المدعي، ولأن الله حين أمر الذي عليه الحق بالإملاء اقتضى تصديقه في ما أقر به، وإذا كان مصدقًا فالبيِّنة على من ادعى تكذيبه، انتهى.
وكتب الشيخ في "اللامع" (١) تحت الآية الثانية: ودلالته على الترجمة من حيث إن المذكور في الآية الشهادة ولو على الوالدين والأقربين، والشهادة عليهم تقتضي كونهم مدعى عليهم، فلزم بذلك أن البينة على المدعي دون المدعى عليه، انتهى.
(٢ - باب إذا عدّل رجل أحدًا فقال: لا نعلم إلا خيرًا. . .) إلخ
كتب الشيخ في "اللامع" (٢): دفع بذلك ما يتوهم أن هذا اللفظ ليس فيه تصريح بتزكيته بحسب الواقع وإنما هو إخبار عن علمه.
وحاصل الدفع أن المرء لا يخبر إلا عن علمه، فلو لم يصرِّح في الشهادة بهذا القيد لكان المراد هو الإخبار عن علمه أيضًا لا عن الواقع، إذ لا وقوف عليه، انتهى.
وفي هامشه: أبدع الشيخ قُدِّس سرُّه في مرام البخاري وأجاد، وأشار الإمام البخاري بذلك إلى مسألة خلافية شهيرة وهي ما قال الحافظان ابن حجر والعيني عن ابن بطال أنه قال (٣): حكى الطحاوي عن أبي يوسف: إذا قال ذلك قبلت شهادته، واحتج بحديث الإفك، وعن محمد: لا بد أن يقول المعدل: هو عدل جائز الشهادة، والأصح أنه يكتفي بقوله: هو عدل، وأنكر مالك أن يكون ذلك تزكية حتى يقول: رضي، أي: بالقصر، وقال الشافعي: حتى يقول: عدل، وفي قول: عدل عليّ ولي، وفي "التوضيح": الأصح عندنا - يعني الشافعية - أنه يكفي أن يقول: هو عدل، ولا يشترط
стр. 1804
عليّ ولي، ثم لا يقبله حسى يسأله عن معرفته، ولا بد من معرفة المزكي حاله الباطنة فإن كان يعرفها يقبل، وإلا لا، انتهى مختصرًا من "الفتح" (١) و"العيني" (٢).
وفي "الهداية" (٣): قيل: لا بد أن يقول المعدل: هو حر عدل جائز الشهادة؛ لأن العبد قد يعدل، وقيل: يكتفي بقوله: عدل؛ لأن الحرية ثابتة بالدار، وهذا أصح، انتهى.
ثم قال الحافظ: لم يبت البخاري الحكم في الترجمة، بل أوردها مورد السؤال لقوة الخلاف فيها، انتهى.
قلت: وظاهر ميل البخاري إلى ما حكى الطحاوي عن أبي يوسف إذ أورد في الباب حديث الإفك، وموضع الترجمة منه قول أسامة: "أهلك ولا نعلم إلا خيرًا"، انتهى.
(٣ - باب شهادة المختبئ)
بالخاء المعجمة والموحدة، أي: الذي يختفي عند تحمل الشهادة. (وأجازه) أي: الاختباء عند تحملها.
قوله: (وكذلك يفعل بالكاذب) كأنه أشار إلى السبب في قبول شهادته، وبه قال مالك وأحمد والشافعي في الجديد إذا عاين المشهود عليه، وقال أبو حنيفة: لا، انتهى من "الفتح" (٤) و"القسطلاني" (٥).
قال العيني (٦): وروي عن شريح والشعبي والنخعي أنهم كانوا لا يجيزون شهادة المختبئ، وقالوا: إنه ليس بعدل حين اختفى ممن يشهد عليه، وهو قول أبي حنيفة والشافعي في القديم، انتهى.
стр. 1805
وفي "المغني" (١): وروي عن أحمد رواية أخرى: لا تسمع شهادته، وقال مالك: إن كان المشهود عليه ضعيفًا ينخدع لا يقبل وإلا قبلت، انتهى.
وكتب الشيخ في "اللامع" (٢) تحت الباب: يعني بذلك: من اكتفى بالسمع ولم يشترط الرؤية أورد فيه روايات لا تدل على ما ادعاه، وأما قول الحسن فمع أنه لا يلزم تسليم قوله يمكن أنه شهد القصة ورآها، وإن لم يشهدوه عليها، وليس فيه تصريح بأنه لم ير القصة حتى يتم ما ادعاه، وأما قول النبي ﷺ : "لو تركته بين" لا حجة لهم فيه؛ لأنه كان يرى ابن صياد والرؤية هي المناط وكانت حاصلة، فنقول: لو أن المختبئ رأى من الداخل من يتكلم ولو لم يشافهه ولم يواجهه بحيث يبصر كل منهما صاحبه جازت الشهادة لارتفاع علة المنع وهو ما في الأصوات من اختلاط واشتباه، انتهى.
(٤ - باب إذا شهد شاهد بشيء فقال آخرون: ما علمنا ذلك)
كتب الشيخ في "اللامع" (٣): أراد بالشهادة أعم منها ومن الإخبار فصح إيراد حديث الفضل في هذا الباب، ودلالة الرواية عليه ظاهرة، فإنه اعتبر إخبار المرأة السوداء وإثباتها الرضاع ولم يعتبر إخبار النافي وإن كان اعتبار إخبارها في التقوى دون الفتوى، ولا يضر ذلك لأن قوله في الترجمة يحكم بقول من شهد أعم من الحكم الواجب والمبني على الاحتياط، انتهى.
وفي هامشه: قد تقدم هذا في باب العشر، وأن المثبت مقدم على النافي، وهو وفاق من أهل العلم إلا من شذ، ولا سيما إذا لم يتعرض إلا
стр. 1806
لنفي علمه، وأشار إلى ذلك بقوله: "وكذلك إن شهد شاهدان. . ." إلخ، وقد اعترض بأن الشهادتين اتفقتا على الألف وانفردت إحداهما بالخمسمائة، والجواب أن سكوت الأخرى عن خمسمائة في حكم نفيها، انتهى.
وتعقب العيني على قول الحافظ: وهو وفاق من أهل العلم إذ قال: فيه خلاف، فقال الكرخي: المثبت أولى من النافي، وقال عيسى بن أبان: يتعارض المثبت والنافي فلا يترجح أحدهما على الآخر إلا بدليل مرجح. . .، إلى آخر ما قال، انتهى من هامش "اللامع" (١).
قوله: (هذا كما أخبر بلال. . .) إلخ، قال القسطلاني (٢): وإِطلاق الشهادة على إِخبار بلال تجوز.
وقال الكرماني (٣): فإن قلت: ليس هذا من باب ما علمنا، بل هما متنافيان لأن أحدهما قال: صلى، والآخر قال: لم يصل؟ وأجاب: بأن قوله: "لم يصل" معناه أنه ما علم أنه صلى، قال: ولعل الفضل كان مشتغلًا بالدعاء ونحوه فلم يره صلى فنفاه عملًا بظنه، انتهى.
(٥ - باب الشهداء العدول. . .) إلخ
كتب الشيخ في "اللامع" (٤): أي: بحسب ما يبدو لنا من أحوالهم وبذلك ينطبق الحديث بالترجمة، انتهى.
وفي هامشه (٥): كما هو نص قول عمر، ومعناه ثابت مرفوعًا كما سيأتي في "البخاري" في "باب بعث علي وخالد إلى اليمن" إذ قال خالد: كم من مصل يقول بلسانه ما ليس في قلبه، قال رسول الله ﷺ : "إني لم
стр. 1807
أومر أن أنقب عن قلوب الناس ولا أشق بطونهم" الحديث، وما أفاده الشيخ ﵀ هو الظاهر من غرض الترجمة لأنه ليس في الحديث ما يدل على مصداق العدل.
وبسط العلَّامة العيني الأقوال في تفسيره، والأوجه عندي: أن ميل الإمام البخاري في ذلك إلى قول الإمام أبي حنيفة، ففي "الهداية" (١): قال أبو حنيفة: يقتصر الحاكم على ظاهر العدالة في المسلم ولا يسأل عن حال الشهود حتى يطعن الخصم؛ لقوله ﵊: "المسلمون عدول بعضهم على بعض إلا محدودًا في قذف" ولأن الظاهر هو الانزجار عمّا ما هو محرم دينه وبالظاهر كفاية إذ لا وصول إلى القطع إلا في الحدود والقصاص فإنه يسأل عن الشهود؛ لأنه يحتال لإسقاطها، فيشترط الاستقصاء فيها، وقال صاحباه: لا بد أن يسأل عنهم في السر والعلانية في سائر الحقوق؛ لأن القضاء مبناه على الحجة، وهي شهادة العدول فيتعرف عن العدالة، وقيل: هذا اختلاف عصر وزمان، والفتوى على قولهما في هذا الزمان، انتهى مختصرًا.
وبسط الكلام على المسألة في "الأوجز" (٢)، وعنه في هامش "اللامع" (٣) وفيه من رواية "الموطأ" في قصة وفي آخرها: قال عمر رضي الله تعالى عنه: "والله لا يؤسر رجل في الإسلام بغير العدول" قال الباجي (٤): معناه لا يؤسر إلا بالصحابة الذين جميعهم عدول أو بالعدل من غيرهم، فمن لم يكن من الصحابة ولم تعرف عدالته لم تقبل شهادته وهذا مذهب مالك والشافعي، وقال أبو حنيفة: مجرد الإسلام يقتضي العدالة حتى يعرف فسقه، انتهى.
