قال الحافظ (١) ناقلًا عن ابن المنير: أراد البخاري أن يبين أن الراوي قد سمَّاها خطبة، كما سمَّى التي وقعت في عرفات خطبة، وقد اتفقوا على مشروعية الخطبة بعرفات، فكأنه ألحق المختلف فيه بالمتفق عليه، انتهى.
وقال شيخ المشايخ في "التراجم" (٢) في "باب تفريق الغسل": أي: التفريق في أفعال الوضوء والغسل، إشارة إلى جوازه، خلافًا لمن اشترط الموالاة، ويثبت بالحديث التفريق في الوضوء، فثبت في الغسل أيضًا بالمقايسة، إذ لا فرق بينهما في الأركان والآداب، انتهى.
وقال (٣): في "باب تقضي الحائض المناسك كلها": قوله: وقال الله تعالى. . . إلخ، هذا بمنزلة المقدمة الثانية للدليل، يعني أن الذبح جائز مع الجنابة، مع أنه لا يجوز بدون ذكر الله، وحكم الجنابة والحيض سواء بالإجماع، انتهى.
وحكى شيخ المشايخ في "تراجمه" في "باب الصلاة بعد الجمعة وقبلها" أنه قال: يعلم راتبة قبل الجمعة من حديث الباب بالقياس على راتبة الظهر.
٥٤ - الرابع والخمسون: الإشارة إلى وقائع مخصوصة:
ما تقدم في كلام الحافظ في المقدمة، ورقمت عليه "التاسع": أن الإمام البخاري كثيرًا ما يترجم بأمر مختص ببعض الوقائع لا يظهر في بادئ الرأي، كقوله: "باب استياك الإمام بحضرة رعيته"، فإنه لما كان الاستياك قد يظن أنه من أفعال المهنة، فلعل بعض الناس يتوهم أن إخفاءه أولى مراعاة للمروءة، فلما وقع في الحديث أن النبي ﷺ استاك بحضرة الناس، دلَّ على أنه من باب التطيُّب لا من الباب الآخر، نبّه على ذلك ابن دقيق
стр. 194
العيد (١)، انتهى.
هكذا في مقدمة "الفتح"، وحكاه القسطلاني في مقدمته وزاد فيه (٢): قال الحافظ ابن حجر: لم أر هذا في "البخاري"، فكأنه ذكره على التمثيل، انتهى.
قلت: هو كذلك، لم أره أيضًا في "البخاري"، نعم ترجم النسائي في "سننه" "باب هل يستاك الإمام بحضرة رعيته؟ "، انتهى.
ولو أدخل هذا الأصل في الأصل الثاني عشر كان كافيًا، إلا أن الحافظ في "المقدمة" ذكرهما أصلين مستقلين، كما تقدم في كلامه.
ويمثل لذلك الأصل عندي بـ "باب دفع السواك إلى الأكبر"، فإنه إشارة إلى واقعة خاصة في اليقظة أو في المنام.
وترجم البخاري "باب علامة المنافق"، وأورد فيه حديث: "آية المنافق ثلاث".
حكى الخطابي (٣) عن بعضهم: أن الحديث ورد في رجل بعينه منافق، وكان النبي ﷺ لا يواجههم بصريح القول، فيقول: فلان منافق، إنما يشير إشارة، انتهى. كذا في "البيان والتعريف في أسباب ورود الحديث".
ويمكن أن يدخل فيه باب "علامة المنافق"، وذكر فيه حديث أبي هريرة: "آية المنافق ثلاث".
وفي "البيان والتعريف": أخرجه أحمد والشيخان وغيرهم، عن أبي هريرة، وحكى الخطابي عن بعضمهم أن الحديث ورد في رجل بعينه منافق، وكان النبي ﷺ لا يواجههم بصريح القول، فيقول: فلان منافق، إنما يشير إشارةً، كقوله: "ما بال أقوام يفعلون كذا"، انتهى.
стр. 195
وترجم الإمام البخاري "باب الأرواح جنود مجندة"، وذكر فيه حديث عائشة ﵂ مرفوعًا بذلك اللفظ، ويمكن التلويح بذلك إلى ما في "البيان والتعريف"، إذ قال: أخرجه الحاكم عن سلمان، والشيخان بلفظ "الأرواح جنود مجندة. . ." الحديث، وسببه عنه أن امرأة كانت تُضحك النساء بمكة قدمت المدينة، فنزلت على امرأة تُضحك النساء بالمدينة، فأُخبر النبي ﷺ بذلك، فقال: "الأرواح. . ."، فذكره، انتهى.
ويشكل عليه أن الحافظ في "الفتح" (١) ذكر قصة المرأة هذه بلفظ آخر، برواية "مسند أبي يعلى" (٢) عن عمرة قالت: كانت امرأة بمكة مزَّاحة فنزلت على امرأة مثلها بالمدينة، فبلغ ذلك عائشة قالت: "صدق حِبِّي، سمعته ﷺ "، فذكر مثله، انتهى. وفيه أن الأول من حديث سلمان، والثاني من حديث عائشة.
ولا يبعد عندي أيضًا، أن يمثَّل هذا الأصل بـ "باب المؤمن يأكل في مِعًى واحد"، فإن هذه الترجمة بوَّب لها البخاري بابين، ويشكل على الشراح تكرار الترجمة، واختلفت التوجيهات في التكرار، حتى مال كثير منهم إلى غلط النساخ، ولا يبعد عندي أن الإمام أشار بإحدى الترجمتين إلى أمر مختص ببعض الوقائع.
قال الحافظ (٣): وقع في "مسلم" (٤) عن أبي هريرة: "أن رسول الله ﷺ ضافه ضيف وهو كافر، فأمر له بشاة فحلبت فشرب حلابها، ثم أخرى، ثم أخرى، حتى شرب حلاب سبع شياه، ثم إنه أصبح فأسلم، فأمر له بشاة فشرب حلابها، ثم بأخرى فلم يستتمّها. . ." الحديث، وهذا الرجل يُشبه أن يكون جهجاه الغفاري.
стр. 196
فأخرج ابن أبي شيبة وأبو يعلى (١) وغيرهما عنه أنه قدم في نفر من قومه يريدون الإسلام، فحضروا مع رسول الله ﷺ [المغرب]، فلمَّا سلَّم قال: "ليأخذ كل رجل بيد جليسه"، فلم يبق غيري، وكنت رجلًا عظيمًا طويلًا لا يقدم عليَّ أحدٌ، فذهب بي رسول الله ﷺ إلى منزله، فحلب لي عنزًا فأُتيتُ عليه، ثم [حلب لي] آخر، حتى حلب لي سبعة أعنز؛ فأُتيتُ عليها، ثم أُتيت بصنيع بَرمة فأَتيت عليها، فقالت أم أيمن: أجاع الله من أجاع رسول الله ﷺ ، فقال: "مه يا أم أيمن، أكَلَ رزقه، ورِزقُنا على الله".
فلما كانت الليلة الثانية وصلّينا المغرب صنع ما صنع في التي قبلها، فحلب لي عنزًا ورويت وشبعت، فقالت أم أيمن: أليس هذا ضيفنا؟ قال: "إنه أكل في مِعًى واحد الليلة وهو مؤمن، وأكل قبل ذلك في سبعة أمعاء، الكافر يأكل في سبعة أمعاء، والمؤمن يأكل في مِعًى واحد"، ثم ذكر قصة أخرى بنحوها. فلا يبعد عندي أن الإمام البخاري أشار بإحدى الترجمتين إلى وقعة مخصوصة في ذلك.
٥٥ - الخامس والخمسون: الترجمة بحديث لا يثبت إشارة إلى أنه لم يجد فيه حديثًا:
ما تقدم أيضًا في كلام الحافظ عن "المقدمة" (٢)، ورقمت عليه الحادي عشر، ولفظه: وربما اكتفى أحيانًا بلفظ الترجمة التي هي لفظ حديث لم يصح على شرطه، وأورد معها أثرًا أو آية، فكأنه يقول: لم يصح في الباب شيء على شرطي.
وللغفلة من هذه المقاصد الدقيقة اعتقد من لم يمعن النظر أنه ترك الكتاب بلا تبييض، انتهى.
стр. 197
قلت: وبذلك جزم في "باب فضل العلم، وقول الله تعالى: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ﴾ الآية" [المجادلة: ١١]، إذ قال بعد ذكر أقوال الشرَّاح الأُخر: وعن بعض أهل العراق: أنه تعمَّد بعد الترجمة عدم إيراد الحديث؛ إشارة إلى أنه لم يثبت فيه شيء على شرطه.
والذي يظهر لي أن هذا محله حيث لم يورد فيه آية ولا أثرًا، أما إذا أورد [آية أو أثرًا] فهو إشارة منه إلى ما ورد في تفسير تلك الآية، وأنه لم يثبت فيه شيء على شرطه، وما دلت عليه الآية كاف في الباب (١)، انتهى.
وقريب من ذلك: ما قال الحافظ في "باب صدقة العلانية، وقوله : ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [البقرة: ٢٧٤] "، قال: سقطت هذه الترجمة للمستملي وثبتت للباقين، وبه جزم الإسماعيلي، ولم يثبت فيها لمن أثبتها حديث، وكأنه أشار إلى أنه لم يصح فيها على شرطه شيء (٢)، انتهى.
وقلت: قريب من ذلك؛ لأن لفظ الترجمة ليس لفظ حديث، وكذا قوله: "باب صدقة الكسب والتجارة، لقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ﴾ الآية [البقرة: ٢٦٧] "، ولم يذكر فيه حديثًا؛ كأنه لم يجده على شرطه، وترجم بـ "باب زكاة البقر"، ولم يذكر في الباب حديثًا نصًّا على ذلك.
حكى الحافظ عن الزين بن المنيِّر (٣): لم يذكر في الباب شيئًا مما يتعلق بنصابها لكون ذلك لم يقع على شرطه، انتهى.
وترجم "باب العدل بين النساء: ﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ﴾ الآية [النساء: ١٢٩] "، ولم يذكر فيه حديثًا، كأنه لم يجده على شرطه.
стр. 198
قال الحافظ (١): وقد أخرج الأربعة عن عائشة ﵂: "أن النبي ﷺ كان يقسم بين نسائه فيعدل. . ." الحديث (٢).
وهذا الأصل ضد الأصل الأول.
