قال الحافظ (١): وفي رواية لأبي داود والترمذي: "من أريد ماله بغير حق فقاتل فقتل فهو شهيد"، وكأن البخاري أشار إلى ذلك في الترجمة لتعبيره بلفظ: "قاتل"، انتهى، وستأتي في كلام السندي نكتة في هذا التعبير.
قال النووي (٢): فيه جواز قتل من قصد أخذ المال بغير حق، سواء كان المال قليلًا أو كثيرًا وهو قول الجمهور، وشذ من أوجبه، وقال بعض المالكية: لا يجوز إذا طلب المال الخفيف، قال القرطبي (٣): سبب الخلاف عندنا هل الإذن في ذلك من باب تغيير المنكر فلا يفترق الحال بين القليل والكثير، أو من باب دفع الضرر فيختلف الحال؟ انتهى.
وقد أجاد في بيان النكتة العلَّامة السندي (٤) حيث قال: قوله في الحديث: "من قتل دون ماله. . ." إلخ؛ كأنه فهم منه أن يقوم لحفظ المال والدفع عنه فيقتل لذلك، وأما الذي يقتل من غير دفع عن المال فلا يقال له: إنه قتل دون ماله، فأشار في الترجمة حيث قال: "من قاتل إلى هذا"، والله تعالى أعلم.
(٣٤ - باب إذا كسر قصعة أو شيئًا لغيره)
أي: هل يضمن المثل أو القيمة؟ والقصعة بفتح القاف إناء من خشب.
قوله: (فأرسلت إحدى أمهات المؤمنين) هي صفية كما رواه أبو داود والنسائي، أو حفصة، رواه الدارقطني وابن ماجه، أو أم سلمة، رواه الطبراني في "الأوسط"، وإسناده أصح من إسناد الدارقطني، وهو أصح ما ورد في ذلك، ويحتمل التعدد، قاله القسطلاني (٥)، والبسط في "الفتح" (٦).
стр. 1734
واستشكل على الحديث بأنه إنما يحكم في الشيء بمثله إذا كان متشابه الأجزاء كالدراهم ولسائر المثليات، والقصعة إنما هي من المتقومات، والجواب ما حكاه البيهقي: بأن القصعتين كانتا للنبي ﷺ في بيت زوجتيه فعاقب الكاسرة بجعل القصعة المكسورة في بيتها وجعل الصحيحة في بيت صاحبتها، ولم يكن ذلك على سبيل الحكم على الخصم، انتهى من "القسطلاني" (١).
والبسط في "الفتح" (٢) مع بيان اختلاف الأئمة في الضمان بالمثل، أو القيمة، فارجع إليه لو شئت.
(٣٥ - باب إذا هدم حائطًا فليبن مثله)
خلافًا لمن قال: تلزمه القيمة من المالكية وغيرهم، قاله في "الفتح" (٣).
وقال ابن عابدين ﵀ (٤): لو هدم دار غيره بغير أمره وبغير أمر السلطان حتى ينقطع عن داره ضمن، ولم يأثم بمنزلة جائع في مفازة ومع صاحبه طعام له أخذه كرها، ثم يضمنه ولا إثم عليه، انتهى.
ثم البراعة في قوله: "وكسروا صومعته، وأنزلوه" عند الحافظ.
والأوجه عندي: في قوله: "فقالت: اللَّهم لا تمته".
* * *
стр. 1735
٤٧ - كتاب الشركة
هكذا في نسخة "الفتح" والعيني ونسخة الحاشية، وأما في متن النسخ الهندية وكذا في نسخة القسطلاني ففيهما: " باب الشركة في الطعام والنهد . . ." إلخ.
قال الحافظ (١): والشركة بفتح المعجمة وكسر الراء، وبكسر أوله وسكون الراء، وقد تحذف الهاء، وقد يفتح أوله مع ذلك فهي أربع لغات.
وهي لغة: الاختلاط، وشرعًا: ما يحدث بالاختيار بين اثنين فصاعدًا من الاختلاط بتحصيل الربح، وقد تحصل بغير قصد كالإرث.
وقال العيني (٢): وهي على نوعين: شركة الملك، وهي أن يملك اثنان عينًا أو إرثًا أو شراء أو هبة أو ملكًا بالاستيلاء، أو اختلط مالهما بغير صنع، فكل هذا شركة ملك وكل واحد منهما أجنبي في قسط صاحبه، والنوع الثاني: شركة العقد، وهي أن يقول أحدهما: شاركتك في كذا، وهي على أربعة أنواع: مفاوضة، وعنان، وتقبل، وشركة وجوه، وبيانها في الفروع، وذكر العلَّامة القسطلاني (٣) تعريف كل واحد من هذه الأربعة.
(١ - باب الشركة في الطعام والنهد)
قال الحافظ: قوله: "الشركة في الطعام والنهد" أما الطعام فسيأتي القول فيه في باب مفرد، وأما النهد هو بكسر النون وبفتحها إخراج القوم نفقاتهم على قدر عدد الرفقة، يقال: تناهدوا وناهد بعضهم بعضًا، قاله الأزهري، وقال الجوهري نحوه، لكن قال: على قدر نفقة صاحبه، وقال
стр. 1736
عياض (١) مثل قول الأزهري إلا أنه قيده بالسفر والخلط، ولم يقيده بالعدد، والمعروف أنه خلط الزاد في السفر، وقد أشار إلى ذلك المصنف في الترجمة حيث قال: "يأكل هذا بعضًا وهذا بعضًا".
قوله: (والعروض) بضم أوله جمع عرض بسكون الراء مقابل النقد، وأما بفتحها فجميع أصناف المال، وما عدا النقد يدخل فيه الطعام فهو من الخاص بعد العام، ويدخل فيه الربويات، ولكنه اغتفر في النهد لثبوت الدليل على جوازه، واختلف العلماء في صحة الشركة كما سيأتي.
قوله: (وكيف قسمة ما يكال ويوزن؟) أي: هل يجوز قسمة مجازفة أو لا بد من الكيل في المكيل والوزن في الموزون؟ وأشار إلى ذلك بقوله: "مجازفة أو قبضة قبضة" أي: متساوية.
قوله: (لما لم ير المسلمون. . .) إلخ، بكسر اللام وتخفيف الميم، وكأنه أشار إلى أحاديث الباب، وقد ورد الترغيب في ذلك، روي عن الحسن أنه قال: "أخرجوا نهدكم فإنه أعظم للبركة وأحسن لأخلاقكم"، انتهى كله من "الفتح" (٢).
وكتب الشيخ في "اللامع" (٣): قوله: "لما لم ير. . ." إلخ، يعني: بذلك أن الظاهر وإن كان عدم جوازه لما بين أفراد الآكلين من تفاوت غير يسير، فمن مقل في الأكل ومن مكثر فيه، غير أن العرف جار بإهدار هذا التفاوت في الشركاء، انتهى.
قوله: (وكذلك مجازفة الذهب والفضة) قال الحافظ (٤): كأنه ألحق النقد بالعرض للجامع بينهما وهو المالية، لكن إنما يتم ذلك في قسمة الذهب مع الفضة، أما قسمة أحدهما خاصة - حيث يقع الاشتراك في الاستحقاق - فلا
стр. 1737
يجوز إجماعًا، قاله ابن بطال (١)، وقال ابن المنيِّر: شرط مالك في منعه أن يكون مصكوكًا والتعامل فيه بالعدد فعلى هذا يجوز بيع ما عداه جزافًا، ومقتضى الأصول منعه، وظاهر كلام البخاري جوازه، ويمكن أن يحتج له بحديث جابر في مال البحرين، والجواب عن ذلك أن قسمة العطاء ليست على حقيقة القسمة؛ لأنه غير مملوك للآخذين قبل التمييز، انتهى.
وفي "الفيض" (٢): ذهب البخاري إلى جواز قسمة المكيلات والموزونات في النهد مجازفةً، وهذه الترجمة إحدى الترجمتين اللتين حكم عليهما ابن بطال أنهما خلاف الإجماع، وقد مر مني الجواب أنها ليست من باب المعارضات التي تجري فيها المماكسة، أو تدخل تحت الحكم، وإنما هي من باب التسامح والتعامل، وقد جرى به التعامل من لدن عهد النبوة إلى يومنا هذا، انتهى مختصرًا.
ويأتي في "كتاب الأطعمة" تبويب المؤلف بالنهد والاجتماع على الطعام.
(٢ - باب ما كان من خليطين فإنهما يتراجعان بينهما)
أورد فيه حديث أنس وهو طرف من حديثه الطويل في "الزكاة" (٣)، وتقدم فيه، وقيَّده المصنف في الترجمة بالصدقة لوروده فيها؛ لأن التراجع لا يصح بين الشريكين في الرقاب، انتهى من "الفتح" (٤).
(٣ - باب قسمة الغنم)
كتب الشيخ نوَّر الله مرقده في "اللامع" (٥): وهذا كما تقدم في إهدار التفاوت؛ إذ لا شك في التفاوت بين أفراد الغنم باعتبار صغر الجثة وكبرها، وكذلك في أفراد البعران، انتهى.
стр. 1738
وإليه يشير كلام الحافظ (١) إذ قال: "باب قسمة الغنم" أي: بالعدد، انتهى.
