← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 853

الأبواب والتراجم لصحيح البخاري

محمد زكريا الكاندهلوي

Полный текст (3 740 стр.). Показаны 1593–1632 · переход к 1598.

стр. 1593

بالشركة في الطريق، ثم بالجوار، إلى آخر ما بسط في هامش "اللامع" (١)، وستأتي هذه المسألة في باب مستقل. قوله: (السلم في الشفعة) كذا في نسخة الحاشية، وكذا هو في نسخة الحافظ والعيني لكنهما لم يتعرضا عن شرحه. (١ - باب الشفعة فيما لم يقسم. . .) إلخ قال القسطلاني (٢): أي: في المكان الذي لم يقسم، وقال بعد ذكر الحديث: وهذا الحديث أصل في ثبوت الشفعة، وقد أخرجه مسلم من طريق أبي الزبير عن جابر بلفظ: "قضى رسول الله ﷺ بالشفعة في كل شرك لم يقسم ربعة أو حائط، ولا يحل له أن يبيع حتى يؤذن شريكه" الحديث، والربعة: تأنيث الربع وهو المنزل، والحائط: البستان، وقد تضمن هذا الحديث ثبوت الشفعة في المشاع، وصدره يشعر بثبوتها في المنقولات، وسياقه يشعر باختصاصها بالعقار وبما فيه العقار، ومشهور مذهب المالكية والشافعية والحنابلة تخصيصها بالعقار؛ لأنه أكثر الأنواع ضررًا، والمراد بالعقار الأرض وتوابعها المثبتة فيها للدوام، كالبناء وتوابعه الداخلة في مطلق البيع من الأبواب والرفوف والمسامير وحجري الطاحون والأشجار، فلا تثبت في منقول غير تابع. ويشترط أن يكون العقار قابلًا للقسمة، واحترز به عما إذا كان لا يقبلها أو يقبلها بضرر كالحمام أو نحوها، وفي "الفتح" (٣): وقد أخذ بعمومها في كل شيء مالك في رواية، وعن أحمد تثبت في الحيوانات دون غيرها من المنقولات، ومشهور مذهب مالك كما سبق تخصيصها بالعقار، وخرج بقوله في الحديث "في كل شرك" الجار ولو ملاصقًا خلافًا للحنفية حيث أثبتوها للجار الملاصق أيضًا، انتهى مختصرًا من "القسطلاني".

стр. 1594

(٢ - باب عرض الشفعة) أي: هل تبطل بذلك شفعته أم لا؟ وسيأتي في "كتاب ترك الحيل" مزيد بيان لذلك، انتهى من "الفتح" (١). وكتب الشيخ في "اللامع" (٢): قوله: (قال الحكم: إذ أذن له. . .) إلخ، هذا يخالف مذهب الحنفية، فإنهم يجوزون للشفيع أن يطالب ولو تقدم منه الإذن بالبيع، ولا ضير في مخالفة الحكم لمذهب الإمام لأنه تابعي مثله، ولا يخالف مذهبه قول الشعبي لأنا لم نقل بحق الاسترداد له بعد ما باع البائع بإذنه، انتهى. وفي هامشه: قال العيني: قال الثوري وإسحاق وأحمد في رواية والظاهرية: إن أحد الشريكين إذا عرض عليه الآخر فلم يأخذ سقط حقه من الشفعة، وروي ذلك عن الحكم بن عتيبة أيضًا، وقال الطحاوي: قال أبو حنيفة ومالك والشافعي: لا يسقط حقه بذلك، بل له أن يأخذ بعد البيع لأن الشفعة لم تجب بعد، وإنما تجب له بعد البيع فتركه ما لم يجب بعد لا معنى له، ولا يسقط حقه إذا وجب، انتهى. ففي المسألة عن أحمد روايتان كما في "المغني" إذ قال: قد اختلف فيه عن أحمد فقال مرة: تبطل شفعته، وقال مرة: لا تبطل، إلى آخر ما في هامش "اللامع" (٣). قوله: (قال الشعبي: من بيعت. . .) إلخ، قال الموفق (٤): الصحيح في المذهب أن حق الشفعة على الفور، نص عليه أحمد فقال: الشفعة بالمواثبة ساعة يعلم، وهذا قول الأوزاعي، وأبي حنيفة، والشافعي في أحد قوليه، وحكي عن أحمد رواية ثانية أن الشفعة على التراخي لا تسقط، ما لم يوجد منه ما يدل على الرضاء من عفو، أو مطالبة بقسمة، ونحو ذلك، وهو قول

стр. 1595

مالك وقول للشافعي، إلا أن مالكًا قال: تنمطع بمضي سنة، وعنه: بمضي مدة يعلم أنه تارك لها، إلى آخر ما في هامش "اللامع" (١). (٣ - باب أي الجوار أقرب ؟) هذه الترجمة يوافق الحنفية، كما سيأتي في كلام القسطلاني (٢). قال الحافظ (٣): كأنه أشار بهذه الترجمة إلى أن لفظ "الجار" في الحديث الذي قبله ليس على مرتبة واحدة، انتهى. وفي "الفيض" (٤): لا يدرى أنه هل أراد من الجار الجار الملاصق، وأراد به موافقة الحنفية، أو حمله على الحقوق الأخرى؟ غير أن الحديث الذي أخرجه ليس إلا في الحقوق العامة دون الشفعة، والله تعالى أعلم، انتهى. قال القسطلاني (٥): فيه إشعار إلى أن المؤلف يختار مذهب الكوفيين في استحقاق الشفعة بالجوار لكنه لم يترجم له وإنما ذكر الحديث في الترجمة الأولى وهو دليل شفعة الجوار، وأعقبه بهذا الباب ليدل بذلك على أن الأقرب جوارًا أحق من الأبعد، لكنه لم يصرح في الرجمة بأن غرضه الشفعة، واستدل التوربشتي بإيراد البخاري حديث: "الجار أحق بسقبه" على تقويته شفعة الجار وإبطال ما تأوله أبو سليمان الخطابي مشنعًا عليه، وأجاب شارح "المشكاة" بأن إيراد البخاري لذلك ليس بحجة على الإمام الشافعي ولا على الخطابي، وقد وافق محي السُّنَّة البغوي الخطابي في ذلك، وإذا كان كذلك، فلا وجه للتشنيع على الإمام أبي سليمان الذي لان له الحديث كما لان لأبي سليمان الحديد، انتهى.

стр. 1596

ثم براعة الاختتام سكت عنها الحافظ؛ لأنه جعل البيع والإجارة واحدًا. وعند هذا العبد الضعيف البراعة في لفظ "الجار" فإنه يرشد إلى قوله: "اللهم أجرني من النار"، ومن أدعية صلاة الجنازة "اللهم إن فلان بن فلان في ذمتك وحبل جوارك، فقِهِ من فتنة القبر وعذاب النار" كما تقدم في المقدمة مبسوطًا. * * *

стр. 1597

٣٧ - كتاب الإجارة قال الحافظ (١): الإجارة بكسر أوله على المشهور وحكي ضمها، وهي لغةً الإثابة، واصطلاحًا تمليك منفعة رقبة بعوض، انتهى. اعلم أن التمليك على نوعين: ما يتعلق بالعين، والثاني: ما يتعلق بالمنفعة، وكل واحد منهما إما بعوض أو بغير عوض، فتمليك العين بالعوض هو البيع، وبغير العوض هو الهبة، وتمليك المنفعة بعوض إجارة، وبغير عوض إعارة، كذا يستفاد من "الهداية" (٢) وحواشيه. وبسط الكلام على مباحث الإجارة صاحب "البدائع" (٣)، وقال: الكلام في هذا الكتاب يقع في سبع مواضع، ثم ذكرها، وقال أيضًا: الإجارة جائزة عند عامة العلماء، وقال أبو بكر الأصم: إنها لا تجوز، والقياس ما قاله؛ لأن الإجارة بيع المنفعة والمنافع للحال معدومة، والمعدوم لا يحتمل البيع فلا يجوز إضافة البيع إلى ما يؤخذ في المستقبل كإضافة البيع إلى أعيان تؤخذ في المستقبل، فإذن لا سبيل إلى تجويزها لا باعتبار الحال ولا باعتبار المآل، فلا جواز لها رأسًا، لكنا استحسنا الجواز بالكتاب والسُّنَّة والإجماع، إلى آخر ما بسطه. (١ - باب استئجار الرجل الصالح. . .) إلخ قال القسطلاني (٤): فيه إشارة إلى قطع وهم من لعله يتوهم أنه لا ينبغي استئجار الصالحين في الأعمال والخدم لأنه امتهان لهم قاله ابن المنيِّر. (وقول الله تعالى) بالجر عطفًا على السابق، وبالرفع على الاستئناف،

