يحيى بن أبي كثير يرفعه في هذه الآية ﴿إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾ [النور: ٣٣] قال: حرفةً، ولا ترسلوهم كلًّا على الناس، فهو مرسل أو معضل فلا حجة فيه، انتهى من "الفتح" (١).
وتعقب العيني (٢) على قول الحافظ من عطف الخاص على العام بأنه ما التفت إلى سين الاستعانة، فإنها للطلب، والطلب لا يكون إلا من غيره، انتهى.
وكتب الشيخ في "اللامع" (٣): وإنما لم تحرم عليه المسألة لاضطراره إلى فك رقبته من وثاق الرق، واحتياجه إليه أشد من احتياج الساغب إلى الطعام؛ لأن العبد خارج من الآدمية حكمًا، فجوَّز له السعي في تحصيل إنسانية، مع أن غلَّته لا تفي بدل كتابته، فيستعين بالمسألة، انتهى.
(٤ - باب بيع المكاتب إذا رضي. . .) إلخ
قال الحافظ (٤) في رواية [السرخسي والمستملي:] "المكاتبة"، والأول أصح لقوله: "إذا رضي"، وهذا اختيار منه لأحد الأقوال في مسألة بيع المكاتب إذا رضي بذلك ولو لم يعجز نفسه، وهو قول أحمد وربيعة والأوزاعي وأحد قولي الشافعي ومالك، ومنعه أبو حنيفة والشافعي في أصح القولين وبعض المالكية، وأجابوا عن قصة بريرة بأنها عجزت نفسها، واستدلوا باستعانة بريرة عائشة في ذلك، وليس في استعانتها ما يستلزم العجز، إلى آخر ما قال، وفي "الهداية" (٥): لو رضي المكاتب بالبيع ففيه روايتان، الأظهر الجواز، انتهى.
стр. 1769
(٥ - باب إذا قال المكاتب: اشترني وأعتقني. . .) إلخ
قال العيني (١): جواب إذا محذوف، تقديره جاز، انتهى
وحمل الشيخ قُدِّس سرُّه في "اللامع" (٢) هذا الباب على أن المصنف أراد به إثبات البيع بشرط واحد كما هو مذهب الحنابلة، فكتب الشيخ: أورده لإثبات أن الشرط الواحد رخص فيه، قلنا: لم يكن ذاك من هذا القبيل، وإنما كانت هذه عِدَة منها رضي الله تعالى عنها، وإنما كان ذلك شرطًا لو أدخل في صلب العقد مع أنه لم يجر له ذكر فيما بين المتعاقدين، ولو سلم ففيه دلالة على أن الفاسد من البيوع مفيد للملك [كما تقدم في "باب إذا لم يوقت الخيار - ز"] ينفذ الإعتاق من المشتري شراء فاسدًا. . .، إلى آخر ما قال.
وفي هامشه: تقدم الكلام على مسألة البيع بشرط واحد أو بشرطين في كتاب البيوع في "باب إذا اشترط في البيع شروطًا" وذكر الإمام البخاري رحمه الله تعالى في الباب المذكور أيضًا حديث بريرة هذا، ولذا بنى الشيخ قُدِّس سرُّه تقريره على تلك المسألة، والأوجه عند هذا العبد الضعيف: أن الإمام البخاري أراد ها هنا فروعًا خلافية تتعلق بالكتابة والعتق فترجم أولًا "بباب بيع المكاتب إذا رضي" كما تقدم الكلام عليه، ثم ترجم ثانيًا بهذه الترجمة، وأراد به إثبات بيعه بشرط العتق، وهي مسألة خلافية.
قال الحافظ: إذا وقع البيع بشرط العتق صح على أصح القولين عند الشافعية والمالكية، وعن الحنفية يبطل، انتهى.
وفي "الشرح الكبير" (٣) لابن قدامة في بحث الشروط في البيع: إذا شرط العتق ففي صحته روايتان: إحداهما: يصح، والثانية: الشرط فاسد، انتهى.
ثم البراعة عند الحافظ في قوله: "الولاء لمن أعتق"، وعندي في قوله: "مات"، فافهم.
стр. 1770
٥١ - كتاب الهبة
الهبة: بكسر الهاء وتخفيف الموحدة، تطلق بالمعنى الأعم على أنواع: الإبراء وهو هبة الدَّين ممن هو عليه، والصدقة وهي هبة ما يتمحض به طلب ثواب الآخرة، والهدية وهي ما يكرم به الموهوب له، ومن خصها بالحياة أخرج الوصية وهي تكون أيضًا بالأنواع الثلاثة، وتطلق الهبة بالمعنى الأخص على ما لا يقصد له بدل، وعليه ينطبق قول من عرف الهبة بأنها تمليك بلا عوض، وصنيع المؤلف محمول على المعنى الأعم لأنه أدخل فيها الهدايا، انتهى من "الفتح" (١)، وأجاد القسطلاني (٢) في البحث في معناه، وبسط الكلام عليه.
(٢ - باب القليل من الهبة)
قال الحافظ (٣): مناسبة الحديث للترجمة بطريق الأولى؛ لأنه إذا كان يجيب من دعاه إلى ذلك القدر اليسير فلأن يقبله ممن أحضره إليه أولى، انتهى.
قال القسطلاني (٤) بعد ذكر الحديث: وهذا يدل على جواز القليل من الهدية وأنه لا يرد والهدية في معنى الهبة فتحصل المطابقة بين الحديث والترجمة، انتهى.
(٣ - باب من استوهب من أصحابه شيئًا)
أي: سواء كان عينًا أو منفعة جاز، أي: بغير كراهة في ذلك إذا كان
стр. 1771
يعلم طيب أنفسهم، انتهى من "الفتح" (١).
قلت: والغرض من هذه الترجمة، وكذا من الترجمة الآتية ظاهر، وهو استثناؤهما من ذم السؤال الوارد في كثير من الروايات، ومحل الاستثناء هو ما تقدم من كلام الحافظ من قوله: "إذا كان يعلم طيب أنفسهم".
(٤ - باب من استسقى. . .) إلخ
ماءً أو لبنًا أو غير ذلك مما تطيب به نفس المطلوب منه (٢)، وغرض الترجمة قد تقدم في الباب السابق.
(٥ - باب قبول هدية الصيد)
كتب الشيخ قُدِّس سرُّه في "اللامع" (٣): أفرده بالذكر لما في تحصيله من تعب، فلعل متوهمًا يتوهم أنه لا يجوز قبوله لما يلحق المهدي فيه من الضرر، انتهى.
وفي هامشه: ولا يبعد عندي أنه أشار بذلك إلى دفع ما يتوهم من قوله ﷺ : "من اتبع الصيد فقد غفل" أخرجه الإمام أبو داود والترمذي وغيرهما، من أن الاشتغال بذلك سبب الغفلة، وقبول هدية إعانة على ذلك، وسيأتي في كتاب الذبائح "باب ما جاء في التصيد" قال ابن المنيِّر: مقصوده بهذه الترجمة التنبيه على أن الاشتغال بالصيد لمن هو عيشه به مشروع، ولمن عرض له ذلك وعيشه بغيره مباح، وأما التصيد لمجرد اللهو فهو محل الخلاف. . .، إلى آخر ما ذكر في هامش "اللامع".
ثم اعلم أن المصنف ذكر في هذا الباب حديثين على ما في النسخ الهندية، وترجم في نسخ الشروح على الحديث الثاني حديث صعب بن جثامة
стр. 1772
ترجمة بـ "باب قبول هدية الصيد" وليست هذه في النسخ الهندية.
قال الحافظ (١): كذا ثبت لأبي ذر، وسقطت هذه الترجمة هنا لغيره وهو الصواب، وشاهد الترجمة من الحديث مفهوم قوله: "لم نردّه عليك إلا أنّا حرم"، انتهى.
(٧ - باب قبول الهدية)
قال الحافظ (٢): كذا لأبي ذر وهو تكرار بغير فائدة، انتهى.
قلت: وهذا بحسب نسخة الحافظ، كما تقدم، ثم قال الحافظ: وهذه الترجمة بالنسبة إلى ترجمة قبول هدية الصيد من العام بعد الخاص، انتهى.
قلت: ويمكن عندي في غرض الترجمة أن المصنف لوَّح به إلى ما في أبي داود من قوله ﷺ : "لا أقبل بعد يومي هذا من أحد هدية إلا أن يكون مهاجريًا قرشيًا أو أنصاريًا أو دوسيًا أو ثقفيًا" وسيأتي قريبًا في "البخاري" عن عمر بن عبد العزيز: "كانت الهدية في زمنه ﷺ هدية، واليوم رشوة".
ثم لا يذهب عليك ما قال الحافظ (٣) في آخر حديث الباب حديث أم عطية، إذ قال: استشكلت قصة عائشة في حديث أم عطية مع حديثها في قصة بريرة؛ لأن شأنهما واحد، وقد أعلمها النبي ﷺ في كل منهما بما حاصله: أن الصدقة إذا قبضها من يحل له أخذها ثم تصرف فيها زال عنها حكم الصدقة، فلو تقدمت إحدى القصتين على الأخرى لأغنى ذلك عن إعادة ذكر الحكم، ويبعد أن تقع القصتان دفعة واحدة، انتهى.
ولم يذكر الحافظ الجواب عن هذا الإشكال، ويمكن التفصي عنه بتنويع الصدقتين: النفل والواجب، بأن تكون إحدى القصتين واردة في صدقة النفل، والأخرى في صدقة الواجب، فاحتيج إلى بيان الحكم في
стр. 1773
النوع الآخر أيهما كان، أو يقال: إن قصة أم عطية متقدمة، لكنها كانت حرة، فوجد الإشكال في قصة بريرة لكونها مولاة لعائشة، ومال العبد مال لمولاه، أو يقال: إن قصة بريرة متقدمة إلا أن في قصة بريرة كان المتصدق غير النبي ﷺ ، بخلاف قصة أم عطية، فإن المتصدق فيها هو النبي ﷺ ، ففيها نوع رجوع في الصدقة، فافهم، وهذا الأخير أوجه الأجوبة عندي.