وقال العيني (٢): فيما يستفاد من الحديث: فيه جواز قسم الغنم والبقر والإبل بغير تقويم، وبه قال مالك والكوفيون، إذا كان ذلك على التراضي، وقال الشافعي: لا يجوز قسم شيء من الحيوان بغير تقويم، قال: إنما كان ذلك على طريق القيمة، ألا ترى أنه عدل عشرة من الغنم ببعير، وهذا معنى التقويم، وقال القرطبي: وهذه الغنيمة لم يكن فيها غير الإبل والغنم، ولو كان فيها غير ذلك لقوم جميعًا وقسمه على القيمة، انتهى.
(٤ - باب القران في التمر بين الشركاء. . .) إلخ
قال الحافظ (٣): كذا في جميع النسخ، ولعل "حتى" في قوله: "حتى يستأذن أصحابه" كانت "حين" فتحرفت، أو سقط من الترجمة شيء إما لفظ النهي من أولها أو "لا يجوز" قبل "حتى"، انتهى.
قلت: وتعقب العيني (٤) على احتمال التحريف وقال: لا يحتاج إلى ظن التحريف، بل فيه حذف، وباب الحذف شائع تقديره: باب حكم القران في التمر، لا ينبغي لأحد منهم أن يقرن حتى يستأذن، انتهى.
واختار القسطلاني (٥) حذف المضاف من أول الباب فقال: "باب ترك القران. . ." إلخ.
وقال الحافظ (٦): قال ابن بطال (٧): النهي عن القران من حسن الأدب في الأكل عند الجمهور لا على التحريم كما قال أهل الظاهر، انتهى.
قلت: وقد تقدم الكلام عليه في "باب إذا أذن إنسان لآخر. . ." إلخ، من أبواب المظالم.
стр. 1739
وكتب الشيخ قُدِّس سرُّه في "اللامع" (١) تحت الباب: فيه من إهدار التفاوت ما لا يخفى، فمن عاجل في الأكل وآخر مبطوء به فيتفاوت أكلهما، غير أن التفاوت في الإقران والتثنية في الأكل لما كان كثيرًا نهي عنه، انتهى.
(٥ - باب تقويم الأشياء بين الشركاء. . .) إلخ
قال ابن بطال (٢): لا خلاف بين العلماء أن قسمة العروض وسائر الأمتعة بعد التقويم جائز، وإنما اختلفوا في قسمتها بغير تقويم، فأجازه الأكثر إذا كان على سبيل التراضي، ومنعه الشافعي، انتهى من "الفتح" (٣).
قلت: وظاهر الترجمة يشعر بأن ميل المصنف إلى قول الشافعي ﵀.
(٦ - باب هل يقرع في القسمة؟ والاستهام فيه)
قال القسطلاني (٤): يقرع بضم أوله وفتح ثالثه وكسره من القرعة، انتهى.
قال الحافظ (٥): الاستهام الاقتراع، والمراد به هنا بيان الأنصبة في القسم، والضمير يعود على القسم بدلالة القسمة، انتهى.
قال القسطلاني (٦) بعد ذكر الحديث: مطابقته للترجمة غير خفية، وفيه جواز قسمة العقار المتفاوت بالقرعة، قال ابن بطال: والعلماء متفقون على القول بالقرعة إلا الكوفيين فإنهم قالوا: لا معنى لها لأنها تشبه الأزلام التي نهى الله عنها، ويأتي مزيد لما ذكرته في باب الشهادات، انتهى.
وفي "الفيض" (٧): واعلم أن القرعة ليست بحجة عندنا في موضع
стр. 1740
من المواضع، فهي للتطييب لا للغير، وجعلها الآخرون حجة مع بعض تفصيل عندهم، انتهى.
قلت: ويشكل ها هنا لفظ الاستهام في الترجمة مع أن المشهور أن الإمام البخاري ﵀ قائل بحجية القرعة وترجم لها بمواضع من كتابه، منها "باب الاستهام في الأذان"، و"باب القرعة في المشكلات"، و"باب القرعة بين النساء"، وغير ذلك، وقد تقدم منا في "باب الاستهام في الأذان" بأن هذه المواضع كلها من القرعة التي لم ينكرها الحنفية أيضًا، ولم يترجم الإمام البخاري بقرعة قالت الحنفية بنسخها في موضع من كتابه، فهل هذا مصير منه أن القرعة لتطييب القلب لا لإثبات الحكم، كما هو مذهب الأحناف؟ فتأمل، فإتيان المصنف ها هنا بلفظ "هل" المشعر بعدم اختياره يؤيد ما قلنا، فافهم.
(٧ - باب شركة اليتيم وأهل الميراث)
قال الحافظ (١): الواو بمعنى مع، قال ابن بطال (٢): اتفقوا على أنه لا تجوز المشاركة في مال اليتيم إلا إن كان لليتيم في ذلك مصلحة راجحة، انتهى.
وفي سياق حديث الباب إجمال واختصار كما ذكر في هامش "اللامع" (٣)، والسياق الواضح ما سيأتي في الوصايا في باب قوله تعالى: ﴿وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ﴾ [النساء: ٢].
(٨ - باب الشركة في الأرضين وغيرها)
أراد الإشارة إلى جواز قسمة الأرض والدار، وإلى جوازه ذهب الجمهور صغرت الدار أو كبرت، واستثنى بعضهم التي لا ينتفع بها
стр. 1741
لو قسمت فتمتنع قسمتها، انتهى من "الفتح" (١).
(٩ - باب إذا اقتسم الشركاء الدور وغيرها. . .) إلخ
قال ابن المنيِّر: ترجم بلزوم القسمة، وليس في الحديث إلا نفي الشفعة، لكن لكونه يلزم من نفيها نفي الرجوع - إذ لو كان للشريك أن يرجع لعادت مشاعة - فعادت الشفعة، انتهى من "الفتح" (٢).
وفي "الفيض" (٣): وفي فقه الحنفية أنه لو ظهر الغبن الفاحش بعد التقسيم، له أن يرجع عنه، وإلا فلا رجوع له، انتهى.
(١٠ - باب الاشتراك في الذهب والفضة)
قال ابن بطال (٤): أجمعوا على أن الشركة الصحية أن يخرج كل واحد مثل ما أخرج صاحبه ثم يخلطا ذلك حتى لا يتميز ثم يتصرفا جميعًا، إلا أن يقيم كل واحد منهما الآخر مقام نفسه، وأجمعوا على أن الشركة بالدراهم والدنانير جائزة، لكن اختلفوا إذا كانت الدنانير من أحدهما والدراهم من الآخر، فمنعه الشافعي ومالك في المشهور عنه والكوفيون إلا الثوري، انتهى.
وزاد الشافعي أن لا تختلف الصفة أيضًا كالصحاح والمكسرة، وإطلاق البخاري الترجمة يشعر بجنوحه إلى قول الثوري، وقوله: "وما يكون فيه الصرف" أي: كالدراهم المغشوشة والتبر وغير ذلك، وقد اختلف العلماء في ذلك فقال الأكثر: يصمح في كل مثلي وهو الأصح عند الشافعية، وقيل: يختص بالنقد المضروب، انتهى من "الفتح" (٥).
стр. 1742
(١١ - باب مشاركة الذمي والمشركين في المزارعة)
الواو في قوله: "والمشركين" عاطفة وليست بمعنى مع، والتقدير مشاركه المسلم للذمي ومشاركة المسلم للمشركين، انتهى [من "الفتح"] (١).
وقال العيني (٢): قوله: "والمشركين" من باب عطف العام على الخاص، على أن المراد من المشركين هم المستأمنون، فيكونون في معنى أهل الذمة، وأما المشرك الحربي فلا تتصور الشركة بينه وبين المسلم في دار الإسلام، على ما لا يخفى، وحكمها أنها تجوز؛ لأن هذه المشاركة في معنى الإجارة واستيجار أهل الذمة جائز، انتهى.
قال الحافظ: ذكر المصنف فيه حديث ابن عمر في إعطاء اليهود خيبر، وقد تقدم في "المزارعة" (٣)، وهو ظاهر في الذمي وألحق المشرك به؛ لأنه إذا استأمن صار في معنى الذمي، وأشار المصنف إلى مخالفة من خالف في الجواز كالثوري والليث وأحمد، وبه قال مالك إلا أنه أجازه إذا كان يتصرف بحضرة المسلم، واحتج الجمهور بمعاملة النبي ﷺ يهود خيبر، وإذا جاز في المزارعة جاز في غيرها، انتهى من "الفتح" (٤).
قال العيني (٥): وعند أصحابنا: مشاركة المسلم معِ أهل الذمة في شركة المفاوضة لا يجوز عند أبي حنيفة ومحمد، خلافًا لأبي يوسف، انتهى.
(١٢ - باب قسمة الغنم والعدل فيها)
قال الحافظ (٦): ذكر فيه حديث عقبة بن عامر، وقد مضى توجيه إيراده في الشركة في أوائل الوكالة، انتهى.
стр. 1743
وقال في "كتاب الوكالة" في "باب وكالة الشريك الشريك في القسمة" (١): شاهد الترجمة منه قوله: "ضح به أنت" فإنه علم به أنه كان من جملة من كان له حظ في تلك القسمة فكأنه كان شريكًا لهم وهو الذي تولى القسمة بينهم. وأبدى ابن المنيِّر احتمالًا أن يكون ﷺ وهب لكل واحد من المقسوم فيهم ما صار إليه فلا تتجه الشركة، وأجاب بأنه ساق الحديث في الأضاحي من طريق أخرى بلفظ "أنه قسم بينهم ضحايا"، قال: فدل على أنه عين تلك الغنم للضحايا فوهب لهم جملتها ثم أمر عقبة بقسمتها، فيصح الاستدلال به لما ترجم له، انتهى.