стр. 1808
(٦ - باب تعديل كم يجوز ؟)
أي: هل يشترط في قبول التعديل عدد معين؟ أورد فيه حديثي أنس وعمر في ثناء الناس بالخير والشر، وفيهما قوله ﵊ "وجبت" قال ابن بطال (١): فيه إشارة إلى الاكتفاء لتعديل واحد، وفيه غموض، وكأن وجهه أن في قوله: "ثم لم نسأله عن الواحد" إشعارًا بعيدًا بأنهم كانوا يعتمدون قول الواحد في ذلك لكنهم لم يسألوا عن حكمه في ذلك المقام، وسيأتي للمصنف بعد أبواب التصريح بالاكتفاء في التزكية بواحد (٢)، وكأنه لم يصرِّح به ها هنا لما فيه من الاحتمال، انتهى مختصرًا.
قلت: ولا يبعد عندي أن الإمام البخاري أشار بالترجمتين إلى المذهبين، قال الكرماني (٣): قال ابن بطال: اختلفوا في عدد المعدلين، فقال مالك والشافعي: لا يقبل في الجرح والتعديل أقل من رجلين، وبه قال أحمد كما في "المغني" (٤)، وقال أبو حنيفة: يقبل تعديل الواحد وجرحه، وذكر العيني (٥) أبا يوسف مع أبي حنيفة، ومحمدًا مع الشافعي، فالظاهر أن الإمام البخاري أشار بهذه الترجمة إلى المذهب الأول، وبالآتية وهي "باب إذا زكّى رجل رجلًا. . ." إلخ، إلى المذهب الثاني، وميل الإمام البخاري إلى المذهب الثاني لأنه صرَّح فيها بالحكم بكفاية تعديل الواحد ولم يصرِّح ها هنا بالحكم، انتهى من هامش "اللامع" (٦)، وذكر القسطلاني (٧) مالكًا وصاحبا أبي حنيفة مع الشافعي.
وكتب الشيخ ﵀ في "اللامع" (٨): ودلالة الرواية على الترجمة
стр. 1809
بحسب إطلاقها وعدم تقييدها بعدد دون عدد، فإنها تدل بإطلاقها على الاكتفاء بتعديل واحد من المؤمنين أيضًا، انتهى.
(٧ - باب الشهادة على الأنساب. . .) إلخ
كتب الشيخ في "اللامع" (١): يعني بذلك: أنه يجوز له الشهادة بما فاض واشتهر من الأخبار، وإن لم يشهد القصة بنفسه؛ كإخبار النبي ﷺ بإرضاع ثويبة أبا سلمة وإياه، مع أنه لم يذكر إرضاعها إياهما بنفسه النفيسة، انتهى.
وفي هامشه (٢) قال الكرماني (٣): قال ابن بطال: مقصود هذا الباب أن ما صح من الأنساب والموت والرضاع بالاستفاضة وثبت في النفوس لا يحتاج فيه إلى معرفة الشهود ولا إلى عددهم، ألا ترى أن الرضاع الذي كان في الجاهلية وكان مستفيضًا معلومًا عندهم ثبت به الحرمة في الإسلام، انتهى.
قال الحافظ (٤): هذه الترجمة معقودة لشهادة الاستفاضة، وذكر منها النسب والرضاعة والموت القديم، فأما النسب فيستفاد من أحاديث الرضاعة فإنه من لازمه وقد نقل فيه الإجماع، وأما الرضاعة فيستفاد ثبوتها بالاستفاضة من أحاديث الباب فإنها كانت في الجاهلية وكان ذلك مستفيضًا عند من وقع له، وأما الموت القديم فيستفاد منه حكمه بالإلحاق، قاله ابن المنيِّر، واحترز بالقديم عن الحادث، والمراد بالقديم ما تطاول الزمان عليه، وحدَّه بعض المالكية بخمسين سنة، وقيل: بأربعين، انتهى.
ومسألة الباب خلافية، قال العيني (٥): يجوز عند مالك والشافعي والكوفيين الشهادة بالسماع المستفيض في النسب والموت القديم والنكاح،
стр. 1810
وقال الطحاوي: إن شهادة السماع يجوز في النكاح دون الطلاق، ويجوز عند مالك والشافعي الشهادة على ملك الدار بالسماع، زاد الشافعي الثوب أيضًا، ولا يجوز ذلك عند الكوفيين، وقال مالك: لا تجوز الشهادة على ملك الدار بالسماع على خمس سنين ونحوها إلا مما يكثر من السنين وهو بمنزلة سماع الولاء، وقال ابن القاسم: شهادة السماع إنما هي من أتت عليه أربعون سنة أو خمسون، انتهى.
(٨ - باب شهادة القاذف والسارق والزاني. . .) إلخ
قال العيني (١): القاذف هو الذي يقذف أحدًا بالزنا، وأصل القذف الرمي، ولم يصرِّح بالجواب لمكان الخلاف فيه، انتهى.
وقال الحافظ (٢): أي: هل تقبل بعد توبتهم أم لا؟ انتهى.
وقال القسطلاني (٣): قوله: ﴿إلا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا﴾ [النور: ٥] أي: أعمالهم بالتدارك، ومنه الاستسلام للحد أو الاستحلال من المقذوف فإن شهادتهم مقبولة؛ لأن الله تعالى استثنى التائبين عقب النهي عن قبول شهادتهم، وقال الحنفية: ذكره بالتأبيد يدل على أنها لا تقبل بعد استيفاء الحد لكل حال والاستثناء منصرف إلى ما يليه وهو قوله: ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [النور: ٤]، وقالوا: الاستثناء منقطع لأن التائبين غير داخلين في صدر الكلام وهو قوله: ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ إذ التوبة تجبُّ ما قبلها من الذنوب فلا يكون التائب فاسقًا، وأما الشهادة فلا تقبل أبدًا لأن ردها من تتمة الحد لأنه يصلح جزاء فيكون مشاركًا للأول في كونه حدًّا، وقوله: ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ لا يصلح أن يكون جزاء لأنه ليس بخطاب للأئمة بل إِخبار عن صفة قائمة بالقاذفين، فلا يصلح أن يكون من تمام الحدِّ. . .، إلى آخر ما قال.
стр. 1811
قال الحافظ (١): وهذا الاستثناء عمدة من أجاز شهادته إذا تاب، وبهذا قال الجمهور: إن شهادة القاذف بعد التوبة تقبل، ويزول عنه اسم الفسق سواء كان بعد إقامة الحد أو قبله، وتأولوا قوله تعالى: ﴿أَبَدًا﴾ على أن المراد ما دام مصرًا على قذفه؛ لأن أبد كل شيء على ما يليق به، وبالغ الشعبي فقال: إن تاب القاذف قبل إقامة الحد سقط عنه، وذهب الحنفية إلى أن الاستثناء يتعلق بالفسق خاصة، وقال بذلك بعض التابعين، وفيه مذهب آخر يقبل بعد الحد لا قبله، انتهى.
وفي "الفيض" (٢): وقد بحث في الأصول أن الاستثناء إذا وقع بعد عدة أمور، هل يرجع إلى الأقرب، أو إلى الجميع؟ فليراجع، انتهى.
وبسط الشيخ قُدِّس سرُّه الكلام عليه في "اللامع" (٣) أشد البسط.
وفي هامشه: هذه مسألة خلافية شهيرة بسطت في "الأوجز" (٤) وهي قبول شهادة المحدود في القذف إذا تاب، قال الموفق (٥): تقبل شهادته عندنا ومالك والشافعي وإسحاق وجماعة ذكر أسماءهم في "الأوجز". . .، إلى آخر ما فيه.
وقال الحافظ (٦): جمع البخاري في الترجمة بين السارق والقاذف للإِشارة إلى أنه لا فرق في قبول التوبة منهما، وإلا فقد نقل الطحاوي الإجماع على قبول شهادة السارق إذا تاب، نعم ذهب الأوزاعي إلى أن المحدود في الخمر لا تقبل شهادته وإن تاب، ووافقه الحسن بن صالح، وخالفهما في ذلك جميع فقهاء الأمصار، انتهى.
قوله: (وقال بعض الناس) هذا منقول عن الحنفية، واحتجوا في رد
стр. 1812
شهادة المحدود بأحاديث، قال الحافظ: لا يصح منها شيء، "ثم قال" أي: بعض الناس الذي أشار إليه، وهو منقول عن الحنفية أيضًا، واعتذروا بأن الغرض شهرة النكاح، وذلك حاصل بالعدل وغيره عند التحمل، أما عند الأداء فلا يقبل إلا العدل.
قوله: (وأجاز شهادة العبد. . .) إلخ، هو منقول عنهم أيضًا واعتذروا بأنها جارية مجرى الخبر لا الشهادة، انتهى من "الفتح" (١).
وتعقب العلَّامة العيني (٢) على قول الحافظ، فارجع إليه لو شئت.
وفي "الفيض" (٣): وحاصله أن الإمام أبا حنيفة ردّ أولًا شهادة المحدود، ثم ناقضه واعتبرها في النكاح. قلت: ليس الأمر كما فهم المصنف، فإن الإمام ردّها للثبوت، وقبلها للانعقاد، وبينهما فرق لا يخفى. . .، إلى آخر ما أوضح الفرق، فارجع إليه.
قوله: (وكيف تعرف توبته؟) أي: القاذف، وهذا من كلام المصنف، وهو من تمام الترجمة، وكأنه أشار إلى اختلاف في ذلك، فعن أكثر السلف: لا بد أن يكذب نفسه، وبه قال الشافعي، وعن مالك: إذا ازداد خيرًا كفاه، ولا يتوقف على تكذيب نفسه لجواز أن يكون صادقًا في نفس الأمر، وإلى هذا مال المصنف، انتهى من "الفتح" (٤).
وبسط الكلام على هذا الباب في "اللامع" وهامشه أشد البسط، فارجع إليه لو شئت التفصيل.