والفرق بين هذا الأصل والأصل الثامن أيضًا واضح، فإن المذكور في الثامن كان ذكر الحديث بخلاف الترجمة، وههنا عدم ذكر الحديث إشارة إلى أنه لم يجد فيه حديثًا على شرطه، كما رأيت في كلام الحافظ.
وأيضًا الفرق بين هذا وبين التاسع والثلاثين أيضًا واضح، فإن المذكور فيه كان أمرين، والاستدلال فيه كان لأحد الجزئين فقط، كما تقدمت أمثلته.
٥٦ - السادس والخمسون: تقييد الأحاديث المطلقة:
ما قال الحافظ (٣) في "باب قول النبي ﷺ : يعذب الميت ببعض بكاء أهله عليه. . ." إلخ، قال: هذا تقييد من المصنف لمطلق الحديث، وحملٌ منه لرواية ابن عباس المقيدة بالبعضية على رواية ابن عمر المطلقة، كما ساقه في الباب عنهما، وتفسير منه للبعض المبهم في رواية ابن عباس بأنه النَّوح، انتهى.
وهذا غير الأصل الخامس، فإن التطبيق بين الروايتين غير حمل المطلق على المقيد؛ لأن فيه بقاء الحديث المقيد على حاله، ويقيد به الحديث المطلق، بخلاف حمل الحديثين معًا على محمل، وهذا معروف عند المشايخ.
стр. 199
وبذلك الأصل أخذ الحافظ في "باب ما جاء في غسل البول"، إذ قال (١): قال ابن بطال: أراد البخاري أن المراد بقوله في رواية الباب: "كان لا يستتر من البول" بول الناس لا بول سائر الحيوان، فلا يكون فيه حجة لمن حمله على العموم في بول جميع الحيوان، وكأنه أراد الرد على الخطابي حيث قال: فيه دليل على نجاسة الأبوال كلها، ومحصل الرد أن العموم في رواية من البول أريد به الخصوص، لقوله: "من بوله"، أو الألف واللام بدل من الضمير، انتهى.
ويمكن أن يدخل في هذا الأصل "باب الصدقة باليمين"، فكأنه أشار بالترجمة إلى تقييد الأحاديث المطلقة باليمين للروايات المقيدة.
٥٧ - السابع والخمسون: باب بلا ترجمة رجوع إلى الأصل:
ما هو المعروف على ألسنة المشايخ أن الباب بلا ترجمة كثيرًا ما يكون رجوعًا إلى الأصل.
وأخذ بذلك الحافظ في "باب" بلا ترجمة، بعد "باب فضل ربنا لك الحمد"، إذ قال (٢): كذا للجميع بلا ترجمة إلا للأصيلي فحذفه، والراجح إثباته؛ لأن الأحاديث المذكورة فيه لا دلالة فيها على فضل "اللّهم ربنا لك الحمد" إلا بتكلف، فالأولى أن يكون بمنزلة الفصل من الباب الذي قبله، كما تقدم في عدة مواضع، وذلك أنه لما قال أولًا: "باب ما يقول الإمام ومن خلفه. . ." إلخ، وذكر فيه قوله ﷺ : "اللهم ربنا لك الحمد"، استطرد إلى ذكر فضل هذا القول بخصوصه، ثم فصل بلفظ "باب" لتكميل الترجمة الأولى، فأورد بقية ما ثبت على شرطه مما يقال في الاعتدال، انتهى.
ويدخل في ذلك أيضًا "باب" بلا ترجمة، بعد "باب قطع الشجر
стр. 200
والنخل"؛ فإنه ذكر في هذا الباب حديث رافع بن خديج، ولا تعلق له بقطع الشجر أصلًا، فهو رجوع على ما قبله من "باب المزارعة"، وهو "باب إذا قال: اكفني. . ." إلخ.
ويدخل في ذلك أيضًا "باب" بلا ترجمة بعد "باب حديث الخضر مع موسى ﵇"، فإن المذكور بعد الباب الثاني لمَّا لم يكن له تعلقٌ ما بقصة الخضر، بل كان له تعلق بقصة موسى ﵇ وبني إسرائيل، نَبَّهَ على ذلك بـ "باب" بلا ترجمة رجوعًا إلى الأصل.
ونظائره كثيرة في "الصحيح".
وهذا غير الأصل العشرين، والفرق بينهما واضح، فإن المذكور في العشرين كالفصل لما سبق، فإن مؤدَّاه أن له تعلقًا بالباب السابق، وميّز عنه بالباب لنوع من الفرق، بخلاف هذا فإنه رجوع إلى الباب الذي تقدم قبل ذلك.
وهكذا الفرق بين هذا الأصل وبين الخامس والعشرين والسابع والثلاثين ظاهر.
٥٨ - الثامن والخمسون: الإشارة إلى حديث في تفسير الآية:
ما يستنبط من كلام الحافظ في "باب قوله ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ﴾ الآية [الأحقاف: ٢٩] "، أن الإمام البخاري أشار بذكر الآية إلى حديث تفسيرها، إذ قال (١): لم يذكر المصنف في هذا الباب حديثًا، واللائق به حديث ابن عباس الذي تقدم في صفة الصلاة في توجه النبي ﷺ إلى عكاظ واستماع الجن لقراءته، وقد أشار عليه المصنف بالآية التي صدَّر بها هذا الباب، انتهى.
стр. 201
وقال أيضًا في "باب أمور الإيمان، وقول الله : ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ﴾ الآية [البقرة: ١٧٧] ": وجه الاستدلال بهذه الآية، ومناسبتها لحديث الباب تظهر من الحديث (١) الذي رواه عبد الرزاق وغيره: أن أبا ذر سأل النبي ﷺ عن الإيمان فتلا عليه: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ﴾ الآية (٢)، انتهى.
وقال أيضًا في "باب فضل العلم، وقول الله تعالى: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ﴾ الآية [المجادلة: ١١] "، بعد ذكر أقوال الشرَّاح الأُخر: والذي يظهر لي أن هذا - أي: الذي قالته الشرَّاح - محلّه حيث لم يورد فيه آية ولا أثرًا، أما إذا أورد آية أو أثرًا، فهو إشارة منه إلى ما ورد في تفسير تلك الآية، وأنه لم يثبت فيه شيء على شرطه (٣)، انتهى.
وقال أيضًا في "باب صدقة الكسب والتجارة، لقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا﴾ الآية [البقرة: ٢٦٧] "، هكذا أورد هذه الترجمة مقتصرًا على الآية بغير حديث، وكأنه أشار إلى ما رواه شعبة عن الحكم عن مجاهد في هذه الآية، قال: من التجارة الحلال، إلى آخر ما بسطه (٤).
وقال العيني (٥) في "باب قوله تعالى: ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ﴾ [الواقعة: ٨٢] ": وجه إدخال هذه الترجمة في أبواب الاستسقاء؛ لأن هذه الآية فيمن قالوا: الاستسقاء بالأنواء؛ على ما روى عبد بن حميد الكشي في تفسيره، فذكر الحديث عن ابن عباس بسنده.
стр. 202
٥٩ - التاسع والخمسون: الإشارة إلى مبدأ الحكم:
ما ظهر لهذا الفقير إلى مغفرة ربه أن الإمام البخاري كثيرًا ما يذكر في مبدأ الكتاب ما يدل على مبدأ الحكم المذكور في الكتاب، كما قال في مبدأ "كتاب الصلاة": "باب كيف فرضت الصلاة في الإسراء"، وقال ابن عباس: حدثني أبو سفيان في حديث هرقل. . . إلخ، قال الحافظ (١): وفيه إشارة إلى أن الصلاة فرضت بمكة قبل الهجرة؛ لأن أبا سفيان لم يلق النبي ﷺ بعد الهجرة إلى الوقت الذي اجتمع فيه بهرقل لقاءً يتهيأ له معه أن يكون آمرًا له بطريق الحقيقة، انتهى.
وترجم الإمام البخاري في مبدأ "كتاب الوضوء": "باب ما جاء في قوله الله تعالى: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ﴾ [المائدة: ٦] "، وبسط الحافظ الاختلاف الكثير في تفسير الآية ومبدأ حكم الوضوء، وقال في ذيل ذلك: وتمسَّك بالآية من قال: إن الوضوء أول ما فرض بالمدينة، إلى آخر ما بسطه (٢)، وترجم "كتاب التيمم"، وذكر فيه حديث بدء التيمم مفصَّلًا.
وترجم في مبدأ "كتاب الجمعة": "باب فرض الجمعة لقول الله تعالى: ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ﴾ الآية [الجمعة: ٩] "، قال الحافظ (٣): استدلال البخاري بهذه الآية على فرضية الجمعة سبقه إليه الشافعي في "الأم"، واختلف في وقت فرضيتها، فالأكثر على أنها فرضت بالمدينة، وهو مقتضى ما تقدم أن فرضيتها بالآية المذكورة وهي مدنية، انتهى.
قلت: وهذا وإن كان مخالفًا للحنفية، فإنها فرضت عندهم بمكة، لكن الإمام البخاري ليس بمقلد للحنفية، فإشارته بتلك الآية إلى ما هو المختار عنده واضح.
стр. 203
وترجم بـ "كتاب الزكاة"، وذكر في مبدئه أيضًا حديث ابن عباس في قصة هرقل، وعلى ما تقدم قريبًا في كلام الحافظ في مبدأ الصلاة يستأنس ههنا أيضًا الإشارة إلى مبدأ فرضيتها.
وقال في مبدأ "كتاب الحج": "باب وجوب الحج، وقول الله : ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ﴾ الآية [آل عمران: ٩٧] "، ففيه إشارة إلى فرضية الحج بعد الهجرة ردًّا على من قال بفرضيتها قبل الهجرة؛ لأن سورة آل عمران مدنية.
وبدأ "كتاب الصوم" بـ "باب وجوب صوم رمضان، وقول الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾ الآية [البقرة: ١٨٣] "، قال الحافظ (١): أشار بذلك إلى مبدأ فرض الصيام، انتهى.
قلت: والبقرة أيضًا مدنية، ولا يلتبس عليك هذا الأصل بالأصل التاسع، ولا بالرابع والخمسين، فإن الأصول الثلاثة متمايزة.
٦٠ - الستون: التراجم المثبتة للترجمة السابقة:
ما يظهر من التدبر في تراجمه، أنه قد يذكر ترجمة لإثبات الترجمة السابقة، فهي تكون مثبِتة - بكسر الموحدة لا بفتحها - حتى يحتاج لها إلى دليل.
