تعالى: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ﴾ [الأحزاب: ٦]، ثم أورد المصنف حديثي أنس، وغرضه إثبات الحلف في الإسلام، انتهى مختصرًا من "الفتح" (١).
(٣ - باب من تكلَّف عن ميِّت دينًا فليس له أن يرجع. . .) إلخ
يحتمل قوله: "فليس له أن يرجع" أي: عن الكفالة بل هي لازمة له، قد استقر الحق في ذمته، ويحتمل أن يريد فليس له أن يرجع في التركة بالقدر الذي تكفل به، والأول أليق بمقصوده، ثم أورد فيه حديث سلمة بن الأكوع المتقدم قبل بابين، ووجه الأخذ منه أنه لو كان لأبي قتادة أن يرجع لما صلى النبي ﷺ على المديان حتى يوفي أبو قتادة الدين لاحتمال أن يرجع، فيكون قد صلى على مديان دينه باق عليه، فدل على أنه ليس له أن يرجع، واستدل بالحديث على جواز ضمان ما على الميت من دين ولم يترك وفاء، وهو قول الجمهور خلافًا لأبي حنيفة، وقد بالغ الطحاوي في نصرة قول الجمهور، انتهى من "الفتح" (٢).
قلت: وقد تقدم ترجمة المصنف على هذا الحديث في آخر الحوالة بـ "باب إذا أحال دين الميت. . ." إلخ، وقد تقدم الكلام هناك من بيان المذاهب وغيره، فارجع إليه.
قوله: (عدة أو دين. . .) إلخ، كتب الشيخ في "اللامع" (٣): لعل الاستدلال مبني على أنه لو جاز للواعد أن يرجع من عدته لافتقر أبو بكر في إيفاء مواعيده إلى إثبات أنه ﷺ هل رجع منها أم لا؟ فلما لم يفتش ذلك علم أنه لا يصح الرجوع منها، وهو واجب في شريعة مكارم الأخلاق، وإن لم يكن واجبًا في شريعة الأحكام، إلى آخر ما قال.
стр. 1629
وفي هامشه ما أفاده الشيخ قُدِّس سرُّه في وجه المناسبة أوجه مما قاله الشرَّاح من أن أبا بكر لما قام مقامه ﷺ تكفل بما كان عليه من واجب أو تطوع، فلما التزم ذلك لزمه أن يوفي جميع ما عليه من دين أو عدة، انتهى.
(٤ - باب جوار أبي بكر الصديق في عهد النبي ﷺ -)
قال العلَّامة القسطلاني (١): أي: أمانه، قال تعالى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ﴾ [التوبة: ٦]، أي: آمنه، وجيم جوار بالكسر ويجوز الضم، انتهى.
قال الحافظ (٢): أورد فيه حديث عائشة في شأن الهجرة مطولًا، والغرض منه ههنا رضا أبي بكر بجوار ابن الدغنة، وتقرير النبي ﷺ له على ذلك، ووجه دخوله في الكفالة أنه لائق بكفالة الأبدان؛ لأن الذي أجاره كأنه تكلف بنفس المجار أن لا يضام (٣)، قاله ابن المنيِّر (٤)، انتهى.
وقال العلَّامة العيني (٥): مطابقة الحديث بالترجمة من حيث إن المجير ملتزم للمجار أن لا يؤذي من جهة من أجار منه، وكان ضمن له أن لا يؤذى وأن تكون العهدة في ذلك عليه، وبهذا يحصل الجواب عما قيل، كان المناسب أن يذكر هذا في كفالة الأبدان كما ناسب ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء: ٣٣] كفالة الأموال، انتهى.
قوله: (حدثنا يحيى بن بكير. . .) إلخ، واعلم أن في نسخة الشرَّاح وقع ههنا على هذا الحديث "باب الدين".
وقال الحافظ (٦): كذا للأصيلي وكريمة، وسقط الباب وترجمة
стр. 1630
من رواية أبي ذر وأبي الوقت، وسقط الحديث أيضًا من رواية المستملي، ووقع للنسفي وابن شبويه: "باب" بغير ترجمة، وبه جزم الإسماعيلي، وأما ابن بطال فذكر هذا الحديث في آخر "باب من تكفل عن ميت بدين" وصنيعه أليق؛ لأن الحديث لا تعلق له بترجمة جوار أبي بكر حتى يكون منها، أو يثبت "باب" بلا ترجمة فيكون كالفصل منها، وأما من ترجم له "باب الدين" فبعيد؛ إذ اللائق بذلك أن يكون في "كتاب القرض"، انتهى.
قلت: والشرَّاح قاطبة كما ترى ذهبوا إلى أن هذا الباب ههنا في غير محله، والصحيح عندهم عدمه، وليس عند هذا العبد الفقير كذلك، بل له وجه وجيه عندي، وهو أن يقال: إن المصنف أشار بهذه الترجمة إلى الكفالة العامة بأن يقول أحد كما في حديث الباب: "كل من ترك دينًا فعلي قضاؤه"، فهل يصح ذاك أم لا؟ فليراجع له الفقه، هل تعرضوا لذلك كما تعرضوا لذلك في الوكالة، فإنهم قسموها إلى العامة والخاصة كما سيأتي، والله تعالى أعلم.
ثم البراعة في قوله: "من ترك مالًا فلورثته" عند الحافظ.
وأما عندي ففي صلاة الجنازة كما تقدم في الحوالة.
* * *
стр. 1631
٤٠ - كتاب الوكالة
قال الحافظ (١): الوكالة بفتح الواو وقد تكسر: التفويض والحفظ، وفي الشرع: إقامة الشخص غيره مقام نفسه مطلقًا أو مقيدًا، انتهى.
وفي "الدر المختار" (٢): التوكيل صحيح بالكتاب والسُّنَّة، قال تعالى: ﴿فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ﴾ [الكهف: ١٩] ووكل ﵊ حكيم بن حزام بشراء ضحيته، وعليه الإجماع، وهو خاص وعام كأنت وكيلي في كل شيء، إلى آخر ما قال.
(١ - باب في وكالة الشريك الشريك)
كذا في هامش النسخة الهندية، وهكذا في نسخة العيني والقسطلاني، وليس في نسخة الحافظ، بل ذكر فيها هذه الترجمة تحت الكتاب.
قال القسطلاني (٣): ولأبي ذر سقوط الباب وحرف الجر، ولفظه: كتاب الوكالة وكالة الشريك، قوله: "وغيرها" أي: والشريك في غير القسمة، انتهى.
قال الحافظ (٤): وأما قوله في الترجمة: "وغيرها" أي: وفي غير القسمة، فيؤخذ بطريق الإلحاق، وقوله: "وقد أشرك النبي ﷺ . . ." إلخ، هذا الكلام ملفق من حديثين عند المصنف، أحدهما: حديث جابر "أن النبي ﷺ أمر عليًّا أن يقيم على إحرامه، وأشركه في الهدي" وسيأتي
стр. 1632
موصولًا في "الشركة"، ووهم من زعم من الشرَّاح أنه مضى في "الحج"، وثانيهما: حديث علي: "أن النبي ﷺ أمره أن يقوم على بدنه وأن يقسم بدنه كلها"، وقد تقدم موصولًا في "الحج"، ومقصوده منه هنا ظاهر فيما ترجم له في القسمة، ثم أورد المصنف حديث عقبة بن عامر، وشاهد الترجمة منه قوله: "ضح به أنت" فإنه علم به أنه كان من جملة من كان له حظ في تلك القسمة فكأنه كان شريكًا لهم، وهو الذي تولى القسمة بينهم، إلى آخر ما قال، ومسألة الباب إجماعية، قال ابن بطال (١): وكالة الشريك جائزة كما تجوز شركة الوكيل، لا أعلم فيه خلافًا، انتهى من "الفتح".
وفي "الفيض" (٢): ولعل هذا الإشراك لا يسمى شركة عند الفقهاء؛ فإنه لا اشتراك فيه، غير أن النبي ﷺ جاء ببعضها من المدينة، وعلي ببعضها من سعايته، فأي شركة هذه، انتهى.
(٢ - باب إذا وكّل المسلم حربيًّا. . .) إلخ
وفي "الفيض" (٣): يعني: أن اتحاد الملة ليس بشرط في الوكالة، وليس فيه إلا وكالةٌ لغوية، انتهى.
كتب الشيخ في "اللامع" (٤): فأما توكيله في دار الحرب فظاهر الثبوت، وأما في توكيله في دار الإسلام فثابت قياسًا، انتهى.
وفي هامشه: قال العيني: فإن قلت: الترجمة في شيئين، والحديث لا يدل إلا على أحدهما، وهو توكيل المسلم حربيًا وهو في دار الحرب؟ قلت: إذا صح هذا فتوكيله إياه في دار الإسلام بطريق الأولى أن يصح، قال ابن المنذر: توكيل المسلم حربيًّا مستأمنًا وتوكيل الحربي المستأمن مسلمًا لا خلاف في جواز ذلك، انتهى.
стр. 1633
(٣ - باب وكالة الصرف والميزان. . .) إلخ
كتب الشيخ قُدِّس سرُّه في "اللامع" (١): لما كان المتوهم أن يتوهم عدم جواز التوكيل في ذلك ظنًا منه أن التفارق قبل قبض العوضين غير جائز في الصرف، والموكل هو الأصل وهو غير موجود ههنا، فيلزم الافتراق من غير قبض، دفعه بأن الوكيل هو المباشر، فيرجع الحقوق إليه فيعتبر قبضه قبض الأصيل، والله أعلم، انتهى.