(٩ - باب لا يشهد على شهادة جور إذا أشهد)
ذكر فيه حديث النعمان بن بشير في قصة هبة أبيه له، وفيه قوله ﷺ : "لا تُشْهِدْني على جَور" وقوله في الترجمة: "إذا أشهد" يؤخذ منه أنه لا يشهد
стр. 1813
على جور إذا لم يشهد بطريق الأولى، انتهى من "الفتح" (١).
وبسط الشيخ قُدِّس سرُّه في "اللامع" (٢) على مناسبة أحاديث الباب بالترجمة.
(١٠ - باب ما قيل في شهادة الزور)
أي: من التغليظ والوعيد، وقوله: (لقول الله :. . .) إلخ، أشار إلى أن الآية سيقت في ذم متعاطي شهادة الزور، وهو اختيار منه لأحد ما قيل في تفسيرها، ثم ذكر الحافظ (٣) بعض الأقوال في تفسيرها.
وكتب الشيخ في "اللامع" (٤): دلالة الحديثين على أحد جزئي الترجمة واضحة ولا يظهر دلالتهما على جزئها الثاني وهو كتمان الشهادة، والجواب: أن شهادة الزور وهو الكذب فيها مستلزم لكتمان الشهادة في حق غير المشهود له، فالترجمة ثابتة بكلا جزئيها من غير تكلف، انتهى.
قلت: ما أفاده الشيخ وجيه لطيف جدًّا، وإلى الجواب عن هذا الإشكال أشار الحافظ بقوله: قوله: "تلووا ألسنتكم بالشهادة" هو تفسير ابن عباس أخرجه الطبري عنه في قوله: ﴿وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا﴾ [النساء: ١٣٥] أي: تلووا ألسنتكم بالشهادة أو تعرضوا عنها، ومن طريق العوفي عن ابن عباس في هذه الآية قال: تلوي لسانك بغير الحق وهي اللجلجة فلا تقيم الشهادة على وجهها، والإعراض عنها الترك، وكأن المصنف أشار بنظم كتمان الشهادة مع شهادة الزور إلى هذا الأثر وإلى تحريم شهادة الزور لكونها سببًا لإبطال الحق، فكتمان الشهادة أيضًا سبب لإبطال الحق، وإلى الحديث الذي أخرجه أحمد من حديث ابن مسعود مرفوعًا: "إن بين يدي الساعة" فذكر أشياء ثم قال: "وظهور شهادة الزور، وكتمان شهادة الحق"، انتهى من "الفتح" (٥).
стр. 1814
(١١ - باب شهاة الأعمى وأمره ونكاحه. . .) إلخ
قال الحافظ (١): مال المصنف إلى إجازة شهادة الأعمى، فأشار إلى الاستدلال لذلك بما ذكر من جواز نكاحه ومبايعته وقبول تأذينه، وهو قول مالك والليث، سواء علم ذلك قبل العمى أو بعده، وفصل الجمهور فأجازوا ما تحمله قبل العمى لا بعده، وكذا ما يتنزل فيه منزلة المبصر؛ كأن يشهده شخص بشيء ويتعلق هو به إلى أن يشهد به عليه، وعن الحكم: يجوز في الشيء اليسير دون الكثير، وقال أبو حنيفة ومحمد: لا تجوز شهادته بحال إلا في ما طريقه الاستفاضة، وليس في جميع ما استدل به المصنف دفع للمذهب المفصل إذ لا مانع من حمل المطلق على المقيد، انتهى.
وفي "الهداية" (٢): لا تقبل شهاة الأعمى، وقال زفر - وهو رواية عن أبي حنيفة -: تقبل فيما يجري فيه التسامع، وقال أبو يوسف والشافعي: يجوز إذا كان بصيرًا وقت التحمل، انتهى مختصرًا.
قال الموفق (٣): تجوز شهادة الأعمى إذا تيقن الصوت، وبه قال مالك. وقال أبو حنيفة والشافعي: لا تقبل شهادته؛ وأجاز الشافعي شهادته بالاستفاضة والترجمة، وإذا أقر عند أذنه ويد الأعمى على رأسه، ثم ضبطه حتى حضر عند الحاكم، فشهد عليه، ولم يجزها في غير ذلك؛ لأن الأصوات تشتبه فلا يحصل اليقين. . .، إلى آخر ما بسطه.
وكتب الشيخ في "اللامع" (٤): الترجمة مبنية على عدم الفرق بين الشهادة والإخبار أو على قياس أحدهما على الآخر، والجامع بناء كل منهما على العلم بالواقعة، وأنت تعلم أن في الشهادة زيادة تأكد على الإخبار، فلذلك لم نجوِّز شهادته وإن قبل إخباره، والجواب عن كل
стр. 1815
ما أورده المؤلف يسير، فأما من ذكره من التابعين فلا معتبر بهم، وأما رد شهادة ابن عباس فلا استحالة فيه، ألا ترى مسروقًا رد شهادة الحسن لأبيه علي رضي الله تعالى عنهم، فلا يبعد أن يرد شهادة ابن عباس لعارض عدم اطلاعه حق الاطلاع على القضية، وإن كان ممن يهتدى به ويقتدى، انتهى.
وبسط الكلام على الباب في "اللامع" وهامشه أشد البسط فارجع إليه.
(١٢ - باب شهادة النساء)
قال ابن المنذر: أجمع العلماء على القول بظاهر هذه الآية، فأجازوا شهادة النساء مع الرجال، وخص الجمهور ذلك بالديون والأموال وقالوا: لا تجوز شهادتهن في الحدود والقصاص، واختلفوا في النكاح والطلاق والنسب والولاء، فمنعها الجمهور وأجازها الكوفيون، قال: واتفقوا على قبول شهادتهن مفردات فيما لا يطلع عليه الرجال كالحيض والولادة والاستهلال وعيوب النساء، واختلفوا في الرضاع كما سيأتي في الباب الذي بعده، وهذا التفصيل لا ينافي الترجمة لأنها معقودة لإثبات شهادتهن في الجملة، واختلفوا في ما لا يطلع عليه الرجال هل يكفي فيه قول المرأة وحدها أم لا؟ فعند الجمهور لا بد من أربع، وعن مالك: يكفي شهادة اثنتين، وعن الشعبي والثوري: تجوز شهادتها وحدها في ذلك وهو قول الحنفية، انتهى من "الفتح" (١).
(١٣ - باب شهادة الإماء والعبيد)
أي: في حال الرق، وقد ذهب الجمهور إلى أنها لا تقبل مطلقًا، وقالت طائفة: تقبل مطلقًا، وقد نقل المصنف بعض ذلك وهو قول أحمد وإسحاق: وقيل: تقبل في الشيء اليسير، وهو قول الشعبي والنخعي وغيرهما، انتهى من "الفتح" (٢).
стр. 1816
وقال القسطلاني (١): واتفقت الأئمة الثلاثة على عدم قبول شهادة العبد مطلقًا؛ لأنه ناقص الحال قليل المبالاة فلا يصلح لهذه الأمانة، وقال الحنابلة: تقبل شهادة عبد حتى في حد وقود نصًا، وعنه: لا تقبل فيهما وهي أشهر، انتهى.
قلت: وظاهر ميل البخاري إلى مذهب الحنابلة، وهو القبول مطلقًا.
(١٤ - باب شهادة المرضعة)
ذكر فيه حديث عقبة بن الحارث في قصة المرأة التي أخبرته أنها أرضعته وأرضعت امرأته، وتقدم في الباب الذي قبله أيضًا، واحتج به مَنْ قَبِل شهادة المرضعة وحدها، قال علي بن سعد: سمعت أحمد يسأل عن شهادة المرأة الواحدة في الرضاع قال: تجوز على حديث عقبة بن الحارث، وهو قول الأوزاعي، وذهب الجمهور إلى أنه لا يكفي في ذلك شهادة المرضعة؛ لأنها شهادة على فعل نفسها. . .، إلى آخر ما في "الفتح" (٢).
وفي هامش "الكوكب الدري" (٣): واختلف الناس في عدد من يقبل شهادتها في الرضاع، فروي عن ابن عباس أنه قال: شهادة المرأة الواحدة جائزة في الرضاع إذا كانت مرضعة، ويستحلف مع شهادتها، وبه قال أحمد بن حنبل، واشترط اليمين، وقال عطاء: لا يجوز في ذلك أقل من أربع نسوة، وإليه ذهب الشافعي، وقال مالك: يجوز شهادة امرأتين، كذا في "البذل" (٤) مختصرًا.
وأما عند الحنفية ففي "الدر المختار" (٥): الرضاع حجته حجة المال، وهي شهادة عدلين أو عدل وعدلتين، ولا تقع الفرقة إلا بتفريق القاضي،
стр. 1817
قال ابن عابدين: أفاد أنه لا يثبت بخبر الواحد امرأة كان أو رجلًا قبل العقد أو بعده، وبه صرَّح في "الكافي" ثم حكى ابن عابدين اختلاف المشايخ في ذلك، انتهى.
قال القسطلاني (١): احتج بالحديث من قبل شهادة المرضعة وحدها، وأجاب الجمهور بحمل النهي في قوله: "فنهاه عنها" على التنزيه، والأمر في قوله: "دعها عنك" على الإرشاد، انتهى.
(١٥ - باب تعديل النساء بعضهن بعضًا)
قال الحافظ (٢): كذا للأكثر، زاد أبو ذر قبله "حديث الإفك" ثم قال: "باب. . ." إلخ. قلت: وهكذا في النسخة الهندية، وقال أيضًا: ساق المصنف فيه حديث الإفك بطوله، والغرض منه هنا سؤاله ﷺ بريرة عن حال عائشة وجوابها ببراءتها واعتماد النبي ﷺ على قولها حتى خطب فاستعذر من عبد الله بن أُبي، وكذلك سؤاله من زينب بنت جحش عن حال عائشة وجوابها ببراءتها أيضًا، وقول عائشة في حق زينب: "هي التي كانت تساميني فعصمها الله بالورع"، ففي مجموع ذلك مراد الترجمة.
