← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 853

الأبواب والتراجم لصحيح البخاري

محمد زكريا الكاندهلوي

Полный текст (3 740 стр.). Показаны 1908–1947 · переход к 1913.

стр. 1908

من الرياضة المحمودة الموصلة إلى تحصيل المقاصد في الغزو والانتفاع بها عند الحاجة، وهي دائرة بين الاستحباب والإباحة بحسب الباعث على ذلك. قال القرطبي: لا خلاف في جواز المسابقة على الخيل وغيرها من الدواب والأقدام، وكذا الترامي بالسهام واستعمال الأسلحة لما في ذلك من التدريب على الحرب، وفيه جواز إضمار الخيل، ولا يخفى اختصاص استحبابها بالخيل المعدة للغزو، انتهى مختصرًا. (٥٩ - باب ناقة النبي ﷺ . . .) إلخ وفي بعض النسخ: "باب ناقة النبي ﷺ القصواء والعضباء. . ." إلخ، قاله العيني (١). وقال الحافظ (٢): كذا أفرد الناقة في الترجمة إشارة إلى أن العضباء والقصواء واحدة، انتهى. وفي "الفيض" (٣): اختلف أهل السِّيَر في أن القصواء والجدعاء والعضباء كانت ثلاث نوق للنبي ﷺ ، أو كلها أسماء لناقة واحدة، انتهى. وكتب الشيخ في "اللامع" (٤) في "كتاب المغازي": قوله: "وهي الجدعاء" وليست هي بالجدعاء التي هي ناقة رسول الله ﷺ المشهورة بالقصواء، انتهى. وفي هامشه: المسألة خلافية، وبسطه أشد البسط، وفيه: قال الحافظ (٥): اختلف هل العضباء هي القصواء أو غيرها؟ فجزم الحربي بالأول وقال: تسمى العضباء والقصواء والجدعاء، وروى ذلك ابن سعد عن

стр. 1909

الواقدي، وقال غيره بالثاني، وقال: الجدعاء كانت شهباء وكان لا يحمله عند نزول الوحي غيرها، وذكر له عدة نوق غير هذه تتبعها من اعتنى بجمع السيرة، انتهى. (٦٠ - باب بغلة النبي ﷺ . . .) إلخ قال الحافظ (١): قوله: "قاله أنس" يشير إلى حديثه الطويل في قصة حنين، وسيأتي موصولًا مع شرحه في "المغازي" (٢) وفيه "وهو على بغلة بيضاء"، قوله: "وقال أبو حميد: أهدى ملك أيلة" يشير إلى حديثه الطويل في غزوة تبوك، ومما ينبَّه عليه هنا أن البغلة البيضاء التي كان عليها في حنين غير البغلة البيضاء التي أهداها له ملك أيلة؛ لأن ذلك كان في تبوك وغزوة حنين كانت قبلها. . .، إلى آخر ما قال. (٦١ - باب جهاد النساء) كتب الشيخ قُدِّس سرُّه في "اللامع" (٣) أي: ما هو؟ أو المعنى بيان جوازه، ودلالة الروايتين عليه ظاهرة لأن النبي ﷺ لم ينكر على السائلة سؤالها، فكان تقريرًا لجوازه لهن، غير أنه مشروط بعدم الفتنة، انتهى. وفي هامشه: قال الحافظ (٤): قال ابن بطال (٥): دلَّ حديث عائشة على أن الجهاد غير واجب على النساء ولكن ليس في قوله: "جهادكن الحج" أنه ليس لهن أن يتطوعن بالجهاد، وإنما لم يكن عليهن واجبًا لما فيه من مغايرة المطلوب منهن من الستر ومجانبة الرجال، فلذلك كان الحج أفضل لهن من الجهاد، انتهى.

стр. 1910

قال الحافظ: وقد لمَّح البخاري بذلك في إيراده الترجمة مجملة وتعقيبها بالتراجم المصرَّحة بخروج النساء إلى الجهاد، انتهى. (٦٢ - باب غزوة المرأة في البحر) تقدم في كلام الحافظ آنفًا ما هو الغرض عنده، وعندي: أن الإمام البخاري أشار بذلك إلى الاختلاف فيه، والمعروف عن الإمام مالك المنع مطلقًا للمرأة، بسط الكلام عليه في "الأوجز" (١)، وفيه: وفي الحديث جواز ركوب البحر الملح للغزو، وكان عمر يمنع منه، ثم أذن فيه عثمان، ثم منع منه عمر بن عبد العزيز، ثم أذن فيه من بعده، واستقر الأمر عليه، ونقل عن عمر أنه إنما منع عن ركوبه لغير الحج والعمرة، ونقل ابن عبد البر أنه يحرم ركوبه عند ارتجاجه اتفاقًا، وكره مالك ركوب النساء البحر لما يخشى من اطلاعهن على عورات الرجال فيه، إذ يتعسر الاحتراز من ذلك، وخص أصحابه ذلك بالسفن الصغار، وأما الكبار التي يمكنهن فيها من الاستتار بأماكن تخصهن فلا حرج فيه. وفي "التمهيد" (٢) لابن عبد البر: كان مالك يكره للمرأة الحج في البحر فهو للجهاد أكره، انتهى من هامش "اللامع" (٣). ثم لا يخفى عليك ما في "الأوجز" (٤) في ذيل شرح حديث الباب عن ابن عبد البر (٥): واحتج بذلك قوم، وقالوا: شهيد البر أفضل، وقال آخرون: شهيد البحر أفضل، والغزو في البحر أفضل، واحتجوا بحديث منقطع عن النبي ﷺ قال: "من لم يدرك الغزو معي فليغز في البحر، فإن غزاة في البحر أفضل من غزوتين في البر، وإن شهيد البحر له أجر شهيدي البر، وإن أفضل الشهداء عند الله يوم القيامة أصحاب الوكوف، قالوا:

стр. 1911

يا رسول الله! وما أصحاب الوكوف؟ قال: قوم تكفأ بهم مراكبهم في سبيل الله". وعن عبد الله بن عمرو أنه قال: غزوة في البحر أفضل من عشر غزوات في البر، انتهى من "الأوجز". (فائدة): وأول من ركب البحر للغزاة معاوية، وذلك في خلافة عثمان، كما في "الفتح" (١). (٦٣ - باب حمل الرجل امرأته في الغزو دون بعض نسائه) قال العيني (٢): أراد أنه لما غزا أخذ معه من نسائه واحدة منهن، ولكن بعد القرعة بينهن، كما صرَّح به في حديث الباب، انتهى. (٦٤ - باب غزو النساء وقتالهن مع الرجال) قال الحافظ (٣) بعد ذكر عدة روايات: ولم أر في شيء من ذلك التصريح بأنهن قاتلن، ولأجل ذلك قال ابن المنيِّر (٤): بوَّب على قتالهن وليس هو في الحديث، فإما أن يريد أن إعانتهن للغزاة غزو، وإما أن يريد أنهن ما ثبتن لسقي الجرحى ونحو ذلك إلا وهن بصدد أن يدافعن عن أنفسهن، وهو الغالب، انتهى. قال الحافظ (٥): وقد وقع عند مسلم عن أنس "أن أم سليم اتخذت خنجرًا يوم حنين فقالت: اتخذته إن دنا مني أحد من المشركين بقرت به بطنه" ويحتمل أن يكون غرض البخاري بالترجمة أن يبيِّن أنهن لا يقاتل وإن خرجن في الغزو، فالتقدير بقوله: "وقتالهن مع الرجال" أي: هل هو سائغ؟ أو إذا خرجن مع الرجال في الغزو يقتصرن على ما ذكر من مداواة الجرحى ونحو ذلك، انتهى.