وقد جزم بذلك السندي أيضًا، كما تقدم من كلامه في الأصل السابع، وأدخل السندي في هذا الأصل "باب إذا قال أحدكم: آمين"، كما تقدم، وهو الأوجه عندي في هذه الترجمة.
وكذا يدخل في هذا الأصل عندي التراجم الواردة في "باب وجوب الثياب" من قوله: "ومن صلَّى ملتحفًا في ثوب واحد"، فإن الشرَّاح اضطربوا
стр. 204
في إثباتها بالحديث، وأتوا لذلك بتوجيهات عديدة لإثباتها ولدفع التكرار عنها، فإن هذه الترجمة ستأتي قريبًا مستقلة، وليست الترجمة عندي مثبَتة - بفتح الموحدة - حتى يقال فيها ما قالوا، بل هي مثبِتة - بكسر الموحدة - لوجوب الثياب.
وكذلك قوله: "ومن صلى في الثوب الذي يجامع فيه" مثبت لما سبق، فلا يحتاج لإثباته إلى دليل.
وهكذا قوله: "وأمر النبي ﷺ أن لا يطوف بالبيت عريان"، يشكل عليه بوجهين:
أحدهما: عدم ثبوته بالحديث الوارد في الباب، والثاني: أن المسألة من "كتاب الحج"، وسيأتي في محله "باب لا يطوف بالبيت عريان"، وعلى ما اخترته في ذلك من أنه ليس بمقصود بالذكر، بل ذكره مبالغةً في وجوب الثياب للصلاة، فإنه ﷺ منع الطواف بالبيت عريانًا، والطواف بالبيت صلاة حكمًا، فكيف بالصلاة حقيقة.
وهكذا ترجم الإمام البخاري "باب فضل استقبال القبلة"، وذكر فيه قوله: "يستقبل بأطراف رجليه القبلة"، وأورد عليه بوجوهٍ، منها: عدم الثبوت، وأيضًا أي تعلق لاستقبال الأطراف بفضل الاستقبال.
وأشدّ منهما أن الترجمة ستأتي مستقلة في محلِّها في "صفة الصلاة".
وتزول الإشكالات كلها على ما اخترته من أن الترجمة مثبِتة لفضل الاستقبال، بأنه إذا روعي الاستقبال في أطراف الرِّجلين أيضًا فما بال استقبال الوجه، وأما إثباتها فسيأتي في محلها من "صفة الصلاة".
وهكذا ترجم الإمام البخاري "باب هل ينبش قبور المشركين؟. . ." إلخ، وذكر فيه: وما يكره من الصلاة في القبور.
ويشكل هذا الجزء على الشرَّاح جدًّا لوجهين:
الأول: عدم الثبوت بالحديث الوارد فيه.
стр. 205
والثاني: التكرار، فإنه سيأتي قريبًا "باب كراهية الصلاة في المقابر".
ووجّهوا لدفع هذين الإيرادين بوجوه عديدة بعيدة عندي من دقة نظر الإمام البخاري.
ومنشأ الإيرادات كلها أنهم ﵃ أجمعين - جعلوا عطفه على قوله: "هل ينبش"، وجعلوه ترجمة مستقلة، فأشكل الأمر عليهم.
والأوجه عند هذا العبد الفقير إلى رحمة ربه: أنه معطوف على لفظ قوله النبي ﷺ تحت اللام، فهو دليل للترجمة السابقة، أي: ينبش قبور المشركين لقوله ﷺ ، ولما يكره من الصلاة في القبور، وهو واضح عندي.
ولا يرد عليه حينئذ إيراد أصلًا حتى يحتاج لدفعه إلى توجيهات، ولا يذهب عليك أن لفظة "هل" في الترجمة بمعنى "قد" عند الشرَّاح، وهو في معناه عند هذا العبد الضعيف، كما تقدم في الأصل الثاني والثلاثين.
٦١ - الحادي والستون: تغيير الترجمة على حديث:
ما ظهر أيضًا لهذا المبتلى بالسيئات - غفر الله له الزلَّات -: أن الإمام البخاري قد يغيّر سياق التراجم على الأحكام الواردة في الأحاديث على نسق واحد.
مثلًا: وردت في الأوقات المنهي عن الصلاة فيها الروايات على سياقين:
أحدهما: النهي عن الصلاة عند الطلوع والغروب مطلقًا كما في حديث ابن عباس عن عمر ﵃: "أن النبي ﷺ نهى عن الصلاة بعد الصبح حتى تشرق الشمس، وبعد العصر حتى تغرب" (١)، وهكذا ورد في روايات عديدة.
والسياق الثاني ما أورد عن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ :
стр. 206
"لا تحرّوا بصلاتكم طلوع الشمس ولا غروبها" (١).
والإمام البخاري ﵁ أورد السياقين معًا في "صحيحه"، لكنه ترجم على النهي عند الطلوع بالإطلاق، فقال: "باب الصلاة بعد الفجر حتى ترتفع الشمس"، وترجم على الثاني "باب لا تتحرى الصلاة عند غروب الشمس"، ولم يتعرض لذلك الشرَّاح، إلا ما أفاده الشيخ قُدِّس سرُّه في "اللامع" (٢) أنه رحمه الله تعالى نبَّه بذلك إلى اختلاف المذاهب، ومال السندي إلى توجيه أحاديث التحرِّي إلى أحاديث الإطلاق.
والأوجه عندي: أن ذلك فعله الإمام البخاري قصدًا وتنبيهًا، على أنه لم يرد في أحاديث الصلاة عند الطلوع ما يخالف حديث النهي، فرجَّح في ذلك أحاديث الإطلاق، ووقع في الصلاة بعد العصر ما سيأتي في "باب ما يصلى بعد العصر" من ثبوت الصلاة بعد العصر على شرط البخاري، فرجَّح الإمام في الجزء الأول - أي: الفجر - أحاديث النهي مطلقًا، ورجح في الجزء الثاني أحاديث التحرِّي.
وهكذا روى الإمام البخاري ﵀ عن ابن عباس قال: "أُمر النبي ﷺ أن يَسجد على سبعة أعظم، ولا يكفّ شعره ولا ثوبه" (٣) بسياق واحد في الفعلين، وغيَّر الإمام البخاري سياق الترجمتين، فترجم "باب لا يكفّ شعرًا" و"باب لا يكفّ ثوبه في الصلاة" تنبيهًا على الاختلاف في الثاني، هل هو مقيّد بالصلاة أو لا؟ كما بسط في الشروح، وهكذا ورد في الأحاديث أن النبي ﷺ قال: "من لم يجد النعلين فليلبس الخفين، ومن لم يجد إزارًا فليلبس السراويل" (٤)، هكذا ورد في روايات عديدة ذكر النبي ﷺ الأمرين على سياق واحد.
وغيّر الإمام البخاري سياق الترجمتين، فترجم أولًا "باب لبس الخفين
стр. 207
للمحرم إذا لم يجد النعلين"، وترجم ثانيًا "باب إذا لم يجد الإزار فليلبس السراويل"، وحملوا ذلك على تفنن الإمام ﵀، وليس كذلك، بل لما كان لبس الخفين لمن لم يجد النعلين اختيارًا، إن شاء لبس وإن شاء لم يلبس، ولا مانع في الاحتفاء، ترجم عليه الإمام البخاري ما يدل على الجواز، وكان لبس السراويل لمن لا يجد الإزار حتمًا واجبًا لوجوب ستر العورة، ترجم على ذلك بلفظ "فليلبس" الدال على الوجوب.
ونظائر هذا الأصل - الذي خاطري أبو عذره - كثيرة في "الصحيح"، تظهر من التدبر في تراجمه.
مثلًا: ترجم "باب فضل الصلاة في مسجد مكة والمدينة"، وذكر فيه حديث شدّ الرحال إلى ثلاثة مساجد، ولم يذكر في الترجمة الصلاة ببيت المقدس مع كونها في الحديث، ثم ترجم "باب مسجد بيت المقدس"، ولم يذكر في الترجمة لفظ الصلاة، وذكر فيه أيضًا حديث شدّ الرحال إلى ثلاثة مساجد.
ومثلًا: ترجم "باب الجمع في السفر بين المغرب والعشاء" مطلقًا، ولم يقيده بقيد، وترجم للجمع بين الظهر والعصر مفصلًا بترجمتين، فترجم "باب يؤخر الظهر إلى العصر إذا ارتحل قبل أن تزيغ الشمس"، ثم ترجم "باب إذا ارتحل بعد ما زاغت الشمس صلى الظهر ثم ركب".
والمسألة خلافية شهيرة ليس هذا محلها، وغرضي من ذلك التنبيه على تغير سياق التراجم على الأحكام الواردة في الأحاديث بنسق واحد، كما ترجم "باب أجر الخادم إذا تصدق بأمر صاحبه غيرَ مفسد"، ثم ترجم "باب أجر المرأة إذا تصدقت. . ." إلخ، فقيَّد الأولى بأمر صاحبه دون الثانية، مع اتحاد سياق الرواية من التراجم الكثيرة في "الصحيح" تظهر بأدنى تأمل.
ويقرب من ذلك الأصل، وإن لم يكن داخلًا فيه، تغيُّر التراجم في الخطب، إذ ترجم في الجمعة "باب استقبال الناس الإمام إذا خطب" وفي "العيد" " [باب] استقبال الإمام الناس في خطبة العيد"، وفي "الاستسقاء" "باب استقبال القبلة في الاستسقاء"، ووجوه تلك كلها واضحة.
стр. 208
٦٢ - الثاني والستون: تغيير الترتيب الوجودي:
ما ظهر أيضًا، أن الإمام البخاري طالما يغيّر الترتيب الوجودي لمصلحة شحذ الأذهان ليتدبر في ذلك الناظر، ولم أر من نَبَّهَ على ذلك الأصل من كلام المشايخ المذكورين في الفائدة الثانية.
مثاله: أنه ترجم "باب الأذان بعد الفجر" على الأذان قبل الفجر، قال الزين بن المنيِّر: قدَّم المصنف ترجمة الأذان بعد الفجر على ترجمة الأذان قبل الفجر، فخالف الترتيب الوجودي؛ لأن الأصل في الشرع أن لا يؤذن إلا بعد دخول الوقت، فقدم ترجمة الأصل على ما ندر عنه، وأشار ابن بطال إلى الاعتراض على الترجمة، بأنه لا خلاف بينه وبين الأئمة، وإنما الخلاف في جوازه قبل الفجر.
