← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 853

الأبواب والتراجم لصحيح البخاري

محمد زكريا الكاندهلوي

Полный текст (3 740 стр.). Показаны 1698–1737 · переход к 1703.

стр. 1698

٤٥ - كتاب اللقطة قال الحافظ (١): اللقطة: الشيء الذي يلتقط، وهو بضم اللام وفتح القاف على المشهور عند أهل اللغة والمحدثين، وقال عياض (٢): لا يجوز غيره، وقال الزمخشري في "الفائق" (٣): اللُّقطة بفتح القاف، والعامة تسكنها، كذا قال، وقد جزم الخليل بأنها بالسكون، قال: وأما بالفتح فهو اللاقط، قال الأزهري: هذا الذي قاله هو القياس، ولكن الذي سمع من العرب وأجمع عليه أهل اللغة والحديث الفتح، انتهى. وقال القسطلاني (٤): هي اللغة الشيء الملقوط، وشرعًا ما وجد من حق ضائع محترم غير محرز ولا ممتنع بقوته ولا يعرف الواجد مستحقه، وفي الالتقاط معنى الأمانة والولاية من حيث إن الملتقط أمين فيما التقطه، والشرع ولّاه حفظه، انتهى. ثم إنهم اختلفوا في حكم الالتقاط وبوَّب له المصنف فيما سيأتي بـ "باب هل يأخذ اللقطة" قال الموفق (٥): قال إمامنا: الأفضل ترك الالتقاط، وروي معنى ذلك عن ابن عباس وابن عمر وغيرهما، واختار أبو الخطاب إذا وجدها بمضيعة، وأمن نفسه عليها، فالأفضل أخذها، وهذا قول الشافعي، وحكي عنه قول آخر: إنه يجب أخذها، لقوله تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [التوبة: ٧١]. وممن رأى أخذها ابن المسيب وأبو حنيفة، وقال مالك: إن كان شيئًا له بال يأخذها أحب إليّ، إلى آخر ما بسط في "الأوجز" (٦)،

стр. 1699

وفيه عن الدردير (١): وجب أخذه لخوف خائن، لو تركه مع علمه أمانة نفسه، لا إن علم خيانته فيحرم أخذه. وفي "الدر المختار" (٢): ندب رفعها لصاحبها إن أمن على نفسه تعريفها وإلا فالترك أولى، ووجب عند خوف ضياعها، انتهى. (١ - باب إذا أخبره رب اللقطة بالعلامة) كتب الشيخ قُدِّس سرُّه في "اللامع" (٣): وذكر العلامة وإن لم يكن مذكورًا في تلك الرواية، إلا أنه معلوم بملاحظة الرواية الأخرى، انتهى. وفي هامشه: قال الحافظ: لم يقع في سياق الحديث ما ترجم به صريحًا فكأنه أشار إلى ما وقع في بعض طرقه من رواية مسلم فإنه روى هذا الحديث مطولًا بطرق متعددة، وفي بعضها قال: "فإن جاء أحد يخبرك بعددها ووعائها ووكائها فأعطها إياه"، انتهى مختصرًا. قلت: وما أورد أبو داود على هذه الزيادة أنها غير محفوظة رد عليه الحافظان ابن حجر والعيني، ومسألة الباب خلافية شهيرة بسطت في "الأوجز" فذهب مالك وأحمد إلى أنها تدفع لمن عرف العفاص والوكاء، وقال أبو حنيفة والشافعي: إن وقع في نفسه صدقه جاز أن تدفع إليه ولا يجبر على ذلك إلا ببينة. . .، إلى آخر ما بسط في "الأوجز" (٤)، انتهى من هامش "اللامع" (٥). (٢ - باب ضالة الإبل) قال الحافظ (٦): أي هل تلتقط أم لا؟ الضائع والضال في الحيوان كاللقطة في غيره، والجمهور على القول بظاهره في أنها لا تلتقط، وقال

стр. 1700

الحنفية: الأولى أن تلتقط، وحمل بعضهم النهي على من التقطها ليتملكها لا ليحفظها فيجوز له، وهو قول الشافعية، وكذا إذا وجدت بقرية فيجوز التملك على الأصح عندهم، والخلاف عند المالكية أيضًا، انتهى. وقال العيني (١): في التقاط الإبل عند المالكية ثلاثة أقوال، وعند الشافعية يجوز للحفظ فقط، انتهى. وقال الموفق (٢): كل حيوان يقوى على الامتناع من صغار السباع وورود الماء لا يجوز التقاطه، ولا التعرض له سواء كان لكبر جثته؛ كالإبل، والخيل، والبقر، أو لطيرانه كالطيور، أو لسرعته كالظباء والصيود، أو بنابه؛ كالكلاب والفهود، وبهذا قال الشافعي، وقال مالك في ضالة الإبل: من وجدها في القرى عرّفها، ومن وجدها في الصحراء لا يقربها، ورواه المزني عن الشافعي، وقال أبو حنيفة: يباح التقاطها، انتهى مختصرًا. وأما حديث الباب فقال ابن الهمام (٣): أجاب عنه في "المبسوط" بأن ذلك كان إذ ذاك لغلبة أهل الصلاح والأمانة، لا تصل إليها يد خائنة، فإذا تركها وجدها، وأما في زماننا، فلا يأمن وصول يد خائنة إليها بعده، ففي أخذها إحياؤها وحفظها على صاحبها، فهو أولى. . .، إلى آخر ما بسط في "الأوجز" (٤). وفي "البذل" (٥) عن "البدائع" (٦): "ولنا ما روي أن رجلًا وجد بعيرًا بالحرة (٧)، فعرّفه، ثم ذكره لسيدنا عمر ﵁، فأمره أن يعرّفه، فقال الرجل لسيدنا عمر: قد شغلني عن ضيعتي، فقال سيدنا عمر: أرسله حيث وجدته" (٨).

стр. 1701

وأما الحديث فلا حجة له فيه؛ لأن المراد منه أن يكون صاحبه قريبًا منه، ألا ترى أنه قال ﵊: "حتى يلقاها ربها"، وإنما يقال ذلك إذا كان قريبًا، أو كان رجاء اللقاء ثابتًا، ونحن به نقول، ولا كلام فيه. . .، إلى آخر ما بسط. (٣ - باب ضالّة الغنم) كأنه أفردها بترجمة ليشير إلى افتراق حكمها عن الإبل، وقد انفرد مالك بتجويز أخذ الشاة وعدم تعريفها متمسكًا بقوله: "هي لك"، وأجيب بأن اللام ليست للتمليك، كما أنه قال أو للذئب والذئب لا يملك باتفاق، وقد أجمعوا على أن مالكها لو جاء قبل أن يأكلها الواجد لأخذها منه، انتهى من "الفتح" (١). وقال العيني (٢): وبه تمسك مالك ﵀ في أنه يأخذها ويملكها بالأخذ ولو جاء صاحبها؛ لأنه صار حكمه حكم الذئب فلا غرامة، وردّ عليه بأن اللام ليست للتمليك؛ لأن الذئب لا يملك، وإنما يأكلها الملتقط بالضمان. . .، إلى آخر ما في "الأوجز" (٣). (٤ - باب إذا لم يوجد صاحب اللقطة بعد سنة فهي لمن وجدها) أي: غنيًا كان أو فقيرًا، واستدل بحديث الباب على أن اللاقط يملكها بعد انقضاء مدة التعريف، وهو ظاهر نص الشافعي، انتهى من "الفتح" (٤)، زاد القسطلاني (٥): وخصها الحنفية بالفقير دون الغني؛ لأن تناول مال الغير بغير إذنه غير جائز بلا ضرورة بإطلاق النصوص، انتهى.

стр. 1702

قال الموفق (١): إذا عرّف اللقطة حولًا فلم تعرف، ملكها ملتقطها، وصارت من ماله، غنيًا كان الملتقط أو فقيرًا، وبه قال الشافعي وإسحاق، وقال مالك وأصحاب الرأي والثوري: يتصدق بها، فإذا جاء صاحبها خيّره بين الأجر والغرم، قالوا: وليس له أن يتملكها إلا أن أبا حنيفة قال: له ذلك، إن كان فقيرًا من غير ذوي القربى، إلى آخر ما بسط في "الأوجز" (٢). وها هنا مسألة أخرى ذكرها الحافظ ها هنا وترجم عليها البخاري فيما سيأتي من "باب إذا جاء صاحبها اللقطة بعد سنة. . ." إلخ، وهي ما قال الحافظ (٣): واختلف العلماء في ما إذا تصرف في اللقطة بعد تعريفها سنة، ثم جاء صاحبها هل يضمنها أم لا؟ فالجمهور على وجوب الرد إن كانت العين موجودة، أو البدل إن كانت استهلكت، وخالف في ذلك الكرابسي صاحب الشافعي، ووافقه صاحباه البخاري وداود بن علي إمام الظاهرية، لكن وافق داود الجمهور إذا كانت العين قائمة. ومن حجة الجمهور قوله في الرواية الماضية: "ولتكن وديعة عندك. . ."، إلى آخر ما بسط في دلائل مسلك الجمهور، ثم قال: وإذا تقرر هذا أمكن حمل قول المصنف في الترجمة: "فهي لمن وجدها" أي: في إباحة التصرف فيها حينئذ، وأما أمر ضمانها بعد ذلك فهو ساكت عنه، انتهى. قلت: وما أفاده الحافظ ﵀ أخيرًا فهو وجهه، فعلى هذا لا تنافي بين هذه الترجمة وبين ما ستأتي من "باب إذا جاء صاحب اللقطة بعد سنة ردها عليه؛ لأنها وديعة عنده"، فافهم. (٥ - باب إذا وجد خشبة في البحر. . .) إلخ قال الحافظ (٤): أي: ماذا يصنع به، هل يأخذه أو يتركه؟ وإذا أخذه هل يتملكه أو يكون سبيله سبيل اللقطة؟ وقد اختلف العلماء فيه، انتهى.

