وفي هامشه: وهو كذلك، فإن القائلين بجواز المزارعة حملوا روايات المنع على ذلك، ففي "الأوجز" (١) بعد ذكر روايات المنع: قال القاضي: ويشبه أن يقال في هذا: إن المعنى في ذلك قصد الرفق بالناس لكثرة وجود الأرض كما نهى عن بيع الماء، ووجه الشبه بينهما أنهما أصلًا الخلقة، انتهى.
وقال الحافظ (٢): المراد بالمواساة المشاركة في المال بغير مقابل، انتهى.
(١٩ - باب كراء الأرض بالذهب والفضة. . .) إلخ
كأنه أراد بهذه الترجمة الإشارة إلى أن النهي الوارد عن كراء الأرض محمول على ما إذا أكريت بشيء مجهول، وهو قول الجمهور، أو بشيء مما يخرج منها ولو كان معلومًا، وليس المراد النهي عن كرائها بالذهب أو الفضة، وبالغ ربيعة فقال: لا يجوز كراؤها إلا بالذهب أو الفضة، وخالف في ذلك طاوس وطائفة قليلة فقالوا: لا يجوز كراء الأرض مطلقًا، وذهب إليه ابن حزم واحتج له بالأحاديث المطلقة في ذلك، وحديث الباب دال على ما ذهب إليه الجمهور، وقد أطلق ابن المنذر أن الصحابة أجمعوا على جواز كراء الأرض بالذهب والفضة. ونقل ابن بطال (٣): اتفاق فقهاء الأمصار عليه، انتهى من "الفتح" (٤).
وقد تقدم الخلاف في المسألة في "باب المزارعة بالشطر ونحوه" ويمكن عندي أن يقال في غرض الترجمة: إن المصنف أشار إلى بيان أفضلية كراء الأرض، أي: المزارعة كما يشير إليه قول ابن عباس ﵄، وقد تقدم الخلاف في أفضل المكاسب في مبدأ "كتاب البجوع" من "باب كسب الرجل وعمله بيده".
стр. 1664
(٢٠ - باب)
بغير ترجمة، قال الحافظ (١): هو كالفصل من الباب الذي قبله، ولم يذكر ابن بطال (٢): لفظ "باب"، وكأن مناسبته له من قول الرجل: "فإنهم أصحاب زرع" قال ابن المنيِّر: وجهه أنه نبَّه به على أن أحاديث النهي عن كراء الأرض إنما هي على التنزيه لا على الإيجاب؛ لأن العادة فيما يحرص عليه ابن آدم أنه يحب استمرار الانتفاع به، وبقاء حرص هذا الرجل على الزرع حتى في الجنة دليل على أنه مات على ذلك، ولو كان يعتقد تحريم كراء الأرض لفطم نفسه عن الحرص عليها حتى لا يثبت هذا القدر في ذهنه هذا الثبوت، انتهى.
قلت: ولم يذكر شيخ الهند هذا الباب في جداوله، والأوجه عندي أن الإمام البخاري رحمه الله تعالى نبَّه بهذا على فضل الغرس لكونه في الجنة، ولا تعلق للحديث بكراء الأرض، قوله: "والله لا تجده إلا قرشيًا أو أنصاريًا" كتب الشيخ في "اللامع" (٣): وإنما قال ذلك لأنهم أهل الفلاحة بحسب علمه، ولم يعلم بأن هذه حرفة كثير ممن سوأهم أيضًا، انتهى.
(٢١ - باب ما جاء في الغرس)
ذكر فيه حديث سهل بن سعد "إن كنا لنفرح. . ." إلخ، وغرضه منه ههنا قوله: "كنا نغرسه في أربعائنا"، وذكر فيه حديث أبي هريرة وغرضه منه قوله: "وإن إخوتي من الأنصار كان يشغلهم. . ." إلخ، فإن المراد بالعمل الشغل في الأراضي للزراعة والغرس، انتهى من "الفتح" (٤).
стр. 1665
وكتب الشيخ في "اللامع" (١): قوله: "وما كنا نتغدى" فيه إشارة ما إلى وجه الالتذاذ وهو وجدانهم [إياه] على السغب والفاقة، انتهى.
قلت: أجاد الشيخ قُدِّس سرُّه في دفع ما يمكن أن يتوهم من ظاهر اللفظ حرص الصحابة ﵃ أعاذهم الله تعالى عن ذلك، فنبَّه الشيخ على أن الفرح كان لأجل الاحتياج، وكتب الشيخ أيضًا قوله: "وكان يشغلهم عمل أموالهم" فيه الترجمة حيث علم باشتغال الصحابة فيه فضله وبتقريره ﷺ عليه جوازه، انتهى.
وأما براعة الاختتام عند الحافظ ففي قوله: "وما نسيت من مقالته تلك إلى يومي هذا شيئًا".
وعندي في قوله: "والله الموعد"، وأيضًا في آية الكتمان، وأيضًا في قوله: "ليس على ثوب غيرها" فإنه كفن الضرورة، فتدبر.
تم الجزء الثالث بحمد الله ﵎،
ويتلوه الجزء الرابع إن شاء الله تعالى أوله "كتاب المساقاة"،
والحمد لله أولًا وآخرًا،
والصلاة والسلام على نبيِّه سرمدًا ودائمًا.
* * *
стр. 1666
٤٢ - كتاب المساقاة
هكذا في النسخ الهندية، وهكذا في نسخ الكرماني والعيني والقسطلاني، وليس هو في نسخة "الفتح"، وهو الأوجه عندي، وفي نسخة "الفتح" بعد التسمية: في الشرب، وقول الله : ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ﴾ الآية [الأنبياء: ٣٠]
قال الحافظ (١): كذا لأبي ذر، وزاد غيره في أوله "كتاب المساقاة" ولا وجه له فإن التراجم التي فيه غالبها تتعلق بإحياء الموات.
وبسط العيني (٢) في اختلاف النسخ ثم قال: أما المساقاة فهي: المعاملة بلغة أهل المدينة، ومفهومها اللغوي هو الشرعي، وهي معاقدة دفع الأشجار والكروم إلى من يقوم بإصلاحهما، على أن يكون له سهم معلوم من ثمرها، ولأهل المدينة لغات يختصون بها، كما قالوا للمساقاة: معاملة، وللمزارعة: مخابرة، وللإجارة: بيع، وللمضاربة: مقارضة، انتهى.
وذكر في "الأوجز" (٣) فيه عدة أبحاث:
الأول: في لغتها، وتقدم شيء من ذلك.
والثاني: في تعريفها عند الفقهاء.
والثالث: في حكمها، فجمهور العلماء من السلف والخلف على إباحتها، حتى حكى غير واحد من نقلة المذاهب الإجماع على ذلك، ولا شك أن الإجماع متعقب، كما بسط في "الأوجز".
وفي "المغني" (٤): قال أبو حنيفة وزفر: لا تجوز المساقاة، قال
стр. 1667
ابن رشد (١): وعمدة الجمهور - منهم الأئمة الثلاثة وصاحبا أبي حنيفة - في جوازها حديث ابن عمر في معاملة أهل خيبر.
وأما أبو حنيفة ومن قال بقوله، فعمدتهم مخالفة هذا الأثر للأصول مع أنه حكم مع اليهود، واليهود يحتمل أنهم أقرهم على أنهم عبيد، ويحتمل أن يكون أقرهم على أنهم أهل ذمة. . .، إلى آخر ما بسط في "الأوجز".
والرابع: ما في "الدسوقي" (٢): أن المساقاة مستثناة للضرورة من أمور خمسة ممنوعة.
والخامس: أن القائلين بجوازها اختلفوا في محل الجواز، فقال داود: لا تكون إلا في النخل فقط، وقال الشافعي: في النخل والكرم فقط، وقال مالك: تجوز في كل أصل ثابت كرُمّان والزيتون وما أشبه ذلك. . .، إلى آخر ما في هامش "اللامع" (٣).
(باب في الشرب)
بكسر المعجمة، والمراد به الحكم في قسمة الماء، قاله عياض (٤). وقال: ضبطه الأصيلي بالضم، والأول أولى، قال ابن المنيِّر: من ضبطه بالضم أراد المصدر، وقال غيره: المصدر مثلَّث، وقرئ: ﴿فَشَارِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِ﴾ [الواقعة: ٥٥] مثلثًا، والشرب في الأصل بالكسر النصب والحظ من الماء، انتهى [من "الفتح"] (٥).
قوله: (﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ﴾) [الأنبياء: ٣٠] كتب الشيخ في "اللامع" (٦): يعني بذلك - والله أعلم - أن كل شيء فهو من الماء لكونه أصل الأشياء بأسرها فإن خلق السماوات والعناصر الثلاثة إنما هو من الماء،
стр. 1668
وتخصيص الشيء بالحي في الآية على هذا التقدير مبني على أنهم المقصودون بالذكر ها هنا وإن لم يكن الحكم يختص بهم، انتهى. وذكر في هامشه الاختلاف في تفسير هذه الآية.
