← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 853

الأبواب والتراجم لصحيح البخاري

محمد زكريا الكاندهلوي

Полный текст (3 740 стр.). Показаны 1873–1912 · переход к 1878.

стр. 1873

(٣٠ - باب وقف الأرض للمسجد) قال ابن المنيِّر: لعل البخاري أراد الرد على من خصَّ جواز الوقف بالمسجد، وكأنه قال: قد نفذ وقف الأرض المذكورة قبل أن تكون مسجدًا فدل على أن صحة الوقف لا تختص بالمسجد، ووجه أخذه من حديث الباب أن الذين قالوا: لا نطلب ثمنها إلا إلى الله، كأنهم تصدقوا بالأرض المذكورة فتم انعقاد الوقف قبل البناء. قلت: ولا يخفى تكلفه، انتهى من "الفتح" (١). (٣١ - باب وقف الدواب والكراع. . .) إلخ قال الحافظ (٢): هذه الترجمة معقودة لبيان وقف المنقولات، و"الكراع" بضم الكاف وتخفيف الراء اسم لجميع الخيل، فهو بعد الدواب من عطف الخاص على العام، و"العروض" بضم المهملة جمع عرض بالسكون وهو جميع ما عدا النقد من المال، و"الصامت" ضد الناطق، والمراد به من النقد الذهب والفضة، ووجه أخذ ذلك من حديث الباب المشتمل على قصة فرس عمر أنها دالة على صحة وقف المنقولات فيلحق به ما في معناه من المنقولات إذا وجد الشرط وهو تحبيس العين، فلا تباع ولا توهب بل ينتفع بها، والانتفاع في كل شيء بحسبه، انتهى. قال القسطلاني (٣): مطابقة الحديث للترجمة في قوله: "حمل على فرس في سبيل الله" قاله العيني (٤)، وفيه نظر؛ لأنه إنما تصدق به على الرجل من غير أن يقفه، إلى آخر ما ذكر فارجع إليه لو شئت. ويشكل ههنا وقف الصامت، إذ المراد منه النقدان ولا يصدق عليه تعريف الوقف من تحبيس الأصل وتصدق المنافع، وأجاب عنه

стр. 1874

الحافظ (١) بأنه يمكن الانتفاع بالصامت بطريق الارتفاق بأن يحبس مثلًا منه ما يجوز لبسه للمرأة فيصح بأن يحبس أصله وينتفع به النساء باللبس عند الحاجة إليه، انتهى. والأوجه عندي: أن الإمام البخاري ذكر أثر الزهري لهذا الإشكال، وأشار إليه فإن من ذهب إلى صحة وقف الصامت قال: يعطيه مضاربة وينتفع بربحها، ولما كانت الدراهم والدنانير لا تتعين بالتعين فبدلها قائم مقامها، فتدبر. (٣٢ - باب نفقة القيِّم للوقف) قال العيني (٢): القيِّم: العامل على الوقف، ويدخل فيه الأجير والناظر والوكيل، انتهى. كتب الشيخ في "اللامع" (٣): قوله: "ما تركتُ بعد نفقة نسائي" فيه الترجمة إن أريد بالقيِّم المتولي وهو النبي ﷺ ، وإن أريد به الحافظ عليه والناظر فالترجمة في قوله: "مئونة عاملي"، انتهى. قال الحافظ (٤): الحديث دالٌّ على مشروعية أجرة العامل على الوقف، والمراد بالعامل في هذا الحديث: القيم على الأرض والأجير ونحوهما أو الخليفة بعده ﷺ ، وهم من قال: إن المراد بـ أجرة حافر قبره. قال العيني (٥): قال ابن بطال: أراد البخاري بتبويبه أن يبين أن المراد بقوله: "مئونة عاملي" عامل أرضه التي أفاءها الله عليه من بني النضير وفدك وسهمه من خيبر، انتهى.

стр. 1875

وبسط الكلام على حديث الباب في "الأوجز" (١) وفيه: يتحصل من المجموع خمسة أقوال في المراد بالعامل: الخليفة، والصانع، والناظر، والخادم، وحافر قبره، وفي ترجمة المصنف إشارة إلى ترجيح حمل العامل على الناظر. (٣٣ - باب إذا وقف أرضًا أو بئرًا أو اشترط لنفسه. . .) إلخ المقصود من هذه الترجمة الإشارة إلى جواز شرط الواقف لنفسه منفعة من وقفه، وقال ابن بطال: لا خلاف بين العلماء أن من شرط لنفسه ولورثته نصيبًا في وقفه أن ذلك جائز، وقد مضى هذا المعنى في "باب هل ينتفع الواقف بوقفه؟ "، انتهى (٢). قلت: ما حكى العلَّامة العيني عن ابن بطال من عدم الخلاف في ذلك ليس بصحيح، والمسألة خلافية شهيرة، والأوجه عندي: أن ههنا مسألتين: إحداهما: انتفاع الواقف بوقفه وقد تقدم في الباب المذكور، والثانية: اشتراط الواقف لنفسه شيئًا، وهو المقصود من هذه الترجمة، وهو جائز عند أبي يوسف وأحمد، ولا يجوز عند مالك والشافعي ومحمد. (٣٤ - باب إذا قال الواقف: لا نطلب ثمنه إلا إلى الله. . .) إلخ كتب الشيخ في "اللامع" (٣): يعني بذلك: أن الوقف غير متوقف على خصوص لفظ الوقف بل المقصود هو المعنى كيفما حصل، انتهى. وبه جزم العلَّامة العيني (٤) وابن المنيِّر، والمسألة خلافية.

стр. 1876

قال الحافظ (١): قال الإسماعيلي: قول المالك: "لا أطلب ثمنه إلا إلى الله" لا يصيِّره وقفًا، وقد يقول الرجل هذا لعبده فلا يصيِّره وقفًا، ويقوله للمدبر فيجوز بيعه، قال ابن المنيِّر (٢): مراد البخاري أن الوقف يصح بأي لفظ دل عليه إما بمجرده وإما بقرينة، كذا قال، وفي الجزم بأن هذا مراده نظر، بل يحتمل أنه أراد أنه لا يصير بمجرد ذلك وقفًا، انتهى. قلت: وما ذكره الحافظ من الاحتمال توجيه للقول بما لا يرضى به قائله فإن الإمام البخاري يقول: إذا قال الواقف كذا فهو جائز، ومعناه ظاهر أنه يجوز الوقف، والحافظ يقول: أي لا يصير به وقفًا، والعجب من العلَّامة العيني أنه كيف ترك التعقب على ذلك مع شدته في التعقبات عليه، ولعل الباعث للحافظ على ذلك أن الوقف لا يصح بهذا اللفظ عند الشافعية. وبسط الكلام على اختلاف الأئمة في هذه المسألة في هامش "اللامع" (٣)، فارجع إليه. (٣٥ - باب قول الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ. . .﴾ [المائدة: ١٠٦]) إلخ قال العيني (٤): هذا باب في بيان سبب نزول قول الله : ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ إلى قوله: ﴿الْفَاسِقِينَ﴾ [المائدة: ١٠٨]، وإنما قلنا كذلك لأن في حديث الباب صرَّح بقوله: وفيهم نزلت هذه الآية، انتهى. وكتب مولانا محمد حسن المكي في تقريره: قوله: ﴿شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ. . .﴾ إلخ المراد بها الوصية، ولهذا أوردها في "كتاب الوصايا"، انتهى. وكتب الشيخ قُدِّس سرُّه في "الكوكب الدري" (٥): الشهادة هي الوصية

стр. 1877

ههنا، وقيل: اليمين، وغير ذلك من الأقوال ذكرها في هامش "اللامع" (١). وقال الحافظ (٢): قال الزجاج في "المعاني": هذه الآيات الثلاث من أشكل ما في القرآن إعرابًا وحكمًا ومعنىً، انتهى. وبسط الكلام على هذا الباب في هامش "اللامع" (٣). (٣٦ - باب قضاء الوصي ديون الميت بغير محضر من الورثة) كتب الشيخ قُدِّس سرُّه في "اللامع" (٤): وذلك لأن حقهم لم يتعلق بالمال ما لم تقض ديونه، فلا حاجة إلى إحضارهم عند قضاء الديون؛ لأنهم بعدُ كالأجانب في ماله والأمر إلى الوصي فيه، انتهى. قال الحافظان ابن حجر (٥) والعيني (٦): لا خلاف بين العلماء في حكم هذه الترجمة أنه جائز، انتهى. ثم البراعة سكت عنها ولعله لوضوحها لأن الوصايا كلها عندي مذكِّر للموت، ويمكن في قوله: "اسْتُشْهِدَ" فافهم. * * *