(٨ - باب من أهدى إلى صاحبه، وتحرى بعض نسائه)
يقال: تحرى الشيء إذا قصده دون غيره، قاله الحافظ (١).
وكتب الشيخ في "اللامع" (٢): يعني بذلك: أن فعل هؤلاء لا يضر بالعدل الواجب على الزوج لأنهم لم يؤمروا بذلك ولو رضي الزوج بفعلهم ذلك وصنيعهم هذا كان غير مؤاخذ عليه أيضًا لأنهما فعلان قلبيان، وقد قال النبي ﷺ : "اللَّهم هذا قسمي فيما أملك فلا تؤاخذني فيما تملك ولا أملك"، انتهى.
وفي هامشه: قال الكرماني في الحديث: إنه ليس على الرجل حرج في إيثار بعض نسائه بالتحف من المآكل، وإنما يلزمه العدل في المبيت وإقامة النفقة والكسوة، انتهى.
قال الحافظ (٣): وتعقبه ابن المنيِّر بأن النبي ﷺ لم يفعل ذلك وإنما فعله الذين أهدوا له وهم باختيارهم في ذلك، وإنما لم يمنعهم النبي ﷺ ؛ لأنه ليس من كمال الأخلاق أن يتعرض الرجل إلى الناس بمثل ذلك لما فيه من التعرض بطلب الهدية، مع أن الذي يظهر أنه ﷺ كان يشركهن في ذلك، وإنما وقعت المنافسة لكون العطية تصل إليهن من بيت عائشة، وفيه قصد الناس بالهدايا أوقات المسرة ومواضعها ليزيد ذلك في سرور المهدي إليه، انتهى.
стр. 1774
(٩ - باب ما لا يرد من الهدية)
قال الحافظ (١): كأنه أشار إلى ما رواه الترمذي من حديث ابن عمر مرفوعًا: "ثلاث لا ترد: الوسائد والدهن واللبن" قال الترمذي: يعني بالدهن: الطيب، وإسناده حسن إلا أنه ليس على شرط البخاري، فأشار إليه واكتفى بحديث أنس، قال ابن بطال: إنما كان لا يرد الطيب لمناجاة الملائكة.
قال الحافظ: لو كان هذا هو السبب لكان من خصائصه، وليس كذلك فإن أنسًا اقتدى به في ذلك، وقد ورد النهي عن رده مقرونًا ببيان الحكمة في حديث صحيح رواه أبو داود والنسائي وغيرهما عن أبي هريرة مرفوعًا: "من عرض عليه طيب فلا يرده فإنه خفيف المحمل طيب الرائحة"، انتهى.
(١٠ - باب من رأى الهبة الغائبة جائزة)
قال العلَّامة العيني (٢): الهبة الغائبة أي: التي توهب؛ لأن نفس الهبة مصدر، فلا يوصف بالغيبة.
وفي "الفيض" (٣): أراد من الهبة الشيء الموهوب، والمعنى أن هبة الشيء جائزة، وإن كان غائبًا عن المجلس، أو كان الموهوب له أيضًا غائبًا، وحاصله: أنه لا يشترط لصحة الهبة حضور الموهوب له، أو الشيء الموهوب، انتهى.
قلت: ويتفرع عليه أن القبض لا يشترط لصحة الهبة كما هو مختار المصنف، والمسألة خلافية، ستأتي في "باب إذا وهب هبة أو وعد. . ." إلخ.
قال القسطلاني (٤) بعد ذكر الحديث: ومراد المؤلف منه هنا قوله ﷺ :
стр. 1775
"وإني رأيت أن أردَّ إليهم سبيهم، فمن أحب منكم أن يُطيب ذلك فليفعل"، مع قولهم: "طيبنا لك"، ففيه أنهم وهبوا ما غنموه من السبي قبل أن يقسم، وذلك في معنى الغائب وتركهم إياه في معنى الهبة، كذا قرره في "فتح الباري"، وفيه من التعسف ما لا يخفى، وإطلاق الترك على الهبة بعيد.
وزعم ابن بطال أن فيه دليلًا على أن للسلطان أن يرفع أملاك قوم إذا كان في ذلك مصلحة، وتعقبه ابن المنيِّر بأنه لا دليل فيه على ذلك بل في نفس الحديث أنه ﷺ لم يفعل ذلك إلا بعد تطييب نفوس المالكين، ولا يسوغ للسلطان نقل أملاك الناس وكل أحد أحق بماله، وتعقبه ابن الدماميني من المالكية فقال: لنا في المذهب صورة ينقل فيها السلطان ملك الإنسان جبرًا كدار ملاصقة للجامع الذي احتيج إلى توسعته لكنه لا ينقل إلا بالثمن، انتهى.
كتب الشيخ في "اللامع" (١): ولا يمكن الإيراد بذلك على من وقف تمامها على القبض فإن الهبة جائزة عنده إلا أنها لم تتم بعد، أو يكون ما ورد في الرواية عدة فلا يرد الذي أوردتم، انتهى.
قلت: إن كلام الشرَّاح ههنا نص في أنه ﷺ رد سبي هوازن قبل القسمة، وسيأتي في "باب الهبة المقبوضة وغير المقبوضة" من قوله: "وقد وهب النبي ﷺ وأصحابه لهوازن ما غنموا منهم وهو غير مقسوم"، ويشكل على هذا ما يأتي في "المغازي" في هذه القصة في باب قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ﴾ [التوبة: ٢٥] وفيه قوله: "قد استأنيت بكم"، أي: أخَّرت قسم السبي لتحضروا فأبطأتم حتى ظننت أنكم لا تقدمون وقد قسمت السبي، انتهى.
стр. 1776
ففيه تصريح بأن رد السبايا كان بعد القسمة، ولم يتعرض لذلك الشرَّاح ها هنا بل كلهم متضافرون على أن ردها كان قبل القسمة، وعليه بنوا كلامهم في شروح التراجم، اللَّهم إلا أن يقال: إن هذا مبني على اختلاف الروايات، فقد تقدم في "كتاب الوكالة" في "باب إذا وهب شيئًا لوكيل أو شفيع قوم" عن العلَّامة العيني أن رد سبيهم إليهم كان قبل القسمة عند ابن إسحاق وعند غيره بعدها، انتهى من هامش "اللامع" (١) مختصرًا.
(١١ - باب المكافأة في الهبة)
قال الحافظ (٢): المراد بالهبة هنا المعنى الأعم، انتهى، المكافأة بالهمزة وقد يترك مفاعلة بمعنى المقابلة، واستدل بالحديث بعض المالكية على وجوب الثواب على الهدية إذا أطلق وكان ممن يطلب مثله الثواب كالفقير للغني، بخلاف ما يهبه الأعلى للأدنى، ووجه الدلالة منه مواظبته ﷺ على ذلك، ومذهب الشافعية لا يجب بمطلق الهبة والهدية إذ لا يقتضيه اللفظ ولا العادة، ومطابقة الحديث للترجمة متجهة إذا أريد بلفظ الهبة معناها الأعم، انتهى (٣).
وقال الحافظ (٤): وبه، أي: بقول بعض المالكية قال الشافعي في القديم، وقال في الجديد كالحنفية: الهبة للثواب باطلة لا تنعقد لأنها بيع بثمن مجهول، ولأن موضوع الهبة التبرع فلو أبطلناه لكان في معنى المعاوضة، انتهى مختصرًا.
وفي "الفيض" (٥): أراد المصنف أن الهبة بشرط العوض جائزة، وفي "الهداية": أنها هبة ابتداءً، وبيع انتهاءً، انتهى.
стр. 1777
(١٢ - باب الهبة للولد. . .) إلخ
اشتملت هذه الترجمة على أربعة أحكام:
الأول: الهبة للولد، وإنما ترجم به ليرفع إشكال من يأخذ بظاهر الحديث المشهور "أنت ومالك لأبيك" لأن مال الولد إذا كان لأبيه فلو وهب الأب ولده شيئًا كان كأنه وهب نفسه، ففي الترجمة إشارة إلى ضعف الحديث المذكور أو إلى تأويله، وهو حديث أخرجه ابن ماجه من حديث جابر. وبسط الحافظ (١) في تخريجه ثم قال: فمجموع طرقه لا تحطه عن القوة، فتعين تأويله.
الحكم الثاني: العدل بين الأولاد في الهبة، وهي من مسائل الخلاف كما سيأتي، وحديث الباب حجة لمن أوجبه.
والثالث: رجوع الوالد فيما وهب للولد، وهي خلافية أيضًا.
الرابع: أكل الوالد من مال الولد بالمعروف، قال ابن المنيِّر (٢): وفي انتزاعه من حديث الباب خفاء، ووجهه لما جاز للأب بالاتفاق أن يأكل من مال ولده إذا احتاج إليه فلأن يسترجع ما وهبه له بطريق الأولى، انتهى.
وقال العيني (٣) في المسألة الثالثة: إن الأب إذا وهب لابنه، هل له أن يرجع؟ فيه خلاف، فعند الشافعي وأحمد وإسحاق: ليس للواهب أن يرجع فيما وهب، إلا الذي ينحله الأب لابنه، وغير الأب من الأصول كالأب عند الشافعي في الأصح، وليس لغير الأب الرجوع عند مالك إلا أن عنده أن الأم لها الرجوع أيضًا، إذا كان أبوه حيًّا، وهذا هو الأشهر عند مالك، وروي عنه المنع، انتهى. وعند أصحابنا الحنفية: لا رجوع فيما يهبه لكل ذي رحم محرم بالنسب، كالأخ والأخت، وكل من لو كان امرأة لا يحل له أن يتزوجها، وبه قال طاوس والحسن وأحمد، انتهى.
стр. 1778
وكتب الشيخ قُدِّس سرُّه في "اللامع" (١): إن أراد المصنف بعدم الجواز أنه لا يصلح فهو مسلَّم، ودلالة الرواية عليه واضحة، وإن أراد أن الهبة لم تقع أصلًا فهو غير مسلَّم، والرواية دالَّة على خلافه؛ لأنه الإرجاع لا يمكن دونه، انتهى.