قوله: (فراتًا عذبًا) قال الحافظ (١): وهو منتزع من قوله تعالى: ﴿هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ﴾ [الفرقان: ٥٣] انتهى، وهي في سورة الفاطر [١٢]. وفي "الجلالين" (٢): ﴿عَذْبٌ فُرَاتٌ﴾: شديد العذوبة، وفي "الجمل" (٣): فرت ككرم: عذب، انتهى.
والأوجه عندي: أنه تلميح إلى قوله تعالى: ﴿وَأَسْقَيْنَاكُمْ مَاءً فُرَاتًا﴾ [المرسلات: ٢٧]؛ لأن الواقع ها هنا بالنصب، وما أشار إليه الحافظ هو بالرفع، قال العلَّامة العيني (٤): ومن عادة الإمام البخاري أنه إذا ترجم لباب في شيء يذكر فيه ما يناسبه من الألفاظ التي في القرآن ويفسرها تكثيرًا للفوائد، وتقدم في مقدمة "اللامع" في بيان خصائص الكتاب.
(١ - باب من رأى صدقة الماء وهبته. . .) إلخ
كذا في نسخة الحافظ، وليس في النسخ الهندية التي بأيدينا، قال الحافظ (٥): كذا لأبي ذر. وللنسفي: "ومن رأى. . ." إلى آخره، جعله من الباب الذي قبله، ولغيرهما "باب في الشرب ومن رأى". وأراد المصنف بالترجمة الرد على من قال: إن الماء لا يملك، انتهى.
كتب الشيخ في "اللامع" (٦) قوله: "فقال: يا غلام أتأذن لي. . ." إلخ، فيه دلالة على الترجمة، حيث صار المحرز بإحرازه الماء كيف ما كان هبة أو شراء أو تحصيلًا من البئر بنفسه مستندًا بالتصرف فيه وأولى من غيره، وكما جازت الهبة والصدقة فيه مشتركًا يجوز منقسمًا، انتهى.
стр. 1669
(٢ - باب من قال: إن صاحب الماء أحق بالماء)
قال ابن بطال (١): لا خلاف بين العلماء أن صاحب الماء أحق بمائه حتى يروى.
قلت: وما نفاه من الخلاف هو على القول بأن الماء يملك، وكأن الذين ذهبوا إلى أنه يملك - وهم الجمهور - هم الذين لا خلاف عندهم في ذلك.
والمراد بالفضل في حديث الباب: ما زاد على الحاجة، ولأحمد عن أبي هريرة: "لا يمنع فضل ماء بعد أن يستغنى عنه" ثم ذكر الحافظ (٢) الاختلاف في مصداق الماء الذي لا يجوز منعه، وبسط الكلام عليه في "الأوجز" (٣).
(٣ - باب من حفر بئرًا في ملكه. . .) إلخ
كتب الشيخ في "اللامع" (٤): إنما أورده ههنا لما أنه لما لم يضمن الساقط في البئر لكونها في ملكه يكون له فضل اختصاص بالماء أيضًا لكونه قد حصل بسعيه وفي ملكه فلا يفضل عليه غيره إذا لم يفضل الماء عن حاجته، وله المنع عن أن يدخل أحد في ملكه، نعم يجب له بذل الماعون إذا اضطر إليه أحد، انتهى.
وفي هامشه: أجاد الشيخ قُدِّس سرُّه في توجيه ذكر هذا الباب في هذا الكتاب، وإلا فالظاهر أن محل هذا الباب كتاب الديات، وسيأتي فيه "باب المعدن جبار والبئر جبار". . . إلى آخر ما بسط فيه.
وقال ابن المنيِّر (٥): الحديث مطلق والترجمة مقيدة بالملك وهي
стр. 1670
إحدى صور المطلق، وأقعدها سقوط الضمان لأنه إذا لم يضمن إذا حفر في غير ملكه فالذي يحفر في ملكه أحرى بعدم الضمان، انتهى.
وإلى التفرقة بين الحفر في ملكه وغيره ذهب الجمهور، وخالف الكوفيون، انتهى من "الفتح" (١)، وسيأتي التفصيل في الديات إن شاء الله.
(٤ - باب الخصومة في البئر والقضاء فيها)
قال الحافظ (٢): أورد الحديث مختصرًا، وسيأتي بتمامه في "التفسير" وفي "الأيمان والنذور" وغير موضع، انتهى.
وقال العلَّامة العيني (٣): مطابقة الحديث بالترجمة من حيث إنه ﷺ حكم في البئر المذكورة بطلب البينة من المدعي وبيمين المدعى عليه عند عجز المدعي عن إقامة البينة، انتهى.
(٥ - باب إثم من منع ابن السبيل من الماء)
أي: الفاضل عن حاجته، ويدل عليه قوله في حديث الباب: "رجل كان له فضل ماء بالطريق فمنعه من ابن السبيل"، قال ابن بطال (٤): فيه دلالة على أن صاحب البئر أولى من ابن السبيل عند الحاجة، فإذا أخذ حاجته لم يجز له منع ابن السبيل، انتهى.
وقد ترجم المصنف بذلك بعد أربعة أبواب "من رأى أن صاحب الحوض أحق بمائه"، انتهى من "الفتح" (٥).
(٦ - باب سَكْر الأنهار)
السَكْر بفتح المهملة وسكون الكاف: السد والغلق، قاله في "الفتح" (٦).
стр. 1671
كتب الشيخ في "اللامع" (١): أراد بذلك إثبات جواز السد لما أن ظاهره الكراهة لما فيه من اشتراك العامة، ولكونه من محض فضله تعالى على عباده، فلا ينبغي حبسه على أحد دون أحد، ولا يذهب عليك أن الكلام ها هنا وفي بابين بعده إنما هو في الأنهار التي ليست مملوكة لأحد ولا هي جارية بحفرهم بل هي من الله تعالى، انتهى.
وبسط في هامشه الكلام في تفصيل أنواع المياه وحكمها، وفيه أيضًا: اختلفوا في اسم هذا الرجل اختلافًا كثيرًا، بسطه الحافظان ابن حجر والعيني (٢)، ولخصه القسطلاني (٣)، إذ قال: قوله: "رجل من الأنصار" زاد البخاري في "الصلح": "قد شهد بدرًا" واسمه قيل: حميد، فيما أخرجه أبو موسى المديني في "الذيل": قال: وهذا مردود لما في بعض طرقه أنه شهد بدرًا، وليس في البدريين أحد اسمه حميد، وقيل: هو ثابت بن قيس بن شماس حكاه ابن بشكوال في "المبهمات" له، واستبعد، وقيل: هو حاطب بن أبي بلتعة، وقيل: ثعلبة بن حاطب، قاله ابن باطيش، إلى آخر ما بسط فيه.
(٧ - باب شرب الأعلى قبل الأسفل)
كأنه يشير إلى ما وقع في مرسل سعيد بن المسيب في هذه القصة "فقضى رسول الله ﷺ أن يسقي الأعلى ثم الأسفل"، قال العلماء: الشرب من نهر أو مسيل غير مملوك يقدم الأعلى فالأعلى، ولا حق للأسفل حتى يستغني الأعلى، وحدّه أن يغطي الماء الأرض حتى لا تشربه ويرجع إلى الجدار ثم يطلقه، انتهى من "الفتح" (٤).
стр. 1672
وقال القسطلاني (١): وتأتي صفة إرسال الماء من الأعلى إلى الأسفل في الباب اللاحق إن شاء الله تعالى، انتهى.
قال الخطابي (٢) وغيره: وإنما حكم ﷺ على الأنصاري في حال غضبه - مع نهيه أن يحكم الحاكم وهو غضبان - لأن النهي معلل بما يخاف على الحاكم من الخطإ والغلط، والنبي ﷺ مأمون لعصمته من ذلك حال السخط، انتهى من "الفتح" (٣).
(٨ - باب شرب الأعلى إلى الكعبين)
قال الحافظ (٤): يشير إلى ما حكاه الزهري من تقدير ذلك كما سيأتي في آخر الباب، انتهى.
قال القسطلاني (٥) تحت حديث الباب: وكان أولًا أمره أن يسامح ببعض حقه، فلما لم يرض الأنصاري استقصى الحكم وحكم به، وأما قول ابن الصباغ وغيره: إنه لما لم يقبل الخصم ما حكم به أوّلًا، ووقع منه ما وقع، أمَره أن يستوفي أكثر من حقه عقوبة للأنصاري لما كانت العقوبة بالأموال، ففيه نظر؛ لأن سياق الحديث يأبى ذلك لا سيما قوله: "واستوعى للزبير حقه" في صريح الحكم كما في رواية شعيب في "الصلح"، ومعمر في "التفسير"، فمجموع الطرق قد دلَّ على أنه أمر الزبير أوّلًا أن يترك بعض حقه، وثانيًا أن يستوفيه، وقول الكرماني تبعًا للخطابي: ولعل قوله: "واستوعى له حقه" من كلام الزهري، إذ عادته الإدراج فيه بشيء؛ لأن الأصل في الحديث أن يكون حكمه كله واحدًا، حتى يرد ما يبين ذلك، ولا يثبت الإدراج بالاحتمال، انتهى.
