيابسه بعد القطع وإمكان المماثلة فالجمهور لا يجيزون بيع شيء من ذلك بجنسه لا متفاضلًا ولا متماثلًا. قال الحافظ: وقد تقدم البحث قبل أبواب، واحتج الطحاوي لأبي حنيفة في جواز بيع الزرع الرطب بالحب اليابس بأنهم أجمعوا على جواز بيع الرطب بالرطب مثلًا بمثل مع أن رطوبة أحدهما ليست كرطوبة الآخر بل تختلف اختلافًا متباينًا، وتعقب بأنه قياس في مقابلة النص، وبأن الرطب بالرطب وإن تفاوت لكنه نقصان يسير فعفي عنه لقلته بخلاف الرطب بالتمر فإن تفاوته تفاوت كثير، انتهى. قلت: تقدم البسط في ذلك في "باب بيع المزابنة"، وتقدم هناك مستدل الإمام أبي حنيفة بأنهما جنس واحد فيجوز متساويًا، أو هما جنسان فيجوز كيف شئتم، كذا في هامش "اللامع" (٥).

стр. 1561

(٩٢ - باب بيع النخل بأصله) هذه الترجمة بظاهرها مكررة لما تقدم قريبًا "باب بيع النخل قبل أن يبدو صلاحها" لا سيما على رأي الحافظ فإنه حمل الترجمة المذكورة قبل على بيع الأصول، ولم يتعرض أحد من الشرَّاح للتكرار، ويمكن التفصي عنه عند هذا العبد الضعيف بحمل الأولى على الأشجار، وحمل هذه الترجمة على الأرض، لكن فيه أن أكثر الشرَّاح حملوا هذه الترجمة أيضًا على الأشجار. وقال الكرماني (١): فإن قلت: ما أصل النخلة أهو الأرض أم لا؟ قلت: الإضافة بيانية نحو: شجر الأراك، أي: أصل هو النخلة، انتهى. وكذا صاحب "الفيض" (٢) إذ قال: "باب بيع النخل بأصله" أي: باع الثمار وباع معها النخل أيضًا. قال العيني (٣): أي: باب بيع ثمر النخل بأصله أي: بأصل النخل. وقال القسطلاني (٤): ليس المراد أرضها فالإضافة بيانية، انتهى. ولا إيراد على رأي العيني ومن وافقه فإن حمل الترجمة الأولى على الثمار كما تقدم، كذا في هامش "اللامع" (٥). والحاصل أن ههنا ثلاث تراجم: الأولى: "باب بيع الثمار قبل أن يبدو صلاحها". والثانية: "باب بيع النخل قبل أن يبدو صلاحها". والثالثة: هذا الذي نحن فيه. والفرق بين هذه التراجم على رأي العلامة العيني أن المقصود

стр. 1562

من الأولى بيان بيع الثمار على العموم سواء كان ثمر النخل أو ثمر غيره من الأشجار، والغرض من الثانية بيع ثمر النخل خاصة، والمراد ههنا بيع ثمر النخل مع النخل، وعلى هذا فلا تكرار بالترجمة. (٩٣ - باب بيع المخاضرة) بالخاء والضاد المعجمتين، وهي مفاعلة من الخضرة، والمراد بيع الثمار والحبوب قبل أن يبدو صلاحها، انتهى من "الفتح" (١). قال القسطلاني (٢): قوله: "نهى عن المخاضرة" فلا يجوز بيع زرع لم يشتد حبه ولا بيع بقول وإن كانت تجذ مرارًا إلا بشرط القطع أو القلع أو مع الأرض كالثمر مع الشجر، فإن اشتد حب الزرع لم يشترط القطع ولا القلع كالثمر بعد بدو صلاحه، وكذا لا يصح بيع الجزر والفجل والثوم والبصل في الأرض لاستتار مقصودها، ويجوز بيع ورقها الظاهر بشرط القطع كالبقول، انتهى. وقال الموفق (٣): لا يجوز بيع الزرع الأخضر في الأرض إلا بشرط القطع في الحال، كما ذكرناه في الثمرة على الأصول، قال ابن المنذر: لا أعلم أحدًا يعدل عن القول به، وهو قول مالك، وأهل المدينة، وأصحاب الحديث، وأصحاب الرأي، إلى آخر ما قال، انتهى من هامش اللامع (٤). (٩٤ - باب بيع الجمّار وأكله) أي: حكم بيع الجمَّار، بضم الجيم وتشديد الميم: قلب النخلة، انتهى من "القسطلاني" (٥).

стр. 1563

قال الحافظ (١): وليس في الحديث ذكر البيع لكن الأكل منه يقتضي جواز بيعه، قاله ابن المنيِّر (٢)، ويحتمل أن يكون أشار إلى أنه لم يجد حديثًا على شرطه يدل بمطابقته على بيع الجمار، وقال ابن بطال (٣): بيع الجمار وأكله من المباحات بلا خلاف، وكل ما انتفع به للأكل فبيعه جائز. قال الحافظ: وفائدة الترجمة دفع توهم المنع من ذلك؛ لأنه قد يظن إفسادًا وإضاعة وليس كذلك، انتهى. وقال الكرماني (٤): فإن قلت: ما الذي يدل على بيع الجمار؟ قلت: جواز أكله، ولعل الحديث مختصر مما فيه ذلك، أو غرضه الإشارة إلى أنه لم يجد حديثًا يدل عليه بشرطه، انتهى. وقال العيني (٥) بعد ذكر قول الكرماني: الجواب الأول أوجه من الآخرين، ثم ذكر قول الحافظ في فائدة الترجمة، ثم تعقب عليه بقوله: المقصود من الترجمة أن يدل على شيء في الحديث الذي يورده في بابها، وهذا الذي قاله أجنبي من ذلك، وليس بشيء على ما لا يخفى، انتهى. قلت: والوجه عندي ما قاله الحافظ كما لا يخفى، فإن غرض الترجمة غير الترجمة، والذي يحتاج إلى ما في الحديث هي الترجمة لا غرضها، كذا في هامش "اللامع" (٦). (٩٥ - باب من أجرى أمر الأمصار. . .) إلخ قال العيني (٧): قوله: "وسننهم" عطف على "ما يتعارفون بينهم" أي: على طريقتهم الثابتة على حسب مقاصدهم وعاداتهم المشهورة، وحاصل الكلام أن البخاري قصد بهذه الترجمة إثبات الاعتماد على العرف والعادة، انتهى.

стр. 1564

قال الحافظ (١): قال ابن المنير (٢) وغيره: مقصوده بهذه الترجمة إثبات الاعتماد على العرف، وأنه يقضى به على ظواهر الألفاظ، ولو أن رجلًا وكل رجلًا في بيع سلعة فباعها بغير النقد الذي عرف الناس لم يجز، وكذا لو باع موزونًا أو مكيلًا بغير الكيل أو الوزن المعتاد، وذكر القاضي حسين من الشافعية أن الرجوع إلى العرف أحد القواعد الخمس التي يبنى عليها الفقه، فمنها الرجوع إلى العرف في معرفة أسباب الأحكام من الصفات الإضافية، كصغر ضبة الفضة وكبرها، وغالب الكثافة في اللحية ونادرها، إلى غير ذلك، ومنها الرجوع إلى المقادير، كالحيض والطهر وأكثر مدة الحمل وسن اليأس، إلى آخر ما بسطه. وقال العيني (٣): كل شيء لم ينص عليه الشارع أنه كيلي أو وزني يعمل في ذلك على ما يتعارفه أهل تلك البلدة مثلًا الأرز فإنه لم يأت فيه نص من الشارع أنه كيلي أو وزني، فيعتبر في عادة أهل كل بلدة على ما بينهم من العرف فيه، فإنه في البلاد المصرية يكال، وفي البلاد الشامية يوزن، ونحو ذلك من الأشياء؛ لأن الرجوع إلى العرف جملة من القواعد الفقهية، انتهى. قوله: (لا بأس العشرة بأحد عشر) قال الكرماني (٤): العشرة بالرفع والنصب، أي: إذا كان عرف البلد أن المشترى بعشرة دراهم يباع بأحد عشر درهمًا فيبيعه على ذلك العرف فلا بأس به، انتهى. قال العيني (٥): قال ابن بطال: اختلف العلماء في ذلك فأجازه قوم وكرهه آخرون، وممن كره ابن عباس وابن عمر وغيرهما، وبه قال أحمد وإسحاق، قال أحمد: البيع مردود، وأجازه ابن المسيب والنخعي، وهو