وفي هامشه: هذه هي المسألة الثانية من المسائل الأربعة المذكورة قبل، والمشهور من مذهب الإمام أحمد أن التسوية في عطية الأولاد واجب، فلو فضل بعضها فهي باطلة، وهو قول الثوري وإسحاق وبه صرَّح البخاري، وبه قال سائر الظاهرية وبعض المالكية، والمشهور عن هؤلاء أنها باطلة، وعن أحمد أنها تصح ويجب أن يرجع، وعنه يجوز التفاضل إن كان بسبب؛ كأن يحتاج الولد لزمانته أو كثرة عالته أو اشتغاله بالعلم ونحوه من الفضائل فيجوز، وقال أبو حنيفة وصاحباه ومالك والشافعي: يجوز أن ينحل لبعض ولده دون بعض، وقال الشافعي: ترك التفضيل حسن الأدب، وقال طاوس: لا يجوز ذلك ولا رغيف محترق، وبه قال ابن المبارك. . .، إلى آخر ما بسط في هامش "اللامع" في الدلائل.
(١٣ - باب الإشهاد في الهبة)
قال العلَّامة العيني (٢): مطابقة الحديث بالترجمة تؤخذ من معنى الحديث، فهو ظاهر، انتهى.
(١٤ - باب هبة الرجل لامرأته. . .) إلخ
قال الحافظ (٣): أي: هل يجوز لأحد منهما الرجوع فيها؟ وقول النخعي: "جائزة" أي: فلا رجوع فيها، ثم قال الحافظ بعد قول الزهري: التفصيل المذكور بين أن يكون خدعها فلها أن ترجع أو لا فلا، هو قول
стр. 1779
المالكية إن أقامت البينة على ذلك، وقيل: يقبل قولها في ذلك مطلقًا، وإلى عدم الرجوع من الجانبين مطلقًا ذهب الجمهور، انتهى.
قلت: وميل الإمام البخاري إلى عدم جواز الرجوع كما تدل عليه الآثار التي ذكرها في الباب على الأصل الأربعين من أصول التراجم، قال العيني (١): عن أبي حنيفة عن حماد عن إبراهيم: والمرأة بمنزلة ذي رحم، إذا وهب أحدهما لصحابه لم يكن له أن يرجع، انتهى، وتفصيل المذاهب في هامش "اللامع" (٢).
قوله: (العائد في هبته. . .) إلخ، كتب الشيخ في "اللامع" (٣): أورده ها هنا لإثبات أنه ليس له أن يعود فيما أعطاها، ولا هي فيما أعطته، انتهى.
وفي هامشه: وهو كذلك في الزوجين عندنا كما تقدم، والحديث من مستدلات الأئمة في عدم جواز الرجوع في هبة الأجنبي، والمسألة خلافية شهيرة بسطت في "الأوجز" (٤) ففيه استدل بالحديث الشافعي وأحمد وإسحاق على أنه ليس للواهب أن يرجع فيما وهبه إلا الذي ينحله الأب لابنه، وعند مالك: له أن يرجع في الأجنبي الذي قصد منه الثواب ولم يثبه، وبه قال أحمد في رواية، وقال أبو حنيفة وأصحابه: للواهب الرجوع عن هبته ما دامت قائمة ولم يعوض منها، وفي "المحلى": قال أبو حنيفة: يصح الرجوع في الهبة إلا بأحد سبعة أمور: القرابة، والموت، والزوجية، والهلاك، والخروج عن الملك، والعوض، والزيادة.
وبسط في "الأوجز" في دلائل الحنفية والجواب عن الحديث، انتهى.
(١٥ - باب هبة المرأة لغير زوجها. . .) إلخ
وغرض المؤلف من الترجمة هو ما أفاده الشيخ قُدِّس سرُّه في "اللامع" (٥) حيث كتب: لما ورد في بعض الروايات أنها ليس لها أن
стр. 1780
تستبد بالتصرف في خالص مالها دون الزوج، بيَّن المؤلف أن التصرف لها في مالها وإن كان خلاف الأولى للحديث غير أنه نافذ منها إن فعلت، انتهى.
وقال الحافظ (١): قوله: "إذا كان لها زوج" أي: ولو كان لها زوج، ثم قال: وبهذا الحكم قال الجمهور، وخالف طاوس فمنع مطلقًا، وعن مالك لا يجوز لها أن تعطي بغير إذن زوجها ولو كانت رشيدة إلا من الثلث، وعن الليث لا يجوز مطلقًا إلا في الشيء التافه، وأدلة الجمهور من الكتاب والسُّنَّة كثيرة، قال ابن بطال (٢): أحاديث الباب أصح، وحملها مالك على الشيء اليسير، وجعل حده الثلث فما دونه، انتهى.
زاد العيني (٣): أي: قياسًا على الوصية، انتهى.
وفي "الفيض" (٤): لعله تعريض إلى مذهب مالك، فإنه قال: لا يجوز للزوجة أن تتصرف في مال نفسها إلا بإذن زوجها، واختار المصنف مذهب الجمهور، انتهى. وقال الموفق (٥): وظاهر كلام الخرقي أن للمرأة الرشيدة التصرف في مالها كله، بالتبرع، والمعاوضة، وهذا إحدى الروايتين عن أحمد، وهو مذهب أبي حنيفة، والشافعي، وعن أحمد رواية أخرى: ليس لها أن تتصرف في مالها بزيادة على الثلث بغير عوض، إلا بإذن زوجها، وبه قال مالك. . .، إلى آخر ما بسط في الدلائل، وسيأتي في كتاب الأدب "باب صلة المرأة أمها ولها زوج".
(١٦ - باب بمن يبدأ بالهدية ؟)
قال الحافظ (٦): أي: عند التعارض في أصل الاستحقاق، وحديث ميمونة فيه الاستواء في صفة ما من الاستحقاق فيقدم القريب على الغريب،
стр. 1781
وحديث عائشة المذكور بعده فيه الاستواء في الصفات كلها فيقدم الأقرب في الذات، انتهى.
(١٧ - باب من لم يقبل الهدية لعلة)
أي: بسبب ينشأ عنه الريبة كالقرض ونحوه.
قوله: (وقال عمر بن عبد العزيز. . .) إلخ، وصله ابن سعد (١) بقصة فيه، فروى من طريق فرات بن مسلم قال: إنه اشتهى عمر بن عبد العزيز التفاح فلم يجد في بيته شيئًا يشتري به، فركبنا معه، فتلقاه غلمان الدير بأطباق تفاح، فتناول واحدة فشمها ثم رد الأطباق، فقلت له في ذلك فقال: لا حاجة لي فيه، فقلت: ألم يكن رسول الله وأبو بكر وعمر يقبلون الهدية فقال: إنها لأولئك هدية وهي للعمال بعدهم رشوة، وقال ابن العربي: الرشوة كل مال دفع ليبتاع به من ذي جاه عونًا على ما لا يحل، انتهى من "الفتح" (٢).
وكتب الشيخ في "اللامع" (٣): قوله: (واليوم رشوة) لأن النبي ﷺ كان معصومًا فلم يكن هناك مظنة جور في الحكم وإمكان ذلك فاستوى المهدي وغيره، ولا كذلك فينا معاشر الأمراء والحكام، وقوله: (فلينظر أيهدى له أم لا) فيه الترجمة حيث أنكر النبي ﷺ قبوله الهدية لأنها كانت لعلة، انتهى.
(١٨ - باب إذا وهب هبة أو وعد. . .) إلخ
قال القسطلاني (٤): قوله: "قبل أن تصل" أي: الهبة أو الذي وعده به "إليه" أي: إلى الموهوب له أو الموعود له لم ينفسخ عقد الهبة لأنه يؤول إلى اللزوم كالبيع، انتهى.
قال الحافظ (٥): قال الإسماعيلي: هذه الترجمة لا تدخل في الهبة بحال.
стр. 1782
قال الحافظ: قال ذلك بناء على أن الهبة لا تصح إلا بالقبض، وإلا فليست هبة، وهذا مقتضى مذهبه، لكن من يقول: إنها تصح بدون القبض يسميها هبة، وكأن البخاري جنح إلى ذلك، انتهى.
قلت: ومسألة الباب خلافية بسطت في "الأوجز" (١)، وفيه عن "المغني" (٢): المكيل والموزون لا تلزم فيه الصدقة والهبة إلا بالقبض، وهو قول أكثر الفقهاء، منهم أبو حنيفة والشافعي، وقال مالك: يلزم ذلك بمجرد العقد؛ لأنه تبرع، فلا يصبر فيه القبض كالوصية والوقف، ولنا إجماع الصحابة، وأما غير المكيل والموزون، فتلزم الهبة فيه بمجرد العقد، وهو قول مالك، وعن أحمد رواية أخرى: لا تلزم الهبة في الجميع إلا بالقبض، وهو قول أكثر أهل العلم، منهم الثوري والشافعي وأصحاب الرأي، لما ذكرنا في المسألة الأولى، انتهى.
وفي "الدر المختار" (٣): "وشرائط صحتها في الواهب: العقل والبلوغ والملك" فلا تصح هبة صغير ورقيق ولو مكاتبًا "و" شرائط صحتها في الموهوب أن يكون مقبوضًا غير مشاع مميزًا غير مشغول"، انتهى.
قوله: (وكانت فصلت الهدية. . .) إلخ، كتب الشيخ قُدِّس سرُّه في "اللامع" (٤): أي: أفرزت من مال المهدي وليس المراد القبض كما فهم المحشي؛ لأنه يلغو عليه قوله: "وهو حي"؛ لأن القبض لا يمكن إلا وهو حي، وعندنا هي للمهدي ولورثته؛ لأن إفرازه عن ماله لا يخرجها عن ملكه، نعم قول الحسن يوافق رأي الحنفية إن كان المراد بالرسول في كلامه رسول المهدى له، وهو الظاهر من مقابلة كلامه بكلام عبيدة مع أن الرسول إذا كان رسول المهدي كان في حكم نفسه فلا يناسب بناء الاختلاف عليه فتدبر، انتهى.