стр. 1598

وأشار بذلك إلى قصة موسى ﵊ مع ابنة شعيب في سقيه المواشي و (من لم يستعمل) أي: من الأئمة، (من أراده) أي: لا يفوض الأمر إلى الحريص على العمل لأنه لحرصه لا يؤمن، وهذان الجزءان من جملة الترجمة، وقد ساق لكل منهما حديثًا، انتهى. قال الحافظ (١): قال الإسماعيلي: ليس في الحديثين جميعًا معنى الإجارة، وقال الداودي: ليس حديث: "الخازن الأمين" من هذا الباب لأنه لا ذكر للإجارة فيه، وقال ابن التين: وإنما أراد البخاري أن الخازن لا شيء له في المال وإنما هو أجير، وقال ابن بطال (٢): إنما أدخله في هذا الباب لأن من استؤجر على شيء فهو أمين فيه، وليس عليه في شيء منه ضمان إن فسد أو تلف إلا إن كان ذلك بتضييعه. وقال الكرماني (٣): دخول هذا الحديث في باب الإجارة للإشارة إلى أن خازن مال الغير كالأجير لصاحب المال، وأما دخول الحديث الثاني في الإجارة فظاهر من جهة أن الذي يطلب العمل إنما يطلبه غالبًا لتحصيل الأجرة التي شرعت للعامل، والعمل المطلوب يشمل العمل على الصدقة في جمعها وتفرقتها في وجهها وله سهم منها كما قال الله تعالى: ﴿وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا﴾ [التوبة: ٦٠] فدخوله في الترجمة من جهة طلب الرجلين أن يستعملهما النبي ﷺ على الصدقة أو غيرها ويكون لهما على ذلك أجرة معلومة، انتهى. قلت: ولا يبعد عند هذا العبد الضعيف أن إدخال الحديث الثاني في الباب من حيث إن طلبه العمل علامة لكونه غير صالح، فقد ورد حديث الباب عند أبي داود (٤) من زيادة قوله ﷺ : "إن أخونكم عندنا من طلبه"، ثم لا يذهب عليك ما أفاده الشيخ قُدِّس سرُّه ولله دره إذ قال: ثم إن الأدب في

стр. 1599

ذلك أن لا يستعمل الطالب على ما فيه مظنة الخيانة وشبهة عدم القيام بالأمر الذي نيط به، وأنه لا يأتي به على وجهه، وليس المراد أن كل طالب عمل لا يستعمل، كيف ولو كان المراد ذلك لانسد باب الأعمال والإجارات، فإن الأجراء قلما يتفطن لهم أنه أجراء إلا إذا طلبوا وأظهروا ذلك من أنفسهم، مع أن يوسف ﵇ طلب العمل من نفسه حيث رأى أنه قوي على ذلك فقال: ﴿اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾ [يوسف: ٥٥]، وقد سأل بعض أصحاب النبي ﷺ الإمامة، فقال: اجعلني إمام قومي، فقال: "أنت إمامهم واقتد بأضعفهم" (١)، انتهى. وذكر في هامشه من الروايات ما يدل على تأييد كلام الشيخ قُدِّس سرُّه. (٢ - باب رعي الغنم على قراريط) قال الحافظ (٢): على بمعنى الباء وهي للسببية أو المعاوضة، وقيل: إنها هنا للظرفية كما سنبين، انتهى. وقال القسطلاني (٣): قراريط جمع قيراط وهو نصف الدانق أو نصف عشر الدينار، أو جزء من أربعة وعشرين جزءًا، وقال بعد ذكر الحديث: وقال أبو إسحاق الحربي: قراريط اسم موضع بمكة، وصححه ابن الجوزي كابن ناصر، وأيده مغلطاي بأن العرب لم تكن تعرف القيراط، قال ابن حجر: لكن الأرجح الأول لأن أهل مكة لا تعرف بها مكانًا يقال له قراريط، انتهى. وقال بعضهم: لم تكن العرب تعرف القيراط الذي هو من النقد، ولذا قال ﵊ كما في الصحيح: "تفتحون أرضًا يذكر فيها

стр. 1600

القيراط" لكن لا يلزم من عدم معرفتهم لهما - أي: للقيراط بالمعنيين الذي هما الموضع وكونها من النقود - أن يكون النبي ﷺ لا يعرف ذلك، انتهى. قلت: ولعل المصنف أشار بهذه الترجمة إلى فضيلة هذا العمل لكونه فعل جميع الأنبياء عليهم الصلاة والسلام. وقال القسطلاني (١): والحكمة في إلهامهم صلوات الله وسلامه عليهم رعي الغنم قبل النبوة ليحصل لهم التمرن برعيها على ما يكلفونه من القيام بأمر أمتهم، ولأن في مخالطتها زيادة الحلم والشفقة لأنهم إذا صبروا على مشقة الرعي ودفعوا عنها السباع الضارية والأيدي الخاطفة وعلموا اختلاف طباعها وتفاوت عقولها وعرفوا ضعفها واحتياجها إلى النقل من مرعى إلى مرعى ومن مسرح إلى مراح فرفقوا بضعيفها وأحسنوا تعاهدها فهو توطئة لتعريفهم سياسة أممهم، وخص الغنم لأنها أضعف من غيرها، وفي ذكره ﷺ لذلك بعد أن علم أنه أشرف خلق الله ما فيه من التواضع والتصريح بمنته عليه، انتهى. (٣ - باب استئجار المشركين عند الضرورة) قال الحافظ (٢): هذه الترجمة مشعرة بأن المصنف يرى بامتناع استئجار المشرك حربيًّا كان أو ذميًّا إلا عند الاحتياج إلى ذلك كتعذر وجود مسلم يكفي في ذلك؛ وقد روى عبد الرزاق عن ابن جريج عن ابن شهاب قال: "لم يكن للنبي ﷺ عمال يعملون بها نخل خيبر وزرعها، فدعا النبي ﷺ يهود خيبر فدفعها إليهم" الحديث، وفي استشهاده بقصة معاملة النبي ﷺ يهود خيبر على أن يزرعوها وباستئجاره الدليل المشرك لما هاجر على ذلك نظر؛ لأنه ليس فيهما تصريح بالمقصود من منع استئجارهم وكأنه أخذ ذلك من هذين الحديثين مضمومًا إلى قوله ﷺ : "إنا لا نستعين بمشرك"

стр. 1601

أخرجه مسلم وأصحاب السنن، فأراد الجمع بين الأخبار بما ترجم به، قال ابن بطال (١): عامة الفقهاء يجيزون استئجارهم عند الضرورة وغيرها لما في ذلك من المذلة لهم، وإنما الممتنع أن يؤاجر المسلم نفسه من المشرك لما فيه من إذلال المسلم، انتهى. (٤ - باب إذا استأجر أجيرًا ليعمل له. . .) إلخ كتب الشيخ قُدِّس سرُّه في "اللامع" (٢): يعني بذلك أن الاستئجار وإن كان متقدمًا على زمان العمل، إلا أن الأجرة لا تجب إلا إذا أتى بالمعقود عليه، فكان في تقديم الاستئجار على وقت العمل مظنة توهم المنع، لما فيه من حبس الأجير قبل ما تناوله العقد من الزمان كما في صورة المسألة المذكورة في الرواية، فإن الدليل الديلي قد حبس من أجلهما منذ ثلاث، فأورد المؤلف الرواية الدالة على جواز هذا التقديم، وما يتوهم من الحبس بغير عوض يقابله مدفوع، بأنه مجرد عدة منهما جميعًا، ولو سلم كونه حبسًا فالأجرة مقابلة بالعمل والحبس كليهما كيف ما كان الحبس، انتهى. وفي هامشه: ما أفاده الشيخ قُدِّس سرُّه لطيف، فللَّه دره، وفي بادي الرأي أن الإمام البخاري أشار بالترجمة إلى مسألة خلافية شهيرة، كما ستأتي، وقال الإسماعيلي: ليس في الخبر أنهما استأجراه على أن لا يعمل إلا بعد ثلاث، بل الذي في الخبر أنهما استأجراه، وابتدأ في العمل من وقته لتسليمه راحلتيهما يرعاهما ويحفظهما إلى أن يتهيأ لهما الخروج. قال الحافظ: ليس في ترجمة البخاري ما ألزمه به بل الذي ترجم به هو ظاهر القصة، ومن قال ببطلان الإجارة إذا لم يشرع في العمل من حين الإجارة هو المحتاج إلى دليل، انتهى. وبسط الكلام في هامش "اللامع" فارجع إليه.

стр. 1602

وأما المسألة الخلافية الشهيرة ففي "المغني" (١): ولا يشترط في مدة الإجارة أن تلي العقد، بل لو آجره سنة خمس وهما في سنة ثلاث أو شهر رجب في المحرم صبح، وبهذا قال أبو حنيفة، وقال الشافعي: لا يصح إلا أن يستأجرها من هي في إجارته، ففيه قولان، انتهى. وقال القسطلاني (٢): "باب إذا استأجر. . ." إلخ، وجواب إذا قوله: "جاز"، ثم قال: قال العيني: هو جا عند مالك وأصحابه بعد اليوم أو اليومين أو ما قرب إذا أنقده الأجرة، واختلفوا فيما إذا لم ينقده فأجازه مالك وابن القاسم، وقال أشهب: لا يجوز لأنه لا يدري أيعيش أم لا، وقياسه أن يستأجر منه منزلًا مدة معلومة قبل مجيء السنة بأيام كأن يقول: آجرتك الدار سنة بعد عشرة أيام فمذهب الشافعية عدم الصحة، لأن منفعتها إذ ذاك غير مقدورة التسليم في الحال، فأشبه بيع العين على أن يسلمها غدًا، وهو بخلاف إجارة الذمة، فإنه يجوز فيها تأجيل العمل كما في السلم، فلو آجر السنة الثانية لمستأجر الأولى قبل انقضائها جاز لاتصال المدتين مع اتحاد المستأجر فهو كما لو آجرهما دفعة واحدة بخلاف ما لو آجرها من غيره لعدم اتحاد المستأجر، وقال الحنفية: إذا قال في شعبان مثلًا: آجرتك داري في أول يوم من رمضان جاز مطلقًا؛ لأن العقد يتجدد بحدوث المنافع وهو مذهب المالكية، انتهى. وفي "الفيض" (٣) تحت الترجمة: ويقال له في الفقه: الإجارة المضافة، والعقد فيها يكون في الحال، والعمل في المآل، ولتراجع "الهداية" للفرق بين الإجارة المعلقة والمضافة؛ إلى آخر ما قال.