قال القسطلاني (٢): وتبويب البخاري بقوله: "قسمة الغنم والعدل فيها" يدل على أنه فهم أن هذه القسمة هي القسمة المعهودة التي يعتبر فيها تسوية الأجزاء، وفيه نظر. . .، إلى آخر ما ذكره، وهكذا قال صاحب "الفيض" (٣) من أنها ليست من شركة الفقه في شيء.
ولا يذهب عليك أن الإمام البخاري ترجم بثلاث تراجم متقاربة: الأولى: "باب قسمة الغنم" كما تقدم، والثانية: هذه، والثالثة: ما سيأتي من "باب من عدل عشرة من الغنم بجزور في القسم"، ولم يتعرض الشرَّاح للفرق بين هذه الثلاثة، فالفرق بين الثالثة والأوليين واضح، وهو أن الغرض من الثالثة أن تعديل عشر شياه ببعير باعتبار القسمة دون الأضحية، ردًا على من استدل لهذا الحديث على أن الجزور يجزئ في الأضحية عن عشرة، كما قال به إسحاق وغيره. وأما الفرق بين الأوليين فخفي، ولا يبعد أن يقال: إن غرض الأولى أن قسمة الغنم تكون باعتبار العدد لا القيمة، وإليه أشار الشيخ قُدِّس سرُّه بإهدار التفاوت، وبه جزم الحافظ كما تقدم، وغرض الثانية التنبيه على اعتبار العدل فيها مع صرف النظر عن التفاوت اليسير
стр. 1744
بخلاف التفاوت الفاحش، فإن الحديث الوارد فيها يدل على أن عقبة لم يتعرض لتفاوت الغنم، إلا أن التفاوت بين الغنم والعتود لما كان فاحشًا فتعرض له وأخبر به النبي ﷺ ، انتهى [من هامش "اللامع"] (١).
(١٣ - باب الشركة في الطعام وغيره)
أي: من المثليات، والجمهور على صحة الشركة في كل ما يتملك، والأصح عند الشافعية اختصاصها بالمثلي، وسبيل من أراد الشركة بالعروض عندهم أن يبيع بعض عرضه المعلوم ببعض عرض الآخر المعلوم ويأذن له في التصرف، وفي وجه لا يصح إلا في النقد المضروب كما تقدم، وعن المالكية: تكره الشركة في الطعام، والراجح عندهما الجواز، انتهى من "الفتح" (٢).
قال العلَّامة العيني (٣): وجواب الترجمة أنه يجوز ذلك؛ لأن الشركة بيع من البيوع فيجوز في الطعام وغيره، وأجاز الكوفيون، وقال في بيان اختلاف الأئمة: وأجاز الكوفيون وأبو ثور الشركة بالطعام، واختلفوا في الشركة بالعروض، فجوَّزها مالك، ومنعها الكوفيون والشافعي وأحمد، انتهى.
وفي "المغني" (٤) لابن قدامة: أما العروض فلا تجوز الشركة في ظاهر المذهب، ذكره ذلك الثوري والشافعي وأصحاب الرأي، إلى آخر ما بسطه.
(١٤ - باب الشركة في الرقيق)
أورد فيه حديثي ابن عمر وأبي هريرة فيمن أعتق شقصًا - أي: نصيبًا - من عبد، وهو ظاهر فيما ترجم له لأن صحة العتق فرع صحة الملك، انتهى، [من "الفتح"] (٥).
стр. 1745
(١٥ - باب الاشتراك في الهدي)
قال القسطلاني (١): "الهدي" ما يهدى إلى الحرم من النعم "والبُدن" بضم الموحدة وسكون المهملة من عطف الخاص على العام.
وقوله: (والشركة في الهدي) قال في "فتح الباري" (٢): فيه بيان أن الشركة وقعت بعد ما ساق النبي ﷺ الهدي من المدينة وهي ثلاث وستون بدنة، وجاء علي من اليمن إلى النبي ﷺ ومعه سبع وثلاثون بدنة فصار جميع ما ساقه النبي ﷺ من الهدي مائة بدنة، وأشرك عليًا معه فيها، انتهى.
وقال المهلب: ليس في حديث الباب ما ترجم به من الاشتراك في الهدي بعد ما أهدى بل لا يجوز الاشتراك بعد الإهداء ولا هبته ولا بيعه، والمراد منه ما أهدى علي من الهدي الذي كان معه عن رسول الله ﷺ وجعل له ثوابه، فيحتمل أن يفرد بثواب ذلك الهدي كله فهو شريك له في هديه لأنه أهدى عنه ﵊ متطوعًا من ماله، ويحتمل أن يشركه في ثواب هدي واحد فيكون بينهما إذا كان متطوعًا، وقال القاضي عياض: عندي أنه لم يكن شريكًا حقيقة بل أعطاه قدرًا يذبحه، انتهى مختصرًا.
وكتب الشيخ في "اللامع" (٣): ولا يجوز الإشراك في الهدي عندنا لوقوعه معينًا منه بنية القربة فيه، وتأويل ما روي أنه أشركه في الهدي الذي أتاه به من اليمن وكان فيه ما أتى به لهدي نفسه فكان الإشراك في الهدي لكونه منهما ومشتركًا بينهما لا في هدي النبي ﷺ ، أو المعنى أشركه في أجر هديه بإشراكه في الذبح وغيره من حوائجه المتعلقة بالهدي.
وفي هامشه: في المسألة تفصيل، ففي "الدر المختار": صح اشتراك
стр. 1746
ستة في بدنة شُرِيَت للقربة؛ لأن ذلك جائز في الضحايا فيجوز ها هنا، قال في "الفتح" عن "الأصل" و"المبسوط": إن اشترى بدنة لمتعة مثلًا ثم اشترك فيها ستة بعد ما أوجبها لنفسه خاصة لا يسعه؛ لأنه لما أوجبها صار الكل واجبًا، بعضها بإيجاب الشرع، وبعضها بإيجابه، فإن فعل فعليه أن يتصدق بالثمن، إلى آخر ما بسطه من التفاصيل في ذلك، والتفريق بين الغني والفقير، فقول الشيخ: لا يجوز الإشراك في الهدي، محمول على هدي التطوع، وهو مقتضى حديث الباب، انتهى من هامش "اللامع" مختصرًا.
(١٦ - باب من عدل عشرة من الغنم)
تقدم الكلام عليه قريبًا (١)، فكن منه على ذكر، ثم البراعة عند الحافظ في قوله: "أفنذبح بالقصب؟ " وعند هذا العبد الضعيف في قوله: "فرمى رجل"، وكذا في قوله: "نلقى العدو"، وكذا في قوله: "ما أنهر الدم" كما تقدم في المقدمة، فارجع إليه.
* * *
стр. 1747
٤٨ - كتاب الرهن
كذا في نسخة العلَّامة العيني، وفي نسخة الحافظ والقسطلاني: "كتاب في الرهن في الحضر وقول الله. . ." إلخ.
قال القسطلاني (١): وللكشميهني: كتاب الرهن، ولغير أبى ذر باب بدل كتاب، - وكذا في النسخ الهندية - وفي النسخة المقروءة على الميدومي "كتاب الرهن، باب الرهن في الحضر. . ." إلخ، ولابن شبويه: "باب ما جاء. . ." إلخ.
والرهن لغة: الثبوت، ومنه الحالة الراهنة، أي: الثابتة، وقال الإمام: الاحتباس، ومنه ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ [المدثر: ٣٨].
وشرعًا: جعل عين متمولة وثيقة بدين يستوفى منها عند تعذر وفائه، ويطلق أيضًا على العين المرهونة تسمية للمفعول باسم المصدر، انتهى.
قال الحافظ (٢): وقوله: "في الحضر" إشارة إلى أن التقييد بالسفر في الآية خرج للغالب فلا مفهوم له لدلالة الحديث على مشروعيته في الحضر وهو قول الجمهور، وإنما قيَّده - في الآية - بالسفر لأنه مظنة فَقْد الكاتب، وخالف في ذلك مجاهد والضحاك فقالا: لا يشرع إلا في السفر حيث لا يوجد الكاتب، وبه قال داود وأهل الظاهر، وقد أشار البخاري إلى ما ورد في بعض طرقه كعادته، وقد تقدم في "باب شراء النبي ﷺ بالنسيئة" في أوائل البيوع (٣) من هذا الوجه بلفظ "ولقد رهن درعًا له بالمدينة عند يهودي" وعرف بذلك الرد على من اعترض بأنه ليس في الآية والحديث تعرض للرهن في الحضر، انتهى.
стр. 1748
(٢ - باب من رهن درعه)
غرض الترجمة واضح.
(٣ - باب رَهْنِ السِّلاح)
قال الحافظ (١): قال ابن المنيِّر: إنما ترجم برهن السلاح بعد رهن الدرع؛ لأن الدرع ليست بسلاح حقيقة وإنما هي آلة يتقى بها السلاح، ولهذا قال بعضهم: لا تجوز تحليتها، وإن قلنا بجواز تحلية السلاح كالسيف.