стр. 1783
وبسط شيء من الكلام عليه في هامش "اللامع" (١)، وفيه عن "الفيض" (٢): حاصل قول عبيدة أن المدار على الفضل. قلنا: المدار على القبض دون التقسيم، انتهى.
وقال الحافظ (٣): قال الإسماعيلي: ليس ما قاله النبي ﷺ لجابر هبة، وإنما هي عدة على وصف، لكن لما كان وعد النبي ﷺ لا يجوز أن يخلف نزلوا وعده منزلة الضمان في الصحة فرقًا بينه وبين غيره من الأمة ممن يجوز أن يفيء وأن لا يفيء.
قال الحافظ: وجه إيراده أنه نزل الهدية إذا لم تقبض منزلة الوعد بها، وقد أمر الله بإنجاز الوعد، لكن حمله الجمهور على الندب، انتهى.
وتعقب القسطلاني (٤) على إيراد الإسماعيلي إذ قال: فيه نظر، وبيانه كما في "المصابيح": أن الترجمة لشيئين، أحدهما: إذا وهب ثم مات قبل وصولها فساق لها ما ذكره عن عبيدة والحسن، ثانيهما: إذا وعد ثم مات، وساق له حديث جابر، وقوله ﷺ : "لو جاء مال البحرين. . ." إلخ، وعد بلا ريب، فلم يقع للمؤلف ﵀ إخلال لما وقع في الترجمة على ما لا يخفى. . .، إلى آخر ما قال، انتهى.
وكتب الشيخ في "اللامع" (٥): ولم يثبت شيء مما قصده المؤلف أن الهبة تتم من غير قبض؛ لأن الهبة هنا إنما تمت لإعطاء أبي بكر، وإلا فلم يكن إلا عدة محضة كما يدل عليه قول أبي بكر: "من كان له عدة. . ." إلخ، ولعل المؤلف قصد بترجمته أن من وعد وعدًا أو وهب هبة بمعنى أنه قصد أن يهبها فإن إيفاءه مستحسن وواجب في مكارم الأخلاق لا في شريعة الحلال والحرام وهو مسلم، ودلالة الرواية عليه غير مستنكرة، انتهى.
стр. 1784
والظاهر عندي: أن ميل الإمام البخاري إلى أن إيفاء الوعد واجب؛ فإنه ترجم في "كتاب الشهادات": "باب من أمر بإنجاز الوعد" كما سيأتي هناك.
(١٩ - باب كيف يقبض العبد والمتاع ؟)
أي: الموهوب، والترجمة في الكيفية لا في أصل القبض، وكأنه أشار إلى قول من قال: يشترط في الهبة حقيقة القبض دون التخلية، وسأشير إليه بعد ثلاثة أبواب، قال ابن بطال (١): كيفية القبض عند العلماء بإسلام الواهب لها إلى الموهوب وحيازة الموهوب لذلك، قال: واختلفوا هل من شرط صحة الهبة الحيازة أم لا؟ وقول الجمهور إنها لا تتم إلا بالقبض، وهو قول الشافعي في الجديد، وفي القديم - وبه قال داود - تصح بنفس العقد وإن لم تقبض، وعن أحمد: تصح بدون القبض في العين المعينة دون الشائعة، وعن مالك كالقديم لكن قال: إن مات الواهب قبل القبض وزادت على الثلث افتقر إلى إجازة الوارث، انتهى من "الفتح" (٢) بزيادة من "القسطلاني" (٣).
قلت: المسألة التي ترجم بها الإمام البخاري كما تقدم عن الحافظ، هي مسألة كيفية القبض، كما تقدم.
وكتب الشيخ في "اللامع" (٤): لعل المؤلف قصد بذلك أن ما قال بعضهم: إن قبض الضمان لا ينوب عن قبض الأمانة غير مسلم، وأن الواجب هو القبض المطلق كيف ما كان: قبض أمان أو قبض ضمان، حتى إن قبض ابن عمر كان قبض أمانة حين هو راكب عليه وهو مملوك لعمر، ثم صارت قبضته قبضة ضمان حين ملكه النبي ﷺ وعبد الله راكبه، ثم لما وهبه النبي ﷺ إياه صار قبضه قبض أمانة وأنت تعلم ما فيه، انتهى.
стр. 1785
قلت: فهذا غرض آخر للترجمة، واختاره مولانا محمد حسن المكي أيضًا في تقريره، كما بسط في هامش "اللامع" (١)، فارجع إليه لو شئت.
(٢٠ - باب إذا وهب هبة فقبضها الآخر. . .) إلخ
أي: الموهوب له، قال الحافظ (٢): أي جازت، ونقل فيه ابن بطال (٣) اتفاق العلماء، وأن القبض في الهبة هو غاية القبول، وغفل ﵀ عن مذهب الشافعي، فإن الشافعية يشترطون القبول في الهبة دون الهدية، إلا إن كانت الهبة ضمنية كما لو قال: أعتق عبدك عني، فعتقه عنه، فإنه يدخل في ملكه هبة ويعتق عنه ولا يشترط القبول، ومقابل إطلاق ابن بطال قول الماوردي: قال الحسن البصري: لا يعتبر القبول في الهبة كالعتق، قال: وهو قول شذ به عن الجماعة وخالف فيه الكافة إلا أن يريد الهدية فيحتمل، انتهى.
على أن في اشتراط القبول في الهدية وجهًا عند الشافعية، وقد اعترض الإسماعيلي بأنه ليس في الحديث أن ذلك كان هبة، بل لعله كان من الصدقة فيكون قاسمًا لا واهبًا، انتهى.
قال الحافظ: وقد تقدم في الصوم التصريح بأن ذلك كان من الصدقة، وكأن المصنف يجنح إلى أنه لا فرق في ذلك، انتهى.
وفي "الفيض" (٤): ولا يلزم القبول باللفظ عندنا، وهو مذهب البخاري، انتهى.
قلت: وهو مذهب الجمهور خلافًا للشافعي كما تقدم.
(٢١ - باب إذا وهب دينًا على رجل. . .) إلخ
أي: "إذا وهب" رجل"دينًا" له "على رجل" لآخر أو لمن هو عليه، قاله القسطلاني (٥).
стр. 1786
وقال الحافظ (١): أي: صح ولو لم يقبضه منه ويقبض له، قال ابن بطال (٢): لا خلاف بين العلماء في صحة الإبراء من الدين إذا قبل البراءة، وإنما اختلفوا إذا وهب دينًا له على رجل لرجل آخر، فمن اشترط في صحة الهبة القبض لم يصحح هذه ومن لم يشترطه صححها، لكن شرط مالك أن تسلم إليه الوثيقة ويشهد له بذلك على نفسه أو يشهد بذلك ويعلنه إن لم يكن به وثيقة، انتهى.
قال الحافظ: وعند الشافعية في ذلك وجهان: جزم الماوردي بالبطلان، وصححه الغزالي، وصحح العمراني وغيره الصحة، وهكذا في "العيني" (٣) وزاد: قال الشافعي وأبو حنيفة: الهبة غير جائزة لأنها لا تجوز عندهم إلا مقبوضة، وقال أصحابنا الحنفية: تمليك الدين من غير من هو عليه لا يجوز لأنه لا يقدر على تسليمه، ولو ملكه ممن هو عليه يجوز؛ لأنه إسقاط وإبراء، انتهى.
وكتب مولانا حسين علي البنجابي: هذا هو إسقاط دين، وأما إذا وهب الدائن الدين لغير المديون فلا يملك بالهبة؛ لأنه لا يتم إلا بالقبض كما جاء في حديث نقله صاحب "الهداية"، انتهى.
قال الحافظ في حديث جابر: تؤخذ الترجمة من قوله: "فسأل النبي ﷺ غرماء والد جابر أن يقبلوا ثمر حائطه وأن يحللوه" فلو قبلوا كان في ذلك براءة ذمته من بقية الدين، ويكون في معنى الترجمة، وهو هبة الدين، ولو لم يكن جائزًا لما طلبه النبي ﷺ (٤)، انتهى.
(٢٢ - باب هبة الواحد للجماعة)
قال الحافظ (٥): أي: يجوز ولو كان شيئًا مشاعًا، قال ابن بطال (٦):
стр. 1787
غرض المصنف إثبات هبة المشاع، وهو قول الجمهور خلافًا لأبي حنيفة، كذا أطلق، وتعقب بأنه ليس على إطلاقه وإنما يفرق في هبة المشاع بين ما يقبل القسمة وما لا يقبلها، والعبرة بذلك وقت القبض لا وقت العقد، وهكذا في "العيني" (١) وقال: العبرة في الشيوع وقت القبض لا وقت العقد، حتى لو وهب مشاعًا وسلم مقسومًا، انتهى.
وإلى ذلك أشار الشيخ قُدِّس سرُّه في "اللامع" (٢) إذ كتب: قوله: (وقالت أسماء للقاسم. . .) إلخ، وكانا ابني أخيه وكان له بنون فكان ذلك وصية منها، والوصية بالمشاع جائزة عندنا أيضًا، أو كانت وهبت لهما فلما اقتسماها تمت الهبة، ونحن نقر أيضًا إن وهب مشاعًا فاقتسمه الموهوب لهم فإنها تتم بالقسمة وإن لم تتم بالهبة نفسها، ومع ذلك ففعل أسماء ﵂ ليس حجة على مجتهد.
وقوله: (أعطيت هؤلاء) فيه الترجمة حيث استرخصه أن يعطيهم ولو لم تكن هبة المشاع جائزة لما استأذنه بلفظ الجمع الذي ذكره في كلامه، والجواب: أما أولًا: فبأن إعطاءه إياهم لو وقع كما قصده النبي ﷺ لأعطى كلًّا منهم نصيبه والباقي من كل واحد واحد منهم كان باقيًا على ملكه حتى يعطيه آخر، فلم يكن إعطاؤه إياهم إلا إعطاء واحد بعد واحد، ولو سلم أنه قصد أن يعطيهم جميعًا فالقسمة في هذا المجلس كانت مجوزة للهبة ومتممة لها كما ذكرنا في قصة أسماء فافهم، انتهى من "اللامع".