قال ابن بطال (٣): فيه حجة لأبي حنيفة في جواز تعديل النساء، وبه قال أبو يوسف، ووافق محمد الجمهور، قال الطحاوي: التزكية خبر وليست شهادة فلا مانع من القبول. وفي الترجمة إشارة إلى قول ثالث وهو أن تقبل تزكيتهن لبعضهن لا للرجال؛ لأن من منع ذلك اعتل بنقصان المرأة عن معرفة وجوه التزكية لا سيما في حق الرجال. وقال ابن بطال: لو قيل إنه تقبل تزكيتهن بقول حسن وثناء جميل يكون إبراء من سوء لكان حسنًا كما في قصة الإفك، ولا يلزم منه قبول تزكيتهن في شهادة توجب أخذ مال، والجمهور على جواز قبولهن مع الرجال فيما تجوز شهادتهن فيه، انتهى.
стр. 1818
وفي "المغني" (١): لا يقبل الجرح والتعديل من النساء، قال أبو حنيفة: يقبل لأنه لا يعتبر فيه لفظ الشهادة، فاشتبه الرواية، انتهى.
وفي "الهداية" (٢): لأبي حنيفة أن التزكية في معنى الشهادة، فيشترط فيه العدد كما يشترط العدالة فيه، وتشترط الذكورة في المزكي في الحدود والقصاص. . .، إلى آخر ما قال، ثم ذكر في هامش "اللامع" (٣) ها هنا أبحاث مما يتعلق بشرح حديث الإفك هذا، فارجع إليه.
(١٦ - باب إذا زكى رجل رجلًا كفاه. . .) إلخ
قال الحافظ (٤): ترجم في أوائل الشهادات "تعديل كم يجوز؟ " فتوقف هناك، وجزم هنا بالاكتفاء بالواحد، وقد قدمت توجيهه هناك، واختلف السلف في اشتراط العدد في التزكية، كما تقدم في الباب المذكور، فارجع إليه.
(١٧ - باب ما يكره من الإطناب في المدح. . .) إلخ
قال القسطلاني (٥): قوله: (وليقل) أي: المادح في الممدوح (ما يعلم) ولا يتجاوزه، ثم قال بعد ذكر الحديث: ولم يأت المؤلف بما يدل لجزء الترجمة الأخير، ويحتمل أن يقال: إن الذي يطنب لا بد أن يقول ما لا يعلم، أو أن حديثي أبي بكرة وأبي موسى متحدان، وقد قال في حديث أبي بكرة: إن كان يعلم ذلك منه، ولا كراهة في مدح الرجل الرجل في وجهه إنما المكروه الإطناب، انتهى.
(١٨ - باب بلوغ الصبيان وشهادتهم)
أي: حدّ بلوغهم وحكم شهادتهم هل هي معتبرة أم لا؟
стр. 1819
وقوله: (وبلوغ النساء) بجر بلوغ عطفًا على قوله: "بلوغ الصبيان" وهو من الترجمة، والذي في الفرع الرفع مبتدأ وخبره قوله: "في الحيض". وقد أجمعوا على أن الحيض بلوغ في حق النساء، انتهى من "القسطلاني" (١).
قال ابن بطال: أجمع العلماء أن الاحتلام في الرجال والحيض في النساء هو البلوغ الذي يلزم به العبادات وغيرها، واختلفوا فيمن تأخر احتلامه من الرجال أو حيضه من النساء، فقال أحمد وإسحاق ومالك: الإنبات، أو أن يبلغ من السن ما يعلم أن مثله قد بلغ، وقال ابن القاسم: وذلك سبع عشر سنة أو ثمان عشر، وفي النساء هذه الأوصاف أو الحبل، إلا أن مالكًا لا يقيم الحد بالإنبات ما لم يحتلم أو يبلغ من السن ما يعلم أن مثله لا يبلغه حتى يحتلم، فيكون عليه الحد، وأما أبو حنيفة فلم يعتبر الإنبات، وقال: حد البلوغ في الجارية سبع عشرة، وفي الغلام تسع عشرة، وفي رواية: ثماني عشرة وهو قول الثوري، ومذهب الشافعي: أن الإنبات علامة بلوغ الكافر لا المسلم، واعتبر خمس عشرة سنة في الذكور والإناث، وبه قال أبو يوسف ومحمد، انتهى من "العيني" (٢).
ونقل عن شيخنا الشيخ الكَنكَوهي قُدِّس سرُّه في تذكرته "تذكرة الرشيد": أن الإنبات يعتبر عند الضرورة، انتهى.
وقال الحافظ (٣): وأما شهادة الصبيان فردها الجمهور، واعتبرها مالك في جراحاتهم بشرط أن يضبط أول قولهم قبل أن يتفرقوا، وقبل الجمهور أخبارهم إذا انضمت إليها قرينة، انتهى.
وفي "العيني" (٤): اختلفوا في شهادة الصبيان، فعن النخعي: تجوز شهادة بعضهم على بعض، وعن علي وشريح وغيرهما مثله، وقالت طائفة:
стр. 1820
لا يجوز شهادتهم، روي هذا عن الكوفيين والشافعي وأحمد وإسحاق وغيرهم، وذكر مذهب مالك نحو ما تقدم، انتهى مختصرًا من هامش "اللامع" (١).
وذكر فيه عن أحمد ثلاث روايات: مثل الجمهور، والثانية مثل مالك، والثالثة تقبل إذا كان ابن عشر.
ثم قال الحافظ (٢): قد اعترض بأنه ترجم بشهادتهم وليس في حديثي الباب ما يصرَّح بها، وأجيب بأنه مأخوذ من الاتفاق على أن من حكم ببلوغه قبلت شهادته إذا اتصف بشرط القبول، ويرشد إليه قول عمر بن عبد العزيز: "إنه لحد بين الصغير والكبير"، انتهى.
وأجاب عنه العيني (٣): بأنه ترجم بها، ولكنه لم يظفر بشيء من ذلك على شرطه، وقال الكرماني (٤): استفاد الشهادة من القياس على سائر الأحكام من حيث الإجازة للصبي ولا غسل عليه، انتهى مختصرًا.
(١٩ - باب سؤال الحاكم المدعي: هل لك بيِّنة؟. . .) إلخ
قال الحافظ (٥): قوله في الترجمة: "قبل اليمين" أي: قبل يمين المدعى عليه، وهو المطابق للترجمة ولا يصح حمله على المدعي بأن يطلب منه الحاكم يمين الاستظهار بأن بيِّنته شهدت له بحق؛ لأنه ليس في حديث الأشعث تعرض لذلك، بل فيه ما قد يتمسك به في أن يمين الاستظهار غير واجبة، انتهى.
(٢٠ - باب اليمين على المدعى عليه. . .) إلخ
أي: دون المدعي، ويستلزم ذلك شيئين: أحدهما: أن لا تجب يمين الاستظهار، والثاني: أن لا يصح القضاء بشاهد واحد ويمين المدعي،
стр. 1821
واستشهاد المصنف بقصة ابن شبرمة يشير إلى أنه أراد الثاني، وقوله: "في الأموال والحدود" يشير بذلك إلى الرد على الكوفيين في تخصيصهم اليمين على المدعى عليه في الأموال دون الحدود، انتهى.
فهذه ثلاث مسائل.
وها هنا مسألة أخرى أيضًا خلافية، وهي رد اليمين على المدعي، فهذه أربع مسائل مناسبة للباب، أراد المصنف بيان الاثنين منها وهي المسألة الثانية والثالثة.
أما الأولى منهما وهي مسألة القضاء بشاهد واحد ويمين المدعي، ففي "الأوجز" (١) عن "المغني" (٢): أكثر أهل العلم يرون ثبوت المال لمدعيه بشاهد ويمين، روي ذلك عن أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، وهو قول الفقهاء السبعة ومالك والشافعي، وقال النخعي وأصحاب الرأي: لا يقضى بشاهد واحد ويمين، وقال محمد بن الحسن: من قضى بالشاهد واليمين نقضت حكمه، انتهى.
قلت: وميل البخاري إلى مسلك الحنفية، واستدل عليه بالحصر في قوله ﷺ : "شاهداك أو يمينه" وبقصة ابن شبرمة، وبحديث ابن عباس.
وأما المسألة الثانية منهما وهي التي أشار إليها بقوله: "في الأموال والحدود"، قال الحافظ: يشير بذلك إلى الرد على الكوفيين في تخصيصهم اليمين على المدعى عليه في الأموال دون الحدود، وذهب الشافعي والجمهور إلى القول بعموم ذلك في الأموال والحدود والنكاح ونحوه، واستثنى مالك النكاح والطلاق. . .، إلى آخر ما قال.
قلت: نسبة ذلك إلى الجمهور بعيد من مثل الحافظ قُدِّس سره، فقد بسط الخلاف فيه في "الأوجز" وهامش "اللامع" (٣) عن الموفق وغيره، وفي
стр. 1822
آخره: وقد عرفت من ذلك أن الإمامين مالكًا وأحمد أيضًا خصاه بالأموال دون الحدود، فلم يبق من الأئمة الأربعة إلا الإمام الشافعي وحده، وأما مالك وأحمد فهما مع الحنفية في هذه المسألة، فتدبر.
وأما المسألة الأولى والرابعة فسيأتي الكلام عليهما في الباب الآتي.