ثم قال بعد ذكر الحديث: قال ابن بطال ليس في قولهم: "نرهنك اللأمة" دلالة على جواز رهن السلاح، وإنما كان ذلك من معاريض الكلام المباحة في الحرب وغيره، وقال ابن التِّين: ليس فيه ما بوَّب له؛ لأنهم لم يقصدوا إلا الخديعة، وإنما يؤخذ جواز رهن السلاح من الحديث الذي قبله، انتهى.
وقال العيني (٢): المطابقة بين الحديث والترجمة في قوله: "ولكنا نرهنك. . ." إلخ، بحسب ظاهر الكلام، وإن لم يكن في نفس الأمر حقيقة الرهن، وهذا المقدار كاف في وجه المطابقة.
وقال ابن التِّين: وإنما يجوز بيعه ورهنه عند من تكون له ذمة أو عهد باتفاق، وكان لكعب عهد ولكنه نكث ما عاهد عليه من أنه لا يعين على النبي ﷺ فانتقض عهده بذلك، وأجيب بأنه لو لم يكن معتادًا عندهم رهن السلاح عند أهل العهد لما عرضوا عليه، إذ لو عرضوا عليه ما لم تجر به عادتهم لاستراب بهم وفاتهم ما أرادوا من مكيدته. . .، إلى آخر ما فيه، انتهى من "الفتح" (٣).
стр. 1749
(٤ - باب الرهن مركوب ومحلوب)
هذه الترجمة لفظ حديث أخرجه الحاكم وصححه، انتهى من "الفتح" و"العيني" (١). وفي الحديث حجة لمن قال: يجوز للمرتهن الانتفاع بالرهن بالركوب والحلب إذا قام بمصلحته ولو لم يأذن له المالك، وهو قول أحمد وإسحاق وطائفة من السلف، وذهب الجمهور منهم الأئمة الثلاثة إلى أنه لا ينتفع المرتهن من الرهن بشيء، بل الفوائد كلها للراهن، وعليه مؤنه، وأوَّلوا حديث الباب بوجوه ذكرت في هامش "اللامع" (٢) بالبسط.
(٥ - باب الرهن عند اليهود وغيرهم)
قال القسطلاني (٣): مراد المؤلف جواز معاملة غير المسلمين وإن كانوا يأكلون أموال الربا كما أخبر الله تعالى عنهم، ولكن مبايعتهم وأكل طعامهم مأذون لنا فيه بإباحة الله، وقد ساقاهم النبي ﷺ على خيبر كما مر، انتهى.
(٦ - باب إذا اختلف الراهن والمرتهن. . .) إلخ
أي: في أصل الرهن كأن قال: رهنتني كذا! فأنكر، أو في قدره كأن قال: رهنتني الأرض بأشجارها! فقال: بلِ وحدها، أو تعيينه كـ: هذا العبد فقال: بل الثوب، أو قدر المرهون به كـ: بعشرة فقال: بل بعشرين.
قوله: (ونحوه) كاختلاف المتبايعين، قاله القسطلاني (٤).
وقال أيضًا: "المدعي" هو من إذا ترك ترك، و"المدعى عليه" هو من إذا ترك لا يترك بل يجبر، انتهى.
وبراعة الاختتام عند الحافظ ﵀ في قوله: ﴿أُولَئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ﴾ الآية [آل عمران: ٧٧]. وعندي يمكن أيضًا في قوله: "لقي الله وهو عليه غضبان".
стр. 1750
٤٩ - كتاب العتق
هكذا في نسخة العيني، وفي النسخ الهندية "في العتق" بدون لفظ كتاب، وهكذا في نسخة "الفتح" و"القسطلاني".
قال الحافظ (١): كذا للأكثر، زاد ابن شبويه بعد البسملة "باب" وزاد المستملي قبل البسملة "كتاب العتق" ولم يقل: باب، والعتق بكسر المهملة إزالة الملك، يقال: عتق يعتق عتقًا بكسر أوله ويفتح وعتاقًا وعتاقة، قال الأزهري: هو مشتق من قولهم: عتق الفرس إذا سبق، وعتق الفرخ إذا طار؛ لأن الرقيق يتخلص بالعتق ويذهب حيث شاء، انتهى.
وقال العيني (٢): هو لغة: القوة، وفي الشرع: عبارة عن قوة شرعية في مملوك، وهي إزالة الملك عنه. والرق ضعف شرعي يثبت في المحل فيعجزه عن التصرفات الشرعية، ويسلبه أهلية القضاء والشهادة والتزوج، وغير ذلك. والإعتاق إثبات العتق عند أبي يوسف ومحمد، وعند أبي حنيفة: إثبات الفعل المفضي إلى حصول العتق، انتهى.
وذكر ابن عابدين (٣) الاختلاف في معناه لغة وشرعًا، ثم قال: حقق في "الفتح" هذا المقام بما يشفي المرام، انتهى.
(١ - باب في العتق وفضله وقول الله تعالى. . .) إلخ
بالرفع على الاستئناف وبالجر عطفًا على المجرور السابق، قاله القسطلاني (٤).
стр. 1751
قال العيني (١) تحت حديث الباب: مطابقته للترجمة ظاهرة؛ لأنه يخبر عن فضل عظيم في العتق، انتهى.
وفي "الفتح" (٢): في الحديث أن عتق الذكر أفضل من عتق الأنثى خلافًا لمن فضل عتق الأنثى محتجًا بأن عتقها يستدعي صيرورة ولدها حرًّا سواء تزوجها حرّ أو عبد بخلاف الذكر، ومقابله في الفضل أن عتق الأنثى غالبًا يستلزم ضياعها، ولأن في عتق الذكر من المعاني العامة ما ليس في الأنثى كصلاحيته للقضاء وغيره مما يصلح للذكور دون الإناث، انتهى.
(٢ - باب أي الرقاب أفضل ؟)
أي: للعتق، وقوله في الحديث: "أعلاها ثمنًا" بالعين المهملة للأكثر، وللكشميهني بالغين المعجمة، ومعناهما متقارب، وفي رواية لمسلم: "أكثرها ثمنًا" وهو يبين المراد، قال النووي (٣): محله - والله أعلم - فيمن أراد أن يعتق رقبة واحدة، أما لو كان مع شخص ألف درهم مثلًا فأراد أن يشتري بها رقبة يعتقها فوجد رقبة نفيسة أو رقبتين مفضولتين فالرقبتان أفضل، قال: وهذا بخلاف الأضحية فإن الواحدة السمينة فيها أفضل؛ لأن المطلوب هنا فك الرقبة وهناك طيب اللحم، انتهى.
قال الحافظ: والذي يظهر لي أن ذلك يختلف باختلاف الأشخاص، فرب شخص واحد إذا أعتق انتفع بالعتق وانتفع به أضعاف ما يحصل من النفع بعتق أكثر عددًا منه، ورب محتاج إلى كثرة اللحم لتفرقته على المحاويج الذين ينتفعون به أكثر مما ينتفع هو بطيب اللحم، انتهى كله من "الفتح" (٤).
стр. 1752
(٣ - باب ما يستحب من العتاقة)
بفتح العين ووهم من كسرها، والمراد الإعتاق وهو ملزوم العتاقة، وقوله: (في الكسوف أو الآيات) بلفظ "أو" وفي بعض الروايات بغير ألف، و"أو" للتنويع لا للشك.
وقال الكرماني (١): هي بمعنى الواو لا بمعنى بل، لأن عطف الآيات على الكسوف من عطف العام على الخاص، وليس في حديث الباب سوى الكسوف، وكأنه أشار إلى قوله في بعض طرقه: "إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله"، انتهى من "الفتح" (٢).
(٤ - باب إذا أعتق عبدًا بين اثنين أو أمة بين الشركاء)
قال ابن التِّين: أراد أن العبد كالأمة لاشتراكهما في الرق، انتهى.
وكأنه أشار إلى رد قول إسحاق بن راهويه: إن هذا الحكم مختص بالذكور، وهو خطأ، وادعى ابن حزم أن لفظ العبد في اللغة يتناول الأمة وفيه نظر، ولعله أراد المملوك.
وقال القرطبي (٣): العبد اسم للمملوك الذكر في أصل وضعه، والأمة اسم لمؤنثه بغير لفظه، ومن ثم قال إسحاق: إن هذا لا يتناول الأنثى، وخالفه الجمهور (٤)، انتهى.
ثم اعلم أن مسألة الباب - يعني: إعتاق العبد المشترك - خلافية شهيرة، اختلفوا على ثلاثة أقوال، وحاصل المذاهب فيه: أن الرجل إذا أعتق بعض مملوكه يعتق كله في الحال بغير استسعاء عند الأئمة الثلاثة وصاحبي أبي حنيفة، وقال الإمام الأعظم ﵀: يستسعي في الباقي. وإن كان العبد مشتركًا بينهما فأعتق أحدهما نصيبه، فقال الإمام أبو حنيفة:
стр. 1753
الشريك الآخر مخيَّر بين ثلاثة أمور: يعتق نصيبه أو يستسعي، والولاء لهما في الوجهين، أو يغرم الأول فالولاء له، ويستسعي العبد. وقال صاحباه: ليس له إلا الضمان مع اليسار أو السعاية مع الإعسار، ولا يرجع العبد على المعتق بشيء، والولاء للمعتق في الوجهين. وقالت الأئمة الثلاثة في المشهور عنهم: إن كان الأول موسرًا يغرم والولاء له، وإلا فقد عتق منه ما عتق ولا يستسعي. وهذا الاختلاف مبني على اختلاف آخر وهو: أن الإعتاق متجز عند الإمام أبي حنيفة ومن وافقه مطلقًا، يعني: في حالتي اليسر والعسر، وليس بمتجز مطلقًا عند صاحبيه ومن وافقهما، ومتجز في حالة العسر دون اليسر في المشهور من أقوال الأئمة الثلاثة الباقية، وهذا تفصيل المذاهب الأئمة الستة، وإلا ففي المسألة أقوال أخر، فقد ذكر النووي (١) فيها عشرة مذاهب، والعيني (٢) على البخاري أربعة عشر مذهبًا، وفي "الأوجز" (٣) عشرين مذهبًا، انتهى من هامش "اللامع" (٤).