стр. 1878

٥٦ - كتاب الجهاد كذا لابن شبويه، وكذا للنسفي لكن قدَّم البسملة، وسقط "كتاب" للباقين واقتصروا على "باب فضل الجهاد"، لكن عند القابسي "كتاب فضل الجهاد" ولم يذكر "باب". والجهاد بكسر الجيم أصله لغة: المشقة، يقال: جهدت جهادًا: بلغت المشقة، وشرعًا: بذل الجهد في قتال الكفار، ويطلق أيضًا على مجاهدة النفس والشيطان والفساق، فأما مجاهدة النفس فعلى تعلم أمور الدين ثم على العمل بها ثم على تعليمها، وأما مجاهدة الشيطان فعلى دفع ما يأتي به من الشبهات وما يزيِّنه من الشهوات، وأما مجاهدة الكفار فتقع باليد والمال واللسان والقلب، وأما مجاهدة الفساق فباليد ثم اللسان ثم القلب، انتهى من "الفتح" (١). وفي هامش "اللامع" (٢): قال ابن العربي في "العارضة" (٣): مذهب الصوفية أن الجهاد الأكبر جهاد العدو الداخل وهو النفس، قالوا: وهو المراد بقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ [العنكبوت: ٦٩]، وليس المجاهد من جاهد العدو المبائن وإنما المجاهد من جاهد العدو المخالط، ولذا قال النبي ﷺ وقد رجع من غزوة: "رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر"، انتهى مختصرًا. فهذا حديث معروف عند الصوفية ذكره الغزالي في عدة مواضع من "الإحياء"، قال صاحب "الإتحاف" (٤): قال العراقي: رواه البيهقي من حديث جابر وقال: هذا إسناد فيه ضعف، انتهى. ثم اختلفوا في حكم جهاد الكفار، قال الحافظ (٥): وللناس في

стр. 1879

الجهاد حالان: إحداهما في زمن النبي ﷺ ، والأخرى بعده، فأما الأولى: فأول ما شرع الجهاد بعد الهجرة النبوية اتفاقًا، ثم بعد أن شرع هل كان فرض عين أو كفاية؟ قولان مشهوران للعلماء، وهما في مذهب الشافعي، قال الماوردي: كان عينًا على المهاجرين دون غيرهم، ويؤيده وجوب الهجرة قبل الفتح في حق كل من أسلم إلى المدينة لنصر الإسلام، وقال السهيلي: كان عينًا على الأنصار دون غيرهم، ويؤيده مبايعتهم النبي ﷺ ليلة العقبة على أن يؤووا رسول الله ﷺ وينصروه، فيخرج من قولهما: إنه كان عينًا على الطائفتين كفاية في حق غيرهم، وقيل: كان عينًا في الغزوة التي يخرج فيها النبي ﷺ دون غيرها، والتحقيق: أنه كان عينًا على من عيَّنه النبي ﷺ في حقه ولو لم يخرج. الحال الثاني: بعده ﷺ فهو فرض كفاية على المشهور إلا أن تدعو الحاجة إليه كأن يدهم العدو ويتعين على من عينه الإمام، ويتأدى فرض الكفاية بفعله في السنة مرة عند الجمهور، وقيل: تجب كل ما أمكن وهو قوي، والذي يظهر أنه استمر على ما كان عليه في زمن النبي ﷺ إلى أن تكاملت فتوح معظم البلاد، وانتشر الإسلام في أقطار الأرض، ثم صار إلى ما تقدم ذكره، والتحقيق أيضًا: أن جنس جهاد الكفار متعين على كل مسلم إما بيده وإما بلسانه وإما بقلبه، والله أعلم. وفي "البذل" (١) عن "الهداية" (٢): الجهاد فرض على الكفاية إذا قام به فريق من الناس سقط عن الباقين، فإن لم يقم به أحد أثم جميع الناس بتركه؛ إلا أن يكون النفير عامًا فحينئذ يصير من فروض الأعيان لقوله تعالى: ﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا﴾ [التوبة: ٤١]، انتهى.

стр. 1880

(١ - باب فضل الجهاد والسير. . .) إلخ السير بكسر السين جمع السيرة وهي الطريقة، وترجموه بها لأن الأحكام المذكورة فيه متلقاة من سيرة رسول الله ﷺ في غزواته، كذا قال الكرماني (١)، وتبعه الحافظ (٢). قال ابن عابدين (٣): هذا الكتاب يعبر بالسير والجهاد والمغازي، فالسير جمع سيرة وهي فعلة بكسر الفاء من السير، فتكون لبيان هيئة السير وحالته، إلا أنها غلبت في لسان الشرع على أمور المغازي وما يتعلق بها كالمناسك على أمور الحج، انتهى. قال الشيخ ابن عابدين (٤): وفضل الجهاد عظيم، كيف وحاصله بذل أعز المحبوبات وهو النفس، وإدخال أعظم المشقات عليه تقربًا بذلك إلى الله تعالى، وأشق منه قصر النفس على الطاعات على الدوام، ومجانبة هواها، ولذا قال ﷺ وقد رجع من غزاة: "رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر" ويدل عليه أنه ﷺ أخَّره في الفضيلة عن الصلاة على وقتها في حديث ابن مسعود، أي: المذكور في البخاري قريبًا، ولا تردد في أن المواظبة على أداء فرائض الصلاة في أوقاتها أفضل من الجهاد؛ لأنها فرض عين، ولأن الجهاد ليس إلا للإيمان وإقامة الصلاة، فكان حسنًا لغيره والصلاة حسنة لعينها وهي المقصودة منه، انتهى. قال الخرقي (٥): قال أبو عبد الله: لا أعلم شيئًا من العمل بعد الفرائض أفضل من الجهاد، وقال صاحب "الفيض" (٦): إن شغل العلم أفضل الأشغال عند أبي حنيفة ومالك، وعند أحمد الجهاد أفضلها، كذا في "منهاج السُّنَّة" لابن تيمية، وفي "كتاب السفاريني" عن أحمد رواية نحو

стр. 1881

أبي حنيفة ومالك، وهذا كله إذا لم يكن الجهاد فرض الوقت؛ لأن الكلام في الفضائل دون الفرائض، وقال أيضًا في موضع آخر (١): إن مالكًا وأبا حنيفة ذهبا إلى أن الاشتغال بالعلم خير من الاشتغال بالنوافل على عكس ما ذهب إليه الشافعي، وعن أحمد روايتان: إحداهما في فضل العلم، ولأخرى في فضل الجهاد، كما في "منهاج السُّنَّة"، انتهى. قلت: وما حكى من مسلك الشافعية يخالفه ما في "المرقاة" (٢) عن "شرح السُّنَّة" عن الشافعي رحمه الله تعالى: طلب العلم أفضل من صلاة النافلة، قال القاري: لأنه إما فرض عين أو فرض كفاية، وهما أفضل من النافلة، انتهى. وبسط الكلام في هامش "اللامع" (٣). (٢ - باب أفضل الناس مؤمن مجاهد بنفسه. . .) إلخ كتب الشيخ في "اللامع" (٤) في الباب السابق: ثم إن الفضيلة المذكورة ههنا جزئية وهي كون المجاهد مشتغلًا فيما خرج لأجله ليله ونهاره في يقظته ورقدته حاضرًا أو لاهيًا، ولذلك كان له الأجر في كل ما يفعله هو أو أجيره أو دابته إلى غير ذلك، وليس تلك الفضيلة في سائر الطاعات غير الجهاد فإن المصلي والصائم يؤجران ما كانا في صلاتهما أو صومهما لا بعد، وإن كانت فضيلة الصلاة أو غيرها من الطاعات أزيد من فضل الجهاد في نفسها لا من تلك الحيثية، وعلى هذا فلا تنافي بين هذه الرواية والتي تقدمت من أفضل العمل الصلاة لوقتها، انتهى. قال العلَّامة العيني (٥): واختلاف الأحاديث في أفضل الأعمال لاختلاف السائلين واختلاف مقاصدهم، أو باختلاف الوقت أو بالنسبة إلى بعض الأشياء، انتهى. وغير ذلك من وجوه الجمع.

стр. 1882

(٣ - باب الدعاء بالجهاد والشهادة للرجال والنساء. . .) إلخ قال العلَّامة القسطلاني (١): كأن يقول: اللهم اجعلني من المجاهدين في سبيلك، وكأن يقول: اللَّهم ارزقنا الشهادة في سبيلك، انتهى. قال الحافظ (٢): قال ابن المنيِّر (٣) وغيره: وجه دخول هذه الترجمة في الفقه أن الظاهر من الدعاء بالشهادة يستلزم طلب نصر الكافر على المسلم وإِعانة من يعصي الله على من يطيعه، لكن القصد الأصلي إنما هو حصول الدرجة العليا المترتبة على حصول الشهادة، وليس ما ذكره مقصودًا لذاته وإنما يقع من ضرورة الوجود. قلت: أو لما يوهمه قوله ﷺ : "لا تتمنوا لقاء العدو وسلوا الله العافية" الحديث، وقد ترجم به المصنف فيما سيأتي، ثم أورد المصنف فيه حديث أنس في قصة أم حرام، وهو ظاهر فيما ترجم له في حق النساء، ويؤخذ منه حكم الرجال بطريق الأولى، وأغرب ابن التِّين فقال: ليس في الحديث تمني الشهادة وإنما فيه تمني الغزو، ويجاب بأن الشهادة هي الثمرة العظمى المطلوبة في الغزو، انتهى. قوله: (وقال عمر: اللَّهم ارزقني. . .) إلخ، كتب الشيخ في "اللامع" (٤): وكانت المدينة مخصصة بمنقبة وكرامة فسأل الشهادة فيها دون المعركة لئلا يدفن خارجًا منها ولا يموت خارجها ولو شهيدًا، انتهى. (٤ - باب درجات المجاهدين في سبيل الله. . .) إلخ قال الحافظ (٥): أي: بيانها، "يقال: هذه سبيلي. . ." إلخ، يريد المؤلف أن السبيل يؤنث ويذكر وبذلك جزم الفراء، انتهى.