стр. 1603

(٥ - باب الأجير في الغزو) قال الحافظ (١): قال ابن بطال (٢): استئجار الأجير للخدمة وكفاية مؤنة العمل في الغزو وغيره سواء، انتهى. ويحتمل أن يكون أشار إلى أن الجهاد وإن كان القصد به تحصيل الأجر فلا ينافي في ذلك الاستعانة بمن يخدم المجاهد، ويكفيه كثيرًا من الأمور التي لا يتعاطاها بنفسه، انتهى. قال صاحب "الفيض" (٣): يعني أن الغزو يكون خالصًا لله تعالى، فهل تصح فيه الأجرة؟ والجواب أنها تصح، وإن حبط الأجر، فهو للأجير إلى آخر قطرة دمه، انتهى. (٦ - باب من استأجر أجيرًا فبين له الأجل) أي: هل يصح ذلك أم لا؟ وقد مال البخاري إلى الجواز لأنه احتج لذلك فقال: "لقوله تعالى. . ." إلخ، ولم يفصح مع ذلك بالجواز لأجل الاحتمال، ووجه الدلالة منه أنه لم يقع في سياق القصة المذكورة بيان العمل، وإنما فيه إن موسى آجر نفسه من والد المرأتين، ثم إنما تتم الدلالة بذلك إذا قلنا: إن شرع من قبلنا شرع لنا إذا ورد شرعنا بتقريره، قال المهلب (٤): ليس في الآية دليل على جهالة العمل في الإجارة لأن ذلك كان معلومًا بينهم وإنما حذف ذكره للعلم به، وتعقبه ابن المنيِّر (٥): بأن البخاري لم يرد جواز أن يكون العمل مجهولًا وإنما أراد أن التنصيص على العمل باللفظ ليس مشروطًا، وأن المتبع المقاصد لا الألفاظ، ويحتمل أن يكون المصنف أشار إلى حديث عتبة بن الندر - بضم النون وتشديد المهملة - قال: "كنا عند رسول الله ﷺ فقال: إن موسى آجر نفسه ثمان سنين أو عشرًا

стр. 1604

على عفة فرجه وطعام بطنه" أخرجه ابن ماجه، وفي إسناده ضعف، فإنه ليس فيه بيان العمل من قبل موسى، انتهى. (٧ - باب إذا استأجر أجيرًا على أن يقيم حائطًا. . .) إلخ كتب الشيخ في "اللامع" (١): قصد بذلك بيان أن الاستئجار كما يجوز بتعيين الأجل وإن لم يتعين العمل كما تقدم، فكذلك هو جائز بتعيين العمل وإن لم يتعين الأجل الذي يفرغ فيه من عمله، وكلا نوعي الاستئجار معمول بهما شرعًا وعرفًا، انتهى. وهكذا حكى الحافظ (٢): عن ابن المنيِّر. قلت: والإجارة على نوعين: الإجارة بتعيين الأجل، وترجم له سابقًا بقوله: وبين له الأجل، والنوع الثاني من الإجارة ترجم له البخاري بهذه الترجمة، قال الموفق: الإجارة على ضربين: أحدهما: أن يعقدها على مدة، الثاني: أن يعقدها على عمل معلوم كبناء حائط وخياطة قميص، فإذا كان المستأجر مما له عمل كالحيوان جاز فيه الوجهان؛ لأن له عملًا تتقدر منافعه به، وإن لم يكن له عمل كالدار والأرض لم يجز إلا على مدة، ومتى تقدرت المدة لم يجز تقدير العمل، وبهذا قال أبو حنيفة والشافعي؛ لأن الجمع بينهما يزيدها غررًا لأنه قد يفرغ من العمل قبل انقضاء المدة، فإن استعمل في بقية المدة فقد زاد على ما وقع عليه العقد، وإن لم يعمل كان تاركًا للعمل في بعض المدة، إلى آخر ما بسطه الموفق، انتهى من هامش "اللامع" (٣). (٨ - باب الإجارة إلى نصف النهار) أي: من أول النهار، وترجم في الذي بعده "الإجارة إلى صلاة العصر" والتقدير أيضًا أن الابتداء من أول النهار، ثم ترجم بعد ذلك "باب

стр. 1605

الإجارة من العصر إلى الليل" أي: إلى أول دخول الليل، قيل: أراد البخاري إثبات صحة الإجارة بأجر معلوم إلى أجل معلوم من جهة أن الشارع ضرب المثل بذلك، ولولا الجواز ما أقره، ويحتمل أن يكون الغرض من كل ذلك جواز الاستئجار لقطعة من النهار إذا كانت معينة دفعًا لتوهم من يتوهم أن أقل المعلوم أن يكون يومًا كاملًا، انتهى من "الفتح" (١). قوله: (ما لنا أكثر عملًا وأقل عطاء؟) بسط الكلام عليه في "اللامع" (٢) وهامشه، [فارجع] إليه لو شئت. (٩ - باب الإجارة إلى صلاة العصر) تقدم بعض ما يتعلق به من الغرض وغيره في الباب السابق، وذكر فيه حديث ابن عمر من طريق مالك عن عبد الله بن دينار، وليس في سياقه التصريح بالعمل إلى صلاة العصر، وإنما يؤخذ ذلك من قوله: "ثم أنتم الذين تعملون من صلاة العصر" فإن ابتداء عمل الطائفة عند انتهاء عمل الطائفة التي قبلها، نعم في رواية أيوب في الباب قبله التصريح بذلك، انتهى من "الفتح" (٣). (١٠ - باب إثم من منع أجر الأجير) أورد فيه حديث أبي هريرة وقد تقدم في "باب إثم من باع حرًّا" في "كتاب البيوع"، وقال الحافظ (٤): أخَّر ابن بطال هذا الباب عن الذي بعده، وكأنه صنع ذلك للمناسبة، انتهى. وهكذا قال العيني (٥). وكتب الشيخ في "اللامع" (٦): الظاهر أن محل إيراده هو آخر الأبواب الثلاثة لا وسطها، إلا أنه وسطه إياها لنكتة، وهي الإشارة إلى أن الأجرة

стр. 1606

تجب على المستأجر شيئًا فشيئًا، حسب إتيان الأجير من المعقود عليه شيئًا فشيئًا، فالعادة وإن كانت جارية بأن الأجير لا يطلب أجرته إلا بعد مضي اليوم أو الشهر حسب ما تعارفوا إلا أن له أن يطلب قبل انقضاء اليوم وتمامه حتى إنه لو عمل ثلثي اليوم وترك العمل بعد ذلك أو لم يترك، كان له وقتئذ أن يطلب ثلثي أجره، ولذلك لم يورد الباب قبل "باب الإجارة إلى نصف النهار"؛ لأنه لو وضعه هناك لربما توهم أن الأجرة إنما تجب إذا فرغ من العمل ولو بنصف يوم، فلو طلب لأقل من ذلك لا يجوز حتى يفرغ من عمله، فدفعه بإيراده الباب ها هنا ليعلم أنه لا عبرة فيه للفراغ، ولا لإتيان النصف من المعقود عليه، كما في عمل نصف اليوم إذا كانت الإجارة لعمل اليوم، بل الواجب هو كل جزء من الأجر على أداء كل جزء من العمل، إلا أن المطالبة ساقطة دفعًا للحرج الواقع في مطالبة كل آن، انتهى. وذكر في هامش "اللامع" ما يؤيد كلام الشيخ قُدِّس سرُّه، فارجع إليه. (١١ - باب الإجارة من العصر إلى الليل) قال الحافظ (١): أورد فيه حديث أبي موسى وقد مضى سنده ومتنه في "المواقيت" (٢) وشيخه أبو كريب المذكور هناك هو محمد بن العلاء المذكور هنا، انتهى. وهكذا في "العيني" (٣). قلت: لكنه أخرجه هناك مختصرًا وهنا مطولًا، وقد تقدم الكلام على الأحاديث المكررة في مقدمة "اللامع" (٤). ثم لا يخفى عليك ما في حديثي أبي موسى وابن عمر من التغاير جدًا، كما ذكر في هامش "اللامع" (٥) في "المواقيت"، وكذا في "الكوكب" (٦)

стр. 1607

وهامشه: واختلفت الشرَّاح في محملهما، فحاول جماعة منهم الشيخ الكَنكَوهي إلى جمعهما في قضية واحدة، وإليه مال الخطابي كما حكاه عنه القاري وكذا ابن التين، كما حكاه عنه الحافظ، ومال جماعة من الشرَّاح إلى التعدد، منهم الحافظ ابن حجر إذ قال: أما ما وقع من المخالفة بين حديثي ابن عمر وأبي موسى فظاهرهما أنهما قضيتان، وحاول بعضهم الجمع بينهما فتعسف، انتهى من هامش "الكوكب". (١٢ - باب من استأجر أجيرًا فترك أجره. . .) إلخ قال القسطلاني (١): قوله: (فعمل فيه المستأجر) أي: بالتجارة والزراعة، (فزاد) فجه، أي: ربح، (ومن عمل. . .) إلخ، هو من باب عطف العام على الخاص، انتهى. وزاد الحافظ (٢): لأن العامل في مال غيره أعم من أن يكون مستأجرًا أو غير مستأجر، ولم يذكر المصنف الجواب إشارة إلى الاحتمال كعادته، وقد تعقب المهلب ترجمة البخاري بأنه ليس في القصة دليل لما ترجم له، وإنما اتجر الرجل في أجر أجيره ثم أعطاه له على سبيل التبرع، وإنما الذي كان يلزمه قدر العمل خاصة، انتهى. قلت: وقد تقدم هذا الحديث في "كتاب البيوع" (٣) في "باب إذا اشترى شيئًا لغيره بغير إذنه" وأثبت منه جواز بيع الفضولي كما تقدم هناك مبسوطًا. قال العيني (٤): قال الخطابي: استدل بالحديث أحمد على أن المستودع إذا اتجر في مال الوديعة وربح أن الربح إنما يكون لرب المال، قال: وهذا لا يدل على ما قال، وذلك أن صاحب الفرق إنما تبرع بفعله وتقرب به إلى الله ، وقد قال: إنه اشترى بقرًا وهو تصرف منه في أمر لم يوكله به، فلا يستحق عليه ربحًا، والأشبه بمعناه أنه قد تصدق بهذا المال على الأجير بعد أن اتجر فيه وأنماه، والذي ذهب إليه أكثر الفقهاء