стр. 1565

قول مالك والثوري، وحجة من كرهه أنه بيع مجهول، وحجة من أجازه أن الثمن معلوم والربح معلوم، وأصل هذا الباب بيع الصبرة كل قفيز بدرهم، ولا يعلم مقدارها من الطعام، فأجازه قوم وأباه آخرون، ومنهم من قال: لا يجوز إلا القفيز الواحد، انتهى من هامش "اللامع" (١) والبسط فيه. (٩٦ - باب بيع الشريك من شريكه) قال ابن بطال (٢): هو جائز في كل شيء مشاع، وهو كبيعه من الأجنبي، فإن باعه من الأجنبي فللشريك الشفعة، وإن باعه من الشريك ارتفعت الشفعة، وذكر فيه حديث جابر في الشفعة، وحاصل كلام ابن بطال مناسبة الحديث للترجمة، وقال غيره: معنى الترجمة حكم بيع الشريك من شريكه، والمراد منه حض الشريك أن لا يبيع ما فيه الشفعة إلا من شريكه؛ لأنه إن باعه لغيره كان للشريك أخذه بالشفعة قهرًا، وقيل: وجه المناسبة أن الدار إذا كانت بين ثلاثة فباع أحدهم للآخر كان للثالث أن يأخذ بالشفعة ولو كان المشتري شريكًا، وقيل: ينبني على الخلاف هل الأخذ بالشفعة أخذ من المشتري أو البائع؟ فإن كان من المشتري فيكون شريكًا، وإن كان من البائع فهو شريك شريكه، وقيل: مراده أن الشفيع إن كان له الأخذ قهرًا فللبائع إذا كان شريكه أن يبيع له ذلك بطريق الاختيار، بل أولى، انتهى. قلت: وما قال الحافظ (٣) من مسألة الدار بين الثلاثة خلافية بسطت في "المغني" (٤)، وذكر في هامش "اللامع" وفيه: قال القسطلاني (٥): قال ابن المنيِّر: أدخل في هذا الباب حديث الشفعة لأن الشريك يأخذ الشقص من المشتري قهرًا بالثمن، فأخذه له من شريكه مبايعة جائز قطعًا، انتهى.

стр. 1566

وقال العيني (١): مطابقة الحديث للترجمة من حيث إن الشفعة لا تقوم إلا بالشفيع، وهو إذا أخذ الدار المشتركة بينه وبين رجل حين باع ما يخصه بالشفعة، فكأنه اشتراه من شريكه، فصدق عليه أنه بيع الشريك من الشريك، انتهى. قلت: والأوجه عندي من هذه الوجوه ما ذكره الحافظ من أن غرض الترجمة الحض على بيع الشريك من شريكه؛ لأنه إذا كان للشريك أن يأخذ قهرًا فأولى أن يأخذه رضىً ليكون أطيب لقلبه، انتهى من هامش "اللامع" (٢). وفي "الفيض" (٣) تحت الباب: وهذا البيع جائز عندنا، ولا يضره الشيوع، بخلاف هبة المشاع، انتهى. (٩٧ - باب بيع الأرض والدور) إلخ قال الحافظ (٤): ذكر فيه حديث جابر في الشفعة أيضًا، وسيأتي في مكانه، وذكر ههنا اختلاف الرواة في قوله: "كل ما لم يقسم" أو "كل مالٍ لم يقسم"، إلى آخر ما بسطه من اختلاف ألفاظ الرواة، ولم يتعرض لغرض الترجمة. وقال العيني (٥): قوله: "الدور" بالهمز والواو كليهما وبالواو فقط جمع دار، والعروض بالضاد المعجمة جمع عرض بالفتح، وهو المتاع، وقوله: "مشاعًا" نصب على الحال، ثم قال بعد ذكر الحديث: مطابقته للترجمة في قوله: "كل ما لا يقسم" وقد ذكرنا أن هذا اللفظ عام، وأريد به الخاص في العقار، وقد مضى في الباب السابق أن الشفعة في الأرضين والدور خاصة، وأما بيع العروض مشاعًا فأكثر العلماء أنه لا شفعة فيها،

стр. 1567

كما مرّ، وإنما ذكر العروض في الترجمة وليس لها ذكر في الحديث تنبيهًا على الخلاف فيه على الإجمال، ويوقف عليه من الخارج، انتهى. قلت: بسط الكلام في "الأوجز" (١) فيما يقع فيه الشفعة، وفيه: قال الموفق: الشفعة تثبت على خلاف الأصل، إذ هي انتزاع ملك المشتري بغير رضىً، لكن أثبتها الشرع لمصلحة راجحة، فلا تثبت إلا بشروط أربعة، وبسط في "الأوجز" اختلاف الأئمة في الشروط الأربعة، ليس هذا محله. (٩٨ - باب إذا اشترى شيئًا لغيره بغير إذنه فرضي) هذه الترجمة معقودة لبيع الفضولي، وقد مال البخاري فيها إلى الجواز، انتهى من "الفتح" (٢). وهكذا في العيني (٣) إذ قال: أشار به البخاري إلى بيع الفضولي. قلت: هذا مشكل فإن نص الترجمة أنها منعقدة لشراء الفضولي دون البيع، وقال ابن رشد في "البداية" (٤): اختلفوا في بيع الفضولي وشرائه، فمنعه الشافعي في الوجهين جميعًا، وأجازه مالك في الوجهين جميعًا، وفرَّق أبو حنيفة بين البيع والشراء، فقال: يجوز البيع ولا يجوز الشراء. وعمدة المالكية حديث عروة البارقي في الأضحية، ووجه الاستدلال منه أن النبي ﷺ لم يأمره في الشاة الثانية لا بالشراء ولا بالبيع، فصار ذلك حجة على أبي حنيفة في صحة الشراء للغير، وعلى الشافعي في الأمرين جميعًا، انتهى. وقال الموفق (٥): من باع مال غيره بغير إذنه، فالصحيح من المذهب أن البيع باطل، وفيه رواية أخرى أنه صحيح، ويقف على إجازة المالك، فإن لم يجزه بطل، وإن أجازه صح.

стр. 1568

قال العيني (١) بعد ذكر الحديث: وفيه جواز بيع الإنسان مال غيره بطريق الفضول، والتصرف فيه بغير إذن مالكه إذا أجازه المالك بعد ذلك، ولهذا عقد البخاري الترجمة، وقال بعضهم - الحافظ -: طريق الاستدلال به يبتني على أن شرع من قبلنا شرع لنا، والجمهور على خلافه. قال العيني: شرع من قبلنا يلزمنا ما لم يخص الشارع الإنكار عليه، وههنا طريق آخر في الجواز، وهو أنه ﷺ ذكر هذه القصة في معرض المدح والثناء على فاعلها، وأقرَّه على ذلك، ولو كان لا يجوز لبينه، انتهى. وقال القسطلاني (٢) تبعًا للحافظ: وطريق الاستدلال به ينبني على أن شرع من قبلنا شرع لنا، والجمهور على خلافه، لكن تقرر أن النبي ﷺ ساقه سياق المدح والثناء على فاعله وأقرَّه على ذلك، ولو كان لا يجوز لبيَّنه، فبهذا التقرير يصح الاستدلال به لا بمجرد كونه شرع من قبلنا، انتهى. ثم اعلم أن العلماء اختلفوا في الربح لمن هو إذا تصرف في مال الغير ذكره العلامة العيني (٣) ههنا، وسيأتي في "البخاري" في "باب إذا زرع بمال قوم بغير إذنهم وكان في ذلك صلاح لهم"، فانتظره. (٩٩ - باب الشراء والبيع مع المشركين وأهل الحرب) قال ابن بطال (٤): معاملة الكفار جائزة، إلا بيع ما يستعين به أهل الحرب على المسلمين، واختلف العلماء في مبايعة من غالب ماله الحرام، وحجة من رخص فيه قوله ﷺ للمشرك: "أبيعًا أم هبةً؟ " وفيه جواز بيع الكافر وإثبات ملكه على ما في يده، وجواز قبول الهدية منه، وسيأتي حكم هدية المشركين في "كتاب الهبة".