стр. 1883

(٥ - باب الغدوة والروحة في سبيل الله. . .) إلخ أي: بيان فضلها، والغدوة بالفتح المرة الواحدة من الغدو وهو الخروج في أي وقت كان من أول النهار إلى انتصافه، والروحة المرة الواحدة من الرواح وهو الخروج في أي وقت كان من زوال الشمس إلى غروبها. قوله: (في سبيل الله) أي: الجهاد. قوله: (وقاب قوس) أي: قدره، والقاب بتخفيف القاف وآخره موحدة معناه القدر، وكذلك القيد بكسر القاف، وقيل: القاب ما بين مقبض القوس وسيته، وقيل: ما بين الوتر والقوس، وقيل: المراد بالقوس هنا الذراع الذي يقاس به، وكأن المعنى بيان فضل قدر الزراع من الجنة، انتهى (١). (٦ - باب الحور العين. . .) إلخ أي: بيان صفتهن. قوله: (يحار فيه الطرف) أي: يتحير، قال ابن التِّين: هذا يشعر بأنه رأى أن اشتقاق الحور من الحيرة، وليس كذلك، فإن الحور بالواو والحيرة بالياء. قال الحافظ (٢): قلت: لعل البخاري لم يرد الاشتقاق الأصغر. (٧ - باب تمني الشهادة) كتب الشيخ في "اللامع" (٣): دفع بذلك التوهم الناشئ عن نهي التمني المتعلق بالموت، انتهى. وفي هامشه: أجاد الشيخ قُدِّس سرُّه في غرض الترجمة، وعلى

стр. 1884

ما أفاده لا تكون الترجمة مكررة لما تقدم قريبًا من "باب الدعاء بالجهاد" ولم يتعرض لذلك العيني ولا القسطلاني، وأحال الحافظ (١) هذه الترجمة على الماضية فقال: تقدم توجيهه في أول "كتاب الجهاد"، وأن تمنيها والقصد لها مرغب فيه مطلوب، انتهى. قلت: وعلى هذا فتكون الترجمة مكررة، وأما على ما أفاده الشيخ يكون الغرض من هذه الترجمة الثانية دفع ما يتوهم من النهي عن تمني الموت، وأما الترجمة الأولى التي أشار إليها الحافظ بقوله: تقدم توجيهه، هو ما قال في الباب المذكور: قال ابن المنيِّر وغيره: وجه دخول هذه الترجمة في الفقه. . . إلى آخر ما تقدم. (٨ - باب فضل من يُصْرَعُ في سبيل الله فمات. . .) إلخ قال الحافظ (٢): قوله: "فهو منهم" أي: من المجاهدين، قوله: "وقول الله . . ." إلخ، أي: يحصل الثواب بقصد الجهاد إذا خلصت النية فحال بين القاصد وبين الفعل مانع، فإن قوله: ﴿ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ﴾ [النساء: ١٠٠] أعم من أن يكون بقتل أو وقوع من دابته وغير ذلك فتناسب الآية الترجمة، قال ابن بطال (٣): روى ابن وهب من حديث عقبة بن عامر مرفوعًا: "من صرع عن دابته في سبيل الله فمات فهو شهيد" فكأنه لما لم يكن على شرط البخاري أشار إليه في الترجمة، انتهى. (٩ - باب من ينكب ويطعن في سبيل الله) قال القسطلاني (٤): "من ينكب" بضم أوله وفتح ثالثه وآخره موحدة، أي: أدمي عضو منه أو أعم، انتهى.

стр. 1885

وقال الحافظ (١): والنكبة أن يصيب العضو شيء فيدميه، والمراد بيان فضل من وقع له ذلك في سبيل الله، انتهى. قوله: (أقوامًا من بني سليم. . .) إلخ، قال الحافظ (٢): قال الدمياطي: هو وهم، فإن بني سليم مبعوث إليهم، والمبعوثون هم القراء وهم من الأنصار، قال الحافظ: التحقيق أن المبعوث إليهم بنو عامر، وأما بنو سليم فغدروا بالقراء المذكورين، والوهم في هذا السياق من حفص بن عمر شيخ البخاري. . .، إلى آخر ما بسط من توجيهه، كما ذكر في هامش "اللامع" (٣)، وهو من منتقدات شيخنا السهارنفوري كما تقدم في "مقدمة اللامع"، ووجهه الشيخ الكَنكَوهي قُدِّس سرُّه في "اللامع" (٤) فارجع إليه. (١٠ - باب من يُجْرَحُ في سبيل الله) أي: فضله، وقوله في الحديث: "والله أعلم بمن يُكْلَمُ في سبيله" جملة معترضة قصد بها التنبيه على شرطية الإخلاص في نيل هذا الثواب، انتهى من "الفتح" (٥). (١١ - باب قول الله : ﴿قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا. . .﴾ [التوبة: ٥٢]) إلخ سيأتي في تفسير براءة تفسير ﴿إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ﴾ بأنه الفتح أو الشهادة، وبه تتبين مناسبة قول المصنف بعد هذا: "والحرب سجال" ثم أورد المصنف طرفًا من حديث أبي سفيان قي قصة هرقل، والغرض منه قوله فيه: "فزعمت أن الحرب بينكم. . ." إلخ، وقال ابن المنيِّر (٦): التحقيق أنه ما ساق حديث هرقل إلا لقوله: "وكذلك الرسل تبتلى ثم تكون لهم العاقبة"

стр. 1886

قال: فبذلك يتحقق أن لهم إحدى الحسنيين، إن انتصروا فلهم العاجلة والعاقبة، وإن انتصر عدوهم فللرسل العاقبة، انتهى. وهذا لا يستلزم نفي التقدير الأول ولا يعارضه، بل الذي يظهر أن الأول أولى؛ لأنه من نقل أبي سفيان عن حال النبي ﷺ ، وأما الآخر فمن قول هرقل مستندًا فيه إلى ما تلقفه من الكتب، انتهى كله من "الفتح" (١). (١٢ - باب قول الله : ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا. . .﴾ [الأحزاب: ٢٣]) إلخ قال الحافظ (٢): المراد بالمعاهدة المذكورة ما تقدم ذكره من قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَانُوا عَاهَدُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ لَا يُوَلُّونَ الْأَدْبَارَ﴾ [الأحزاب: ١٥] وكان ذلك أول ما خرجوا إلى أحد، وهذا قول ابن إسحاق، وقيل: ما وقع ليلة العقبة من الأنصار إذ بايعوا النبي ﷺ أن يؤووه وينصروه ويمنعوه، والأول أولى، انتهى. (١٣ - باب عمل صالح قبل القتال. . .) إلخ كتب الشيخ في "اللامع" (٣): يعني بذلك: أن الصالح يؤجر في عمله ما لا يؤجر الفاسق، فوجب تقديم العمل الصالح ليؤجر أكثر مما يؤجر دونه، ودلالة الرواية ظاهرة، فإن الإسلام من العمل الصالح، وقد أمر بتقديمه، انتهى. وفي هامشه: قال الحافظ (٤): قال ابن المنيِّر (٥): مناسبة الترجمة والآية للحديث ظاهرة، وفي مناسبة الترجمة للآية خفاء، وكأنه من جهة أن الله تعالى عاتب من قال: إنه يفعل الخير ولم يفعله، وأثنى على من وفى

стр. 1887

وثبت عند القتال، أو من جهة أنه أنكر على من قدم على القتال قولًا غير مرضي، فكشف الغيب أنه أخلف، فمفهومه ثبوت الفضل في تقديم الصدق، والعزم الصحيح على الوفاء وذلك من أسلم الأعمال، قال الحافظ: وهذا الثاني أظهر فيما أرى. وقال الكرماني (١): المقصود من الآية في الترجمة قوله في آخرها: ﴿صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ﴾ [الصف: ٤]؛ لأن الصف في القتال من العمل الصالح قبل القتال، انتهى. وفي "الفيض" (٢): قوله: "باب عمل صالح. . ." إلخ، لعله مأخوذ من قوله ﷺ : "كما تحيون تموتون وكما تموتون تحشرون" فهذا يشعر بأنه ينبغي أن تكون خاتمة المرء على عمل خير؛ وكان السلف يستحبون أن يكون لهم عمل صالح قبل القتال، لدلالته على الإخلاص، انتهى. (١٤ - باب من أتاه سهم غرب. . .) إلخ الغرب: بفتح الغين المعجمة وسكون الراء آخره موحدة منونًا كسهم صفة له، قال أبو عبيد وغيره: أي: لا يعرف راميه أو لا يعرف من أين أتى أو جاء على غير قصد من راميه، وعن أبي زيد فيما حكاه الهروي: إن جاء من حيث لا يعرف فهو بالتنوين والإسكان، وإن عرف راميه لكن أصاب من لم يقصد فهو بالإضافة وفتح الراء، وأنكر ابن قتيبة السكون ونسبه لقول العامة وجوَّز الفتح وإضافة سهم لغرب، انتهى من "القسطلاني" (٣). . وزاد الحافظ (٤): وقصة حارثة منزلة على الثاني، فإن الذي رماه قصد غرته فرماه وحارثة لا يشعر به، انتهى. قلت: ولعل الإمام البخاري ترجم به لدفع ما يتوهم من أنه إذا لم يدر