стр. 1703

وفي "الفيض" (١): والتعريف في مثل هذه الأشياء اليسيرة يكون بقدر ما يرى، فيعرفها أيامًا معدودة، انتهى. قال العلَّامة العيني (٢): روى ابن عبد الحكم عن مالك: إذا ألقى البحر خشبة فتركها أفضل، ورخصت طائفة في أخذ اللقطة اليسيرة والانتفاع بها وترك تعريفها، وممن روي عنه ذلك عمر وعلي وعائشة، وهو قول عطاء والنخعي وطاوس، وقال عطاء: لا بأس للمسافر إذا وجد السوط والسقاء والنعلين أن ينتفع بها، استدل من يبيح ذلك بحديث الخشبة؛ لأن النبي ﷺ أخبر أنه أخذها حطبًا لأهله ولم يأخذها ليعرفها، ولم يقل إنه فعل ما لا ينبغي. وفي "الهداية": إن كانت اللقطة مما يعلم أن صاحبها لا يتطلبها؛ كالنواة وقشور الرمان فإلقاؤه إباحة أخذه، فيجوز الانتفاع به من غير تعريف، ولكنه يبقى على ملك مالكه؛ لأن التمليك من المجهول لا يصح، إلى آخر ما بسط العيني (٣). وقال الحافظ (٤): والأصح عند الشافعية أنه لا فرق في اللقطة بين القليل والكثير في التعريف وغيره، وفي وجه لا يجب التعريف أصلًا، وقيك: تعرّف مرة، وقيل: ثلاثة أيام، وهذا كله في قليل له قيمة، أما ما لا قيمة له كالحبة الواحدة فله الاستبداد به على الأصح، ثم ذكر مذهب الحنفية مثل ما تقدم آنفًا عن "الهداية" في كلام العيني، وزاد: وعند المالكية كذلك إلا أنه يزول ملك صاحبه عنه، انتهى. وقال العيني (٥): قيل: ليس في الباب ذكر السوط، وأجيب: بأنه استنبطه بطريق الإلحاق، وقيل: كأنه فاته عنه، وقال بعضهم - الحافظ -

стр. 1704

أشار بالسوط إلى أثر يأتي بعد أبواب في حديث أُبي بن كعب، ثم تعقَّب العيني عليه. (٦ - باب إذا وجد تمرة في الطريق) قال الحافظ (١): أي يجوز له أخذها وأكلها وكذا نحوها من المحقرات، وهو المشهور المجزوم به عند الأكثر، انتهى. وقال القسطلاني (٢) تبعًا للحافظ تحت حديث الباب: ظاهره أنه ﷺ تركها تورعًا خشية أن تكون من الصدقة، فلو لم يخش ذلك لأكلها، ولم يذكر تعريفًا، فدل على أن مثل ذلك من المحقرات يملك بالأخذ ولا يحتاج إلى تعريف، لكن هل يقال: إنها لقطة رخص في ترك تعريفها أو ليست لقطة؛ لأن اللقطة ما من شأنه أن يتملك دون ما لا قيمة له، انتهى. (٧ - باب كيف تعرف لقطة أهل مكة ؟) كأنه أشار بذلك إلى إثبات لقطة الحرم، فلذلك قصر الترجمة على الكيفية، ولعله أشار إلى ضعف الحديث الوارد في النهي عن لقطة الحاج، أو إلى تأويله بأن المراد النهي عن التقاطها للتملك لا للحفظ، انتهى من "الفتح" (٣). قلت: والحديث الذي أشار إليه الحافظ هو ما أخرجه الإمام أبو داود عن عبد الرحمن بن عثمان التيمي: "أن رسول الله ﷺ نهى عن لقطة الحاج" (٤). وكتب الشيخ في "اللامع" (٥): دلالة الرواية عليه من حيث أن تعريف لقطة مكة كتعريف لقطة غيرها، وتخصيص مكة لكونها مظنة مبادرة اللاقط إلى إنفاقها؛ لأن الناس يأتونها من بُعْد، فيبعد احتمال العود، أو لأن الجناية

стр. 1705

على مال الغير وإن كانت ممنوعة إلا أنها في البلد الحرام أشد، انتهى. وقال الحافظ (١): واستدل بحديثي الباب على أن لقطة مكة لا تلتقط للتمليك بل للتعريف خاصة وهو قول الجمهور، وإنما اختصت بذلك عندهم لإمكان إيصالها إلى ربها؛ لأنها إن كانت للمكي فظاهر، وإن كانت للآفاقي فلا يخلو أفق غالبًا من وارد إليها، فإذا عرَّفها واجدها في كل عام سهل التوصل إلى معرفة صاحبها، قاله ابن بطال (٢)، وقال أكثر المالكية وبعض الشافعية: هي كغيرها من البلاد، وإنما تختص مكة بالمبالغة في التعريف لأن الحاج يرجع إلى بلده وقد لا يعود فاحتاج الملتقط بها إلى المبالغة في التعريف، انتهى. وفي "البذل" (٣): قال في "البدائع" (٤): وكل جواب عرّفه في لقطة الحل فهو الجواب في لقطة الحرم. . .، إلى آخر ما بسط في الدلائل. وفي هامشه: قال الموفق (٥): ظاهر كلام أحمد والخرقي أن لقطة الحل والحرم سواء، وعن أحمد رواية أخرى: لا يجوز لقطة الحرم للتملك، وعن الشافعي كالمذهبين، انتهى. (٨ - باب لا تحلب ماشية أحد بغير إذن) هكذا أطلق الترجمة على وفق ظاهر الحديث إشارة إلى الرد على من خصصه أو قيّده، انتهى [من "الفتح"] (٦). قال القسطلاني (٧) تبعًا للحافظ بعد ذكر الحديث: وفيه النهي عن أن يأخذ المسلم للمسلم شيئًا بغير إذنه، وإنما خص اللبن بالذكر لتساهل الناس فيه فنبَّه به على ما هو أعلى منه.

стр. 1706

وقال النووي في "شرح المهذب" (١): اختلف العلماء في من مر ببستان أو زرع أو ماشية فقال الجمهور: لا يجوز أن يأخذ منه شيئًا إلا في حال الضرورة فيأخذ ويغرم عند الشافعي والجمهور، منهم الإمام أبو حنيفة ومالك والشافعي وأصحابهم، وقال بعض السلف: لا يلزمه شيء، وقال أحمد: إذا لم يكن على البستان حائط جاز له الأكل من الفاكهة الرطبة في أصح الروايتين ولو لم يحتج إلى ذلك، وفي الرواية الأخرى إذا احتاج ولا ضمان عليه في الحالتين، وعلَّق الشافعي القول بذلك على صحة الحديث، قال البيهقي: يعني: حديث ابن عمر مرفوعًا: "إذا مر أحدكم بحائط فليأكل ولا يتخذ خبنة"، أخرجه الترمذي (٢). وذهب كثير من السلف إلى الجواز مطلقًا في الأكل والشرب سواء علم بطيب نفسه أو لم يعلم لرواية أبي داود (٣) والترمذي وصححه عن سمرة مرفوعًا: "إذا أتى أحدكم على ماشية فإن لم يكن صاحبها فيها فليصوت ثلاثًا فإن أجاب فليستأذنه فإن أذن له وإلا فليحلب وليشرب ولا يحمل"، وأجيب عنه بأن حديث النهي أصح فهو أولى بأن يعمل به، وبأنه معارض للقواعد القطعية في تحريم مال المسلم بغير إذنه فلا يلتفت إليه. . .، إلى آخر ما بسط في وجوه الجمع بين الروايات المتعارضة في هذه المسألة. (٩ - باب إذا جاء صاحب اللقطة بعد سنة ردها عليه) كتب الشيخ قُدِّس سرُّه في "اللامع" (٤): أراد بذلك أنه لا فصل بين مدة ومدة، بل تجب القيمة على الملتقط كلما أتى المالك، انتهى. قلت: هذه المسألة خلافية تقدم الكلام عليها في "باب إذا لم يوجد صاحب اللقطة بعد سنة. . ." إلخ، فارجع إليه، وبسط الكلام عليه أيضًا في

стр. 1707

هامش "اللامع" (١)، وأما مسألة مدة التعريف فخلافية، قال الموفق (٢): قدر التعريف سنة، روي ذلك عن عمر وعلي وابن عباس، وبه قال مالك والشافعي وأصحاب الرأي (الثاقب)، وروي عن عمر رواية أخرى ثلاثة أشهر، وعنه ثلاثة أعوام لرواية أُبيّ، وقال الحسن بن صالح: ما دون عشرة دراهم يعرِّفها ثلاثة أيام، وقال إسحاق: ما دون الدينار يعرّفها جمعة أو نحوها، انتهى من "الأوجز" (٣). وفي "البذل" (٤): وللحنفية فيها ثلاث روايات: أولاها: ما ذكرها محمد في "الأصل" وهو ظاهر الرواية، تقديره بالحول من غير فصل بين قليل وكثير، وهو قول مالك والشافعي وأحمد. وثانيتها: ما ذكرها صاحب "الهداية" (٥): فإن كانت أقل من عشرة دراهم عرَّفها أيامًا، وإن كانت عشرة فصاعدًا عرَّفها حولًا، قال العبد الضعيف: هذه رواية عن أبي حنيفة. قال في "العناية" (٦): قوله: هذه رواية عن أبي حنيفة، يشير إلى أنها ليست ظاهر الرواية، فإن الطحاوي قال: إذا التقط لقطة يعرِّفها سنة سواء كان شيئًا نفيسًا أو خسيسًا في ظاهر الرواية. وثالثتها: ما ذكرها صاحب "الهداية" (٧) أيضًا: قيل: الصحيح أن شيئًا من هذه المقادير ليس بلازم، ويفوض إلى رأي الملتقط يعرّفها إلى أن يغلب على ظنه أن صاحبها لا يطلبها بعد ذلك، ثم يتصدق بها وهو الذي اختاره السرخسي في "مبسوطه" (٨).