стр. 1569

قال الحافظ: وقد تقدم قريبًا في "باب بيع السلاح في الفتنة" ما يتعلق بمبايعة أهل الشرك، انتهى من "الفتح" (١). (١٠٠ - باب شراء المملوك من الحربي. . .) إلخ قال ابن بطال (٢): غرض البخاري بهذه الترجمة إثبات ملك الحربي وجواز تصرفه في ملكه بالبيع والهبة والعتق وغيرها، إذ أقر النبي ﷺ سلمان عند مالكه من الكفار وأمره أن يكاتب، وقبل الخليل هبة الجبار، وغير ذلك مما تضمنه حديث الباب، انتهى من "الفتح" (٣). وفي تقرير مولانا محمد حسن المكي: فيه رد لمن قال: إن الكفار بمنزلة الجمادات لا يثبت لهم الملك في شيء، انتهى. قوله: (وقال النبي ﷺ لسلمان: كاتب) قال الحافظ (٤): يستفاد منه تقرير أحكام المشركين على ما كانوا عليه قبل الإسلام، وقد قال الطبري: إنما أقر اليهودي على تصرفه في سلمان بالبيع ونحوه؛ لأنه لما ملكه لم يكن سلمان على هذه الشريعة وإنما كان قد تنصر، وحكم هذه الشريعة أن من غلب من الكفار على نفس غيره أو ماله ولم يكن المغلوب فيمن دخل في الإسلام أنه يدخل في ملك الغالب، انتهى. قوله: (وكان حرًا. . .) إلخ، هو من كلام البخاري عند الحافظ، ومن كلامه ﷺ عند الكرماني (٥). قوله: (وقال تعالى: ﴿وَاللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ﴾. . .) إلخ، [النحل: ٧١] موضع الترجمة منه قوله تعالى: ﴿عَلَى مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ [النحل: ٧١] فأثبت لهم ملك اليمين مع كون ملكهم غالبًا على [غير] الأوضاع الشرعية، انتهى.

стр. 1570

(١٠١ - باب جلود الميتة قبل أن تدبغ) أي: هل يصح بيعها أم لا؟ وأورد فيه حديث ابن عباس في شاة ميمونة، وكأنه أخذ جواز البيع من جواز الاستمتاع؛ لأن كل ما ينتفع به يصح بيعه، وما لا فلا، وبهذا يجاب عن اعتراض الإسماعيلي بأنه ليس في الخبر الذي أورده تعرض للبيع، والانتفاع بجلود الميتة مطلقًا قبل الدباغ وبعده مشهور من مذهب الزهري، وكأنه اختيار البخاري، انتهى من "الفتح" (١). قال صاحب "الفيض" (٢) تحت الباب: وهذا البيع لا يجوز عندنا، كما في "الهداية"، انتهى. قلت: والمسألة خلافية، قال العيني (٣): قال الطحاوي: قال الليث: لا بأس ببيع جلود الميتة قبل الدباغ لأن النبي ﷺ أذن في الانتفاع بها، والبيع من الانتفاع، قال أبو جعفر: لم يُحْكَ عن أحد من الفقهاء جواز بيع جلد الميتة قبل الدباغ إلا عن الليث، قال ابن عمر (٤): يعني "من الفقهاء" أئمة الفتوى بالأمصار بعد التابعين؛ لأن ابن شهاب ذاك عنه صحيح، وقد ذكر ابن عبد الحكم عن مالك ما يشبه مذهب ابن شهاب في ذلك، قال: من اشترى جلد ميتة فدبغه فقطعه نعالًا فلا يبيعه حتى ييبس، فهذا يدل على أن مذهبه يجوز بيع جلد الميتة قبل الدباغ وبعده، وهو ظاهر مذهب مالك وغيره، انتهى. قلت: وبسط الكلام على حديث الباب والأبحاث المتعلقة به في "الأوجز" (٥)، وذكر فيه عن النووي (٦) اختلاف العلماء فيه على سبعة أقوال

стр. 1571

كما في "هامش اللامع"، وأما مذاهب الأئمة الأربعة، فمذهب الشافعي أنه يطهر بالدباغة جميع جلود الميتة إلا الكلب والخنزير، والمتولد من أحدهما، ويطهر ظاهر الجلد وباطنه، وعند أحمد وهو أشهر الروايتين عنه وإحدى الروايتين عن مالك: لا يطهر شيء من الجلود بالدباغ، ومذهب أبي حنيفة أنه تطهر جلود جميع الميتات إلا الخنزير، والمشهور في مذهب مالك أنه يطهر الجميع إلا أنه يطهر ظاهره دون باطنه، ويستعمل في اليابسات دون المائعات، ويصلى عليه لا فيه، انتهى من هامش "اللامع" (١). (١٠٢ - باب قتل الخنزير. . .) إلخ قال الحافظ (٢): أي: هل يشرع كما شرع تحريم أكله؟ ووجه دخوله في أبواب البيع الإشارة إلى أن ما أمر بقتله لا يجوز بيعه، وقال ابن التين: شذ بعض الشافعية فقال: لا يقتل الخنزير إذا لم يكن فيه ضراوة، قال: والجمهور على جواز قتله مطلقًا، انتهى. وزاد العيني (٣) عن ابن التين: ومذهب الجمهور أنه إذا وجد الخنزير في دار الكفر وغيرها وتمكنا من قتله قتلناه. قال العيني: ينبغي أن يستثنى خنزير أهل الذمة لأنه مال عندهم، ونحن نُهينا عن التعرض إلى أموالهم، انتهى. قوله: (ويقتل الخنزير) قال القسطلاني (٤): أي: يأمر بإعدامه مبالغة في تحريم أكله، وفيه بيان أنه نجس لأن عيسى ﵇ إنما يقتله بحكم هذه الشريعة المحمدية، والشيء الطاهر المنتفع به لا يباح إتلافه، وهذا موضع الترجمة على ما لا يخفى، انتهى.

стр. 1572

(١٠٣ - باب لا يذاب شحم الميتة ولا يباع ودكه) قال العلامة العيني (١): قوله: "ودكه" بفتح الواو والدال، وفي "المغرب": الودك من اللحم والشحم ما يتحلب منه، وقول الفقهاء: ودك الميتة من ذلك، وقال ابن الأثير: الودك: هو دسم اللحم ودهنه الذي يستخرج منه، انتهى. وفي "الفيض" (٢): الشحم: ما كان منفصلًا عن اللحم، وما كان داخلًا في اللحم فهو ودك، انتهى. وقال الحافظ (٣) تحت حديث الباب: ووجه تشبيه عمر بيع المسلمين الخمر ببيع اليهود المذاب من الشحم الاشتراك في النهي عن تناول كل منهما، لكن ليس كل ما حرم تناوله حرم بيعه، كالحمر الأهلية وسباع الطير، فالظاهر أن اشتراكهما في كون كل منهما صار بالنهي عن تناوله نجسًا، هكذا حكاه ابن بطال (٤) عن الطبري وأقره، وليس بواضح بل كل ما حرم تناوله حرم بيعه، وتناول الحمر والسباع وغيرهما مما حرم أكله إنما يتأتى بعد ذبحه، وهو بالذبح يصير ميتة لأنه لا ذكاة له، وإذا صار ميتة صار نجسًا ولم يجز بيعه، فالإيراد في الأصل غير وارد، هذا قول الجمهور وإن خالف في بعضه بعض الناس، انتهى. وقال القسطلاني (٥): يعني فبيع فلان الخمر مثل بيع اليهود والشحم المذاهب، وكل ما حرم تناوله حرم بيعه، نعم المذاب للاستصباح ليس بحرام؛ لأن الدعاء عليهم إنما هو مرتب على المجموع، انتهى. وفي "الدر المختار" (٦): ولا يضر أثر دهن إلا دهن ودك ميتة لأنه عين النجاسة، حتى لا يدبغ به جلد بل يستصبح به في غير مسجد، قال

стр. 1573

ابن عابدين (١): ظاهر ما سيأتي في "باب البيع الفاسد" أنه لا يحل الانتفاع به أصلًا، وإنما هذا في الدهن المتنجس، يؤيده ما في "صحيح البخاري" (٢) عن جابر مرفوعًا: "إن الله حرم بيع الخمر والميتة" الحديث بطوله، انتهى. قلت: وسيأتي هذا الحديث في "باب بيع الميتة والأصنام". (١٠٤ - باب بيع التصاوير التي ليس فيها روح، وما يكره من ذلك) قال الحافظ (٣): أي: من الاتخاذ أو البيع أو الصنعة أو ما هو أعم من ذلك، والمراد بالتصاوير الأشياء التي تصور، ثم ذكر حديث ابن عباس مرفوعًا، ووجه الاستدلال به على كراهية البيع وغيره واضح، انتهى. وفي "الفيض" (٤): واعلم أن مسألة فعل التصوير مسألة أخرى، وأما مسألة المصوّرات فصلها الشيخ ابن الهمام في "الفتح" على أحسن وجه، وضبطها في عدة سطور، فراجعها، انتهى. (١٠٥ - باب تحريم التجارة في الخمر) قال الحافظ (٥): تقدم نظير هذه الترجمة في أبواب المساجد لكن بقيد المسجد، وهذا أعم من تلك، انتهى. (١٠٦ - باب إثم من باع حرًا) أي: عالمًا متعمدًا، والظاهر أن المراد بالحر من بني آدم، ويحتمل أن يكون أعم من ذلك فيدخل مثل الموقوف، انتهى من "الفتح" (٦).