والذي يظهر لي أن مراد المصنف بالترجمتين أن يُبَيِّن أن المعنى الذي كان يؤذَّن لأجله قبل الفجر غير المعنى الذي كان يؤذَّن لأجله بعد الفجر، وأن الأذان قبل الفجر لا يكتفى به عن الأذان بعده، كذا في "الفتح" (١).
وهذا هو الوجه عندي: أن الأذان بعد الفجر لما كان أصل أذان الصلاة بخلاف الأذان قبل الفجر - فإنه لم يكن للصلاة، بل لمصالح أُخر، الواردة في الأحاديث - قدم الذي هو الأصل.
ومن ذلك الأصل: أنه قدم الرواتب البعدية على الرواتب القبلية سوى ركعتي الفجر، فإنه ﵀ ترجم أولًا "باب التطوع بعد المكتوبة"، ثم ترجم "باب الركعتين قبل الظهر"، ونَبَّهَ على ذلك الحافظ إذ قال (٢): "باب التطوع بعد المكتوبة"، ترجم أولًا بما بعد المكتوبة، ثم ترجم بعد ذلك بما قبل المكتوبة، انتهى. كذا قال، ولم يذكر الحافظ له وجهًا.
والأوجه عندي أن الإمام البخاري نَبَّهَ بذلك على الاختلاف في ترتيب
стр. 209
الأفضلية في الرواتب بعد اتفاقهم على أن راتبة الفجر آكدها، ولذا قدَّمها الإمام البخاري، ثم اختلفوا في الرواتب الباقية، كما بسط الاختلاف في ذلك في "الأوجز" (١).
وترجم "باب الصلاة بعد الجمعة وقبلها"، قدّم البعد على القبل، بخلاف "باب الصلاة قبل العيد وبعدها". قال الحافظ (٢): قال ابن المنيِّر في الحاشية، كأنه يقول: الأصل استواء الظهر والجمعة حتى يدل دليل على خلافه، قال: وكانت عنايته بحكم الصلاة بعدها أكثر، ولذلك قدَّمه في الترجمة على خلاف العادة في تقديم القبل على البعد، انتهى.
ووجه العناية المذكورة ورود الخبر في البَعد صريحًا دون القبل، انتهى.
ويقرب من ذلك أنه ﵀ قدّم نوم المرأة في المسجد على نوم الرجال، وكان مقتضى الظاهر عكسه، ولم يتعرض لذلك الشرَّاح، والأوجه عندي أنه ﵀ فعل ذلك قصدًا؛ لأن الجواز في المرأة كان أبعد لاحتمال الفتنة والطمث وغير ذلك.
ويقرب من ذلك أيضًا ما قال الحافظ إذ قال: قدّم الإمام البخاري الآية التي من سورة المائدة على الآية التي من سورة النساء لدقيقة، وهي أن الكلمة التي في المائدة ﴿فَاطَّهَّرُوا﴾ فيها إجمال، والكلمة التي في سورة النساء: ﴿حَتَّى تَغْتَسِلُوا﴾، فيها تصريح بالاغتسال وبيان للتطهير المذكور، إلى آخر ما قال الحافظ (٣).
وكذلك قدم "باب الإبراد بالظهر"، وهو صفة من صفات الأوقات على "باب وقت الظهر".
وعندي في ذلك دقيقة تأتي في هامش "اللامع" (٤) في محلها.
стр. 210
وهكذا أخّر "باب زكاة البقر" عن زكاة الإبل والغنم، فإنه ترجم أولًا للإبل ثم للغنم، ثم ترجم لزكاة البقر، وكان حقها التوسط.
قال الزين ابن المنيِّر (١): أخَّرها لأنها أقل وجودًا ونُصُبًا، ولم يذكر في الباب شيئًا مما يتعلق بنصابها لكون ذلك لم يقع على شرطه.
وترجم في "كتاب الصوم": "باب الحائض تترك الصوم والصلاة" على خلاف الحديث، فقد قدّم في الحديث الصلاة على الصوم، وغير ذلك من التراجم الكثيرة.
٦٣ - الثالث والستون: إدخال الباب الأجنبي في التراجم المناسبة:
أنه ﵀ طالما يدخل الباب الأجنبي بين الأبواب المتناسقة للتنبيه على لطيفة يرشد الناظر إلى التدبر في ذلك.
مثاله: أنه ﵀ أدخل "باب الجهاد من الإيمان" بين "باب قيام ليلة القدر من الإيمان"، و"باب تطوع قيام رمضان من الإيمان".
قال الحافظ (٢): أورد هذا الباب بين قيام ليلة القدر وبين قيام رمضان وصيامه، فأما مناسبة إيراده معها في الجملة فواضح لاشتراكها في كونها من خصال الإيمان، وأما إيراده بين هذين البابين مع أن تعلق أحدهما بالآخر ظاهر، فلنكتة لم أر من تعرَّض لها، بل قال الكرماني (٣): صنيعه هذا دالٌّ على أن النظر مقطوع عن غير هذه المناسبة، يعني اشتراكها في كونها من خصال الإيمان.
قال الحافظ: بل قيام ليلة القدر وإن كان ظاهر المناسبة لقيام رمضان، لكن للحديث الذي أورده في باب الجهاد مناسبة بالتماس ليلة
стр. 211
القدر حسنة جدًا؛ لأن التماس ليلة القدر يستدعي محافظةً زائدة ومجاهدةً تامة، ومع ذلك فقد يوافقها أو لا، وكذلك المجاهد يلتمس الشهادة ويقصد إعلاء كلمة الله، وقد يحصل له ذلك أو لا، فتناسبا في أن في كل منهما مجاهدة، وفي أن كلّا منهما قد يحصل المقصود الأصلي لصاحبه أو لا، فالقائم لالتماس ليلة القدر مأجور، فإن وافقها كان أعظم أجرًا، والمجاهد لالتماس الشهادة مأجور، فإن وافقها كان أعظم أجرًا، انتهى.
ويدخل في ذلك الأصل عندي "باب احتساب الآثار" بين "باب فضل التهجير إلى الظهر" و"باب فضل صلاة العشاء في الجماعة"، والأوجه عندي أنه ﵀ ذكر "باب الاحتساب" بعد "باب فضل التهجير" تنبيهًا على أنه لا ينبغي له تطويل الأقدام والسعي لشدة الحر، فإنه ينافي الوقار والسكون في المشي إلى الصلاة، بل ينبغي له أن يمشي بتقارب الأقدام على هيئة السكون والوقار المطلوبين، المأمور بهما في قوله ﷺ : "إذا سمعتم الإقامة فامشوا إلى الصلاة وعليكم السكينة والوقار، ولا تسرعوا" الحديث، أخرجه البخاري (١) في "باب ما أدركتم فصلُّوا"، وغير ذلك من الروايات العديدة المختلفة في كون الوقار والسكون مأمورين في المشي إلى الصلاة.
وقد ترجم أبو داود "باب الهدي في المشي إلى الصلاة"، وأخرج فيه عن كعب بن عجرة مرفوعًا النهي عن التشبيك لمن خرج عامدًا إلى الصلاة (٢)، وعن رجل من الأنصار قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إذا توضأ أحدكم فأحسن الوضوء، ثم خرج إلى الصلاة، لم يرفع قدمه اليمنى إلا كتب الله له حسنة، ولم يضع قدمه اليسرى إلا حَطّ الله عنه سيئة، فليقرب أحدكم أو ليبعد. . ." (٣) الحديث، فترجم الإمام البخاري بـ "باب الاحتساب" تنبيهًا على تقارب الخطا الموجب لكثرة الأجر.
стр. 212
ويدخل في هذا الأصل عندي "باب قوله تعالى: ﴿وَتَزَوَّدُوا﴾ " الآية [البقرة: ١٩٧]، بين أبواب مواقيت الحج تنبيهًا على أن التقوى مطلوب في سفر الحج كله، لكنه فيما بين المواقيت أشد اهتمامًا.
وهكذا عندي توسيط "باب صوم الدهر" بين أبواب الحقوق داخل في هذا الأصل.
وهكذا إدخال "باب رثاء النبي ﷺ " بين أبواب النهي عن شق الجيوب والحلق وغيرهما.
ويقرب من ذلك الأصل عندي فصل الأبواب العديدة بين بابي "الاستماع إلى الخطبة يوم الجمعة" و"الإنصات يوم الجمعة والإمام يخطب"، فإن الجدير باتباع الآية وهي قوله تعالى: ﴿فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا﴾ [الأعراف: ٢٠٤] كان أن يذكر البابان متصلًا، لكن الإمام البخاري ﵀ لعله أشار بالتفريق بينهما إلى أنهما حُكمان مستقلان، الأول للقريب، والثاني للبعيد عن الإمام، لذا بَعَّدَ الباب الثاني عن الأول.
ويستأنس ذلك من كلام شيخ المشايخ في "تراجمه"، إذ قال: "باب الإنصات. . ." إلخ، عقد المؤلف الباب السابق لاستماع الخطبة، وهذا الباب للإنصات وقت الخطبة، إذ لا تلازم بينهما؛ لأن من يكون بعيدًا عن الإمام لا يجب الاستماع عليه، وإنما يجب الإنصات، انتهى.
وتراجم أبواب الوضوء جلّها داخلة عندي في هذا الأصل، وما أورد الشراح جلّهم على الإمام البخاري من عدم المناسبة بين أبواب الوضوء ليس بصحيح عندي، بل كلها متناسبة فيما بينها، إلا أنه ﵀ على دأبه في النظر إلى الدقائق يُنبِّه بذلك إلى نكات لطيفة جديرة بشأن تفنُّن البخاري.
مثلًا: أوردوا على "باب غسل الوجه باليدين"، بأنه في غير محلِّه، وليس كذلك، بل الغرض منه التنبيه على تكميل الباب السابق بأن الإسباغ قد يتم بمعاونة اليدين، ولا يحتاج إلى كثرة الماء، فلذا قيده بغرفة واحدة.
стр. 213
وهكذا أوردوا على "باب التسمية" بأن حقه كان التقديم على الباب السابق، وليس كذلك عندي، بل هو في محله، وإنما أراد البخاري منه التسمية عند الدخول في الخلاء، ولذا قدمه على "باب ما يقول عند الخلاء"، والوضوء عندي لم يشرع بعد.
وهكذا أوردوا على "باب غسل الأعقاب"، فإنه في غير محلِّه جدًا، وليس كذلك عندي، بل ذكره بعد المضمضة، إشارة إلى ندب الغرغرة في المضمضة.