стр. 1912

(٦٥ - باب حمل النساء القرب إلى الناس. . .) إلخ أي: مشروعية ذلك، والقرب بكسر القاف جمع قربة، قاله العيني (١). (٦٦ - باب مداواة النساء الجرحى) من الرجال وغيرهم، جمع جريح، قال الحافظ (٢): وفي الحديث جواز معالجة المرأة الأجنبية الرجل الأجنبي للضرورة، قال ابن بطال (٣): ويختص ذلك بذوات المحارم ثم بالمتجالات منهن؛ لأن موضع الجرح لا يلتذ بلمسه بل يقشعر منه الجلد، فإن دعت الضرورة لغير المتجالات فليكن بغير مباشرة ولا مس، ويدل على ذلك اتفاقهم على أن المرأة إذا ماتت ولم توجد امرأة تغسلها أن الرجل لا يباشر غسلها بالمس بل يغسلها من وراء حائل، في قول بعضهم كالزهري وإسحاق، وعند سعيد بن المسيب ومالك والكوفيين وأحمد: تيمم بالصعيد، وهو أصح الأوجه عند الشافعية، وقال الأوزاعي: تدفن كما هي ولا تيمم، وقيل: الفرق بين حال المداواة وتغسيل الميت أن الغسل عبادة والدواء ضرورة، والضرورات تبيح المحظورات، انتهى بزيادة من "العيني" (٤). (٦٧ - باب ردّ النساء الجرحى والقتلى) كذا في رواية الأكثرين، وفي رواية الكشميهني: "إلى المدينة" بعد قوله: القتلى، وقال ابن التِّين: كانوا يوم أُحد يجمعون الرجلين والثلاثة من الشهداء على دابة وتردهن النساء إلى موضع قبورهم، انتهى من "العيني" (٥).

стр. 1913

(٦٨ - باب نزع السهم من البدن) أي: مشروعية نزع السهم من بدن المصاب، قاله العيني (١). وقال الحافظ: قال المهلب (٢): فيه جواز نزع السهم من البدن وإن كان في غبه الموت، وليس ذلك من الإلقاء إلى التهلكة إذا كان يرجو الانتفاع بذلك، قال: ومثله البط والكي وغير ذلك من الأمور التي يتداوى بها، وقال ابن المنيِّر: لعله ترجم بهذا لئلا يتخيل أن الشهيد لا ينزع منه السهم بل يبقى فيه، كما أمر بدفنه بدمائه حتى يبعث كذلك، فبيَّن بهذه الترجمة أن هذا مما شرع، انتهى. والذي قاله المهلب أولى؛ لأن حديث الباب يتعلق بمن أصابه ذلك وهو في الحياة بعد، والذي أبداه ابن المنيِّر يتعلق بنزعه بعد الوفاة، انتهى كله من "الفتح" (٣). (٦٩ - باب الحراسة في الغزو في سبيل الله -) أي: بيان ما فيها من الفضل، وفي الحديث: الأخذ بالحذر والاحتراس من العدو، وأن على الناس أن يحرسوا سلطانهم خشية القتل، وإنما عانى النبي ﷺ ذلك مع قوة توكله للاستنان به في ذلك، وقد ظاهر بين درعين مع أنهم كانوا إذا اشتد البأس كان أمام الكل، وأيضًا فالتوكل لا ينافي تعاطي الأسباب؛ لأن التوكل عمل القلب وهي عمل البدن، انتهى. ثم قال الحافظ (٤): قال ابن بطال (٥): نسخ ذلك بحديث عائشة عند الترمذي (٦): كان النبي ﷺ يحرس حتى نزلت هذه الآية ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ

стр. 1914

النَّاسِ﴾ [المائدة: ٦٧]، قال القرطبي (١): ليس في الآية ما ينافي الحراسة كما أن إعلام الله بنصر دينه وإظهاره ما يمنع الأمر بالقتال وإعداد العُدَد، وعلى هذا فالمراد العصمة من الفتنة والإضلال أو إزهاق الروح، والله أعلم، انتهى. (٧٠ - باب فضل الخدمة في الغزو) أي: سواء كانت من صغير لكبير أو عكسه أو مع المساواة، وأحاديث الباب الثلاثة يؤخذ منها حكم هذه الأقسام، ثم قال بعد الحديث الأول: وهذا الحديث من الأحاديث التي أوردها المصنف في غير مظنتها، وأليق المواضع بها المناقب، وكذا قال بعد الحديث الثالث، وزاد: لكونه لم يذكره في الصيام واقتصر على إيراده هنا، انتهى من "الفتح" (٢). وقال القسطلاني (٣) بعد الحديث الأول وحكاية قول الحافظ: وفيه - أي: في كلام الحافظ - إشعار بأنه لا مطابقة بين الحديث والترجمة، لكن قال العيني (٤): إن المطابقة تؤخذ مما زاده مسلم (٥) وهو قوله: "في سفر" لشموله الغزو وغيره، انتهى. قلت: لكن صرَّح الحافظ بحصول المطابقة كما تقدم. وقال القسطلاني أيضًا بعد الحديث الثالث: ولم تظهر لي المطابقة بين الترجمة والحديث، نعم يحتمل أن تكون مما زاده مسلم حيث قال: "في سفر" الشامل لسفر الغزو وغيره مع قوله: "فبعثوا الركاب وامتهنوا وعالجوا" المفسر بالخدمة، انتهى.

стр. 1915

(٧١ - باب فضل من حمل متاع صاحبه في السفر) قال الحافظ (١): ذكر فيه حديث أبي هريرة، وهو ظاهر فيما ترجم له؛ لأنه يتناول حالة السفر من هذا الإطلاق بطريق الأولى، قال ابن بطال (٢) في شرح الحديث: وإذا أجر من فعل ذلك بدابة غيره فإذا حمل غيره على دابة نفسه احتسابًا كان أعظم أجرًا، انتهى. (٧٢ - باب فضل رباط يوم في سبيل الله) الرباط بكسر الراء: ملازمة المكان الذي بين المسلمين والكفار لحراسة المسلمين منهم، قال ابن التِّين: بشرط أن يكون غير الوطن، قاله ابن حبيب عن مالك، انتهى. قلت: وفيه نظر في إطلاقه فقد يكون وطنه وينوي بالإقامة فيه دفع العدو، ومن ثم اختار كثير من السلف سكنى الثغور، فبين المرابطة والحراسه عموم وخصوص وجهي، واستدلال المصنف بالآية اختيار لأشهر التفاسير، فعن الحسن البصري وقتادة: ﴿اصْبِرُوا﴾ على طاعة الله ﴿وَصَابِرُوا﴾ أعداء الله في الجهاد ﴿وَرَابِطُوا﴾ [آل عمران: ٢٠٠] في سبيل الله، وعن محمد بن كعب القرظي: صابروا لانتظار الوعد ورابطوا العدو، إلى أن قال الحافظ: وفي "الموطأ" عن أبي هريرة مرفوعًا: "وانتظار الصلاة فذلكم الرباط"، وفي "المستدرك" عن أبي سلمة بن عبد الرحمن أن الآية نزلت في ذلك، واحتج بأنه لم يكن في زمن رسول الله غزو فيه رباط، انتهى. قال الحافظ: وحمل الآية على الأول أظهر، وأما التقييد باليوم في الترجمة وإطلاقه في الآية فكأنه أشار إلى أن مطلقها يقيّد بالحديث، فإنه يشعر بأن أقل الرباط يوم لسياقه في مقام المبالغة، وذكره مع موضع سوط يشير إلى ذلك أيضًا، انتهى كله من "الفتح" (٣).