стр. 1574

وقد ترجم المصنف على هذا الحديث أيضًا في "الإجارات" بـ "باب إثم من منع أجر الأجير". (١٠٧ - باب أمر النبي ﷺ اليهود ببيع أرضيهم. . .) إلخ كتب الشيخ في "اللامع" (١): هذا لا يصح لأن النبي ﷺ إنما أمرهم أن الأرض لله ولرسوله، فتحملوا ما شئتم، ولا بد من تأويل في كلام البخاري هذا، وهو أن يقال: لما أمر النبي ﷺ اليهود ببيع أرضيهم أنهم لا يملكونه، ومثل ذلك مما لا يخفى على المتفطن، والله أعلم، انتهى. وبسط في هامشه الكلام عليه. وفي "الفيض" (٢): اعلم أن بني النضير لما أُجلوا، قيل لهم: أن بيعوا المنقولات من أموالكم، وأما الأراضي فهي لله ولرسوله، هكذا في كتب السير عامة، ويمكن أن يكون أمر بعضهم ببيع الأراضي أيضًا كما في ترجمة البخاري، انتهى. وفي هامش "الفيض": قلت: وفي مذكرة أخرى عندي عن الشيخ أن الأمر ببيعها لم يكن ببني النضير، فإن أراضيهم كانت فيئًا، وهو لله ولرسوله، وترجمة المصنف مبهمة، لا ينفصل منها شيء، انتهى. قال القسطلاني (٣): قوله: "فيه المقبري" أي: حديثه المروي في "باب إخراج اليهود من جزيرة العرب" من "كتاب الجهاد" ولفظه: "بينما نحن في المسجد خرج النبي ﷺ فقال: انطلقوا إلى يهود، فخرجنا حتى جئنا بيت المدراس، فقال: أسلموا تسلموا، واعلموا أن الأرض لله ورسوله، وإني أريد أن أجليكم من هذه الأرض فمن يجد منكم بماله شيئًا فليبعه". قال الزركشي وغيره: إن اليهود هم بنو النضير، والظاهر أنهم بقايا

стр. 1575

من اليهود، وتخلفوا بالمدينة بعد إجلاء بني قينقاع وقريظة والنضير. قال الحافظ (١): وغفل الكرماني (٢) عن الإشارة إلى هذا الحديث، فقال: إنما ذكر البخاري هذا الحديث بهذه الصيغة مقتضيًا لأنه لم يثبت الحديث المذكور على شرطه، والصواب أنه اكتفى هنا بالإشارة إليه لاتحاد مخرجه عنده ففر من تكرار الحديث على صورته لغير فائدة زائدة كما هو الغالب من عادته، انتهى. وقال العيني (٣): التكرار حاصل على ما لا يخفى، مع أن ذكر هذا لا دخل له في "كتاب البيوع"، ولهذا سقط هذا في بعض النسخ، انتهى. قال ابن المنيِّر: والعجب أن ترجمة البخاري هنا على بيع اليهود أرضهم، ولم يذكر فيه إلا حديث أبي هريرة وليس فيه للأرض ذكر، إلا أن يكون أخذ ذلك بطريق العموم من قوله: "فمن يجد منكم بماله شيئًا"، والمال أعم من الأرض فتدخل فيه، وهذا ساقط من بعض النسخ، انتهى (٤). ويظهر من كلام العيني (٥) أنه ﵇ أجاز لهم أولًا ببيع كل شيء ودخل فيه الأرضون وأمرهم بالجلاء وأبوا ذلك لوعد المنافقين لهم فأمرهم ثانيًا ببيع كل شيء غير الأرضين. (١٠٨ - باب بيع العبيد بالعبد والحيوان بالحيوان نسيئةً) قال القسطلاني (٦): أي: حكم بيع العبيد بالعبيد، وفي نسخة "بيع العبد" بالإفراد، وقوله: "والحيوان بالحيوان" من عطف العام على الخاص، انتهى. قال الحافظ (٧): وكأنه أراد بالعبد جنس من يستعبد فيدخل فيه الذكر

стр. 1576

والأنثى، ولذلك ذكر قصة صفية، أو أشار إلى إلحاق حكم الذكر بحكم الأنثى في ذلك لعدم الفرق، قال ابن بطال (١): اختلفوا في ذلك فذهب الجمهور إلى الجواز، لكن شرط مالك أن يختلف الجنس، ومنع الكوفيون وأحمد مطلقًا، انتهى. قال القسطلاني (٢): ومذهب الشافعية أنه لا ربا في الحيوان مطلقًا كما قال ابن المسيب لأنه لا يعدّ للأكل على هيئته، فيجوز بيع العبد بالعبد نسيئةً وبيع العبد بعبدين أو أكثر نسيئةً، انتهى. وفي هامش "اللامع" (٣): ومسألة بيع الحيوان بالحيوان نسيئةً خلافية شهيرة بسطت في "الأوجز" (٤)، وحاصل ما فيه أن بيع الحيوان بالحيوان نقدًا يجوز مطلقًا عند الأئمة الأربعة، مع اتحاد الجنس واختلافه، متفاضلًا كان أو متساويًا، وأما إذا كان البيع نسيئةً فيجوز كذلك عند الشافعي، ويجوز عند مالك باختلاف الجنس لا باتحاده، إلا أنه أنزل اختلاف الصفات والمنافع المقصودة في الحيوان منزلة اختلاف الجنس، ومنع الإمام أبو حنيفة وأحمد بيع الحيوان بالحيوان نسيئةً مطلقًا لحديث سمرة "نهى النبي ﷺ عن بيع الحيوان بالحيوان نسيئةً" رواه الخمسة وصححه الترمذي (٥)، وبسط الكلام على الروايات الواردة في "الأوجز"، انتهى من هامش "اللامع". قوله: (وقال ابن سيرين: لا بأس ببعير. . .) إلخ، قال الحافظ (٦): روى سعيد بن منصور (٧) عنه أنه كان لا يرى بأسًا بالحيوان بالحيوان يدًا بيد أو الدراهم نسيئة، ويكره أن تكون الدراهم نقدًا والحيوان نسيئةً، انتهى.

стр. 1577

وفي "الفيض" (١): قلت: إن بيع الدرهم بالدرهم نسيئةً حرام بالإجماع، ولم يشرح أحد منهم ما أراد به ابن سيرين، والوجه عندي أن يقال: إن قوله: "نسيئة" يتعلق بالبعير والبعيرين، دون بيع الصرف، فهو مطلق، ولا ريب في جواز بيع الدرهم بالدرهم، والذي صرفنا إليه قول ابن سيرين أولى من أن يحمل على ما يخالف الإجماع، انتهى. (١٠٩ - باب بيع الرقيق) قال الحافظ (٢): هذا بيان في حكم بيع الرقيق، ثم قال: مطابقة الحديث للترجمة من حيث إنه ﷺ لم يمنع عن بيع السبي لما قالوا: "إنا نصيب السبي فنحب الأثمان" والأثمان لا تجيء إلا بالبيع، والسبي فيه الرقيق وغيره، انتهى. (١١٠ - باب بيع المدبر. . .) إلخ هو المعلق عتقه بموت سيده كأن يقول لعبده: إذا مِتُّ فأنت حر، انتهى (٣). قال الحافظ (٤): وقد أعاد المصنف هذه الترجمة في "كتاب العتق" وضرب عليها في نسخة الصغاني، وصارت أحاديثها داخلة في بيع الرقيق، وتوجيهها واضح، انتهى. وأورد المصنف في هذا الباب حديثين، ومطابقة الحديث الأول للترجمة ظاهرة، وأما الحديث الثاني فقال الحافظ: وجه دخوله في هذا الباب عموم الأمر ببيع الأمة إذا زنت، فيشمل ما إذا كانت مدبرة أو غير مدبرة، فيؤخذ منه جواز بيع المدبر في الجملة، انتهى.