стр. 1608

في المستودع إذا اتجر بمال الوديعة والمضارب إذا خالف رب المال فربحا أنه ليس لصاحب المال من الربح شيء، وعند أبي حنيفة: المضارب ضامن لرأس المال والربح له ويتصدق به، والوضيعة عليه؛ وقال الشافعي: إن كان اشترى السلعة بعين المال فالبيع باطل، وإن كان بغير عينه فالسلعة ملك المشتري وهو ضامن للمال، وقال ابن بطال: وأما من اتجر في مال غيره، فقالت طائفة: يطيب له الربح إذا رد رأس المال إلى صاحبه، سواء كان غاصبًا للمال أو كان وديعة عنده متعديًا فيه، هذا قول مالك والثوري وأبي يوسف، واستحب مالك والثوري تنزهه عنه، ويتصدق به، وقالت طائفة: يرد المال ويتصدق بالربح كله، ولا يطيب له منه شيء هذا قول أبي حنيفة ومحمد وزفر، وقالت طائفة: والربح لرب المال وهو ضامن لما تعدى فيه، هذا قول ابن عمر، وبه قال وأحمد وإسحاق، انتهى مختصرًا. وفي "الفيض" (١): قوله: "باب من استأجر" فهل يكون الربح للعامل، أو المالك؟ وقد مر عن "الهداية": أن الربح في البيع الفاسد يطيب للبائع؛ لأنه ربح في ثمنه، ولا يطيب للمشتري، فإنه ربح في المبيع، ووجه الفرق ذكره صاحب "الهداية"، انتهى مختصرًا. (١٣ - باب من آجر نفسه ليحمل على ظهره ثم تصدق منه) كتب الشيخ في "اللامع" (٢): إنما عقد هذا الباب لما في ظاهره أنه لا يجوز لما فيه من توهين المسلم نفسه وإذلاله إياها، وليس لمؤمن أن يذل نفسه، فدفعه بأنه ليس بمذلة سيما وفي تركه مذلة المسألة، وهي أشنع منها بكثير، وكما أن في ترك الاكتساب مذلة المسألة في الدنيا فكذلك في ترك الصدقة مذلة الإفلاس الأخروي، انتهى.

стр. 1609

وفي هامشه: ما أفاده الشيخ قُدِّس سرُّه واضح، ويحتمل عندي أنه ترجم بذلك لما يتوهم من ظاهر الروايات العديدة أن مثل هذا التكلف للصدقة مما لا ينبغي، وقد قال النبي ﷺ : "إن خير الصدقة ما كان عن ظهر غنى" وغير ذلك من الروايات، إلى آخر ما ذكر في هامش "اللامع" (١). وفي "الفيض" (٢): أي: من آجر نفسه، فاكتسب شيئًا، فاستفضل منه شيء، فتصدق به، انتهى. (١٤ - باب أجر السمسرة. . .) إلخ بفتح السينين المهملتين بينهما ميم ساكنة، أي: الدلالة، قاله القسطلاني (٣). وقال العيني (٤): السمسار بالكسر: الدلال، وفي "المغرب": السمسرة مصدر، وهو أن يوكل الرجل من الحاضرة للقادمة، فيبيع لهم ما يحلبونه، انتهى. وفي "الدر المختار" (٥): السمسار هو الدال على مكان السلعة وصاحبها، قال ابن عابدين (٦): لا فرق لغةً بين السمسار والدلال، وقد فسرهما في "القاموس" (٧) بالمتوسط بين البائع والمشتري، وفرق بينهما الفقهاء فالسمسار هو ما ذكره المؤلف، والدلال هو المصاحب للسلعة، انتهى. قال الحافظ (٨): كأن المصنف أشار إلى الرد على من كرهها، وقد نقله ابن المنذر عن الكوفيين، انتهى. قلت: أخذه الحافظ من الآثار المذكورة في الباب، وتعقب عليه

стр. 1610

العلامة العيني (١) فقال بعد ذكر كلامه: لم يقصد البخاري بهذا الرد على أحد، وإنما نقل عن هؤلاء المذكوريين أنهم لا يرون بأسًا بالسمسرة، وطريقة الرد لا تكون هكذا، ثم ذكر العيني اختلاف العلماء فيه. كتب الشيخ في "اللامع" (٢): ولا بأس فيه عندنا من حيث كونه أجر السمسرة، فأما لو لزم الفساد فيه من جهة أخرى كجهالة الأجرة لم تجز، وقول ابن عباس ظاهره إطلاق الجواز معلومًا كانت الأجرة أو مجهولةً، وكأنه نزله منزلة المضارب، فإنه لا يعلم في المضاربة مقدار الربح ما هو، ومع ذلك فهي جائزة، ولو حمل قول ابن عباس هذا على أنه عدة منه بإعطائه إياه ما زاد على ذلك القدر المعلوم من الثمن لم يكن مخالفًا للمذهب أيضًا، انتهى. وذكر في هامشه: اختلاف العلماء فيه. قال القسطلاني (٣): قوله: "لا يكون له سمسارًا" وهذا موضع الترجمة فإن مفهومه جواز أن يكون سمسارًا في بيع الحاضر للحاضر لكن شرط الجمهور أن تكون الأجرة معلومة، وهذا الحديث سبق في "باب النهي عن تلقي الركبان" (٤)، انتهى. وفي "الفيض" (٥): وأجرته حلال عندنا لسواء كان من جهة البائع، أو المشتري. وقوله: "بع هذا الثوب، فما زاد على كذا. . ." إلخ، وهذه الإجارة فاسدة عندنا لجهالة الأجرة، فيستحق أجرة المثل، على ما هو المسألة في الإجارة الفاسدة، وقوله: "المسلمون عند شروطهم. . ." إلخ، يعني: يلزمهم كل شرط تتحمله قواعد الشرع، فعليهم الإيفاء بها، انتهى من "الفيض".

стр. 1611

(١٥ - باب هل يؤاجر الرجل نفسه من مشرك. . .) إلخ أورد فيه حديث خباب - وهو إذ ذاك مسلم - في عمله للعاص بن وائل وهو مشرك، وكان ذلك بمكة وهي إذ ذاك دار حرب، واطلع النبي ﷺ على ذلك وأقره، ولم يجزم المصنف بالحكم لاحتمال أن يكون الجواز مقيدًا بالضرورة، أو أن جواز ذلك كان قبل الإذن في قتال المشركين ومنابذتهم وقبل الأمر بعدم إذلال المسلم نفسه. وقال المهلب: كره أهل العلم ذلك إلا لضرورة بشرطين: أحدهما: أن يكون عمله فيما يحل للمسلم فعله، والآخر: أن لا يعينه على ما يعود ضرره على المسلمين، وقال ابن المنيِّر: استقرت المذاهب على أن الصَّناع في حوانيتهم يجوز لهم العمل لأهل الذمة ولا يعد ذلك من الذلة، بخلاف أن يخدمه في منزله بطريق التبعية، انتهى من "الفتح" (١). وفي "المغني" (٢): لا تجوز إجارة مسلم لذمي لخدمته نص عليه أحمد في رواية الأثرم، فقال: إن آجر نفسه من الذمي في خدمته لم يجز، وإن كان في عمل شيء جاز، وهذا أحد قولي الشافعي، وقال في الآخر: تجوز، ولنا: أنه عقد يتضمن حبس المسلم عند الكافر وإذلاله له واستخدامه، فأما إن آجر نفسه منه في عمل معين في الذمة؛ كخياطة ثوب وقصارته جاز بغير خلاف نعلمه؛ لأن عليًّا رضي الله تعالى عنه آجر نفسه من يهودي، يسقي له كل دلو بتمرة، وأخبر النبي ﷺ بذلك (٣) فلم ينكره، وكذلك الأنصاري (٤) انتهى. قلت: وحديث الباب قد سبق في "باب ذكر القين والحداد" من "كتاب البيوع".

стр. 1612

(١٦ - باب ما يعطى في الرقية على أحياء العرب) قال الحافظ (١): والأحياء بالفتح جمع حي والمراد به طائفة من العرب مخصوصة، وقد اعترض على المصنف بأن الحكم لا يختلف باختلاف الأمكنة ولا باختلاف الأجناس، وتقييده في الترجمة بأحياء العرب يشعر بحصره فيه، ويمكن الجواب بأنه ترجم بالواقع ولم يتعرض لنفي غيره، وقد ترجم عليه في الطب "الشروط في الرقية بقطيع من الغنم" ولم يقيده بشيء، وترجم فيه أيضًا: "الرقية بفاتحة الكتاب"، والرقية كلام يستشفى به من كل عارض، انتهى. قال القسطلاني (٢) بعد ذكر الإشكال وجوابه عن الحافظ: واعترضه في "عمدة القاري" (٣) بأن هذا الجواب غير مقنع لأن القيد شرط إذا انتفى ينتفي المشروط، ثم قال القسطلاني: وبحديث الباب تمسك الجمهور في جواز الأجرة على تعليم القرآن، ومنع ذلك الحنفية في التعليم لأنه عبادة والأجر فيها على الله تعالى، وأجازوه في الرقى لهذا الخبر، انتهى. وكتب الشيخ في "اللامع" (٤): وقد خلط هؤلاء بين القراءة والتعليم فظنوهما واحدًا، وقد خلطوا أيضًا بين القرآة لأجل التلاوة بينها لا لأجلها بل بنية الدعاء، وبينهما تفاوت لا يخفى، إلى آخر ما بسطه الشيخ في "اللامع". وفي هامشه: قال الموفق في "المغني" (٥): ما لا تجوز إجارته أقسام، إلى أن قال: القسم الرابع: القرب التي يختص فاعلها بكونه من أهل القربة، يعني أنه يشترط كونه مسلمًا: كالإمامة، والأذان، والحج، وتعليم القرآن نص عليه - أي: على عدم الجواز - أحمد، وبه قال عطاء