وفي هامشه: ما أفاده الشيخ قُدِّس سرُّه لطيف جدًا، قال الحافظ: قال ابن المنذر: أجمعوا على أن الوكالة في الصرف جائزة، ومناسبة حديث الباب للترجمة ظاهرة لتفويضه ﷺ أمر ما يكال ويوزن إلى غيره فهو في معنى الوكيل عنه ويلتحق به الصرف، قال ابن بطال: بيع الطعام يدًا بيد مثل الصرف سواء، أي: في اشتراط ذلك، قال: ووجه أخد الوكالة منه قوله ﷺ لعامل خيبر: "بع الجمع بالدراهم" [بعد أن كان باع على غير السُّنَّة] فنهاه عن بيع الربا، وأذن له في البيع بطريق السُّنّة، انتهى.
(٤ - باب إذا أبصر الراعي أو الوكيل شاة. . .) إلخ
كتب الشيخ قُدِّس سرُّه في "اللامع" (٢): وهما في مسألتنا هذه، أي: الرواية الموردة في الباب واحد؛ فإن الراعية هي التي وكلت بالحفظ، وفي وضع الباب إشارة إلى أن للوكيل أن يخالف الموكل إلى خير وإن لم يأذن فيه لوجود الإذن دلالة، انتهى.
وفي تقرير مولانا محمد حسن المكي: غرضه أن التوكيل بالشيء يستلزم التوكيل بلوازمه، وأيضًا المخالفة إلى الخير جائزة، انتهى.
قال الحافظ (٣): قال ابن المنيِّر (٤): ليس غرض البخاري بحديث
стр. 1634
الباب الكلام في تحليل الذبيحة أو تحريمها، وإنما غرضه إسقاط الضمان عن الراعي، وكذا الوكيل، إلى آخر ما بسط فيه، وبسط الكلام على حديث الباب في "الأوجز"، وذكر فيه جواز أكل ما ذبحته المرأة سواء كانت حرة أو أمة صغيرة أو كبيرة طاهرة أو غير طاهرة، وهذا قول الجمهور ومالك في "المدونة"، ونقل عنه كراهة ذبيحة الصبي أو المرأة من غير ضرورة، انتهى من هامش "اللامع" (١).
وفي "الفيض" (٢): وفي "جامع الفصولين" - وهو من معتبرات فقهنا -: إنه إن ذبح الشاة يضمن، وفي قوله: لا يضمن، انتهى.
قوله: (يعجبني أنها أمه) يعني بذلك: أنها مع كونها أمة رأت مصلحة المولى، وراعتها، وأحسنت الفكرة فيه مع أن الإماء ليس بذاك، انتهى [من "اللامع"] (٣).
وأما مسألة أكل ما ذبح بغير إذن المالك فسيأتي في "كتاب الذبائح" إن شاء الله، فقد ترجم المصنف هناك بترجمتين متقابلتين، وحاصلها أن ذبح غير المالك إن كان بطريق التعدي والغرض الفاسد لا يجوز، وإن كان بطريق الإصلاح فهو جائز.
(٥ - باب وكالة الشاهد والغائب جائزة)
في "الفيض" (٤)، أي: الوكالة جائزة (٥)، سواء كان الوكيل شاهدًا أو غائبًا، قوله: "وكتب عبد الله. . ." إلخ. قال العيني (٦): وهذا يدل على شيئين، أحدهما: جواز توكيل الحاضر الغائب، والآخر: وجوب صدقة الفطر على الرجل عن أهله الصغير والكبير، انتهى.
стр. 1635
وقال الحافظ (١): قال ابن بطال (٢): أخذ الجمهور بجواز توكيل الحاضر بالبلد بغير عذر، ومنعه أبو حنيفة إلا بعذر مرض أو سفر أو برضا الخصم، واستثنى مالك من بينه وبين الخصم عداوة، وقد بالغ الطحاوي في نصرة قول الجمهور، واعتمد في الجواز حديث الباب، قال: وقد اتفق الصحابة على جواز توكيل الحاضر بغير شرط، قال: ووكالة الغائب مفتقرة إلى قبول الوكيل الوكالة باتفاق، وإذا كانت مفتقرة إلى قبول فحكم الغائب والحاضر سواء، انتهى.
قلت: وإنما رجح الطحاوي قول الجمهور لأنه مذهب صاحبي أبي حنيفة كما في "العيني" (٣)، وفيه: وفي "التوضيح": وهذا الحديث حجة على أبي حنيفة في قوله: إنه لا يجوز توكيل الحاضر بالبلد الصحيح البدن إلا برضا خصمه، قلت: ليس بحجة عليه لأنه لا ينفي الجواز، ولكن يقول: لا يلزم، يعني: لا يسقط حق الخصم في طلب الحضور والدعوى والجواب بنفسه، انتهى مختصرًا.
قلت: وهو كذلك، وهو واضح، فإن الإمام أبي حنيفة لم ينكر الجواز، بل قال: إن للخصم حق الاعتراض، وفي حديث الباب لم يعترض صاحب الدين، فثبت رضاه دلالة.
وقال القسطلاني (٤): قوله: "فقال: أعطوه" وهذا موضع الترجمة؛ لأن هذا توكيل منه ﵊ لمن أمره بالقضاء عنه، ولم يكن ﵊ مريضًا ولا غائبًا، وأما قول الحافظ ابن حجر: وموضع الترجمة منه لوكالة الحاضر واضح، وأما الغائب فيستفاد منه بطريق الأولى، فتعقبه العيني بأنه ليس فيه شيء يدل على حكم الغائب فضلًا عن الأولوية، وأجاب في الانتقاض بأن وجه الأولوية أن وكالة الحاضر إذا جازت مع
стр. 1636
إمكان مباشرة الموكل بنفسه فجوازها للغائب مع الاحتياج إليه أولى، فمن لا يدرك هذا القدر كيف يتصدى للاعتراض، انتهى.
وقال الكرماني (١): الترجمة تستفاد من لفظ: "أعطوه"، وهو وإن كان خطابًا للحاضرين لكنه بحسب العرف وقرائن الحال شامل لكل واحد من وكلاء رسول الله ﷺ غيبًا وحضورًا، انتهى.
(٦ - باب الوكالة في قضاء الديون)
قال الحافظ (٢): أورد فيه حديث أبي هريرة المذكور في الباب قبله من وجه آخر، وهو ظاهر فيما ترجم به.
قال ابن المنيِّر: فقه هذه الترجمة أنه ربما توهم متوهم أن قضاء الدين لما كان واجبًا على الفور امتنعت الوكالة فيه؛ لأنها تأخير من الموكل إلى الوكيل فبين أن ذلك جائز، ولا يعد ذلك مطلًا، انتهى.
قلت: وأيضًا قوله ﷺ من حديث سمرة عند الترمذي (٣)، وأبي داود (٤)، وابن ماجه (٥) كما في "المشكاة" (٦): "على اليد ما أخذت" يوهم المنع عن التوكيل فدفعه بهذا الباب.
(٧ - باب إذا وهب شيئًا لوكيل أو شفيع قوم جاز. . .) إلخ
قال العلَّامة العيني (٧): قوله: "لقول النبي ﷺ " هذا تعليل للترجمة، بيانه أن وفد هوازن كانوا رسلًا أتوا النبي ﷺ وكانوا وكلاء وشفعاء في رد سبيهم الذي سباه رسول الله ﷺ ، وهو المغانم، فقبل النبي ﷺ شفاعتهم، فرد إليه نصيبه من السبي، إلى آخر ما بسط في القصة.
стр. 1637
وكتب الشيخ قُدِّس سرُّه في "اللامع" (١): قوله: "نصيبي لكم" فعلم أن قبض الوكيل مجزئ عن قبض الموكل في تمام الهبة، ولا يفتقر إلى قبضة أصالة، ولذلك عقد الباب، انتهى.
وفي هامشه: ما أفاده الشيخ قُدِّس سرُّه أوضح مما قالته الشرَّاح، انتهى.
(٨ - باب إذا وكل رجلًا أن يعطي شيئًا. . .) إلخ
وقال الحافظ (٢): أي: فهو جائز، فيه حديث جابر في قصة بيعه الجمل، وشاهد الترجمة منه قوله فيه: "يا بلال اقضه وزده. . ." إلخ، فإنه لم يذكر قدر ما يعطيه عند أمره بإعطاء الزيادة فاعتمد بلال على العرف في ذلك فزاده قيراطًا، انتهى.
وكتب الشيخ قُدِّس سرُّه: قوله: "لم يبلغه كلهم" وتم الكلام، ثم قوله: "رجل" فاعل للفعل المنفي قبله من حيث إنه مثبت، وهذا مبني على عرف ومحاورة، ومثله كثير في الخطابات، فليتدبر، انتهى من "اللامع" (٣).
وفي هامشه: اختلف كلام الشرَّاح في شرح هذا الكلام، وما أفاده الشيخ قُدِّس سرُّه وجيز لطيف واضح، إلى آخر ما بسط فيه من نقل كلام الشرَّاح.
(٩ - باب وكالة المرأة الإمام في النكاح)
قال الحافظ (٤): أي: توكيل المرأة، والإمام بالنصب على المفعولية، وأورد فيه حديث سهل بن سعد في قصة الواهبة نفسها، وقد تعقبه الداودي بأنه ليس فيه أنه ﷺ استأذنها ولا أنها وكلته، وإنما زوّجها الرجل بقول الله تعالى: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٦] قال الحافظ: وكأن
стр. 1638
المصنف أخذ ذلك من قولها: "قد وهبت لك نفسي" ففوضت أمرها إليه، وقال الذي خطبها: "زوجنيها" فلم تنكر هي ذلك، بل استمرت على الرضا، فكأنها فوضت أمرها إليه ليتزوجها أو يزوجها لمن رأى، انتهى.
(١٠ - باب إذا وكَّل رجلًا فترك الوكيل شيئًا. . .) إلخ
وفي "الفيض" (١): يعني به الإجازة اللاحقة، انتهى.