стр. 1708

قال الشامي في حاشيته على "الدر" (١): وصححه في "الهداية"، وفي "المضمرات" و"الجوهرة": وعليه الفتوى، وهو خلاف ظاهر الرواية من التقدير بالحول في القليل والكثير "بحر". قلت: والمتون على قول السرخسي. . .، إلى آخر ما بسط شيخنا في "البذل". (١٠ - باب هل يأخذ اللقطة ولا يدعها. . .) إلخ قال الحافظ (٢): كذا للأكثر، وسقطت "لا" بعد حتى عند ابن شبويه، وأظن الواو سقطت من قبل حتى، والمعنى لا يدعها فتضيع ولا يدعها حتى يأخذها من لا يستحق. وأشار بهذه الترجمة إلى الرد على من كره اللقطة، ومن حجتهم حديث الجارود مرفوعًا: "ضالة المسلم حرق النار" أخرجه النسائي (٣) بإسناد صحيح، وحمل الجمهور ذلك على من لا يعرفها، وأما ما أخذه من حديث الباب فمن جهة أنه ﷺ لم ينكر على أُبي ﵁ أخذه الصرة، فدل على أنه جائز شرعًا، انتهى. قلت: ولا يبعد أن المصنف أتى بلفظ الاستفهام؛ لأن حديث أبي ليس بنص في الأخذ بل لبيان الحكم بعد الأخذ، أو يقال: إنه أشار بلفظ هل إلى رواية النسائي فإنها نص في المنع، وحديث الباب فعل لا عموم له، وتقدم الكلام على مسألة الباب في أول "كتاب اللقطة". (١١ - باب من عرّف اللقطة ولم يدفعها إلى السلطان) كأنه أشار بالترجمة إلى رد قول الأوزاعي في التفرقة بين القليل والكثير فقال: إن كان قليلًا عرَّفه وإن كان مالًا كثيرًا رفعه إلى بيت المال، والجمهور على خلافه، نعم فرَّق بعضهم بين اللقطة والضوال، وبعض المالكية والشافعية بين المؤتمن وغيره، فقال: يعرف المؤتمن، وأما غير

стр. 1709

المؤتمن فيدفعها إلى السلطان ليعطيها المؤتمن ليعرفها، انتهى مختصرًا من "الفتح" (١). (١٢ - باب) بغير ترجمة، قال الحافظ: كذا بغير ترجمة، وسقط من رواية أبي ذر، فهو إما من الباب أو كالفصل منه، فيحتاج إلى مناسبة بينهما على الحالين، فإنه ساق فيه طرفًا من حديث البراء في قصة الهجرة، والغرض منه شرب النبي ﷺ وأبي بكر من لبن الشاة، وليس في ذلك مناسبة ظاهرة لحديث اللقطة، لكن قال ابن المنيِّر (٢): مناسبة هذا الحديث لأبواب اللقطة الإشارة إلى أن المبيح للبن هنا أنه في حكم الضائع إذ ليس مع الغنم في الصحراء سوى راع واحد فالفاضل عن شربه مستهلك، فهو كالسوط الذي اغتفر التقاطه، وأعلى أحواله أن يكون كالشاة الملتقطة في الضيعة وقد قال فيها: "هي لك أو لأخيك أو للذئب"، انتهى. ولا يخفى ما فيه من التكلف، ومع ذلك فلم تظهر مناسبته للترجمة بخصوصها، انتهى. واختار العيني والقسطلاني ما حكى الحافظ عن ابن المنيِّر. والأوجه عند هذا العبد الضعيف: أن من عادة الإمام البخاري المعروفة ذكر الأضداد في الكتب، وهو الأصل التاسع والستون من أصول التراجم، فنبَّه الإمام البخاري بذكر هذا الحديث ها هنا أن المال الذي عرف مالكه ليس بداخل في اللقطة، وذكره في باب بلا ترجمة؛ لأن الباب بلا ترجمة يكون لوجوه مختلفة، تقدم في المقدمة، منها الأصل الخامس والعشرون: أنه قد يحذف الترجمة تشحيذًا للأذهان، فينبغي أن يترجم هذا الباب بما قلته: إن المال الذي عرف مالكه ليس بلقطة، ويمكن إدخاله في

стр. 1710

الأصل السابع والخمسين أيضًا باعتبار أنه لا تعلق له بالترجمة السابقة، بل هو رجوع إلى الأصل، وهو أبواب اللقطة باعتبار الضد؛ كذكر أبواب الكفر في "كتاب الإيمان"، انتهى من هامش "اللامع" (١). ثم البراعة عند الحافظ في قوله: "فشرب حتى رضيت"، وعندي في قوله: "ينفض ضرعها من الغبار" فإن الناس بعد دفن الميت وإهالة التراب عليه ينفضون أيديهم من الغبار. والأوجه منه عندي في قوله: "حتى برد أسفله" فإن بدء برد الميت عند الموت يكون من الأسفل. * * *

стр. 1711

٤٦ - أبواب المظالم والقصاص هكذا في النسخ الهندية، وفي نسخة الفتح والقسطلاني "كتاب المظالم في المظالم والغصب"، وفي نسخة العيني "كتاب المظالم والغصب". قال الحافظ (١): وللنسفي "كتاب الغصب باب في المظالم"، والمظالم جمع مظلمة مصدر ظلم يظلم، واسم لما أخذ بغير حق، والظلم وضع الشيء في غير موضعه الشرعي، والغصب أخذ حق الغير بغير حق، انتهى. قال القسطلاني (٢): المظالم جمع مظلمة بكسر اللام وفتحها حكاه الجوهري وغيره، والكسر أكثر، والغصب لغةً أخذ الشيء ظلمًا، وقيل: أخذه جهرًا بغلبة، وشرعًا: الاستيلاء على حق الغير عدوانًا، انتهى. قال العيني (٣): القصاص اسم لمعنى المقاصة، وهو مقاصة ولي المقتول القاتل، والمجروح الجارح، وهي مساواته إياه في قتل أو جرح ثم عم في كل مساواة، انتهى. (باب في المظالم والغصب) أي: في بيان تحريم المظالم وتحريم الغصب، وقد تقدم الكلام على معناه آنفًا، ثم المصنف لم يذكر في هذا الباب حديثًا ولم يتعرض له الشرَّاح، إذ ليس في نسخهم ها هنا لفظ الباب كما تقدم، وأما على النسخة الهندية فيمكن أن يوجه بأن الحديث الآتي في الترجمة الآتية مثبت لكليهما، وقد تقدم في الأصل السابع والعشرين من أصول التراجم أن المصنف تارة

стр. 1712

يذكر بابًا مع الترجمة لكن لا يذكر فيه حديثًا، وفيه وجهان: مرة يذكر تحت الترجمة آية أو حديثًا أو قولًا من الصحابة والتابعين، وإلا على الترجمة فالترجمة مثبتة بذلك، واكتفى المصنف بذلك إما لأن حديثًا على شرطه ليس عنده، أو لقصد التمرين، ومرة لا يذكر في الباب شيئًا منها فيحمله الشرَّاح على سهو الناسخين أو سهو المصنف وغير ذلك، والتحقيق عندنا أن المؤلف لا يفعل ذلك إلا في موضع يكون دليل الترجمة مذكورًا قبلها في الباب السابق أو بعدها، إلى آخر ما تقدم. (١ - باب قصاص المظالم) قال الحافظ (١): يعني: يوم القيامة، ذكر فيه حديث أبي سعيد الخدري، وقد ترجم عليه في "كتاب الرقاق": "باب القصاص يوم القيامة" (٢)، ويأتي الكلام عليه هناك، انتهى. قلت: ولعل الإمام البخاري أشار بهذه الترجمة إلى أن المظالم لا تعفى بالتوبة فقط، بل لا بد من القصاص يوم القيامة، إما بإعطاء حسنات الظالم للمظلوم، أو بإعطاء الله تعالى من عنده كما ورد. (٢ - باب قول الله تعالى: ﴿أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ [هود: ١٨]) ذكر فيه حديث ابن عمر "يدني الله المؤمن فيضع عليه كنفه" الحديث، ووجه دخوله في أبواب الغصب الإشارة إلى أن عموم قوله هنا "أغفرها لك" مخصوص بحديث أبي سعيد الماضي في الباب قبله، انتهى من "الفتح" (٣).