وليس باب منها إلا وله مناسبة لطيفة بالمحل الذي ذكره فيه البخاري، إلا أنه إذا ذكر مسألة في محلٍّ لمناسبة لا يعيدها مرة أخرى في محله تحرزًا عن التكرار، فللَّه ما أدقّ نظره!
وسيأتي شيء من ذلك في أول أبواب الوضوء في هامش "اللامع" (١)، ولا يلتبس عليك هذا الأصل بالسابع والستين.
٦٤ - الرابع والستون: تبديل لفظ الحديث في الترجمة لبديعة:
ما ظهر لهذا الفقير أيضًا أن الإمام البخاري قد يُغَيِّر لفظ الحديث في الترجمة لبديعة يرشد إليها الناظر شحذًا لذهنه في أنواع الاستخراج من الحديث.
مثلًا: ورد في الحديث ولفظه للبخاري: "من غدا إلى المسجد وراح أعدّ الله له نُزُله من الجنة كلما غدا أو راح" (٢)، وترجم عليه في نسخة "الفتح" (٣) وغيره: "باب فضل من غدا إلى المسجد ومن راح"، قالوا: هذه الترجمة أقرب وأوضح لموافقة سياق الحديث.
لكن النسخ التي بأيدينا فيها: "باب فضل من خرج إلى المسجد
стр. 214
ومن راح"، وهذا السياق أوجه عندي وأجدر بشأن البخاري، وغيّر لفظ "غدا" الوارد في الحديث بلفظ "خرج" في الترجمة لبديعةٍ، وهي: أن المعروف في اللغة: الغدوة: المضي من بكرة النهار، والرواح: من الزوال.
وعلى هذا فمقتضى الحديث: فضل من أكثر الخروج إلى المسجد، لكن الغدو قد يطلق على الخروج مطلقًا، كما هو معروف، والرَّواح قد يطلق على الرجوع.
قال الحافظ (١): "باب فضل من غدا إلى المسجد ومن راح" هكذا للأكثر موافقًا للفظ الحديث في الغدو والرواح، ولأبي ذر بلفظ "خرج" بدل "غدا". وعلى هذا، فالمراد بالغدو: الذهاب، وبالرواح: الرجوع، انتهى.
قلت: وهذا الذي أراد البخاري عندي، وأشار بذلك إلى الفضل في الخروج إلى المسجد والرجوع منه، وكأنه أومأ بذلك إلى ما أخرجه مسلم وأبو داود (٢) واللفظ له عن أُبَيِّ بن كعب ﵁ قال: "كان رجل لا أعلم أحدًا من الناس ممن يصلي القبلة من أهل المدينة أبعد منزلًا من المسجد من ذلك الرجل، وكان لا تخطئه صلاة في المسجد، فقلت: لو اشتريت حمارًا تركبه في الرمضاء والظلمة، فقال: ما أحب أن منزلي إلى جنب المسجد، فنمي الحديث إلى رسول الله ﷺ ، فسأله عن ذلك، فقال: أردت يا رسول الله أن يكتب لي إقبالي إلى المسجد، ورجوعي إلى أهلي إذا رجعت، فقال: أعطاك الله ذلك كله، أنطاك الله ما احتسبت كله أجمع".
وعزاه السيوطي في "الدر" (٣) إلى ابن أبي شيبة، وأحمد، وعبد بن حميد، ومسلم، وأبي داود، وابن ماجه، وابن مردويه، ولفظه: فقال: يا رسول الله! كيما يكتب أثري وخطاي ورجوعي إلى أهلي وإقبالي وإدباري: فقال رسول الله ﷺ : "أعطاك الله ذلك كله، وأعطاك ما احتسبت أجمع".
стр. 215
فهذا الحديث لما لم يكن على شرط البخاري أشار إليه بالتغير في سياق الترجمة، ولا التباس بين هذا الأصل وبين الأصل الثالث والأربعين.
٦٥ - الخامس والستون: لا يترجم على بعض أجزاء الحديث لعدم أخذه به:
ما هو الظاهر من النظر إلى تراجم البخاري، والروايات الواردة في هذه التراجم، أن البخاري كثيرًا ما يورد الروايات المتضمِّنة لأحكام عديدة، لكنه لا يأخذ بجملتها، فيترجم على بعضها دون بعض:
مثلًا: أخرج رواية صدقة الفطر وذكر فيها صاعًا من طعام، وصاعًا من شعير، وصاعًا من تمر، وصاعًا من أقط، وغير ذلك، وترجم لتلك الأنواع مستقلًا، ولم يترجم للأقط.
قال الحافظ (١): كأن البخاري أراد بتفريق هذه التراجم الإشارة إلى ترجيح التخيير في هذه الأنواع إلا أنه لم يذكر الأقط، وهو ثابت في حديث أبي سعيد، وكأنه لا يراه مجزئًا في حال وجدان غيره، كقول أحمد، وحملوا الحديث على أن من كان يخرجه كان قوته إذ ذاك أو لم يقدر على غيره، انتهى.
وقال العيني (٢): ولما كان حديث أبي سعيد الخدري مشتملًا على خمسة أصناف، وضع لكل صنف ترجمةً غير الأقط تنبيهًا على جواز التخيير بين هذه الأشياء في دفع الصدقة، ولم يذكر الأقط، كأنه لا يراه مجزئًا عند وجود غيره، كما هو مذهب أحمد، انتهى.
وأنت خبير بأن الوارد في الحديث ذكر الأقط على منوال الأصناف الأخر.
وترجم البخاري للجمع بين المغرب والعشاء مطلقًا، وفصل الترجمتين
стр. 216
في الجمع بين الظهرين، ولم يترجم لهما، كالجمع بين العشائين، وأغفل عن ذلك الحافظ على دأبه لكونه خلاف مسلكه.
وكذلك لم يترجم بـ "باب الصلاة على النبي ﷺ " في أواخر التشهد مع إخراجه روايات الصلاة في "كتاب الدعوات" كثيرًا.
ولم يترجم لتعدد الركوع في "أبواب الكسوف" مع تخريجه رواية التعدد، بل الرواية التي ذكرها في "باب الصلاة في كسوف الشمس" من مستدلات الحنفية في عدم التعدد، وتخلَّص الحافظ عن ذلك لكونه خلاف مسلكه، بقوله: ابتدأ البخاري أبواب الكسوف بالأحاديث المطلقة في الصلاة بغير تقييد بصفة، إشارةً منه إلى أن ذلك يعطي أصل الامتثال، وإن كان إيقاعها على الصفة المخصوصة عنده أفضل (١)، انتهى.
وأنت ترى أي مانع كان للإمام الهمام عن التنبيه على اختيار الأفضل منه، وهكذا لم يذكر قنوت الفجر في أبواب صلاة الفجر، بل ذكر القنوت في الوتر، وهل هذا إلا إيماء منه أنه يرى القنوت في الوتر دون الفجر.
٦٦ - السادس والستون: بعض التراجم تفصيل لما أجمل أوَّلًا:
ما ظهر لي أيضًا أن بعض تراجمه قد يكون تفصيلًا لما أجمل أولًا، فحينئذ لا يحتاج إلى توجيه تلك التراجم المفصَّلة، وإثبات غرض خاص بها.
مثلًا: ترجم أولًا "باب وجوب القراءة للإمام والمأموم في الصلوات كلّها في الحضر والسفر، وما يجهر فيها وما يخافت"، ثم ذكر الأبواب الكثيرة تفصيلًا لذلك الباب، فلا يحتاج إلى إثبات غرض لكل باب، ولا يرد ما أوردوا على الإمام في بعض الأبواب أنه لا فائدة في ذكر هذا الباب.
стр. 217
مثلًا: ترجم بعد ذلك "باب الجهر في المغرب" و"باب الجهر في العشاء"، وقال الحافظ في "باب الجهر في المغرب" (١): اعترض الزين ابن المنيِّر على هذه الترجمة والتي بعدها بأن الجهر فيهما لا خلاف فيه، وهو عجيب؛ لأن الكتاب موضوع لبيان الأحكام من حيث هي، وليس هو مقصورًا على الخلافيات، انتهى.
وأنت خبير بأنهم إذا أجمعوا على دقائق تراجم البخاري، وعلى أن فقه الإمام في تراجمه، وأن تراجمه لا تكون مثل تراجم الكتب الأخر لمجرد إثبات الأحكام، فلا عجب في إيراد الزين ابن المنيِّر، وقد أقرّ بذلك الحافظ بمواضع من "شرحه"، وحكى العيني (٢) في "باب لا يقبل الله صدقة من غلول" عن ابن المنيِّر عادة البخاري الاستدلال بالخفي وترك الجلي.
وتقدم في الفائدة الثالثة من الفصل الثاني عن الحافظ (٣): أن الإمام البخاري رأى أنه لا يخليه من الفوائد الفقهية والنكت الحِكمية، فاستخرج بفهمه من المتون معاني كثيرة، إلى آخر ما تقدم، وحكى فيه عن الشيخ محيي الدين: ليس مقصود البخاري الاقتصار على الأحاديث فقط، بل مراده الاستنباط منها والاستدلال لأبواب أرادها، وغير ذلك من أقاويل العلماء: إن غرض البخاري من تأليفه ليس مجرد ذكر الروايات، بل غرضه دقائق الاستنباط، فالتفصِّي عندي عن إيراد الزين ابن المنيِّر أن هاتين الترجمتين ليستا بمستقلتين، بل هما تفصِّلان لما أجمل أولًا.
وهكذا ترجم أولًا "باب فرض مواقيت الحج والعمرة"، وهو جدير لشأن البخاري لعدة أبحاث في ذلك، ثم فصَّل ذلك بأبواب المواقيت للبلاد، فلا يحتاج حينئذ إلى إثبات وجه جديد لميقات أهل المدينة، أو أهل نجد، أو غير ذلك.
стр. 218
وكذلك ترجم "باب قول الله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا﴾ [البقرة: ١٩٦] " الآية، ثم فصَّل ذلك في عدة أبواب.
ولا ينافي ذلك أن في بعض هذه التراجم المفصَّلة أيضًا إشارات وتنبيهات ذكرها اهتمامًا بشأنها، وإلا فالغرض كان تفصيلًا لما أجمل أولًا لئلا يرد على الإمام الهمام ما أوردوا في هذه التراجم من عدم الفائدة بذكرها.