стр. 1888

القاتل فلا يدري أقتل من سهم كافر أو مسلم، فنبَّه الإمام البخاري بالترجمة والحديث على أن قتيل المعركة شهيد وإن لم يدر قاتله. (١٥ - باب من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا) قال الحافظ (١): أي فضله، أو الجواب محذوف تقديره: فهو المعتبر. وبسط الحافظ في شرح قوله: "لتكون كلمة الله هي العليا" فذكر فيه خمس مراتب، فارجع إليه لو شئت. وفي "الفيض" (٢) تحت الباب: أعرض عن التفصيل المتعذر، وعدل إلى الجواب الجملي، فقال: من قاتل لإعلاء كلمة الله فهو في سبيل الله، انتهى. (١٦ - باب من اغبرّت قدماه في سبيل الله. . .) إلخ أي: بيان ما له من الفضل، قال ابن بطال: والمراد في سبيل الله جميع طاعاته، قال الحافظ: وهو كما قال، إلا أن المتبادر عند الإطلاق من لفظ سبيل الله الجهاد، وقد أورده المصنف في "فضل المشي إلى الجمعة" (٣) استعمالًا للفظ في عمومه، انتهى من "الفتح" (٤). (١٧ - باب مسح الغبار عن الرأس) قال ابن المنيِّر (٥): ترجم بهذا وبالذي بعده دفعًا لتوهم كراهية غسل الغبار ومسحه، لكونه من جملة آثار الجهاد، كما كره بعض السلف المسح بعد الوضوء.

стр. 1889

قال الحافظ (١): الفرق بينهما من جهة أن التنظيف مطلوب شرعًا، والغبار أثر الجهاد وإذا انقضى فلا معنى لبقاء أثره، وأما الوضوء فالمقصود به الصلاة فاستحب بقاء أثره حتى يحصل المقصود فافترق المسحان، انتهى. (١٨ - باب الغُسل بعد الحرب والغبار) أي: جوازه، وتقدم توجيهه في الباب السابق، قاله القسطلاني (٢). (١٩ - باب فضل قول الله تعالى: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا. . .﴾ [آل عمران: ١٦٩]) إلخ قال الحافظ (٣): أي: فضل من ورد فيه قول الله، وقد حذف الإسماعيلي لفظ "فضل" من الترجمة، انتهى. تكلم الحافظ في مطابقة الحديث الثاني بالترجمة فإنها خفية، وأجاد الشيخ قُدِّس سرُّه في "اللامع" (٤) حيث قال: قوله: "اصطبح ناس الخمر" دلالته على الآية وهي قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [التوبة: ١٢٠] ظاهرة، فإنهم لو أخذوا على فعلتهم تلك كان ذلك إضاعةً لفعل المحسنين حيث كانوا لم يرتكبوا محرم مذهبهم، انتهى. (٢٠ - باب ظل الملائكة على الشهيد) ذكر فيه حديث جابر في قصة قتل أبيه، وهو ظاهر فيما ترجم له، قاله الحافظ (٥). وفي "الفيض" (٦): ولعل في هذا الإظلال إجلالًا للميت، انتهى.

стр. 1890

(٢١ - باب تمني المجاهد أن يرجع إلى الدنيا) قال الحافظ (١): أورد فيه حديث قتادة "ما أحد يدخل الجنة يحب" بلفظ الحب، وقد ورد بلفظ التمني في رواية النسائي والحاكم عن أنس مرفوعًا وفيه: "فيقول: سل وتمنه، فيقول: ما أسألك وأتمنى؟ أسألك أن تردني" الحديث، وقال ابن بطال (٢): هذا الحديث أجلّ ما جاء في فضل الشهادة، انتهى. (٢٢ - باب الجنة تحت بارقة السيوف. . .) إلخ من إضافة الصفة إلى الموصوف، وقد تطلق البارقة ويراد بها نفس السيف فتكون الإضافة بيانية، وقد أورده بلفظ "تحت ظلال السيوف" وكأنه أشار بالترجمة إلى حديث عمار بن ياسر، أخرجه الطبراني بإسناد صحيح عن عمار أنه قال يوم صفين: "الجنة تحت الأبارقة" كذا وقع فيه والصواب "البارقة" وهي السيوف اللامعة، وكذا وقع على الصواب في ترجمة عمار من "طبقات ابن سعد"، لكن المصنف لم يسقه لكونه ليس على شرطه، واستنبط معناها مما هو على شرطه فإنه إذا ثبت لها ظلال ثبت لهما بارقة ولمعان، انتهى من "الفتح" (٣) و"القسطلاني" (٤). (٢٣ - باب من طلب الولد للجهاد. . .) إلخ أي: ينوي عند المجامعة حصول الولد ليجاهد في سبيل الله، فيحصل له بذلك أجر وإن لم يقع ذلك، انتهى من "الفتح" (٥). قوله: (إلا امرأة واحدة جاءت بشق) كتب الشيخ في "اللامع" (٦): ولعل إتيانها بشق كان مبنيًا على ما عزم سليمان من أن يقول: إن شاء الله، ثم إنه

стр. 1891

لم يمكن له أن يتم عزمه فبقي ناقصًا، فكذلك الولد صار باقيًا بنقصان فيه ولم يكمل، انتهى. وفي هامشه: أجاد الشيخ قُدِّس سرُّه في وجه الإتيان بواحدٍ ساقطًا أحد شقيه، ولم يتعرض لذلك الشرَّاح، وفيه أيضًا: قال الحافظ (١): حكى النقاش في تفسيره أن الشق المذكور هو الجسد الذي ألقي على كرسيه، وقال غير واحد من المفسرين: إن المراد بالجسد المذكور شيطان. . .، إلى آخر ما بسط في هامش "اللامع"، وذكر فيه أيضًا اختلاف الروايات في عدد النسوة اللاتي جامعهن سليمان ﵇ في تلك الليلة. (٢٤ - باب الشجاعة في الحرب والجبن) أي: مدح الشجاعة وذم الجبن، بضم الجيم وسكون الموحدة ضد الشجاعة، انتهى من "الفتح" (٢). وزاد العيني (٣): وأما الجبن الذي يؤكل فهو بتشديد النون، انتهى. (٢٥ - باب ما يتعوذ من الجبن) بضم أول يُتعوَّذ على البناء للمجهول، أي: بيان التعوذ من الجبن، وكلمة "ما" مصدرية. (٢٦ - باب من حدّث بمشاهده. . .) إلخ قال القسطلاني (٤): أي: ليتأسى بذلك ويرغب فيه لا للرياء والسمعة. قوله: (فما سمعت أحدًا منهم يحدث. . .) إلخ، خشية التزايد والنقصان والدخول في الوعيد. قوله: (يحدث عن يوم أُحد) أي: بما وقع له فيه من ثبات القدم أو نحو

стр. 1892

ذلك، وقد كان من أهل النجدة، وذكر المؤلف في "المغازي" عن قيس قال: "رأيت يد طلحة شلاء وقى بها رسول الله ﷺ يوم أُحد"، وعن أبي عثمان النهدي "أنه لم يبق مع رسول الله ﷺ تلك الأيام غير طلحة وسعد" ولهذا حدَّث طلحة عن مشاهده يوم أُحد ليقتدى به ويرغب الناس في مثل فعله، انتهى من "القسطلاني" (١). (٢٧ - باب وجوب النفير، وما يجب من الجهاد. . .) إلخ قال الحافظ (٢): النفير: الخروج إلى قتال الكفار. قوله: (وما يجب. . .) إلخ، أي: وبيان القدر الواجب من الجهاد ومشروعية النية في ذلك، انتهى. قلت: وتقدم الكلام على حكم الجهاد عند الجمهور في مبدأ هذا الكتاب، وفي "الأوجز" (٣): قال ابن المسيب: الجهاد فرض عين، لقوله تعالى: ﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا﴾ [التوبة: ٤١] وغير ذلك من العمومات، انتهى. ولا يبعد أن يقال: إن ميل المصنف إلى هذا القول بذكره في الترجمة ما استدل به ابن المسيب، فتدبر. قوله: (﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا. . .﴾) إلخ [التوبة: ٤١]، هذه الآية متأخرة في التنزيل عن الآية الثانية، لكن قدَّمها المصنف، ولعل وجهه عند هذا العبد الضعيف الإشارة إلى الحالتين المذكورتين في أول "كتاب الجهاد" من كلام الحافظ، أي: الجهاد في زمنه ﷺ ، والحال الثانية بعده ﷺ ، فقد قيل: إنه كان فرض عين في الحال الأولى، وفرض كفاية في الحال الثانية، إلا وقت النفير العام، فلعل المصنف قدم الآية المتأخرة لدلالتها على فرض