стр. 1713

(٣ - باب لا يظلم المسلم المسلم ولا يسلمه) بضم أوله، يقال: أسلم فلان فلانًا إذا ألقاه إلى الهلكة ولم يحمه من عدوه، وهو عام في كل من أسلم لغيره، لكن غلب في الإلقاء إلى الهلكة. ثم قال تحت شرح الحديث: قوله: "ولا يسلمه" أي: لا يتركه مع من يؤذيه ولا فيما يؤذيه، بل ينصره ويدفع عنه، وهذا أخص من ترك الظلم، وقد يكون ذلك واجبًا وقد يكون مندوبًا بحسب اختلاف الأحوال، انتهى من "الفتح" (١). (٤ - باب أعن أخاك ظالمًا أو مظلومًا) قال الحافظ: ترجم بلفظ الإعانة، وأورد الحديث بلفظ النصر، فأشار إلى ما ورد في بعض طرقه، ففي حديث جابر مرفوعًا: "أعن أخاك ظالمًا أو مظلومًا" أخرجه ابن عدي، وأبو نعيم في "المستخرج". قال ابن بطال (٢): النصر عند العرب الإعانة، وتفسيره لنصر الظالم بمنعه من الظلم من تسمية الشيء بما يؤول إليه، وهو من وجيز البلاغة، وقال البيهقي: معناه أن الظالم مظلوم في نفسه، فيدخل فيه ردع المرء عن ظلمه لنفسه حسًا ومعنى. ثم قال الحافظ: قيل: إن أول من قال: "انصر أخاك ظالمًا أو مظلومًا" جندب بن العنبر، وأراد بذلك ظاهره وهو ما اعتادوه من حمية الجاهلية، لا على ما فسره النبي ﷺ ، انتهى من "الفتح" (٣). قلت: وعلى هذا يمكن أن يقال: إن غرض الترجمة الإشارة إلى تفسير هذه المقولة المعروفة في الجاهلية بما فسره ﷺ ، والرد على ما عليه أهل الجاهلية.

стр. 1714

(٥ - باب نصر المظلوم) إنما كرر هذا الباب مع أنه تقدم اهتمامًا له أو لإرادة التعميم، أي: وإن لم يكن أخًا له. قال الحافظ (١): هو فرض كفاية، وهو عام في المظلومين، وكذلك في الناصرين بناء على أن فرض الكفاية مخاطب به الجميع وهو الراجح، ويتعين أحيانًا على من له القدرة عليه وحده إذا لم يترتب على إنكاره مفسدة أشد من مفسدة المنكر، فلو علم أو غلب على ظنه أنه لا يفيد سقط الوجوب وبقي أصل الاستحباب بالشرط المذكور، فلو تساوت المفسدتان تخير، انتهى. وقال القسطلاني في شرح الحديث (٢): قوله: "ونصر المظلوم" مسلمًا كان أو ذميًّا واجب على الكفاية ويتعين على السلطان، وقد يكون بالقول أو بالفعل، انتهى. (٦ - باب الانتصار من الظالم) أي: هذا باب في بيان الانتصار، أي: الانتقام، قاله العيني (٣). وقال الحافظ (٤): أما الآية الأولى فروى الطبري من طريق السدي قوله: ﴿إِلَّا مَنْ ظُلِمَ﴾ أي: فانتصر بمثل ما ظلم به فليس عليه ملامة، وعن مجاهد ﴿إِلَّا مَنْ ظُلِمَ﴾ فانتصر فإن له أن يجهر بالسوء، وعنه: نزلت في رجل نزل بقوم فلم يضيفوه فرخص له أن يقول فيهم، وعن ابن عباس: المراد بالجهر من القول الدعاء، فرخص للمظلوم أن يدعو على من ظلمه، وأما الآية الثانية فروى الطبري من طريق السدي أيضًا في قوله: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ﴾ [الشورى: ٣٩]، قال: يعني: ممن بغى عليهم من غير أن يعتدوا، انتهى.

стр. 1715

وكتب الشيخ في "اللامع" (١) تحت الآية الثانية: قد يستنبط من تلك الآيات إشارة ما إلى ترتيب الخلافة، فقوله: ﴿وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ﴾ [الشورى: ٣٧] شأن أبي بكر رضي الله تعالى عنه حيث لم يقترف الفواحش والكبائر في جاهلية ولا إسلام، ﴿وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾ [الشورى: ٣٨] شأن عمر ﵁ حيث ترك الخلافة شورى بين نفر من الصحابة، ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ﴾ عثمان حيث بغوا عليه وقتلوه ظلمًا، ﴿هُمْ يَنْتَصِرُونَ﴾ علي كرم الله وجهه المنتقم من الأعداء، ولما كان البغي على عثمان بغيًا على علي، وانتصار علي انتصار عثمان لكونهما نائبين منيبين، ورضاء كل منهما بفعل الآخر صح إسناد الفعلين إليهما، معًا، والله تعالى أعلم، انتهى. وبسط الكلام عليه في هامشه: من كلام صاحب "الإشاعة في أشراط الساعة" وذكر فيه أيضًا ما ترجح عند هذا العبد الفقير فارجع إليه لو شئت. (٧ - باب عفو المظلوم) لم يذكر المصنف في هذه الترجمة وفي الترجمة السابقة حديثًا، وقد تقدم منا الكلام عليه آنفًا في "باب المظالم والغصب" من الأصل السابع والعشرين. (٨ - باب الظلم ظلمات يوم القيامة) الترجمة هي عين الحديث، والظلمات جمع ظلمة وهو خلاف النور، وضم اللام فيه لغة، ويجوز في الظلمات ضم اللام وفتحها وسكونها، قال المهلب: الذي يدل عليه القرآن: أنها ظلمات على البصر حتى لا يهتدي سبيلًا، قال الله تعالى في المؤمنين: ﴿يَسْعَى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ﴾ [الحديد: ١٢] وقال في المنافقين: ﴿انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ﴾ [الحديد: ١٣] فأثاب الله

стр. 1716

المؤمن بلزوم نور الإيمان لهم، ولذذهم بالنظر إليه، وقوى به أبصارهم، وعاقب الكفار والمنافقين بأن أظلم عليهم ومنعهم لذة النظر إليه، انتهى [من "العمدة"] (١). (٩ - باب الاتقاء والحذر من دعوة المظلوم) قال العلَّامة القسطلاني (٢) في شرح الحديث: قوله: "ليس بينها وبين الله حجاب" كناية عن الاستجابة وعدم الرد كما صرَّح به في حديث أبي هريرة عند الترمذي مرفوعًا بلفظ: "ثلاثة لا ترد دعوتهم: الصائم حين يفطر، والإمام العادل، ودعوة المظلوم يرفعها الله تعالى فوق الغمام" الحديث، انتهى. (١٠ - باب من كانت له مظلمة عند الرجل. . .) إلخ قال الحافظ (٣) ﵀: المظلمة بكسر اللام على المشهور، وحكي فتحها وحكي الضم أيضًا، انتهى. قال العيني (٤): قوله: "مظلمة" أي: المأخوذ بغير حق، وقوله: "هل يبين؟ " أي: هل يحتاج إلى بيان تلك المظلمة حتى يصح التحليل؟ وفيه خلاف، فلذلك لم يذكر جواب "هل"، انتهى. قال الحافظ (٥): فيه إشارة إلى الخلاف في صحة الإبراء من المجهول، وإطلاق الحديث يقوي قول من ذهب إلى صحته، وقد ترجم بعد باب "إذا حلله ولم يبين كم هو"، وفيه إشارة إلى الإبراء من المجمل أيضًا، انتهى.

стр. 1717

وفي "الدر المختار" (١): البراءة عن الحقوق المجهولة لا يصح عند الشافعي، ويصح عندنا لعدم إفضائه إلى المنازعة، انتهى. وفي "الهداية" (٢): هو يقول: إن في الإبراء معنى التمليك حتى يرتد بالرد، وتمليك المجهول لا يصح، ولنا أن الجهالة في الإسقاط لا تفضي إلى المنازعة، وإن كان في ضمنه التمليك لعدم الحاجة إلى التسليم، فلا تكون مفسدة، انتهى. (١١ - باب إذا حلَّله من ظلمه فلا رجوع فيه) أي: معلومًا عند من يشترطه أو مجهولًا عند من يجيزه، وهو فيما مضى باتفاق، وأما فيما سيأتي ففيه الخلاف، ومطابقة الحديث للترجمة من جهة أن الخلع عقد لازم فلا يصح الرجوع فيه، ويلتحق به كل عقد لازم كذلك. كذا قال الكرماني (٣) فوهم، ومورد الحديث والآية إنما هو في حق من يسقط حقها من القسمة، وليس من الخلع في شيء، فمن ثم وقع الإشكال فقال الداودي: ليست الترجمة بمطابقة للحديث، فوجهه ابن المنيِّر (٤) بأن الترجمة تتناول إسقاط الحق من المظلمة الفائتة والآية مضمونها إسقاط الحق المستقبل حتى لا يكون عدم الوفاء به مظلمة لسكوته، قال ابن المنيِّر: لكن البخاري تلطف في الاستدلال وكأنه يقول: إذا نفذ الإسقاط في الحق المتوقع فلأن ينفذ في الحق المحقق أولى، انتهى من "الفتح" (٥). وكتب الشيخ في "اللامع" (٦) تحت الباب: يعني بذلك ما هو إسقاط محض، فأما إذا حللته مما لم يوجد بعد من القسم وأمثاله فلها الرجوع فيه؛ لأن الإسقاط لم يوجد إلا فيما وجد، فلها أن تمنع ما فوق