وفي هامشه (٣): قال الحافظ: قد اعترض الإسماعيلي بأنه ليس في حديث سهل ما ترجم به وإنما هو من طريق الإرفاق وأطال في ذلك، والحق كما قال ابن بطال: إنه ﷺ سأل الغلام أن يهب نصيبه للأشياخ وكان نصيبه منه مشاعًا غير متميز فدل على صحة هبة المشاع، انتهى.
стр. 1788
وفي "الفيض" (١): قوله: "باب يهبه الواحد. . ." إلخ، اعلم أنه يشترط لصحة الهبة عندنا أن لا يكون مشاعًا، وذلك لأن القبض من تمام الهبة، وهو ضعيف في المشاع، ثم إن كان الواهب واحدًا، والموهوب له جماعةً، فهو مشاع عند الإمام الأعظم، وقال صاحباه: إنه ليس بمشاع وإن كان الواهب جماعةً، والموهوب له واحدًا، فلا شيوع عند الإمام، وأما البخاري فذهب إلى هدر الشيوع ولم يره شيئًا، فتصح عنده هبة المشاع أيضًا. . .، إلى آخر ما بسط فيه.
(٢٣ - باب الهبة المقبوضة وغير المقبوضة)
قال الحافظ (٢): أما المقبوضة فتقدم حكمها، وأما غير المقبوضة فالمراد القبض الحقيقي، وأما التقديري فلا بد منه؛ لأن الذي ذكره من هبة الغانمين لوفد هوازن ما غنموه قبل أن يقسم فيهم ويقبضوه، فلا حجة فيه على صحة الهبة بغير قبض؛ لأن قبضهم إياه وقع تقديرًا باعتبار حيازتهم له على الشيوع، نعم قال بعض العلماء: يشترك في الهبة وقوع القبض الحقيقي ولا يكفي القبض التقديري بخلاف البيع، وهو وجه للشافعية، وأما الهبة المقسومة فحكمها واضح، وأما غير المقسومة فهو المقصود بهذه الترجمة، وهي مسألة هبة المشاع، والجمهور على صحة هبة المشاع للشريك وغيره سواء انقسم أو لا، وعن أبي حنيفة: لا يصح هبة جزء مما ينقسم مشاعًا لا من الشريك ولا من غيره.
قوله: (وقد وهب النبي ﷺ . . .) إلخ، سيأتي موصولًا في الباب الذي يليه بأتم من هذا، وقوله: (هو غير مقسوم) من تفقه المصنف، انتهى.
وقد تقدم في "باب من رأى الهبة الغائبة جائزة" شيء من الكلام على أن رد سبي هوازن كان قبل القسمة أو بعدها، فارجع إليه لو شئت.
стр. 1789
وكتب الشيخ قُدِّس سرُّه في "اللامع" (١): وأنت تعلم أن سبي هوازن لم يكونوا مما يقبل القسمة ولا كلام فيه، فإن تقسيم رجل رجل منهم حتى يصير بعضه لأخيه وبعضه الآخر لأبيه وهكذا مما يتعذر، وهذا إذا سلم أنه كان هبة لهم، والذي يقتضيه النظر أنه لم تكن هبة لهم بل كان قبول شفاعتهم في رفع الأسر عن المستعبدين وإطلاقهم، انتهى.
وفي "الفيض" (٢): قوله: "باب الهبة المقبوضة. . ." إلخ، وسّع بالقبض أيضًا، كما كان وسّع بالشيوع وعدمه، وتمسك له بقصة سبي هوازن، وسنبين إن شاء الله تعالى أنه كان إعتاقًا لا هبة، كما فهمه المصنف، فينهدم أساس التفريعات كلها من جواز هبة المشاع، وعدم اشتراط القبض، انتهى.
(٢٤ - باب إذا وهب جماعة لقوم. . .) إلخ
أورد فيه حديث المسور في قصة هوازن، وجه الدلالة منه للترجمة ظاهر؛ لأن الغانمين وهم جماعة وهبوا بعض الغنيمة لمن غنموها منهم وهم قوم هوازن، انتهى.
قوله: (أو وهب رجل جماعة) كذا في النسخ الهندية، وليست هذه الزيادة في نسخ الشروح الثلاثة: "الفتح" و"القسطلاني" و"العيني".
قال الحافظ (٣): زاد الكشميهني في روايته: "أو وهب رجل جماعة جاز" وهذه الزيادة غير محتاج إليها لأنها تقدمت مفردة قبل باب، انتهى.
قلت: ويمكن أن يقال في دفع التكرار: إن المراد بالجماعة الأشياء الموهوبة لا الموهوب لهم، فيفترق عما تقدم، وذلك لأن النبي ﷺ استوهب من الغانمين سهامهم فوهبوها له، فوهب ﷺ تلك السهام لهم.
стр. 1790
وفي "الفيض" (١): بوّب بجواز الشيوع بكلا نحويه، وتمسك بسبي هوازن، وغرضه أن يسوغ فيه الأمران. . .، إلى آخر ما قال.
(٢٥ - باب من أهدي له هدية وعنده جلساؤه فهو أحق بها. . .) إلخ
قوله: (ويذكر عن ابن عباس. . .) إلخ، بيّن المصنف بذلك ما هو الغرض من الترجمة، قال العيني (٢): لما كان وضع الترجمة يخالف ما روي عن ابن عباس أشار إليه بصيغة التمريض، ولم يكتف بذلك حتى أكده بقوله: "ولم يصح" أي: ولم يصح هذا عن ابن عباس، ويحتمل أن يكون المعنى: ولم يصح في هذا الباب شيء، انتهى.
وبسط الحافظان ابن حجر والعيني في تخريجه ورفعه ووقفه وشواهده، قال الحافظ (٣): هذا الحديث جاء عن ابن عباس مرفوعًا وموقوفًا، والموقوف أصلح إسنادًا من المرفوع، قال ابن بطال (٤): لو صح حديث ابن عباس لحمل على الندب فيما خف من الهدايا وما جرت العادة بترك المشاحة فيه، ثم ذكر حكاية أبي يوسف المشهورة، وفيما قاله نظر؛ لأنه لو صح لكانت العبرة بعموم اللفظ فلا يخص القليل من الكثير إلا بدليل، وأما حمله على الندب فواضح، انتهى.
وذكر العيني (٥) حكاية أبي يوسف القاضي: أن الرشيد أهدى إليه مالًا كثيرًا وهو جالس مع أصحابه، فقيل له هذا الحديث، فقال أبو يوسف: إنه لم يرد في مثله، وإنما ورد في ما خف من الهدايا من المأكل والمشرب. ويروى من غير هذا الوجه: أنه كان جالسًا وعنده أحمد بن حنبل ويحيى بن معين، فحضر من عند الرشيد طبق وعليه أنواع من التحف
стр. 1791
المثمنة، فروى أحمد أو يحيى هذا الحديث، فقال أبو يوسف: ذلك في التمر والعجوة، يا خازن! ارفعه، انتهى.
وكتب الشيخ التهانوي في "التشرف": قلت: معنى الحديث: إذا كان قصد المهدي تشريك القوم في الهدية كما هو الغالب فيما يؤكل ويشرب ومع ذلك فقد وضعها بين يدي شيخ المجلس أدبًا ويعلم ذلك بالقرائن، أما لو كان قصده الإهداء إلى معين كما هو الغالب في نحو الثياب والنقد فلا وجه لشركة غيره معه، فإن الملك من أحكام التمليك فإذا كان التمليك خاصًا كان الملك خاصًا فافهم، نعم لو فرَّقها على أهل المجلس جميعًا كان أقرب إلى المروءة وآداب الصحبة كما هو المعتاد للقوم في أكثر الأحوال إلا لمقتض قوي، انتهى. والبسط في هامش "اللامع" (١).
(٢٦ - باب إذا وهب بعيرًا لرجل. . .) إلخ
قال الحافظ (٢): أي وتنزل التخلية منزلة النقل، فيكون ذلك قبضًا فتصح الهبة، انتهى.
(٢٧ - باب هدية ما يكره لبسها)
كتب الشيخ قُدِّس سرُّه في "اللامع" (٣): إما مطلقًا كالمصور أو خاصة للرجال كالحرير وغيره، وجواز هديته لإمكان الانتفاع به بجهة أخرى غير اللبس، انتهى.
قال الحافظ (٤): والمراد بالكراهة أعم من التحريم والتنزيه، وهدية ما لا يجوز لبسه جائزة، فإن لصاحبه التَّصرف بالبيع والهبة لمن يجوز لباسه كالنساء، ويستفاد من الترجمة الإشارة إلى منع ما لا يستعمل أصلًا للرجال والنساء كآنية الأكل والشرب من ذهب وفضة، انتهى.
стр. 1792
وما أفاده الشيخ ﵀ أوجه لا سيما على مذهب الحنفية والشافعية، والعجب من الحافظ كيف استفاد من الترجمة للإشارة إلى منع ما لا يستعمل أصلًا كآنية الذهب والفضة، مع أن مذهب الشافعية جواز اتخاذها، قال ابن قدامة: لا يختلف المذهب فيما علمنا في تحريم اتخاذ آنية الذهب والفضة، وحكي عن الشافعي إباحته لتخصيص النهي بالاستعمال، ولأنه لا يلزم من تحريم الاستعمال تحريم الاتخاذ، إلى آخر ما بسط، وفي "الدر المختار": لا بأس باتخاذ الأواني منهما، أي: من الذهب والفضة للتجمل، انتهى.