стр. 1916

(٧٣ - باب من غزا بصبي للخدمة) يشير إلى أن الصبي لا يخاطب بالجهاد ولكن يجوز الخروج به بطريق التبعية، قاله الحافظ (١). والوجه عند هذا العبد الضعيف: أنه أراد إثبات الجواز لدفع توهم ما ورد في حق بعض الصبيان من الصحابة لما عرضوا للخروج إلى الغزو ردهم النبي ﷺ ، منهم ابن عمر، وزيد بن ثابت، وأسامة بن زيد، وغيرهم ﵃، ووجه الدفع أن عرضهم إنما كان للقتال لا للخدمة. (٧٤ - باب ركوب البحر) قال الحافظ (٢): كذا أطلق الترجمة، وخصوص إيراده في أبواب الجهاد يشير إلى تخصيصه بالغزو، وقد اختلف السلف في جواز ركوبه، وفي حديث زهير بن عبد الله يرفعه: "من ركب البحر إذا ارتج فقد برئت منه الذمة"، وفي رواية: "فلا يلومن إلا نفسه" أخرجه أبو عبيد في "غريب الحديث" وفيه تقييد المنع بالارتجاج، ومفهومه الجواز عند عدمه، وهو المشهور من أقوال العلماء، فإذا غلبت السلامة فالبر والبحر سواء، ومنهم من فرَّق بين الرجل والمرأة وهو عن مالك، فمنعه للمرأة مطلقًا، وهذا الحديث حجة للجمهور، انتهى. وتقدمت المذاهب في "باب غزوة المرأة في البحر". (٧٥ - باب من استعان بالضعفاء والصالحين في الحرب) أي: ببركتهم ودعائهم، ذكر فيه طرفًا من الحديث الطويل تقدم موصولًا في بدء الوحي (٣)، والغرض منه قوله في الضعفاء "وهم أتباع

стр. 1917

الرسل"، وطريق الاحتجاج به حكاية ابن عباس ذلك وتقريره له، انتهى من "الفتح" (١). (٧٦ - باب لا يقال: فلان شهيد. . .) إلخ أي: على سبيل القطع بذلك إلا إن كان بالوحي، وكأنه أشار إلى حديث عمر أنه خطب فقال: تقولون في مغازيكم: فلان شهيد ومات فلان شهيدًا، ولعله قد يكون قد أوقر راحلته، ألا لا تقولوا ذلكم، ولكن قولوا كما قال رسول الله ﷺ : "من مات في سبيل الله أو قتل فهو شهيد" وهو حديث أخرجه أحمد وسعيد بن منصور وغيرهما. وقال الحافظ أيضًا في حديث سهل بن سعد في قصة الذي بالغ في القتال: ووجه أخذ الترجمة منه أنهم شهدوا برجحانه في أمر الجهاد، فلو كان قتل لم يمتنع أن يشهدوا له بالشهادة، وقد ظهر منه أنه لم يقاتل لله وإنما قاتل غضبًا لقومه، فلا يطلق على كل مقتول في الجهاد أنه شهيد لاحتمال أن يكون مثل هذا، وإن كان مع ذلك يعطى حكم الشهداء في الأحكام الظاهرة، ولذلك أطبق السلف على تسمية المقتولين في بدر وأُحد وغيرهما شهداء، والمراد بذلك الحكم الظاهر المبني على الظن الغالب، والله أعلم. وقد يتعجب من المهلب حيث قال: إن حديث الباب ضد ما ترجم به البخاري لأنه قال: "لا يقال فلان شهيد" والحديث فيه ضد الشهادة، وكأنه لم يتأمل مراد البخاري، وهو ظاهر كما قررته بحمد الله تعالى، انتهى من "الفتح" (٢). (٧٧ - باب التحريض على الرمي. . .) إلخ قال الحافظ (٣): قوله: "وقول الله " لمح بما جاء في تفسير القوة

стр. 1918

في هذه الآية أنها الرمي، وهو عند مسلم من حديث عقبة بن عامر، ولفظه: "سمعت رسول الله ﷺ يقول وهو على المنبر: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [الأنفال: ٦٠] ألا إن القوة الرمي ثلاثًا"، انتهى. (٧٨ - باب اللهو بالحراب ونحوها) وفي "الفيض" (١): المراد به اللهو للتعليم، انتهى. وقال العيني (٢): أي: مشروعية اللهو بالحراب، بكسر الحاء: جمع الحربة، وقوله: "ونحوها" أي: نحو الحراب من آلات الحرب كالسيف والقوس والنبل، انتهى. قال الحافظ (٣): وكأنه يشير بقوله: "ونحوها" إلى ما روى أبو داود والنسائي (٤) من حديث عقبة بن عامر مرفوعًا: "ليس من اللهو - أي: مشروع أو مطلوب - إلا تأديب الرجل فرسه وملاعبته أهله ورميه بقوسه ونبله"، انتهى. وقال القسطلاني (٥): قال الحافظ ابن حجر وتبعه العيني (٦): لم يقع في هذه الرواية ذكر الحرب، فكأنه أشار إلى ما ورد في بعض طرقه كما تقدم بيانه في "باب أصحاب الحراب في المسجد" (٧) من "كتاب الصلاة"، انتهى. ومراده حديث عائشة قالت: "رأيت النبي ﷺ والحبشة يلعبون بحرابهم"، قال القسطلاني: وهذا عجيب، فقد ثبت ذكر ذلك في حديث هذا الباب في غير ما نسخة، انتهى.

стр. 1919

(٧٩ - باب المِجَنِّ ومن تترس بتُرْسِ صاحبه) المجن بكسر الميم وفتح الجيم وتثقيل النون، أي: الدرقة، وفي "الفيض" (١): المجن من الجلد، والترس من الحديد، انتهى. قال ابن المنيِّر: وجه هذه التراجم دفع من يتخيل أن اتخاذ هذه الآلات ينافي التوكل، والحق أن الحذر لا يرد القدر، ولكن يضيق مسالك الوسوسة لما طبع عليه البشر، قوله: "ومن تترس" أي: فلا بأس به، وقال أيضًا بعد آخر حديث الباب: ودخول هذا الحديث هنا غير ظاهر لأنه لا يوافق واحدًا من ركني الترجمة، وقد أثبت ابن شبويه في روايته قبله لفظ "باب" بغير ترجمة، وله مناسبة بالترجمة التي قبله من جهة أن الرامي لا يستغني عن شيء يقي به عن نفسه سهام من يراميه، انتهى كله من "الفتح" (٢). (٨٠ - باب) بغير ترجمة، هكذا في النسخة الهندية، أي: موافقًا لرواية ابن شبويه، وتقدم ما يتعلق به من كلام الحافظ في الباب السابق. (٨١ - باب الدّرق) أي: جواز اتخاذ ذلك أو مشروعيته، والدرق جمع درقة، وهي الحجفة، ويقال: هو الترس الذي يتخذ من الجلود، انتهى. وتقدم في أبواب العيدين (٣) "باب الحراب والدرق" وذكر هنا هذا الحديث بعينه، ثم يشكل ههنا تكرار الترجمة بما تقدم من باب المجن، فإنهم فسروا المجن بالدرقة، فإما أن يقال بالفرق بين المجن والدرقة، كما قيل، أو يقال: إن المقصود من السابقة هو الجزء الثاني من الترجمة أعني