(باب)
بغير ترجمة، قال القسطلاني (١): باب من غير ترجمة وهو ساقط عند أبوي ذر والوقت، ولم يتعرض الحافظ لهذا الباب في "الفتح" وهو موجود في متن "الفتح"، قال العيني (٢): قد مرَّ غير مرة أن الباب إذا كان مجردًا يكون كالفصل من الباب الذي قبله، انتهى.
ومع ذلك لم يتعرض العيني لغرض الباب، وقال القسطلاني (٣) بعد ذكر الحديث: استدل بهذا الحصر على رد القضاء بالشاهد واليمين، فجعل القسطلاني هذا الحديث المذكور في الباب المجرد مطابقًا بالباب السابق.
والأوجه عند هذا العبد الضعيف - عفا الله عنه -: أن مسألة القضاء بشاهد ويمين تقدمت كالنص في الباب السابق، ولما فصل المصنف هذا الحديث بباب بلا ترجمة فينبغي أن يحمل هذا الباب على المسألتين الباقيتين من المسائل الأربعة المذكورة في الباب السابق، وهي المسألة الأولى والرابعة، فأشار الإمام البخاري بهذا الباب إلى هاتين المسألتين، أما المسألة الرابعة فأثبتها بالحصر في قوله ﷺ : "شاهداك أو يمينه" فإنه ﷺ جعل اليمين نصيب المدعى عليه، قال صاحب "الهداية" (٤): ولا ترد اليمين على المدعي، لقوله ﵊: "البيِّنة على المدعي واليمين على من أنكر" والقسمة تنافي الشركة، انتهى مختصرًا.
стр. 1823
وبسط الكلام على المسألة في "الأوجز" (١) وفيه عن "المغني" (٢): إن قال - أي: المدعى عليه -: ما أريد أن أحلف، أو سكت، فلم يذكر شيئًا نظرنا في المدّعَى، فإن كان مالًا، أو المقصود منه مال قضي عليه بنكوله، ولم ترد اليمين على المدعي، نص عليه أحمد، وبهذا قال أبو حنيفة، واختار أبو الخطاب أن له رد اليمين على المدعي، وهو قول أهل المدينة، وبه قال شريح ومالك في المال خاصة، وقاله الشافعي في جميع الدعاوى، ولنا قوله ﷺ : "ولكن اليمين على المدعى عليه" فحصرها في جانب المدعى عليه، فأما غير المال، وما لا يقصد به المال، فلا يقضى فيه بالنكول، نص عليه أحمد في القصاص، انتهى مختصرًا.
وأما المسألة الأولى وهي مسألة الاستظهار تقدم ذكرها في كلام الحافظ مجملًا في الباب السابق، قال العيني (٣) في الباب المذكور: هذه الترجمة مشتملة على حكمين: أحدهما أن لا يجب يمين الاستظهار، وفيه اختلاف العلماء، وهو أن المدعي إذا أثبت ما يدعيه ببينة فللحاكم أن يستحلفه أن بَيِّنته شهدت بحق، وإليه ذهب شريح والنخعي والأوزاعي وغيرهم، وذهب مالك والكوفيون والشافعي وأحمد إلى أنه لا يمين عليه، وقال إسحاق: إذا استراب الحاكم أوجب ذلك، والحجة لهم حديث ابن مسعود الذي مضى في الباب السابق من حيث إنه ﷺ لم يقل للأشعث: تحلف مع البينة، فلم يوجب على المدعي غير البينة، انتهى.
قلت: والحديث الذي أشار إليه العيني هو الذي ذكره البخاري في هذا الباب المجرد، وفيه قوله ﷺ : "شاهداك أو يمينه" بالحصر، فهذا يشير إلى أن الإمام البخاري أشار بباب مجرد إلى هذه المسألة.
ثم لا يذهب عليك أن ها هنا مسألة أخرى، وهي خامسة لا تلتبس
стр. 1824
عليك بالرابعة وهي مسألة الخلطة التي ذكرها الإمام مالك في "موطئه" (١) عن عمر بن عبد العزيز: أنه إذا جاء الرجل يدعي على الرجل حقًا نظر، فإن كانت بينهما مخالطة أحلف الذي ادعي عليه، وإن لم يكن شيء من ذلك لم يحلفه.
قال الزرقاني (٢): ذهب الأئمة الثلاثة وغيرهم إلى توجه اليمين على المدعى عليه، سواء كان بينهما خلطة أم لا؛ لعموم حديث ابن عباس في الصحيحين: "أن النبي ﷺ قضى باليمين على المدعى عليه"، لكن حمله مالك وموافقوه على ما إذا كانت بينهما خلطة، لئلا يتبذل أهل السفه أهل الفضل بتحليفهم مرارًا في اليوم الواحد، فاشترطت الخلطة لهذه المفسدة، انتهى، وحكي ذلك عن أحمد أيضًا (٣).
(٢١ - باب إذا ادعى أو قذف. . .) إلخ
قال القسطلاني (٤): قوله: (فله أن يلتمس. . .) إلخ، أي: للمدعي أو للقاذف أن يلتمس، أي: يمهل "لطلب البينة" ونحوها كالنظر في الحساب ثلاثة أيام فقط، وهل هذا الإمهال واجب أو مستحب؟ قال الروياني: وإذا أمهلناه ثلاثًا فأحضر شاهدًا بعدها وطلب الإنظار ليأتي بالشاهد الثاني أمهلناه ثلاثة أخرى، انتهى.
قال الحافظ (٥): أورد فيه طرفًا من حديث ابن عباس في قصة المتلاعنين، والغرض منه تمكين القاذف من إقامة البينة على زنا المقذوف لدفع الحدِّ عنه، وإذا ثبت ذلك للقاذف ثبت لكل مدع من باب الأولى، انتهى مختصرًا.
стр. 1825
(٢٢ - باب اليمين بعد العصر)
قال صاحب "الفيض" (١): وفيه تغليظ بالزمان، واعتبره الشافعية بالزمان والمكان، ولا تغليظ عندنا إلا بالأسماء الإلهية، نحو أن يقول: بالله العزيز، المحيي المميت. . . إلخ، كما في "شرح الوقاية" (٢)، وقد أشار البخاري إلى عدم التغليظ بحسب المكان، حيث قال - في الباب الآتي -: ولا يصرف من موضع إلى غيره. . . إلخ، انتهى.
قال الحافظ (٣): أثبت المصنف التغليظ بالزمان ونفى التغليظ بالمكان، انتهى مختصرًا.
وبسط الكلام على المسألة في "الأوجز" (٤) وفيه عن "الشرح الكبير" (٥) لابن قدامة: إن رأى الحاكم تغليظها بلفظ أو زمن أو مكان جاز، وظاهر كلام الخرقي أن اليمين لا تغلظ إلا في حق أهل الذمة، ولا تغلظ في حق المسلم، وممن قال لا يشرع التغليظ بالزمان والمكان في حق مسلم أبو حنيفة وصاحباه، وقال مالك والشافعي: تغلظ ثم اختلفا، فذكر الموفق (٦) اختلافهما في تعيين المكان والنصاب، كما بسط في "الأوجز" (٧).
وقال الحافظ (٨): قال المهلب (٩): إنما خص النبي ﷺ هذا الوقت لتعظيم الإثم على من حلف فيه كاذبًا لشهود ملائكة الليل والنهار ذلك الوقت، انتهى.
قال الحافظ: وفيه نظر؛ لأن بعد صلاة الصبح يشاركه مشهود
стр. 1826
الملائكة، ولم يأت فيه ما أتى في وقت العصر، ويمكن أن يكون اختص بذلك لكونه وقت ارتفاع الأعمال، انتهى.
(٢٣ - باب يحلف المدعى عليه حيث ما وجبت عليه اليمين. . .) إلخ
قال الحافظ (١): قوله: "ولا يصرف" أي: وجوبًا، وهو قول الحنفية والحنابلة، وذهب الجمهور إلى وجوب التغليظ، ففي المدينة عند المنبر، وبمكة بين الركن والمقام، وبغيرهما بالمسجد الجامع، واتفقوا على أن ذلك في الدماء والمال الكثير لا في القليل، واختلفوا في حد القليل والكثير في ذلك، انتهى.
والبسط في "الأوجز" فارجع إليه، وتقدم في الباب السابق أيضًا.
قوله: (ولم يخص مكانًا. . .) إلخ، هو من تفقه المصنف، وقد اعترض عليه بأنه ترجم لليمين بعد العصر، فأثبت التغليظ بالزمان ونفى هنا التغليظ بالمكان، فإن صح احتجاجه بأن قوله: "شاهداك أو يمينه" لم يخص مكانًا دون مكان فليحتج عليه بأنه أيضًا لم يخص زمانًا دون زمان، فإن قال: ورد التغليظ في اليمين بعد العصر، قيل له: ورد التغليظ في اليمين على المنبر في حديث جابر مرفوعًا: "لا يحلف أحد عند منبري هذا" الحديث، أخرجه مالك وأبو داود وغيرهما، وكذا في حديث أبي أمامة مرفوعًا، أخرجه النسائي - وذكر الحافظ حديثين بتمامهما - ويجاب عنه بأنه لا يلزم من ترجمة اليمين بعد العصر أنه يوجب تغليظ اليمين بالمكان، بل له أن يقلب المسألة فيقول: إن لزم من ذكر تغليظ اليمين بالمكان أنها تغلظ على كل حالف، فيجب التغليظ عليه بالزمان أيضًا لثبوت الخبر بذلك، انتهى.