قال الحافظ (٢): قال المهلب (٣): مفهوم الترجمة أن الموكل إذا لم يجز ما فعله الوكيل مما لم يأذن له فيه فهو غير جائز، انتهى.
وقال القسطلاني (٤) بعد حديث الباب: وموضع الترجمة قوله: "فخليت سبيله" لأن أبا هريرة ترك الرجل الذي حثا الطعام لما شكا الحاجة فأخبر بذلك رسول الله ﷺ فأجازه، قال الزركشي كغيره: وفيه نظر؛ لأن أبا هريرة لم يكن وكيلًا بالعطاء، بل بالحفظ خاصة.
قال في "المصابيح": النظر ساقط؛ لأن المقصود انطباق الترجمة على الحديث وهي كذلك؛ لأن أبا هريرة وإن لم يكن وكيلًا في الإعطاء فهو وكيل في الجملة ضرورة أنه وكيل بحفظ الزكاة، وقد ترك مما وكل بحفظه شيئًا، وأجاز ﵊ فعله فقد طابقته الترجمة قطعًا، نعم في أخذ إقراض الوكيل إلى أجل مسمى من هذا الحديث نظر، وقد قرر بعضهم وجه الأخذ بأن أبا هريرة لما ترك السارق الذي حثا من الطعام فكأنه أسلفه إلى أجل، ولا يخفى ما في ذلك من التكلف والضعف، انتهى.
قوله: (وان أقرضه. . .) إلخ، قال العيني (٥): وإن أقرض الوكيل شيئًا مما وكل فيه جاز، يعني إذا أجازه الموكل، وقال المهلب: مفعوم الترجمة أن الموكل إذا لم يجز ما فعله الوكيل مما لم يأذن له فيه، فهو غير جائز، انتهى.
стр. 1639
وزاد الحافظ (١) عن المهلب: ولا أعلم خلافًا أن المؤتمن إذا أقرض شيئًا من مال الوديعة وغيرها لم يجز له ذلك، وكان رب المال بالخيار، قال: وأخذ ذلك من حديث الباب بطريق أن الطعام كان مجموعًا للصدقة، وكانوا يجمعونه قبل إخراجه، وإخراجه كان ليلة الفطر، فلما شكا السارق لأبي هريرة الحاجة تركه، فكأنه أسلفه إلى أجل وهو وقت الإخراج، انتهى.
وتعقب عليه العلَّامة القسطلاني كما سبق آنفًا، وقال الكرماني (٢): تؤخذ المناسبة من حيث إنه أمهله إلى أن رفعه إلى النبي ﷺ ، كذا قال، انتهى.
قلت: والأوجه عند هذا العبد الضعيف أن المطابقة تؤخذ بطريق الأولوية؛ فإنه إذا ثبت الترك برأسه فالإقراض بطريق الأولى، ثم اعلم أنه قد تعرض العلَّامة السندي (٣) لإشكال يرد على هذه القصة ولم يتعرض له في الشروح الأخر إذ قال: قوله: "فرحمته فخليت سبيله. . ." إلخ، فإن قلت: كيف رحمه؟ والرحمة عليه فرع تصديقه، وفي تصديقه تكذيب لقوله ﷺ : "قد كذبك".
قلت: يحتمل أنه رحمه بما لحقه من الخوف والفزع الذي أفضاه إلى هذا الكذب وإلى تخليص نفسه بالحيل وإن كذبه في هذه الحيلة، ويحتمل أنه نسي قوله ﷺ فيه: "إنه قد كذبك" حين أكثر الإلحاح والتضرّع وأشغل قلبه بذلك، وعلى الأولى قول أبي هريرة في الجواب: "شكا حاجة شديدة وعيالًا فرحمته" أنه خاف بحيث وقع لأجله في الكذب والحيل فرحمته، والله تعالى أعلم، انتهى.
стр. 1640
(١١ - باب إذا باع الوكيل شيئًا. . .) إلخ
قال العلَّامة العيني (١): أي: إذا باع الوكيل شيئًا من الأشياء التي وكل فيها بيعًا فاسدًا فبيعه مردود، انتهى.
قال الحافظ (٢): ليس في حديث الباب تصريح بالرد بل فيه إشعار به، ولعله أشار بذلك إلى ما ورد في بعض طرقه، فعند مسلم (٣) من طريق أبي نضرة عن أبي سعيد في نحو هذه القصة فقال: "هذا الربا، فردوه"، انتهى.
وتعقب العيني (٤) على قول الحافظ: ليس فيه تصريح بالرد، إلخ، بقوله: قلت: الذي يعلم بالرد من الحديث فوق العلم بتصريح الرد؛ لأن فيه الرد بمرة واحدة، والمفهوم من متن الحديث بمرات، الأولى: قوله: "أدّه أدّه"، بالتكرار، والثاني: "عين الربا"، والثالثة: قوله: "لا تفعل"، والرابعة: قوله: "ولكن. . ." إلخ، انتهى.
ثم لا يخفى عليك أن المصنف رحمه الله تعالى قد سلك مسلك التوسع في معنى الوكالة، فأطلق في عدة تراجم لفظ الوكالة على إرادة معنى الحفظ والتولية، وليس هناك الوكالة الاصطلاحية، فمن ذلك "باب إذا وكل المسلم حربيًّا. . ." إلخ، كما تقدم هناك عن "الفيض" (٥)، ومنها ما سيأتي من "باب الوكالة في الوقف"، فإنه أراد بالوكيل ناظر الوقف ومتوليه، وهكذا في هذا الباب الذي نحن بصدده فإنه أراد بالوكالة هنا الحفظ والتولية، وعلى هذا فمطابقة الحديث بالترجمة واضحة، فإن بلالًا ﵁ كان متولي نفقة رسول الله ﷺ ، كما هو مصرَّح في الروايات، فعند أبي داود (٦) من حديث عبد الله الهوزني قال: لقيت بلالًا بحلب
стр. 1641
فقلت: يا بلال! حدثني كيف كانت نفقة رسول الله ﷺ ؟ قال: "ما كان له شيء كنت أنا الذي ألي ذلك منه منذ بعثه الله تعالى حتى توفي ﷺ " الحديث بطوله، فليتنبه.
(١٢ - باب الوكالة في الوقف. . .) إلخ
كتب الشيخ في "اللامع" (١): يعني بذلك أن الوكالة جارية في الأوقاف كما هي جارية في أملاك العباد الخالصة، ثم أورد بعد ذلك باب الوكالة في خالص حقوق الله تعالى التي هي غير العبادات ثم الوكالة فيها، انتهى - أي: في حقوق الله التي هي العبادات -.
وفي "الفيض" (٢): أراد المصنف من الوكيل: ناظره ومتوليه، وقوله: "وكان ابن عمر. . ." إلخ، يجوز التصدق على الأصدقاء من مال الواقف عند إذن الواقف، ثم إن المسألة في قبول المتولي هدايا الناس أنه إن ظنها رشوة لم تجز، وإلا جازت، فلا إشكال في قبول ابن عمر هدايا أهل مكة مع كونه متوليًّا للوقف، انتهى.
قال العيني (٣) بعد أثر الباب: مطابقته للترجمة ظاهرة؛ لأن الترجمة تتضمن أربعة أشياء، والحديث يشملها، وقال في ذكر ما يستفاد من الحديث: فيه: جواز أكل الولي على الوقف وإيكاله غيره بالمعروف، وقد أخذ هذا من قوله تعالى: ﴿وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء: ٦] وهذا في مال اليتيم، وفي مال الوقف أهون من ذلك، وقال المهلب: هذا مباح عند الحاجة، وهذا سُنَّة الوقف أن يأكل منه الولي ويؤكل لأن الحبس لهذا حبس، وقال ابن التين: فيه أن الناس في أوقافهم على شروطهم، وإهداء ابن عمر ﵄ كان على وجهين، أحدهما: للشرط الذي في الوقف أن يؤكل صديقًا له، والآخر: أنه كان ينزل على الذين يهدى إليهم مكافأة عن طعامهم، فكأنه هو أكله، انتهى.
стр. 1642
(١٣ - باب الوكالة في الحدود)
قال العيني (١): أي: في بيان حكم الوكالة في إقامة الحدود، انتهى.
وقال القسطلاني (٢): أي: جوازها كسائر الحقوق، بل يتعين التوكيل في قصاص الطرف وحد القذف كما سيأتي في موضعهما، انتهى.
وقال العيني (٣): واختلف العلماء في الوكالة في الحدود والقصاص، فذهب أبو حنيفة وأبو يوسف إلى أنه لا يجوز قبولها في ذلك، ولا يقام الحد والقصاص حتى يحضر المدعي، وهو قول الشافعي، وقال ابن أبي ليلى وجماعة: تقبل الوكالة في ذلك، وقالوا: لا فرق بين الحدود والقصاص والديون إلا أن يدعي الخصم أن صاحبه قد عفا عنه فتوقف عن النظر فيه حتى يحضر، انتهى.
وقال العلَّامة النووي (٤) تحت حديث الباب: قوله: "فأمر بها فرجمت"، وفي بعضها: "وأمر الناس فرجموها"، فيها كلها دلالة لمذهب الشافعي ومالك وموافقيهما أنه لا يلزم الإمام حضور الرجم، وكذا لو ثبت بشهود لم يلزمه الحضور، وقال أبو حنيفة وأحمد: يحضر الإمام مطلقًا، وكذا الشهود إن ثبت ببيّنة، ويبدأ الإمام بالرجم إن ثبت بالإقرار، وإن ثبت بالشهود بدأ الشهود، انتهى.
قلت: وفي "الدر المختار" (٥) تحت قوله: "والشرط بداءة الشهود به" أي: بالرجم: "ثم الإمام" هذا ليس حتمًا، كيف وحضوره ليس بلازم، قاله ابن الكمال، وما نقله المصنف عن الكمال رده في "النهر"، قال ابن عابدين (٦): لم ينقله ابن الكمال عن أحد، وهو محتاج إلى النقل، فإنه خلاف ظاهر المتون، انتهى.