стр. 1893

الخروج مطلقًا، وأشار به إلى أن الجهاد كان فرض عين في الحال الأولى، وأخَّر المتقدمة لكونها مقيدة بقوله: ﴿إِذَا قِيلَ لَكُمُ﴾ [التوبة: ٣٨] فإن فرضية الجهاد في الحال الثاني مقيدة بالنفير العام، وهو المستفاد بقوله: "وإذا قيل لكم" فتأمل. (٢٨ - باب الكافر يقتل المسلم ثم يسلم. . .) إلخ أي: القاتل. (فيسدّد بعد) أي: يعيش على سداد، أي: استقامة في الدين، قال ابن المنيِّر: في الترجمة "فيسدّد" والذي وقع في الحديث "فيستشهد" وكأنه نبَّه بذلك على أن الشهادة ذكرت للتنبيه على وجوه التسديد، وأن كل تسديد كذلك وإن كانت الشهادة أفضل، لكن دخول الجنة لا يختص بالشهيد، فجعل المصنف الترجمة كالشرح لمعنى الحديث. قال الحافظ: ويظهر لي أن البخاري أشار في الترجمة إلى ما أخرجه أحمد والنسائي وغيرهما عن أبي هريرة مرفوعًا: "لا يجتمعان في النار مسلم قتل كافرًا ثم سدّد المسلم وقارب" الحديث، انتهى من "الفتح" (١). (٢٩ - باب من اختار الغزو على الصوم) أي: لئلا يضعفه الصوم عن القتال، ولا يمتنع ذلك لمن عرف أنه لا ينقصه كما سيأتي بعد ستة أبواب، انتهى من "الفتح" (٢). (٣٠ - باب الشهادة سبع سوى القتل) قال العلَّامة العيني (٣): قيل: لا مطابقة بين الحديث والترجمة؛ لأن الترجمة سبع، وفي الحديث: خمسة، قال ابن بطال: هذا يدل على أن البخاري مات ولم يهذب كتابه، وأجيب بأن البخاري أراد التنبيه على أن

стр. 1894

الشهادة لا تنحصر في القتل بل لها أسباب أخر، وتلك الأسباب اختلفت الأحاديث فيها، ففي بعضها: خمسة، وهو الذي صح عند البخاري، ووافق شرطه، وفي بعضها سبع، لكن لم يوافق شرطه فنبَّه عليه في الترجمة إيذانًا بأن الوارد في عددها من الخمسة أو السبعة ليس على معنى التحديد، وقال الكرماني (١): الجواب: أن بعض الرواة نسي الباقي، قال العيني: وفيه نظر لا يخفى، انتهى. قال الحافظ (٢): هذه الترجمة لفظ حديث أخرجه مالك من رواية جابر بن عتيك وفيه "الشهداء سبعة" سوى القتل في سبيل الله، انتهى. قلت: وعندي يمكن أن يقال: إن لفظ "سبع" يطلق ويراد به الكثرة، ومعنى الترجمة أن أسباب الشهادة سوى القتل كثيرة، فافهم. وفي "الأوجز" (٣) في حديث جابر بن عتيك المذكور: قال السيوطي في "التنوير" (٤): وقد جمعتهم فناهزوا الثلاثين. قلت: وسمَّاها "أبواب السعادة في أسباب الشهادة". وجمع العيني (٥) الروايات الواردة في ذلك لا يسعها هذا الأوجز، نعم سيأتي في آخر الحديث تلخيص ما أطلق عليه الشهادة في تلك الروايات، وفيه بعد تلخيصها: وهكذا كما رأيت ترتقي الشهادة إلى قريب من ستين، انتهى. (٣١ - باب قول الله: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ. . .﴾ الآية [النساء: ٩٥]) أي: بيان سبب نزول هذه الآية الشريفة.

стр. 1895

(٣٢ - باب الصبر عند القتال) المقصود بيان فضله. (٣٣ - باب التحريض على القتال) قال الحافظ (١): انتزاع الترجمة من الحديث من جهة أن في مباشرته ﷺ الحفر بنفسه تحريضًا للمسلمين على العمل ليتأسوا به في ذلك، انتهى. (٣٤ - باب حفر الخندق) قال العيني (٢): أي: في ذكر حفر الصحابة رضي الله تعالى عنهم الخندق حول المدينة، انتهى. قوله: (حول المدينة) كتب الشيخ في "اللامع" (٣): أراد بذلك في حواليه وفي جانب منها، فإن الخندق لم يحفر حول المدينة بل حول الجيش، غير أنهم كانوا على قرب من المدينة نحوًا من ثلاثة أميال، فعبر عنه بقوله: "حول المدينة" فليحفظ. (٣٥ - باب من حبسه العذر عن الغزو) العذر الوصف الطارئ على المكلف المناسب للتسهيل عليه، ولم يذكر الجواب، وتقديره: فله أجر الغازي إذا صدقت نيَّته، انتهى (٤). (٣٦ - باب فضل الصوم في سبيل الله) قال ابن الجوزي (٥): إذا أطلق ذكر سبيل الله فالمراد به الجهاد، وقال القرطبي (٦): سبيل الله طاعة الله، فالمراد من صام قاصدًا وجه الله، وقال

стр. 1896

ابن دقيق العيد: العرف الأكثر استعماله في الجهاد، إلى آخر ما في "الفتح" (١)، ولا يقال: هذا يعارض ما تقدم من "باب من اختار الغزو على الصوم" (٢) لأن فضل الصوم محمول على من لم يخش ضعفه، ولا سيّما من اعتاد به فصار ذلك من الأمور النسبية، انتهى من "الفتح" وغيره. (٣٧ - باب فضل النفقة في سبيل الله) قال القسطلاني (٣): أي الإنفاق في الجهاد وغيره مما يقصد به وجه الله تعالى، انتهى. قال الحافظ (٤): قال المهلب (٥): في هذا الحديث أن الجهاد أفضل الأعمال؛ لأن المجاهد يعطى أجر المصلي والصائم والمتصدق وإن لم يفعل ذلك؛ لأن باب الريَّان للصائمين، وقد ذكر في هذا الحديث أن المجاهد يدعى من تلك الأبواب كلها بإنفاق قليل المال في سبيل الله. قال الحافظ: وما جرى فيه على ظاهر الحديث يرده ما قدمته في "الصيام" من زيادة في الحديث لأحمد حيث قال فيه: "لكل أهل عمل باب يدعون بذلك العمل" وهذا يدل على أن المراد بسبيل الله ما هو أعم من الجهاد وغيره من الأعمال الصالحة، انتهى. وبسط العلَّامة السندي (٦) في الجمع بين الروايتين فقال: المقصود تكريمه بالمناداة وإلا فهو يدخل الجنة من ذلك الباب. ثم قال بعد ما بسط الكلام: الخلاف لا يخلو إما أن يكون لسهو وقع من بعض الرواة وهو الظاهر في مثل هذا، وإما أن يكون لأنهما واقعتان في مجلسين، فلعله ﷺ أوحي إليه أولًا بالمناداة من باب واحد وثانيًا بالمناداة من تمام الأبواب، فأخبر في كل مجلس بما أوحي إليه، انتهى.

стр. 1897

(٣٨ - باب فضل من جهّز غازيًا أو خلفه بخير) قال الحافظ (١): "جهّز" أي: هيّأ له أسباب سفره، "أو خَلَفه" بفتح المعجمة واللام الخفيفة، أي: قام بحال من يتركه، ومطابقة حديث أنس للترجمة من جهة قوله: "أو خلفه في أهله" لأن ذلك أعم من أن يكون في حياته أو بعد موته، والنبي ﷺ كان يجبر قلب أم سليم بزيارتها، ويعلل ذلك لأن أخاها قتل معه، ففيه أنه خلفه في أهله بخير بعد وفاته، وذلك من حسن عهده ﷺ ، انتهى. وذكر الشيخ قُدِّس سرُّه وجه المطابقة بنوع آخر فقال: ويمكن أن تكون أم سليم خليفة من أخيها على أهله وأولاده بعد خروجه إلى القتال فيكون إيراد الرواية ههنا لذلك، انتهى (٢). وقال القسطلاني (٣): فإن قلت: هل من جهّز غازيًا على الكمال ويخلفه بخير في أهله له أجر غازيين أو غاز واحد؟ أجاب ابن أبي جمرة: بأن ظاهر اللفظ يفيد أن له أجر غازيين؛ لأنه ﵊ جعل كل فعل مستقلًا بنفسه غير مرتبط بغيره، انتهى. ثم في رواية لمسلم (٤) أن رسول الله بعث بعثًا وقال: "ليخرج من كل رجلين رجل والأجر بينهما"، وفي رواية له: "وأيكم خلف الخارج في أهله وماله بخير، كان له مثل نصف أجر الخارج"، وذكر الحافظ (٥) وجه الجمع فارجع إليه لو شئت. (٣٩ - باب التحنط عند القتال) أي: استعمال الحنوط وهو ما يطيب به الميت، وقد تقدم بيانه في كتاب الجنائز (٦)، انتهى من "القسطلاني" (٧). قال الأزهري: يدخل فيه

стр. 1898

الكافور، والصندل الأحمر، والأبيض، وقال غيره: الحنوط ما يخلط من الطيب للموتى خاصةً، ولا يقال لطيب الأحياء حنوط (١)، انتهى. وكتب الشيخ في "اللامع" (٢): قوله: "وهو يتحنط" ليكون أنظف وأزكى عند لقاء ربه ﵎، انتهى. وفي "الفيض" (٣): كان من دأب السلف أنهم إذا تهيأوا للقتال حنطوا مخافة أن تتغير أجسادهم بعد القتل؛ لأن الأوان أوان الحرب، وقد يتأخر فيه الدفن. . .، إلى آخر ما قال. قلت: وما أفاده الشيخ الكَنكَوهي أوجه كما لا يخفى. (٤٠ - باب فضل الطليعة) أي: من يُبْعَثُ إلى العدو ليطلع على أحوالهم، وهو اسم جنس يشمل الواحد فما فوقه، انتهى من "الفتح" (٤). (٤١ - باب هل يبعث الطليعة وحده) قال العيني (٥): وجواب: هل، محذوف، والتقدير: يبعث، أو: يجوز بعثه وحده، انتهى. وقال الحافظ (٦): وفي الحديث: جواز استعمال التجسس في الجهاد، وفيه أيضًا جواز سفر الرجل وحده، وأن النهي عن السفر وحده إنما هو حيث لا تدعو الحاجة إلى ذلك، انتهى. قلت: وسيبوب البخاري لهذا المعنى ترجمة مستقلة بـ "باب السير وحده" (٧)، ويذكر فيه حديثين متعارضين.