стр. 1578

وفي "الفيض" (١): قد مرّ منّا التنبيه على أن المصنف ترجم على جواز بيع المدبر مع الإشارة إلى أن بيع النبي ﷺ كان من قبيل التعزير، وهذا يوجب أن لا يكون بيعه جائزًا عنده، فتهافتت تراجمه، ويمكن أن يقال: إن الأصل عنده جواز البيع، وإنما التعزير ببيعه بنفسه فقط، بدون استفسار منه، انتهى. ومسألة بيع المدبر خلافية شهيرة، ففي هامش "الكوكب" (٢): والحاصل أن المدبر المقيد - وهو من قال له المولى: إن مت في مرضي هذا أو سفري هذا فأنت حر - يجوز بيعه إجماعًا، والمدبر المطلق كذلك عند الشافعي وأحمد، ولا يجوز بيع المدبر المطلق عندنا الحنفية ومالك إلا أنه يجوز عنده إذا كان المولى مديونًا قبل التدبير، كذا في "البذل" (٣)، وبسط فيه دلائل الحنفية في ذلك. (١١١ - باب هل يسافر بالجارية قبل أن يستبرئها) هكذا قيّد بالسفر، وكأن ذلك لكونه مظنة الملامسة والمباشرة غالبًا، انتهى من "الفتح" (٤). وقال العيني (٥): أي: هل يسافر شخص بالجارية التي اشتراها قبل أن يستبرئها، ثم ذكر ما تقدم عن الحافظ، وقال أيضًا: ولم يذكر جواب "هل" لمكان الاختلاف فيه، انتهى. قلت: ومناسبة هذا الباب بكتاب البيوع خفية، ويمكن أن يقال كما يستأنس من كلام العيني المذكور: إن السفر بالجارية قبل الاستبراء مرتب ومتفرع على اشترائها، فيكون هذا السفر من متعلقات البيع والشراء.

стр. 1579

(١١٢ - باب بيع الميتة والأصنام) أي: تحريم ذلك، والميتة ما زالت عنه الحياة لا بذكاة شرعية، ونقل ابن المنذر وغيره الإجماع على تحريم بيع الميتة، ويستثنى من ذلك السمك والجراد، انتهى من "الفتح" (١). وقال القسطلاني (٢): قال الجوهري: الصنم هو الوثن، وفرَّق بينهما في "النهاية"، فقال: الوثن كل ما له جثة معمولة من جواهر الأرض أو من الخشب أو من الحجارة كصورة الآدمي يعمل وينصب فيعبد، والصنم الصورة بلا جثّة، قال: ويطلق الوثن على غير الصورة، ثم قال في شرح الحديث: وحرم بيع الأصنام لعدم المنفعة المباحة فيتعدى إلى معدوم الانتفاع شرعًا فبيعها حرام ما دامت على صورتها فلو كسرت وأمكن الانتفاع برضاضها جاز بيعها عند الشافعية وبعض الحنفية، نعم في بيع الأصنام والصور المتخذة من جوهر نفيس وجه عند الشافعية بالصحة، والمذهب المنع مطلقًا، وبه أجاب عامة الأصحاب، انتهى. (١١٣ - باب ثمن الكلب. . .) إلخ قال القسطلاني (٣) بعد ذكر الحديث: قوله: "نهى عن ثمن الكلب" المعلم وغيره مما يجوز اقتناؤه أو لا، وهذا مذهب الشافعي وأحمد وغيرهما، وعلة المنع عند الشافعي نجساته مطلقًا، وعند غيره ممن لا يرى نجاسته النهي عن اتخاذه الأمر بقتله، وما لا ثمن له لا قيمة له إذا قتل فلو قتل كلب صيد أو ماشية لا يلزمه قيمته، وقال أبو حنيفة وصاحباه وسحنون من المالكية: الكلاب التي ينتفع بها يجوز بيعها وأثمانها لأنه حيوان منتفع به حراسةً واصطيادًا، وقال المالكية: لا يجوز بيع الكلب المنهي عن اتخاذه باتفاق لورود النهي عن بيعه وعن اتخاذه، وأما المأذون في اتخاذه ككلب

стр. 1580

الصيد ونحوه فلا يجوز بيعه على المشهور، وشهّر بعضهم جواز بيعه، ولم يقو هذا التشهير عند الشيخ خليل فلم يذكره، وقال القرطبي: مشهور مذهب مالك جواز اتخاذ الكلب وكراهة بيعه، انتهى. ثم براعة الاختتام سكت عنها الحافظ وجعل البيع والإجارة واحدًا، فقال: وفي آخر البيع والإجارة "حتى أجلاهم عمر ﵁"، انتهى. ولا يبعد عندي أنها في قوله: "فأمر بمحاجمه فكسرت" فإن الموت أيضًا هاذم اللذات، فإن الكسر مذكر للكسر، فتأمل، وقد جعل الحافظ الكسر مشارًا إليه في موضع إذ قال في آخر "المظالم": فكسروا صومعته، انتهى. ولا يبعد أيضًا أن تكون البراعة في قوله: "ثمن الدم" فإنه يتناول الذبح والقتل، فتأمل. * * *

стр. 1581

٣٥ - كتاب السلم قال العلَّامة العيني (١): السلم بفتحتين: بيع على موصوف في الذمة ببدل يعطى عاجلًا، وسمي سلمًا لتسليم رأس المال في المجلس، وسلفًا لتقديم رأس المال، والسلم والسلف كلاهما بمعنى واحد، ووزن واحد، وقيل: السلف لغة أهل العراق، والسلم لغة أهل الحجاز، وقيل: السلف تقديم رأس المال، والسلم تسليمه في المجلس، فالسلف أعم، وقيل: السلم والسلف والتسليف عبارة عن معنى واحد غير أن الإسم الخاص بهذا الباب السلم؛ لأن السلف يقال على القرض. والسلم في الشرع بيع من البيوع الجائزة بالاتفاق، إلا ما حكي عن ابن المسيب، وفي "التلويح": كرهت طائفة السلم، انتهى. وفي "الدر المختار" (٢): هو لغة: كالسلف وزنًا ومعنىً، وشرعًا: بيع آجل بعاجل، انتهى. وقال الحافظ (٣): والسلم شرعًا: بيع موصوف في الذمة، ومن قيَّده بلفظ السلم زاده في الحد، ومن زاد فيه ببدل يعطى عاجلًا، فيه نظر لأنه ليس داخلًا في حقيقته، واختلفوا في بعض شروطه، واتفقوا على أنه يشترط له ما يشترط للبيع، وعلى تسليم رأس المال في المجلس، واختلفوا: هل هو عقد غرر جوز للحاجة أم لا؟، انتهى. قلت: واختلفوا في شروطه، كما بسط الكلام عليها في "الأوجز" (٤) أشد البسط، وذكر فيه ثمانية عشر شرطًا بعضها متفق عليه وبعضها مختلف فيه، فارجع إليه لو شئت.

стр. 1582

ثم اعلم أنهم اختلفوا فيما يجوز فيه السلم، ففي "الأوجز": قال الموفق: وجملة ذلك أن السلم لا يصح إلا بشروط ستة: الشرط الأول: أن يكون المسلم فيه مما ينضبط بالصفات التي يختلف الثمن باختلافها ظاهرًا، فيصح في الحبوب، والثمار، والثياب، والكاغذ، والحديد، والنحاس، والأدهان، والألبان، وكل مكيل، أو موزون، أو مزروع، كذا في "المغني" (١). قال ابن رشد (٢): أجمعوا على جوازه في كل ما يكال أو يوزن، والجمهور على أنه جائز في العروض التي تنضبط بالصفة والعدد، واختلفوا من ذلك فيما ينضبط مما لا ينضبط بالصفة، انتهى. قال الموفق (٣): أجمعوا على جوازه في الثياب، ولا يصح فيما لا يضبط بالصفة، كالجواهر من اللؤلؤ والياقوت والعقيق والبلور؛ لأن أثمانها تختلف اختلافًا متباينًا بالصغر والكبر وحسن التدوير وزيادة الضوء، وهذا قول الشافعي وأصحاب الرأي. وحكي عن مالك صحة السلم فيها، إذا اشترط منها شيئًا معلومًا، واختلفوا في السلم في الخبز وغيره من كل معمول بالنار، وكذا اختلفوا في الحيوان وغيره مما لا يكال ولا يوزن ولا يزرع، كالرمان والبيض وغيرهما، كما بسطه الموفق وغيره. وفي "العيني" (٤): قال ابن حزم: لا يجوز السلم إلا في كل مكيل أو موزون فقط، ولا يجوز في مزروع ولا معدود ولا شيء غير ما ذكر في النص، انتهى من "الأوجز" (٥).