стр. 1643
ثم اعلم أن الوكالة في الحدود يحتمل وجهين:
أحدهما: الوكالة في استيفائها.
والثاني: في إثباتها.
واختلف العلماء في المسألتين، كما تقدم بعض الخلاف في ذلك، وترجمة المصنف يحتمل وجهين، وحديث الباب أعني حديث الغامدية يمكن الاستدلال به على المسألتين، وحمل العلَّامة العيني الترجمة على الوكالة في إقامة الحدود ولم يتعرض له الحافظ.
وقال صاحب "البدائع" (١): التوكيل لا يخلو إما أن يكون بحقوق الله وهي الحدود، وإما أن يكون بحقوق العباد، والتوكيل بحقوق الله نوعان:
أحدهما: بالإثبات.
والثاني: بالاستيفاء.
أما التوكيل بإثبات الحدود فإن كان حدًا لا يحتاج فيه إلى الخصومة كحد الزنا وشرب الخمر، فلا يتقدر التوكيل فيه بالإثبات؛ لأنه يثبت عند الماضي بالبينة أو الإقرار من غير خصومة.
وإن كان مما يحتاج فيه إلى الخصومة كحد السرقة وحد القذف فيجوز التوكيل بإثباته عند أبي حنيفة ومحمد، وعند أبي يوسف لا يجوز ولا تقبل البينة فيهما إلا من الموكل، وكذلك الوكيل بإثبات القصاص على هذا الخلاف.
وأما التوكيل باستيفاء حد القذف والسرقة فإن كان المقذوف والمسروق منه حاضرًا وقت الاستيفاء جاز؛ لأن ولاية الاستيفاء إلى الإمام وأنه لا يقدر على أن يتولى الاستيفاء بنفسه على كل حال.
стр. 1644
وإن كان غائبًا اختلف المشايخ فيه، قال بعضهم: يجوز، وقال بعضهم: لا يجوز، إلى آخر ما بسطه، ولم يذكر حكم التوكيل بالاستيفاء في حد الزنا وشرب الخمر.
وقال في كتاب الحدود (١): وأما شرائط جواز إقامتها فمنها ما يعم الحدود كلها، ومنها ما يخص البعض دون البعض، أما الذي يعم الحدود كلها فهو الإمامة وهو أن يكون المقيم للحد هو الإمام أو من ولاه الإمام، وهذا عندنا، وعند الشافعي: هذا ليس بشرط.
وقال في موضع آخر (٢): وللإمام أن يستخلف على إقامة الحدود؛ لأنه لا يقدر على استيفاء الجميع بنفسه لأن أسباب وجوبها توجد في أقطار دار الإسلام، ولا يمكنه الذهاب إليها، وفي الإحضار إلى مكان الإمام حرج عظيم، إلى آخر ما بسط في الدلائل، وتقدم فيه الخلاف عندنا عن "الدر المختار"، وهذا تفصيل مذهبنا الحنفية.
وأما عند الحنابلة: فيجوز التوكيل في إثبات الحدود واستيفائها جميعًا كما في "المغني" (٣)، وقال: ولنا حديث أنيس، فإن النبي ﷺ وكله في إثباته واستيفائه جميعًا، وأما عند الشافعية: ففي "تحفة المحتاج" (٤): ويصح التوكيل في استيفاء عقوبة آدمي كقصاص وحد قذف، ويصح أيضًا في استيفاء عقوبة لله، ولكن من الإمام أو السيد لا في إثباتها مطلقًا، وقيل: لا يجوز التوكيل في استيفائهما إلا بحضرة الموكل، انتهى.
ويستفاد من "المغني" جواز التوكيل في الاستيفاء، وعدم جوازه في الإثبات عند الشافعية.
стр. 1645
(١٤ - باب الوكالة في البدن وتعاهدها)
قال الحافظ (١): أورد فيه حديث عائشة في فتلها [القلائد] وتقليد النبي ﷺ لها بيديه وبعثه إياها مع أبي بكر، وهو ظاهر فيما ترجم له من الوكالة في البدن، وأما تعاهدها فلعله يشير به إلى ما تضمنه الحديث من مباشرة النبي ﷺ إياها بنفسه حتى قلَّدها بيديه، انتهى.
قال الموفق (٢) في بيان الوكالة في حقوق الله تعالى: وأما العبادات فما كان منها له تعلق بالمال كالزكاة والصدقات والمنذورات والكفارات جاز التوكيل في قبضها وتفريقها، ويجوز للمخرج التوكيل في إخراجها ودفعها إلى مستحقها، ويجوز التوكيل في الحج إذا أيس المحجوج عنه من الحج بنفسه، وأما العبادات البدنية المحضة كالصلاة والصيام والطهارة من الحدث فلا يجوز التوكيل فيها؛ لأنها تتعلق ببدن من هي عليه، فلا يقوم غيره مقامه فيها، انتهى.
(١٥ - باب إذا قال الرجل لوكيله: ضعه حيث أراك الله)
لعل المصنف أشار بذلك إلى ما هو المعروف عند الفقهاء أن الوكالة لا بدّ لها من الإيجاب والقبول.
قال الحافظ (٣): وشاهد الترجمة من الحديث قول أبي طلحة للنبي ﷺ : "إنها صدقة لله تعالى أرجو برها، فضعها حيث شئت"، فإن النبي ﷺ لم ينكر عليه ذلك، وإن كان ما وضعها بنفسه بل أمره أن يضعها في الأقربين، لكن الحجة فيه تقريره ﷺ على ذلك، ويؤخذ منه أن الوكالة لا تتم إلا بالقبول لأن أبا طلحة قال: "ضعها حيث أراك الله" فرد عليه ذلك وقال: "أرى أن تجعلها في الأقربين"، انتهى.
стр. 1646
قلت: وأوجه منه ما أفاده الشيخ قُدِّس سرُّه في "اللامع" (١) إذ قال: قوله: "إني أرى أن تجعلها. . ." إلخ، وكان ذلك توكيلًا منه ﷺ وإنابة إياه بعد قبول تصدقه الذي ذكره له بقوله: "فضعها يا رسول الله حيث شئت"، انتهى.
(١٦ - باب وكالة الأمين في الخزانة ونحوها)
قال القسطلاني (٢): بكسر الخاء المعجمة اسم للموضع الذي يخزن فيه، ومطابقة الحديث للترجمة من جهة أن الخازن الأمين مفوض إليه الإنفاق والإعطاء بحسب أمر الآمر به، انتهى. وهكذا في "العيني" (٣).
ثم البراعة سكت عنها الحافظ ابن حجر، وعند هذا العبد الضعيف يظهر بدقة النظر في اسم أبي أسامة فإنه يشير إلى السام أي: الموت، وهذا لطيف جدًا، أو في قوله: "الذي يعطي ما أمر به. . ." إلخ، فكأنه بعمومه يشمل إعطاء الروح إلى من أمر به أعني: ملك الموت، فتفكر.
* * *
стр. 1647
٤١ - أبواب الحرث والمزارعة
قد تقدم الكلام مبسوطًا في مقدمة "اللامع" (١) على مناسبة الترتيب بين الكتب والأبواب، فارجع إليه لو شئت، وتقدم فيه أيضًا أن للمزارعة مماثلة تامة بالوكالة، بل كأنها من أنواعها، فإن المزارع في تصرفاته بمنزلة الوكيل عن رب الأرض، انتهى.
وفي "الهداية" (٢): المزارعة لغةً: مفاعلة من الزرع، وفي الشريعة: هي عقد على الزرع ببعض الخارج، وزاد في "الدر المختار" (٣): وأركانها أربعة: أرض، وبذر، وعمل، وبقر، ثم قال: ولا تصح عند الإمام؛ لأنها كقفيز الطحان، وعندهما تصح، وبه يفتى للحاجة، وقياسًا على المضاربة، بشروط ثمانية، ثم بسطها، وبسط الكلام عليه في "الأوجز" (٤).
وفي "الهداية" (٥): وقالا: جائزة لما روي: "أن النبي ﷺ عامل أهل خيبر على نصف ما يخرج من ثمر أو زرع" إلى آخر ما قال، وقال العيني (٦): الزراعة هي الحرث، انتهى.
(١ - باب فضل الزرع والغرس. . .) إلخ
قال الحافظ (٧): لا شك أن الآية تدل على إباحة الزرع من جهة الامتنان به، والحديث يدل على فضله بالقيد الذي ذكره المصنف، وقال ابن المنيِّر: أشار البخاري على إباحة الزرع، وأن من نهى عنه كما ورد عن
стр. 1648
عمر فمحله ما إذا شغل الحرث عن الحرب ونحوه من الأمور المطلوبة، وعلى ذلك يحمل حديث أبي أمامة المذكور في الباب الذي بعده، انتهى.
وقال العلَّامة العيني (١): في الحديث فضل الغرس والزرع، واستدل به بعضهم على أن الزراعة أفضل المكاسب، واختلف في أفضل المكاسب، إلى آخر ما بسط في هامش "اللامع" (٢) أشد البسط، وتقدم الكلام على أفضل المكاسب في "باب كسب الرجل وعمله بيده" من "كتاب البيوع"، فارجع إليه.