стр. 1899

والأوجه عندي: في الفرق بين الترجمتين أن مبنى الطليعة على السر والإخفاء لأنها تبعث إلى العدو للتجسس والاطلاع على أحواله، ولذا قال ابن المنيِّر (١): السير لمصلحة الحرب أخص من السفر، فيؤخذ من حديث جابر جواز السفر منفردًا للضرورة والمصلحة التي لا تنتظم إلى بالانفراد كإرسال الجاسوس، انتهى. قلت: ولهذا الفرق المذكور بين مطلق السفر والسير لمصلحة الحرب لم يذكر في هذا الباب إلا حديث جابر الدال على الجواز ولم يذكر حديث المنع، كما ذكره في الباب الآتي لكنه نبَّه بقوله: "هل" على الأمن من الموانع والمضار، انتهى مختصرًا من هامش "اللامع" (٢) وسيأتي شيء من الكلام هناك إن شاء الله. (٤٢ - باب سفر الاثنين) أي: جوازه، والمراد سفر الشخصين لا سفر يوم الاثنين، بخلاف ما فهمه الداودي ثم اعترض على البخاري، انتهى من "الفتح" (٣). وقال القسطلاني (٤): وحديث "الراكبان شيطانان" المروي بإسناد حسن وصححه ابن خزيمة قال الطبري: إنه زجر أدب وإرشاد حسمًا للمادة فلا يتناول ما إذا وقعت الحاجة له، انتهى. (٤٣ - باب الخيل معقود في نواصيها الخير. . .) إلخ قال الحافظ (٥): هكذا ترجم بلفظ الحديث من غير مزيد، وقد استنبط منه ما يأتي في الباب بعده، انتهى.

стр. 1900

(٤٤ - باب الجهاد مَاضٍ مع الْبَرِّ والفاجر. . .) إلخ هذه الترجمة لفظ حديث أخرجه بنحوه أبو داود وأبو يعلى مرفوعًا وموقوفًا عن أبي هريرة. قوله: (لقول النبي ﷺ :. . .) إلخ، سبقه إلى الاستدلال بها الإمام أحمد؛ لأنه ﷺ ذكر بقاء الخير في نواصي الخيل إلى يوم القيامة، وفسَّره بالأجر والمغنم، والمغنم المقترن بالأجر إنما يكون من الخيل بالجهاد، ولم يقيِّد ذلك بما إذا كان الإمام عادلًا فدل على أن لا فرق في حصول هذا الفضل بين أن يكون الغزو مع الإمام العادل أو الجائر، انتهى (١). وكتب الشيخ قُدِّس سرُّه في "اللامع" (٢): ودلالة الرواية على الترجمة من حيث إن الجهاد لما كان ماضيًا إلى يوم القيامة، ومن المعلوم أن الناس إلى يوم القيامة ليس جميعهم بارًا، فلم يكن مضي الجهاد إلى يوم القيامة إلا وهو جائز مع البر والفاجر، انتهى. (٤٥ - باب من احتبس فرسًا في سبيل الله. . .) إلخ الغرض من الترجمة بيان فضله كما في "الفتح" (٣) وغيره، ويستنبط من الحديث جواز وقف المنقولات، وتقدم الكلام عليه فقهًا في محله. (٤٦ - باب اسم الفرس والحمار) أي: مشروعية تسميتهما، وكذا غيرهما من الدواب بأسماء تخصها غير أسماء أجناسها، وقد اعتنى من ألَّف في السيرة النبوية لسرد أسماء ما ورد في الأخبار من خيله ﷺ ، وغير ذلك من دوابه، وفي الأحاديث الواردة في هذا الباب ما يقوي قول من ذكر أنساب بعض الخيول العربية الأصلية؛ لأن الأسماء توضع للتمييز بين أفراد الجنس، انتهى

стр. 1901

من "الفتح" (١). قلت: وترجم الإمام أبو داود في "السنن" "باب في الرجل يسمي دابته" وكتب عليه شيخنا في "البذل" (٢): عقد هذا الباب إشارة إلى مشروعية تسمية الدواب من الحمار والفرس، انتهى. وفي تقرير الوالد قُدِّس سرُّه: لئلا يتوهم أنه من رسوم الجاهلية، انتهى. (٤٧ - باب ما يذكر من شؤم الفرس) أي: هل هو على عمومه، أو مخصوص ببعض الخيل؟ وهل هو على ظاهره، أو مؤول؟ وقد أشار بإيراد حديث سهل بعد حديث ابن عمر إلى أن الحصر الذي في حديث ابن عمر ليس على ظاهره، وبترجمة الباب الذي بعده وهي: "الخيل لثلاثة" إلى أن الشؤم مخصوص ببعض الخيل دون بعض، وكل ذلك من لطيف نظره ودقيق فكره، انتهى من "الفتح" (٣). ثم اختلفت الروايات في إثبات الشؤم ونفيه، وكذا اختلفوا في وجوه الجمع بينهما، وترجم الإمام البخاري في "كتاب النكاح": "باب ما يتقى من شؤم المرأة". وكتب الشيخ قُدِّس سرُّه هناك في "اللامع" (٤): أشار بذلك إلى توجيه الجمع بين روايتي إثبات الشؤم للمرأة ونفيه عنها بأن الشؤم المنفي هو الشؤم بمعنى النحوسة، والمثبت هو بمعنى الإضرار والمخالفة والعداوة ظاهرة كانت أو باطنة، انتهى. وفي هامشه: بسط الكلام على الحديث في "الأوجز" (٥) وفيه: قال

стр. 1902

الحافظ (١): مال مالك وابن قتيبة وغيرهما إلى ظاهره، وقال آخرون: المراد على شرط وجوده كما ورد في الروايات، قال الحافظ: وقع في رواية الباب في "البخاري" عن ابن عمر بلفظ: "إن كان في شيء" وهكذا في الروايات الأخر التي ذكرت في "الأوجز"، وهذه الروايات تقتضي عدم الجزم بذلك، قال الطحاوي (٢): ففي هذه الروايات: "إن تكن في شيء" أي: لو كانت تكون في شيء لكانت في هؤلاء، فإذا لم تكن في هؤلاء الثلاث فليست في شيء، قال الحافظ (٣): وقال آخرون: يحمل الشؤم على قلة الموافقة وسوء الطباع، انتهى. قلت: وأوجه الأقوال عندي في ذلك ما أفاده الشيخ الكَنكَوهي قُدِّس سرُّه في "الكوكب الدري" (٤) إذ قال: وأصح التأويلات فيه أن الشؤم يراد به معنيان: النحوسة المطلقة، والثاني: اشتماله على ما يكرهه الطبيعة، ويجتذب منه المشاق، وكونه سببًا لما يتنفر منه الطبيعة، فحيث نفى الشؤم أصلًا، أو قال: لو كان الشؤم لكان في هذه الثلاثة، فالمراد هو المعنى الأول، وحيث أثبته أراد الثاني، انتهى. وفي مكتوبات (٥) الشيخ المجدد السرهندي قُدِّس سرُّه: أن النحوسة كانت في الأيام قبل بعثته ﷺ ، فلما بعث النبي ﷺ رحمة للعالمين صارت كلها سواء، لا نحوسة فيها، ولا شؤم، انتهى من هامش "فيض الباري" (٦). (٤٨ - باب الخيل لثلاثة) قال الحافظ (٧): هكذا اقتصر على صدر الحديث، وأحال بتفسيره على ما ورد فيه، وقد فهم بعض الشرَّاح منه الحصر فقال: اتخاذ الخيل لا يخرج