(٢٨ - باب قبول الهدية من المشركين. . .) إلخ
كأنه أشار إلى ضعف الحديث الوارد في رد هدية المشرك، وهو ما أخرجه موسى بن عقبة في "المغازي": أن عامر بن مالك الذي يدعى ملاعب الأسنة، قدم على رسول الله ﷺ وهو مشرك فأهدى له، فقال: "إني لا أقبل هدية مشرك" الحديث، رجاله ثقات، إلا أنه مرسل، وأخرج أبو داود والترمذي وغيرهما عن عياض بن حمار قال: أهديت للنبي ﷺ ناقة فقال: "أسلمت؟ " قلت: لا، قال: "إني نهيت عن زبد المشركين"، والزبد بفتح الزاي وسكون الموحدة: الرفد، صححه الترمذي وابن خزيمة، وأورد المصنف عدة أحاديث دالة على الجواز، فجمع بينها الطبري بأن الامتناع فيما أهدي له خاصة والقبول فيما أهدي للمسلمين، وفيه نظر؛ لأن من جملة أدلة الجواز ما وقعت الهدية فيه له خاصة، وجمع غيره بأن الامتناع في حق من يريد بهديته التودد والموالاة، والقبول في حق من يرجى بذلك تأنيسه وتأليفه على الإسلام، وهذا أقوى من الأول، وقيل: يحمل القبول على من كان من أهل الكتاب، والرد على من كان من أهل الأوثان، وقيل: يمتنع ذلك لغيره من الأمراء، وأن ذلك من خصائصه ﷺ ، ومنهم من ادعى نسخ المنع بأحاديث القبول، ومنهم من عكَس، وهذه الأجوبة الثلاثة ضعيفة، فالنسخ لا يثبت بالاحتمال ولا التخصيص، انتهى من "الفتح" (١).
стр. 1793
وكتب الشيخ في "اللامع" (١): يعني بذلك أن المنهي عنه إنما هو القبول على جهة المودة أو ما يورث المودة لا مطلقًا، انتهى.
قلت: وهذا الجواب رجحه الحافظ، كما تقدم.
(٢٩ - باب الهدية للمشركين وقول الله تعالى: ﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ. . .﴾ [الممتحنة: ٨] إلخ
وهي جائزة كما في "السير الكبير"، إلا ما أعد للحرب في أوان الحرب، انتهى (٢).
ساق إلى آخر الآية، وفي بعض الروايات إلى قوله: ﴿وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ﴾، والمراد منها بيان من يجوز بره منهم، وأن الهدية للمشرك إثباتًا ونفيًا ليست على الإطلاق، ومن هذه المادة قوله تعالى: ﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾ [لقمان: ١٥]، ثم البر والصلة والإحسان لا يستلزم التحابب والتوادد المنهي عنه في قوله تعالى: ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [المجادلة: ٢٢] فإنها عامة في حق من قاتل ومن لم يقاتل، انتهى من "الفتح" (٣).
(٣٠ - باب لا يحل لأحد أن يرجع في هبته. . .) إلخ
كذا بَتَّ الحكم في هذه المسألة لقوة الدليل عنده فيها، وتقدم في "باب الهبة للولد" أنه أشار في الترجمة إلى أن للوالد الرجوع فيما وهبه للولد، فيمكن أنه يرى صحة الرجوع له وإن كان حرامًا بغير عذر، واختلف السلف في أصل المسألة، وقد أشرنا إلى تفاصيل مذاهبهم في "باب الهبة للولد"، وأما الصدقة فاتفقوا على أنه لا يجوز الرجوع فيها بعد القبض، انتهى من "الفتح" (٤).
стр. 1794
(٣١ - باب)
بغير ترجمة، كذا للجميع بغير ترجمة، وهو كالفصل من الباب الذي قبله، ومناسبته لها أن الصحابة بعد ثبوت عطية النبي ﷺ ذلك لصهيب لم يستفصلوا هل رجع أم لا؟ فدل على أن لا أثر للرجوع في الهبة، انتهى (١).
وتعقب عليه العيني (٢)، والأوجه عندي: ما قاله الحافظ ﵀، كما بسط في هامش "اللامع" (٣) فارجع إليه لو شئت.
(٣٢ - باب ما قيل في العمرى والرقبى. . .) إلخ
أي: ما ورد في ذلك من الأحكام، والعمرى بضم المهملة وسكون الميم مع القصر، وحكي ضم الميم مع ضم أوله، وحكي فتح أوله مع السكون، مأخوذ من العمر، والرقبى بوزنها مأخوذة من المراقبة؛ لأنهم كانوا يفعلون ذلك في الجاهلية، فيعطي الرجل الدار ويقول له: أعمرتك إِياها، أي: أبحتها لك مدة عمرك، وقيل لها عمرى لذلك، انتهى من "الفتح" (٤).
وقال القسطلاني (٥): والرقبى بوزن العمرى مأخوذة من الرقوب لأن كلًّا منهما يرقب موت صاحبه، انتهى.
قال العيني (٦): وأما الرقبى، فهو أن يقول الرجل للرجل، أرقبتك داري إن مت قبلك فهي لك وإن مت قبلي فهي لي، انتهى.
قال الحافظ (٧): هذا أصلها لغةً، وشرعًا فالجمهور على أن العمرى
стр. 1795
إذا وقعت كانت ملكًا للآخذ، ولا ترجع إلى الأول إلا إن صرَّح باشتراط ذلك، وذهب الجمهور إلى صحة العمرى، انتهى.
وفي "البذل" (١): قال الخطابي (٢) في العمرى: إذا اتصل به القبض كان تمليكًا لرقبته، وإذا ملكها في حال حياته، وجاز له التصرف فيها، ملكها بعده وارثه الذي يرث أملاكه، وهذا قول الشافعي وقول أصحاب الرأي، وحكي عن مالك أنه قال: العمرى تمليك المنفعة دون الرقبة، فإن جحلها عمرى له فهي له مدة عمره، ولا تورث، وإن جعلها له ولعقبه بعده كانت منفعته ميراثًا لأهله، انتهى.
قال النووي (٣): قال أحمد: تصح العمرى المطلقة دون الموقتة، انتهى.
وأما الرقبى فقد قال الحافظ (٤): منعها مالك وأبو حنيفة ومحمد، ووافق أبو يوسف الجمهور، انتهى.
قلت: وبالجواز قال الشافعي وأحمد، قاله العيني (٥) وغيره.
قال صاحب "الهداية" (٦): الرقبى باطلة عند أبي حنيفة ومحمد ومالك، وقال أبو يوسف: جائزة؛ لأن قوله: "داري لك" تمليك، وقوله: "رقبى" شرط فاسد كالعمرى، ولهما أنه ﵊ أجاز العمرى وردّ الرقبى، ولأن معنى الرقبى عندهما إن مت قبلك فهو لك، واللفظ من المراقبة؛ كأنه يراقب موته، وهذا تعليق التمليك بالخطر فبطل؛ فإذا لم تصح تكون عارية عندهما؛ لأنه يتضمن إطلاق الانتفاع به.
وكتب مولانا محمد يحيى المرحوم من تقرير شيخه - رضي الله تعالى
стр. 1796
عنه -: قد اختلف فيه أئمتنا الثلاثة، فمن جوَّزها أراد بالرقبى الهبة، بشرط أن ترجع إلى الواهب لو مات الموهوب له قبله، ومن أبطلها فسرها بتعليق التمليك على الموت السابق من أيهما؛ كأن يقول: "إن مت قبلي فهو لي، وإن مت قبلك فهو لك"، وهو باطل لا محالة؛ لأن تعليق التمليك على شرط هو على خطر الوجود قمار، فكان الخلاف لفظيًّا مبنيًا على اختلاف التفسير، انتهى من "البذل" (١).
ثم لا يخفى عليك ما قال الحافظ وغيره: إن المصنف ﵀ ترجم بالرقبى ولم يذكر إلا الحديثين الواردين في العمرى، وكأنه يرى أنهما متحدا المعنى وهو قول الجمهور، انتهى.
(٣٣ - باب من استعار من الناس الفرس. . .) إلخ
قال الحافظ (٢): زاد أبو ذر عن مشايخه: "والدابة"، وزاد عن الكشميهني "وغيرها"، وذكر بعض الشرَّاح ممن أدركناه قبل الباب "كتاب العارية" ولم أره في شيء من النسخ ولا الشروح، والبخاري أضاف العارية إلى الهبة لأنها هبة المنافع، انتهى.
قال العيني (٣): وفي كتاب صاحب "التوضيح": ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾، "كتاب العارية"، وغالب النسخ هذا ليس بموجود فيه، وهذه النسخة أولى لأن العادة أن تتوج الأبواب بالكتاب، والعارية بتشديد الياء وتخفيفها، وتجمع على عواري، وفيها لغة ثالثة: عارة، وقيل: عارات بالألف مأخوذة من عار إذا ذهب وجاء، وقيل: مشتقة من التعاور، وهو: التناوب، قال الجوهري: كأنها منسوبة إلى العار؛ لأن طلبها عار وعيب، وفي الشرع: هي تمليك المنفعة بلا عوض. . .، إلى آخر ما فيه من الاختلاف في تفسيرها.
стр. 1797
وفي "الفيض" (١): لما فرغ المصنف من باب الهبة وملحقاته دخل في باب العارية لكونها تمليكًا للمنافع، كما أن الهبة تمليك للعين، وإنما أدخله في تضاعيف أبواب الهبة؛ لأنه أراد من الهبة اللغوية، سواء كانت للمنافع أو الأعيان، انتهى.
قلت: وعلى تقدير ثبوت "كتاب العارية"، كما في بعض النسخ، تكون البراعة في "باب العمرى والرقبى" واضحة، إذ في كليهما إشارة إلى الموت، فافهم.
(٣٤ - باب الاستعارة للعروس عند البناء)
قال العلَّامة العيني (٢): العروس نعت يستوي فيه الرجل والمرأة ما داما في إِعراسهما، ويقال: اسم لهما عند دخول أحدهما بالآخر، وفي غير هذه الحالة الرجل يسمى عريسًا والمرأة عروسًا، قوله: "عند البناء" أي: الزفاف، قال ابن الأثير: البناء والابتناء: الدخول بالزوجة، انتهى.
والأصل فيه أن الرجل كان إذا تزوج امرأة بنى عليها قبة ليدخل بها فيها، انتهى.
وفي "الفيض" (٣): قوله: "باب الاستعارة. . ." إلخ، وهذا من مراسم الناس أن المفلسين منهم يستعيرون الأشياء للعروس، إذ لا يقدرون على أن يشتروها من أموالهم، انتهى.