стр. 1583

وفي "البدائع" (١): ويجوز السلم في العدديات المتقاربة من الجوز والبيض؛ لأن الجهالة فيها يسيرة لا تفضي إلى المنازعة، وقال زفر: لا يجوز، ولا يجوز في العدديات المتفاوتة من الحيوان والجواهر واللآلي والجلود والأدم والرؤوس والأكارع والرمان، وقال الشافعي: يجوز السلم في الحيوان، انتهى ملخصًا. قلت: والإمام مالك وأحمد مع الشافعي في جواز بيع السلم في الحيوان، كما قال ابن عابدين (٢). (١ - باب السّلم في كيلٍ معلومٍ) قال الحافظ (٣): أي: فيما يكال، واشتراط تعيين الكيل فيما يسلم فيه من المكيل متفق عليه من أجل اختلاف المكاييل، إلا أن لا يكون في البلد سوى كيل واحد فإنه ينصرف إليه، انتهى. قوله: (من سلف في تمر. . .) إلخ، قال الحافظ (٤): وفي رواية: "من أسلف في شيء" وهي أشمل، انتهى. قال القسطلاني (٥): قال في "المصابيح": انظر قوله ﵊ في جواب هذا: "فليسلف في كيل معلوم ووزن معلوم" مع أن المعيار الشرعي في التمر بالمثناة الكيل لا الوزن، انتهى. وهذا قد أجابوا عنه بأن الواو بمعنى أو، والمراد اعتبار الكيل فيما يكال، والوزن فيما يوزن، انتهى. وتعقب السندي (٦) كلام القسطلاني إذ قال: ولا يخفى أن هذا ليس بجواب عن كلام "المصابيح" ولا يصلح له إذ التمر بالتاء المثناة لا يصلح

стр. 1584

أن يردد فيه بين الكيل والوزن، كما لا يصلح أن يجمع فيه بينهما، وإنما جوابهم المذكور جواب عما يقال: كيف يصح الواو مع أن المبيع الواحد لا يصلح لاجتماع الكيل والوزن؟ فأجابوا بحمل الواو على معنى أو، وقد يجاب عن هذا الإيراد بتقدير الشرط أو الظرف، أي: بكيل معلوم إن كان المبيع كيليًّا، فافهم، والله تعالى أعلم. (٢ - باب السّلم في وزن معلوم) أي: فيما يوزن، وكأنه يذهب إلى أن ما يوزن لا يسلم فيه مكيلًا وبالعكس، وهو أحد الوجهين، والأصح عند الشافعية الجواز، انتهى من "الفتح" (١). وقال ابن عابدين (٢): لو أسلم في المكيل وزنًا كما إذا أسلم في البر والشعير بالميزان فيه روايتان، والمعتمد الجواز لوجود الضبط، وعلى هذا الخلاف لو أسلم في الموزون كيلًا، "بحر"، انتهى. وفي "البدائع" (٣): ولو كان المسلم فيه مكيلًا فأعلم قدره بالوزن المعلوم، أو كان موزونًا فأعلم قدره بالكيل المعلوم جاز؛ لأن الشرط كونه معلوم المقدار بمعيار يؤمن فقده، وقد وجده بخلاف ما إذا باع المكيل بالمكيل وزنًا بوزن متساويًا في الوزن أو باع الموزون بالموزون كيلًا بكيل متساويًا في الكيل أنه لا يجوز ما لم يتساويا في الكيل أو الوزن؛ لأن شرط جواز السلم كون المسلم فيه معلوم القدر، والعلم بالقدر كما يحصل بالكيل يحصل بالوزن، فأما شرط الكيل والوزن في الأشياء التي ورد الشرع فيها باعتبار الكيل والوزن في بيع العين ثبت نصًا فكان بيعها بالكيل أو الوزن مجازفة فلا يجوز، أما في باب السلم فاعتبار الكيل والوزن لمعرفة مقدار المسلم فيه وقد حصل، انتهى.

стр. 1585

(٣ - باب السلم إلى من ليس عنده أصل) أي: مما أسلم فيه، المراد بالأصل أصل الشيء الذي يسلم فيه، فأصل الحب مثلًا الزرع، وأصل الثمر مثلًا الشجر، والغرض من الترجمة أن ذلك لا يشترط، انتهى من "الفتح" (١). قال العلامة العيني (٢): وقال بعضهم: الغرض من الترجمة أن كون أصل المسلم فيه لا يشترط. قلت: كأنه أشار إلى سلم المنقطع، فإنه لا يجوز عندنا، وهذا على أربعة أوجه: الأول: أن يكون المسلم فيه موجودًا عند العقد منقطعًا عند الأجل فإنه لا يجوز. والثاني: أن يكون موجودًا وقت العقد إلى الأجل، فيجوز بلا خلاف. والثالث: أن يكون منقطعًا عند العقد موجودًا عند الأجل. والرابع: أن يكون موجودًا وقت العقد والأجل، منقطعًا فيما بين ذلك. فهذان الوجهان لا يجوزان عندنا خلافًا لمالك والشافعي وأحمد، قالوا: لأنه مقدور التسليم [فيهما، قلنا: غير مقدور التسليم]؛ لأنه يتوهم موت المسلم إليه فيحل الأجل، وهو منقطع، فيتضرر رب السلم، فلا يجوز، انتهى. قوله: (قال) أبو البختري: (سألت ابن عباس عن السلم. . .) إلخ، قال ابن بطال (٣): حديث ابن عباس هذا ليس من هذا الباب، وإنما هو من الباب

стр. 1586

الذي بعده المترجم ب باب السلم في النخل ، وهو غلط من الناسخ، كذا في العيني (١)، زاد الحافظ (٢): وغفل عما وقع في السياق من قول الراوي: إنه سأل ابن عباس عن السلم في النخل، وأجاب ابن المنيِّر (٣): أن الحكم مأخوذ بطريق المفهوم وذلك أن ابن عباس لما سئل عن السلم مع من له نخل في ذلك النخل رأى أن ذلك من قبيل بيع الثمار قبل بدو الصلاح، فإذا كان السلم في النخل المعين لا يجوز تعين جوازه في غير المعين للأمن فيه من غائلة الاعتماد على ذلك النخل بعينه لئلا يدخل في باب بيع الثمار قبل بدو الصلاح، ويحتمل أن يريد بالسلم معناه اللغوي، أي: السلف لما كانت التمرة قبل بدو صلاحها فكأنها موصوفة في الذمة، انتهى. قلت: والظاهر عندي من صنيع الإمام البخاري أنه أجاز السلم في النخل المعين بعد بدو صلاحه كما يدل عليه الترجمة الآتية، وعلى هذا فإدخال هذا الحديث في هذه الترجمة واضح، كأنه استثنى من الترجمة - يعني عن السلم فيما ليس عنده أصل - السلم في النخل المعين فكأنه قال: إذا كان السلم في النخل المعين فلا يجوز قبل بدو الصلاح، نعم يجوز بعده، لكن المصنف على هذا يكون منفردًا مخالفًا للجمهور كما سيأتي في الباب الآتي. قوله: (فقال الرجل: وأي شيء يوزن. . .) إلخ، قال صاحب "الفيض" (٤): ولما لم يفهم الرجل الوزن في الثمار، لكون المعهود فيها الكيل دون الوزن، مع عدم إمكان الكيل أيضًا على الشجر، فسره بأن المراد بالوزن هو الإحراز، انتهى. (٤ - باب السلم في النخل) كتب الشيخ في "اللامع" (٥): أراد بالنخل ثمرتها، والاحتجاج بالرواية

стр. 1587

مبني على اشتراك البيع والسلم في وجوب التسليم غير أن التسليم في السلم متأخر دون البيع، فكأن المعنى أن الثمرة لما لم يبد صلاحها كان معدومًا غير مقدور التسليم، ولا بد في السلم من وجود المسلم فيه بأيدي الناس ليتحقق إمكان التسليم، ولو لم يكن في يد المسلم إليه، وهذا بناءً على العادة أن هذه الثمار والحبوب وغيرهما مما يتعلق بفصل دون فصل تنقطع عن الأيدي إذا قرب زمان الحصاد والجذاذ إلا يسيرًا، وهذا إذا كان المسلم فيه في عقد السلم مطلقًا، فأما إذا شرط أن يكون المسلم فيه مما خرج هذا العام، فعدم القدرة على تسليمه قبل بدو الصلاح ظاهر، وبهذا تتحقق المطابقة بين جواب ابن عباس وسؤال من سأله عن السلم، فإن السائل إنما سأله عن السلم، وقد أجاب عن البيع المطلق، ومثل هذا التقرير جاء في الرواية المتقدمة على هذا الباب أيضًا، فافهم فإنه دقيق، انتهى. وفي هامشه: قوله: أراد بالنخلة ثمرتها، وبذلك جزمت الشرَّاح، واستدل بحديث ابن عمر على جواز السلم في النخل المعين من البستان المعين، لكن بعد بدو صلاحه، وهو قول المالكية، انتهى. قلت: الظاهر عندي من صنيع المصنف أنه أجاز السلم في النخل المعين بعد بدو الصلاح، كما تقدم أيضًا، وما حكى الحافظان ابن حجر والعيني من مذهب المالكية يأباه كتب فروعهم، فقد صرَّح الدردير بعدم جواز السلم في النخل المعين، وحكى الموفق الإجماع على ذلك، كما في "الأوجز" (١). وفي "الفيض" (٢): قوله: "نهي عن بيع النخل حتى يصلح" فإن قلت: إن السؤال كان عن السلم، فكيف الجواب بمطلق البيع؟ قلت: وفي فقهنا مسألة أخرى، يظهر منها التناسب بين السؤال والجواب، وهي أن المسلم فيه وإن لم يجب كونها في ملك المسلم إليه، لكن يشترط أن يوجد في