стр. 1903

عن أن يكون مطلوبًا أو مباحًا أو ممنوعًا، فيدخل في المطلوب الواجب والمندوب، ويدخل في الممنوع المكروه والحرام بحسب اختلاف المقاصد، واعترض بعضهم بأن المباح لم يذكر في الحديث وقال: والسر فيه أنه ﷺ غالبًا إنما يعتني بذكر ما فيه حض أو منع، وأما المباح الصرف فيسكت عنه لما عرف أن سكوته عنه عفو، انتهى. ويحتمل عندي في وجه الغرض من الترجمة أنه الإشارة إلى نفي ما سبق من شؤم الفرس من حيث الحصر الوارد في الحديث، فإنه لم يتعرض فيه إلى الشؤم فافهم، وهذا ما عندي، وأما عند الحافظ فقد تقدم في الباب السابق من أن المؤلف أشار بهذه الترجمة إلى أن الشؤم مخصوص ببعض الخيول. (٤٩ - باب من ضرب دابة غيره في الغزو) أي: إعانة له ورفقًا به، قاله الحافظ (١). (٥٠ - باب الركوب على دابة صعبة) قال الحافظ: "الصعبة" بسكون العين، أي: الشديدة، و"الفحولة" بالفاء والمهملة جمع فحل، والتاء فيه لتأكيد الجمع، وأخذ المصنف ركوب الصعبة من ركوب الفحل؛ لأنه في الغالب أصعب ممارسة من الأنثى، وأخذ كونه فحلًا من ذكره بضمير المذكر، وقال ابن المنيِّر: هو استدلال ضعيف؛ لأن العود يصح على اللفظ، ولفظ الفرس مذكر وإن كان يقع على المؤنث وعكسه الجماعة، فيجوز إعادة الضمير على اللفظ وعلى المعنى، إلى آخر ما في "الفتح" (٢). وكتب الشيخ في "اللامع" (٣): دلالة الرواية على هذا المعنى من حيث

стр. 1904

إن الدابة الصعبة كما تخل بالسير وقطع المسافة، فكذلك القطوف البطيء المشي، فلما جاز الركوب عليه جاز على صعبة أيضًا، والاستدلال على ركوب الفحولة من حيث إطلاق اللفظة أو تذكيرها، انتهى. قلت: ظاهر كلام الشيخ أنه حمل الترجمة على بيان الجواز، وعليه حمل العلَّامة العيني (١). والأوجه عند هذا العبد الضعيف: أن غرض الإمام البخاري ترغيب الركوب على الدابة الصعبة والفحولة كما يدل عليه أثر راشد بن سعد: "كان السلف يستحبون الفحولة" ودلالة الرواية عليه بما صار حال فرس أبي طلحة بعد ركوبه ﷺ حتى قال: "وجدناه لبحرًا"، وبهذا اللفظ استدل البخاري على الترجمة، ووجه أفضلية الركوب على الدابة الصعبة أنه دليل على مهارة الراكب بالركوب وتدربه على الفروسية البالغة، ولأجل ذلك كان عمر ﵁ يأمر بقطع الركب، وإليه أشار البخاري كما سيأتي قريبًا بـ "باب ركوب الفرس العري"، انتهى من هامش "اللامع" (٢). (٥١ - باب سهام الفرس. . .) إلخ أي: ما يستحقه الفارس من الغنيمة بسبب فرسه، قاله الحافظ (٣). والمسألة خلافية شهيرة، فعند الإمام أبي حنيفة للفرس سهم، وعند الأئمة الثلاثة وصاحبي أبي حنيفة للفرس سهمان، وأما قوله: "يسهم للخيل والبراذين" فأيضًا مسألة خلافية بسطت في "الأوجز" (٤)، فبقول مالك المذكور قال الشافعي والحنفية من أن سهم الخيل والبراذين سواء، وعن أحمد في ذلك ثلاث روايات: إحداها: موافقة للجمهور، والثانية: أن للبرذون سهمًا واحدًا، قال الخلّال: تواترت الروايات عن أبي عبد الله في سهام البرذون أنه واحد، والثالثة: أن البراذين إن أدركت إدراك العراب،

стр. 1905

أسهم لها مثل الفرس العربي، وإلا فلا، وههنا مسألة ثالثة وهي ما قاله: لا يسهم لأكثر من فرس، بسط الكلام على ذلك في "الأوجز". قال الحافظ: قوله: "لا يسهم لأكثر. . ." إلخ، هو بقية كلام مالك، وهو قول الجمهور، وقال الليث وأبو يوسف وأحمد وإسحاق: يسهم لفرسين لا لأكثر، انتهى. وفي "الأوجز" (١): وبقول مالك قال أبو حنيفة والشافعي ومحمد وأهل الظاهر، وذلك لأنه إنما يسهم لفرس يركبه فارس، وأما فرس لا يركبه فلا منفعة فيه، وهذا الفارس لا يمكن أن يقاتل على اثنين منهما في وقت واحد، فوجب أن لا يسهم إلا لفرس واحد، كذا في "المنتقى" (٢)، انتهى مختصرًا. (٥٢ - باب من قاد دابة غيره في الحرب) أي: إعانة للغازي فالمقصود بيان فضله كما تقدم نظيره من "باب من ضرب دابة غيره" ولك أن تقول: إنه أشار بذلك إلى أن النهي عن الجلب لا يتناول هذا. (٥٣ - باب الركاب والغرز للدابة) قيل: الركاب يكون من الحديد والخشب، والغرز لا يكون إلا من الجلد، وقيل: هما مترادفان، أو الغرز للجمل، والركاب للفرس، وحديث الباب ظاهر فيما ترجم له من الغرز، وأما الركاب فألحقه به لأنه في معناه، قال ابن بطال (٣): كأنه أشار إلى أن ما جاء عن عمر أنه قال: "اقطعوا الركب وثبوا على الخيل وثبًا" ليس على منع اتخاذ الركب أصلًا، وإنما أراد تدريبهم على ركوب الخيل، انتهى (٤).

стр. 1906

(٥٤ - باب ركوب الفرس العري) بضم المهملة وسكون الراء، أي: ليس عليه سرج ولا أداة، ولا يقال في الآدميين إنما يقال عريان، ثم قال الحافظ: وفي الحديث ما كان عليه النبي ﷺ من التواضع والفروسية البالغة، فإن الركوب المذكور لا يفعله إلا من أحكم الركوب وأدمن على الفروسية، وفيه أيضًا ما يشير إلى أنه ينبغي للفارس أن يتعاهد للفروسية، ويروض طباعه عليها، لئلا يفجأه شدة فيكون قد استعد لها، انتهى من "الفتح" (١). (٥٥ - باب الفرس القطوف) يمكن عندي أن يقال: إن الغرض الكلي لمثل هذه التراجم العديدة إثبات ركوبه ﷺ على تلك الأنواع من الخيول فتكون هذه التراجم من الأصل الرابع عشر. قال العلَّامة العيني: القطوف: بفتح القاف وضم الطاء المهملة، وهو من الدواب: المقارب الخطو، وقيل: الضيق المشي، يقال: قطفت الدابة تقطف قطافًا وقطوفًا بالضم، إذا أبطأت السير مع تقارب الخطو، وقال الثعالبي: إن مشى وثبًا فهو قطوف، وإن كان يرفع يديه ويقوم على رجليه فهو سبوت، وإن التوى براكبه فهو قموص، وإن منع ظهره فهو شموس، انتهى من "العيني" (٢). (٥٦ - باب السبق بين الخيل) أي: مشروعية ذلك، والسبق بفتح المهملة وسكون الموحدة وهو المراد هنا، وبالتحريك الرهن الذي يوضع بذلك، قاله الحافظ (٣).

стр. 1907

(٥٧ - باب إضمار الخيل للسبق) إشارة إلى أن السُّنَّة في المسابقة أن يتقدم إضمار الخيل وإن كانت التي لا تضمر لا تمتنع المسابقة عليها، قاله الحافظ (١). وفي "العيني" (٢) أي: بيان إضمار الخيل لأجل السبق، هل هو شرط أم لا؟ والإضمار والتضمير أن يظاهر على الخيل بالعلف حتى يسمن، ثم لا تعلف إلا قوتًا لتخف، وقيل: يشد عليها سروجها وتجلل بالأجلة حتى تعرق تحتها فيذهب رهلها، ويشتد لحمها، فيكون أقوى لجريه، انتهى. وقال القسطلاني (٣): وقد أورد ابن بطال هنا سؤالًا وهو كيف ترجم على إضمار الخيل؟ وذكر أن النبي ﷺ : "سابق بين الخيل التي لم تضمر"، وأجاب بأنه أشار بطرف من الحديث إلى بقيته لأن تمام الحديث: "سابق بين الخيل التي أضمرت وبين الخيل التي لم تضمر"، وتعقبه ابن المنيِّر فقال: إنما كان البخاري يترجم على الشيء من الجهة العامة لما قد يكون ثابتًا ولما قد يكون منفيًا، فمعنى قوله: "باب إضمار الخيل. . ." إلخ، هل هو شرط أو لا؟ فبيَّن أنه ليس بشرط، وهذا أقعد لمقاصد البخاري من قول الشارح: إنما ذكر طرفًا من الحديث. . . إلخ؛ لأن لقائل أن يقول: إذا لم يكن بد من الاختصار فذكر الطرف المطابق للترجمة أولى لا سيما والطرف المطابق هو أول الحديث، قال ابن حجر: ولا منافاة بين كلامه وكلام ابن بطال بل أفاد النكتة في الاقتصار، انتهى. (٥٨ - باب غاية السبق للخيل المضمّرة) قال الحافظ (٤) ابن حجر: أي: بيان ذلك وبيان غاية التي لم تضمر، ثم قال بعد ذكر الحديث: وفيه مشروعية المسابقة، وأنه ليس من العبث بل