стр. 1920

"ومن تترس بترس صاحبه" (١). (٨٢ - باب الحمائل وتعليق السيف بالعنق) الحمائل بالمهملة جمع حميلة وهي ما يقلد به السيف، قاله الحافظ. وقال العيني (٢): هي جمع حمالة بالكسر، علاقة مثل السيف المحمل، هذا قول الخليل، وقال الأصمعي: حمائل السيف لا واحد لها من لفظها، وإنما واحدها: محمل، وقال بعضهم: جمع حميلة. قلت: هذا ليس بصحيح، والحميلة ما حمله السيل من الغثاء، انتهى. والغرض من الحديث هنا قوله: "وفي عنقه السيف" فدل على جواز ذلك، قال ابن المنيِّر: مقصود المصنف من هذه التراجم أن يبين زي السلف في آلة الحرب وما سبق استعماله في زمن النبي ﷺ ليكون أطيب للنفس وأنفى للبدعة، انتهى من "الفتح" (٣). وقلت: وعلى هذا تكون الترجمة من الأصل الرابع عشر. (٨٣ - باب ما جاء في حلية السيوف) أي: من الجواز وعدمه، والحلية والحلي اسم لكل ما يتزين به من مصاغ الذهب والفضة، وتطلق الحلية على الصفة أيضًا، انتهى من "العيني" (٤). وقال القسطلاني (٥) بعد ذكر الحديث: ولا يلزم من كون حلية سيوفهم ما ذكر عدم جواز غيره فيجوز للرجل تحلية السيف وغيره من آلات الحرب بالفضة كالرمح وأطراف السهام والدرع وغيرها لأنه يغيظ الكفار، وقد كان للصحابة ﵃ غنية عن ذلك لشدتهم في أنفسهم وقوتهم في إيمانهم،

стр. 1921

ولا يجوز تحلية شيء مما ذكر بالذهب قطعًا ويحرم على النساء تحلية آلات الحرب بالفضة والذهب جميعًا لأن في استعمالهن ذلك تشبهًا بالرجال، كذا قاله الجمهور فيما حكاه في "الروضة" وصوَّبه، انتهى مختصرًا. قلت: وما ذكره القسطلاني من مذهب الجمهور هو مذهب الحنفية، كما في "الدر المختار" (١) وهكذا قال الموفق، ثم قال الموفق (٢): وما عدا ذلك من الذهب فقد روي عن أحمد الرخصة فيه في السيف، وروي عنه رواية أخرى تدل على تحريم ذلك، انتهى. وبسط الكلام في هامش "اللامع" (٣) فارجع إليه. (٨٤ - باب من علّق سيفه بالشجر في السفر. . .) إلخ قال العيني (٤): "القائلة" الظهيرة، وقد يكون بمعنى النوم في الظهيرة، وفائدة هذه الترجمة بيان شجاعة النبي ﷺ وحسن توكله بالله وصدق يقينه وإظهار معجزته وبيان عفوه وصفحه عمن يقصده بسوء، انتهى. (٨٥ - باب لبس البيضة) بفتح وهو ما يلبس في الرأس من آلات السلاح. وكتب الشيخ قُدِّس سرُّه (٥): يعني بذلك: جوازه بدفع ما يتوهم أنه ينافي التوكل، انتهى. (٨٦ - باب من لم ير كسر السلاح عند الموت) كأنه يشير إلى رد ما كان عليه أهل الجاهلية من كسر السلاح وعقر الدواب إذا مات الرئيس فيهم، وربما كان يعهد بذلك لهم، ولعل المصنف

стр. 1922

لمح بذلك إلى من نقل عنه أنه كسر رمحه عند الاصطدام حتى لا يغنمه العدو أن لو قتل وكسر جفن سيفه وضرب بسيفه حتى قتل كما جاء نحو ذلك عن جعفر بن أبي طالب في غزوة مؤتة، فأشار إلى أن هذا شيء فعله جعفر وغيره عن اجتهاد، والأصل عدم جواز إتلاف المال؛ لأنه يفعل شيئًا محققًا في أمر غير محقق، انتهى من "الفتح" (١). وترجم الإمام أبو داود في "السنن" (٢): "باب في الدابة تُعَرْقَبُ في الحرب" وذكر فيه فعل جعفر بن أبي طالب المذكور في كلام الحافظ المتقدم. وكتب الشيخ قُدِّس سرُّه في "اللامع" (٣): "باب من لم ير. . ." إلخ، أي: يتوقف جوازه على تضمنه فائدةً وإلا كان إسرافًا منهيًا عنه، انتهى. قال الحافظ (٤): زعم الكرماني (٥) أن مناسبة الحديث بالترجمة أنه ﷺ مات وعليه دين ولم يبع فيه شيئًا من سلاحه ولو كان رهن درعه، وعلى هذا فالمراد بكسر السلاح بيعه، ولا يخفى بعده، انتهى. وكتب الشيخ قُدِّس سرُّه في "اللامع" (٦): قوله: "إلا سلاحه. . ." إلخ، فإنه لم يكسر سلاحه لأنه لم يتضمن فائدة، ولا كذلك إذا تضمن كسره منفعة معتدة كمن خاف وقوعه في أيدي العدو أو من يخاف عنه على نفسه أو غيره؛ كصبي أو مجنون أو كان فيه تهمة أو لوث كما كان في فتنة الهند، انتهى. وقال القسطلاني (٧): وفي إبقاء السلاح كما قال ابن المنيِّر عنوان للمسلم على إبقاء ذكره واستنماء أعماله الحسنة التي سنَّها للناس وعادته

стр. 1923

الجميلة التي حمل عليها العباد بخلاف أهل الجاهلية ففي فعلهم ذلك إشارة إلى انقطاع أعمالهم وذهاب آثارهم، انتهى. قلت: ومطابقة الحديث للترجمة على ما أفاده الشيخ قُدِّس سرُّه من غرض الترجمة أوفق مما قاله الشرَّاح. (٨٧ - باب تفرق الناس عن الإمام. . .) إلخ حديث الباب ظاهر فيما ترجم له، قال القرطبي (١): هذا يدل على أنه ﷺ كان في هذا الوقت لا يحرسه أحد من الناس، بخلاف ما كان عليه في أول الأمر فإنه كان يحرس حتى نزل قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ [المائدة: ٦٧]. قال الحافظ: لكن قد قيل: إن هذه القصة سبب نزول قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ [المائدة: ٦٧] كما في رواية ابن أبي شيبة، فيحتمل إن كان محفوظًا أن يقال: كان مخيرًا في اتخاذ الحرس فتركه مرة لقوة يقينه، فلما وقعت هذه القصة ونزلت هذه الآية ترك ذلك، انتهى من "الفتح" (٢). قلت: لم يتعرض الحافظ ولا غيره لغرض الترجمة، والأوجه عندي: أنه أشار بهذه الترجمة إلى الجواز لدفع ما يتوهم من رواية أبي داود "إن تفرقكم في الشعاب والأودية من الشيطان" فقد أخرج الإمام أبو داود (٣) في "باب ما يؤمر من انضمام العسكر" عن أبي ثعلبة الخُشَني قال: كان الناس إذا نزلوا منزلًا - قال عمرو: كان الناس إذا نزل رسول الله ﷺ منزلًا - تفرقوا في الشعاب والأودية، فقال رسول الله ﷺ : "إن تفرقكم في هذه الشعاب والأودية إنما ذلكم من الشيطان" فلم ينزل بعد ذلك منزلًا إلا انضم بعضهم إلى بعض حتى يقال: لو بسط عليهم ثوب لعمهم، فحينئذ وقع