وفي "الفيض" (٦): قوله: "حتى يرجع الماء إلى الجدر" ترجمته
стр. 1673
"دول"، وقدّرها الفقهاء بالكعبين، ثم إنهم لا يذكرون تفصيل الأعلى أو الأسفل في كتبنا، فتتبعته حتى وجدت مسألة عن محمد في "غاية البيان" للإتقاني وهو أقدم من ابن الهمام، يمكن حمل الحديث عليها، نقل عن محمد أن ذلك يبنى على العرف، فإن جرى العرف بسقي الأعلى، كما في الحديث فكذلك، وإن جرى على التقسيم، فعلى ما جرى به العرف، انتهى.
(٩ - باب فضل سقي الماء)
أي: لكل من احتاج إلى ذلك.
وقوله: (بينا رجل) لم أقف على اسمه.
قوله: (يمشي) وللدارقطني في "الموطآت" من طريق روح عن مالك: "يمشي بفلاة"، وله من طريق ابن وهب عن مالك: "يمشي بطريق مكة"، انتهى من "الفتح" (١).
(١٠ - باب من رأى أن صاحب الحوض أو القربة أحق بمائه)
في "الفيض" (٢): أي: إذا أحرز الماء في الإناء فليس لأحد أن يأخذ منه إلا بإجازته، انتهى.
ذكر فيه أربعة أحاديث: أحدها حديث سهل بن سعد، ومناسبته للترجمة ظاهرة إلحاقًا للحوض والقربة بالقدح، فكان صاحب القدح أحق بالتصرف فيه شربًا وسقيًا، وقد خفي هذا على المهلب فقال: ليس في الحديث إلا أن الأيمن أحق من غيره بالقدح، وأجاب ابن المنيِّر: بأن مراد البخاري أنه إذا استحق الأيمن ما في القدح بمجرد جلوسه واختص به
стр. 1674
فكيف لا يختص به صاحب اليد والمتسبب في تحصيله؟! ثم ذكر الحافظ مناسبة بقية الأحاديث الواردة في الباب بالترجمة، انتهى من هامش "اللامع" (١).
(١١ - باب لا حمى إلا لله ولرسوله ﷺ -)
وفي "الفيض" (٢): ولا ذكر للحمى في فقه الحنفية، انتهى.
كتب الشيخ في "اللامع" (٣): يعني بذلك أن الكلأ حق العامة فلا يجوز حبسه إلا للعامة، فكان الحمى جائزًا لبيت المال لا لغيره، وما ورد من الحمى لغير بيت المال في بعض الروايات فالمراد به الشجر الواقع في تلك الأرض، أو الأرض نفسها ليتصرف فيها، وفي أشجارها، وأما الكلأ فلا، فإذا حمى الإمام أو نائبه لبيت المال كان للفقير رعي دوابه فيه، لكونه ممن يستحق بيت المال، وأما الغني فلا، إلا إذا اضطر، انتهى.
وفي هامشه: قال الحافظ: قال الشافعي: يحتمل معنى الحديث شيئين: أحدهما: ليس لأحد أن يحمي للمسلمين إلا ما حماه النبي ﷺ ، والآخر: معناه إلا على مثل ما حماه عليه النبي ﷺ ، فعلى الأول ليس لأحد من الولاة بعده أن يحمي، وعلى الثاني يختص الحمى بمن قام مقام رسول الله ﷺ وهو الخليفة خاصة. وأخذ أصحاب الشافعي من هذا أن له في المسألتين قولين، والراجح عندهم الثاني، والأول أقرب إلى ظاهر اللفظ، لكن رجحوا الأول بما سيأتي أن عمر ﵁ حمى بعد النبي ﷺ . والمراد بالحمى: منع الرعي في أرض مخصوصة من المباحات فيجعلها الإمام مخصوصة برعي بهائم الصدقة مثلًا، انتهى.
ثم لا يخفى عليك ما في "البذل" (٤) عن الشوكاني: وقد ظن بعضهم أن بين الأحاديث القاضية بالمنع من الحمى والأحاديث القاضية بجواز
стр. 1675
الإحياء معارضةً، ومنشأ هذا الظن عدم الفرق بينهما، وهو فاسد، فإن الحمى أخص من الإحياء مطلقًا.
قال ابن الجوزي: ليس بين الحديثين معارضة، فالحمى المنهي عنه ما يحمى من الموات الكثيرة العشب لنفسه خاصة؛ كفعل الجاهلية، والإحياء المباح ما لا منفعة للمسلمين فيه شاملة، فافترقا، انتهى.
(١٢ - باب شرب الناس وسقي الدواب من الأنهار)
قال الحافظ (١): أراد بهذه الترجمة أن الأنهار الكائنة في الطرق لا يختص بالشرب منها أحد دون أحد، ثم أورد فيه حديثين:
أحدهما: عن أبي هريرة في "ذكر الخيل"، والمقصود منه قوله فيه: "ولو أنها مرت بنهر فشربت منه. . ." إلخ، فإنه يشعر بأن من شأن البهائم طلب الماء، ولم يرد ذلك صاحبها، فإذا أجر على ذلك من غير قصد فيؤجر بقصده من باب الأولى، فثبت المقصود من الإباحة المطلقة.
وثانيهما: حديث زيد بن خالد في "اللقطة"، والمقصود منه قوله فيه: "معها سقاؤها وحذاؤها ترد الماء. . ." إلخ، انتهى.
(١٣ - باب بيع الحطب والكلأ)
في "الفيض" (٢): وهما من المباح الأصل، وأما إذا أحرزهما حُزَمًا أو جُرَزًا، فيجوز بيعهما؛ كالماء، ولهما باب في "الهداية" عقده عند باب الشرب، فراجع التفاصيل فيه، وأما في الحديث فهو جائز عندنا أيضًا، انتهى.
وقال الحافظ: والكلأ بفتح الكاف واللام بعده همزة بغير مدّ وهو العشب رطبه ويابسه، وموقع هذه الترجمة من "كتاب الشرب" اشتراك الماء
стр. 1676
والحطب والمرعى في جواز انتفاع الناس بالمباحات منها من غير تخصيص، قال ابن بطال (١): إباحة الاحتطاب في المباحات والاختلاف من نبات الأرض متفق عليه، حتى يقع ذلك في أرض مملوكة فترتفع الإباحة، ووجهه أنه إذا ملك بالاحتطاب والاحتشاش فلأن يملك بالإحياء له أولى، انتهى من "الفتح" (٢).
وفي "الدر المختار" (٣): وفسد بيع الكلأ لحديث: "الناس شركاء في ثلاث: في الماء، والكلأ، والنار" (٤)، قال ابن عابدين (٥): الكلأ كجبل العشب رطبه ويابسه، "قاموس "، قال في "البحر": ويدخل فيه جميع أنواع ما ترعاه المواشي رطبًا كان أو يابسًا، بخلاف الأشجار؛ لأن الكلأ ما لا ساق له، والشجر له ساق، فلا تدخل فيه، حتى يجوز بيعها إذا نبتت في أرضه لكونها ملكه، انتهى.
(١٤ - باب القطائع)
جمع قطيعة، تقول: أقطعته أرضًا: جعلتها له قطيعة، والمراد به ما يخص به الإمام بعض الرعية من الأرض الموات، فيختص به ويصير أولى بإحيائه ممن لم يسبق إلى إحيائه، واختصاص الإقطاع بالموات متفق عليه في كلام الشافعية، انتهى من "الفتح" (٦).
وفي "البذل" (٧): والقطيعة هي قطعة أرض يقطعها الإمام لأحد.
وأما مذهب الحنفية في الإقطاع فهو ما قال في "البدائع" (٨): الأراضي في الأصل نوعان: أرض مملوكة، وأرض مباحة غير مملوكة، والمملوكة نوعان: عامرة، وخراب، والمباحة نوعان أيضًا: نوع هو من مرافق البلدة
стр. 1677
محتطبًا لهم ومرعى لمواشيهم، ونوع ليس من مرافقها وهو المسمى بالموات، وأما الأراضي المملوكة العامرة، فليس لأحد أن يتصرف فيها من غير إذن صاحبها؛ لأن عصمة الملك تمنع من ذلك، وأما أرض الموات وهي أرض خارج البلد لم تكن ملكًا لأحد ولا حقًا له خاصًا، فلا يكون داخل البلد موات أصلًا، وكذا ما كان خارج البلدة من مرافقها محتطبًا بها لأهلها أو مرعى لهم، لا يكون مواتًا حتى لا يملك الإمام إقطاعها، فالإمام يملك إقطاع الموات من مصالح المسلمين لما يرجع ذلك إلى عمارة البلاد، والتصرف فيما يتعلق بمصالح المسلمين للإمام؛ ككري الأنهار العظام وإصلاح قناطرها ونحوه.
ولو أقطع الإمام الموات إنسانًا فتركه ولم يعمره، لا يتعرض له إلى ثلاث، فإذا مضى ثلاث سنين فقد عاد مواتًا كما كان، وله أن يقطعه غيره لقوله ﵊: "ليس لمحتجر بعد ثلاث سنين حق" (١)، انتهى، ملخص ما في "البدائع".
قوله: (سترون بعدي أثرة) كتب الشيخ في "اللامع" (٢): يعني بذلك أنكم كما أعملتم بإخوانكم المهاجرين اليوم بإيثاركم إياهم على أنفسكم فكذلك فلتكونوا إذا استأثروا عليكم أنفسهم فافهم، حتى يتبين لك ما بين الكلام الأول والثاني من المناسبة التي لا تظهر في أول وهلة، انتهى.