(٢ - باب ما يحذر من عواقب الاشتغال بآلة الزرع)
قال ابن التِّين: وقد أشار البخاري بالترجمة إلى الجمع بين حديثي أبي أمامة والحديث الماضي في فضل الزرع والغرس، وذلك بأحد أمرين: إما أن يحمل ما ورد من الذم على عاقبة ذلك، ومحله ما إذا اشتغل به فضيع بسببه ما أمر بحفظه، وإما أن يحمل على ما إذا لم يضيع إلا أنه جاوز الحد فيه، والذي يظهر أن كلام أبي أمامة محمول على من يتعاطى ذلك بنفسه، أما من له عمال يعملون له وأدخل داره الآلة المذكورة لتحفظ لهم فليس مرادًا، ويمكن الحمل على عمومه؛ فإن الذل شامل لكل من أدخل على نفسه ما يستلزم مطالبته آخر له، ولا سيما إذا كان المطالب من الولاة، انتهى من "الفتح" (٣).
وكتب الشيخ في "اللامع" (٤): قوله: "إلا أدخله الله الذل" كمن زارع أرضًا خراجية، أو يؤول حاله إلى ذل الدنيا والدين بانهماكه فيها، انتهى.
وبسط الأقوال في معاني حديث أبي أمامة هذا مولانا الشيخ الحاج حفظ الرحمن ﵀ في رسالته بلغة الأردية "إسلام كا اقتصادي نظام"، فارجع إليه لو شئت.
стр. 1649
(٣ - باب اقتناء الكلب للحرث)
قال ابن المنيِّر: أراد البخاري إباحة الحرت بدليل إباحة اقتناء الكلاب المنهي عن اتخاذها لأجل الحرث، فإذا رخص من أجل الحرث في الممنوع من اتخاذه كان أقل درجاته أن يكون مباحًا، انتهى من "الفتح" (١).
قلت: والأوجه عندي أن مقصود المصنف بهذا الباب إثبات جواز اقتناء الكلب للحرث كما هو نص الترجمة، فإن هذه المسألة مما ينبغي أن يقصد بالإفادة لا كما قالوا: إنه أثبت به جواز الحرث، فتأمل، ولا يشكل على هذا تكرار الترجمة بما سيأتي في "كتاب الذبائح والصيد" من "باب من اقتنى كلبًا. . ." إلخ، وذلك لأنه ذكره ههنا من حيث كونه من متعلقات الحرث، وهناك من حيث كونه من متعلقات الصيد، وله نظائر كثيرة في تراجم البخاري، وفي "القول الفصيح": المقصود بهذه الترجمة تأكيد فضل الزرع، وذلك لأن في اقتنائه ضررًا عظيمًا بحيث ينقص من عمله كل يوم قيراط، كما في الحديث، ومع ذلك أبيح اقتناء للحرث فليس ذلك إلا لأن الحرث فيه خير كثير، وكذا يفهم فضله من استعمال البقر للحرث كما سيأتي مع أن في استعمالها للحرث تعذيبًا لها، فاستعمالها في الحرث دليل على فضله، انتهى ملخصًا.
(٤ - باب استعمال البقر للحراثة. . .) إلخ
يريد بذلك جوازه، وأنها موضوعة للحراثة وإن كان الركوب جائزًا أيضًا، ووجه الاستدلال ظاهر حيث لم ينكر النبي ﷺ على ركوبه عليها، ولا على مقالتها، فعلم الأمران معًا جواز الركوب، وأن أصل وضعها إنما هو للحراثة، انتهى.
وما أفاده الشيخ قُدِّس سرُّه ظاهر، وإليه أشار البخاري بالترجمة،
стр. 1650
يعني أن أصل وضعها للحراثة لا للركوب بخلاف الخيل، قال القاري: قوله: "لحراثة الأرض" بفتح الحاء، أي: إثارتها لزراعتها، انتهى.
وفي "الدر المختار": وجاز ركوب الثور وتحميله، قال ابن عابدين: وقيل: لا يفعل لأن كل نوع من الأنعام خلق لعمل، فلا يغير أمر الله تعالى، انتهى مختصرًا من هامش "اللامع" (١).
(٥ - باب إذا قال: اكفني مؤونة النخل أو غيره. . .) إلخ
قال العلَّامة العيني (٢): أي: إذا قال صاحب النخيل لغيره: اكفني مؤونة النخل، والمؤونة هي العمل فيه من السقي والقيام عليه بما يتعلق به، وتشركني في الثمر، أي: الثمر الذي يحصل من النخل، وهذه صورة المساقاة، وهي جائزة، وقوله: "أو غيره" أي: غير النخل مثل الكرم، ثم قال بعد ذكر الحديث: قال المهلب: فيه: حجة على جواز المساقاة، ورد عليه ابن التين: بأن المهاجرين كانوا ملكوا من الأنصار نصيبًا من الأرض والمال باشتراط النبي ﷺ على الأنصار مواساة المهاجرين ليلة العقبة، قال: فليس ذلك من المساقاة في شيء، ورد عليه بأنه لا يلزم من اشتراط المواساة ثبوت الاشتراك في الأرض إذ لو ثبت ذلك بمجرد ذكر المواساة لم يبق لسؤالهم لذلك ورده ﷺ عليهم معنى، انتهى.
قلت: ويشكل في بادي الرأي على هذه الترجمة أن صورتها صورة المساقة كما قال المهلب وغيره، والكتاب كتاب المزارعة وسيأتي كتاب المساقاة مستقلًا، ولم يتعرض له أحد من الشرَّاح، ويمكن الجواب عنه بأن يقال: إن نظر الإمام البخاري في هذه الترجمة ليس إلى خصوص النخل أو العنب، بل الغرض الأصلي منه بيان صورة العقد وكيفيته، بأنه هل يصح المزارعة بهذه الألفاظ، أي: "اكفئني المؤونة وتشركني في الخارج" أعم
стр. 1651
من أن تكون المؤونة مؤونة الأرض كما في المزارعة، أو مؤونة النخل وغيره من الأشجار، كما تكون في المساقاة، لكن لما كان المذكور في حديث الباب لفظ: "النخل" فرعاية للفظ الحديث ذكر لفظ "النخل"، وله نظائر في التراجم.
قال صاحب "البدائع" (١): وأما ركن المزارعة فهو الإيجاب والقبول، وهو أن يقول صاحب الأرض للعامل: دفعت إليك هذه الأرض مزارعة بكذا، ويقول العامل: قبلت أو رضيت أو ما يدل على قبوله ورضاه، فإذا وجدا تم العقد بينهما، انتهى.
ثم لا يذهب عليك أن الإمام البخاري ترجم بثلاثة أبواب بترتيب خاص، الأول: اقتناء الكلب، والثاني: استعمال البقر، والثالث: هذه، وهذا الترتيب يشير عندي إلى أنه أشار بهذه الترجمة إلى استعمال الإنسان للحرث؛ فإنه بدأ بالكلب، ثم ثنى بالبقر، ثم ثلث بالإنسان.
(٦ - باب قطع الشجر والنخل. . .) إلخ
قال الحافظ (٢): أي: للحاجة والمصلحة إذا تعيَّنت طريقًا في نكاية العدو ونحو ذلك، وخالف في ذلك بعض أهل العلم فقالوا: لا يجوز قطع الشجر المثمر أصلًا، وحملوا ما ورد من ذلك إما على غير المثمر وإما على أن الشجر الذي قطع في قصة بني النضير كان في الموضع الذي يقع فيه القتال، وهو قول الأوزاعي والليث وأبي ثور، انتهى.
ويشكل على الترجمة عدم تعلقها بالكتاب، ويمكن عنه الجواب عندي بأنه من قبيل ذكر الأضداد، فإن المذكور في الترجمة الأولى هو مؤنة النخل، أي: سقيها وحفظها، والمذكور في هذه الترجمة ضد ما في السابقة، فإن التقابل من أعلى وجوه التناسب:
فبضدها تتبين الأشياء
стр. 1652
(٧ - باب)
بغير ترجمة، قال الحافظ (١): كذا للجميع بغير ترجمة، وهو بمنزلة الفصل من الباب الذي قبله، وأورد فيه حديث رافع بن خديج، وقد استنكر ابن بطال (٢) دخوله في هذا الباب قال: وسألت المهلب عنه فقال: يمكن أن يؤخذ من جهة أنه من اكترى أرضًا ليزرع فيها ويغرس فانقضت المدة فقال له صاحب الأرض: اقلع شجرك عن أرضي فكان له ذلك، فيدخل بهذه الطريق في إباحة قطع الشجر.
وقال ابن المنيِّر (٣): الذي يظهر أن غرضه الإشارة به إلى أن القطع الجائز هو المسبب للمصلحة كنكاية الكفار أو الانتفاع بالخشب أو نحوه، والمنكر هو الذي عن العبث والإفساد، ووجه أخذه من حديث رافع أن الشارع نهى عن المخاطرة في كراء الأرض إبقاء على منفعتها من الضياع مجانًا في عواقب المخاطرة، فإذا كان ينهى عن تضييع منفعتها وهي غير محققة ولا مشخصة فلأن ينهى عن تضييع عينها بقطع أشجارها عبثًا أجدر وأولى، انتهى.
والأوجه عندي أن يقال: إن الأبواب السابقة كانت من لواحق المزارعة ومتعلقاتها، ومن ههنا رجع المصنف إلى أصل المزارعة، فهذا الباب للتنبيه عليه، فتأمل.
(٨ - باب المزارعة بالشطر ونحوه. . .) إلخ
قال الحافظ (٤) ﵀: راعى المصنف لفظ الشطر لوروده في الحديث، وألحق غيره تساويهما في المعنى، ولولا مراعاة لفظ الحديث لكان قوله: المزارعة بالجزء أخصر وأبين، انتهى.
стр. 1653
ثم قال الحافظ: وإنما ذكر البخاري هذه الآثار في هذا الباب ليعلم أنه لم يصح في المزارعة على الجزء حديث مسند، وكأنه غفل عن آخر حديث الباب، وهو حديث ابن عمر في ذلك وهو معتمد من قال بالجواز، والحق أن البخاري إنما أراد بسياق هذه الآثار الإشارة إلى أن الصحابة ﵃ لم ينقل عنهم خلاف في الجواز خصوصًا أهل المدينة، فيلزم من يقدم عملهم على الأخبار المرفوعة أن يقولوا بالجواز على قاعدتهم، انتهى.