стр. 1718

ذلك؛ لأنه ليس رجوعًا فيما أسقطته بل هو امتناع عن الإسقاط في ما بعد، فلا يعترض بالرواية في إثبات الأحناف للمرأة الرجوع فيما أسقطته من قسمه. ثم دلالة الرواية على الترجمة - أي: الماضية كما تقدم في أول الباب -، وكذلك في الترجمة الآتية محتاجة إلى فضل، تدبر. وحاصل المعنيين: قياس الموجود والماضي على المستقبل والآتي، والاستدلال بحصة الشرب الشائع على الحق المبهم، انتهى. (١٢ - باب إذا أذن له أو حلَّله له ولم يبين كم هو ؟) أي: أذن رجل لرجل آخر في استيفاء حقه. . . إلخ، قاله القسطلاني (١). قال الحافظ (٢): أورد فيه حديث سهل بن سعد في استئذان الغلام في الشرب، ومطابقته - وقد خفيت على ابن التِّين فأنكرها - من جهة أن الغلام لو أذن في شرب الأشياخ قبله لجاز؛ لأن ذلك هو فائدة استئذانه، فلو أذن لكان قد تبرع بحقه، وهو لا يعلم قدر ما يشربون ولا قدر ما كان هو يشربه، انتهى. وقال القسطلاني (٣): ولم يظهر لي وجه المناسبة بين الترجمة والحديث فالله أعلم، وقد قيل: إنها تؤخذ من معنى الحديث؛ لأنه لو أذن الغلام. . . إلى آخر ما تقدم. ثم لا يخفى عليك الفرق بين هذه الترجمة وبين ما سبق قبل باب، فإن الأولى في الإبراء عن الحقوق المجهولة بأن لا يعرف نوع الحقوق هل كانت من المال أو العرض أو غيرهما، وهذه الترجمة في الإبراء من الحقوق

стр. 1719

المجملة بأن يكون النوع معلومًا بأن يكون الدراهم مثلًا، لكن لم يعلم مقدارها، فافهم. (١٣ - باب إثم من ظلم شيئًا من الأرض) كأنه يشير إلى توجيه تصوير غصب الأرض، خلافًا لمن قال: لا يمكن ذلك، انتهى من "الفتح" (١). قوله: (أن سعيد بن زيد. . .) إلخ، قال الحافظ: قد تقدم من رواية ابن إسحاق قصة لسعيد في هذا الحديث وسيأتي في "بدء الخلق" (٢): "أنه خاصمته أروى في حقٍّ زعمت أنه انتقصه لها إلى مروان، فقال مروان: دعوها وإياها، فترك سعيد ما ادعت"، وفي رواية لمسلم: "أن سعيدًا قال: اللَّهم إن كانت كاذبة فأعم بصرها واجعل قبرها في دارها"، وفي رواية: "فجاء سعيد إلى مروان فركب معه والناس حتى نظروا إليها وذكروا كلهم أنها عميت، وأنها سقطت في بئرها وماتت"، انتهى ملخصًا من "الفتح" (٣). (١٤ - باب إذا أذن إنسان لآخر شيئًا جاز) كتب الشيخ قُدِّس سرُّه في "اللامع" (٤): وإنما ذكره ها هنا لما فيه من حق الآخر والآذن، فكان لكل منهما الاقتران بعد إذن صاحبه فيكون التعدي معفوًا بالإذن، انتهى. وفي هامشه (٥): قال الحافظ: أورد المصنف فيه حديثين: أحدهما لابن عمر في النهي عن القران، والمراد به أن لا يقرن تمرة بتمرة عند الأكل لئلَّا يجحف برفقته، فإن أذنوا له في ذلك جاز؛ لأنه حقهم فلهم أن يسقطوه، وهذا يقوّي مذهب من يصحح هبة المجهول، انتهى.

стр. 1720

قال العيني (١): قال القرطبي: حمل أهل الظاهر هذا النهي على التحريم مطلقًا، وحمله جمهور الفقهاء على حالة المشاركة بدليل مساق الحديث، وصوَّب النووي التفصيل فإن كان مشتركًا بينهم حرم إلا برضاهم وإلا فلا، انتهى. (١٥ - باب قول الله تعالى ﴿وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ﴾ [البقرة: ٢٠٤]) كتب الشيخ قُدِّس سرُّه في "اللامع" (٢): إنما ذكره ها هنا لأن المظالم والمنازعات تكون منجرة إلى اللدد فينبغي الاحتراز عن الوقوع فيه، انتهى. وفي هامشه: أشار الشيخ بذلك إلى دفع ما يرد على الإمام البخاري أن محل هذا الباب كتاب التفسير، قال الكرماني (٣): الألد شديد الجدل والإضافة بمعنى في، أو جعل الخصام ألد على المبالغة، وقيل: الخصام جمع الخصم، انتهى. (١٦ - باب إثم من خاصم في باطل) أورد فيه حديث أم سلمة وفيه: "فإنما هي قطعة من النار"، وهو ظاهر فيما ترجم به، وسيأتي الكلام عليه مستوفي في "كتاب الأحكام" إن شاء الله تعالى، انتهى من "الفتح" (٤). (١٧ - باب إذا خاصم فجر) أي: ذم من إذا خاصم فجر أو إثمه، انتهى من "الفتح" (٥). وقال القسطلاني (٦): قوله: "فجر" أي: مال عن الحق، والمراد به هنا الشتم والرمي بالأشياء القبيحة والبهتان، انتهى.

стр. 1721

(١٨ - باب قصاص المظلوم إذا وجد مال ظالمه. . .) إلخ قال الحافظ (١): أي: هل يأخذ منه بقدر الذي له ولو بغير حكم حاكم؟ وهي المسألة المعروفة بمسألة الظفر، وقد جنح المصنف إلى اختياره، ولهذا أورد أثر ابن سيرين على عادته في الترجيح بالآثار، انتهى. قلت: هو أصل معروف مطرد من أصول التراجم، وهو الأصل الأربعون، وحاصله يؤخذ مختار البخاري من الآثار التي يودعها في الترجمة. ثم قال الحافظ: واستدل بحديث عقبة بن عامر ثاني حديثي الباب على مسألة الظفر وبها قال الشافعي، وجزم بجواز الأخذ فيما إذا لم يمكن تحصيل الحق بالقاضي؛ كأن يكون غريمه منكرًا ولا بيِّنة له عند وجود الجنس، فيجوز عنده أخذه إن ظفر به وأخذ غيره بقدره إن لم يجده ويجتهد في التقويم ولا يحيف، فإن أمكن تحصيل الحق بالقاضي فالأصح عند أكثر الشافعية الجواز أيضًا، وعند المالكية الخلاف، وجوَّزه الحنفية في المثلي دون المتقوّم لما يخشى فيه من الحيف، واتفقوا على أن محل الجواز في الأموال لا في العقوبات البدنية لكثرة الغوائل في ذلك، ومحل الجواز في الأموال أيضًا ما إذا أمن الغائلة كنسبته إلى السرقة ونحو ذلك، انتهى. وقال القسطلاني (٢): قال أبو حنيفة: يأخذ من الذهب الذهب، ومن الفضة الفضة، ومن المكيل المكيل، ومن الموزون الموزون ولا يأخذ غير ذلك، والمفتى به عند المالكية أن يأخذ بقدر حقه إن أمن فتنة أو نسبة إلى رذيلة. وأما مذهب أحمد فقال الخرقي: من كان له على أحد حق فمنعه منه وقدر له على مال لم يأخذ منه مقدار حقه لقوله ﷺ : "أدّ الأمانة إلى من ائتمنك ولا تخن من خانك"، انتهى [من هامش "اللامع"] (٣).

стр. 1722

وفي "الدر المختار" (١): ليس لذي الحق أن يأخذ غير جنس حقه، وجوَّزه الشافعي، قال ابن عابدين (٢): عدم الجواز كان في زمانهم، أما اليوم فالفتوى على الجواز، انتهى. وكتب الشيخ قُدِّس سرُّه في "اللامع" (٣) تحت الباب: وهو عندنا مخصوص بما إذا وجد من جنس ماله، وعمم صاحباه الحكم في النقدين، فمن كان له على آخر دراهم، فله أن يأخذ الدنانير وبالعكس، وأفتى المتأخرون على مذهب الأئمة الآخرين لفساد القضاة، فله أن يأخذ متى ظفر بحقه ولو من غير جنسه، وظاهر الآية والرواية معهم حيث لم يقيّد بشيء دون شيء، انتهى. (١٩ - باب ما جاء في السقائف) جمع سقيفة وهي المكان المظلل كالساباط أو الحانوت بجانب الدار، وكأنه أشار إلى أن الجلوس في الأمكنة العامة جائز، وأن اتخاذ صاحب الدار ساباطًا أو مستظلًا جائز إذا لم يضر المارة، انتهى من "الفتح" (٤). وقال القسطلاني (٥): ومراد المؤلف التنبيه على جواز اتخاذها وهي أن صاحب جانبي الطريق يجوز له أن يبني سقفًا على الطريق تمر المارة تحته، ولا يقال: إنه تصرف في هواء الطريق وهو تابع لها يستحقه المسلمون؛ لأن الحديث دال على جواز اتخاذها، ولولا ذلك لما أقرها النبي ﷺ ولا جلس تحتها، انتهى. وفي "الفيض" (٦): قوله: "سقيفة" (جوبال) ولا حاجة فيها إلى الإجازة، لكونها أعدت لمصالح العامة عرفًا، انتهى.