стр. 1827
(٢٤ - باب إذا تسارع القوم في اليمين)
قال العلَّامة العيني (١): يعني: قوم وجبت عليهم اليمين فتسارعوا جميعًا أيهم يبدأ أولًا، وجواب "إذا" محذوف بيَّنه الحديث، يعني: يقرع بينهم، وهو الجواب، ثم قال بعد ذكر الحديث: قال الخطابي: وإنما يفعل كذلك إذا تساوت درجاتهم في استحباب الاستحلاف، مثل أن يكون الشيء في يد اثنين، كل واحد منهما يدعيه كله، يريد أحدهما أن يحلف ويستحق، ويريد الآخر مثل ذلك، فيقرع بينهما، فمن خرجت له القرعة حلف واستحقه، وكذا إذا كثر الخصوم ولم يعلم أيهما السابق فيسهم بينهم، انتهى.
وقد تقدم الكلام على القرعة من حيث الفقه في "باب الاستهام" من "كتاب الأذان"، وتقدم أيضًا في "باب هل يقرع في القسمة"، من "كتاب الشركة".
(٢٥ - باب قول الله : ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ. . .﴾ إلخ [آل عمران: ٧٧])
قال العيني (٢): أي: هذا باب في بيان الوعيد الشديد الذي تتضمنه هذه الآية الكريمة في حق الذين يرتكبون الأيمان الكاذبة الفاجرة الآثمة، وقد ذمهم الله تعالى بقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ﴾ الآية، انتهى.
قال الحافظ: ذكر فيه حديث ابن أبي أوفي في سبب نزولها، وحديث ابن مسعود والأشعث في نزولها أيضًا، ولا تعارض بينهما لاحتمال أن تكون نزلت في كل من القصتين، انتهى من "الفتح" (٣).
стр. 1828
(٢٦ - باب كيف يستحلف؟. . .) إلخ
على بناء المجهول، وغرضه بذلك أنه لا يجب تغليظ الحلف بالقول، قال ابن المنذر: اختلفوا، فقالت طائفة: يحلفه بالله من غير زيادة، وقال مالك: يحلفه بالله الذي لا إله إلا هو، وكذا قال الكوفيون والشافعي، قال: فإن اتهمه القاضي غلظه عليه، فيزيد: عالم الغيب والشهادة الرحمن الرحيم، الذي يعلم من السر ما يعلم من العلانية، ونحو ذلك، قال ابن المنذر: وبأي ذلك استحلفه أجزأ، والأصل في ذلك أنه إذا حلف بالله صدق عليه أنه حلف اليمين.
وقوله: (ولا يحلف بغير الله) هو من كلام المصنف على سبيل التكميل للترجمة، انتهى من "الفتح" (١).
وتعقب العلَّامة العيني (٢) على ما أفاده الحافظ من غرض الترجمة، وقال: قلت: غرضه بذلك الإشارة إلى أن أصل اليمين أن تكون بلفظ الله، لما يذكر عن قريب من حديث عبد الله بن مسعود، انتهى.
(٢٧ - باب من أقام البيِّنة بعد اليمين. . .) إلخ
كتب الشيخ قُدِّس سرُّه في "اللامع" (٣): أي: إذا لم تكن للمدعي بيِّنة، فقضي بيمين المدعى عليه ثم وجد المدعي البينة هل يقضى بالبينة؟ نعم، انتهى.
وفي هامشه: قال العيني (٤): وجواب "من" محذوف، تقديره: هل تقبل البينة أم لا؟ وإنما لم يصرِّح به لمكان الخلاف فيه على عادته، فالجمهور على أنها تقبل، وإليه ذهب الثوري والكوفيون والشافعي وأحمد، وقال مالك في "المدونة": إن استحلفه وهو لا يعلم بالبينة ثم علمها، قضى
стр. 1829
له بها، وإن استحلفه ورضي بيمينه تاركًا البينة، وهي حاضرة أو غائبة، فلا حق له إذا شهدت له، وقال ابن أبي ليلى: لا تقبل بينته بعد استحلاف المدعى عليه، وبه قال أبو عبيد وأهل الظاهر، انتهى، وهكذا في "الفتح" (١) مختصرًا.
(٢٨ - باب من أمر بإنجاز الوعد. . .) إلخ
قال الحافظ (٢): وجه تعلق هذا الباب بأبواب الشهادات أن وعد المرء كالشهادة على نفسه، قاله الكرماني (٣)، وقال المهلب: إنجاز الوعد مأمور به مندوب إليه عند الجميع، وليس بفرض لاتفاقهم على أن الموعود لا يضارب بما وعد به مع الغرماء، انتهى.
ونقل الإجماع في ذلك مردود، فإن الخلاف مشهور، لكن القائل به قليل، وأجلّ من قال به عمر بن عبد العزيز، وعن بعض المالكية: إن ارتبط الوعد بسبب وجب الوفاء به وإلا فلا. . .، إلى آخر ما قال، وقد تقدم في "باب إذا وهب هبة أو وعد" أن الظاهر أن ميل الإمام البخاري إلى أن إيفاء الوعد واجب، فإنه ترجم بلفظ "من أمر. . ." إلخ.
(٢٩ - باب لا يسأل أهل الشرك عن الشهادة وغيرها. . .) إلخ
قال العلَّامة القسطلاني (٤): قوله: "لا يسأل" بضم أوله مبنيًا للمفعول، انتهى.
قال الحافظ (٥): هذه الترجمة معقودة لبيان حكم شهادة الكفار، وقد اختلف في ذلك السلف على ثلاثة أقوال، وذهب الجمهور إلى ردها مطلقًا، وذهب بعض التابعين إلى قبولها مطلقًا إلّا على المسلمين وهو مذهب
стр. 1830
الكوفيين، فقالوا: تقبل شهادة بعضهم على بعض، وهي إحدى الروايتين عن أحمد وأنكرها بعض أصحابه، واستثنى أحمد حالة السفر فأجاز فيها شهادة أهل الكتاب كما سيأتي بيانه أواخر الوصايا إن شاء الله تعالى، وقال الحسن وإسحاق وغيرهما: لا تقبل ملة على ملة وتقبل بعض الملة على بعضها لقوله تعالى: ﴿فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [المائدة: ١٤]، وهذا أعدل الأقوال لبعده عن التهمة، واحتج الجمهور بقوله تعالى: ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ [البقرة: ٢٨٢] وبغير ذلك من الآيات والأحاديث، انتهى.
قال القسطلاني (١) في شرح الترجمة: إذ لا تقبل شهادتهم خلافًا للحنفية حيث قالوا بقبولها لأهل الذمة على بعضهم وإن اختلفت مللهم؛ لأنه ﵊ رجم يهوديين زنيا بشهادة أربعة منهم، انتهى.
وبسط الكلام على المسألة في "الأوجز" (٢).
(٣٠ - باب القرعة في المشكلات)
وفي "الفيض" (٣): وهي عندنا لتطييب الخاطر لا غير، ولا تقوم حجة على أحد، ولم يأت فيه المصنف بما يكون من باب الحكم، وما أتى به فكله من باب الديانات، انتهى.
أي: مشروعيتها، ووجه إدخالها في "كتاب الشهادات" أنها من جملة البينات التي تثبت بها الحقوق، فكما تقطع الخصومة والنزاع بالبينة كذلك تقطع بالقرعة، ومشروعية القرعة مما اختلف فيه، والجمهور على القول بها في الجملة، وأنكرها بعض الحنفية، وحكى ابن المنذر عن أبي حنيفة القول بها، وجعل المصنف ضابطها الأمر المشكل، وفسَّرها غيره بما ثبت فيه
стр. 1831
الحق لاثنين فأكثر وتقع المشاححة فيه فيقرع لفصل النزاع. . .، إلى آخر ما في "الفتح" (١).
ثم البراعة عند الحافظ في قوله: "لأتوهما ولو حبوًا"، فإنها شدة المرض.
والأوجه عندي: في قصة وفاة عثمان بن مظعون، فإنها لا تختص عندي بآخر الحديث بل بآخر الباب، ويمكن أن يقال: في قوله: "لاستهموا" على أحد المعنيين وهو الترامي، فتدبر.
* * *
стр. 1832
٥٣ - كتاب الصلح
قال العيني (١): الصلح في اللغة: اسم بمعنى المصالحة، وهي المسالمة، خلاف المخاصمة، وأصله من الصلاح ضد الفساد، وفي الشرع: الصلح عقد يقطع النزاع بين المدعي والمدعى عليه، انتهى.
قال الحافظ (٢): الصلح أقسام: صلح المسلم مع الكافر، والصلح بين الزوجين، والصلح بين الفئة الباغية والعادلة، والصلح بين المتغاضبين، والصلح في الجراح كالعفو على مال، والصلح لقطع الخصومة إما في الأملاك أو في المشتركات كالشوارع، وهذا الأخير هو الذي يتكلم فيه أصحاب الفروع، وأما المصنف فترجم ها هنا لأكثرها، انتهى.
قلت: والفرق بين أكثر تراجم هذا الكتاب يحتاج إلى دقة النظر وإمعانه، وفي "الفيض" (٣): والصلح على ثلاثة أنحاء: الصلح مع إقرار، ومع سكوت، ومع إنكار، وكله جائز عندنا، وقال الشافعي: لا يجوز إلا الأول، انتهى.
(١ - باب ما جاء في الإصلاح بين الناس. . .) إلخ
هكذا هذا الباب ها هنا في النسخ الهندية بعد "كتاب الصلح"، وهكذا في نسخة العيني وليس في نسخة "الفتح" والقسطلاني لفظ "باب"، بل فيهما "كتاب الصلح، ما جاء في الإصلاح بين الناس".
قال الحافظ (٤): وفي نسخة الصغاني "أبواب الصلح، باب ما جاء" وحذف هذا كله في رواية أبي ذر، واقتصر على قوله: "ما جاء في الإصلاح بين الناس".
стр. 1833
قوله: (وخروج الإمام. . .) إلخ، هذا بقية الترجمة، انتهى.