وفي هامشه: أجاد الشيخ قُدِّس سرُّه في بيان المناسبة بين الجملتين ولم يتعرض لذلك الشرَّاح.
(١٥ - باب كتابة القطائع)
لمن أقطعه الإمام لتكون وثيقة بيده حتى لا ينازعه أحد، كذا في الشروح.
стр. 1678
وقال الحافظ (١): واعترض على المصنف بأن رواية الليث لا ذكر للكتابة فيها، وأجيب بأنها مذكورة في الشق الثاني، وبأنه جرى على عادته في الإشارة إلى ما يرد في بعض الطرق وقد تقدم أنه عنده في الجزية من رواية زهير، انتهى.
وقال السندي (٢): قيل: لا دلالة في الحديث الذي ذكره على المطلوب، وهو مدفوع بأن قولهم: "فاكتب لإخواننا" صريح في المطلوب على أنه جاء في بعض رواية الحديث: "دعا الأنصار ليكتب لهم البحرين" فأشار المصنف بهذه الترجمة إلى أن قوله: "ليقطع لهم" محمول على ذلك بقرينة تلك الرواية، والله أعلم، انتهى.
(١٦ - باب حلب الإبل على الماء)
قال القسطلاني (٣): أي: عند الماء، كذا قاله ابن حجر، ونازعه العيني بأن "على" لم تجئ بمعنى "عند"، بل هي هنا بمعنى الاستعلاء، وأجاب في "انتقاض الاعتراض" بأن كثيرًا من أهل العربية قالوا: إن حروف الجر تتناوب وحمل "على" على الاستعلاء يقتضي أن يقع المحلوب في الماء وليس ذلك مرادًا، انتهى.
(١٧ - باب الرجل يكون له ممر أو شرب في حائط أو نخل)
هو من اللف والنشر، أي: له حق المرور في الحائط أو نصيب في النخل.
وقوله: (للبائع الممر. . .) إلخ، هذا كله من كلام المصنف استنبطه
стр. 1679
من الأحاديث المذكورة في الباب، وتوهم بعض الشرَّاح أنه بقية الحديث المرفوع، فوهم في ذلك وهمًا فاحشًا، انتهى من "الفتح" (١).
وفي "الفيض" (٢): والممر من الحقوق فإن كانت الأرض مملوكة له فحق الممر ظاهر، وإن لم تكن فقد أثبت الفقهاء أيضًا، وذلك لأنه لا يختص بالملكية عندهم، ويجري فيه الوصية، والهبة، دون البيع، انتهى.
وسكت الحافظ ها هنا عن براعة الاختتام، ويمكن أن يتكلف له في قوله: "حتى يرفع": هو المشير إلى رفع الجنازة، وأيضًا العرية: هي النخلة الْمُعْرَاة، أي: التي أكل ما عليها، كما في "القاموس" (٣)، فهو أيضًا يشير إلى الفناء والاختتام، ويمكن أن يوجه في لفظ أسامة "والسام هو الموت" كما تقدم، فتدبر.
* * *
стр. 1680
٤٣ - كتاب في الاستقراض وأداء الديون والحجر والتفليس
قال الحافظ (١): جمع المصنف بين هذه الأمور الثلاثة، لقلَّة الأحاديث الواردة فيها، ولتعلق بعضها ببعض، انتهى.
قال العيني (٢): "الاستقراض" هو طلب القرض، "والحجر" هو المنع لغةً، وشرعًا: منع عن التصرف، وأسبابه كثيرة، محلها الفروع. و"التفليس" من فلّسه الحاكم تفليسًا يعني: يحكم بأنه يصير إلى أن يقال: ليس معه فلس، ويقال: المفلس من تزيد ديونه على موجوده، سمي مفلسًا؛ لأنه صار ذا فلوس بعد أن كان ذا دراهم ودنانير، انتهى.
وفي "الفيض" (٣): اعلم أن الحجر عندنا يكون بثلاثة أشياء: إما الصبا، أو الجنون، أو الرق، وأما عند صاحبيه: فبالإفلاس، والسفاهة أيضًا. ولا عبرة بالتفليس عندنا في القضاء، وهو الإعلان بإفلاس رجل، وذلك لأن المال غادٍ ورائح، فيمكن أن يحصل له مال عقيب الحكم بالإفلاس، ثم الحجر اسم لإبطال التصرفات القولية، وأما الفعلية فلا سبيل إلى إبطالها، انتهى.
(١ - باب من اشترى بالدين وليس عنده ثمنه. . .) إلخ
قال الحافظ (٤): أي فهو جائز، وكأنه يشير إلى ضعف ما جاء عن ابن عباس مرفوعًا: "لا أشتري ما ليس عندي ثمنه" وهو حديث أخرجه
стр. 1681
الإمام أبو داود (١) والحاكم تفرد به شريك عن سماك، واختلف في وصله وإرساله، ثم أورد فيه حديث جابر في شراء النبي ﷺ منه جمله في السفر وقضائه ثمنه في المدينة، وهو مطابق للركن الثاني من الترجمة، وحديث عائشة مطابق للركن الأول.
قال ابن المنيِّر: وجه الدلالة منه أنه ﷺ لو حضره الثمن ما أخره، وكذا ثمن الطعام لو حضره لم يرتب في ذمته دينًا، لما عرف من عادته الشريفة من المبادرة إلى إخراج ما يلزمه إخراجه، انتهى.
وكتب الشيخ في "اللامع" (٢) تحت الباب: لما كان النهي عن بيع ما ليس عندك يوهم أنه لعل البيع بما ليس عندك من الثمن لا يجوز أيضًا، دفعه بإيراد الروايتين: الأولى منهما دالة على جواز الشراء إذا لم يكن بحضرته ثمنه وإن كان في بيته، وثانيتهما على جوازه إذا لم يكن له الثمن لا بحضرته ولا في بيته، نعم إذا اشترى وليس من قصده أن يؤديه إليه كان منهيًا عنه، ولذلك عقد الباب الثاني، انتهى.
قوله: (إلا دينارًا أرصده لدين. . .) إلخ، فيه الترجمة حيث قدَّم الدَّيْن على الصدقة وغيرها من وجوه الخير، انتهى.
(٢ - باب من أخذ أموال الناس يريد أداءها أو إتلافها)
قال الحافظ (٣): حذف الجواب اعتناءً بما وقع في الحديث، قال ابن المنيِّر (٤): هذه الترجمة تشعر بأن التي قبلها مقيّدة بالعلم وبالقدرة على الوفاء، قال: لأنه إذا علم من نفسه العجز فقد أخذ لا يريد الوفاء إلا بطريق التمني، والتمني خلاف الإرادة.
قال الحافظ: وفيه نظر لأنه إذا نوى الوفاء مما سيفتحه الله عليه فقد
стр. 1682
نطق الحديث بأن الله يؤدي عنه، إما بأن يفتح عليه في الدنيا، وإما بأن يتكفل عنه في الآخرة، فلم يتعين التقييد بالقدرة في الحديث، ولو سلم ما قال فهناك مرتبة ثالثة وهو أن لا يعلم هل يقدر أو يعجز؟ انتهى.
(٣ - باب أداء الديون) (وقول الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ﴾ الآية [النساء: ٥٨])
قال ابن المنيِّر: أدخل الدين في الأمانة لثبوت الأمر بأدائه، إذ المراد بالأمانة في الآية هو المراد بها في قوله تعالى: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [الأحزاب: ٧٢] وفسرت هناك بالأوامر والنواهي فيدخل فيها جميع ما يتعلق بالذمة وما لا يتعلق، انتهى.
قال الحافظ (١): ويحتمل أن تكون الأمانة على ظاهرها، وإذا أمر الله بأدائها ومدح فاعلها - وهي لا تتعلق بالذمة - فحال ما في الذمة أولى، وأكثر المفسرين على أن الآية نزلت في شأن عثمان بن طلحة حاجب الكعبة، وعن ابن عباس: هي عامة في جميع الأمانات.
(٤ - باب استقراض الإبل)
قال الحافظ (٢): أي: جوازه ليرد المقترض نظيره أو خيرًا منه، ثم قال بعد ذكر الحديث: وفيه ما ترجم له وهو استقراض الإبل، ويلتحق بها جميع الحيوانات وهو قول أكثر أهل العلم، ومنع من ذلك الثوري والحنفية، واحتجوا بحديث النهي عن بيع الحيوان بالحيوان نسيئة. . .، إلى آخر ما بسط من الكلام على دلائل الفريقين.
стр. 1683
(٥ - باب حسن التقاضي)
قال العلَّامة العيني (١): أي هذا باب في بيان استحباب حسن التقاضي، أي: حسن المطالبة، انتهى.
(٦ - باب هل يعطى أكبر من سنه ؟)
قال القسطلاني (٢): بفتح الطاء، أي: هل يعطي المستقرض للمقرض أكبر من سنه؟ أي: الذي اقترضه، انتهى.