٦٧ - السابع والستون: التراجم في غير محلها:
ما ظهر لهذا الفقير أيضًا: أن الإمام البخاري قد يذكر التراجم في غير محلِّها.
مثلًا: ذكر بابي السجود في أبواب الثياب، وذكر بابي الثياب في أبواب صفة السجود، وحملت الشراح ذلك على وهم الإمام أو غلط النساخ.
قال الحافظ في أبواب الثياب: قوله: "باب إذا لم يتم السجود" (١)، كذا وقع عند أكثر الرواة هذه الترجمة وحديث حذيفة فيها، والترجمة الآتية، وحديث ابن بحينة (٢) فيها موصولًا ومعلقًا، ولم يقع عند المستملي شيء من ذلك، وهو الصواب؛ لأن جميع ذلك سيأتي في مكانه اللائق به، وهو "أبواب صفة الصلاة"، ولولا أنه ليس من عادة المصنف إعادة الترجمة وحديثها معًا لكان يمكن أن يقال: مناسبة الترجمة الأولى لـ "أبواب ستر العورة" الإشارة إلى أن من ترك شرطًا لا تصح صلاته كمن ترك ركنًا، ومناسبة الترجمة الثانية: الإشارة إلى أن المجافاة في السجود لا تستلزم عدم ستر العورة فلا تكون مبطلة للصلاة، وفي الجملة إعادة هاتين الترجمتين ههنا وفي "أبواب السجود" الحمل فيه عندي على النساخ بدليل سلامة رواية
стр. 219
المستملي من ذلك وهو أحفظهم، انتهى. وإلى ذلك مالت الشرَّاح عامة.
وقال شيخ المشايخ في "تراجمه" (١): قوله: "باب إذا لم يتم السجود"، نقل عن الفربري أن بعض أوراق الكتاب كان غير ملتصق بالكتاب، فوقع الخطأ من بعض النُّسَّاخ في إلحاق تلك الأوراق، فألحقوها في غير الموضع الذي أراد المصنف إلحاقها فيه في نفسه، وهذا الباب في هذا المقام من هذا القبيل، وكذا الأبواب الآتية؛ لأنها في الحقيقة من أبواب صفة الصلاة فاحفظ، انتهى.
وأنت خبير بأن ما أورده الحافظ من تكرار الترجمة والحديث يتمشى في بابي السجود، لكن لا يتمشى في بابي الثياب، فإنه ترجم في "صفة السجود" بـ "باب عقد الثياب وشدها. . ." إلخ وبـ "باب لا يكف ثوبه في الصلاة"؛ فإن هذين البابين لم يتكرَّرا لا ترجمةً ولا حديثًا، فبقي الإيراد بذكرهما في صفة السجود.
وما أفاد شيخ المشايخ يشكل عليه أيضًا أنه لو كان الأمر كما حكي عن الفربري كانت الترجمتان في موضع واحد لا في موضعين، وأيضًا يشكل عليه وعلى ما قاله الحافظ أيضًا تغيير الترتيب في الترجمتين، فإنه قدَّم في أبواب الثياب "باب إذا لم يتم السجود"، وأخَّرَ "باب يبدي ضبعيه" بخلاف ما في صفة السجود، فإنه قدم فيها الثاني وأَخَّر الأول.
فالظاهر عندي: أن ذلك كله من بدائع دقائق البخاري، فَعَلَ كل ذلك عمدًا للطائف ليس هذا محلها، وسيأتي شيء منها في هامش "اللامع" (٢).
وهكذا ذكر الإمام البخاري في أواخر "صفة الصلاة" "باب ما جاء في الثوم النِّيء والبصل والكراث. . ." إلخ، وأورد عليه أن محله كان في "أبواب المساجد".
стр. 220
وهكذا ترجم بعد ذلك "باب وضوء الصبيان. . ." إلخ، وأوردوا عليه أيضًا أن محله كان "كتاب الطهارة" لا "أبواب صفة الصلاة".
والأوجه عندي: أن الإمام البخاري لم يذكر الباب الأول في أبواب المساجد إشارةً إلى أن المنع منه لا يختص بالمساجد، وترجم بالثاني ههنا إفرادًا لمسائل الصبيان لكونهم غير مكلفين، فذكر أحكامهم المتفرقة من الطهارة والصلاة وحضورهم العيد والجنائز في باب واحد، فهو بمنزلة باب مسائل شتى أفرد أحكامهم المتعلقة بالصلاة في باب واحد، وجعله تتمةً للصلاة؛ لأن الأبواب الآتية تتعلق بصلوات خاصة من الجمعة والعيدين وغيرهما، وسيأتي شيء من ذلك في هامش "اللامع"، وأجاد في ترتيب هذه الأبواب من ذكر أحكام الرجال، ثم الصبيان، ثم النساء على ترتيب صفوفهم في الصلاة.
وعلى هذا الأصل حمل شيخ المشايخ في "تراجمه" (١) "باب القنوت قبل الركوع وبعده" إذ قال: هذا الباب في الأصل من متعلقات أبواب صلاة الفجر؛ لأن الأحاديث الواردة إنما تدل على القنوت فيها، وإيراده ههنا باعتبار أن بعض العلماء قال بالقنوت في الوتر، انتهى، كذا أفاد قُدِّس سرُّه، وقد عرفت فيما سبق أن هذا الباب عندي داخل في الأصل الخامس والستين.
نعم! يقرب من هذا الأصل "باب الأمر باتباع الجنائز"، فإنه ذكره في مبدأ "كتاب الجنائز"، والميت لم يغسل بعد ولم يُكَفَّن، فكيف الأمر باتباعه، وسيأتي في محله "باب فضل اتباع الجنائز".
فالأوجه عندي: أن المراد بالاتباع في مبدأ الكتاب ليس المشي خلف الجنازة، لئلا يرد ما تقدم من ذكره في غير محله، بل المراد فيه الاهتمام بتجهيزه، والمبادرة في غسله وتكفينه، كما يقال: الجيش يتبع السلطان،
стр. 221
أي: يتوخى موافقته، وإن تقدم كثير منهم في المشي والركوب، كما حمل عليه الحديث القسطلاني (١) مجيبًا للحنفية، إذ استدلوا بالحديث على أن المشي خلفها أفضل.
وعلى هذا، فلا يرد على الإمام البخاري أيضًا أنه ذكر الأمر باتباعها في أولها، والفضل في اتباعها بعد أبواب كثيرة؛ لأن المراد بالاتباع في الثاني المشي خلفها، فذكره في محله، والمراد بالاتباع في أول الكتاب غير المشي، وهذا وإن كان مخالفًا لما اختاره الحنفية إلا أن البخاري ليس بمقلد لهم.
وهذا الأصل غير الأصل الثاني والأربعين والثالث والستين، فبين الثلاثة فرق واضح لا يلتبس عليك أحدها بالآخر.
٦٨ - الثامن والستون: عدم الجزم للاحتمال:
أن الإمام البخاري - رحمه الله تعالى -، قد لا يجزم في الترجمة بالحكم؛ شحذًا للأذهان؛ لمجرد الاحتمال الناشئ من غير دليل، فكأنه يُنَبِّهُ الناظر على أن يجيل نظره، ويسبق فكره في الاحتمالات الناشئة من النصوص.
مثلًا: ترجم "باب إذا اشتدّ الحر يوم الجمعة"، ولم يذكر فيه حكمًا، وأورد فيه حديث أنس يقول: "كان النبي ﷺ إذا اشتدّ البرد بكَّر بالصلاة، وإذا اشتدّ الحر أبرد بالصلاة، يعني الجمعة" (٢)، وقد أخرج قبل ذلك عن أنس ﵁ قال: "كنا نُبَكِّر بالجمعة، ونقيل بعد الجمعة" (٣)، قال الحافظ (٤): لم يجزم المصنف بحكم الترجمة للاحتمال الواقع في قوله: "يعني الجمعة" لاحتمال أن يكون من كلام التابعي، أو من دونه، وهو ظن
стр. 222
ممن قاله، والتصريح عن أنس في الرواية الماضية أنه كان يبكر بها مطلقًا، إلى آخر ما بسطه الحافظ.
وقال أيضًا في "باب الصلاة قبل العيد وبعدها" (١): أورد فيه أثر ابن عباس: أنه كره الصلاة قبل العيد، وحديثه المرفوع في ترك الصلاة قبلها وبعدها، ولم يجزم بحكم ذلك؛ لأن الأثر يحتمل أن يراد به منع التنفل أو نفي الراتبة، وعلى المنع فهل هو لكونه وقت كراهة أو لِأَعَمّ من ذلك؟ ويؤيد الأول الاقتصار على القبل، وأما الحديث فليس فيه ما يدل على المواظبة، فيحتمل اختصاصه بالإمام دون المأموم، أو بالمصلَّى دون البيت، وقد اختلف السلف في جميع ذلك، انتهى.
كذا أفاد، وكأنه حمل عدم الجزم بالحكم على الاحتمالات الواردة في الأثر والحديث، كما صرح بذلك، لكن الأوجه عندي أن هذا الباب من الأصل الخامس والثلاثين، فإن الحافظ أقرَّ بنفسه اختلاف السلف في جميع ذلك.
وقال الحافظ أيضًا في "باب إذا أسلمت المشركة أو النصرانية تحت الذمِّي أو الحربي" (٢)، ولم يجزم بالحكم، لإشكاله. بل أورد الترجمة مورد السؤال فقط، وقد جرت عادته أن دليل الحكم إذا كان محتملًا لا يجزم بالحكم، انتهى.
قلت: ولهذا الأصل أيضًا نظائر في "الصحيح"، وهذا غير الأصل الرابع، إذ عدم الجزم فيه كان لاختلاف الروايات، وغير الأصل الخامس والثلاثين أيضًا؛ لأن عدم الحكم فيه كان لاختلاف العلماء في ذلك، وكذا غير السابع والأربعين إذ فيه عدم الجزم للتوسع، فلا التباس بين الأصول الثلاثة.
стр. 223
٦٩ - التاسع والستون: ذكر الأضداد:
من عادة البخاري المطَّردة في كتابه ذكر الأضداد في الكتب كما ذكر في "كتاب الإيمان" أبواب الكفر والنفاق، قال الحافظ في "باب كفران العشير"، بعد نقل بديعة عن ابن العربي في تخصيصه من بين الذنوب: يؤخذ من كلامه مناسبة هذه الترجمة لأمور الإيمان، وذلك من جهة كون الكفر ضد الإيمان (١)، انتهى.