стр. 1723

(٢٠ - باب لا يمنع جار جاره أن يغرز خشبة في جداره) قال الحافظ (١): كذا لأبي ذر بالتنوين على إفراد الخشبة، ولغيره بصيغة الجمع وهو الذي في حديث الباب، قال ابن عبد البر: روي اللفظان في "الموطأ" والمعنى واحد لأن المراد بالواحد الجنس، انتهى. واستدل بحديث الباب على أن الجدار إذا كان لواحد وله جار فأراد أن يضع جذعه عليه جاز سواء أذن المالك أم لا، فإن امتنع أجبر، وبه قال أحمد وإسحاق وغيرهما من أهل الحديث وابن حبيب من المالكية والشافعي في القديم، وعنه في الجديد قولان: أشهرهما اشتراط إذن المالك فإن امتنع لم يجبر وهو قول الحنفية، وحملوا الأمر في الحديث على الندب والنهي على التنزيه جمعًا بينه وبين الأحاديث الدالة على تحريم مال المسلم إلا برضاه، وجزم الترمذي عن الشافعي بالقول القديم وهو نصه في البويطي، انتهى من "الفتح" (٢). (٢١ - باب صب الخمر في الطريق) كتب الشيخ قُدِّس سرُّه في "اللامع" (٣): يعني بذلك: أن الطريق مشترك للعامة فجاز مثل هذه التصرفات فيه، لكونه من جملتهم غير أن جوازه مشروط بما لم يكن مضرًا بالمارة؛ لأن ضرر الخاص محتمل بالضرر العام، فلو كان الطريق ضيّقًا أو صلبًا بحيث لا ينشف أرضه ما أريق فيه منع من الإراقة فيه لئلا تزلّ فيه الأقدام فتتأذى به الأقوام، انتهى. وفي "هامشه: ما أفاده الشيخ قُدِّس سرُّه أجود مما قاله الشرَّاح في غرض الباب، قال الحافظ: باب صب الخمر في الطريق، أي: المشتركة، إذا تعيَّن ذلك طريقًا لإزالة مفسدة تكون أقوى من المفسدة

стр. 1724

الحاصلة بصبها، قال المهلب: إنما صبت الخمر في الطريق للإعلان برفضها وليشهر تركها، وذلك أرجح في المصلحة من التأذي بصبها في الطريق، انتهى. (٢٢ - باب أفنية الدور والجلوس فيها. . .) إلخ قال الحافظ (١): أما الأفنية فهي جمع فناء بكسر الفاء والمد وقد تقصر، وهو المكان المتسع أمام الدار، والترجمة معقودة لجواز تحجيره بالبناء، وعليه جرى العمل في بناء المساطب في أبواب الدور، والجواز مقيَّد بعدم الضرر للجار والمار، والصعدات بضمتين جمع صعد بضمتين أيضًا وقد يفتح أوله، وهو جمع صعيد كطريق وطرقات وزنًا ومعنًا، والمراد به ما يراد من الفناء، انتهى. (٢٣ - باب الآبار على الطريق إذا لم يتأذّ بها) الآبار بمد وتخفيف والموحدة، ويجوز بغير مد وتسكين الموحدة بعدها همزة، وهو الأصل في هذا الجمع، قاله في "الفتح" (٢). وقال القسطلاني (٣): أي: حكم الآبار التي حفرت على الطرق، والآبار جمع بئر وهو بهمزة مفتوحة وموحدة ساكنة ثم همزة مفتوحة، قال في "الصحاح": ومن العرب من يقلب الهمزة فيقول: آبار بمد الهمزة وفتح الموحدة، وبه ضبط في البخاري، انتهى. وقال بعد ذكر الحديث: وفيه جواز حفر الآبار في الصحراء لانتفاع عطشان وغيره بها. فإن قلت: كيف ساغ مع مظنة الاستضرار بها بساقط بليل أو وقوع بهيمة أو نحوها فيها؟ أجيب: بأنه لما كانت المنفعة أكثر ومتحققة

стр. 1725

والاستضرار نادرًا ومظنونًا غلب الانتفاع وسقط الضمان فكانت جبارًا فلو تحققت المضرة لم يجز وضمن الحافر، انتهى. وفي "الفيض" (١): والمراد من الطريق أرض ليس لها مالك، وكانت مباحة الأصل، انتهى. (٢٤ - باب إماطة الأذى. . .) إلخ قال الحافظ (٢): أي إزالته، وزاد القسطلاني (٣): عن المسلمين، معنى كون الإماطة صدقة أنه تسبب إلى سلامة من يمر به من الأذى فكأنه تصدق عليه بذلك فحصل له أجر الصدقة، وقد جعل ﷺ الإمساك عن الشر صدقة على النفس، انتهى. وسيأتي بقية الكلام عليه في "باب من أخذ الغصن. . ." إلخ، قريبًا. (٢٥ - باب الغرفة والعلية المشرفة) " الغرفة" بضم المعجمة وسكون الراء، أي: المكان المرتفع في البيت، "والعُلِّيِّة" بضم أوله وتكسر وبتشديد اللام المكسورة وتشديد التحتانية، قوله: "المشرفة" بالمعجمة والفاء وتخفيف الراء، انتهى من "الفتح" (٤). كتب الشيخ ﵀ في "اللامع" (٥): إن حمل الغرفة على الباب الصغير، والعلية على المكان الذي فيه الغرفة لسلم عن التكرار، والمقصود بذلك بيان جوازه ودفع ما يتوهم من كراهته لما فيه من الاطلاع على عورات الجوار وأحوالهم، غير أن الجواز مشروط بما إذا لم يضر الجار والمارة، انتهى.

стр. 1726

وفي هامشه: قال القسطلاني عن الكرماني: العلية مثل الغرفة، وقال الجوهري: الغرفة والعلية هو من العطف التفسيري، انتهى. قال العيني: المشرفة من الإشراف على الشيء وهو الإطلاع عليه، فيفهم من كلامه أنها على أربعة أقسام: الأول: علية مشرفة على مكان على سطح، الثاني: مشرفة على مكان على غير سطح، الثالث: غير مشرفة على مكان على سطح، الرابع: غير مشرفة على مكان على غير سطح، قال ابن بطال: الغرفة على السطوح مباحة ما لم يطلع منها على حرمة أحد. قال العيني: الذي ذكره هي العلية على السطح غير المشرفة، فيفهم منه أنها إذا كانت مشرفة على مكان فهي غير مباحة، وكذلك إذا كانت على غير سطح وكانت مشرفة، ولم أر أحدًا من شرَّاح البخاري حقق هذا الموضع، انتهى. وفي "الدر المختار": لا يمنع الشخص من التصرف في ملكه إلا إذا كان الضرر بجاره ضررًا بيِّنًا فيمنع من ذلك حتى يمنع الجار من فتح الطاق، وهذا جواب المشايخ استحسانًا، وجواب ظاهر الرواية عدم المنع مطلقًا، ورجحه في "الفتح"، إلى آخر ما في هامش "اللامع". (٢٦ - باب من عقل بعيره على البلاط، أو باب المسجد) قال الحافظ (١): "البلاط" بفتح الموحدة وهي حجارة مفروشة كانت عند باب المسجد، وقوله: "أو باب المسجد" هو بالاستنباط من ذلك، وأشار به إلى ما ورد في بعض طرقه، وأورد فيه طرفًا من حديث جابر في قصة جمله، وغرضه هنا قوله: "فعقلت الجمل في ناحية البلاط" فإنه يستفاد منه جواز ذلك إذا لم يحصل به ضرر، انتهى. كتب الشيخ في "اللامع" (٢): ودلالة الرواية عليه من حيث أن المراد

стр. 1727

بناحية البلاط هي الطرف الداخل في البلاط، وإن أريد بها الخارج منه فدلالتها عليها من حيث إنه لما عقل على طرفه المتصل بها كان البعير على سعة من الدخول على البلاط، ولعله جلس عليه أو وقف، انتهى. وتعرض لهذا الإشكال والجواب وعنه العلَّامة العيني (١) وما أفاده الشيخ أوضح منه وأبسط. وفي "الفيض" (٢): البلاط كانت حجارة مفروشة من المسجد إلى السوق تسمى بالبلاط، وكان العقل فيه انتفاعًا بأرض غير مملوكة، انتهى. (٢٧ - باب الوقوف والبول عند سباطة قوم) قال الحافظ (٣): وجاز البول في السباطة وإن كانت لقوم بأعيانهم؛ لأنها أعدت لإلقاء النجاسات والمستقذرات، انتهى. (٢٨ - باب من أخذ الغصن وما يؤذي الناس في الطريق فرمى به) قال القسطلاني (٤): أي: ثواب من أخذ الغصن، وفي رواية "من أخَّر الغصن" أي: الذي يؤذي المارين، انتهى. وقال الحافظ (٥): وينظر في هذه الترجمة وفي التي قبلها بثلاثة أبواب وهي إماطة الأذى، وكأن تلك أعم من هذه لعدم تقييدها بالطريق وإن تساويا في فضل عموم المزال، وفيه: أن قليل الخير يحصل به كثير الأجر، قال ابن المنيِّر: إنما ترجم به لئلا يتخيل أن الرمي بالغصن وغيره مما يؤذي تصرف في ملك الغير بغير إذنه فيمنع، فأراد أن يبين أن ذلك لا يمنع لما فيه من الندب إليه، وقد روى مسلم من حديث أبي برزة قال: "قلت:

стр. 1728

يا رسول الله ﷺ دلني على عمل أنتفع به، قال: اعزل الأذى عن طريق المسلمين"، انتهى. قلت: والأوجه عند هذا العبد الضعيف: أن الغرض مما تقدم هو ما أفاده الحافظ ﵀ من بيان الجواز وأنه ليس تصرفًا في ملك الغير، والغرض من هذا الباب عندي هو بيان الفضل والثواب، وألطف منه أن يقال: إن المقصود من الباب السابق بيان إماطة الأذى الساقطة على الطريق، والمقصود من هذا الباب إزالة الأذى المعلق على الطريق، فقد قال الحافظ (١): أورد فيه حديث أبي هريرة بلفظ "غصن شوك"، وفي حديث أنس عند أحمد "أن شجرة كانت على طريق الناس تؤذيهم" الحديث، فتأمل. (٢٩ - باب إذا اختلفوا في الطريق الميتاء) على وزن مفعال من الإتيان لا من الموت، والمعنى أن يكثر فيه الإتيان؛ قاله صاحب "الفيض" (٢). وقال الحافظ (٣): الميتاء بكسر الميم وسكون التحتانية بعدها مثناة ومد، من الإتيان والميم زائدة، قيل: الميتاء أعظم الطريق وهي التي يكثر مرور الناس بها، وقيل: هي الطريق الواسعة، وقيل: وهي العامرة. قوله: (وهي الرحبة تكون. . .) إلخ، وهو مصير منه إلى اختصاص هذا الحكم بالصورة التي ذكرها، وقد وافقه الطحاوي على ذلك فقال: لم نجد لهذا الحديث معنى أولى من حمله على الطريق التي يراد ابتداؤها إذا اختلف من يبتدئها في قدرها كبلد يفتحها المسلمون وليس فيها طريق مسلوك، وكموات يعطيه الإمام لمن يحييها إذا أراد أن يجعل فيها طريقًا للمارة ونحو ذلك، وقال غيره: مراد الحديث أن أهل الطريق إذا تراضوا

стр. 1729

على شيء كان لهم ذلك، وإن اختلفوا جعل سبعة أذرع، إلى آخر ما فيه. وكتب الشيخ قُدِّس سرُّه في "اللامع" (١): يعني: إذا انهدمت البيوت التي كانت على الطريق، ثم أراد الملاك بناءها، ولم يعلم كم كان الطريق في الأصل يجعل سبعة أذرع، انتهى. (٣٠ - باب النهبى بغير إذن صاحبه. . .) إلخ أي: صاحب الشيء المنهوب، والنهبى بضم النون فعلى من النهب، وهو أخذ المرء ما ليس له جهارًا، هو غير جائز، ومفهوم الترجمة أنه إذا أذن جاز، ومحله في المنهوب المشاع كالطعام يقدم للقوم فلكل منهم أن يأخذ مما يليه ولا يجذب من غيره إلا برضاه، وكره مالك وجماعة النهب في نثار العرس؛ لأنه إما أن يحمل على أن صاحبه أذن للحاضرين في أخذه فظاهره يقتضي التسوية، والنهب يقتضي خلافها، وإما أن يحمل على أنه علق التمليك على ما يحصل لكل أحد، ففي صحته اختلاف فلذلك كرهه، انتهى من "الفتح" (٢). وقال العلَّامة العيني (٣): اختلف العلماء في ما ينثر على رؤوس الصبيان وفي الأعراس، فتكون فيه النهبة، فكرهه مالك والشافعي، وأجازه الكوفيون، انتهى. (٣١ - باب كسر الصليب وقتل الخنزير) وفيه إشارة إلى من قتل خنزيرًا أو كسر صليبًا لا يضمن لأنه فعل مأمورًا به، وقد أخبر ﵊ بأن عيسى ﵊ سيفعله، وهو إذا نزل كان مقررًا لشرع نبينا ﷺ ، كما سيأتي تقريره، ولا يخفى أن محل جواز كسر الصليب إذا كان مع المحاربين، أو الذمي إذا

стр. 1730

جاوز به الحد الذي عوهد عليه، فإذا لم يتجاوز وكسره مسلم كان متعديًا، انتهى من "الفتح" (١). وفي "الفيض" (٢) تحت الباب: قلت: لا غرو أن يكون كسره الصليب بعد النزول ككسر النبي ﷺ الأصنام في فتح مكة، وكذا يمكن أن يكون وضع الجزية ناظرًا إلى منصب التشريع، أي: ترك النبي ﷺ هذا الجزء أنموذجًا له، وفوّضه إليه بأمره ليتولاه هو بنفسه، انتهى. قوله: (حكمًا مقسطًا) قال العلَّامة السندي (٣): فيه تنبيه على أنه لا يأتي فينا على أنه نبي مرسل إلينا وإن كان نبيًا في الواقع بل يأتي فينا على أنه حاكم، وزاد هذا التنبيه وضوحًا وصفه بقوله: "مقسطًا" إذ من يجيء نبيًا لا يحتاج إلى أن يوصف بكونه عدلًا، بخلاف من يجيء حاكمًا، فافهم، انتهى. (٣٢ - باب هل تكسر الدنان. . .) إلخ بكسر الدال جمع دن الحب، وهو الخابية فارسي معرب، "والزقاق" بكسر الزاء جمع زق، أي: التي فيها الخمر أيضًا. وفي مسألة الباب تفصيل، فإن كانت الأوعية بحيث تراق، وإذا غسلت طهرت وينتفع بها لم يجز إتلافها، وإلا جاز. وقال أبو يوسف وأحمد في رواية: إن كان الدن أو الزق لمسلم لم يضمن، وقال محمد وأحمد في رواية: يضمن لأن الإراقة بغير الكسر ممكنة، وإن كان الدن لذمي فقال الحنفية: يضمن بلا خلاف؛ لأنه مال متقوّم في حقهم، وقال الشافعي وأحمد: لا يضمن؛ لأنه غير متقوّم في حق المسلم فكذا في حق الذمي، وإن كان الدن لحربي فلا يضمن بلا خلاف، وعن مالك: زق الخمر لا يطهره الماء لأن الخمر غاص فيه، انتهى من "القسطلاني" (٤).

стр. 1731

قوله: (فإن كسر صنمًا. . .) إلخ، قال الحافظ (١): أي هل يضمن أم لا؟ أما الصنم والصليب فمعروفان يتخذان من خشب ومن حديد ومن نحاس وغير ذلك، وأما الطنبور فهو بضم الطاء آلة من آلات الملاهي معروفة وقد تفتح طاؤه، وأما ما لا ينتفع بخشبه فبينه وبين ما تقدم خصوص وعموم. وقال الكرماني (٢): المعنى: أو كسر شيئًا لا يجوز الانتفاع بخشبه قبل الكسر كآلة الملاهي، يعني: فيكون من العام بعد الخاص، قال: ويحتمل أن يكون "أو" بمعنى "حتى" أي: كسر ما ذكر إلى حد لا ينتفع بخشبه، انتهى. [و] في "الهداية" (٣): من كسر لمسلم بربطًا، أو طبلًا، أو دفًا، أو مزمارًا، فهو ضامن، وبيع هذه الأشياء جائز، وهذا عند أبي حنيفة، وقال صاحباه: لا يضمن، ولا يجوز بيعها، وقيل: الاختلاف في الذي يضرب للهو، فأما طبل الغزاة والدف الذي يباح ضربه في العرس يضمن بالإتلاف من غير خلاف، وقيل: الفتوى في الضمان على قولهما، ثم ذكر دلائل الفريقين. قوله: (فاتخذت منه نمرقتين. . .) إلخ، يشكل عليه ما سيأتي من حديث عائشة في "كتاب بدء الخلق" بلفظ: "حشوت للنبي ﷺ وسادة فيها تماثيل كأنها نمرقة، فجاء فقام بين البابين وجعل يتغير وجهه" الحديث، وجمع بينهما مولانا محمد حسن المكي فقال: قوله: "نمرقة" أي: وسادة كبيرة، وقول عائشة: "فاتخذت منه نمرقتين" فالمراد بهما الوسادة الصغيرة التي توطأ بالأرجل وتتقلب من موضع إلى موضع، فإن التماثيل فيها جائزة، وأيضًا التماثيل التي في تلك النمرقتين قد صارت منكسرة منقطعة بالفتك، بخلاف هذه النمرقة الكبيرة فإنها فيها سالمة، انتهى.

стр. 1732

قلت: وسيأتي في "كتاب اللباس" في "باب ما وطئ من التصاوير" حديث عائشة: "فجعلناه وسادة". وفي هامشه: وفيه دليل لمن قال: إن امتناع الملائكة مخصوص بغير المهانة، كما رجحه ابن الهمام. وبسط في الحاشية الكلام عليها، وفيها عن "موطأ محمد": وبهذا نأخذ ما كان فيه من تصاوير من بساط يبسط، أو فراش يفترش، أو وسادة فلا بأس بذلك، وإنما يكره من ذلك في الستر وما ينصب نصبًا، وهو قول أبي حنيفة والعامة من فقهائنا، انتهى من هامش "اللامع" (١). وسيأتي شيء من الكلام عليه في "كتاب اللباس"، إن شاء الله. (٣٣ - باب من قتل دون ماله) وفي نسخة الشروح "قاتل" بدل "قتل". قال الكرماني (٢): قوله: "دون ماله" أي: عند ماله، وقال القرطبي: "دون" في أصلها ظرف مكان بمعنى تحت، ويستعمل للسببية على المجاز، ووجهه أن الذي يقاتل على ماله إنما يجعله خلفه أو تحته، ثم يقاتل عليه، وجواب "من" محذوف ولم يذكره اكتفاءً بما في الحديث، قاله العيني (٣)، وقال أيضًا: قيل: لا مطابقة بين الحديث والترجمة؛ لأن المقاتلة لا تستلزم القتل، والشهادة مرتبة على القتل. قلت: قد ذكرت الآن أن تقدير الترجمة: من قاتل دون ماله فقتل، فماذا حكمه؟ فالجواب: إنه شهيد، واقتصر في الحديث على لفظ: قتل لأنه يستلزم المقاتلة، وقيل أيضًا: ما وجه إدخال هذا الحديث في هذه الأبواب؟ وأجيب بأنه يدل أن للإنسان أن يدفع من قصد ماله ظلمًا، وهذا النوع داخل في المظالم؛ لأن فيه دفع الظلم، فافهم، انتهى.