كتب الشيخ في "اللامع" (٣): ولما كان مظنة كونه ربا يوهم حرمته، دفعه بأن الربا ما كان مشروطًا أو معروفًا، فأما إذا زاده من عند نفسه من غير العرف والشرط فإنه منة منه عليه، كما مَنَّ الدائن عليه بقضاء حاجته فلا يكون ربا، انتهى.
وفي هامشه: ما أفاده الشيخ قُدِّس سرُّه واضح، والأوجه عند هذا العبد الضعيف: أن الإمام البخاري أشار بذلك إلى مسألة خلافية ذكرها الحافظ، وستأتي قريبًا، ولما كان لفظ الحديث: "إلا سنًّا أفضل من سنه" والفضيلة تحتمل جودة الوصف والزيادة في الكم معًا نبَّه الإمام البخاري على ذلك بلفظ الاستفهام.
وقال الحافظ: في الحديث جواز وفاء ما هو أفضل من المثل المقترض إذا لم تقع شرطية ذلك في العقد فيحرم حينئذ اتفاقًا، وبه قال الجمهور، وعن المالكية تفصيل في الزيادة: إن كانت بالعدد منعت، وإن كانت بالوصف جازت، انتهى.
قال الموفق: كل قرض شرط فيه أن يزيده فهو حرام بغير خلاف، فإن أقرضه مطلقًا بغير شرط فقضاه خيرًا منه في القدر أو الصفة أو دونه برضاهما جاز، انتهى مختصرًا.
стр. 1684
(٧ - باب حسن القضاء)
أي: استحباب حسن أداء الدين، وأورد فيه الحديث المذكور، وهو ظاهر فيما ترجم له، كذا في "الفتح" (١)، والتقاضي من جانب الدائن، والقضاء من جانب المديون، ولذا بوّب بعده، كذا في "الفيض" (٢).
(٨ - باب إذا قضى دون حقه أو حلّله. . .) إلخ
كتب الشيخ في "اللامع" (٣): وهذا كما تقدم من أن مظنة الربا كان يوهم حرمته، فإن من استدان عشرة دراهم ثم رضي البائع أن يأخذ ثمانية فلا شك أنه فضل منها فضلة عند المديون، وليست على عوض فدفعه بأن الثمانية ههنا ليست مقابلة بالعشرة حتى يلزم ما ألزمته، بل الثمانية بالثمانية، والدرهمان أسقطهما الدائن وله أن يسقط من حقه ما شاء كلًّا أو بعضًا.
قوله: (أن يقبلوا ثمرة حائطي ويحللوا) ولما جاز تحليله عن البعض جاز تحليله عن الكل لعدم الفارق، فثبتت الترجمة بكلا جزئيها، انتهى.
وبسط الشراح في قوله: "وحلَّله" بأنه بالواو أو بلفظ "أو" فارجع إليه لو شئت.
(٩ - باب إذا قاصّ أو جازفه في الدين. . .) إلخ
قال الحافظ (٤): أي عند الأداء، فهو جائز.
قوله: (تمرًا بتمر) قال المهلب (٥): لا يجوز عند أحد من العلماء أن يأخذ من له دين تمر من غريمه تمرًا مجازفة بدينه لما فيه من الجهل والغرر، وإنما يجوز أن يأخذ مجازفة في حقه أقل من دينه إذا علم الآخذ ذلك ورضي، انتهى.
стр. 1685
قال الحافظ: كأنه أراد بذلك الاعتراض على ترجمة البخاري، ومراد البخاري ما أثبته المعترض لا ما نفاه، وغرضه بيان أنه يغتفر في القضاء من المعاوضة ما يغتفر ابتداء؛ لأن بيع الرطب بالتمر لا يجوز في غير العرايا، ويجوز في المعاوضة عند الوفاء، وذلك بيِّنٌ في حديث الباب. . . إلى أن قال الحافظ: وقد أخذ الدمياطي كلام المهلب فاعترض به فقال: هذا لا يصح، ثم اعتل بنحو ما ذكره المهلب، وتعقبه ابن المنيِّر (١) بنحو ما أجبت به فقال: بيع المعلوم بالمجهول مزابنة فإن كان تمرًا نحوه فمزابنة وربا، لكن اغتفر ذلك في الوفاء؛ لأن التفاوت متحقق في العرف فيخرج عن كونه مزابنة، انتهى.
وفي تقرير مولانا حسين علي البنجابي: قوله: "تمرًا بتمر أو غيره" فإنه إن زاد المستقرض فزيادة من غير شرط، وإن نقصه فهو إسقاط من صاحب القرض، انتهى.
وفي تقرير مولانا محمد حسن المكي: قوله: "تمر بتمر. . ." إلخ، أي: جنسًا بجنس أو بغير جنس (٢)، انتهى.
(١٠ - باب من استعاذ من الدين)
قال الحافظ (٣): قال المهلب (٤): يستفاد من هذا الحديث سد الذرائع؛ لأنه ﷺ استعاذ من الدين؛ لأنه في الغالب ذريعة إلى الكذب في الحديث والخلف في الوعد مع ما لصاحب الدين عليه من المقال، انتهى.
ويحتمل أن يراد بالاستعاذة من الدين الاستعاذة من الاحتياج إليه حتى لا يقع في هذه الغوائل، أو من عدم القدرة على وفائه حتى لا تبقى تبعته، ولعل ذلك هو السر في إطلاق الترجمة، ثم رأيت في حاشية
стр. 1686
ابن المنيِّر: لا تناقض بين الاستعاذة من الدين وجواز الاستدانة؛ لأن الذي استعيذ منه غوائل الدين، فمن أدان وسلم منها فقد أعاذه الله وفعل جائزًا، انتهى.
(١١ - باب الصلاة على من ترك دينًا)
لعل الإمام البخاري أشار بالترجمة إلى أن ما ورد في الروايات من ترك الصلاة على المديون كان في أول الأمر قبل قوله ﷺ : "ومن ترك كلًّا فإلينا" ولذا أورد من الحديث هذا القدر.
وقال الحافظ: قال ابن المنيِّر: أراد بهذه الترجمة أن الدين لا يخل بالدين، وأن الاستعاذة منه ليست لذاته بل لما يخشى من غوائله، وأورد الحديث الذي فيه "من ترك دينًا فليأتني" وأشار به إلى بقيَّته وهو أنه كان لا يصلي على من عليه دين، فلما فتحت الفتوح صار يصلِّي عليه، انتهى من "الفتح" (١).
(١٢ - باب مطل الغني ظلم)
ترجم بلفظ الحديث، وهو طرف من حديث مضى تامًّا في "الحوالة" (٢) مع الكلام عليه.
(١٣ - باب لصاحب الحق مقال)
قال العلَّامة القسطلاني (٣): فلا يلام إذا تكرر طلبه لحقه، انتهى.
وقال الحافظ (٤): ذكر فيه حديث أبي هريرة المقدم قريبًا، وهو نص في ذلك، وذكر الحديث المعلق لما فيه من تفسير المقال، انتهى.
стр. 1687
(١٤ - باب إذا وجد ماله عند مفلس. . .) إلخ
قال القسطلاني (١): قوله: "في البيع" بأن يبيع رجل متاعًا لرجل ثم يفلس المشتري ويجد البائع متاعه الذي باعه عنده، "و" في "القرض" بأن يقرض لرجل ثم يفلس المقترض فيجد المقرض ما أقرضه عنده، "و" في "الوديعة" بأن يودع شخص عند آخر وديعة ثم يفلس المودَع، وجواب "إذا" قوله: "فهو" أي: فكل من البائع والمقرض والمودِع بكسر الدال "أحق به" أي: بمتاعه من غيره من غرماء المفلس، انتهى.
قال الحافظ (٢): قوله: "في البيع" إشارة إلى ما ورد في بعض طرقه نصًا، وقوله: "والقرض" هو بالقياس عليه، أو لدخوله في عموم الخبر، وهو قول الشافعي في آخرين، والمشهور عن المالكية التفرقة بين القرض والبيع، وقوله: "والوديعة" هو بالإجماع، وقال ابن المنيِّر (٣): أدخل هذه الثلاثة إما لأن الحديث مطلق، وإما لأنه وارد في البيع، والآخران أولى لأن ملك الوديعة لم ينتقل، والمحافظة على وفاء من اصطنع بالقرض معروفًا مطلوب، انتهى.
وفي "الفيض" (٤): واعلم أنه إذا اشترى شيئًا وقبضه، ولم يؤد ثمنه حتى أفلس، فإن كان المبيع قائمًا في يده اختلف فيه الفقهاء، فقال الشافعي: إن البائع أحق به، للحديث، وقال أبو حنيفة وصاحباه: إن البائع فيه أسوة الغرماء، أما إذا لم يقبضه فالمسألة عندنا أيضًا كالمسألة فيما بعد القبض عنده، أما البخاري فالحديث عنده عام في الأمانات والمعاوضات سواء، وأجاب عنه الطحاوي بحمل حديثهم على العواري والأمانات والغصوب، وأما غير تلك الصور؛ كالمعاوضات والديون فلم يرد الحديث فيه، وإنما ورد في ما وجد ماله بعينه، والمبيع ليس من ماله، بل هو من مال
стр. 1688
المشتري؛ لأن تبدل الملك يوجب تبدل العين، فوجب أن يحمل على العواري والودائع مما يصدق فيه على الشيء أنه من ماله. . .، إلى آخر ما بسط في المسألة، ثم قال: قوله: "وقال الحسن. . ." إلخ، ولا يجري هذا إلا على مذهب الصاحبين، فإن للتفليس أحكامًا عندهما، وأما عند الإمام الأعظم فلا حكم له، وراجع المسألة في "كتاب الحجر"، انتهى.