стр. 1613

وأبو حنيفة، وممن كره أجرة التعليم مع الشرط الحسن وابن سيرين والنخعي، وعن أحمد رواية أخرى: يجوز ذلك، وممن أجاز ذلك مالك والشافعي، إلى آخر ما بسط في الدلائل، ثم قال: فأما الأخذ على الرقية، فإن أحمد يختار جوازه، وقال: لا بأس، والفرق بينه وبين ما اختلف فيه أن الرقية نوع مداواة، والمداواة يجوز أخذ الأجر عليها، انتهى. قوله: (ولم ير ابن سيرين بأجر القسام بأسًا) قيل: وجه ذكر القسام والخارص في هذا الباب الاشتراك في أن جنسهما وجنس تعليم القرآن والرقية واحد، انتهى. وهذا وجه فيه تعسف، ويمكن أن يقال: وقع هذا استطرادًا لا قصدًا، انتهى من "العيني" (١). وفي "الفيض" (٢): قوله: "القسام. . ." إلخ، كان بيت المال ينصب رجلًا للتقسيم، ويقال له: القسام، ويقال له في بلادنا: الأمين، وفي الفقه: أن أجرته تكون على بيت المال، وأن لا تؤخذ منهم، انتهى. وفي "الدر المختار" (٣): وينصب قاسم يرزق من بيت المال ليقسم بلا أخذ أجر منهم، وهو أحب، وإن نصب بأجر المثل صح؛ لأنها ليست بقضاء حقيقة، فجاز له أخذ الأجرة عليها وإن لم يجز على القضاء، انتهى. وفي هامش "اللامع" (٤): اختلف العلماء في أجرة القسام، قال الحافظ (٥): كرهها مالك، وقيل: إنما كرهها لأنه كان يرزق من بيت المال فكره له أن يأخذ أجرة أخرى، انتهى. ولم يذكر الحافظ مذاهب الأئمة، وبسط الكلام عليه في هامش "اللامع" وحاصله أنها جائزة عند الجمهور، ثم الأجرة بقدر نصيبهم في

стр. 1614

المال عند أحمد والشافعي وأبي يوسف ومحمد، وقال أبو حنيفة بقدر رؤوسهم. (١٧ - باب ضريبة العبد، وتعاهد ضرائب الإمام) الضريبة بفتح المعجمة فعيلة بمعنى مفعولة: ما يقدره السيد على عبده في كل يوم، وضرائب جمعها، ويقال لها خراج وغلة بالغين المعجمة وأجر، وقد وقع جميع ذلك في الحديث، ودلالة الحديث على الترجمة ظاهرة، فإن المراد بها بيان حكم ذلك، وفي تقرير النبي ﷺ له دلالة على الجواز، وأما ضرائب الإماء فيؤخذ منه بطريق الإلحاق واختصاصها بالتعاهد لكونها مظنة تطرق الفساد في الأغلب، وإلا فكما يخشى من اكتساب الأمة بفرجها يخشى من اكتساب العبد بالسرقة مثلًا، ولعله أشار بالترجمة إلى ما أخرجه هو في تاريخه من طريق أبي داود الأحمري قال: "خطبنا حذيفة حين قدم المدائن فقال: تعاهدوا ضرائب إمائكم" وهو عند أبي نعيم في "الحلية" بلفظ: "ضرائب غلمانكم"، ولأبي داود من حديث رافع بن خديج مرفوعًا: "نهى عن كسب الأمة حتى يعلم من أين هو" (١). وقال ابن المنيِّر: كأنه أراد بالتعاهد التفقد لمقدار ضريبة الأمة لاحتمال أن تكون ثقيلة فتحتاج إلى التكسب بالفجور، ودلالته من الحديث أمره ﵊ بتخفيف ضريبة الحجام، فلزوم ذلك في حق الأمة أقعد وأولى لأجل الغائلة الخاصة بها، انتهى. وبما قال ابن المنيِّر جزم الشيخ قُدِّس سرُّه في "اللامع" (٢) ثم قال: ولا يبعد أن يقال: أراد المصنف إثبات تعاهد ضرائب الإماء وذكر ضريبة العبد من غير ذكر التعاهد في ضريبته، فأورد فيه رواية، ثم لما كانت الرواية تثبت مع ذلك مسألتين أخراوين وهما جواز التكلم مع موالي العبد في

стр. 1615

التخفيف عنه، وجواز أجر الحجام، نبَّه عليهما في أثناء الكلام بلفظ الباب، وكذلك الرواية الموردة في الباب الثالث لما كانت تثبت مع إثباتها مسألة التعاهد مسألة أخرى، وهي حرمة كسب الأمة إذا كان من زنا نبَّه عليها بلفظ الباب، فالحاصل أن التعاهد مشترك الثبوت بتلك الروايات بأسرها، فكلها من الباب المتقدم، فإن فيها ذكرًا لضريبة العبد، وهو المقصود بالإثبات، وتعاهد الإماء مذكور في الرواية الثالثة، إلا أنها لما كانت متضمنة لمسائل أخر نبَّه عليها بزيادة الأبواب، انتهى. قلت: وهذا أوجه عندي فتكون التراجم الآتية من الأصل السادس من أصول التراجم، وهذا أصل معروف مطرد في "البخاري"، يقال له في ألسنة المشايخ: باب في باب، انتهى من هامش "اللامع" (١). (١٨ - باب خراج الحجام) قال العلَّامة العيني (٢): خراج الحجام أجره، انتهى. قال الحافظ (٣): حديث الباب ظاهر في الجواز، وتقدم في "البيوع" (٤) بلفظ: "ولو كان حرامًا لم يعطه"، وعرف به أن المراد بالكراهة هنا كراهة التحريم، وكأن ابن عباس أشار بذلك إلى الرد على من قال: إن كسب الحجام حرام، واختلف العلماء في هذه المسألة؛ فذهب الجمهور إلى أنه حلال واحتجوا بهذا الحديث وقالوا: هو كسب فيه دناءة وليس بمحرم، فحملوا الزجر عنه على التنزيه، ومنهم من ادعى النسخ وأنه كان حرامًا ثم أبيح، جنح إلى ذلك الطحاوي، وذهب أحمد وجماعة إلى الفرق بين الحر والعبد، فكرهوا للحر الاحتراف بالحجامة، ويحرم عليه الإنفاق على نفسه منها، ويجوز له الإنفاق على الرقيق والدواب منها وأباحوها للعبد مطلقًا، إلى آخر ما قال الحافظ في "الفتح".

стр. 1616

(١٩ - باب من كلَّم موالي العبد أن يخففوا عنه من خراجه) قال الحافظ (١): أي: على سبيل التفضل منهم لا على سبيل الإلزام لهم، ويحتمل أن يكون على الإلزام إذا كان لا يطيق ذلك، انتهى. (٢٠ - باب ما جاء في كسب البغي والإماء. . .) إلخ قال العلامة القسطلاني (٢): "البغي" بفتح الموحدة وكسر الغين المعجمة وتشديد التحتية، أي: الزانية، "والإماء" البغايا، والممنوع كسب الأمة بالفجور لا بالصنائع الجائزة، انتهى. وفرّق بينهما الحافظ (٣) إذ قال: بين البغي والإماء خصوص وعموم وجهي، فقد تكون البغي أمة وقد تكون حرة، ولم يصرح المصنف بالحكم كأنه نبَّه على أن الممنوع كسب الأمة بالفجور لا بالصنائع الجائزة، انتهى. قلت: فلذا جمع المصنف في الترجمة بين البغي والإماء إشارة منه إلى اتحاد حكمهما، وأن المراد في الحديث بكسب الإماء كسب البغايا، كما تقدم عن القسطلاني، لا مطلق الكسب، فالترجمة شارحة، وإليه أشار الحافظ بقوله: كأنه نبَّه، إلخ. (٢١ - باب عسب الفحل) والعسب بفتح العين وإسكان السين المهملتين ويقال له: العسيب أيضًا، والفحل: الذكر من كل حيوان، واختلف في العسب؛ فقيل: هو ثمن ماء الفحل، وقيل: أجرة الجماع، وعلى الأخير جرى المصنف، وعلى كل تقدير فبيعه وإجارته حرام لأنه غير متقوم ولا معلوم ولا مقدور على تسليمه، وفي وجه للشافعية والحنابلة تجوز الإجارة مدة معلومة، وهو قول الحسن

стр. 1617

وابن سيرين ورواية عن مالك، انتهى من "الفتح" (١). وقال القسطلاني (٢): المشهور في كتب الفقه أن عسب الفحل ضرابه، وقيل: أجرة ضرابه، وقيل: ماؤه، فعلى الأول والثالث تقديره: نهى عن بدل عسب الفحل، وفي رواية الشافعي: نهى عن ثمن عسب الفحل، انتهى. (٢٢ - باب إذا استأجر أرضًا فمات أحدهما) قال الحافظ (٣): أي: هل تفسخ الإجارة أم لا؟ والجمهور على عدم الفسخ، وذهب الكوفيون والليث إلى الفسخ، واحتجوا بأن الوارث ملك الرقبة والمنفعة تبع لها، فارتفعت يد المستأجر عنها بموت الذي آجره، وتعقب بأن المنفعة قد تنفك عن الرقبة كما يجوز بيع مسلوب المنفعة، فحينئذٍ ملك المنفعة باق للمستأجر بمقتضى العقد، انتهى. وتعقب العيني (٤) على تعقب الحافظ مبسوطًا فارجع إليه لو شئت. وفي "المغني" (٥): إذا مات المكري والمكرى أو أحدهما فالإجارة بحالها، وهو قول مالك والشافعي وإسحاق وغيرهم، وقال الثوري وأصحاب الرأي: تنفسخ الإجارة بموت أحدهما، إلى آخر ما بسط في الدليل. وفي "الدر المختار" (٦): وتنفسخ بلا حاجة إلى الفسخ بموت أحد العاقدين عندنا لا بجنونه مطبقًا، ولا بردته إلا أن يلحق بدارهم ويقضى بهم، فإن عاد مسلمًا في المدة عادت الإجارة، انتهى. وقال أيضًا: لو رضي الوارث وهو كبير ببقاء الإجارة، ورضي به المستأجر جاز، أي: فيجعل الرضاء بالبقاء إنشاء عقد، أي: لجوازها بالتعاطي، انتهى.