وذكر في "كتاب الاستسقاء": "باب دعاء النبي ﷺ : اجعلها سنين كسني يوسف"، قال العيني (٢): فإن قلت: ما وجه إدخال هذا الباب في أبواب الاستسقاء؟ قلت: للتنبيه على أنه كما شُرع الدعاء في الاستسقاء للمؤمنين، كذلك شُرع الدعاء بالقحط على الكاذبين؛ لأن فيه إضعافهم وهو أنفع للمسلمين، انتهى.
وكذا قال الحافظ (٣) وزاد: لما فيه من نفع الفريقين بإضعاف عَدَوِّ المؤمنين ورقّة قلوبهم ليذلّوا للمؤمنين، وقد ظهر من ثمرة ذلك التجاؤهم إلى النبي ﷺ أن يدعو لهم برفع القحط، كما في الحديث الثاني، ويمكن أن يقال: إن المراد أن مشروعية الدعاء على الكافرين في الصلاة تقتضي مشروعية الدعاء للمؤمنين فيها، فثبتت بذلك صلاة الاستسقاء خلافًا لمن أنكرها، انتهى.
قلت: ولا يحتاج إلى هذه التوجيهات عندي لما علم من دأبه ذكر الأضداد، فإنَّ بضدها تتبيَّنُ الأشياء، وقد أخرج البخاري (٤): في أول "الجنائز" عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ : "من مات يشرك بالله دخل النار"، وقلت أنا: من مات لا يشرك بالله شيئًا دخل الجنة، فهذا استدلال منه ﵁ بالضد، واستنباط بالحديث حكم خلافه.
٧٠ - السبعون: التراجم المستقلة على أجزاء الحديث الواحد:
من دأبه المطَّرد في "صحيحه" أنه إذا كان في حديث واحد أوامر
стр. 224
عديدة، أو النهي عن أمور عديدة، يترجم لكل من ذلك ترجمةً مستقلةً تنبيهًا على استقلال كل ذلك من المأمورات أو المنهيات.
مثلًا: وَرَدَ في الحديث: "ليس منا من ضرب الخدود، وشق الجيوب، ودعا بدعوى الجاهلية" (١)، فترجم الإمام لكل من تلك الأمور تراجم مستقلةً، وهكذا ورد في حديث أبي سعيد الخدري: "كنا نخرج زكاة الفطر صاعًا من طعام، أو صاعًا من شعير، أو صاعًا من تمر، أو صاعًا من أقط، أو صاعًا من زبيب" (٢)، فترجم الإمام لكل من تلك ترجمةً مستقلةً غير الأقط، ولم يذكر للأقط عندي للأصل الخامس والستين، وإلا فلا وجه لتركه من الجملة الواردة في الحديث، وهكذا ترجم في "كتاب البيوع" لجميع أجزاء حديث الربا، ونظائر ذلك في "كتاب اللباس" عديدة.
وهذا آخر ما اكتفيت به من الأصول المفصَّلة رعاية لعدد السبعين المرعية في كثير من الأحاديث، وإلا فدقائق استنباطه وأصول تراجمه كثيرة غير ما تقدم، كالفرق بين المترجم له والمترجم به، كما أشار إليه الحافظ (٣) في "باب يهوي بالتكبير حين يسجد"، وكاختيار أهون الأمرين، والأخذ بالاستصحاب، وإطلاق أحد اللفظين على الآخر لغةً، كإطلاق الحيض على النفاس، وغير ذلك، يظهر لمن سهر الليالي للخوض في بحر اللآلي، ومع ذلك كم من تراجم له لا يروي الغليل ما قيل فيها من الأقاويل، وإنْ أَكثَرَ العلماءُ فيها من التعاليل، كـ "باب من بدأ بالحلاب والطيب"، و"باب فضل صلاة الفجر والحديث"، و"باب ميمنة المسجد والإمام"، وغير ذلك من التراجم الصعبة، وإن اخترعت فيها أيضًا نكات اتباعًا للأسلاف، شكر الله سعيهم وجزاهم عني وعن سائر طلبة [صحيح] البخاري أحسن الجزاء.
стр. 225
الفائدة الرابعة في الوجوه العامة الشائعة على ألسنة المشايخ المسطورة في الشروح من غلط النسَّاخ، أو الوهم من الإمام البخاري، أو عدم تبييضه للكتاب، لما قد اخترمته المنية قبل التبييض، أو وصْل الرواة لما كان في الأصل من البياضات، وغير ذلك من الأمور التي اضطروا إليها عند العجز عن التوافق بين الترجمة والحديث
ولم يظهر لهذا العبد الضعيف الفقير إلى رحمة ربه العليا شيء من ذلك.
فما من ترجمة من التراجم في "البخاري" إلا وهو داخل في أصل ما من الأصول السبعين المذكورة في الفائدة الثالثة، إلا أنه لما كانت هذه الأمور معروفة عند الشراح والمشايخ أفردت ذكرها في فائدة مستقلة.
وقد تقدم في أول الفائدة الثانية ما حكى الحافظ في "المقدمة" (١) عن الشيخ محيي الدين، أنه لم يقع في بعض التراجم شيء من الحديث وغيره، وقد ادَّعى بعضُهم أنه صنع ذلك عمدًا، وغرضه أن يُبَيِّن أنه لم يثبت عنده حديث بشرطه في المعنى الذي ترجم عليه، ومن ثمة وقع من بعض من نسخ الكتاب ضم باب لم يذكر فيه حديث إلى حديث لم يذكر فيه باب، فأشكل فهمه على الناظر فيه.
وقد أوضح السبب في ذلك الإمام الباجي المالكي (٢)، إذ حكى عن المستملي أنه قال: انتسخت البخاري من أصله الذي كان عند الفربري، فرأيت فيه أشياء لم تتم وأشياء مبيَّضة، منها تراجم لم يُثبت بعدها شيئًا، ومنها أحاديث لم يترجم لها، فأضفنا بعض ذلك إلى بعض.
стр. 226
قال الباجي: ومما يدل على صحة هذا القول أن رواية المستملي والسرخسي والكشميهني وأبي زيد المروزي مختلفة بالتقديم والتأخير، مع أنهم انتسخوا من أصل واحد، وإنما ذلك بحسب ما قدر كل واحد منهم فيما كان في طرة أو رقعة مضافة أنه من موضع ما فأضافه إليه، ويبين ذلك أنك تجد ترجمتين أو أكثر من ذلك متصلةً ليس بينها أحاديث.
قال الباجي: وإنما أوردت هذا ههنا لما عني به أهل بلدنا من طلب معنى يجمع بين الترجمة والحديث، وتكلفهم من ذلك من تعسف التأويل ما لا يسوغ، قال الحافظ: وهذه قاعدة حسنة يفزع إليها حيث يتعسر وجه الجمع بين الترجمة والحديث، انتهى مختصرًا.
تقدم كلامه هذا في أول الفائدة الثانية من هذا الفصل، وذكرت في هامشه ما أورد القسطلاني عليه إذ قال (١): وهذا الذي قاله الباجي فيه نظر من حيث إن الكتاب قرئ على مؤلفه، ولا ريب أنه لم يُقرأ عليه إلا مرتبًا مبوبًا، فالعبرة بالرواية لا بالمسوَّدة التي ذكر صفتها، انتهى.
قلت: ويؤيد ذلك أيضًا ما قال القسطلاني في ترجيح نسخة (٢) اعتمد عليها في "شرحه" (٣): ولقد عوّل الناس عليه في روايات الجامع لمزيد اعتنائه وضبطه ومقابلته على الأصول المذكورة وكثرة ممارسته له، حتى إن الحافظ شمس الدين الذهبي حكى عنه أنه قابله في سنة واحدة إحدى عشرة مرة، إلى آخر ما بسط من الاهتمام في المقابلة والتصحيح.
ويؤيد الباجي ما قال شيخ المشايخ في "تراجمه" (٤) في "باب إذا لم يتم السجود": نقل عن الفربري أن بعض أوراق الكتاب كان غير
стр. 227
ملتصق بالكتاب، فوقع الخطأ من بعض النساخ في إلحاق تلك الأوراق، فألحقوها في غير الموضع الذي أراد المصنف إلحاقها فيه في نفسه، وهذا الباب في هذا المقام من هذا القبيل، انتهى.
وقال الحافظ في "باب طول القيام في صلاة الليل" (١)، وقد أخرج فيه البخاري حديث السواك: استشكل ابن بطال دخوله في هذا الباب فقال: لا مدخل له ههنا؛ لأن التسوك في صلاة الليل لا يدل على طول الصلاة، قال: ويمكن أن يكون ذلك من غلط الناسخ، فكتبه في غير موضعه، أو أن البخاري أعجلته المنية قبل تهذيب كتابه، فإن فيه مواضع مثل هذا تدل على ذلك، انتهى.
وقد تقدم في الفائدة السادسة من الفصل الثاني ما قالوا في التراجم الخالية عن الأحاديث أن البخاري أراد كتابة الحديث، ولم يتفق له لعوارض، أو لم يجد على شرطه فيه، انتهى.
وقال الحافظ (٢) في "باب يعكفون على أصنام لهم": وقد أخرج البخاري فيه حديث جابر ﵁: "كنا مع رسول الله ﷺ نجني الكباث. . ." الحديث، ولا تعلق له بالترجمة، فقال: والذي يهجس في خاطري أنه كان بين التفسير وبين الحديث بياض أُخلي لحديثٍ يدخل في الترجمة، ولترجمةٍ تصلح لحديث جابر، ثم وصل ذلك كما في نظائره، انتهى.
وقال الكرماني في "باب فضل العلم" (٣): واقتصر فيه البخاري على الآية، ولم يذكر فيه حديثًا، قال: فإن قلت: هذا هو ترجمة الباب فأين ما هذا ترجمته إذ لم يذكر فيه حديثًا أصلًا، فضلًا عما يدل على المترجم عليه؟ قلت: قال بعض الشاميين: بوّب البخاري الأبواب وذكر التراجم، وكان يلحق بالتدريج إليها الأحاديث المناسبة لها، فلم يتفق له أن يلحق إلى
стр. 228
هذا الباب ونحوه شيئًا منها، إما لأنه لم يثبت عنده حديث يناسبه بشرطه، وإما لأمر آخر، وقال بعض أهل العراق: ترجم ولم يذكر فيه شيئًا قصدًا منه ليعلم أنه لم يثبت في ذلك شيء عنده، انتهى.