وكتب الشيخ في "اللامع" (١): قوله: فنزلت ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا﴾. . .) إلخ [الحجرات: ٩]، ولا يرد ما أورده المحشي من أنها نزل في غير تلك الوقعة، ولعل الباعث له على ذلك ما يستبعد من أن المسلمين كيف غضبوا لعبد الله وكان يوم ذاك كافرًا، والجواب أنه غير مستبعد من اقتضاء البشرية، وانجراء الأسر إلى الحمية لقومه وإن لزم فيه الحمية لكافر، ولو سلم فمعنى قوله: فنزلت، أي: في مثل ذلك، أو فقد كانت نزلت، فعمل النبي ﷺ بها فصالح بينهما، انتهى.
وفي هامشه: قال ابن بطال: يستحيل نزولها في قصة عبد الله بن أُبيّ وأصحابه؛ لأن أصحاب عبد الله ليسوا بمؤمنين، وقد تعصبوا له بعد الإسلام في قصة الإفك، وقد رواه البخاري في "كتاب الاستئذان" عن أسامة بن زيد: "أن النبي ﷺ مرَّ في مجلس فيه أخلاط من المشركين والمسلمين وعبدة الأوثان واليهود وفيهم عبد الله بن أُبيّ" فذكر الحديث، فدل على أن الآية لم تنزل فيه، وإنما نزلت في قوم من الأوس والخزرج اختلفوا في حق اقتتلوا بالعصا والنعال، كذا في "التنقيح" (٢)، انتهى.
وبسط الكلام على الحديث الحافظ في "الفتح" (٣).
(٢ - باب ليس الكاذب الذي يصلح بين الناس)
قال الحافظ (٤): ترجم بلفظ "الكاذب"، وساق الحديث بلفظ "الكذاب"، واللفظ الذي ترجم به لفظ معمر عن ابن شهاب وهو عند مسلم، وكان حق السياق أن يقول: ليس من يصلح بين الناس كاذبًا، لكنه ورد على طريق القلب وهو سائغ.
стр. 1834
ثم قال الحافظ: قال الطبري: ذهبت طائفة إلى جواز الكذب لقصد الإصلاح، وقالوا: إن الثلاث المذكورة كالمثال، وقالوا: الكذب المذموم إِنما هو في ما فيه مضرة، أو ما ليس فيه مصلحة، وقال آخرون: لا يجوز الكذب في شيء مطلقًا، وحملوا الكذب المراد هنا على التورية والتعريض كمن يقول للظالم: دعوت لك أمس، وهو يريد قوله: اللهم اغفر للمسلمين، ويعد امرأته بعطية شيء، ويريد إن قدر الله ذلك.
قال الحافظ: وبالأول جزم الخطابي (١) وغيره، وبالثاني جزم المهلب والأصيلي وغيرهما، واتفقوا على جواز الكذب عند الاضطرار، انتهى.
وفي "الفيض" (٢): واعلم أن الكذب جائز في بعض الأحوال عند الشافعية، أما الحنفية فلا أراهم يجوِّزونه صراحة في موضع، نعم وسَّعوا بالكنايات والمعاريض وأمثالها، وراجع له كلام الغزالي ﵀، انتهى.
(٣ - باب قول الإمام لأصحابه: اذهبوا بنا نصلح)
حديث الباب ظاهر فيما ترجم له، انتهى من "الفتح" (٣).
وكتب الشيخ في "اللامع" (٤): يعني: بذلك أن الإمام وإن كان له التعزير والتأديب إلا أن له أن يصالح بينهما وهذا أولى، انتهى.
وما أفاده الشيخ قُدِّس سرُّه واضح لكن الأوجه عند هذا العبد الضعيف: أن ما أفاده الشيخ يناسب ما سيأتي بعد عدة أبواب من "باب هل يشير الإمام بالصلح" وسيأتي هناك اختلاف العلماء في ذلك.
والأوجه عندي في هذا الباب الذي نحن بصدده: دفع ما يتوهم من ظاهر موقف الإمام والقاضي كما هو الظاهر من فروع الفقهاء أن حق الأمير والقاضي هو المخاصمة إليه والترافع إليه في مجلسه، فقد قال ابن عابدين عن
стр. 1835
فتاوى الشيخ قاسم: إنه نقل الإجماع على أن تقدم الدعوى الصحيحة شرط لنفاذ الحكم، وأيد ذلك صاحب "البحر" في رسالة ألفها في ذلك، انتهى.
فنبَّه الإمام البخاري بهذه الترجمة على أن الإمام لو ذهب بنفسه إلى الخصمين ليصلح بينهما لا بأس بذلك.
(٤ - باب قول الله: (﴿أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾ [النساء: ١٢٨])
في سورة النساء، مخبرًا ومشرِّعًا عن حال الزوجين تارة في نفور الرجل عن المرأة وتارة في حال اتفاقه معها وتارة عند فراقه لها ﴿أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا﴾ أي: يصطلحا بأن تحط له بعض المهر أو القسم أو تهب له شيئًا تستمليه به ﴿وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾ أي: من الفرقة وسوء العشرة أو من الخصومة، ويجوز أن لا يراد به التفضيل بل بيان أنه من الخيور كما أن الخصومة من الشرور، قاله البيضاوي، انتهى من "القسطلاني" (١).
(٥ - باب إذا اصطلحوا على صلح جور. . .) إلخ
يجوز في "صلح جور": الإضافة، وأن ينون "صلح" ويكون "جور" صفة له.
ذكر فيه حديث أبي هريرة وزيد بن خالد في قصة العسيف، والغرض منه هنا قوله: "الوليدة والغنم رد عليك" لأنه في معنى الصلح عما وجب على العسيف من الحد، ولما كان ذلك لا يجوز في الشرع كان جورًا، انتهى من "الفتح" (٢).
وهكذا كتب الشيخ في "اللامع" (٣) إذ قال: قوله: "أما الوليدة. . ." إلخ، فيه الترجمة حيث أبطل الشرط الغير المشروع، انتهى.
стр. 1836
وفي "الفيض" (١) تحت الباب: هذا إشارة إلى ما أخرجه الحاكم أن كل صلح جائز إلا ما أحلَّ حرامًا، أو حرّم حلالًا، يعني به أن الصلح إذا تضمن الجور، فهل يعتد به أم لا؟ أما مسألة الصلح مع الإنكار فلم يتعرض لها بعد، وراجع لها "الهداية" (٢) فإنه أجاب عن إيراد الشافعية، انتهى.
(٦ - باب كيف يكتب. . .) إلخ
مبنيًّا للمفعول، أي: كيف يكتب الصلح؟.
قوله: (وان لم ينسبه. . .) إلخ، كتب الشيخ في "اللامع" (٣): يعني بذلك: أن النسب إنما هو للتعين ورفع الإبهام فلو حصل بدونه لم يفتقر إليه، انتهى.
وفي هامشه: قال الحافظ (٤): أي: إذا كان مشهورًا بدون ذلك بحيث يؤمن اللبس فيه فيكتفى في الوثيقة بالاسم المشهور ولا يلزم ذكر الجد والنسب والبلد ونحو ذلك، وأما قول الفقهاء: يكتب في الوثائق اسمه واسم أبيه وجده ونسبه، فهو حيث يخشى اللبس، وإلا فحيث يؤمن اللبس فهو على الاستحباب، انتهى.
قوله: (لما صالح رسول الله ﷺ ) قال الحافظ: سيأتي في "الشروط" بيان سبب ذلك مطولًا، وقد ذكر المصنف هنا هذا الحديث أتم سياقًا (٥)، والغرض منه هنا اقتصار الكاتب على قوله: "محمد رسول الله" ولم ينسبه إلى أب ولا جد، وأقره ﷺ واقتصر على محمد بن عبد الله بغير زيادة، وذلك كله لأمن الالتباس، انتهى.
قوله: (فكتب: هذا ما قاضى) الأصح أن إسناد الكتابة إليه ﷺ مجاز ولا يحسن جعله معجزة حملًا على الحقيقة، إذ لو كتب بيده الشريفة لكان
стр. 1837
للكفار أن يعلموا أنه يكتب فيتحقق بذلك ظنهم أنه شاعر وكاتب ينظر في الكتب وينبئ عنها، وهذا خلاف المقصود، انتهى.
قلت: والمسألة خلافية شهيرة بسط الكلام عليها في "التلخيص الحبير" و"نسيم الرياض" و"تذكرة الحفاظ" في ترجمة أبي الوليد.
وبسط الكلام عليها في هامش "اللامع" (١) فارجع إليه لو شئت.
(٧ - باب الصلح مع المشركين)
قال الحافظ (٢): أي: حكمه أو كيفيته أو جوازه، وسيأتي شرحه وبيانه في "كتاب الجزية" في "باب المصالحة والموادعة مع المشركين بالمال وغيره".
وقال الحافظ (٣) هناك: أما أصل المسألة فاختلف فيه، سئل الأوزاعي عن موادعة إمام المسلمين أهل الحرب على مال يؤديه إليهم فقال: لا يصلح ذلك إلا عن ضرورة كشغل المسلمين عن حربهم، ولا بأس أن يصالحهم على غير شيء يؤدونه إليهم كما وقع في الحديبية، وقال الشافعي: إذا ضعف المسلمون عن قتال المشركين جازت لهم مهادنتهم على غير شيء يعطونهم؛ لأن القتل للمسلمين شهادة، وإن الإسلام أعز من أن يعطى المشركون على أن يكفّوا عنهم، إلا في حالة مخافة اصطلام المسلمين لكثرة العدو؛ وكذلك إذا أسر رجل مسلم فلم يطلق إلا بفدية جاز، انتهى.