стр. 1618

قوله: (ولم يذكر أن أبا بكر وعمر جدّدا الإجارة) في "فيض الباري" (١): والعجب من البخاري أنه يجعل معاملة النبي ﷺ مع أهل خيبر إجارةً، ثم يحكم بإمضائها بعد وفاة أحد المتعاقدين، وهي عند الحنفية خراج مقاسمةً، ثم قال بعد ذكر الإشكال والجواب عنه: فالحاصل: أنها مزارعة عند البخاري، وخراج مقاسمةً عند الحنفية، وحينئذٍ فليسأل البخاري: أن المزارعة هل تبقى بعد موت أحد المتعاقدين أيضًا، أما خراج المقاسمة فيبقى ما بقيت السلطنة، والظن أن البخاري لم يتنقح عنده معاملتهم، فقد يجعلها إجارة وأخرى مزارعة، وراجع لتحقيقه "مبسوط السرخسي"، فقد حققه بما لا مزيد عليه، انتهى. ثم البراعة في قوله: "حتى أجلاهم عمر" واضحة كما قال الحافظ (٢)، ويحتمل أن يكون في قوله في أول الترجمة: "فمات أحدهما" أو ما في الحديث من قوله: "قبض النبي ﷺ "، وفي "القول الفصيح" لشيخ الحديث مولانا فخر الدين أحمد: لقد أبدع المؤلف في نضد أبواب الإجارة حيث وضعها إلى ثلاثة أنواع: إجارة الإنسان، إجارة الحيوان، إجارة الأرض، فقدم إجارة الإنسان وقسمها إلى إجارة الحر وإجارة العبد، ثم صنفها إلى ما يجوز منها وما لا يجوز، ثم ثنّى بإجارة الحيوان، ثم ثلّث بإجارة الأرض لأن الأرض مرجع الأحياء والأموات جميعًا، قال: ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفَاتًا (٢٥) أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا﴾ [المرسلات: ٢٥، ٢٦] وقال تعالى: ﴿مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى﴾ [طه: ٥٥]، انتهى. * * *

стр. 1619

٣٨ - كتاب الحوالة وفي نسخة "الفتح" (١): "باب الحوالة"، وفي "القسطلاني" (٢): "باب في الحوالة"، وفي نسخة العيني (٣): "كتاب الحوالات". وقال الحافظ (٤): "باب الحوالة" كذا للأكثر، وزاد النسفي والمستملي بعد البسملة "كتاب الحوالة"، والحوالة بفتح الحاء وقد تكسر مشتقة من التحويل أو من الحول (٥)، وهو عند الفقهاء نقل دين من ذمة إلى ذمة، واختلفوا هل هي بيع دين بدين رخص فيه فاستثني من النهي عن بيع الدين بالدين، أو هي استيفاء؟ وقيل: هي عقد إرفاق مستقل، ويشترط في صحتها رضا المحيل بلا خلاف، والمحتال عند الأكثر، والمحال عليه عند بعض شذ، ويشترط أيضًا تماثل الحقين في الصفات، وأن يكون في شيء معلوم، ومنهم من خصها بالنقدين ومنعها في الطعام لأنه بيع طعام قبل أن يستوفى، انتهى. وقال القسطلاني (٦): للحوالة ستة أركان، إلى آخر ما بسط في هامش "اللامع" (٧)، وفيه: وعلم مما سبق أن رضا الثلاثة - المحيل والمحال والمحال عليه - شرط عند الحنفية، أما المحيل فيعتبر رضاه إجماعًا، والمحتال يعتبر رضاه عندنا والشافعي ومالك، خلافًا لأحمد، وأما المحتال عليه فيعتبر رضاه عندنا، وهو أحد قولي الشافعي، والمشهور عنه أنه لا يعتبر رضاه، وبه قال أحمد، وقال مالك: إن كان بين المحال والمحال عليه عداوة يعتبر رضاه وإلا لا، انتهى.

стр. 1620

(١ - باب في الحوالة، وهل يرجع في الحوالة؟. . .) إلخ قال الحافظ (١): هذا إشارة إلى خلاف فيها هل هي عقد لازم أو جائز، انتهى. وفي "الفيض" (٢): والمصنف أبهم في الكلام، وراجع له "الهداية"، فقد يجوز رجوع المحتال على المحيل في جزئيات، فمن جملة تلك الجزئيات هذه، وقوله: "يتخارج الشريكان" والتخارج باب في "السراجي"، وهذا باب في الورثة، والمصنف وضعه بين الشركاء أيضًا، وله وجه أيضًا، انتهى. وقال القسطلاني (٣): قوله: "وقال الحسن. . ." إلخ، ومفهومه: إذا كان مفلسًا يوم الحوالة له الرجوع، ومذهب الشافعي أن المحتال لا يرجع بحال حتى لو أفلس المحال عليه ومات أو لم يمت أو جحد وحلف لم يكن للمحتال الرجوع على المحيل، كما لو تعوض عن الدين ثم تلف الدين في يده، وكذا لو بان المحال عليه عبدًا لغير المحيل بل يطالبه بعد العتق، وقال الحنابلة: يرجع على المحيل إذا شرط ملاءة المحال عليه فتبين مفلسًا، وقال المالكية: يرجع عليه فيما إذا حصل منه غرور بأن يكون إفلاس المحال عليه مقترنًا بالحوالة وهو جاهل به مع علم المحيل به، وقال الحنفية: يرجع عليه إذا توي حقه، والتوى عند أبي حنيفة إما أن يجحد الحوالة ويحلف ولا بيِّنة عليه أو يموت مفلسًا، وقال محمد وأبو يوسف: يحصل التوى بأمر ثالث، وهو أن يحكم الحاكم بإفلاسه في حال حياته، انتهى. والبسط في هامش "اللامع" (٤)، وهذا الرجوع المذكور هو رجوع المحال - أي: الدائن - على المحيل - أي: المديون -، وأما رجوع

стр. 1621

المحتال عليه على المحيل ففي "البدائع" (١): وجملة الكلام في الرجوع في موضعين: في بيان شرائط الرجوع، وفي بيان ما يرجع به، أما شرائطه فأنواع منها: أن تكون الحوالة بأمر المحيل، فإن كانت بغير أمره لا يرجع؛ لأن الحوالة إذا كانت بأمر المحيل صار المحال مملكًا الدين من المحال عليه بما أدى إليه من المال، فكان له أن يرجع بذلك على المحيل، وإن كانت بغير أمره لا يوجد معنى التمليك، فلا تثبت ولاية الرجوع، ومنها: أن لا يكون للمحيل على المحال عليه دين مثله، فإن كان لا يرجع، إلى آخر ما بسطه. (٢ - باب إذا أحال على مليّ فليس له ردّ. . .) إلخ هكذا هذه الترجمة والترجمة الآتية في النسخ الهندية، وكذا في نسخة العيني والقسطلاني، وجمعهما في نسخة الحافظ في باب واحد هكذا: "باب إن أحال دين الميت على رجل جاز، وإذا أحال على ملي فليس له رد". قال الحافظ (٢): كذا ثبت عند أبي ذر، والترجمة الثانية - أي: وإذا أحال على ملي - مقدمة عند غيره على الباب في باب مفرد، وفيه حديث أبي هريرة: "مطل الغني ظلم"، ومناسبته للترجمة واضحة، وهو يشعر بأنه في ذلك موافق للجمهور على عدم الرجوع، انتهى. قلت: ما قال الحافظ ليس بواضح، فإن المصنف لم يتعرض ههنا لمسألة الرجوع وعدمه، بل هذه المسألة قد تقدمت في الباب الذي قبله، وإنما المذكور ههنا هو قبول الحوالة هل هو لازم أم لا؟ فعند الجمهور ليس بواجب خلافًا للظاهرية وبعض الحنابلة، فإنهم أوجبوا قبولها على الملي، فقد تقدم في الباب السابق من جملة شرائط الحوالة أن رضاء المحتال ليس بلازم عند الحنابلة بخلاف الجمهور، فإنهم أوجبوه.