стр. 1924

التعارض بين ترجمتي الإمام البخاري وأبي داود، وكذا بين الروايتين، فيمكن أن يجاب عنه: بأن المنع عن التفرق إنما هو عند ابتداء النزول لمصالح تقتضيه؛ كأن يكون جميع العسكر بمرأى من الإمام ليراقبهم ويشاورهم ونحو ذلك من الفوائد، وأما جواز التفرق فالمراد به التفرق بعد النزول مجتمعًا في وقت آخر لقيلولة وغيرها من الحاجات، ولعل الإمام البخاري أشار إليه بقوله في الترجمة: "عند القائلة والاستظلال بالشجر"، والله تعالى أعلم. (٨٨ - باب ما قيل في الرماح. . .) إلخ أي: في اتخاذها واستعمالها من الفضل، انتهى (١). وكتب الشيخ قُدِّس سرُّه في "اللامع" (٢): "باب ما قيل في الرماح" إن أراد بذلك جواز اتخاذه فهو ظاهر الاستنباط بالرواية، وإن قصد غير ذلك فكما قال المحشي، انتهى. قلت: وهذا الباب هو أيضًا عندي من الأصل الرابع عشر، كما تقدم قريبًا. (٨٩ - باب ما قيل في درع النبي ﷺ -) أي: من أي شيء كانت؟ وقوله: "والقميص في الحرب" أي: حكمه وحكم لبسه، انتهى من "الفتح" (٣). وكتب الشيخ قُدِّس سرُّه في "اللامع" (٤): الظاهر أن المراد بذلك إثبات أن النبي ﷺ كان له درع وبذلك تنطبق الروايات، وما قال المحشي: إن المقصود بيان أن درعه مم كانت، فلا يدرى وجهه، إذ لا يناسبه الرواية الأولى إلا أن يقال: إثبات أنها كانت من حديد يكفي

стр. 1925

ولو في رواية، ثم تحمل بقية الروايات عليه وإن لم تذكر فيها مم كانت، انتهى. وفي هامشه: هذا - أي: إثبات الدرع له - هو المتعين بملاحظة الروايات، وما قال المحشي في بيان المقصود لا يوافقه الروايات، انتهى. (٩٠ - باب الجبّة في السفر والحرب) قال العيني (١): أي بيان لبس الجبة في السفر والحرب، يعني: في الغزاة، وهو من عطف الخاص على العام، وقال بعد ذكر الحديث: مطابقته للترجمة في قوله: "وعليه جبة شامية" وكان في السفر وكان في غزاة، انتهى. (٩١ - باب الحرير في الحرب) أي: جواز لبسه، قاله القسطلاني (٢)، وقال الحافظ (٣): وقد ترجم في اللباس (٤) "ما يرخص للرجال من الحرير للحكة" ولم يقيِّده بالحرب فزعم بعضهم أن الحرب في الترجمة بالجيم وفتح الراء، وليس كما زعم لأنها لا يبقى لها في أبواب الجهاد مناسبة، ويلزم منه إعادة الترجمة في اللباس، إذ الحكة والجرب متقاربان، وجعل الطبري جوازه في الغزو مستنبطًا من جوازه للحكة فقال: دلَّت الرخصة في لبسه بسبب الحكة أن من قصد بلبسه ما هو أعظم من أذى الحكة كدفع سلاح العدو ونحو ذلك فإنه يجوز، وقد تبع الترمذي البخاري فترجم له "باب ما جاء في لبس الحرير في الحرب" ثم المشهور عن القائلين بالجواز أنه لا يختص بالسفر، وعن بعض يختص.

стр. 1926

وقد اختلف السلف في لباسه، فمنع مالك وأبو حنيفة مطلقًا، وقال الشافعي وأبو يوسف بالجواز للضرورة، وحكى ابن حبيب عن ابن الماجشون أنه يستحب في الحرب، وقال المهلب: لباسه في الحرب لإرهاب العدو وهو مثل الرخصة في الاختيال في الحرب، انتهى. وفي "الفيض" (١): اعلم أن الثوب إذا كانت لحمته وسداه حريرًا، فهو حرام مطلقًا، وإن كان سداه حريرًا فقط فهو حلال مطلقًا، وإن كانت لحمته حريرًا فقط، فهو جائز في الحرب، دون غيره، وأما مسألة التداوي، فهي مسألة أخرى، انتهى. وفي "الهداية" (٢): ولا بأس بلبس الحرير والديباج في الحرب عندهما، لما روى الشعبي ﵀ أنه ﵇ رخَّص في لبس الحرير والديباج في الحرب؛ ولأن فيه ضرورة، فإن الخالص منه أدفع لمعرّة السلاح، وأهيب في عين العدو لبريقه، ويكره عند أبي حنيفة؛ لأنه لا فصل فيما روينا، والضرورة اندفعت بالمخلوط، وهو الذي لحمته حرير، وسداه غير ذلك، وما رواه محمول على المخلوط، انتهى. وقال العلَّامة العيني (٣): قال ابن العربي: اختلف العلماء في لباسه على عشرة أقوال، ثم ذكرها. (٩٢ - باب ما يذكر في السكين) أي: من جواز استعماله، فإن قلت: روى أبو داود النهي عن قطع اللحم بالسكين. قلت: هو منكر، وقيل: إنما يكره قطع الخبز بالسكين، قاله العيني (٤).

стр. 1927

(٩٣ - باب ما قيل في قتال الروم) قال الحافظ (١): أي: من الفضل، واختلف في الروم فالأكثر أنهم من ولد عيص بن إسحاق بن إبراهيم، واسم جدهم قيل: روماني، وقيل: هو ابن ليطا بن يونان بن يافث بن نوح، انتهى. قال العيني (٢): مطابقة حديث الباب للترجمة في قوله: "يغزون البحر" لأن المراد من غزو البحر هو قتال الروم الساكنين من وراء البحر الملح، انتهى. وترجم الإمام أبو داود "باب فضل قتال الروم على غيرهم من الأمم" وأخرج فيه عن ثابت بن قيس بن شماس قصة امرأة جاءت إلى النبي ﷺ يقال لها أم خلّاد تسأل عن ابنها وهو مقتول، وفيه: فقال رسول الله ﷺ : "ابنك له أجر شهيدين" قالت: ولم ذاك يا رسول الله؟ قال: "لأنه قتله أهل الكتاب" الحديث، وفي هامش "البذل" (٣): استدل بحديث الباب ابن قدامة (٤) على أن قتال أهل الكتاب أفضل من قتال غيرهم، انتهى. وفي "الفيض" (٥): أراد بيان الأقوام التي قاتلهم النبي ﷺ ، انتهى. قلت: وفيه ما فيه كما لا يخفى، قال المهلب (٦): في هذا الحديث منقبة لمعاوية ﵁ لأنه أول من غزا البحر، ومنقبة لولده يزيد لأنه أول من غزا مدينة قيصر، وتعقبه ابن التِّين وابن المنيِّر بما حاصله: أنه لا يلزم من دخوله في ذلك العموم أن لا يخرج بدليل خاص إذ لا يختلف أهل العلم أن قوله ﷺ : "مغفور لهم" مشروط بأن يكونوا