وقال العيني (٤) بعد ذكر قول الأوزاعي والشافعي: وقال ابن بطال: ولم أجد لمالك وأصحابه ولا الكوفيين نصًّا في هذه المسألة، قال العيني: مذهب أصحابنا أن للإمام أن يصالحهم بمال يأخذ منهم أو يدفع إليهم إذا كان الصلح خيرًا في حق المسلمين لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ
стр. 1838
لَهَا﴾ [الأنفال: ٦١]، والمال الذي يؤخذ منهم بالصلح يصرف مصارف الجزية، انتهى.
وقال الموفق (١): تجوز مهادنتهم على غير مال لقصة الحديبية، ويجوز ذلك على مال نأخذه منهم؛ فإنها إذا جازت على غير مال، فعلى مال أولى، وأما إن صالحهم على مال نبذله لهم، فقد أطلق أحمد القول بالمنع منه وهو مذهب الشافعي؛ لأن فيه صَغارًا للمسلمين، وهذا محمول على غير حال الضرورة، فأما إن دعت إليه ضرورة، وهو أن يخاف الأسر، فيجوز؛ لأنه للأسير فداء نفسه بالمال، فكذا ها هنا، انتهى.
قوله: (عن أبي سفيان) يشير إلى حديث أبي سفيان في شأن هرقل، وقد تقدم بطوله في أول الكتاب (٢)، والغرض منه قوله في أوله: "إن هرقل أرسل إليه في ركب من قريش في المدة التي هادن فيها رسول الله ﷺ كفار قريش" الحديث، وقوله فيه: "ونحن منه في مدة لا ندري ما هو صانع فيها"، انتهى.
قال القسطلاني (٣): قوله: "عن أبي سفيان" والغرض منه هنا الإشارة إلى مدة الصلح المذكورة في قوله: "ونحن منه في مدة" وغير ذلك، انتهى.
(٨ - باب الصلح في الدية)
أي: بأن يجب القصاص فيقع الصلح على مال معين، ثم قال: وقوله: "زاد الفزاري. . ." إلخ، أي: زاد على رواية الأنصاري ذكر قبولهم الأرش، والذي وقع في رواية الأنصاري "فرضي القوم وعفوا" وظاهره أنهم تركوا القصاص والأرش مطلقًا، فأشار المصنف إلى الجمع بينهما بأن قوله: "عفوا"، محمول على أنهم عفوا عن القصاص على قبول الأرش جمعًا بين الروايتين، انتهى من "الفتح" (٤).
стр. 1839
(٩ - باب قول النبي ﷺ للحسن بن علي: "ابني هذا سيد. . .") إلخ
قال الحافظ (١): اللام في قوله: "للحسن" بمعنى: عن، وترجم المصنف بلفظ الحديث احترازًا وأدبًا، وكذلك ترجم بنحوه في "كتاب الفتن"، وقوله جل ذكره: ﴿فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾ [الحجرات: ٩] لم يظهر لي مطابقة الحديث لهذا القدر من الترجمة، إلا إن كان يريد أنه ﷺ كان حريصًا على امتثال أمر الله، وقد أمر بالإصلاح، وأخبر ﷺ أن الصلح بين الفئتين المختلفتين سيقع على يد الحسن، انتهى.
وقال العلَّامة العيني (٢): أشار بذكر هذه القطعة من الآية الكريمة إلى أن الصلح أمر مشروع ومندوب إليه، انتهى، وتبعه القسطلاني (٣) في ذلك.
قلت: وبه يندفع إيراد الحافظ، فإن هذا الجزء من الترجمة مثبت للجزء السابق لا مثبت بالفتح، فلا يحتاج حينئذ إلى إثباته بحديث الباب، وهو الأصل الستون من أصول التراجم كما تقدم في الجزء الأول.
(١٠ - باب هل يشير الإمام بالصلح ؟)
أشار بهذه الترجمة إلى الخلاف، فإن الجمهور استحبوا للحاكم أن يشير بالصلح وإن اتجه الحق لأحد الخصمين، ومنع من ذلك بعضهم وهو عن المالكية، وزعم ابن التِّين أنه ليس في حديثي الباب ما ترجم به، وإنما فيه الحض على ترك بعض الحق، وتعقب بأن الإشارة بذلك بمعنى الصلح، على أن المصنف ما جزم بذلك فكيف يعترض عليه؟ من "الفتح" (٤).
وفي "الفيض" (٥): ففي "الدر المختار": أنه يستحب للقاضي أن يشير إلى المتخاصمين أولًا بالصلح، ثم يحكم بما حكم الله به، انتهى.
стр. 1840
(١١ - باب فضل الإصلاح بين الناس. . .) إلخ
قال ابن المنيِّر (١): ترجم على الإصلاح والعدل، ولم يورد في هذا الحديث إلا العدل، لكن لما خاطب الناس كلهم بالعدل وقد علم أن فيهم الحكام وغيرهم، كان عدل الحاكم إذا حكم، وعدل غيره إذا أصلح، وقال غيره: الإصلاح نوع من العدل، فعطف العدل عليه من عطف العام على الخاص، انتهى من "الفتح" (٢).
ثم إن هذه الترجمة بظاهرها مكررة بما سبق نحوها في أول الكتاب، ولم يتعرض له الشرَّاح، اللَّهم إلا أن يقال بالفرق بين الإصلاح المذكور ثمة وبين الإصلاح المذكور ها هنا، فيمكن أن يقال: إن المراد بالإصلاح هناك إصلاح ذات البين، ورفع النزاع بين الناس، وإطفاء نار الفتنة، ويؤيد هذا المعنى الباب الذي يليه "ليس الكاذب الذي يصلح بين الناس" وأما الإصلاح المذكور ها هنا فالمراد به العدل في الحكم والقضاء، لا رفع النزاع الواقع بين الناس، فتأمل.
(١٢ - باب إذا أشار الإمام بالصلح فأبى. . .) إلخ
أي: امتنع من عليه الحق من الصلح، قاله القسطلاني (٣).
وكتب الشيخ في "اللامع" (٤): يعني بذلك: أنه إذا حكم بأمر هو أصلح للفريقين كليهما، وإن كان فيه تأخير لحق أحدهما إلى بعض وقت آخر وليس فيه كثير ضرر له، ثم لم يرض الفريق الذي قضى فيه لنفعه فللإِمام أن يحكم بعد ذلك باستيفاء صاحب الحق حقه وإن كان فيه ضرر الآخر، انتهى.
ولا يتوهم التكرار بين هذه الترجمة وبين ما سبق من "باب هل يشير
стр. 1841
الإمام بالصلح؟ " فإن محط الغرض ها هنا هو قوله: "فأبى، حكم عليه بالحكم البين" فلا تكرار.
(١٣ - باب الصلح بين الغرماء)
قال الحافظ (١): قوله: (والمجازفة في ذلك) أي: عند المعاوضة، ومراده أن المجازفة في الاعتياض عن الدين جائزة، وإن كانت من جنس حقه وأقل، وأنه لا يتناوله النهي إذ لا مقابلة من الطرفين، انتهى.
(١٤ - باب الصلح بالدين والعين)
قال ابن التِّين: ليس في الحديث ما ترجم به، وأجيب بأنه فيه الصلح فيما يتعلق بالدين، وكأنه ألحق به الصلح فيما يتعلق بالعين بطريق الأولى، قال ابن بطال (٢): اتفق العلماء على أنه إن صالح غريمه عن دراهم بدراهم أقل منها جاز إذا حل الأجل، فإذا لم يحل الأجل لم يجز أن يحط عنه شيئًا قبل أن يقبضه مكانه، وإن صالحه بعد حلول الأجل عن دراهم بدنانير، أو عكسه جاز واشترط القبض، انتهى من "الفتح" (٣).
ثم البراعة عند الحافظ في قوله: "قم فاقضه"، انتهى، فإنه مشير إلى الاختتام إذ لم يبق شيء بعد القضاء، ولا يبعد عندي أنها في قوله: "وهو في بيته" فإن لفظ "البيت" يطلق على القبر أيضًا، فافهم كما تقدم في آخر المواقيت.
* * *
стр. 1842
٥٤ - كتاب الشروط
قال الحافظ (١): كذا لأبي ذر، وسقط "كتاب الشروط" لغيره. والشروط جمع شرط بفتح أوله وسكون الراء، وهو ما يستلزم نفيه نفي أمر آخر غير السبب.
وقال العيني (٢): الشرط: العلامة، وفي الاصطلاح: ما يتوقف عليه وجود الشيء ولم يكن داخلًا فيه، وقيل: ما يلزم من انتفائه انتفاء المشروط، ولا يلزم من وجوده وجود المشروط.
(١ - باب ما يجوز من الشروط في الإسلام. . .) إلخ
قال الحافظان (٣) ابن حجر والعيني: المراد به ههنا بيان ما يصح منها مما لا يصح، وقوله: "في الإسلام" عند الدخول فيه، فيجوز مثلًا أن يشترط الكافر أنه إذا أسلم لا يكلف بالسفر من بلد إلى بلد مثلًا، ولا يجوز أن يشترط أن لا يصلي مثلًا، وقوله: "والأحكام" أي: العقود والمعاملات، وقوله: "والمبايعة" من عطف الخاص على العام، انتهى.
وكتب الشيخ في "اللامع" (٤): الظاهر أنه قصد بذلك إثبات أن كل شرط هو مخالف لأمر الشارع فهو رد، لا يجوز العمل بمقتضاه، وما كان بخلاف ذلك فهو أحق شيء بالوفاء، والدليل عليه ما نسخ الله تعالى من شرط ردِّ النساء إلى الكفار فإنهن كن داخلة في الشرط، ومع ذلك فلما كان ردهن تعريضًا للفتنة في الدين، ولا كذلك في الرجال فإنهم على مكنة