وقال الحافظ في الباب المذكور: فإن قيل: لم لم يورد في هذا الباب شيئًا من الحديث؟ فالجواب: أنه إما أن يكون اكتفى بالآيتين الكريمتين، وإما بيَّض له ليلحق فيه ما يناسبه فلم يتدبر، وإما أورد فيه حديث ابن عمر الآتي بعد "باب رفع العلم" ويكون وضعه هناك من تصرُّف بعض الرواة، وفيه نظر.
ونقل الكرماني عن بعض أهل الشام، فذكر ما تقدم من قوله، ثم قال: والذي يظهر لي أن هذا محله، حيث لا يورد فيه آية ولا أثرًا، أما إذا أورد آية أو أثرًا فهو إشارة منه إلى ما ورد في تفسير تلك الآية، وأنه لم يثبت فيه شيء على شرطه، وما دلت عليه الآية كافٍ في الباب، وإلى أن الأثر الوارد في ذلك يقوى به طريق المرفوع، وإن لم يصل في القوة إلى شرطه، انتهى.
وذكر العيني (١) ما حكى الكرماني عن بعض الشاميين والعراقيين، ثم قال: وهذا كله كلام غير سديد لا طائل تحته، إلى آخر ما قاله.
وقال القسطلاني (٢): اكتفى المصنف بهاتين الآيتين؛ لأن القرآن العظيم أعظم الأدلة، أو لأنه لم يقع له حديث من هذا النوع على شرطه، أو اخترمته المنية قبل أن يلحق بالباب حديثًا يناسبه؛ لأنه كتب الأبواب والتراجم، ثم كان يلحق فيها ما يناسبها من الحديث على شرطه، فلم يقع له شيء من ذلك، انتهى.
وسيأتي قريبًا في "اللامع" (٣) ما اختاره الإمام الكَنكَوهي في الباب المذكور، وفي هامشه ما اختاره هذا العبد الفقير إلى مغفرة ربه، والغرض
стр. 229
من سرد هذه الأقاويل أجوبتهم العامة في أمثال هذه المواقع من أنه من تصرُّف الرواة، أو كان بياضًا فلم يتفق له، أو اخترمته المنية من قبل التبييض، أو تنبيهًا على أنه لم يجد فيه شيئًا على شرطه، وقد عرفت فيما سبق أنه ليس عندي شيء من ذلك، بل كل التصرُّفات فعلها البخاري عمدًا، وكل ذلك داخل في أصل ما من الأصول السبعين المتقدمة في الفائدة الماضية، انتهى ما في مقدمة "اللامع".
ثم اعلم أن شيخ الهند (١) ﵀ ذكر في آخر تراجمه إشاراتٍ إلى التراجم التي ليس لها حديث مسند، وجعلها ثلاثة أنواع، وهذا تعريبه:
"لقد ذُكرت في مواقع كثيرة مع الباب الترجمة فقط بدون ذكر الحديث المسند، فهذه سَنُعَبِّر عنها بالتراجم المجرَّدة، وقد ذكر الشرَّاح المحققون في هذه أيضًا عدة احتمالات، فحيثما تأتي التراجم المجردة يحومون حولها.
ولكن الذي يظهر بعد الخوض والفحص أن التفصيل فيها أحق بالقبول، فنقول:
إن التراجم المجردة نوعان:
أولهما: التراجم التي ذكرت في ذيلها آية أو حديث أو قول أحد، وإن لم يذكر فيها حديث مسند، فهذه نسمِّيها التراجم المجردة غير المحضة، ونظائرها كثيرة في الكتاب.
وثانيهما: التراجم التي لم يذكر في ذيلها شيء، يعني: كما أنه لم يذكر في ذيلها حديثًا مسندًا، فكذلك لم يأت بأي آية أو حديث أو أثر، فما هي إلا دعوى فقط دون أي شيء آخر، فهذه نرى أن نسمِّيها التراجم المجرّدة المحضة، وهذه نظائرها قليلة جدًا.
стр. 230
وتوجد في القسم الثاني - أي: التراجم المجردة المحضة - بعض الأبواب جعل فيها المؤلف ﵀ نفس الآيات ترجمة للباب.
فأصبحت الآن التراجم المجردة ثلاثة أنواع:
الأول: التراجم المجرَّدة غير المحضة.
والثاني: التراجم المجردة المحضة، التي جعلت فيها الآيات القرآنية ترجمة، وهذه نسمِّيها التراجم المحضة الصورية.
والثالث: التراجم المجردة المحضة، وهي التي جعل المؤلف ﵀ فيها قول نفسه - أي: دعواه - ترجمة، وهذه نسمِّيها التراجم المحضة الحقيقية.
وأقول بعد هذا التفصيل:
إن القسم الأول - أعني: التراجم المجردة غير المحضة - بما أنه يذيِّلها بآية، أو حديث، أو قول مسند صالح للاحتجاج به، فكل من هذه كافٍ جدًّا لإثبات المدَّعى، فظاهر أنه لا ينتظر من المؤلف شيء آخر لإثبات دعواه حتى يكون الإتيان بدليل آخر ضروريًا، فلا إشكال إذًا مطلقًا على اكتفاء المؤلف بالدلائل المذكورة.
وكذا القسم الثاني - يعني: التراجم المحضة الصورية -، وإن كان في الظاهر أنه لم يذكر بذيلها دليلًا ما، ولكن لما كانت الترجمة نفسها هي آية قرآنية وهي دليل فوق كل دليل، فلا يحتاج لإثبات نفسه إلى أي دليل آخر، فهي في ظاهر النظر ترجمة محضة، ولكنها في الحقيقة مصداق قولهم: "دعوى دليلها نفسها"، فهذا النوع من التراجم ينبغي أن تكون حالها بدون تكلف بل بالطريق الأولى مثل حال القسم الأول كما ذكرناه.
فمن ظَنّ أن دعوى المؤلف في هذين القسمين من غير دليل، فظنه فاسد.
بقي أنه لِم لم يذكر في هذين القسمين الحديث المسند كعادته المستمرة واكتفى بالآية ونحوها؟
стр. 231
فاعلم أن ذلك قد يكون لأنه لم يجد حديثًا على شرطه، وقد يكون موجودًا إلا أنه ذكره في موضع آخر، ولا يذكره حذرًا عن التكرار، وقد لا يذكر بقصد التمرين وتشحيذًا للأذهان.
والآن لم يبق إلا النوع الثالث، أي: التراجم المحضة الحقيقية التي لم يذكر بذيلها أيّ دليل، وهي بنفسها كذلك لا تعد حجة ولا دليلًا، فهي على الظاهر دعوى محضة لا دليل معها.
فنقول: إننا لم نجد مثل هذه التراجم بعد تقليب الأوراق مرة بعد أخرى، إلا في مواضع قليلة معدودة لا يبلغ عددها عشرة، ويمكن أن يُزاد على هذا العدد شيءٌ ما لاحتمال قصور نظرنا ولأجل أختلاف النسخ، ولكن على هذا يمكن أن ينقص أيضًا.
ثم أكثر هذه التراجم ذكر الحديث المطابق لها صراحة، إما في الباب السابق له أو اللاحق به سوى عدة أبواب، اثنان أو أكثر من ذلك، لم يظهر لنا الحديث المطابق لها في الأبواب القريبة منها، ولكنه موجود في الأبواب البعيدة منها.
والراجح عندنا بعد إدارة النظر على ذلك أن المؤلف عمدًا اقتنع في هذه المواضع بالتراجم المحضة، واكتفى بتلك الأحاديث الموجودة في الأبواب القريبة منها والبعيدة احترازًا عن التكرار، أو تشحيذًا للأذهان، أو لكليهما.
هذا ما عندنا من التفصيل، والله أعلم بالصواب وبمراد العباد". انتهى.
ويقول العبد الفقير زكريا:
إنه عندي أيضًا كذلك، فقد تفحَّصت فوجدت أن الأبواب التي ليس بذيل تراجمها حديث، فالأصل الكلي في أغلبها أن يكون الحديث المطابق له قريبًا قبله أو بعده، كما سيأتي ذلك في التراجم المفصَّلة في مواقعها، إن شاء الله تعالى.
стр. 232
والظاهر عندي أيضًا أن الإمام البخاري ترك الحديث ههنا تشحيذًا للأذهان، والله تعالى أعلم بالصواب.
وهذا جدول الأبواب التي ذكرها شيخ الهند ﵀ في تراجمه من الأنواع الأربعة:
وكتب شيخ الإسلام حضرة الحاج مولانا السيد حسين أحمد المدني المبيِّض والطابع لهذه التراجم، فقال ما تعريبه:
"إنه وجد في مسوَّدات شيخ الهند ﵀، فهرسًا متضمنًا للجداول الثلاثة الآتية، وكتب قبله: أنه لم يتيسر له إبراز ما كان عنده من الرأي بأجمعه مما يتعلق بتراجم "البخاري" وأغراضها.
ولكن وُجد في مسوَّداته فهرس قد أتى فيه أكثره على وجه الإجمال والرمز والإشارة.
وهذا الفهرس ينقسم إلى ثلاثة أقسام:
فالقسمان الأوَّلان - أي: التراجم المجردة والتراجم غير المجردة - أشير فيهما إلى مواضع التراجم برقم الصفحة والمجلد - بأن جعل رقم الصفحة فوق علامة الصفحة وهي صفـ، ورقم المجلد تحتها، مثلًا كتب بعد "باب فضل الصدقة" هكذا: صفـ ١٦١/ ١، ومعناه: أن هذا في المجلد - الأول من "البخاري" على صفـ ١٦١.
وهذا هو حال القسم الثاني من المسمَّى بالتراجم غير المجردة.
وأما القسم الثالث - أي: الأبواب بلا ترجمة - فتجد بإزاء بعض الأبواب رمز (نـ) وبإزاء بعضها (ـــتـ)، قد كتبها شيخ الهند قُدِّس سرُّه هكذا على وجه الرمز والإشارة ليبسطها ويفصلها إذا بلغ إليها وحان وقتها، فالباب الذي رمز بإزائه (نـ) (أي: نقطة واحدة)، فكان رأي شيخ الهند فيه أن المصنف ترك الترجمة لقصد التمرين وتشحيذًا للأذهان، والباب الذي رمز بإزائه (ـــتـ) (أي: علامة ـــتـ فوقها نقطتان)، فكان رأي الشيخ فيه أنه