стр. 1588

الأسواق من حين العقد إلى حلول الأجل، فدلَّت على أن ثمار النخل يجب أن تصلح وتخرج عن العاهات عند عقد السلم، فإنها قبله كالمعدوم، وبه ظهرت المناسبة، انتهى. (٥ - باب الكفيل في السلم) قال الحافظ (١): قال الإسماعيلي: ليس في هذا الحديث ما ترجم به، ولعله أراد إلحاق الكفيل بالرهن لأنه حق ثبت الرهن به فيجوز أخذ الكفيل فيه. قال الحافظ: هذا الاستنباط بعينه سبق إليه إبراهيم النخعي راوي الحديث، - كما سيأتي في الباب الآتي - وإلى ذلك أشار البخاري في الترجمة، فوضح أنه هو المستنبط لذلك، وأن البخاري أشار بالترجمة إلى ما ورد في بعض طرق الحديث على عادته، انتهى. وقال القسطلاني (٢): دلالة الحديث على الترجمة من حيث أن يراد بالكفالة الضمان، ولا ريب أن المرهون ضامن للدين؛ لأنه يباع فيه، يقال: أكفلته إذا ضمنته إياه، أو يقاس على الرهن بجامع كونهما وثيقة، وبهذا كل ما صح الرهن فيه صح ضمانه وبالعكس، أو أشار إلى ما ورد في بعض طرق الحديث على عادته، إلى آخر ما قال. قلت: وعندي غرض الترجمة الرد على من منع ذلك وهو قول جماعة وهو إحدى الروايتين عن أحمد، ففي "المغني" (٣): اختلفت الرواية في الرهن والضَّمِينِ في السلم، فروى المروزي وغيره منع ذلك، وهو اختيار الخرقي، وروى حنبل جوازه، ورخص فيه مالك والشافعي وأصحاب الرأي وغيرهم، انتهى.

стр. 1589

قلت: وبجوازهما صرح صاحب "البدائع" (١). (٦ - باب الرّهن في السّلم) كتب الشيخ في "اللامع" (٢): الاستدلال بالرواية على هذا المعنى مبني على مقايسته عليه، والجامع الوجوب في الذمة فيفتقر إلى الاستيثاق، انتهى. وفي هامشه: قال الكرماني (٣): قال ابن بطال: وجه احتجاج النخعي في حديث عائشة أن الرهن لما جاز في الثمن جاز في المثمن، وهو المسلم فيه إذ لا فرق بينهما، انتهى. قلت: والغرض من الترجمة الرد على من منع ذلك، وهو إحدى الروايتين عن أحمد كما تقدم في الباب السابق. قال الموفق (٤): رويت كراهة ذلك عن ابن عمر والحسن والأوزاعي، ورخص فيه الباقون، والحجة فيه قوله تعالى: ﴿إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ [البقرة: ٢٨٢]، إلى أن قال: ﴿فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ [البقرة: ٢٨٣] واللفظ عام فيدخل السلم في عمومه لأنه أحد نوعي البيع، انتهى. (٧ - باب السلم إلى أجل معلوم) قال الحافظ (٥): يشير إلى الرد على من أجاز السلم الحال وهو قول الشافعية، وذهب الأكثر إلى المنع، وحمل من أجاز الأمر في قوله: "إلى أجل معلوم" على العلم بالأجل فقط، فالتقدير عندهم: من أسلم إلى أجل فليسلم إلى أجل معلوم لا مجهول، انتهى. وسبق إلى هذا التوجيه الكرماني (٦)، وتعقب عليه العلامة العيني، ثم

стр. 1590

قال العيني (١): اختلفوا في حد الأجل، فقال ابن حزم: الأجل ساعة فما فوقها، وعند بعض أصحابنا لا يكون أقل من نصف يوم، وعند بعضهم لا يكون أقل من ثلاثة أيام، وقالت المالكية: يكره أقل من يومين، وقال الليث: خمسة عشر يومًا، انتهى. قلت: وبسط الكلام على الأجل في "الأوجز" (٢) وفيه: الشرط الرابع: أن يكون مؤجلًا بأجل معلوم، وفيه فصولٌ: الأول: يشترط لصحة السلم كونه مؤجلًا، ولا يصح السلم الحال، وبه قال الأئمة الثلاثة، وقال الشافعي: يجوز، إلى آخر ما بسط فيه، وفيه: قال الموفق (٣): ومن شرط الأجل أن يكون مدة لها وقع في الثمن، كالشهر وما قاربه، وقال الدردير (٤) المالكي: أقله نصف شهر، ولا حد لأكثره، وفي "الدر المختار" (٥): أقله شهر، به يفتى، وثلاثة أيام عند الطحاوي، وذكر ابن عابدين (٦) أقوالًا أخر للحنفية، انتهى من "الأوجز". (٨ - باب السلم إلى أن تُنْتَجَ الناقة) أورد فيه حديث ابن عمر في النهي عن بيع حبل الحبلة، وقد تقدمت مباحثه في "كتاب البيوع"، ويؤخذ منه ترك جواز السلم إلى أجل غير معلوم ولو أسند إلى شيء يعرف بالعادة، خلافًا لمالك ورواية عن أحمد، انتهى من "الفتح" (٧). وفي "الأوجز" (٨): لا بد من كون الأجل معلومًا، ولا نعلم في اشتراط العلم في الجملة اختلافًا، فأما كيفيته فإنه يحتاج أن يعلمه بزمان بعينه، ولا يصح أن يؤجله بحصاد وما أشبهه، وبه قال أبو حنيفة والشافعي

стр. 1591

وأحمد، وعنه رواية أخرى أنه قال: أرجو أن لا أكون به بأس، وبه قال مالك، انتهى. ثم سكت الحافظ عن براعة الاختتام، ولا يبعد عندي أنها في قوله: "ما في بطنها" فإن رحم المرأة يشبه القبر، وأيضًا خروج الولد منه يشبه خروج الأموات من القبور. * * *

стр. 1592

٣٦ - كتاب الشفعة كذا في نسخ الشروح ونسخة الحاشية، وليس في النسخ الهندية التي بأيدينا لفظ "كتاب" بل فيه "باب الشفعة فيما لم يقسم. . ." إلخ، كما سيأتي. وقال الحافظ (١): الشفعة بضم المعجمة وسكون الفاء وغلط من حركها، وهي مأخوذة لغة من الشفع وهو الزوج، وقيل: من الزيادة، وقيل: من الإعانة، وفي الشرع: انتقال حصة شريك إلى شريك كانت انتقلت إلى أجنبي بمثل العوض المسمى. ولم يختلف العلماء في مشروعيتها إلا ما نقل عن أبي بكر الأصم من إنكارها، انتهى. وقال القسطلاني (٢): وهي في اللغة: الضم على الأشهر، من شفعت الشي ضممته فهي ضم نصيب إلى نصيب، وفي الشرع: حق تملك قهري يثبت للشريك القديم على الحادث فيما ملك بعوض، انتهى. وبسط في "الأوجز" (٣) الكلام على الأبحاث المتعلقة بالشفعة، وفيه: قال الموفق (٤): الشفعة تثبت على خلاف الأصل، إذ هي انتزاع ملك المشتري بغير رضاء منه، وإجبار له على المعاوضة، لكن أثبتها الشرع لمصلحة راجحة، فلا تثبت إلا بشروط أربعة: أحدها: أن يكون الملك مشاعًا غير مقسوم، فأما الجار فلا شفعة له، أي: عند أحمد، وبه قال مالك والشافعي، وقال الثوري وأصحاب الرأي: الشفعة بالشركة، ثم