стр. 1622

قال القسطلاني (١) تحت قوله: "ومن أتبع على ملي فليتبع": جمهور العلماء على أن هذا الأمر للندب، وقال أهل الظاهر وجماعة من الحنابلة بالوجوب، فأوجبوا قبولها على الملي، وإليه مال البخاري حيث قال: فليس له ردّ، وهو ظاهر الحديث، انتهى. قوله: (فإن أفلست بعد ذلك) كتب الشيخ في "اللامع" (٢): ولعل المؤلف جوَّز للدائن أن يطالب أيهما شاء إذ لو لم يكن كذلك لما كان لتعليق الاتباع بالإفلاس معنى، إلا أن يقال: معناه أنه لما لم يكن له مطالبة المحيل إذا كان غنيًا فأولى أن لا يطالبه إذا أفلس، انتهى. قلت: وليست هذه العبارة في نسخة من نسخ الشروح الفتح والعيني والقسطلاني، وفي "الفيض" (٣): واعلم أن قيد المصنف: فإن أفلست إلخ وقع في غيره موضعه، فإن إفلاس المحيل غير مؤثر، ولا دخل له ههنا، نعم لو ذكر إفلاس المحتال عليه لكان أحسن، فإن له جزئيات في الفقه، انتهى. (٣ - باب إذا أحال دين الميت على رجل جاز) قال ابن بطال (٤): إنما ترجم بالحوالة، ثم أدخل حديث سلمة وهو في الضمان؛ لأن الحوالة والضمان عند بعض العلماء متقاربان، وإليه ذهب أبو ثور؛ لأنهما ينتظمان في كون كل منهما نقل ذمة رجل إلى ذمة رجل آخر، والضمان في هذا الحديث نقل ما في ذمة الميت إلى ذمة الضامن، فصار في الحوالة سواء. قال الحافظ: وقد ترجم له بعد ذلك بالكفالة على ظاهر الخبر. ثم قال الحافظ بعد ذكر الحديث: قال ابن بطال (٥): ذهب الجمهور

стр. 1623

إلى صحة هذه الكفالة ولا رجوع له في مال الميت، وعن مالك له أن يرجع إن قال: إنما ضمنت لأرجع، فإذا لم يكن للميت مال وعلم الضامن بذلك فلا رجوع له، وعن أبي حنيفة: إن ترك الميت وفاء جاز الضمان بقدر ما ترك، وإن لم يترك وفاءً لم يصح ذلك، وهذا الحديث حجة للجمهور. انتهى من "الفتح" (١). قال العيني (٢): اختلف العلماء فيمن تكفل عن ميت بدين، فقال ابن أبي ليلى ومحمد وأبو يوسف والشافعي: الكفالة جائزة عنه، وإن لم يترك الميت شيئًا، إلى آخر ما تقدم عن الحافظ. وفي "الفيض" (٣): في "الهداية": إن دين الميت لا يقبل الحوالة، وليس في الحديث ما يرد علينا؛ لأنه من باب الوثوق بوعد رجل صدوق، لا من باب الكفالة أو الحوالة، فهو باب آخر، وإدخاله في باب الحوالة ليس بذاك، وإرجاع الأبواب كلها إلى أبواب الفقه ليس بشيء، فإنا نجد أبوابًا كالمروءة وغيرها، لا نجد لها أثرًا في الفقه، كيف وأنها لا تليق بموضوع الفقهاء، فهذه تكون جائزة في نفسها، فإذا جرت في الفقه عادت إلى عدم الجواز، فليتنبه في تلك المواضع، انتهى. ثم براعة الاختتام ما في الحديث من صلاة الجنازة. * * *

стр. 1624

٣٩ - كتاب الكفالة هكذا في النسخة الهندية التي بأيدينا، وليس في نسخ الشروح الأربعة، ولم يتعرضوا له، بل في نسخة الشروح: "باب الكفالة في القرض. . ." إلخ، فأدخلوا أبواب الكفالة تحت كتاب الحوالة. قال الحافظ (١) في مبدأ الحوالة: قال الحسن وشريح وزفر: الحوالة كالكفالة فيرجع على أيهما شاء، وبه يشعر إدخال البخاري أبواب الكفالة في كتاب الحوالة. وقال العيني (٢): وجه إدخال هذا الباب في كتاب الحوالة من حيث إن الحوالة والكفالة التي هي الضمان متقاربان؛ لأن كلًا منهما نقل دين من ذمة إلى ذمة، انتهى. وفي "الدر المختار" (٣): الكفالة لغةً: الضم، وشرعًا: ضم ذمة الكفيل إلى ذمة الأصيل في المطالبة مطلقًا بنفس أو بدين أو عين كمغصوب أو نحوه؛ لأن المطالبة تعم ذلك، ومن عرفها بالضم في الدين إنما أراد تعريف نوع منها وهو الكفالة بالمال؛ لأنه محل الخلاف، وبسط الكلام عليه ابن عابدين (٤). (١ - باب الكفالة في القرض والديون بالأبدان. . .) إلخ هو من عطف العام على الخاص، والكفالة في العرف كما قاله الماوردي تكون في النفوس، والضمان في الأموال، والحمالة في الديات، والزعامة في الأموال العظام، قال ابن حبان في "صحيحه": والزعيم لغة

стр. 1625

أهل المدينة، والحميل لغة أهل مصر، والكفيل لغة أهل العراق، "وغيرها" أي: الكفالة بالأموال، انتهى من "القسطلاني" (١). وفي "الفيض" (٢): واعلم أن الكفالة على نحوين: كفالة بالنفس، ويكون فيها كفيل ومكفول له وبه، وكفالة بالمال، وفيها مكفول عنه أيضًا مع سائر الألقاب. ثم القرض والدين يفترقان، فالقرض ما يأخذه الرجل لحوائجه، ويعد إعانةً في الحال، والدين ما يلزم في المعاوضات والمعاملات، ثم التأجيل لا يلزم في باب القرض، فللمقرض أن يطالبه قبل حلول الأجل، بخلاف الدين، فليس لصاحب الدين أن يطالب من عليه الدين قبل حلول الأجل، وكذا لا تصح الكفالة في القرض؛ لأنه من باب الاعتماد، فإن لم يكن له اعتماد عليه ينبغي أن لا يقرضه، بخلاف الدين، فإنه مضمون بنفسه على ما فصل في الفقه، انتهى. وفي "الهداية" (٣): الكفالة بالنفس لا يجوز عند الشافعي؛ لأنه كفل بما لا يقدر على تسليمه، وفي هامشه عن "فتح القدير": هذا المنقول عن الشافعي، والأظهر عند الشافعية أنها جائزة، انتهى. قوله: (وكان عمر جلده مائة) وقال الحافظ (٤): هو مختصر من قصة أخرجها الطحاوي (٥) من طريق عبد الرحمن بن أبي الزناد حدثني أبي حدثني محمد بن حمزة عن أبيه أن عمر بن الخطاب بعثه للصدقة، فإذا رجل يقول لامرأة: صدقي مال مولاك، وإذا المرأة تقول: بل أنت صدق مال ابنك، فسأل حمزة عن أمرهما، فأخبر أن ذلك الرجل زوج تلك المرأة وأنه وقع على جارية لها فولدت ولدًا فأعتقته امرأته، ثم ورث من أمه مالًا، فقال

стр. 1626

حمزة للرجل: لأرجمنك، فقال له أهل الماء: إن أمره رفع إلى عمر فجلده مائة، ولم ير عليه رجمًا، قال: فأخذ حمزة بالرجل كفيلًا حتى قدم على عمر فسأله فصدقهم عمر بذلك مع قولهم، وإنما درأ عمر عنه الرجم لأنه عذره بالجهالة، واستفيد من هذه القصة مشروعية الكفالة بالأبدان، فإن حمزة بن عمرو صحابي، وقد فعله ولم ينكر عليه عمر مع كثرة الصحابة حينئذ، وأما جلد عمر للرجل فالظاهر أنه عزره بذلك، قاله ابن التين، قال: وفيه شاهد لمذهب مالك في مجاوزة الإمام في التعزير قدر الحد، ومسألة التعزير وكذا مسألة من زنى بجارية امرأته خلافيتان، كما ذكرتا في هامش "اللامع" (١)، وسيأتي في محلهما إن شاء الله تعالى. قوله: "وكفلهم عشائرهم" هذا أيضًا مختصر من قصة أخرجها البيهقي (٢) بطولها كما ذكر في هامش "اللامع" (٣)، فارجع إليه لو شئت. قال الحافظ (٤): قال ابن المنيِّر (٥): أخذ البخاري الكفالة بالأبدان في الديون من الكفالة بالأبدان في الحدود بطريق الأولى، انتهى. قال العيني (٦): قال المهلب: وحديث الخشبة الملقاة في البحر أصل في الكفالة بالديون من قرض كانت أو بيع، انتهى. قال العلامة القسطلاني (٧): وهذا الحديث أخرجه أيضًا مختصرًا في الاستقراض واللقطة والاستئذان والشروط، وسبق في البيع والزكاة، انتهى. قوله: (فمات فلا شيء عليه. . .) إلخ، قال الحافظ (٨): وبذلك قال الجمهور، وعن ابن القاسم صاحب مالك: يفصل بين الدين الحالّ والمؤجل، فيغرم في الحالّ ويفصل في المؤجل بين ما إذا كان لو قدم لأدركه أم لا، انتهى.