وقال القسطلاني (١) تبعًا للحافظ تحت أثر عمر ﵁: وفي إيراد البخاري هذا الأثر وغيره في هذه الترجمة ما يقتضي أنه يرى أن المزارعة والمخابرة بمعنى واحد، وهو وجه عند الشافعية، والآخر أنهما مختلفا المعنى، فالمزارعة العمل في الأرض ببعض ما يخرج منها والبذر من المالك، والمخابرة مثلها، لكن البذر من العامل، انتهى.
قال ابن رشد (٢): أما كراء الأرضين فاختلفوا فيها اختلافًا كثيرًا، فقوم لم يجوزوا ذلك بتةً، وهم الأقل، وبه قال طاوس وغيره، وقال الجمهور بجواز ذلك، واختلف هؤلاء فيما يجوز به كراؤها، فقال قوم: لا يجوز إلا بالدراهم والدنانير فقط، وهو مذهب ربيعة وغيره، وقال قوم: يجوز كراؤها بكل شيء ما عدا الطعام سواء كان الطعام الخارج منها أو لم يكن، وما عدا ما ينبت فيها كان طعامًا أو غيره، وإلى هذا ذهب مالك وأكثر أصحابه إلى آخر ما قال، وأما المزارعة بالدراهم والدنانير فيجوز عند الأربعة، وأما على قسمة الخارج من الأرض بأن يكون ما على الماذيانات وأقبال الجداول فلرب الأرض، وما كان في غيرها من الأرض فهو للزارع، فلم يجوزها أحد، وأما المزارعة بجزء خارج منها فلا يجوز عند الأئمة الثلاثة، ويجوز عند الإمام أحمد وصاحبي أبي حنيفة، انتهى ملخصًا من "البذل" (٣).
стр. 1654
قوله: (وقال الحسن: لا بأس أن يجتنى القطن) كتب الشيخ في "اللامع" (١): لم يجوزه أئمتنا الثلاثة، وكذلك مسألة الثوب والكراء لكونها في معنى قفيز الطحان غير أن مشايخ بلخ وبعض من سواهم أفتوا في القطن والزرع وغيرها بالجواز ضرورة، انتهى.
وبسط الكلام في هامش "اللامع" (٢).
(٩ - باب إذا لم يشترط السنين في المزارعة)
قال الحافظ (٣): قال ابن التين: قوله: "إذا لم يشترط السنين" ليس بواضح من الخبر الذي ساقه، كذا قال، ووجه ما ترجم به الإشارة إلى أنه لم يقع في شيء من طرق هذا الحديث مقيدًا بسنين معلومة، وقد ترجم له بعد أبواب "إذا قال رب الأرض: أقرك ما أقرك الله - ولم يذكر أجلًا معلومًا - فهما على تراضيهما"، وساق الحديث، وفيه قوله ﷺ : "نقركم ما شئنا" هو ظاهر فيما ترجم له، إلى آخر ما قال.
كتب الشيخ في "اللامع" (٤): وهو عندنا واقع على مزارعة عام فقط، غير أنه إذا لم يترك الأرض في العام الثاني ولم يطالبه المالك، كان ذلك دلالة على كونهما على عقدهما، فيمكن على ذلك مضاء سنين، وهو محمل الحديث، فافهم، وهذا عند من سلم كونها مزارعة، فأما من قال: إنها كانت لهم لا للمسلمين، وما بذلوه كان خراجًا فالأمر عنده أسهل، انتهى.
وفي هامشه: قال العيني: قال ابن بطال: قد اختلف العلماء في المزارعة من غير أجل فكرهها مالك والشافعي وغيرهما، وقال أبو ثور: إذا لم يسم سنين معلومة فهو على سنة واحدة، وقال ابن المنذر: وحكي عن بعضهم أنه قال: أجيز ذلك استحسانًا، وادعى القياس لقوله صلى الله تعالى
стр. 1655
عليه وسلم: "نقركم ما شئنا"، قال: فيكون لصاحب النخل والأرض أن يخرج المساقي والمزارع من الأرض متى شاء، وفي ذلك دلالة على أن المزارعة تخالف الكراء، لا يجوز في الكراء أن يقول: أخرجك عن أرضي متى شئت، ولا خلاف بين أهل العلم أن الكراء في الدور والأرضين لا يجوز إلا وقتًا معلومًا.
قلت: لصحة المزارعة على قول من يجيزها شروط: منها بيان المدة بأن يقال: إلى سنة أو سنتين وما أشبهه، ولو بيَّن وقتًا لا يدرك الزرع فيها تفسد المزارعة، وكذا لو بيَّن مدة لا يعيش أحدهما إليها غالبًا تفسد أيضًا، وعن محمد بن سلمة: أن المزارعة تصح بلا بيان المدة، وتقع على زرع واحد، واختاره الفقيه أبو الليث، وبه قال أبو ثور، وعن أحمد: يجوز بلا بيان المدة؛ لأنها عقد جائز غير لازم، وعند أكثر الفقهاء: لازم إلى آخر ما بسط.
(١٠ - باب)
بغير ترجمة، قال الحافظ (١): كذا للجميع بغير ترجمة وهو بمنزلة الفصل من الباب السابق، وقد أورد فيه حديث ابن عباس في جواز أخذ أجرة الأرض، ووجه دخوله في الباب الذي قبله أنه لما جازت المزارعة على أن للعامل جزءًا معلومًا فجواز أخذ الأجرة المعينة عليها من باب الأولى، انتهى.
وقال القسطلاني (٢) تبعًا للعلامة العيني: ومناسبة الحديث للباب السابق من جهة أن فيه للعامل جزءًا معلومًا، وهنا لو ترك مالك الأرض هذا الجزء للعامل كان خيرًا له من أن يأخذه منه، وفيه جواز أخذ الأجرة لأن الأولوية لا تنافي الجواز، انتهى.
стр. 1656
ورقم عليه شيخ الهند ﵀ في آخر تراجم رمز (ىنـ) - نقطة واحدة - فكان رأيه فيه أن المصنف ترك الترجمة لقصد التمرين وتشحيذًا للأذهان.
(١١ - باب المزارعة مع اليهود)
قال الحافظ (١): أراد بهذا الإشارة إلى أنه لا فرق في جواز هذه المعاملة بين المسلمين وأهل الذمة، انتهى.
(١٢ - باب ما يكره من الشروط في المزارعة)
أشار بهذه الترجمة إلى حمل النهي في حديث رافع على ما إذا تضمن العقد شرطًا فيه جهالة أو يؤدي إلى غرر، انتهى [من "الفتح"] (٢).
قلت: وهو محل روايات النهي عند الجمهور.
(١٣ - باب إذا زرع بمال قوم بغير إذنهم. . .) إلخ
قال الحافظ (٣): أي: لمن يكون الزرع؟ أورد فيه حديث الثلاثة الذين انطبق عليهم الغار، والمقصود منه هذا قول أحد الثلاثة: "فعرضت عليه - أي: على الأجير - حقه فرغب عنه، فلم أزل أزرعه. . ." إلخ، فإن الظاهر أنه عيَّن له أجرته فلما تركها بعد أن تعينت له ثم تصرف فيها المستأجر بعينها صارت من ضمانه، قال ابن المنيِّر (٤): مطابقة الترجمة أنه قد عيَّن له حقه ومكَّنه منه، فبرئت ذمته بذلك، فلما تركه وضع المستأجر يده عليه وضعًا مستأنفًا، ثم تصرف فيه بطريق الإصلاح لا بطريق التضييع، فاغتفر لذلك ولم يعد تعديًا، ولذلك توسل به إلى الله وجعله من أفضل أعماله، وأقر على ذلك ووقعت الإجابة، ومع ذلك فلو هلك الفرق لكان ضامنًا له إذ لم يؤذن له في التصرف فيه، فمقصود الترجمة إنما هو خلاص
стр. 1657
الزارع من المعصية لهذا القصد، ولا يلزم من ذلك رفع الضمان، ويحتمل أن يقال: إن توسله بذلك إنما كان لكونه أعطى الحق الذي عليه مضاعفًا لا بتصرفه، كما أن الجلوس بين رجلي المرأة معصية، لكن التوسل لم يكن إلا بترك الزنا والمسامحة بالمال ونحوه، انتهى.
وتقدم الحديث في "باب من اشترى شيئًا لغيره بغير إذنه"، وتقدم هناك اختلاف الأئمة في بيع الفضولي، وكذا تقدم حديث الباب في "باب من استأجر أجيرًا فترك أجره"، وتقدم هناك اختلافهم في المستودع إذا اتجر في مال الوديعة، وكذا الضارب إذا خالف رب المال لمن يكون الربح؟ فارجع إليه لو شئت.
قوله: (فرق أرزّ) قال الحافظ (١): تقدم في "البيوع" (٢) بلفظ "فرق من ذرة" فيجمع بينهما بأن الفرق كان من الصنفين وأنهما لما كانا حبين متقاربين أطلق أحدهما على الآخر، والأول أقرب، انتهى.
(١٤ - باب أوقاف أصحاب النبي ﷺ وأرض الخراج. . .) إلخ
كتب الشيخ في "اللامع" (٣): دلالة الرواية على هذا المعنى من حيث إنه لما قسم خيبر ولم يقسم عمر بعض البلاد المفتوحة كان ذلك دليلًا على جواز الوقف، كيف! ولا سبيل إذا لم يقسم إلا إلى الوقف، فلا بد أن يزرعه أحد، وبهذا المعنى يصح إيراد وقف عمر ههنا، وإثبات مزارعة أرض الخراج بالقياس عليه، انتهى.