(٥ - باب إذا أعتق نصيبًا في عبد وليس له. . .) إلخ
قال الحافظ (٥): أشار البخاري بهذه الترجمة إلى أن المراد بقوله في حديث ابن عمر: "وإلا فقد عتق منه ما عتق" أي: وإلا فإن كان المعتق لا مال له يبلغ قيمة بقية العبد فقد تنجز عتق الجزء الذي كان يملكه وبقي الجزء الذي لشريكه على ما كان عليه أولًا إلى أن يستسعي العبد في تحصيل القدر الذي يخلص به باقيه من الرق إن قوي على ذلك، فإن عجز نفسه استمرت حصة الشريك موقوفة، وهو مصير منه إلى القول بصحة الحديثين جميعًا والحكم برفع الزيادتين معًا وهو قوله في حديث ابن عمر: "وإلا فقد عتق منه ما عتق".
стр. 1754
وقد تقدم بيان من جزم بأنها من جملة الحديث، وبيان من توقف فيها أو جزم بأنها من قول نافع، وقوله في حديث أبي هريرة: "فاستسعي به غير مشقوق عليه. . ." إلى آخر ما قال، انتهى.
قلت: كذا قال الحافظ في غرض الترجمة، وعندي ليس كذلك، بل الغرض عندي أن الإمام البخاري ﵀ أشار بذلك إلى الرد على من أنكر الاستسعاء، وهو مذهب الأئمة الثلاثة، وقد اعترف به الحافظ حيث قال بعد قول البخاري: "تابعه حجاج ابن حجاج. . ." إلخ؛ كأنه أشار بهذا إلى الرد على من زعم أن الاستسعاء في هذا الحديث غير محفوظ، وأن سعيد بن أبي عروبة تفرد به، فاستظهر له برواية جرير بن حازم بموافقته، ثم ذكر ثلاثة تابعوهما على ذكرها، انتهى، فافهم.
(٦ - باب الخطإ والنسيان في العتاقة والطلاق. . .) إلخ
قال الحافظ (١): "ونحوه" أي: من التعليقات لا يقع شيء منها إلا بالقصد، وكأنه أشار إلى رد ما روي عن مالك أنه يقع الطلاق والعتاق عامدًا كان أو مخطئًا ذاكرًا كان أو ناسيًا، وقد أنكره كثير من أهل مذهبه، ووقوع الخطإ في الطلاق والعتاق أن يريد أن يلفظ بشيء غيرهما فيسبق لسانه إليهما، وأما النسيان ففي ما إذا حلف ونسي، انتهى.
وفي هامش "اللامع" (٢): اختلفت الأئمة في فروع هاتين المسألتين كما بسط في شروح البخاري و"الأوجز" و"المغني"، والجملة ما في "العيني": قال أصحابنا: طلاق الخاطئ والناسي والهازل واللاعب والذي يتكلم به من غير قصد واقع. وفي "التوضيح": قد اختلف العلماء في الناسي في يمينه هل يلزمه حنث أم لا؟ على قولين: أحدهما: لا، وهو أحد قولي الشافعي، وبه قال إسحاق، وإليه ذهب البخاري في الباب،
стр. 1755
وثانيهما: وهو قول الشعبي وطاووس من أخطأ في الطلاق فله نيَّته، وفيه قول ثالث: يحنث في الطلاق خاصة، قاله أحمد، وذهب مالك والكوفيون إلى أنه يحنث في الخطإ أيضًا، وادعى ابن بطال أنه الأشهر عن الشافعي، انتهى.
قال الحافظ (١): واختلف السلف في طلاق الناسي، فكان الحسن يراه كالعمد إلا إن اشترط فقال: إلا أن أنسى، وعن عطاء أنه كان لا يراه شيئًا وهو قول الجمهور، وكذلك اختلف في طلاق المخطئ، فذهب الجمهور إلى أنه لا يقع، وعن الحنفية يلزمه الطلاق، انتهى.
قال العيني: أما حكم طلاق الغالط والناسي فإنه واقع، وهو قول عطاء والشافعي في قول، وإسحاق ومالك والكوفيين، انتهى.
قال الموفق: لا خلاف عن أحمد أنه إذا أراد أن يقول لزوجته: اسقيني ماء فسبق لسانه فقال: أنت طالق أو أنت حرة أنه لا طلاق فيه، إلى آخر ما بسط في هامش "اللامع" (٢).
وفي "البذل" (٣) في قوله ﷺ : "ثلاث جدهن جد": الحديث يدل على أن من تلفظ هازلًا بلفظ نكاح أو طلاق أو رجعة أو عتاق وقع منه ذلك، أما في الطلاق فقد قال بذلك الشافعية والحنفية وغيرهم، وخالف في ذلك أحمد ومالك فقالا: إنه يفتقر اللفظ الصريح إلى النية، انتهى.
قوله: (ولا عتاقة إلا لوجه الله) قال القسطلاني (٤): أي: لذاته ولجهة رضاه، ومراده بذلك إثبات اعتبار النية لأنه لا يظهر كونه لوجه الله تعالى إلا مع القصد، وفي حديث ابن عباس مرفوعًا كما في "الطبراني": "لا طلاق إلا لعدة ولا عتاقة إلا لوجه الله"، انتهى.
وكتب الشيخ في "اللامع" (٥): يرد به ما ذهب إليه الحنفية من نفاذ
стр. 1756
العتق ولو للشيطان أو الصنم، وجوابه ما مر من المصنف نفسه من جواز صدقة المشركين وإعتاقهم فإنه أثبت ثمة جواز الإعتاق منهم مع أنهم ليسوا أهل نية وإخلاص حتى يكون فعلهم لوجه الله تعالى، انتهى.
قوله: (لكل امرئ ما نوى. . .) إلخ، قال الحافظ (١): أشار المصنف بهذا الاستنباط إلى بيان أخذ الترجمة من حديث "الأعمال بالنيات"، ويحتمل أن يكون أشار بالترجمة إلى ما ورد في بعض الطرق كعادته، وهو الحديث الذي يذكره أهل الفقه والأصول كثيرًا بلفظ "رفع الله عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه" أخرجه ابن ماجه (٢)، إلا أنه بلفظ "وضع" بدل "رفع"، انتهى.
وكتب الشيخ في "اللامع" (٣): وجوابه معروف من أن المرفوع هو الإثم لإجزاء الفعل، انتهى. وبسط الكلام على ذلك في هامش "اللامع" (٤) في آخر كتاب الإيمان.
(٧ - باب إذا قال لعبده هو لله. . .) إلخ
قال الحافظ (٥): قوله: (ونوى العتق) أي: صح، وقوله: (والإشهاد في العتق) قيل: هو بجر الإشهاد، أي: وباب الإشهاد في العتق، وهو مشكل لأنه إن قدر منونًا احتاج إلى خبر، وإلا لزم حذف التنوين من الأول ليصح العطف عليه وهو بعيد، والذي يظهر أن يقرأ "والإشهاد" بالضم فيكون معطوفًا على "باب" لا على ما بعده، و"باب" بالتنوين، ويجوز أن يكون التقدير: وحكم الإشهاد في العتق، قال المهلب: لا خلاف بين العلماء إذا قال لعبده: هو لله، ونوى العتق أنه يعتق، وأما الإشهاد في العتق فهو من حقوق المعتق، وإلا فقد تم العتق وإن لم يشهد، انتهى.
стр. 1757
(٨ - باب أم الولد)
كتب الشيخ قُدِّس سرُّه في "اللامع" (١): أي: جواز استيلاد الأمة، وقوله: (هو لك يا عبد بن زمعة) فيه الترجمة حيث أثبت نسبه لكونها أم ولد له، انتهى.
هذا ما أفاده الشيخ قُدِّس سرُّه في غرض الترجمة.
وقال الحافظ ﵀: قوله: "باب أم الولد" أي: هل يحكم بعتقها أم لا؟ أورد فيه حديثين وليس فيهما ما يفصح في الحكم عنده، وأظن ذلك لقوة الخلاف في المسألة بين السلف، وإن كان الأمر استقر عند الخلف على المنع حتى وافق في ذلك ابن حزم ومن تبعه من أهل الظاهر على عدم جواز بيعهن ولم يبق إلا شذوذ، انتهى.
وذكر العلَّامة العيني (٢) أسماء القائلين بعدم جواز بيعها وذكر منهم الأئمة الأربعة وقال: وكذا الشافعي في أكثر كتبه، وقد أجاز بيعها في بعض كتبه، وقال المزني: قطع في أربعة عشر موضعًا من كتبه بأن لا تباع، وهو الصحيح من مذهبه، ثم قال: وكان أبو بكر الصديق وعلي وابن عباس وابن الزبير وجابر وأبو سعيد الخدري ﵃ يجيزون بيع أم الولد، وبه قال داود، إلى آخر ما بسط.