стр. 1627

قال العيني (١): مذهب الحكم أن الكفيل بالنفس يضمن الحق الذي على المطلوب، وهو أحد قولي الشافعي، وقال مالك والليث: إذا تكفل بنفسه وعليه مال فإنه إن لم يأت به غرم المال، ويرجع به إلى المطلوب، فإن اشترط ضمان نفسه أو وجهه وقال: لا أضمن المال فلا شيء عليه من المال، انتهى. وفي "الدر المختار" (٢): و"يبرأ" الكفيل بالنفس "بموت المكفول به ولو عبدًا"، أراد به دفع توهم أن العبد مال، فإذا تعذر تسليمه لزمه قيمته، "وبموت الكفيل" وقيل: يطالب وارثه بإحضاره، انتهى. وفي "الكنز" (٣): "وتبطل" أي: الكفالة بالنفس "بموت المطلوب" وهو المكفول بنفسه؛ لأنه برئ بموته، وبراءته براءة الكفيل، وعند مالك وبعض الشافعية يلزمه ما عليه، وكذا تبطل بموت الكفيل للعجز؛ لأن التسليم لا يتحقق بخلاف الكفيل بالمال إذا مات؛ لأن حكمه بعد موته ممكن فيوفى من ماله، ثم ترجع الورثة على المكفول له، إن كانت الكفالة بأمره وإلا فلا، انتهى بزيادة من "شرح العيني" (٤). (٢ - باب قول الله : ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾. . .) إلخ [النساء: ٣٣] أورد فيه حديث ابن عباس الآتي في سورة النساء بسنده ومتنه، وسيأتي الكلام عليه هناك، والمقصود منه هنا الإشارة إلى أن الكفالة التزام مال بغير عوض تطوعًا، فيلزم كما لزم استحقاق الميراث بالحلف الذي عقد على وجه التطوع، وروى أبو داود عن عكرمة في هذه الآية: كان الرجل يحالف الرجل ليس بينهما نسب، فيرث أحدهما الآخر، فنسخ ذلك قوله

стр. 1628

تعالى: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ﴾ [الأحزاب: ٦]، ثم أورد المصنف حديثي أنس، وغرضه إثبات الحلف في الإسلام، انتهى مختصرًا من "الفتح" (١). (٣ - باب من تكلَّف عن ميِّت دينًا فليس له أن يرجع. . .) إلخ يحتمل قوله: "فليس له أن يرجع" أي: عن الكفالة بل هي لازمة له، قد استقر الحق في ذمته، ويحتمل أن يريد فليس له أن يرجع في التركة بالقدر الذي تكفل به، والأول أليق بمقصوده، ثم أورد فيه حديث سلمة بن الأكوع المتقدم قبل بابين، ووجه الأخذ منه أنه لو كان لأبي قتادة أن يرجع لما صلى النبي ﷺ على المديان حتى يوفي أبو قتادة الدين لاحتمال أن يرجع، فيكون قد صلى على مديان دينه باق عليه، فدل على أنه ليس له أن يرجع، واستدل بالحديث على جواز ضمان ما على الميت من دين ولم يترك وفاء، وهو قول الجمهور خلافًا لأبي حنيفة، وقد بالغ الطحاوي في نصرة قول الجمهور، انتهى من "الفتح" (٢). قلت: وقد تقدم ترجمة المصنف على هذا الحديث في آخر الحوالة بـ "باب إذا أحال دين الميت. . ." إلخ، وقد تقدم الكلام هناك من بيان المذاهب وغيره، فارجع إليه. قوله: (عدة أو دين. . .) إلخ، كتب الشيخ في "اللامع" (٣): لعل الاستدلال مبني على أنه لو جاز للواعد أن يرجع من عدته لافتقر أبو بكر في إيفاء مواعيده إلى إثبات أنه ﷺ هل رجع منها أم لا؟ فلما لم يفتش ذلك علم أنه لا يصح الرجوع منها، وهو واجب في شريعة مكارم الأخلاق، وإن لم يكن واجبًا في شريعة الأحكام، إلى آخر ما قال.

стр. 1629

وفي هامشه ما أفاده الشيخ قُدِّس سرُّه في وجه المناسبة أوجه مما قاله الشرَّاح من أن أبا بكر لما قام مقامه ﷺ تكفل بما كان عليه من واجب أو تطوع، فلما التزم ذلك لزمه أن يوفي جميع ما عليه من دين أو عدة، انتهى. (٤ - باب جوار أبي بكر الصديق في عهد النبي ﷺ -) قال العلَّامة القسطلاني (١): أي: أمانه، قال تعالى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ﴾ [التوبة: ٦]، أي: آمنه، وجيم جوار بالكسر ويجوز الضم، انتهى. قال الحافظ (٢): أورد فيه حديث عائشة في شأن الهجرة مطولًا، والغرض منه ههنا رضا أبي بكر بجوار ابن الدغنة، وتقرير النبي ﷺ له على ذلك، ووجه دخوله في الكفالة أنه لائق بكفالة الأبدان؛ لأن الذي أجاره كأنه تكلف بنفس المجار أن لا يضام (٣)، قاله ابن المنيِّر (٤)، انتهى. وقال العلَّامة العيني (٥): مطابقة الحديث بالترجمة من حيث إن المجير ملتزم للمجار أن لا يؤذي من جهة من أجار منه، وكان ضمن له أن لا يؤذى وأن تكون العهدة في ذلك عليه، وبهذا يحصل الجواب عما قيل، كان المناسب أن يذكر هذا في كفالة الأبدان كما ناسب ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء: ٣٣] كفالة الأموال، انتهى. قوله: (حدثنا يحيى بن بكير. . .) إلخ، واعلم أن في نسخة الشرَّاح وقع ههنا على هذا الحديث "باب الدين". وقال الحافظ (٦): كذا للأصيلي وكريمة، وسقط الباب وترجمة

стр. 1630

من رواية أبي ذر وأبي الوقت، وسقط الحديث أيضًا من رواية المستملي، ووقع للنسفي وابن شبويه: "باب" بغير ترجمة، وبه جزم الإسماعيلي، وأما ابن بطال فذكر هذا الحديث في آخر "باب من تكفل عن ميت بدين" وصنيعه أليق؛ لأن الحديث لا تعلق له بترجمة جوار أبي بكر حتى يكون منها، أو يثبت "باب" بلا ترجمة فيكون كالفصل منها، وأما من ترجم له "باب الدين" فبعيد؛ إذ اللائق بذلك أن يكون في "كتاب القرض"، انتهى. قلت: والشرَّاح قاطبة كما ترى ذهبوا إلى أن هذا الباب ههنا في غير محله، والصحيح عندهم عدمه، وليس عند هذا العبد الفقير كذلك، بل له وجه وجيه عندي، وهو أن يقال: إن المصنف أشار بهذه الترجمة إلى الكفالة العامة بأن يقول أحد كما في حديث الباب: "كل من ترك دينًا فعلي قضاؤه"، فهل يصح ذاك أم لا؟ فليراجع له الفقه، هل تعرضوا لذلك كما تعرضوا لذلك في الوكالة، فإنهم قسموها إلى العامة والخاصة كما سيأتي، والله تعالى أعلم. ثم البراعة في قوله: "من ترك مالًا فلورثته" عند الحافظ. وأما عندي ففي صلاة الجنازة كما تقدم في الحوالة. * * *

стр. 1631

٤٠ - كتاب الوكالة قال الحافظ (١): الوكالة بفتح الواو وقد تكسر: التفويض والحفظ، وفي الشرع: إقامة الشخص غيره مقام نفسه مطلقًا أو مقيدًا، انتهى. وفي "الدر المختار" (٢): التوكيل صحيح بالكتاب والسُّنَّة، قال تعالى: ﴿فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ﴾ [الكهف: ١٩] ووكل ﵊ حكيم بن حزام بشراء ضحيته، وعليه الإجماع، وهو خاص وعام كأنت وكيلي في كل شيء، إلى آخر ما قال. (١ - باب في وكالة الشريك الشريك) كذا في هامش النسخة الهندية، وهكذا في نسخة العيني والقسطلاني، وليس في نسخة الحافظ، بل ذكر فيها هذه الترجمة تحت الكتاب. قال القسطلاني (٣): ولأبي ذر سقوط الباب وحرف الجر، ولفظه: كتاب الوكالة وكالة الشريك، قوله: "وغيرها" أي: والشريك في غير القسمة، انتهى. قال الحافظ (٤): وأما قوله في الترجمة: "وغيرها" أي: وفي غير القسمة، فيؤخذ بطريق الإلحاق، وقوله: "وقد أشرك النبي ﷺ . . ." إلخ، هذا الكلام ملفق من حديثين عند المصنف، أحدهما: حديث جابر "أن النبي ﷺ أمر عليًّا أن يقيم على إحرامه، وأشركه في الهدي" وسيأتي

стр. 1632

موصولًا في "الشركة"، ووهم من زعم من الشرَّاح أنه مضى في "الحج"، وثانيهما: حديث علي: "أن النبي ﷺ أمره أن يقوم على بدنه وأن يقسم بدنه كلها"، وقد تقدم موصولًا في "الحج"، ومقصوده منه هنا ظاهر فيما ترجم له في القسمة، ثم أورد المصنف حديث عقبة بن عامر، وشاهد الترجمة منه قوله: "ضح به أنت" فإنه علم به أنه كان من جملة من كان له حظ في تلك القسمة فكأنه كان شريكًا لهم، وهو الذي تولى القسمة بينهم، إلى آخر ما قال، ومسألة الباب إجماعية، قال ابن بطال (١): وكالة الشريك جائزة كما تجوز شركة الوكيل، لا أعلم فيه خلافًا، انتهى من "الفتح". وفي "الفيض" (٢): ولعل هذا الإشراك لا يسمى شركة عند الفقهاء؛ فإنه لا اشتراك فيه، غير أن النبي ﷺ جاء ببعضها من المدينة، وعلي ببعضها من سعايته، فأي شركة هذه، انتهى. (٢ - باب إذا وكّل المسلم حربيًّا. . .) إلخ وفي "الفيض" (٣): يعني: أن اتحاد الملة ليس بشرط في الوكالة، وليس فيه إلا وكالةٌ لغوية، انتهى. كتب الشيخ في "اللامع" (٤): فأما توكيله في دار الحرب فظاهر الثبوت، وأما في توكيله في دار الإسلام فثابت قياسًا، انتهى. وفي هامشه: قال العيني: فإن قلت: الترجمة في شيئين، والحديث لا يدل إلا على أحدهما، وهو توكيل المسلم حربيًا وهو في دار الحرب؟ قلت: إذا صح هذا فتوكيله إياه في دار الإسلام بطريق الأولى أن يصح، قال ابن المنذر: توكيل المسلم حربيًّا مستأمنًا وتوكيل الحربي المستأمن مسلمًا لا خلاف في جواز ذلك، انتهى.
следующие страницы →