стр. 1908

من الرياضة المحمودة الموصلة إلى تحصيل المقاصد في الغزو والانتفاع بها عند الحاجة، وهي دائرة بين الاستحباب والإباحة بحسب الباعث على ذلك. قال القرطبي: لا خلاف في جواز المسابقة على الخيل وغيرها من الدواب والأقدام، وكذا الترامي بالسهام واستعمال الأسلحة لما في ذلك من التدريب على الحرب، وفيه جواز إضمار الخيل، ولا يخفى اختصاص استحبابها بالخيل المعدة للغزو، انتهى مختصرًا. (٥٩ - باب ناقة النبي ﷺ . . .) إلخ وفي بعض النسخ: "باب ناقة النبي ﷺ القصواء والعضباء. . ." إلخ، قاله العيني (١). وقال الحافظ (٢): كذا أفرد الناقة في الترجمة إشارة إلى أن العضباء والقصواء واحدة، انتهى. وفي "الفيض" (٣): اختلف أهل السِّيَر في أن القصواء والجدعاء والعضباء كانت ثلاث نوق للنبي ﷺ ، أو كلها أسماء لناقة واحدة، انتهى. وكتب الشيخ في "اللامع" (٤) في "كتاب المغازي": قوله: "وهي الجدعاء" وليست هي بالجدعاء التي هي ناقة رسول الله ﷺ المشهورة بالقصواء، انتهى. وفي هامشه: المسألة خلافية، وبسطه أشد البسط، وفيه: قال الحافظ (٥): اختلف هل العضباء هي القصواء أو غيرها؟ فجزم الحربي بالأول وقال: تسمى العضباء والقصواء والجدعاء، وروى ذلك ابن سعد عن

стр. 1909

الواقدي، وقال غيره بالثاني، وقال: الجدعاء كانت شهباء وكان لا يحمله عند نزول الوحي غيرها، وذكر له عدة نوق غير هذه تتبعها من اعتنى بجمع السيرة، انتهى. (٦٠ - باب بغلة النبي ﷺ . . .) إلخ قال الحافظ (١): قوله: "قاله أنس" يشير إلى حديثه الطويل في قصة حنين، وسيأتي موصولًا مع شرحه في "المغازي" (٢) وفيه "وهو على بغلة بيضاء"، قوله: "وقال أبو حميد: أهدى ملك أيلة" يشير إلى حديثه الطويل في غزوة تبوك، ومما ينبَّه عليه هنا أن البغلة البيضاء التي كان عليها في حنين غير البغلة البيضاء التي أهداها له ملك أيلة؛ لأن ذلك كان في تبوك وغزوة حنين كانت قبلها. . .، إلى آخر ما قال. (٦١ - باب جهاد النساء) كتب الشيخ قُدِّس سرُّه في "اللامع" (٣) أي: ما هو؟ أو المعنى بيان جوازه، ودلالة الروايتين عليه ظاهرة لأن النبي ﷺ لم ينكر على السائلة سؤالها، فكان تقريرًا لجوازه لهن، غير أنه مشروط بعدم الفتنة، انتهى. وفي هامشه: قال الحافظ (٤): قال ابن بطال (٥): دلَّ حديث عائشة على أن الجهاد غير واجب على النساء ولكن ليس في قوله: "جهادكن الحج" أنه ليس لهن أن يتطوعن بالجهاد، وإنما لم يكن عليهن واجبًا لما فيه من مغايرة المطلوب منهن من الستر ومجانبة الرجال، فلذلك كان الحج أفضل لهن من الجهاد، انتهى.

стр. 1910

قال الحافظ: وقد لمَّح البخاري بذلك في إيراده الترجمة مجملة وتعقيبها بالتراجم المصرَّحة بخروج النساء إلى الجهاد، انتهى. (٦٢ - باب غزوة المرأة في البحر) تقدم في كلام الحافظ آنفًا ما هو الغرض عنده، وعندي: أن الإمام البخاري أشار بذلك إلى الاختلاف فيه، والمعروف عن الإمام مالك المنع مطلقًا للمرأة، بسط الكلام عليه في "الأوجز" (١)، وفيه: وفي الحديث جواز ركوب البحر الملح للغزو، وكان عمر يمنع منه، ثم أذن فيه عثمان، ثم منع منه عمر بن عبد العزيز، ثم أذن فيه من بعده، واستقر الأمر عليه، ونقل عن عمر أنه إنما منع عن ركوبه لغير الحج والعمرة، ونقل ابن عبد البر أنه يحرم ركوبه عند ارتجاجه اتفاقًا، وكره مالك ركوب النساء البحر لما يخشى من اطلاعهن على عورات الرجال فيه، إذ يتعسر الاحتراز من ذلك، وخص أصحابه ذلك بالسفن الصغار، وأما الكبار التي يمكنهن فيها من الاستتار بأماكن تخصهن فلا حرج فيه. وفي "التمهيد" (٢) لابن عبد البر: كان مالك يكره للمرأة الحج في البحر فهو للجهاد أكره، انتهى من هامش "اللامع" (٣). ثم لا يخفى عليك ما في "الأوجز" (٤) في ذيل شرح حديث الباب عن ابن عبد البر (٥): واحتج بذلك قوم، وقالوا: شهيد البر أفضل، وقال آخرون: شهيد البحر أفضل، والغزو في البحر أفضل، واحتجوا بحديث منقطع عن النبي ﷺ قال: "من لم يدرك الغزو معي فليغز في البحر، فإن غزاة في البحر أفضل من غزوتين في البر، وإن شهيد البحر له أجر شهيدي البر، وإن أفضل الشهداء عند الله يوم القيامة أصحاب الوكوف، قالوا:

стр. 1911

يا رسول الله! وما أصحاب الوكوف؟ قال: قوم تكفأ بهم مراكبهم في سبيل الله". وعن عبد الله بن عمرو أنه قال: غزوة في البحر أفضل من عشر غزوات في البر، انتهى من "الأوجز". (فائدة): وأول من ركب البحر للغزاة معاوية، وذلك في خلافة عثمان، كما في "الفتح" (١). (٦٣ - باب حمل الرجل امرأته في الغزو دون بعض نسائه) قال العيني (٢): أراد أنه لما غزا أخذ معه من نسائه واحدة منهن، ولكن بعد القرعة بينهن، كما صرَّح به في حديث الباب، انتهى. (٦٤ - باب غزو النساء وقتالهن مع الرجال) قال الحافظ (٣) بعد ذكر عدة روايات: ولم أر في شيء من ذلك التصريح بأنهن قاتلن، ولأجل ذلك قال ابن المنيِّر (٤): بوَّب على قتالهن وليس هو في الحديث، فإما أن يريد أن إعانتهن للغزاة غزو، وإما أن يريد أنهن ما ثبتن لسقي الجرحى ونحو ذلك إلا وهن بصدد أن يدافعن عن أنفسهن، وهو الغالب، انتهى. قال الحافظ (٥): وقد وقع عند مسلم عن أنس "أن أم سليم اتخذت خنجرًا يوم حنين فقالت: اتخذته إن دنا مني أحد من المشركين بقرت به بطنه" ويحتمل أن يكون غرض البخاري بالترجمة أن يبيِّن أنهن لا يقاتل وإن خرجن في الغزو، فالتقدير بقوله: "وقتالهن مع الرجال" أي: هل هو سائغ؟ أو إذا خرجن مع الرجال في الغزو يقتصرن على ما ذكر من مداواة الجرحى ونحو ذلك، انتهى.

стр. 1912

(٦٥ - باب حمل النساء القرب إلى الناس. . .) إلخ أي: مشروعية ذلك، والقرب بكسر القاف جمع قربة، قاله العيني (١). (٦٦ - باب مداواة النساء الجرحى) من الرجال وغيرهم، جمع جريح، قال الحافظ (٢): وفي الحديث جواز معالجة المرأة الأجنبية الرجل الأجنبي للضرورة، قال ابن بطال (٣): ويختص ذلك بذوات المحارم ثم بالمتجالات منهن؛ لأن موضع الجرح لا يلتذ بلمسه بل يقشعر منه الجلد، فإن دعت الضرورة لغير المتجالات فليكن بغير مباشرة ولا مس، ويدل على ذلك اتفاقهم على أن المرأة إذا ماتت ولم توجد امرأة تغسلها أن الرجل لا يباشر غسلها بالمس بل يغسلها من وراء حائل، في قول بعضهم كالزهري وإسحاق، وعند سعيد بن المسيب ومالك والكوفيين وأحمد: تيمم بالصعيد، وهو أصح الأوجه عند الشافعية، وقال الأوزاعي: تدفن كما هي ولا تيمم، وقيل: الفرق بين حال المداواة وتغسيل الميت أن الغسل عبادة والدواء ضرورة، والضرورات تبيح المحظورات، انتهى بزيادة من "العيني" (٤). (٦٧ - باب ردّ النساء الجرحى والقتلى) كذا في رواية الأكثرين، وفي رواية الكشميهني: "إلى المدينة" بعد قوله: القتلى، وقال ابن التِّين: كانوا يوم أُحد يجمعون الرجلين والثلاثة من الشهداء على دابة وتردهن النساء إلى موضع قبورهم، انتهى من "العيني" (٥).
следующие страницы →