(٩ - باب بيع المدبر)
قال الحافظ (٣): أي: جوازه، أو ما حكمه؟ وقد تقدمت هذه الترجمة بعينها في "كتاب البيوع"، وقد تقدم هناك نقل مذاهب الفقهاء في بيع المدبر، وأن الجواز مطلقًا مذهب الشافعي وأهل الحديث، وعن الحنفية والمالكية تخصيص المنع بمن دبر تدبيرًا مطلقًا، أما إذا قيده - كأن يقول: إن مت من مرضي هذا ففلان حر - فإنه يجوز بيعه، انتهى.
стр. 1758
والمشهور من مذهب أحمد كالشافعي، قاله القسطلاني (١).
وفي "الفيض" (٢): قد مرّ الكلام فيه، وأن تراجم المصنف في هذا الباب متهافتة، والذي يلوح منها أنه اختار مذهب الشافعي، انتهى.
(١٠ - باب بيع الولاء وهبته)
أي: حكمه، والولاء بالفتح والمد: حق ميراث المعتق من المعتق بالفتح، انتهى من "الفتح" (٣).
وكتب الشيخ في "اللامع" (٤): أنهما لا يجوزان ودلالة الرواية على المدعى في لام الاختصاص، ولو جاز بيعه أو هبته أو نقله بغيرهما من أسباب الملك لم يبق له اختصاص بالمعتق، والاختصاص ثابت بقوله: "لمن أعتق" فبطل النقل، انتهى.
وفي هامشه: قال العيني: فقهاء الحجاز والعراق مجمعون على أنه لا يجوز بيع الولاء ولا هبته، قال ابن المنذر: وعليه جماهير أهل العلم، وقام الإجماع على أنه لا يجوز تحويل النسب فكان حكم الولاء كحكم النسب في ذلك، فكما لا يجوز بيع النسب ولا هبته كذلك الولاء، ولا نقله ولا تحويله، انتهى مختصرًا.
(١١ - باب إذا أسر أخو الرجل أو عمه هل يفادى)
بضم الياء وفتح الدال المهملة بأن يعطي مالًا ويستنقذه من الأسر (إذا كان) أخوه أو عمه (مشركًا)، انتهى من "القسطلاني" (٥).
وقال الحافظ (٦): قيل: إنه أشار بهذه الترجمة إلى تضعيف الحديث الوارد في من ملك ذا رحم فهو حر، وهو حديث أخرجه أصحاب السنن،
стр. 1759
واستنكره ابن المديني، ورجح الترمذي إرساله، وقال البخاري: لا يصح، وجرى الحاكم وابن حزم وابن القطان على ظاهر الإسناد فصححوه، وقد أخذ بعمومه الحنفية والثوري والأوزاعي والليث، وقال داود: لا يعتق أحد على أحد، وذهب الشافعي إلى أنه لا يعتق على المرعي إلا أصوله وفروعه لا لهذا الدليل بل لأدلة أخرى، وهو مذهب مالك وزاد: الإخوة حتى من الأم. . .، إلى آخر ما بسط من هامش "اللامع" (١).
قوله: (وكان عليّ له نصيب. . .) إلخ، قال الحافظ (٢): هو كلام المصنف ساقه مستدلًا به على أنه لا يعتق بذلك، أي: فلو كان الأخ ونحوه يعتق بمجرد الملك لعتق العباس وعقيل على علي ﵃ في حصة من الغنيمة، وأجاب ابن المنيِّر عن ذلك. . .، إلى آخر ما قال.
وكتب الشيخ في "اللامع" (٣): والجواب أن الملك لا يثبت قبل الإحراز وكانت المفاداة هناك قبل أن يدخلوا المدينة، نعم لو اختير جعلهم أرقاء، ثم دخلو المدينة معهم كان الإيراد واردًا، انتهى.
وفي "الفيض" (٤): غرضه أن النبي ﷺ ملك عباسًا، فلم يعتق عليه؛ قلت: أين الملك فيه قبل التقسيم؟ وليس هناك إلا حق الملك، والحرية تعقب الملك نفسه دون حقه، أما المفاداة كما في الحديث، فجائزة عندنا أيضًا، كما في "الدر المختار"، انتهى.
وبسط الكلام عليه في هامش "اللامع" (٥)، فارجع إليه لو شئت.
(١٢ - باب عتق المشرك)
يحتمل أن يكون مضافًا إلى الفاعل أو المفعول، وعلى الثاني جرى ابن بطال (٦) وقال: لا خلاف في جواز عتق المشرك تطوعًا، وإنما اختلفوا
стр. 1760
في عتقه عن الكفارة، وحديث الباب حجة في الأول؛ لأن حكيمًا لما أعتق وهو كافر لم يحصل له الأجر إلا بإسلامه، فمن فعل ذلك وهو مسلم لم يكن بدونه بل أولى، انتهى.
وقال ابن المنيِّر: الذي يظهر أن مراد البخاري أن المشرك إذا أعتق مسلمًا نفذ عتقه وكذا إذا أعتق كافرًا فأسلم العبد، انتهى (١).
وكتب الشيخ قُدِّس سرُّه في "اللامع" (٢): هذا يرد على المؤلف ما قبل ذلك من قوله: "لا عتاقة إلا لوجه الله"، انتهى.
وتقدم شيء من الكلام عليه في "باب الخطأ والنسيان"، فارجع إليه.
(١٣ - باب من ملك من العرب رقيقًا فوهب. . .) إلخ
قال القسطلاني (٣): حذف مفعولات الأربعة للعلم بها ثم عطف على قوله: "ملك"، قوله: "وسبى الذرية" ثم قال: وقد ساق المؤلف هنا أربعة أحاديث دالة على ما ترجم به إلا البيع لكن في بعض طرق حديث أبي هريرة ذكره كما سيأتي، انتهى.
قال العيني (٤): قوله: "فوهب. . ." إلخ، تفصيل لقوله: "ملك"، فذكر خمسة أشياء: الهبة، والبيع، والجماع، والفداء، والسبي، انتهى.
وفي "البذل" (٥): ذهب الجمهور إلى جواز استرقاق العرب، وأنكره الحنفية والشافعي في القديم، لكن الحنفية جوَّزوا استرقاق نسائهم وذراريهم، انتهى.
وقال الحافظ (٦): هذه الترجمة معقودة لبيان الخلاف في استرقاق العرب وهي مسألة مشهورة، والجمهور على أن العربي إذا سبي جاز أن
стр. 1761
يسترق، وإذا تزوج أمة بشرطه كان ولدها رقيقًا، وذهب الأوزاعي والثوري وأبو ثور إلى أن على سيد الأمة تقويم الولد ويلزم أبوه بأداء القيمة ولا يسترق الولد أصلًا، وجنح المصنف إلى الجواز، انتهى.
كتب الشيخ في "اللامع" (١): ولا يرد على الإمام ما أورده بهذه الروايات لأن مذهبه أن العرب لا يستبقون على الكفر، لا أنهم لا يسترقون مطلقًا، فجاز استرقاقهم مؤمنين لا كفارًا، وليس في شيء من الروايات ما يرد على ذلك؛ لأن الثابت بها هو استرقاقهم، قلنا: كان ذلك بعد أن أسلموا، قال ابن الهمام في "شرح الهداية": ولنا قوله تعالى: ﴿تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ﴾ [الفتح: ١٦] أي: إلى أن يسلموا، وروي عن ابن عباس أنه ﵊ قال: "لا يقبل من مشركي العرب إلا الإسلام أو السيف"، وذكر محمد بن الحسن عن يعقوب عن الحسن عن مقسم عن ابن عباس، وقال: "أو القتل" مكان السيف، وعنه ﵊: "لا رق على عربي" وأخرجه البيهقي عن معاذ أن رسول الله ﷺ قال: "لو كان ثابتًا على أحد من العرب رق لكان اليوم"، انتهى عبارة "الفتح".
(١٤ - باب فضل من أدَّب جاريته)
سقط لفظ "فضل" من رواية أبي ذر والنسفي، وزاد النسفي "وأعتقها"، انتهى (٢).
ولا يخفى عليك أن الإمام البخاري ذكر من ها هنا إلى آخر العتق أبوابًا لا تعلق لها بالعتق على الظاهر، ولم يتعرض لها الشراح، والظاهر عندي أن المصنف ذكرها استطرادًا وتبعًا لكونها مما يتعلق بالعبيد والإماء، وإن لم يكن من قبيل العتق، فتدبر.
стр. 1762
(١٥ - باب قول النبي ﷺ : "العبيد إخوانكم. . .") إلخ
قال الحافظ (١): لفظ هذه الترجمة أورد المصنف معناه من حديث أبي ذر، وقد رويناه في كتاب الإيمان لابن منده بلفظ "إنهم إخوانكم، فمن لايَمَكم منهم فأطعموهم مما تأكلون واكسوهم مما تكتسون"، انتهى.
(١٦ - باب العبد إذا أحسن عبادة ربه. . .) إلخ
أي: بيان فضله وثوابه، انتهى من "الفتح" (٢).