قال الحافظ (٤): ذكر المصنف فيه طرفًا من حديث عمر في وقف أرض خيبر، وذكر قول عمر: "لولا آخر المسلمين. . ." إلخ، وأخذ
стр. 1658
المصنف صدر الترجمة من الحديث الأول ظاهر، ويؤخذ أيضًا من الحديث الثاني؛ لأن بقية الكلام محذوف، تقديره: لكن النظر لآخر المسلمين يقتضي أن لا أقسمها بل أجعلها وقفًا على المسلمين، وقد صنع ذلك عمر في أرض السواد، وأما قوله: "وأرض الخراج. . ." إلخ، فيؤخذ من الحديث الثاني، فإن عمر لما وقف السواد ضرب على من به من أهل الذمة الخراج، فزارعهم وعاملهم، فبهذا يظهر مراده من هذه الترجمة ودخولها في أبواب المزارعة، وقال ابن بطال (١): معنى هذه الترجمة أن الصحابة كانوا يزارعون أوقاف النبي ﷺ بعد وفاته على ما كان عامل عليه يهود خيبر، إلى آخر ما قال في "الفتح".
قلت: وما يظهر لهذا العبد الضعيف أن الإمام البخاري أشار بالترجمة إلى أنه ﷺ لم يفعل الوقف بنفسه الشريفة، بل الأوقاف كانت من الصحابة ﵃، ويؤيده ما قال القسطلاني (٢) في صدقة عمر المذكورة: حكى الماوردي أنها أول صدقة تصدق بها في الإسلام، انتهى.
وعلى هذا فلا يبعد أن يكون الإمام البخاري أشار بالترجمة إلى رد ما حكي عن أبي عبد الله بن المعلم إمام الإمامية في قوله ﷺ : "لا نورث ما تركنا صدقة" إن لفظ "صدقة" بالنصب على الحال، فيقتضي ذلك أن ما تركه النبي ﷺ على وجه الصدقة لا يورث عنه، كما ذكر في "الأوجز" (٣)، وبسط فيه أيضًا المباحث الكثيرة في حديث: "لا نورث ما تركنا صدقة".
وفي "الفيض" (٤): اعلم أن الوقف عندنا لا يجري إلا في العقار إلا أن يكون تابعًا، وأما عند محمد فيصح بكل منقول جرى فيه التعامل بوقفه، ثم قالوا: إن الوقف عندنا تصدق بالمنفعة مع حبس الأصل على ملك الواقف، وعند صاحبيه: هو حبس الأصل على ملك الله تعالى، لا يملك ولا يورث، إلى آخر ما بسط من الكلام.
стр. 1659
(١٥ - باب من أحيا أرضًا مواتًا. . .) إلخ
بفتح الميم والواو الخفيفة، قال القزاز: الموات الأرض التي لم تعمر، شبهت العمارة بالحياة وتعطيلها بفقد الحياة، وإحياء الموات أن يعمد الشخص لأرض لا يعلم تقدم ملك عليها لأحد، فيحييها بالسقي أو الزرع أو الغرس أو البناء، فتصير بذلك ملكه سواء كانت فيما قرب من العمران أم بعد، سواء أذن له الإمام في ذلك أو لم يأذن، وهذا قول الجمهور، وعن أبي حنيفة لا بد من إذن الإمام مطلقًا، وعن مالك فيما قرب، وضابط القرب ما بأهل العمران إليه حاجة من رعي أو نحوه، انتهى من "الفتح" (١).
وبسط الكلام على هذه المسألة في "الأوجز" (٢) وفيه: في "الهداية" (٣): الموات ما لا ينتفع به من الأراضي لانقطاع الماء عنه، أو لغلبة الماء عليه، أو ما أشبه ذلك مما يمنع الزراعة، سمي به لبطلان الانتفاع به، وقال الباجي (٤): فيه خمسة أبواب:
الأول: في صفة الأرض التي تملك بالإحياء.
والثاني: في صفة المحيي لها وحكمه.
والثالث: في صفة الإحياء.
والرابع: في حكم ما أُحْيِيَ من الأرض ثم مات.
والخامس: في حكم الأرض الموات والإبراز في البيع والقسمة وغير ذلك، انتهى.
(١٦ - باب)
بغير ترجمة، وقال الحافظ (٥): كذا فيه بغير ترجمة وهو كالفصل
стр. 1660
من الباب الذي قبله، وقد أورد فيه حديث ابن عمر وحديث عمر، وأشكل تعلقهما بالترجمة، فقال المهلب: حاول البخاري جعل موضع معرس النبي ﷺ موقوفًا أو متملكًا له لصلاته فيه ونزوله به، وذلك لا يقوم على ساق؛ لأنه قد ينزل في غير ملكه ويصلي فيه، فلا يصير بذلك ملكه، كما صلى في دار عتبان بن مالك وغيره.
وأجاب ابن بطال (١) بأن البخاري أراد أن المعرس نسب إلى النبي ﷺ بنزوله فيه ولم يرد أنه يصير بذلك ملكه، ونفى ابن المنيِّر (٢) وغيره أن يكون البخاري أراد ما ادعاه المهلب، فإنما أراد التنبيه على أن البطحاء التي وقع فيها التعريس، والأمر بالصلاة فيها لا تدخل في الموات الذي يحيى ويملك إذ لم يقع فيها تحويط ونحوه من وجوه الإحياء، أو أراد أنها تلحق بحكم الإحياء لما ثبت لها من خصوصية التصرف فيها فصارت كأنها أرصدت للمسلمين كمنى مثلًا، فليس لأحد أن يبني فيها ويتحجرها لتعلق حق المسلمين بها عمومًا.
قال الحافظ: وحاصله أن الوادي المذكور وإن كان من جنس الموات، لكن مكان التعريس منه مستثنى لكونه من حقوق العامة، فلا يصح احتجاره لأحد ولو عمل فيه بشروط الإحياء، ولا يختص ذلك بالبقعة التي نزل بها النبي ﷺ ، بل كل ما وجد من ذلك فهو في معناه، انتهى.
وقال العيني (٣): وجه دخول هذا الحديث في هذا الباب من حيث إنه أشار إلى أن ذا الحليفة لا يملك بالإحياء لما فيه من منع الناس النزول فيه، وأن الموات يجوز الانتفاع به، وأنه غير مملوك لأحد، وهذا المقدار كاف في وجه المطابقة، وقد تكلم المهلب فيه بما لا يجدي، ورد عليه ابن بطال بما لا ينفع، وجاء آخر نصرًا لمهلب في ذلك، والكل لا يشفي العليل ولا يروي الغليل، انتهى.
стр. 1661
وتبع القسطلاني (١) العيني، واقتصر على توجيهه بدون النسبة إليه، ولم يذكر قول المهلب وغيره، وسبقهما الكرماني (٢) في ذلك، وقال العلَّامة السندي (٣): لعل ذكره في الباب لاستطراد إحياء الموات بالذكر، انتهى.
والأوجه عند هذا العبد الضعيف: ما أفاده الشيخ قُدِّس سرُّه من التوجيه في "اللامع" (٤) إذ قال: قوله: "إنك ببطحاء مباركة" ولعل إيراد هذه الرواية بعد باب إحياء الموات تنبيه منه على أن الإحياء إنما يعتبر إذا كانت الأرض التي أحياها بحيث يستغنى عنها، ولا يفتقر إليها في قضاء مآرب العامة؛ كالنزول في تلك الوادي فإنه دليل الحاجة إليه، فلا يمكن إحياء مثله لما فيه من الإضرار بالعامة، وهم أصحاب استحقاق فيه، وقد قال النبي ﷺ في غير حق مسلم كما تقدم، ثم ذكر توجيهًا آخر فارجع إليه لو شئت؛ وبسط الكلام على هامشه أيضًا، ورقم عليه شيخ الهند ﵀ رمز (ىنـ) - نقطة واحدة -، فكان رأيه ﵀ فيه أن المؤلف ترك الترجمة تشحيذًا للأذهان، فتأمل.
(١٧ - باب إذا قال رب الأرض: أقرك ما أقرك الله. . .) إلخ
قال صاحب "الفيض" (٥): هذه الترجمة أيضًا من التراجم التي لا تسقط على محط، ولا ترجع إلى أصل، فإن حقيقة المعاملة مع أهل خيبر لم تتنقح عنده بعد، فقد يجعلها إجارة، وأخرى مزارعة، ولا تصحان إلا أن تكون ملكا للنبي ﷺ والمسلمين، وأما إذا كانت ملكًا لأنفسهم فلا تصح لا هذه ولا تلك، فلا تكون إلا خراجًا مقاسمةً، ثم فرع عليها تفريعات لا تستقيم بحال أيضًا، فذكر إبهام الأجل، وذا لا يصح على تقدير كونها إجارةً أو مزارعة باتفاق الفقهاء؛ لأن الطبائع قد جبلت على المماكسة في هذا الباب، فالإبهام فيها يفضي إلى المنازعة لا محالة، أما الخراج مقاسمة
стр. 1662
فيصح مع جهالة الأجل لكونه بين الإمام والرعية، والأمن من إفضائه إلى المنازعة، فللإمام أن يقر من شاء إلى ما شاء من غير مدافع ولا منازع، انتهى.
وقال العيني (١): تمسك به بعض أهل الظاهر على جواز المساقاة إلى أجل مجهول، وجمهور الفقهاء على أنها لا تجوز إلا إلى أجل معلوم، وقالوا: هذا الكلام كان جوابًا لما طلبوه حين أراد إخراجهم منها، فقالوا: نعمل فيها ولكم النصف ونكفيكم مؤنة العمل، فلما فهمت المصلحة أجابهم إلى الإبقاء ووقفه على مشيئته، وبعد ذلك عاملهم على المساقاة إلى آخر ما بسط في هامش "اللامع" (٢).