(١٥ - باب من أخَّر الغريم إلى الغد أو نحوه)
قال القسطلاني (١): "من أخَّر" أي: من الحكام "الغريم" أي: مطالبته بالدين لربه "إلى الغد أو نحوه" كيومين أو ثلاثة، ثم قال بعد ذكر الحديث: وموضع الترجمة منه قوله: "سأغدو عليك"، وقد سقطت الترجمة وحديثها هذا في رواية النسفي وتبعه أكثر الشرَّاح، انتهى.
وفي "الفيض" (٢) الغرض منه التنبيه على أن المطل أمر عرفي، فليس التأخير بيوم أو يومين مطلًا، انتهى.
(١٦ - باب من باع مال المفلس أو المعدم. . .) إلخ
قال القسطلاني (٣): المعدم بكسر الدال، أي: الفقير.
قوله: (فقسمه) أي: ثمن مال المفلس "بين الغرماء" بنسبة ديونهم الحالة لا المؤجلة، فلا يدخر منه شيء للمؤجل، ولا يستدام له الحجر، كما لا يحجر به.
قوله: (أو أعطاه) أي: أعطى الحاكم المعدم ثمن ما باعه يومًا بيوم، انتهى.
قال الحافظ (٤): قال ابن بطال (٥): لا يفهم من الحديث معنى قوله في
стр. 1689
الترجمة: "فقسمه بين الغرماء"؛ لأن الذي دبر لم يكن له مال غير الغلام كما سيأتي في "الأحكام" (١)، وليس فيه أنه كان عليه دين، وإنما باعه لأن من سُنَّته أن لا يتصدق المرء بماله كله ويبقى فقيرًا، ولذا قال: "خير الصدقة ما كان عن ظهر غنى"، انتهى.
وأجاب ابن المنيِّر (٢) بأنه لما احتمل أن يكون باعه عليه لما ذكر الشارح، واحتمل أن يكون باعه عليه لكونه مديانًا، ومال المديان إما أن يقسمه الإمام بنفسه، أو يسلمه إلى المديان ليقسمه، فلذا ترجم على التقديرين، مع أن أحد الأمرين يخرج من الآخر؛ لأنه إذا باعه عليه لحق نفسه فلأن يبيعه عليه لحق الغرماء أولى، انتهى.
والذي يظهر لي أن في الترجمة لفًا ونشرًا، والتقدير: من باع مال المفلس فقسمه بين الغرماء، ومن باع مال المعدم فأعطاه حتى ينفق على نفسه، و"أو" في الموضعين للتنويع، ويخرج أحدهما من الآخر كما قال ابن المنيِّر، وقد ثبت في بعض طرق حديث جابر في قصة المدبر أنه كان عليه دين أخرجه النسائي (٣) وغيره، انتهى من "الفتح" (٤).
(١٧ - باب إذا أقرضه إلى أجل مسمى)
كتب الشيخ قُدِّس سرُّه في "اللامع" (٥): أورده لدفع توهم الكراهة فيه لما أن للأجل شبهًا بالمبيع فيلزم الزيادة في أحد الجانبين ولا عوض لها، ثم إن الأجل عندنا في القرض ليس بلازم، حتى جاز للدائن أن يطلب قبل حلوله، غاية ما في الباب أنه يكون بذلك مخلفًا لوعده، انتهى.
وفي هامشه: ما أفاده الشيخ قُدِّس سرُّه لطيف جدًا، وما يظهر لهذا
стр. 1690
العبد الضعيف: أن الإمام البخاري أشار بذلك إلى مسألة خلافية وهي لزوم التأجيل في القرض والدين، وفي "الهداية" (١): أن التأجيل في القرض غير لازم عندنا، وإلى ذلك نبَّه الشيخ بقوله: ثم إن الأجل. . . إلخ.
قال الحافظ: أما القرض إلى أجل فهو مما اختلف فيه، والأكثر على جوازه في كل شيء، ومنعه الشافعي، وأما البيع إلى أجل فجائز اتفاقًا، وكأن البخاري احتج للجواز في القرض بالجواز في البيع مع ما استظهر به من أثر ابن عمر وأثر أبي هريرة رضي الله تعالى عنهما، انتهى.
وقال القسطلاني (٢): إذا أقرضه إلى أجل أو أجَّله في البيع هو جائز فيهما عند الجمهور خلافًا للشافعية في القرض، فلو شرط أجلًا لا يجر منفعة للمقرض لغا الشرط دون العقد، نعم يستحب الوفاء باشتراط الأجل، قاله ابن الرفعة، انتهى.
وقال العيني (٣): قوله: "باب إذا أقرضه. . ." إلخ، هاتان مسألتان جوابهما محذوف، أي: يجوز. . .، إلى آخر ما بسطه.
(١٨ - باب الشفاعة في وضع الدين)
قال الحافظ (٤): أي: في تخفيفه، ذكر فيه حديث جابر في دين أبيه، وفيه حديث في قصة بيع الجمل جمعهما في سياق واحد، والمقصود منه قوله: "فطلبت إلى أصحاب الدين أن يضعوا بعضًا فأبوا، فاستشفعت بالنبي ﷺ عليهم فأبوا"، انتهى.
(١٩ - باب ما ينهى عن إضاعة المال)
أي: صرفه في غير وجهه أو في غير طاعة الله، قاله القسطلاني (٥).
стр. 1691
(وقول الله ﵎: ﴿وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ﴾ [البقرة: ٢٠٥]) قال الحافظ: كذا للأكثر، ووقع في رواية النسفي "إن الله" والأول هو الذي وقع في التلاوة.
قوله: (و ﴿لَا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ﴾ [يونس: ٨١]) كذا للأكثر، ولابن شبويه والنسفي: "لا يحب" بدل "لا يصلح"، قيل: وهو سهو، ووجهه عندي - إن ثبت - أنه لم يقصد التلاوة، انتهى من "الفتح" (١).
قوله: (أصلواتك تأمرك أن نترك. . .) إلخ، كتب الشيخ [في "اللامع"] (٢): يعني: بذلك أنهم عدوا الإيفاء في الكيل إضاعة، وقبحوا عليه ذلك، فَعُلِم منه أن الإضاعة منهية عنها مقبحة شرعًا وعرفًا، وإن كان خصوص، هذا الذي زعموه إضاعة غير داخل فيه، فافهم وتفكر، انتهى.
وفي هامشه: ما أفاده الشيخ قُدِّس سرُّه أجود مما حكاه الحافظ عن المفسرين؛ لارتباط الآيات وموافقة الآية بحالهم المعروف من نقص الكيل. . .، إلى آخر ما فيه.
قوله: (والحجر في ذلك) بالحجر عطفًا على إضاعة المال، أي: والحجر في السفه، والحجر في اللغة المنع، وفي الشرع المنع من التصرفات المالية، والأصل فيه: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ﴾ الآية [النساء: ٦]، وقوله تعالى: ﴿فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا﴾ الآية [البقرة: ٢٨٢].
والحجر نوعان: نوع شرع لمصلحة الغير كالحجر على المفلس للغرماء، والراهن للمرتهن في المرهون وغير ذلك، ونوع نخمرع لمصلحة المحجور عليه وهو ثلاثة: حجر الجنون والصبا والسفه، وكل منها أعم مما بعده.
قلت: ولا يبعد أن يقال: إن الإمام البخاري مال في مسألة الحجر إلى قول الإمام أبي حنيفة إذ ترجم بالحجر ولم يحكم عليه في الترجمة
стр. 1692
بشيء، وأورد فيه حديث "لا خلابة"، وهو مستدل أبي حنيفة في تلك المسألة.
قوله: (ومما ينهى عن الخداع) أي: في البيع وهو عطف على سابقه أيضًا، انتهى من "القسطلاني" (١).
(٢٠ - باب العبد راعٍ في مال سيده)
ذكر فيه حديث ابن عمر وفيه: "والخادم في مال سيده وهو مسؤول" كذا في رواية أبي ذر، ولغيره: "في مال سيده راع وهو مسؤول". ولفظ الترجمة يأتي في "النكاح"، وفيه "والعبد راع على مال سيده". وكأن المصنف استنبط قوله: "ولا يعمل إلا بإذنه" من قوله: "وهو مسؤول" لأن الظاهر أنه يسأل هل جاوز ما أمره به أو وقف عنده، انتهى [من "الفتح"] (٢).
قلت: فإذًا ينبغي للإمام أيضًا أن لا يعمل ولا يتصرف في أموال الرعية إلا بإذنهم.
وسكت الحافظ ﵀ عن براعة الاختتام واختلط كلامه في هذه الأبواب فارجع إليه.
والأوجه عندي: أن البراعة في قوله: "كلكم مسؤول" فإن المسؤولية تكون في الآخرة، فافهم، وهذا على تقدير أن يسلم الكتاب الآتي كتابًا مستقلًا، وإلا فالأوجه عندي أنه ليس كتابًا مستقلًا.