(١٧ - باب كراهية التطاول على الرقيق. . .) إلخ
قال الحافظ (٣): أي الترافع عليهم، والمراد مجاوزة الحد في ذلك، والمراد بالكراهة كراهة التنزيه من غير تحريم، ولذلك استشهد للجواز بقوله تعالى: ﴿وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ﴾ [النور: ٣٢] وبغيرها من الآيات والأحاديث الدالة على الجواز، ثم أردفها بالحديث الوارد في النهي عن ذلك، واتفق العلماء على أن النهي فيه للتنزيه، حتى أهل الظاهر، إلا ما قال ابن بطال (٤) في لفظ الرب إذ قال: لا يجوز أن يقال لأحد غير الله: رب، كما لا يجوز أن يقال له: إله. . .، إلى آخر ما فيه.
وكتب الشيخ في "اللامع" (٥): أشار بذلك إلى دفع ما في الروايات من التعارض بحسب الظاهر حيث نهى في بعضها أن يقول: سيدي أو ربي، أو عبدي أو أمتي ومع ذلك فقد ورد في كثير من الآيات والروايات إضافته إليه بلفظ السيد والرب. وحاصل الدفع أنه إن قال ذلك مطاولة ومفاخرة كان منهيًّا عنه، وإن لم يكن كذلك فلا ضير فيه لجوازه بحسب نفس ذاته،
стр. 1763
غير أنه لا يكون أولى لما فيه من ترك الأولى، والروايات والآيات واردة بحسب أصل الجواز، انتهى.
وفي هامشه: قال السندي: الكراهة مخصوصة بصورة الإضافة إلى ياء المتكلم كأن يقول: عبدي أو أمتي، انتهى.
وما أفاده الشيخ قُدِّس سرُّه أولى وأجود، وقريب منه ما قال صاحب "الفيض" (١)، فارجع إليه لو شئت.
(١٨ - باب إذا أتى أحدكم خادمه بطعامه)
أي: فليجلسه معه ليأكل، انتهى من "الفتح" (٢).
(١٩ - باب العبد راع في مال سيده)
أي: ويلزمه حفظه، ولا يعمل إلا بإذنه.
وقوله: (ونسب. . .) إلخ؛ كأنه يشير بذلك إلى حديث ابن عمر "من باع عبدًا وله مال فماله للسيد" وقد تقدمت الإشارة إليه في "باب من باع نخلًا قد أبرت" من "كتاب البيوع" (٣) وفي "كتاب الشرب" (٤)، انتهى من "الفتح" (٥).
(٢٠ - باب إذا ضرب العبد فليجتنب الوجه)
قال الحافظ (٦): العبد بالنصب على المفعولية، والفاعل محذوف للعلم به، وذكر العبد ليس قيدًا، وإنما خص بالذكر لأن المقصود هنا بيان حكم الرقيق، كذا قرره بعض الشرَّاح، وأظن المصنف أشار إلى ما أخرجه في "الأدب المفرد" عن أبي هريرة فذكر الحديث بلفظ "إذا ضرب أحدكم خادمه"، انتهى.
стр. 1764
ثم قال: وهذا النهي ظاهره التحريم، ويؤيده حديث سويد بن مقرن الصحابي: "أنه رأى رجلًا لطم غلامه فقال: أو ما علمت أن الصورة محترمة" أخرجه مسلم وغيره، انتهى.
ثم براعة سكت عنها الحافظ لأنه جعل آخر العتق عند كتاب الهبة، ويمكن عندي أن تكون في قوله: "إذا قاتل أحدكم" الحديث، فافهم.
* * *
стр. 1765
٥٠ - كتاب المكاتب
هكذا في نسخة العيني، وكذا في النسخ الهندية، وفي نسخة "الفتح": "باب في المكاتب"، وفي نسخة القسطلاني: "في المكاتب" بدون لفظ "كتاب" ولفظ "باب".
قال الحافظ (١): كذا لأبي ذر، ولغيره "كتاب المكاتب"، وأثبتوا كلهم البسملة، وكاف الكتابة تكسر وتفتح كعين العتاقة، انتهى.
قال القسطلاني (٢): المكاتب بفتح المثناة الفوقية: الرقيق الذي يكاتبه مولاه على مال يؤديه إليه، فإذا أداه عتق، فإن عجز رد إلى الرق، وبكسر التاء السيد الذي تقع منه المكاتبة، والكتابة بكسر الكاف عقد عتق بلفظها بعوض منجم بنجمين فأكثر، وهي خارجة عن قواعد المعاملات عند من يقول: إن العبد لا يملك، لدورانها بين السيد ورقيقه، ولأنها بيع ماله بماله، وكانت الكتابة متعارفة قبل الإسلام، فأقرها الشارع ﷺ ، وقال الروياني: إنها إسلامية لم تكن في الجاهلية، والأول هو الصحيح، وأول من كوتب في الإسلام بريرة، ومن الرجال سلمان، وهي لازمة من جهة السيد إلا إن عجز العبد، وجائزة له على الراجح، انتهى.
زاد الحافظ (٣): وحكى ابن التِّين أن أول من كوتب أبو المؤمل، فقال النبي ﷺ : "أعينوه"، ثم قال: واختلف في تعريف الكتابة، وأحسنه: تعليق عتق بصفة على معاوضة مخصوصة، انتهى.
стр. 1766
(باب إثم من قذف مملوكه)
ليس هذا الباب في متن النسخ الهندية، لكن هو موجودة في نسخة الشروح: "الفتح" و"العيني"، و"القسطلاني"، وكذا في هامش النسخ الهندية.
قال الحافظ (١): كذا للجميع هنا إلا النسفي وأبا ذر، ولم يذكر من أثبت هذه الترجمة فيها حديثًا، ولا أعرف لدخولها في أبواب المكاتب معنى، ثم وجدتها في رواية ابن شبويه مقدمة قبل كتاب المكاتب فهذا هو المتجه، وعلى هذا فكأن المصنف ترجم بها وأخلى بياضًا ليكتب فيها الحديث الوارد في ذلك فلم يكتب كما وقع له في غيرها، وقد ترجم في كتاب الحدود (٢) "باب قذف العبيد" وأورد فيه حديث "من قذف مملوكه - وهو بريء مما قال - جلد يوم القيامة" الحديث، فلعله أشار بذلك إلى أنه يدخل في هذه الأبواب، انتهى.
(١ - باب المكاتب ونجومه في كل سنة نجم. . .) إلخ
قوله: (نجومه) بالجر عطفًا على سابقه، وبالرفع على الاستئناف، "في كل سنة نجم" ونجم الكتابة هو القدر المعين الذي يؤديه المكاتب في وقت معين، وأصله أن العرب كانوا يبنون أمورهم في المعاملة على طلوع النجم؛ لأنهم لا يعرفون الحساب فيقول أحدهم: إذا طلع النجم الفلاني أديت حقك، فسميت الأوقات نجومًا بذلك ثم سمي المؤدى في الوقت نجمًا، واشترط الشافعي التأجيل وقوفًا مع التسمية بناءً على أن الكتابة من الضم، وأقل ما يحصل به الضم نجمان، ولأنه أمكن لتحصيل القدرة على الأداء وجوّز الحنفية والمالكية الكتابة حالًا ومؤجلًا ومنجمًا وغير منجم؛ لأنّ الله تعالى لم يذكر التنجيم، انتهى من "القسطلاني" (٣).
стр. 1767
وزاد الحافظ (١): وأما قول المصنف: "في كل سنة نجم" فأخذه من صورة الخبر الوارد في قصة بريرة كما سيأتي التصريح به بعد باب (٢)، ولم يرد المصنف أن ذلك شرط فيه، فإن العلماء اتفقوا على أنه لو وقع التنجيم بالأشهر جاز، انتهى.
قال الموفق: ظاهر كلام الخرقي أن الكتابة لا تصح حالة ولا تجوز إلا منجمة، وهو ظاهر المذهب وبه قال الشافعي، وقال مالك وأبو حنيفة: تجوز حالة، ثم ذكر دلائل الفريقين كما في هامش "اللامع" (٣).
(٢ - باب ما يجوز من شروط المكاتب. . .) إلخ
قال الحافظ (٤): قال ابن بطال (٥): المراد بكتاب الله حكمه من كتابه أو سُنَّة رسول الله ﷺ أو إجماع الأمة، قال القرطبي (٦): قوله: "ليس في كتاب الله" أي: ليس مشروعًا في كتاب الله تأصيلًا ولا تفصيلًا، انتهى.
قال القسطلاني (٧): ليس في حديثي الباب إلا ذكر شرط الولاء وجمع في الترجمة بين حكمين وكأنه فسر الأول بالثاني وإن ضابط الجواز ما كان في كتاب الله، أي: في حكمه من كتاب أو سُنَّة أو إجماع، وقد اشترط لصحة الكتابة شروط، ثم بسطها، انتهى.
(٣ - باب استعانة المكاتب وسؤاله الناس)
من عطف الخاص على العام؛ لأن الاستعانة تقع بالسؤال وبغيره، وكأنه يشير إلى جواز ذلك لأنه ﷺ أقرَّ بريرة على سؤالها عائشة في إعانتها على كتابتها، وأما ما أخرجه أبو داود في "المراسيل" من طريق
стр. 1768
يحيى بن أبي كثير يرفعه في هذه الآية ﴿إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾ [النور: ٣٣] قال: حرفةً، ولا ترسلوهم كلًّا على الناس، فهو مرسل أو معضل فلا حجة فيه، انتهى من "الفتح" (١).