وأفاد الشيخ قُدِّس سرُّه في "اللامع" (٣) فائدة متعلقة بشرح الحديث لم يتعرض لها الشرَّاح وأجاد فيها حيث قال: قوله: "أجلى اليهود والنصارى. . ." إلخ، وقد ورد في أكثر الروايات والآيات ذكر إجلاء اليهود، ولم تذكر النصارى إلا قليلًا، وذلك لكثرة اليهود وقلة النصارى، ولأن خبث طويتهم كان باعثًا لهم على الشقاق والنفاق والتلبس بأرذل الأخلاق، فذكروا أكثر مما ذكر إخوانهم النصارى، انتهى.
(١٨ - باب ما كان أصحاب رسول الله ﷺ يواسي بعضهم بعضًا)
كتب الشيخ قُدِّس سرُّه في "اللامع" (٤): أشار بذلك إلى محمل الروايات المذكورة في الباب دفعًا لما يتوهم من التعارض بين روايات الجواز والحرمة بأن النهي عن المزارعة بالأجر إنما هو تعليم للزهد وترغيب في المواساة، لا أن النهي تحريم، انتهى.
стр. 1663
وفي هامشه: وهو كذلك، فإن القائلين بجواز المزارعة حملوا روايات المنع على ذلك، ففي "الأوجز" (١) بعد ذكر روايات المنع: قال القاضي: ويشبه أن يقال في هذا: إن المعنى في ذلك قصد الرفق بالناس لكثرة وجود الأرض كما نهى عن بيع الماء، ووجه الشبه بينهما أنهما أصلًا الخلقة، انتهى.
وقال الحافظ (٢): المراد بالمواساة المشاركة في المال بغير مقابل، انتهى.
(١٩ - باب كراء الأرض بالذهب والفضة. . .) إلخ
كأنه أراد بهذه الترجمة الإشارة إلى أن النهي الوارد عن كراء الأرض محمول على ما إذا أكريت بشيء مجهول، وهو قول الجمهور، أو بشيء مما يخرج منها ولو كان معلومًا، وليس المراد النهي عن كرائها بالذهب أو الفضة، وبالغ ربيعة فقال: لا يجوز كراؤها إلا بالذهب أو الفضة، وخالف في ذلك طاوس وطائفة قليلة فقالوا: لا يجوز كراء الأرض مطلقًا، وذهب إليه ابن حزم واحتج له بالأحاديث المطلقة في ذلك، وحديث الباب دال على ما ذهب إليه الجمهور، وقد أطلق ابن المنذر أن الصحابة أجمعوا على جواز كراء الأرض بالذهب والفضة. ونقل ابن بطال (٣): اتفاق فقهاء الأمصار عليه، انتهى من "الفتح" (٤).
وقد تقدم الخلاف في المسألة في "باب المزارعة بالشطر ونحوه" ويمكن عندي أن يقال في غرض الترجمة: إن المصنف أشار إلى بيان أفضلية كراء الأرض، أي: المزارعة كما يشير إليه قول ابن عباس ﵄، وقد تقدم الخلاف في أفضل المكاسب في مبدأ "كتاب البجوع" من "باب كسب الرجل وعمله بيده".
стр. 1664
(٢٠ - باب)
بغير ترجمة، قال الحافظ (١): هو كالفصل من الباب الذي قبله، ولم يذكر ابن بطال (٢): لفظ "باب"، وكأن مناسبته له من قول الرجل: "فإنهم أصحاب زرع" قال ابن المنيِّر: وجهه أنه نبَّه به على أن أحاديث النهي عن كراء الأرض إنما هي على التنزيه لا على الإيجاب؛ لأن العادة فيما يحرص عليه ابن آدم أنه يحب استمرار الانتفاع به، وبقاء حرص هذا الرجل على الزرع حتى في الجنة دليل على أنه مات على ذلك، ولو كان يعتقد تحريم كراء الأرض لفطم نفسه عن الحرص عليها حتى لا يثبت هذا القدر في ذهنه هذا الثبوت، انتهى.
قلت: ولم يذكر شيخ الهند هذا الباب في جداوله، والأوجه عندي أن الإمام البخاري رحمه الله تعالى نبَّه بهذا على فضل الغرس لكونه في الجنة، ولا تعلق للحديث بكراء الأرض، قوله: "والله لا تجده إلا قرشيًا أو أنصاريًا" كتب الشيخ في "اللامع" (٣): وإنما قال ذلك لأنهم أهل الفلاحة بحسب علمه، ولم يعلم بأن هذه حرفة كثير ممن سوأهم أيضًا، انتهى.
(٢١ - باب ما جاء في الغرس)
ذكر فيه حديث سهل بن سعد "إن كنا لنفرح. . ." إلخ، وغرضه منه ههنا قوله: "كنا نغرسه في أربعائنا"، وذكر فيه حديث أبي هريرة وغرضه منه قوله: "وإن إخوتي من الأنصار كان يشغلهم. . ." إلخ، فإن المراد بالعمل الشغل في الأراضي للزراعة والغرس، انتهى من "الفتح" (٤).
стр. 1665
وكتب الشيخ في "اللامع" (١): قوله: "وما كنا نتغدى" فيه إشارة ما إلى وجه الالتذاذ وهو وجدانهم [إياه] على السغب والفاقة، انتهى.
قلت: أجاد الشيخ قُدِّس سرُّه في دفع ما يمكن أن يتوهم من ظاهر اللفظ حرص الصحابة ﵃ أعاذهم الله تعالى عن ذلك، فنبَّه الشيخ على أن الفرح كان لأجل الاحتياج، وكتب الشيخ أيضًا قوله: "وكان يشغلهم عمل أموالهم" فيه الترجمة حيث علم باشتغال الصحابة فيه فضله وبتقريره ﷺ عليه جوازه، انتهى.
وأما براعة الاختتام عند الحافظ ففي قوله: "وما نسيت من مقالته تلك إلى يومي هذا شيئًا".
وعندي في قوله: "والله الموعد"، وأيضًا في آية الكتمان، وأيضًا في قوله: "ليس على ثوب غيرها" فإنه كفن الضرورة، فتدبر.
تم الجزء الثالث بحمد الله ﵎،
ويتلوه الجزء الرابع إن شاء الله تعالى أوله "كتاب المساقاة"،
والحمد لله أولًا وآخرًا،
والصلاة والسلام على نبيِّه سرمدًا ودائمًا.
* * *
стр. 1666
٤٢ - كتاب المساقاة
هكذا في النسخ الهندية، وهكذا في نسخ الكرماني والعيني والقسطلاني، وليس هو في نسخة "الفتح"، وهو الأوجه عندي، وفي نسخة "الفتح" بعد التسمية: في الشرب، وقول الله : ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ﴾ الآية [الأنبياء: ٣٠]
قال الحافظ (١): كذا لأبي ذر، وزاد غيره في أوله "كتاب المساقاة" ولا وجه له فإن التراجم التي فيه غالبها تتعلق بإحياء الموات.
وبسط العيني (٢) في اختلاف النسخ ثم قال: أما المساقاة فهي: المعاملة بلغة أهل المدينة، ومفهومها اللغوي هو الشرعي، وهي معاقدة دفع الأشجار والكروم إلى من يقوم بإصلاحهما، على أن يكون له سهم معلوم من ثمرها، ولأهل المدينة لغات يختصون بها، كما قالوا للمساقاة: معاملة، وللمزارعة: مخابرة، وللإجارة: بيع، وللمضاربة: مقارضة، انتهى.
وذكر في "الأوجز" (٣) فيه عدة أبحاث:
الأول: في لغتها، وتقدم شيء من ذلك.
والثاني: في تعريفها عند الفقهاء.
والثالث: في حكمها، فجمهور العلماء من السلف والخلف على إباحتها، حتى حكى غير واحد من نقلة المذاهب الإجماع على ذلك، ولا شك أن الإجماع متعقب، كما بسط في "الأوجز".
وفي "المغني" (٤): قال أبو حنيفة وزفر: لا تجوز المساقاة، قال
стр. 1667
ابن رشد (١): وعمدة الجمهور - منهم الأئمة الثلاثة وصاحبا أبي حنيفة - في جوازها حديث ابن عمر في معاملة أهل خيبر.
وأما أبو حنيفة ومن قال بقوله، فعمدتهم مخالفة هذا الأثر للأصول مع أنه حكم مع اليهود، واليهود يحتمل أنهم أقرهم على أنهم عبيد، ويحتمل أن يكون أقرهم على أنهم أهل ذمة. . .، إلى آخر ما بسط في "الأوجز".
والرابع: ما في "الدسوقي" (٢): أن المساقاة مستثناة للضرورة من أمور خمسة ممنوعة.
والخامس: أن القائلين بجوازها اختلفوا في محل الجواز، فقال داود: لا تكون إلا في النخل فقط، وقال الشافعي: في النخل والكرم فقط، وقال مالك: تجوز في كل أصل ثابت كرُمّان والزيتون وما أشبه ذلك. . .، إلى آخر ما في هامش "اللامع" (٣).
(باب في الشرب)
بكسر المعجمة، والمراد به الحكم في قسمة الماء، قاله عياض (٤). وقال: ضبطه الأصيلي بالضم، والأول أولى، قال ابن المنيِّر: من ضبطه بالضم أراد المصدر، وقال غيره: المصدر مثلَّث، وقرئ: ﴿فَشَارِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِ﴾ [الواقعة: ٥٥] مثلثًا، والشرب في الأصل بالكسر النصب والحظ من الماء، انتهى [من "الفتح"] (٥).
قوله: (﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ﴾) [الأنبياء: ٣٠] كتب الشيخ في "اللامع" (٦): يعني بذلك - والله أعلم - أن كل شيء فهو من الماء لكونه أصل الأشياء بأسرها فإن خلق السماوات والعناصر الثلاثة إنما هو من الماء،