* * *
стр. 1693
٤٤ - في الخصومات
اختلفت نسخ البخاري في ذكر هذه الترجمة، ففي النسخ الهندية بعد البسملة: "في الخصومات باب ما يذكر في الإشخاص والخصومة بين المسلم واليهودي"، وفي نسخة "الفتح": "بسم الله الرحمن الرحيم ما يذكر في الإشخاص، والخصومة بين المسلم واليهود".
قال الحافظ (١): كذا للأكثر، ولبعضهم "واليهودي" بالإفراد، وزاد أبو ذر أوله "في الخصومات" وزاد في أثنائه "والملازمة"، والإشخاص بكسر الهمزة: إحضار الغريم من موضع إلى موضع، يقال: شخص بالفتح من بلد إلى بلد، وأشخص غيره، والملازمة مفاعلة من اللزوم، والمراد أن يمنع الغريم غريمه من التصرف حتى يعطيه حقه، انتهى.
وفي نسخة العيني: "كتاب الخصومات"، قال العلَّامة العيني (٢): وهو جمع خصومة، وهي اسم، قال الجوهري: خاصمه مخاصمة وخصامًا، والاسم الخصومة، والخصم معروف. ثم ذكر اختلاف النسخ كما تقدم في كلام الحافظ ﵀، ونسخة القسطلاني توافق النسخ الهندية، انتهى من هامش "اللامع" (٣).
وعند هذا العبد الضعيف ليس هذا كتابًا مستقلًا بل هذا داخل فيما سبق لما سيأتي فيه بعض مسائل الحجر.
(١ - باب ما يذكر في الإشخاص والخصومة. . .) إلخ
تقدم الكلام عليه آنفًا، وفي "الفيض" (٤): قوله: "والخصومة بين
стр. 1694
المسلم واليهودي" يعني: أن اتحاد الملَّتين ليس بشرط في الدعاوي، وهكذا ينبغي، انتهى.
وكتب الشيخ في "اللامع" (١): قوله: "فأخذت بيده فأتيت به" وفيه الترجمة حيث كان إشخاصًا، انتهى.
وفي هامشه: وبذلك جزم الحافظ، وتعقب عليه العيني كما في هامش "اللامع".
قوله: (فأكون أول من يفيق) قيل: هو مشكل لأن الأحاديث دالة على أن موسى قد توفي وأنه ﷺ زاره في قبره. . .، إلى آخر ما بسط في هامش "اللامع" (٢) في تقرير الإشكال والجواب عنه، وكذا بسط الكلام عليه صاحب "الفيض" (٣).
(٢ - باب من ردّ أمر السفيه)
قال القسطلاني (٤): السفه ضد الرشد الذي هو صلاح الدين والمال، انتهى.
كتب الشيخ في "اللامع" (٥): يعني أن للإمام أن يرد تصرف أمثال هؤلاء وإن لم يكن سبق منه المنع، انتهى.
وفي هامشه: قال الحافظ: يعني وفاقًا لابن القاسم، وقصره أصبغ على من ظهر سفهه، وقال غيره من المالكية: لا يرد مطلقًا إلا ما تصرف فيه بعد الحجر، وهو قول الشافعية وغيرهم، انتهى.
قال العيني (٦): قال بعضهم: يرد تصرف السفيه مطلقًا، وهو قول ابن القاسم أيضًا، ثم ذكر نحو ما تقدم عن الحافظ، ثم قال: وعند
стр. 1695
أبي حنيفة: لا يحجر بسبب سفه ولا يرد تصرفه مطلقًا، وعند أبي يوسف ومحمد: يحجر عليه في تصرفات لا تصح مع الهزل كالبيع والهبة وغيرهما، ولا يحجر عليه في غيرها؛ كالطلاق ونحوه إلى آخر ما ذكر من المذاهب، انتهى.
وقال الحافظ (١): وأشار البخاري بما ذكر من أحاديث الباب إلى التفصيل بين من ظهرت منه الإضاعة فيرد تصرفه فيما إذا كان في الشيء الكثير أو المستغرق، وعليه تحمل قصة المدبر، وبين ما إذا كان في الشيء اليسير أو جعل له شرطًا يأمن به من إفساد ماله فلا يرد، وعليه تحمل قصة الذي كان يخدع، انتهى.
(٤ - باب كلام الخصوم بعضهم في بعضهم)
أي: فيما لا يوجب حدًا ولا تعزيرًا فلا يكون ذلك من الغيبة المحرمة، انتهى [من "الفتح"] (٢).
وفي "الفيض" (٣): يعني: إذا عاب أحد الخصمين على الآخر بحضرة القاضي، فهل فيه تعزير؟ انتهى، وهكذا قال العيني (٤).
(٥ - باب إخراج أهل المعاصي والخصوم من البيوت بعد المعرفة)
أي: بأحوالهم، أو بعد معرفتهم بالحكم ويكون ذلك على سبيل التأديب لهم.
ثم قال الحافظ: ذكر المصنف حديث أبي هريرة في إرادة تحريق البيوت على الذين لا يشهدون الصلاة، وغرضه منه أنه إذا أحرقها عليهم بادروا بالخروج منها، فثبتت مشروعية الاقتصار على إخراج أهل المعصية
стр. 1696
من باب الأولى، ومحل إخراج الخصوم إذا وقع منهم من المراء واللدد ما يقتضي ذلك، انتهى من "الفتح" (١).
(٦ - باب دعوى الوصي للميت)
أي: عن الميت في الاستلحاق وغيره من الحقوق، قال ابن المنيِّر ما ملخصه: دعوى الوصي عن الموصى عليه لا نزاع فيه، وكأن المصنف أراد بيان مستند الإجماع، انتهى من "الفتح" (٢).
(٧ - باب التوثق ممن يخشى مَعَرّته)
قال الحافظ (٣): بفتح الميم والمهملة وتشديد الراء، أي: فساده وعبثه.
قال العيني (٤): والتوثق الإحكام، وقالوا: عقد وثيق، أي: محكم، وأوثقه ووثقه بالتشديد، أي: أحكمه، وشده بالوثاق، أي: بالقيد، انتهى مختصرًا.
قوله: (وقيد ابن عباس. . .) إلخ، وصله ابن سعد في "الطبقات" (٥) وأبو نعيم في "الحلية" (٦) عن عكرمة بلفظ: "كان ابن عباس يجعل في رجلي الكبل" فذكره، والكبل بفتح الكاف وسكون الموحدة هو القيد، انتهى من "الفتح" (٧).
(٨ - باب الربط والحبس في الحرم)
كأنه أشار بذلك إلى ردِّ ما ذُكر عن طاوس فعند ابن أبي شيبة عنه أنه "كان يكره السجن بمكة، ويقول: لا ينبغي لبيت عذاب أن يكون في بيت
стр. 1697
رحمة"، فأراد البخاري معارضته بأثر عمر وابن الزبير، وصفوان ونافع وهم من الصحابة، وقوّى ذلك بقصة ثمامة وقد ربط في مسجد المدينة وهي أيضًا حرم فلم يمنع ذلك من الربط فيه، انتهى.
فائدة: قال ابن الهمام (١): لم يكن في عهده ﷺ وأبي بكر ﵁ سجن، إنما كان يحبس في المسجد أو الدهليز حتى اشترى عمر ﵁ دارًا بمكة بأربعة آلاف درهم واتخذه محبسًا، وقيل: بل لم يكن في عهد عمر ولا عثمان ﵄ أيضًا إلى زمن علي فبناه، [وهو] أول سجن بني في الإسلام.
قال في "الفائق" (٢): إن عليًّا ﵁ بنى سجنًا من قصب فسماه نافعًا (٣)، فنقبه اللصوص، وتسيب الناس منه، ثم بنى سجنًا من مدر فسماه مخيسًا، والمخيس: موضع التخييس، وهو التذليل، انتهى، كذا في هامش "اللامع" (٤).
(٩ - باب في الملازمة)
ذكر فيه حديث كعب بن مالك أنه كان له على عبد الله بن أبي حدرد دين، وقد تقدم الكلام عليه في أبواب المساجد في باب التقاضي والملازمة في المسجد.
(١٠ - باب التقاضي)
أي: المطالبة بالدين، ولا يشكل عليك التكرار بما تقدم في أبواب المساجد من باب التقاضي والملازمة، كما تقدم هناك، ثم البراعة عندي وكذا عند الحافظ في قوله: "فدعني حتى أموت".
стр. 1698
٤٥ - كتاب اللقطة
قال الحافظ (١): اللقطة: الشيء الذي يلتقط، وهو بضم اللام وفتح القاف على المشهور عند أهل اللغة والمحدثين، وقال عياض (٢): لا يجوز غيره، وقال الزمخشري في "الفائق" (٣): اللُّقطة بفتح القاف، والعامة تسكنها، كذا قال، وقد جزم الخليل بأنها بالسكون، قال: وأما بالفتح فهو اللاقط، قال الأزهري: هذا الذي قاله هو القياس، ولكن الذي سمع من العرب وأجمع عليه أهل اللغة والحديث الفتح، انتهى.