стр. 1928

من أهل المغفرة حتى لو ارتد واحد ممن غزاها بعد ذلك لم يدخل في ذلك العموم اتفاقًا، انتهى. وههنا بحث لعن يزيد هل يجوز أم لا؟ بسط الكلام عليه في هامش "اللامع" (١) أشد البسط فارجع إليه لو شئت. (٩٤ - باب قتال اليهود) ذكر فيه حديثي ابن عمر وأبي هريرة في ذلك، وهو إخبار بما يقع في مستقبل الزمان، انتهى من "الفتح" (٢). (٩٥ - باب قتال الترك) قال العيني (٣): أي: قتال المسلمين مع الترك الذي هو من أشراط الساعة، انتهى. وقال الحافظ (٤): اختلف في أصل الترك، فقال الخطابي (٥): هم بنو قنطوراء أمة كانت لإبراهيم ﵇، وقال كراع: هم الديلم، وقال أبو عمر بن عبد البر: وهم من أولاد يافث وهم أجناس كثيرة، وقال وهب بن منبه: هم بنو عم يأجوج ومأجوج، لما بنى ذو القرنين السَّدَّ كان بعض يأجوج ومأجوج غائبين فتركوا لم يدخلوا مع قومهم فسموا الترك، إلى آخر ما قال. وقال العيني (٦) في شرح قوله: "ينتعلون نعال الشعر": قال بعضهم - أي: الحافظ -: هذا الحديث والذي بعده ظاهر في أن الذين ينتعلون نعال

стр. 1929

الشعر غير الترك، وتعقب عليه العيني وقال في آخره: ومع هذا لا تبقى مطابقة بين الحديث والترجمة أصلًا، انتهى. (٩٦ - باب قتال الذين ينتعلون الشَّعر) وهم غير الترك على ما اختاره الحافظ (١) كما تقدم، وأما على رأي العلَّامة العيني (٢) والقسطلاني (٣) فهم من الترك، فحينئذ تتكرر الترجمة، واجتهد العيني في دفع هذا التكرار إذ قال: وهم أيضًا من الترك، كما ذكرنا، لكن لما روى الحديث المذكور في الباب السابق عن أبي هريرة ﵁ من وجه آخر، عقد له هذه الترجمة؛ لأن لفظ أبي هريرة في الحديث الماضي: "لا تقوم الساعة حتى تقاتلوا قومًا نعالهم الشعر" وقع في آخر الحديث، وهو في هذا الحديث وقع في صدره، انتهى. وهذا كما ترى لا يجدي شيئًا، والأوجه عند هذا العبد الضعيف: أن الإمام البخاري ترجم به مستقلًا إشارة إلى الاختلاف في مصداقهم كما تقدم بعض الخلاف فيه، وقيل: هم قوم من الخوارج، كما في "أشراط الساعة"، والله أعلم. (٩٧ - باب من صفّ أصحابه عند الهزيمة. . .) إلخ أي: صفَّ من ثبت معه بعد هزيمة من انهزم، ذكر فيه حديث البراء في قصة حنين، وهو ظاهر فيما ترجم له، ووقع في آخره "ثم صف أصحابه وذلك بعد أن نزل واستنصر" والمراد بقوله: "واستنصر" أي: استنصر الله بعد أن رمى الكفار بالتراب، انتهى من "الفتح" (٤).

стр. 1930

(٩٨ - باب الدعاء على المشركين بالهزيمة والزلزلة) ذكر المصنف فيه خمسة أحاديث، ومطابقتها للترجمة ظاهرة إلا الحديث الأخير منها، وفيه: "فلم تسمعي ما قلت: وعليكم"، قال الحافظ (١): وكأنه أشار إلى ما ورد في بعض طرقه "يستجاب لنا فيهم ولا يستجاب لهم فينا"، ففيه مشروعية الدعاء على المشركين ولو خشي الداعي أنهم يدعون عليه، انتهى. (٩٩ - باب هل يرشد المسلم أهل الكتاب . . .؟) قال الحافظ (٢): المراد بالكتاب الأول التوراة والإنجيل، وبالكتاب الثاني ما هو أعم [منهما] ومن القرآن وغير ذلك، انتهى. وقال القسطلاني (٣): قوله: "هل يرشد المسلم" أي: إلى طريق الهدى ويعرفهم بمحاسن الإسلام ليرجعوا إليه، "أو يعلمهم الكتاب؟ " أي: القرآن رجاء أن يرغبوا في دين الإسلام، انتهى. فاختار القسطلاني أن المراد بالكتاب الثاني القرآن على خلاف ما قال الحافظ، وتعقب العلَّامة العيني (٤) أيضًا على تفسير الحافظ. والأوجه عندي: ما اختاره العيني والقسطلاني، وأورد فيه طرفًا من حديث ابن عباس في شأن هرقل، وإرشادهم منه ظاهر، وأما تعليمهم الكتاب فكأنه استنبطه من كونه كتب إليهم بعض القرآن بالعربية، وكأنه سلَّطهم على تعليمه إذ لا يقرؤونه حتى يترجم لهم حتى يعرف المترجم كيفية استخراجه، وهذه المسألة مما اختلف فيه السلف، فمنع مالك من تعليم الكافر القرآن، ورخَّص الإمام أبو حنيفة، واختلف قول الشافعي، والذي يظهر أن الراجح التفصيل بين من يرجى منه الرغبة في

стр. 1931

الدين والدخول فيه مع الأمن منه أن يتسلط بذلك إلى الطعن فيه، وبين من يتحقق أن ذلك لا ينجع (١) فيه أو يظن أنه يتوصل بذلك إلى الطعن في الدين، انتهى (٢). (١٠٠ - باب الدعاء للمشركين بالهدى. . .) إلخ حديث الباب ظاهر فيما ترجم له، وقوله: "ليتألفهم" من تفقه المصنف إشارة منه إلى الفرق بين المقامين، وأنه ﷺ كان تارة يدعو عليهم وتارة يدعو لهم، فالحالة الأولى حيث تشتد شوكتهم ويكثر أذاهم كما تقدم في الأحاديث التي قبل هذا بباب، والحالة الثانية حيث تؤمن غائلتهم ويرجى تألفهم كما في قصة دوس، انتهى من "الفتح" (٣). قال القسطلاني (٤) في شرح الحديث: "اللَّهم اهد دوسًا" إلى الإسلام "وأت بهم" مسلمين وهذا من كمال خلقه العظيم ورحمته ورأفته بأمته، جزاه الله عنا أفضل ما جزى نبيًا عن أمته وصلى عليه وعلى آله وصحبه وسلم، وأما دعاؤه ﵊ على بعضهم فذلك حيث لا يرجو ويخشى ضررهم وشوكتهم، انتهى. (١٠١ - باب دعوة اليهود والنصارى، وعلى ما يقاتلون. . .) إلخ قال الحافظ (٥): أي: إلى الإسلام، وقوله: "وعلى ما يقاتلون" إشارة إلى ما ذكر في الباب الذي بعده عن علي حيث قال: "نقاتلهم حتى يكونوا مثلنا" وفيه أمره ﷺ له بالنزول بساحتهم، ثم دعائهم إلى الإسلام ثم القتال،