وتعقب العيني (٢) على قول الحافظ من عطف الخاص على العام بأنه ما التفت إلى سين الاستعانة، فإنها للطلب، والطلب لا يكون إلا من غيره، انتهى.
وكتب الشيخ في "اللامع" (٣): وإنما لم تحرم عليه المسألة لاضطراره إلى فك رقبته من وثاق الرق، واحتياجه إليه أشد من احتياج الساغب إلى الطعام؛ لأن العبد خارج من الآدمية حكمًا، فجوَّز له السعي في تحصيل إنسانية، مع أن غلَّته لا تفي بدل كتابته، فيستعين بالمسألة، انتهى.
(٤ - باب بيع المكاتب إذا رضي. . .) إلخ
قال الحافظ (٤) في رواية [السرخسي والمستملي:] "المكاتبة"، والأول أصح لقوله: "إذا رضي"، وهذا اختيار منه لأحد الأقوال في مسألة بيع المكاتب إذا رضي بذلك ولو لم يعجز نفسه، وهو قول أحمد وربيعة والأوزاعي وأحد قولي الشافعي ومالك، ومنعه أبو حنيفة والشافعي في أصح القولين وبعض المالكية، وأجابوا عن قصة بريرة بأنها عجزت نفسها، واستدلوا باستعانة بريرة عائشة في ذلك، وليس في استعانتها ما يستلزم العجز، إلى آخر ما قال، وفي "الهداية" (٥): لو رضي المكاتب بالبيع ففيه روايتان، الأظهر الجواز، انتهى.
стр. 1769
(٥ - باب إذا قال المكاتب: اشترني وأعتقني. . .) إلخ
قال العيني (١): جواب إذا محذوف، تقديره جاز، انتهى
وحمل الشيخ قُدِّس سرُّه في "اللامع" (٢) هذا الباب على أن المصنف أراد به إثبات البيع بشرط واحد كما هو مذهب الحنابلة، فكتب الشيخ: أورده لإثبات أن الشرط الواحد رخص فيه، قلنا: لم يكن ذاك من هذا القبيل، وإنما كانت هذه عِدَة منها رضي الله تعالى عنها، وإنما كان ذلك شرطًا لو أدخل في صلب العقد مع أنه لم يجر له ذكر فيما بين المتعاقدين، ولو سلم ففيه دلالة على أن الفاسد من البيوع مفيد للملك [كما تقدم في "باب إذا لم يوقت الخيار - ز"] ينفذ الإعتاق من المشتري شراء فاسدًا. . .، إلى آخر ما قال.
وفي هامشه: تقدم الكلام على مسألة البيع بشرط واحد أو بشرطين في كتاب البيوع في "باب إذا اشترط في البيع شروطًا" وذكر الإمام البخاري رحمه الله تعالى في الباب المذكور أيضًا حديث بريرة هذا، ولذا بنى الشيخ قُدِّس سرُّه تقريره على تلك المسألة، والأوجه عند هذا العبد الضعيف: أن الإمام البخاري أراد ها هنا فروعًا خلافية تتعلق بالكتابة والعتق فترجم أولًا "بباب بيع المكاتب إذا رضي" كما تقدم الكلام عليه، ثم ترجم ثانيًا بهذه الترجمة، وأراد به إثبات بيعه بشرط العتق، وهي مسألة خلافية.
قال الحافظ: إذا وقع البيع بشرط العتق صح على أصح القولين عند الشافعية والمالكية، وعن الحنفية يبطل، انتهى.
وفي "الشرح الكبير" (٣) لابن قدامة في بحث الشروط في البيع: إذا شرط العتق ففي صحته روايتان: إحداهما: يصح، والثانية: الشرط فاسد، انتهى.
ثم البراعة عند الحافظ في قوله: "الولاء لمن أعتق"، وعندي في قوله: "مات"، فافهم.
стр. 1770
٥١ - كتاب الهبة
الهبة: بكسر الهاء وتخفيف الموحدة، تطلق بالمعنى الأعم على أنواع: الإبراء وهو هبة الدَّين ممن هو عليه، والصدقة وهي هبة ما يتمحض به طلب ثواب الآخرة، والهدية وهي ما يكرم به الموهوب له، ومن خصها بالحياة أخرج الوصية وهي تكون أيضًا بالأنواع الثلاثة، وتطلق الهبة بالمعنى الأخص على ما لا يقصد له بدل، وعليه ينطبق قول من عرف الهبة بأنها تمليك بلا عوض، وصنيع المؤلف محمول على المعنى الأعم لأنه أدخل فيها الهدايا، انتهى من "الفتح" (١)، وأجاد القسطلاني (٢) في البحث في معناه، وبسط الكلام عليه.
(٢ - باب القليل من الهبة)
قال الحافظ (٣): مناسبة الحديث للترجمة بطريق الأولى؛ لأنه إذا كان يجيب من دعاه إلى ذلك القدر اليسير فلأن يقبله ممن أحضره إليه أولى، انتهى.
قال القسطلاني (٤) بعد ذكر الحديث: وهذا يدل على جواز القليل من الهدية وأنه لا يرد والهدية في معنى الهبة فتحصل المطابقة بين الحديث والترجمة، انتهى.
(٣ - باب من استوهب من أصحابه شيئًا)
أي: سواء كان عينًا أو منفعة جاز، أي: بغير كراهة في ذلك إذا كان
стр. 1771
يعلم طيب أنفسهم، انتهى من "الفتح" (١).
قلت: والغرض من هذه الترجمة، وكذا من الترجمة الآتية ظاهر، وهو استثناؤهما من ذم السؤال الوارد في كثير من الروايات، ومحل الاستثناء هو ما تقدم من كلام الحافظ من قوله: "إذا كان يعلم طيب أنفسهم".
(٤ - باب من استسقى. . .) إلخ
ماءً أو لبنًا أو غير ذلك مما تطيب به نفس المطلوب منه (٢)، وغرض الترجمة قد تقدم في الباب السابق.
(٥ - باب قبول هدية الصيد)
كتب الشيخ قُدِّس سرُّه في "اللامع" (٣): أفرده بالذكر لما في تحصيله من تعب، فلعل متوهمًا يتوهم أنه لا يجوز قبوله لما يلحق المهدي فيه من الضرر، انتهى.
وفي هامشه: ولا يبعد عندي أنه أشار بذلك إلى دفع ما يتوهم من قوله ﷺ : "من اتبع الصيد فقد غفل" أخرجه الإمام أبو داود والترمذي وغيرهما، من أن الاشتغال بذلك سبب الغفلة، وقبول هدية إعانة على ذلك، وسيأتي في كتاب الذبائح "باب ما جاء في التصيد" قال ابن المنيِّر: مقصوده بهذه الترجمة التنبيه على أن الاشتغال بالصيد لمن هو عيشه به مشروع، ولمن عرض له ذلك وعيشه بغيره مباح، وأما التصيد لمجرد اللهو فهو محل الخلاف. . .، إلى آخر ما ذكر في هامش "اللامع".
ثم اعلم أن المصنف ذكر في هذا الباب حديثين على ما في النسخ الهندية، وترجم في نسخ الشروح على الحديث الثاني حديث صعب بن جثامة
стр. 1772
ترجمة بـ "باب قبول هدية الصيد" وليست هذه في النسخ الهندية.
قال الحافظ (١): كذا ثبت لأبي ذر، وسقطت هذه الترجمة هنا لغيره وهو الصواب، وشاهد الترجمة من الحديث مفهوم قوله: "لم نردّه عليك إلا أنّا حرم"، انتهى.
(٧ - باب قبول الهدية)
قال الحافظ (٢): كذا لأبي ذر وهو تكرار بغير فائدة، انتهى.
قلت: وهذا بحسب نسخة الحافظ، كما تقدم، ثم قال الحافظ: وهذه الترجمة بالنسبة إلى ترجمة قبول هدية الصيد من العام بعد الخاص، انتهى.
قلت: ويمكن عندي في غرض الترجمة أن المصنف لوَّح به إلى ما في أبي داود من قوله ﷺ : "لا أقبل بعد يومي هذا من أحد هدية إلا أن يكون مهاجريًا قرشيًا أو أنصاريًا أو دوسيًا أو ثقفيًا" وسيأتي قريبًا في "البخاري" عن عمر بن عبد العزيز: "كانت الهدية في زمنه ﷺ هدية، واليوم رشوة".
ثم لا يذهب عليك ما قال الحافظ (٣) في آخر حديث الباب حديث أم عطية، إذ قال: استشكلت قصة عائشة في حديث أم عطية مع حديثها في قصة بريرة؛ لأن شأنهما واحد، وقد أعلمها النبي ﷺ في كل منهما بما حاصله: أن الصدقة إذا قبضها من يحل له أخذها ثم تصرف فيها زال عنها حكم الصدقة، فلو تقدمت إحدى القصتين على الأخرى لأغنى ذلك عن إعادة ذكر الحكم، ويبعد أن تقع القصتان دفعة واحدة، انتهى.
ولم يذكر الحافظ الجواب عن هذا الإشكال، ويمكن التفصي عنه بتنويع الصدقتين: النفل والواجب، بأن تكون إحدى القصتين واردة في صدقة النفل، والأخرى في صدقة الواجب، فاحتيج إلى بيان الحكم في