وقال القسطلاني (٤): هي اللغة الشيء الملقوط، وشرعًا ما وجد من حق ضائع محترم غير محرز ولا ممتنع بقوته ولا يعرف الواجد مستحقه، وفي الالتقاط معنى الأمانة والولاية من حيث إن الملتقط أمين فيما التقطه، والشرع ولّاه حفظه، انتهى.
ثم إنهم اختلفوا في حكم الالتقاط وبوَّب له المصنف فيما سيأتي بـ "باب هل يأخذ اللقطة" قال الموفق (٥): قال إمامنا: الأفضل ترك الالتقاط، وروي معنى ذلك عن ابن عباس وابن عمر وغيرهما، واختار أبو الخطاب إذا وجدها بمضيعة، وأمن نفسه عليها، فالأفضل أخذها، وهذا قول الشافعي، وحكي عنه قول آخر: إنه يجب أخذها، لقوله تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [التوبة: ٧١]. وممن رأى أخذها ابن المسيب وأبو حنيفة، وقال مالك: إن كان شيئًا له بال يأخذها أحب إليّ، إلى آخر ما بسط في "الأوجز" (٦)،
стр. 1699
وفيه عن الدردير (١): وجب أخذه لخوف خائن، لو تركه مع علمه أمانة نفسه، لا إن علم خيانته فيحرم أخذه.
وفي "الدر المختار" (٢): ندب رفعها لصاحبها إن أمن على نفسه تعريفها وإلا فالترك أولى، ووجب عند خوف ضياعها، انتهى.
(١ - باب إذا أخبره رب اللقطة بالعلامة)
كتب الشيخ قُدِّس سرُّه في "اللامع" (٣): وذكر العلامة وإن لم يكن مذكورًا في تلك الرواية، إلا أنه معلوم بملاحظة الرواية الأخرى، انتهى.
وفي هامشه: قال الحافظ: لم يقع في سياق الحديث ما ترجم به صريحًا فكأنه أشار إلى ما وقع في بعض طرقه من رواية مسلم فإنه روى هذا الحديث مطولًا بطرق متعددة، وفي بعضها قال: "فإن جاء أحد يخبرك بعددها ووعائها ووكائها فأعطها إياه"، انتهى مختصرًا.
قلت: وما أورد أبو داود على هذه الزيادة أنها غير محفوظة رد عليه الحافظان ابن حجر والعيني، ومسألة الباب خلافية شهيرة بسطت في "الأوجز" فذهب مالك وأحمد إلى أنها تدفع لمن عرف العفاص والوكاء، وقال أبو حنيفة والشافعي: إن وقع في نفسه صدقه جاز أن تدفع إليه ولا يجبر على ذلك إلا ببينة. . .، إلى آخر ما بسط في "الأوجز" (٤)، انتهى من هامش "اللامع" (٥).
(٢ - باب ضالة الإبل)
قال الحافظ (٦): أي هل تلتقط أم لا؟ الضائع والضال في الحيوان كاللقطة في غيره، والجمهور على القول بظاهره في أنها لا تلتقط، وقال
стр. 1700
الحنفية: الأولى أن تلتقط، وحمل بعضهم النهي على من التقطها ليتملكها لا ليحفظها فيجوز له، وهو قول الشافعية، وكذا إذا وجدت بقرية فيجوز التملك على الأصح عندهم، والخلاف عند المالكية أيضًا، انتهى.
وقال العيني (١): في التقاط الإبل عند المالكية ثلاثة أقوال، وعند الشافعية يجوز للحفظ فقط، انتهى.
وقال الموفق (٢): كل حيوان يقوى على الامتناع من صغار السباع وورود الماء لا يجوز التقاطه، ولا التعرض له سواء كان لكبر جثته؛ كالإبل، والخيل، والبقر، أو لطيرانه كالطيور، أو لسرعته كالظباء والصيود، أو بنابه؛ كالكلاب والفهود، وبهذا قال الشافعي، وقال مالك في ضالة الإبل: من وجدها في القرى عرّفها، ومن وجدها في الصحراء لا يقربها، ورواه المزني عن الشافعي، وقال أبو حنيفة: يباح التقاطها، انتهى مختصرًا.
وأما حديث الباب فقال ابن الهمام (٣): أجاب عنه في "المبسوط" بأن ذلك كان إذ ذاك لغلبة أهل الصلاح والأمانة، لا تصل إليها يد خائنة، فإذا تركها وجدها، وأما في زماننا، فلا يأمن وصول يد خائنة إليها بعده، ففي أخذها إحياؤها وحفظها على صاحبها، فهو أولى. . .، إلى آخر ما بسط في "الأوجز" (٤).
وفي "البذل" (٥) عن "البدائع" (٦): "ولنا ما روي أن رجلًا وجد بعيرًا بالحرة (٧)، فعرّفه، ثم ذكره لسيدنا عمر ﵁، فأمره أن يعرّفه، فقال الرجل لسيدنا عمر: قد شغلني عن ضيعتي، فقال سيدنا عمر: أرسله حيث وجدته" (٨).
стр. 1701
وأما الحديث فلا حجة له فيه؛ لأن المراد منه أن يكون صاحبه قريبًا منه، ألا ترى أنه قال ﵊: "حتى يلقاها ربها"، وإنما يقال ذلك إذا كان قريبًا، أو كان رجاء اللقاء ثابتًا، ونحن به نقول، ولا كلام فيه. . .، إلى آخر ما بسط.
(٣ - باب ضالّة الغنم)
كأنه أفردها بترجمة ليشير إلى افتراق حكمها عن الإبل، وقد انفرد مالك بتجويز أخذ الشاة وعدم تعريفها متمسكًا بقوله: "هي لك"، وأجيب بأن اللام ليست للتمليك، كما أنه قال أو للذئب والذئب لا يملك باتفاق، وقد أجمعوا على أن مالكها لو جاء قبل أن يأكلها الواجد لأخذها منه، انتهى من "الفتح" (١).
وقال العيني (٢): وبه تمسك مالك ﵀ في أنه يأخذها ويملكها بالأخذ ولو جاء صاحبها؛ لأنه صار حكمه حكم الذئب فلا غرامة، وردّ عليه بأن اللام ليست للتمليك؛ لأن الذئب لا يملك، وإنما يأكلها الملتقط بالضمان. . .، إلى آخر ما في "الأوجز" (٣).
(٤ - باب إذا لم يوجد صاحب اللقطة بعد سنة فهي لمن وجدها)
أي: غنيًا كان أو فقيرًا، واستدل بحديث الباب على أن اللاقط يملكها بعد انقضاء مدة التعريف، وهو ظاهر نص الشافعي، انتهى من "الفتح" (٤)، زاد القسطلاني (٥): وخصها الحنفية بالفقير دون الغني؛ لأن تناول مال الغير بغير إذنه غير جائز بلا ضرورة بإطلاق النصوص، انتهى.
стр. 1702
قال الموفق (١): إذا عرّف اللقطة حولًا فلم تعرف، ملكها ملتقطها، وصارت من ماله، غنيًا كان الملتقط أو فقيرًا، وبه قال الشافعي وإسحاق، وقال مالك وأصحاب الرأي والثوري: يتصدق بها، فإذا جاء صاحبها خيّره بين الأجر والغرم، قالوا: وليس له أن يتملكها إلا أن أبا حنيفة قال: له ذلك، إن كان فقيرًا من غير ذوي القربى، إلى آخر ما بسط في "الأوجز" (٢).
وها هنا مسألة أخرى ذكرها الحافظ ها هنا وترجم عليها البخاري فيما سيأتي من "باب إذا جاء صاحبها اللقطة بعد سنة. . ." إلخ، وهي ما قال الحافظ (٣): واختلف العلماء في ما إذا تصرف في اللقطة بعد تعريفها سنة، ثم جاء صاحبها هل يضمنها أم لا؟ فالجمهور على وجوب الرد إن كانت العين موجودة، أو البدل إن كانت استهلكت، وخالف في ذلك الكرابسي صاحب الشافعي، ووافقه صاحباه البخاري وداود بن علي إمام الظاهرية، لكن وافق داود الجمهور إذا كانت العين قائمة. ومن حجة الجمهور قوله في الرواية الماضية: "ولتكن وديعة عندك. . ."، إلى آخر ما بسط في دلائل مسلك الجمهور، ثم قال: وإذا تقرر هذا أمكن حمل قول المصنف في الترجمة: "فهي لمن وجدها" أي: في إباحة التصرف فيها حينئذ، وأما أمر ضمانها بعد ذلك فهو ساكت عنه، انتهى.
قلت: وما أفاده الحافظ ﵀ أخيرًا فهو وجهه، فعلى هذا لا تنافي بين هذه الترجمة وبين ما ستأتي من "باب إذا جاء صاحب اللقطة بعد سنة ردها عليه؛ لأنها وديعة عنده"، فافهم.
(٥ - باب إذا وجد خشبة في البحر. . .) إلخ
قال الحافظ (٤): أي: ماذا يصنع به، هل يأخذه أو يتركه؟ وإذا أخذه هل يتملكه أو يكون سبيله سبيل اللقطة؟ وقد اختلف العلماء فيه، انتهى.