стр. 1593

بالشركة في الطريق، ثم بالجوار، إلى آخر ما بسط في هامش "اللامع" (١)، وستأتي هذه المسألة في باب مستقل. قوله: (السلم في الشفعة) كذا في نسخة الحاشية، وكذا هو في نسخة الحافظ والعيني لكنهما لم يتعرضا عن شرحه. (١ - باب الشفعة فيما لم يقسم. . .) إلخ قال القسطلاني (٢): أي: في المكان الذي لم يقسم، وقال بعد ذكر الحديث: وهذا الحديث أصل في ثبوت الشفعة، وقد أخرجه مسلم من طريق أبي الزبير عن جابر بلفظ: "قضى رسول الله ﷺ بالشفعة في كل شرك لم يقسم ربعة أو حائط، ولا يحل له أن يبيع حتى يؤذن شريكه" الحديث، والربعة: تأنيث الربع وهو المنزل، والحائط: البستان، وقد تضمن هذا الحديث ثبوت الشفعة في المشاع، وصدره يشعر بثبوتها في المنقولات، وسياقه يشعر باختصاصها بالعقار وبما فيه العقار، ومشهور مذهب المالكية والشافعية والحنابلة تخصيصها بالعقار؛ لأنه أكثر الأنواع ضررًا، والمراد بالعقار الأرض وتوابعها المثبتة فيها للدوام، كالبناء وتوابعه الداخلة في مطلق البيع من الأبواب والرفوف والمسامير وحجري الطاحون والأشجار، فلا تثبت في منقول غير تابع. ويشترط أن يكون العقار قابلًا للقسمة، واحترز به عما إذا كان لا يقبلها أو يقبلها بضرر كالحمام أو نحوها، وفي "الفتح" (٣): وقد أخذ بعمومها في كل شيء مالك في رواية، وعن أحمد تثبت في الحيوانات دون غيرها من المنقولات، ومشهور مذهب مالك كما سبق تخصيصها بالعقار، وخرج بقوله في الحديث "في كل شرك" الجار ولو ملاصقًا خلافًا للحنفية حيث أثبتوها للجار الملاصق أيضًا، انتهى مختصرًا من "القسطلاني".

стр. 1594

(٢ - باب عرض الشفعة) أي: هل تبطل بذلك شفعته أم لا؟ وسيأتي في "كتاب ترك الحيل" مزيد بيان لذلك، انتهى من "الفتح" (١). وكتب الشيخ في "اللامع" (٢): قوله: (قال الحكم: إذ أذن له. . .) إلخ، هذا يخالف مذهب الحنفية، فإنهم يجوزون للشفيع أن يطالب ولو تقدم منه الإذن بالبيع، ولا ضير في مخالفة الحكم لمذهب الإمام لأنه تابعي مثله، ولا يخالف مذهبه قول الشعبي لأنا لم نقل بحق الاسترداد له بعد ما باع البائع بإذنه، انتهى. وفي هامشه: قال العيني: قال الثوري وإسحاق وأحمد في رواية والظاهرية: إن أحد الشريكين إذا عرض عليه الآخر فلم يأخذ سقط حقه من الشفعة، وروي ذلك عن الحكم بن عتيبة أيضًا، وقال الطحاوي: قال أبو حنيفة ومالك والشافعي: لا يسقط حقه بذلك، بل له أن يأخذ بعد البيع لأن الشفعة لم تجب بعد، وإنما تجب له بعد البيع فتركه ما لم يجب بعد لا معنى له، ولا يسقط حقه إذا وجب، انتهى. ففي المسألة عن أحمد روايتان كما في "المغني" إذ قال: قد اختلف فيه عن أحمد فقال مرة: تبطل شفعته، وقال مرة: لا تبطل، إلى آخر ما في هامش "اللامع" (٣). قوله: (قال الشعبي: من بيعت. . .) إلخ، قال الموفق (٤): الصحيح في المذهب أن حق الشفعة على الفور، نص عليه أحمد فقال: الشفعة بالمواثبة ساعة يعلم، وهذا قول الأوزاعي، وأبي حنيفة، والشافعي في أحد قوليه، وحكي عن أحمد رواية ثانية أن الشفعة على التراخي لا تسقط، ما لم يوجد منه ما يدل على الرضاء من عفو، أو مطالبة بقسمة، ونحو ذلك، وهو قول

стр. 1595

مالك وقول للشافعي، إلا أن مالكًا قال: تنمطع بمضي سنة، وعنه: بمضي مدة يعلم أنه تارك لها، إلى آخر ما في هامش "اللامع" (١). (٣ - باب أي الجوار أقرب ؟) هذه الترجمة يوافق الحنفية، كما سيأتي في كلام القسطلاني (٢). قال الحافظ (٣): كأنه أشار بهذه الترجمة إلى أن لفظ "الجار" في الحديث الذي قبله ليس على مرتبة واحدة، انتهى. وفي "الفيض" (٤): لا يدرى أنه هل أراد من الجار الجار الملاصق، وأراد به موافقة الحنفية، أو حمله على الحقوق الأخرى؟ غير أن الحديث الذي أخرجه ليس إلا في الحقوق العامة دون الشفعة، والله تعالى أعلم، انتهى. قال القسطلاني (٥): فيه إشعار إلى أن المؤلف يختار مذهب الكوفيين في استحقاق الشفعة بالجوار لكنه لم يترجم له وإنما ذكر الحديث في الترجمة الأولى وهو دليل شفعة الجوار، وأعقبه بهذا الباب ليدل بذلك على أن الأقرب جوارًا أحق من الأبعد، لكنه لم يصرح في الرجمة بأن غرضه الشفعة، واستدل التوربشتي بإيراد البخاري حديث: "الجار أحق بسقبه" على تقويته شفعة الجار وإبطال ما تأوله أبو سليمان الخطابي مشنعًا عليه، وأجاب شارح "المشكاة" بأن إيراد البخاري لذلك ليس بحجة على الإمام الشافعي ولا على الخطابي، وقد وافق محي السُّنَّة البغوي الخطابي في ذلك، وإذا كان كذلك، فلا وجه للتشنيع على الإمام أبي سليمان الذي لان له الحديث كما لان لأبي سليمان الحديد، انتهى.

стр. 1596

ثم براعة الاختتام سكت عنها الحافظ؛ لأنه جعل البيع والإجارة واحدًا. وعند هذا العبد الضعيف البراعة في لفظ "الجار" فإنه يرشد إلى قوله: "اللهم أجرني من النار"، ومن أدعية صلاة الجنازة "اللهم إن فلان بن فلان في ذمتك وحبل جوارك، فقِهِ من فتنة القبر وعذاب النار" كما تقدم في المقدمة مبسوطًا. * * *

стр. 1597

٣٧ - كتاب الإجارة قال الحافظ (١): الإجارة بكسر أوله على المشهور وحكي ضمها، وهي لغةً الإثابة، واصطلاحًا تمليك منفعة رقبة بعوض، انتهى. اعلم أن التمليك على نوعين: ما يتعلق بالعين، والثاني: ما يتعلق بالمنفعة، وكل واحد منهما إما بعوض أو بغير عوض، فتمليك العين بالعوض هو البيع، وبغير العوض هو الهبة، وتمليك المنفعة بعوض إجارة، وبغير عوض إعارة، كذا يستفاد من "الهداية" (٢) وحواشيه. وبسط الكلام على مباحث الإجارة صاحب "البدائع" (٣)، وقال: الكلام في هذا الكتاب يقع في سبع مواضع، ثم ذكرها، وقال أيضًا: الإجارة جائزة عند عامة العلماء، وقال أبو بكر الأصم: إنها لا تجوز، والقياس ما قاله؛ لأن الإجارة بيع المنفعة والمنافع للحال معدومة، والمعدوم لا يحتمل البيع فلا يجوز إضافة البيع إلى ما يؤخذ في المستقبل كإضافة البيع إلى أعيان تؤخذ في المستقبل، فإذن لا سبيل إلى تجويزها لا باعتبار الحال ولا باعتبار المآل، فلا جواز لها رأسًا، لكنا استحسنا الجواز بالكتاب والسُّنَّة والإجماع، إلى آخر ما بسطه. (١ - باب استئجار الرجل الصالح. . .) إلخ قال القسطلاني (٤): فيه إشارة إلى قطع وهم من لعله يتوهم أنه لا ينبغي استئجار الصالحين في الأعمال والخدم لأنه امتهان لهم قاله ابن المنيِّر. (وقول الله تعالى) بالجر عطفًا على السابق، وبالرفع على الاستئناف،
следующие страницы →