стр. 1932

ووجه أخذه من حديثي الباب أنه ﷺ كتب إلى الروم يدعوهم إلى الإسلام قبل أن يتوجه إلى مقاتلتهم. وقوله: (والدعوة قبل القتال) كأنه يشير إلى حديث ابن عون في إغارة النبي ﷺ على بني المصطلق على غرة، وهو متخرج عنده في "كتاب الفتن"، انتهى. وقال العيني (١) بعد الحديث الأول: للترجمة أربعة أجزاء، الجزء الأول: هو قوله: "دعوة اليهودي والنصراني"، ووجه المطابقة فيه أنه ﷺ دعا هرقل إلى الإسلام، وهو على دين النصارى، واليهودي ملحق به، والجزء الثاني: هو قوله: "على ما يقاتلون عليه" ووجه المطابقة فيه أنه ﷺ أشار في كتابه أن مراده أن يكونوا مثلنا، وإلا يقاتلون عليه، كما في حديث علي الآتي بعد هذا الباب، فقال: "نقاتلهم حتى يكونوا مثلنا"، والجزء الثالث: هو قوله: "وما كتب إلى كسرى وقيصر" وهذا ظاهر، والجزء الرابع: هو قوله: "قبل القتال" فإنه ﷺ دعاهم إلى الإيمان بالله وتصديق رسوله ولم يكن بينه وبينهم قبل ذلك قتال، فافهم، فإنه فتح لي من الفيض الإلهي، ولم يسبقني إلى ذلك أحد. وقال أيضًا قبل ذلك: وهذا أوجه وأقرب إلى القبول من قول بعضهم في بيان المطابقة في بعض المواضع بين الحديث والترجمة أنه أشار بهذا إلى حديث خرَّجه فلان ولم يذكره في كتابه، انتهى. قال الحافظ (٢): قوله: "والدعوة قبل القتال" هي مسألة خلافية: فذهب طائفة منهم عمر بن عبد العزيز إلى اشتراط الدعاء إلى الإسلام قبل القتال، وذهب الأكثر إلى أن ذلك كان في بدء الأمر، قبل انتشار دعوة الإسلام، فإن وجد من لم تبلغه الدعوة لم يقاتل حتى يدعى، نص عليه

стр. 1933

الشافعي، وقال مالك: من قربت داره قتل بغير دعوة لاشتهار الإسلام، ومن بعدت داره فالدعوة أقطع للشك، انتهى. وقال الخرقي: يقاتل أهل الكتاب والمجوس، ولا يدعون لأن الدعوة قد بلغتهم، ويُدعى عبدةُ الأوثان قبل أن يُحاربوا، قال الموفق (١): أما قوله في أهل الكتاب والمجوس فهو على عمومه؛ لأن الدعوة قد انتشرت وعمّت، فلم يبق منهم من لم تبلغه إلا نادر بعيد، وأما قوله في عبدة الأوثان فليس بعام، فمن بلغه الدعوة منهم لا يدعون، وإن وجد منهم من لم تبلغه الدعوة دعي قبل القتال، وكذلك إن وجد من أهل الكتاب، انتهى. ومذهب الحنفية في ذلك كالجمهور كما في "الهداية" (٢) وغيره: ويستحب لمن بلغته الدعوة مبالغة في الإنذار، ولا يجب. وبسط الكلام في هامش "اللامع" (٣) فارجع إليه. وقال الحافظ (٤) في فوائد الحديث: وفيه الدعاء إلى الإسلام بالكلام والكتابة، وأن الكتابة تقوم مقام النطق، انتهى. (١٠٢ - باب دعاء النبي ﷺ إلى الإسلام والنبوة. . .) إلخ أي: الاعتراف بها، "وقوله تعالى" بالجر عطفًا على السابق، قاله القسطلاني (٥). قال الحافظ (٦): أورد فيه أحاديث: أحدها: حديث ابن عباس في كتاب النبي ﷺ إلى قيصر، وفيه حديث عن أبي سفيان وقد تقدم بطوله

стр. 1934

في بدء الوحي (١) وهو ظاهر فيما ترجم له، وأما قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِبَشَرٍ﴾ [آل عمران: ٧٩] فالمراد من الآية الإنكار على من قال: ﴿كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ ومثلها قوله تعالى: ﴿يَاعِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ﴾ [المائدة: ١١٦] وقوله تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا﴾ [التوبة: ٣١]. وثانيها: حديث سهل بن سعد في إعطاء علي الراية يوم خيبر، والغرض منه قوله: "ثم ادعهم إلى الإسلام". ثالثها: حديث أنس في ترك الإغارة على من سمع منهم الأذان، وهو دالٌّ على جواز قتال من بلغته الدعوة بغير دعوة، وغير ذلك من الفوائد. رابعها: حديث أبي هريرة "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا. . ." إلخ، وهو ظاهر فيما ترجم له أولًا حيث قال: "وعلى ما يقاتلون عليه؟ "، انتهى. قلت: وأنت خبير بأن هذه الترجمة جزء للباب السابق، لا لهذا الباب كما أقر به الحافظ فتأمل. (١٠٣ - باب من أراد غزوة فَوَرَّى بغيرها. . .) إلخ قال الحافظ (٢): أما الجملة الأولى فمعنى "ورى" ستر، وتستعمل في إظهار شيء مع إرادة غيره، وأصله من الوري بفتح ثم سكون وهو ما يجعل وراء الإنسان؛ لأن من ورّى بشيء كأنه جعله وراءه، وقيل: هو في الحرب أخذ العدو على غرة، وأما الخروج يوم الخميس فلعل سببه ما روي من قوله ﷺ : "بورك لأمتي في بكورها يوم الخميس" وهو حديث ضعيف أخرجه الطبراني من حديث نبيط بن شريط بفتح المعجمة.

стр. 1935

ثم أورد المصنف أطرافًا من حديث كعب بن مالك الطويل في قصة غزوة تبوك (١) ظاهرة فيما ترجم له، انتهى. وفي "الفيض" (٢): قوله: "باب من أراد غزوة. . ." إلخ، وكانت عامّة عادات النبي ﷺ التورية في الغزوات، لكونها أنفع في الحروب، إلا في تبوك، فإنه جلّى للناس أمرهم ليتأهبوا، انتهى. (١٠٤ - باب الخروج بعد الظهر) ذكر فيه حديث أنس ﵁ وكأنه أورده إشارة إلى أن قوله ﷺ : "بورك لأمتي في بكورها" لا يمنع جواز التصرف في غير وقت البكور، وإنما خص البكور بالبركة لكونه وقت النشاط، وحديث "بورك لأمتي. . ." إلخ، أخرجه أصحاب السنن، وصححه ابن حبان من حديث صخر الغامدي، انتهى من "الفتح" (٣). (١٠٥ - باب الخروج آخر الشهر) أي: ردًا على من كره ذلك من طريق الطيرة، وقد نقل ابن بطال أن أهل الجاهلية كانوا يتحرون أوائل الشهور للأعمال، ويكرهون التصرف في محاق القمر، انتهى من "الفتح" (٤). وفي "الفيض" (٥): يشير إلى ضعف ما نقل عن علي أن أواخر الشهر منحوسة، وفسَّر بعضهم قوله تعالى: ﴿فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ﴾ [القمر: ١٩] بأواخر الأيام، ونبَّه على أنه ليس بشيء، انتهى.