стр. 1733

قال الحافظ (١): وفي رواية لأبي داود والترمذي: "من أريد ماله بغير حق فقاتل فقتل فهو شهيد"، وكأن البخاري أشار إلى ذلك في الترجمة لتعبيره بلفظ: "قاتل"، انتهى، وستأتي في كلام السندي نكتة في هذا التعبير. قال النووي (٢): فيه جواز قتل من قصد أخذ المال بغير حق، سواء كان المال قليلًا أو كثيرًا وهو قول الجمهور، وشذ من أوجبه، وقال بعض المالكية: لا يجوز إذا طلب المال الخفيف، قال القرطبي (٣): سبب الخلاف عندنا هل الإذن في ذلك من باب تغيير المنكر فلا يفترق الحال بين القليل والكثير، أو من باب دفع الضرر فيختلف الحال؟ انتهى. وقد أجاد في بيان النكتة العلَّامة السندي (٤) حيث قال: قوله في الحديث: "من قتل دون ماله. . ." إلخ؛ كأنه فهم منه أن يقوم لحفظ المال والدفع عنه فيقتل لذلك، وأما الذي يقتل من غير دفع عن المال فلا يقال له: إنه قتل دون ماله، فأشار في الترجمة حيث قال: "من قاتل إلى هذا"، والله تعالى أعلم. (٣٤ - باب إذا كسر قصعة أو شيئًا لغيره) أي: هل يضمن المثل أو القيمة؟ والقصعة بفتح القاف إناء من خشب. قوله: (فأرسلت إحدى أمهات المؤمنين) هي صفية كما رواه أبو داود والنسائي، أو حفصة، رواه الدارقطني وابن ماجه، أو أم سلمة، رواه الطبراني في "الأوسط"، وإسناده أصح من إسناد الدارقطني، وهو أصح ما ورد في ذلك، ويحتمل التعدد، قاله القسطلاني (٥)، والبسط في "الفتح" (٦).

стр. 1734

واستشكل على الحديث بأنه إنما يحكم في الشيء بمثله إذا كان متشابه الأجزاء كالدراهم ولسائر المثليات، والقصعة إنما هي من المتقومات، والجواب ما حكاه البيهقي: بأن القصعتين كانتا للنبي ﷺ في بيت زوجتيه فعاقب الكاسرة بجعل القصعة المكسورة في بيتها وجعل الصحيحة في بيت صاحبتها، ولم يكن ذلك على سبيل الحكم على الخصم، انتهى من "القسطلاني" (١). والبسط في "الفتح" (٢) مع بيان اختلاف الأئمة في الضمان بالمثل، أو القيمة، فارجع إليه لو شئت. (٣٥ - باب إذا هدم حائطًا فليبن مثله) خلافًا لمن قال: تلزمه القيمة من المالكية وغيرهم، قاله في "الفتح" (٣). وقال ابن عابدين ﵀ (٤): لو هدم دار غيره بغير أمره وبغير أمر السلطان حتى ينقطع عن داره ضمن، ولم يأثم بمنزلة جائع في مفازة ومع صاحبه طعام له أخذه كرها، ثم يضمنه ولا إثم عليه، انتهى. ثم البراعة في قوله: "وكسروا صومعته، وأنزلوه" عند الحافظ. والأوجه عندي: في قوله: "فقالت: اللَّهم لا تمته". * * *

стр. 1735

٤٧ - كتاب الشركة هكذا في نسخة "الفتح" والعيني ونسخة الحاشية، وأما في متن النسخ الهندية وكذا في نسخة القسطلاني ففيهما: " باب الشركة في الطعام والنهد . . ." إلخ. قال الحافظ (١): والشركة بفتح المعجمة وكسر الراء، وبكسر أوله وسكون الراء، وقد تحذف الهاء، وقد يفتح أوله مع ذلك فهي أربع لغات. وهي لغة: الاختلاط، وشرعًا: ما يحدث بالاختيار بين اثنين فصاعدًا من الاختلاط بتحصيل الربح، وقد تحصل بغير قصد كالإرث. وقال العيني (٢): وهي على نوعين: شركة الملك، وهي أن يملك اثنان عينًا أو إرثًا أو شراء أو هبة أو ملكًا بالاستيلاء، أو اختلط مالهما بغير صنع، فكل هذا شركة ملك وكل واحد منهما أجنبي في قسط صاحبه، والنوع الثاني: شركة العقد، وهي أن يقول أحدهما: شاركتك في كذا، وهي على أربعة أنواع: مفاوضة، وعنان، وتقبل، وشركة وجوه، وبيانها في الفروع، وذكر العلَّامة القسطلاني (٣) تعريف كل واحد من هذه الأربعة. (١ - باب الشركة في الطعام والنهد) قال الحافظ: قوله: "الشركة في الطعام والنهد" أما الطعام فسيأتي القول فيه في باب مفرد، وأما النهد هو بكسر النون وبفتحها إخراج القوم نفقاتهم على قدر عدد الرفقة، يقال: تناهدوا وناهد بعضهم بعضًا، قاله الأزهري، وقال الجوهري نحوه، لكن قال: على قدر نفقة صاحبه، وقال

стр. 1736

عياض (١) مثل قول الأزهري إلا أنه قيده بالسفر والخلط، ولم يقيده بالعدد، والمعروف أنه خلط الزاد في السفر، وقد أشار إلى ذلك المصنف في الترجمة حيث قال: "يأكل هذا بعضًا وهذا بعضًا". قوله: (والعروض) بضم أوله جمع عرض بسكون الراء مقابل النقد، وأما بفتحها فجميع أصناف المال، وما عدا النقد يدخل فيه الطعام فهو من الخاص بعد العام، ويدخل فيه الربويات، ولكنه اغتفر في النهد لثبوت الدليل على جوازه، واختلف العلماء في صحة الشركة كما سيأتي. قوله: (وكيف قسمة ما يكال ويوزن؟) أي: هل يجوز قسمة مجازفة أو لا بد من الكيل في المكيل والوزن في الموزون؟ وأشار إلى ذلك بقوله: "مجازفة أو قبضة قبضة" أي: متساوية. قوله: (لما لم ير المسلمون. . .) إلخ، بكسر اللام وتخفيف الميم، وكأنه أشار إلى أحاديث الباب، وقد ورد الترغيب في ذلك، روي عن الحسن أنه قال: "أخرجوا نهدكم فإنه أعظم للبركة وأحسن لأخلاقكم"، انتهى كله من "الفتح" (٢). وكتب الشيخ في "اللامع" (٣): قوله: "لما لم ير. . ." إلخ، يعني: بذلك أن الظاهر وإن كان عدم جوازه لما بين أفراد الآكلين من تفاوت غير يسير، فمن مقل في الأكل ومن مكثر فيه، غير أن العرف جار بإهدار هذا التفاوت في الشركاء، انتهى. قوله: (وكذلك مجازفة الذهب والفضة) قال الحافظ (٤): كأنه ألحق النقد بالعرض للجامع بينهما وهو المالية، لكن إنما يتم ذلك في قسمة الذهب مع الفضة، أما قسمة أحدهما خاصة - حيث يقع الاشتراك في الاستحقاق - فلا

стр. 1737

يجوز إجماعًا، قاله ابن بطال (١)، وقال ابن المنيِّر: شرط مالك في منعه أن يكون مصكوكًا والتعامل فيه بالعدد فعلى هذا يجوز بيع ما عداه جزافًا، ومقتضى الأصول منعه، وظاهر كلام البخاري جوازه، ويمكن أن يحتج له بحديث جابر في مال البحرين، والجواب عن ذلك أن قسمة العطاء ليست على حقيقة القسمة؛ لأنه غير مملوك للآخذين قبل التمييز، انتهى. وفي "الفيض" (٢): ذهب البخاري إلى جواز قسمة المكيلات والموزونات في النهد مجازفةً، وهذه الترجمة إحدى الترجمتين اللتين حكم عليهما ابن بطال أنهما خلاف الإجماع، وقد مر مني الجواب أنها ليست من باب المعارضات التي تجري فيها المماكسة، أو تدخل تحت الحكم، وإنما هي من باب التسامح والتعامل، وقد جرى به التعامل من لدن عهد النبوة إلى يومنا هذا، انتهى مختصرًا. ويأتي في "كتاب الأطعمة" تبويب المؤلف بالنهد والاجتماع على الطعام. (٢ - باب ما كان من خليطين فإنهما يتراجعان بينهما) أورد فيه حديث أنس وهو طرف من حديثه الطويل في "الزكاة" (٣)، وتقدم فيه، وقيَّده المصنف في الترجمة بالصدقة لوروده فيها؛ لأن التراجع لا يصح بين الشريكين في الرقاب، انتهى من "الفتح" (٤). (٣ - باب قسمة الغنم) كتب الشيخ نوَّر الله مرقده في "اللامع" (٥): وهذا كما تقدم في إهدار التفاوت؛ إذ لا شك في التفاوت بين أفراد الغنم باعتبار صغر الجثة وكبرها، وكذلك في أفراد البعران، انتهى.
следующие страницы →