ويأتي أيضًا في "كتاب النكاح": "باب استعارة الثياب للعروس وغيرها"، وفي "كتاب اللباس": "باب استعارة القلائد"، وذكر فيهما حديث الباب أيضًا، المقصود بيان الجواز.
قلت: وثياب العروس غالبًا تكون ثمينة غالية، فينبغي للمرء أن يقتصر
стр. 1798
فيه على الاستعارة من الغير تحرّزًا عن الإسراف المذموم، ولا يبعد أيضًا أن يقال نظرًا إلى تراجم الإمام البخاري فإنه ترجم لهذا المعنى في ثلاثة مواضع، كما تقدم: أنه أشار إلى استحسان الاستعارة في تلك المواضع اتباعًا لهؤلاء السلف، وأوضحت هذا المعنى في رسالة "آب بيتي" (١) باللغة الأردوية.
(٣٥ - باب فضل المنيحة)
حذف "باب" من رواية أبي ذر، و"المنيحة" بالنون والمهملة وزن عظيمة، هي في الأصل العطية، قال أبو عبيدة: المنيحة عند العرب على وجهين:
أحدهما: أن يعطي الرجل صاحبه صلة فتكون له
والآخر: أن يعطيه ناقة أو شاة ينتفع بحلبها ووبرها زمنًا ثم يردها.
والمراد بها في أول أحاديث الباب هنا عارية ذوات الألبان ليؤخذ لبنها ثم ترد هي لصاحبها، وقال القزاز: قيل: لا تكون المنيحة إلا ناقة أو شاة، والأول أعرف، انتهى من "الفتح" (٢).
(٣٦ - باب إذا قال: أخدمتك هذه الجارية. . .) إلخ
قال القسطلاني (٣): (على ما يتعارف الناس) أي: على عرفهم في صدور هذا القول منهم أو على عرفهم في كون الإخدام هبة أو عارية. (وقال بعض الناس): قال الكرماني: قيل: أراد به الحنفية. (هذه عارية) قال الحنفية: لأنه صريح في إعارة الاستخدام، وقال الكرماني أيضًا: قوله: (وإن قال: كسوتك. . .) إلخ، يحتمل أن تكون من تتمة قول الحنفية، ومقصود المؤلف منه أنهم تحكموا حيث قالوا: ذلك عارية وهذا هبة، ويحتمل أن يكون عطفًا على الترجمة.
стр. 1799
قال القسطلاني بعد ذكر الحديث: غرض المؤلف أن لفظ الإخدام للتمليك، وكذلك الكسوة، لكن قال ابن بطال: استدلاله بقوله: "فأخدمها هاجر" على الهبة لا يصح، وإنما صحت الهبة في هذه القصة من قوله: "فأعطوها هاجر".
قال في "فتح الباري": مراد البخاري أنه إن وجدت قرينة تدل على العرت حمل عليها، فإن كان جرى بين قوم عرف في تنزيل الإخدام منزلة الهبة فأطلقه شخص وقصد التمليك نفذ، ومن قال: هي عارية في كل حال فقد خالف، والله أعلم، انتهى.
قلت: ما أفاده الحافظ غاية توجيه لكلام البخاري وإلا فالظاهر أن ميل البخاري في ذلك خلاف الجمهور، وإلا فهل ترى إن جرى بين قوم عرف في تنزيل الكسوة منزلة العارية فهل يكفي حينئذ عارية اللباس في الكفارة؟
وكتب الشيخ قُدِّس سرُّه في "اللامع" (١): قوله: (قال بعض الناس. . .) إلخ، وأنت تعلم أنه أقر بنفسه في الترجمة أن المدار على العرف فلا يرد إيراده على الإمام لأنه ﵁ إنما حكم على حسب عرفه والكسوة مستعملة في الهبة فكانت كذلك، انتهى.
وفي هامشه: كلام الشيخ رحمه الله تعالى مبني على ما هو المعروف بين الناس أن قول البخاري في "صحيحه": "قال بعض الناس" يكون ردًا على الحنفية، ولذا قال الكرماني: قيل: أراد به الحنفية، وقد عرفت فيما سبق مني في "كتاب الزكاة" في "باب الركاز" وهو أول المواضع التي قال فيها البخاري: قال بعض الناس: أن ما هو المعروف ليس بمطرد، فهذا الموضع الذي نحن بصدده لم يتفرد فيه الحنفية بل هي مسألة إجماعية.
قال الحافظ (٢): قال ابن بطال (٣): لا أعلم خلافًا أن من قال:
стр. 1800
أخدمتك هذه الجارية أنه قد وهب له الخدمة خاصة، فإن الإخدام لا يقتضي تمليك الرقبة، كما أن الإسكان لا يقتضي تمليك الدار، قال: واستدلاله بقوله: "فأخدمهما هاجر" على الهبة لا يصح، فذكر نحو ما تقدم في كلام القسطلاني، وقال أيضًا: ولم يختلف العلماء فيمن قال: كسوتك هذا الثوب مدة معينة أن له شرطه وإن لم يذكر أجلًا فهو هبة، وقد قال تعالى: ﴿فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ﴾ [إلى قوله] ﴿أَوْ كِسْوَتُهُمْ﴾ [المائدة: ٨٩]، انتهى.
وفي "الفيض" (١): "باب إذا قال: أخدمتك. . ." إلخ، الظاهر أن المصنف لم يحكم في لفظ الإخدام بشيء، وتركه على العرف، فإن كان عرفهم أنه الهبة فهو هبة، وإن كان أنه العارية على ما تعارفوا، وقوله: "قال بعض الناس" المراد به ها هنا أبو حنيفة، وقد مرّ أن المصنف لا يريد به الردّ دائمًا، والأقرب أنه اختار تفصيل الإمام الأعظم؛ لأنه أيضًا فوّضه إلى العرف، ولما كان العرف في لفظ الخدمة أنه للعارية بخلاف الكسوة، ظهر وجه الفرق بينهما، وإنما قلنا: إنه وافقنا في المسألة؛ لأنه لو أراد الخلاف لأخرج حديثًا يؤيد مرامه، كما هو دأبه، وإن سلمناه فردّه ضعيف جدًا لوضوح الفرق بين اللفظين كما عرفت آنفًا، انتهى.
قلت: وأيضًا الفرق بينهما إجماعي كما تقدم، انتهى من هوامش "اللامع" (٢) مختصرًا.
(٣٧ - باب إذا حمل رجلًا على فرس. . .) إلخ
قال القسطلاني (٣): قوله: (فهو كالعمرى) أي: فحكمه كالعمرى في عدم الرجوع فيه، (وقال بعض الناس) أبو حنيفة ﵀: (له أن يرجع فيها) أي: في الفرس الذي حمله عليها ناويًا الهبة لأنه يجوز عنده الرجوع في الهبة للأجنبي، انتهى.
стр. 1801
وقال الحافظ (١): قال ابن بطال (٢): ما كان من الحمل على الخيل تمليكًا للمحمول عليه بقوله: هو لك، فهو كالصدقة، فإذا قبضها لم يجز الرجوع فيها، وما كان منه تحبيسًا في سبيل الله فهو كالوقف لا يجوز الرجوع فيه عند الجمهور، وعن أبي حنيفة أن الحبس باطل في كل شيء.
قال الحافظ: والذي يظهر أن الإمام البخاري أشار إلى الرد على من قال بجواز الرجوع في الهبة، ولوكانت للأجنبي، وإلا فقد قدمنا تقرير أن الحمل المذكور في قصة عمر كان تمليكًا، وأن قول من قال: كان تحبيسًا احتمال بعيد، انتهى.
والذي أشار إليه الحافظ بقوله: "قدمنا تقريره" هو ما ذكره في "باب لا يحل لأحد أن يرجع في هبته وصدقته"، وتقدم اختلاف الأئمة في رجوع الوالد في "باب الهبة للولد" وتقدم الخلاف في العود في هبة الأجنبي في "باب هبة الرجل لامرأته"، انتهى من هامش "اللامع" (٣).
وكتب الشيخ في "اللامع" (٤): قوله: "له أن يرجع فيها" ولا ريب في صدق مقالته تلك؛ لأنه إن كان عارية فهو أحق به من المعرى له، فلا يحظر من الرجوع، وإن سلم كونه هبة، فله أن يرجع فيها لجواز الرجوع في سائر الهبات، فكذا هذا، إذ لا فرق، والله تعالى أعلم، انتهى.
ثم البراعة فعند الحافظ ﵀ في قوله: "ولا تعد في صدقتك".
وعندي في قوله: "كالعمرى" فإنه هدية إلى آخر العمر، ويمكن أيضًا في قوله: "في سبيل الله" فإن أصله الجهاد، وهو مذكِّر للموت، فافهم.
* * *
стр. 1802
٥٢ - كتاب الشهادات
قال الحافظ (١): جمع شهادة، مصدر شهد يشهد، قال الجوهري: الشهادة خبر قاطع، والمشاهدة: المعاينة، مأخوذة من الشهود، أي: الحضور؛ لأن الشاهد مشاهد لما غاب عن غيره، وقيل: مأخوذ من الإعلام.
قال العيني (٢): يعني: بالشهادة الحضور، قال ﷺ : "الغنيمة لمن شهد الوقعة" أي: حضرها، والشاهد أيضًا يحضر مجلس القاضي ومجلس الواقعة، ومعناها شرعًا: إخبار عن مشاهدة وعيان لا عن تخمين وحسبان.
وفي "الفيض" (٣): قال الفقهاء: إثبات الحق على الغير يسمى دعوى، وإثبات حق الغير على نفسه يسمى إقرارًا، وإثبات حق الغير على الغير يسمى شهادةً، انتهى.
(١ - باب ما جاء في البيِّنة. . .) إلخ
قال الحافظ (٤): كذا للأكثر، وسقط لبعضهم لفظ "باب"، ولم يسق في الباب حديثًا إما اكتفاء بالآيتين، وإما إشارة إلى الحديث الماضي قريبًا في ذلك في آخر "باب الرهن" (٥)، وستأتي ترجمة الشق الآخر وهي "اليمين على المدعى عليه" قريبًا، قال ابن المنيِّر (٦): وجه الاستدلال بالآية للترجمة أن المدعي لو كان القول قوله لم يحتج إلى الإِشهاد ولا إلى كتابة الحقوق وإِملائها، فالأمر بذلك يدل على الحاجة إليه، ويتضمن أن البينة على
стр. 1803
المدعي، ولأن الله حين أمر الذي عليه الحق بالإملاء اقتضى تصديقه في ما أقر به، وإذا كان مصدقًا فالبيِّنة على من ادعى تكذيبه، انتهى.
وكتب الشيخ في "اللامع" (١) تحت الآية الثانية: ودلالته على الترجمة من حيث إن المذكور في الآية الشهادة ولو على الوالدين والأقربين، والشهادة عليهم تقتضي كونهم مدعى عليهم، فلزم بذلك أن البينة على المدعي دون المدعى عليه، انتهى.
(٢ - باب إذا عدّل رجل أحدًا فقال: لا نعلم إلا خيرًا. . .) إلخ
كتب الشيخ في "اللامع" (٢): دفع بذلك ما يتوهم أن هذا اللفظ ليس فيه تصريح بتزكيته بحسب الواقع وإنما هو إخبار عن علمه.
وحاصل الدفع أن المرء لا يخبر إلا عن علمه، فلو لم يصرِّح في الشهادة بهذا القيد لكان المراد هو الإخبار عن علمه أيضًا لا عن الواقع، إذ لا وقوف عليه، انتهى.
وفي هامشه: أبدع الشيخ قُدِّس سرُّه في مرام البخاري وأجاد، وأشار الإمام البخاري بذلك إلى مسألة خلافية شهيرة وهي ما قال الحافظان ابن حجر والعيني عن ابن بطال أنه قال (٣): حكى الطحاوي عن أبي يوسف: إذا قال ذلك قبلت شهادته، واحتج بحديث الإفك، وعن محمد: لا بد أن يقول المعدل: هو عدل جائز الشهادة، والأصح أنه يكتفي بقوله: هو عدل، وأنكر مالك أن يكون ذلك تزكية حتى يقول: رضي، أي: بالقصر، وقال الشافعي: حتى يقول: عدل، وفي قول: عدل عليّ ولي، وفي "التوضيح": الأصح عندنا - يعني الشافعية - أنه يكفي أن يقول: هو عدل، ولا يشترط
стр. 1804
عليّ ولي، ثم لا يقبله حسى يسأله عن معرفته، ولا بد من معرفة المزكي حاله الباطنة فإن كان يعرفها يقبل، وإلا لا، انتهى مختصرًا من "الفتح" (١) و"العيني" (٢).
وفي "الهداية" (٣): قيل: لا بد أن يقول المعدل: هو حر عدل جائز الشهادة؛ لأن العبد قد يعدل، وقيل: يكتفي بقوله: عدل؛ لأن الحرية ثابتة بالدار، وهذا أصح، انتهى.
ثم قال الحافظ: لم يبت البخاري الحكم في الترجمة، بل أوردها مورد السؤال لقوة الخلاف فيها، انتهى.
قلت: وظاهر ميل البخاري إلى ما حكى الطحاوي عن أبي يوسف إذ أورد في الباب حديث الإفك، وموضع الترجمة منه قول أسامة: "أهلك ولا نعلم إلا خيرًا"، انتهى.
(٣ - باب شهادة المختبئ)
بالخاء المعجمة والموحدة، أي: الذي يختفي عند تحمل الشهادة. (وأجازه) أي: الاختباء عند تحملها.
قوله: (وكذلك يفعل بالكاذب) كأنه أشار إلى السبب في قبول شهادته، وبه قال مالك وأحمد والشافعي في الجديد إذا عاين المشهود عليه، وقال أبو حنيفة: لا، انتهى من "الفتح" (٤) و"القسطلاني" (٥).
قال العيني (٦): وروي عن شريح والشعبي والنخعي أنهم كانوا لا يجيزون شهادة المختبئ، وقالوا: إنه ليس بعدل حين اختفى ممن يشهد عليه، وهو قول أبي حنيفة والشافعي في القديم، انتهى.
стр. 1805
وفي "المغني" (١): وروي عن أحمد رواية أخرى: لا تسمع شهادته، وقال مالك: إن كان المشهود عليه ضعيفًا ينخدع لا يقبل وإلا قبلت، انتهى.
وكتب الشيخ في "اللامع" (٢) تحت الباب: يعني بذلك: من اكتفى بالسمع ولم يشترط الرؤية أورد فيه روايات لا تدل على ما ادعاه، وأما قول الحسن فمع أنه لا يلزم تسليم قوله يمكن أنه شهد القصة ورآها، وإن لم يشهدوه عليها، وليس فيه تصريح بأنه لم ير القصة حتى يتم ما ادعاه، وأما قول النبي ﷺ : "لو تركته بين" لا حجة لهم فيه؛ لأنه كان يرى ابن صياد والرؤية هي المناط وكانت حاصلة، فنقول: لو أن المختبئ رأى من الداخل من يتكلم ولو لم يشافهه ولم يواجهه بحيث يبصر كل منهما صاحبه جازت الشهادة لارتفاع علة المنع وهو ما في الأصوات من اختلاط واشتباه، انتهى.
(٤ - باب إذا شهد شاهد بشيء فقال آخرون: ما علمنا ذلك)
كتب الشيخ في "اللامع" (٣): أراد بالشهادة أعم منها ومن الإخبار فصح إيراد حديث الفضل في هذا الباب، ودلالة الرواية عليه ظاهرة، فإنه اعتبر إخبار المرأة السوداء وإثباتها الرضاع ولم يعتبر إخبار النافي وإن كان اعتبار إخبارها في التقوى دون الفتوى، ولا يضر ذلك لأن قوله في الترجمة يحكم بقول من شهد أعم من الحكم الواجب والمبني على الاحتياط، انتهى.
وفي هامشه: قد تقدم هذا في باب العشر، وأن المثبت مقدم على النافي، وهو وفاق من أهل العلم إلا من شذ، ولا سيما إذا لم يتعرض إلا
стр. 1806
لنفي علمه، وأشار إلى ذلك بقوله: "وكذلك إن شهد شاهدان. . ." إلخ، وقد اعترض بأن الشهادتين اتفقتا على الألف وانفردت إحداهما بالخمسمائة، والجواب أن سكوت الأخرى عن خمسمائة في حكم نفيها، انتهى.
وتعقب العيني على قول الحافظ: وهو وفاق من أهل العلم إذ قال: فيه خلاف، فقال الكرخي: المثبت أولى من النافي، وقال عيسى بن أبان: يتعارض المثبت والنافي فلا يترجح أحدهما على الآخر إلا بدليل مرجح. . .، إلى آخر ما قال، انتهى من هامش "اللامع" (١).
قوله: (هذا كما أخبر بلال. . .) إلخ، قال القسطلاني (٢): وإِطلاق الشهادة على إِخبار بلال تجوز.
وقال الكرماني (٣): فإن قلت: ليس هذا من باب ما علمنا، بل هما متنافيان لأن أحدهما قال: صلى، والآخر قال: لم يصل؟ وأجاب: بأن قوله: "لم يصل" معناه أنه ما علم أنه صلى، قال: ولعل الفضل كان مشتغلًا بالدعاء ونحوه فلم يره صلى فنفاه عملًا بظنه، انتهى.
(٥ - باب الشهداء العدول. . .) إلخ
كتب الشيخ في "اللامع" (٤): أي: بحسب ما يبدو لنا من أحوالهم وبذلك ينطبق الحديث بالترجمة، انتهى.
وفي هامشه (٥): كما هو نص قول عمر، ومعناه ثابت مرفوعًا كما سيأتي في "البخاري" في "باب بعث علي وخالد إلى اليمن" إذ قال خالد: كم من مصل يقول بلسانه ما ليس في قلبه، قال رسول الله ﷺ : "إني لم
стр. 1807
أومر أن أنقب عن قلوب الناس ولا أشق بطونهم" الحديث، وما أفاده الشيخ ﵀ هو الظاهر من غرض الترجمة لأنه ليس في الحديث ما يدل على مصداق العدل.
وبسط العلَّامة العيني الأقوال في تفسيره، والأوجه عندي: أن ميل الإمام البخاري في ذلك إلى قول الإمام أبي حنيفة، ففي "الهداية" (١): قال أبو حنيفة: يقتصر الحاكم على ظاهر العدالة في المسلم ولا يسأل عن حال الشهود حتى يطعن الخصم؛ لقوله ﵊: "المسلمون عدول بعضهم على بعض إلا محدودًا في قذف" ولأن الظاهر هو الانزجار عمّا ما هو محرم دينه وبالظاهر كفاية إذ لا وصول إلى القطع إلا في الحدود والقصاص فإنه يسأل عن الشهود؛ لأنه يحتال لإسقاطها، فيشترط الاستقصاء فيها، وقال صاحباه: لا بد أن يسأل عنهم في السر والعلانية في سائر الحقوق؛ لأن القضاء مبناه على الحجة، وهي شهادة العدول فيتعرف عن العدالة، وقيل: هذا اختلاف عصر وزمان، والفتوى على قولهما في هذا الزمان، انتهى مختصرًا.
وبسط الكلام على المسألة في "الأوجز" (٢)، وعنه في هامش "اللامع" (٣) وفيه من رواية "الموطأ" في قصة وفي آخرها: قال عمر رضي الله تعالى عنه: "والله لا يؤسر رجل في الإسلام بغير العدول" قال الباجي (٤): معناه لا يؤسر إلا بالصحابة الذين جميعهم عدول أو بالعدل من غيرهم، فمن لم يكن من الصحابة ولم تعرف عدالته لم تقبل شهادته وهذا مذهب مالك والشافعي، وقال أبو حنيفة: مجرد الإسلام يقتضي العدالة حتى يعرف فسقه، انتهى.