стр. 1936

(١٠٦ - باب الخروج في رمضان) قال الحافظ (١): أراد به رفع وهم من يتوهم كراهة ذلك، انتهى. أي: السفر في رمضان. (١٠٧ - باب التَّودِيْع عند السفر) أعم من أن يكون من المسافر للمقيم أو عكسه، وحديث الباب ظاهر للأول، ويؤخذ الثاني منه بطريق الأولى، وهو الأكثر في الوقوع، انتهى من "الفتح" (٢) و"العيني" (٣). (١٠٨ - باب السمع والطاعة للإمام. . .) إلخ أي: وجوب السمع والطاعة للإمام، ومطابقة الحديث للترجمة ظاهرة (٤). (١٠٩ - باب يُقَاتل من وراء الإمام ويتقى به) يقاتل بفتح المثناة، ولم يزد البخاري على لفظ الحديث، والمراد به المقاتلة للدفع عن الإمام، سواء كان ذلك من خلفه حقيقة أو قدامه، ووراء يطلق على المعنيين، انتهى من "الفتح" (٥). وكتب الشيخ في "اللامع" (٦): قوله: "وإنما الإمام جنة" التشبيه في مجرد المقاتلة معه لا القتال دونه، انتهى. قلت: وما أفاده الشيخ واضح، يعني: ليس التشبيه بالجنة بأن يكون الإمام مقدمًا على القوم والقوم خلفه، كما تقدم في شرح الرجمة من كلام الحافظ. قوله: (نحن الآخرون السابقون) هذه الجملة طرف من حديث سبق بيانه في كتاب الجمعة وسبق في الطهارة أن عادته في إيراد هذه النسخة - وهي شعيب عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة - أن يصدر بأول

стр. 1937

حديث فيها، ويعطف الباقي عليه لكونه سمعها هكذا، وأن مسلمًا في نسخة معمر عن همام عن أبي هريرة سلك طريقًا نحو هذه، فإنه يقول في أول كل حديث منها: فذكر أحاديث منها وقال رسول الله ﷺ كيت وكيت، انتهى من "الفتح" (١). قلت: وهذا التوجيه هو الأوجه عندي من بين التوجيهات الأخر كما تقدم في الطهارة. (١١٠ - باب البيعة في الحرب على أن لا يفروا وقال بعضهم: على الموت) كأنه أشار إلى أن لا تنافي بين الروايتين لاحتمال أن يكون ذلك في مقامين، أو أحدهما يستلزم الآخر. قوله: (لقوله تعالى. . .) إلخ، قال ابن المنيِّر (٢): أشار البخاري بالاستدلال بالآية إلى أنهم بايعوا على الصبر، ووجه أخذه منها قوله تعالى: ﴿فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ﴾ [الفتح: ١٨] والسكينة الطمأنينة في موقف الحرب، فدل ذلك على أنهم أضمروا في قلوبهم أن لا يفروا فأعانهم على ذلك، ثم ذكر الحافظ التعقب على قول ابن المنيِّر هذا، فارجع إليه (٣). قوله: (لا أبايع على هذا أحدًا. . .) إلخ، كتب الشيخ في "اللامع" (٤): لأن احتمال الخطأ لم يكن فيه ﷺ دون غيره، فلعلي يتبين لي خطأ الأمير فأتركه ويلزم الموت على خلاف الحق، أو ترك البيعة، والثاني أسهل، انتهى. قوله: (فبايعته الثانية) وإنما كرر عليه البيعة لأن الشدة في بيعة الشجعان أهيب للعدو، فإن البطل المقدام في الحروب الشجاع إذا تبايع على أنه لا يفر إلى أن يموت، كان ثباته في البلاء أظهر، وفي ثباته وتوطئة النفس على الهلاك هلاك نفوس الأعداء ما لا يخفى، فكان تكراره مفيدًا، انتهى من "اللامع" (٥). وبسط في هامشه الكلام على هذين القولين.

стр. 1938

(١١١ - باب عزم الإمام على الناس فيما يطيقون) المراد بالعزم: الأمر الجازم الذي لا تردد فيه، والذي يتعلق به الجار والمجرور محذوف تقديره، مثلًا: محله، والمعنى: وجوب طاعة الإمام محله فيما لهم به طاقة، انتهى من "الفتح" (١). (١١٢ - باب كان النبي ﷺ إذا لم يقاتل أول النهار. . .) إلخ أي: لأن الرياح تهب غالبًا بعد الزوال، فيحصل بها تبريد حدة السلاح والحرب وزيادة في النشاط. وأورد فيه حديث عبد الله بن أبي أوفى بمعنى ما ترجم به، لكنه ليس فيه: "إذا لم يقاتل أول النهار"، وكأنه أشار بذلك إلى ما ورد في بعض طرقه، فعند المصنف في الجزية (٢) من حديث النعمان بن مقرن: "كان إذا لم يقاتل أول النهار انتظر حتى تهب الأرواح، وتحضر الصلوات"، وفي رواية: "وينزل النصر". فيظهر أن فائدة التأخير لكون أوقات الصلاة مظنة إجابة الدعاء، وهبوب الريح قد وقع النصر به في الأحزاب فصار مظنة لذلك، انتهى ملخصًا من "الفتح" (٣). (١١٣ - باب استئذان الرجل الإمام. . .) إلخ أي: في الرجوع أو التخلف عن الخروج أو نحو ذلك، قوله: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ الآية [النور: ٦٢]. قال ابن التين: هذه الآية احتج بها الحسن على أنه ليس لأحد أن يذهب من العسكر حتى يستأذن الأمير، وهذا عند سائر الفقهاء كان خاصًا بالنبي ﷺ ، كذا قال، والذي يظهر أن الخصوصية في عموم وجوب الاستئذان، وإلا فلو كان ممن عينه الإمام فطرأ له ما يقتضي التخلف أو الرجوع فإنه يحتاج إلى الاستئذان، انتهى (٤).

стр. 1939

(١١٤ - باب من غزا وهو حديث عهد بعرسه. . .) إلخ بكسر العين؛ أي: بزوجته، وبضمها؛ أي: بزمان عرسه، وفي رواية الكشميهني: "بعرس"، وهو يؤيد الاحتمال الثاني. قوله: (فيه جابر. . .) إلخ، يشير إلى حديثه المذكور في الباب قبله، وأن ذلك في بعض طرقه، وسيأتي في أوائل النكاح بلفظ: "فقال: ما يعجلك؟ قلت: كنت حديث عهد بعرس. . ." الحديث، انتهى من "الفتح" (١). قلت: ولم يتعرض الشراح ههنا لغرض الترجمة، وتعرض له الشيخ قُدِّس سره في "اللامع" (٢) إذ قال: يعني بذلك أنه لا ضير فيه إذا لم يكن قلبه مشغولًا به؛ لأن ذلك يخل بالاجتهاد في أمر الجهاد، انتهى. ويدل عليه الحديث الذي أشار إليه الإمام البخاري إذ فيه: "فقال: ما يعجلك؟. . ." إلخ، كما تقدم في كلام الحافظ. وقريب منه ما في "الفيض" (٣): إذ قال: قوله: "باب من غزا. . ." إلخ، وإنما اهتم به لما روي عن يوشع ﵊ حين خرج في الغزو نادى في الناس: أن لا يصحبه من كان حديث عهد بعرس، وليصحبه من كان فارغ القلب ليست له حاجة إلى البناء وغيره، انتهى. قلت: ذكر الشراح هذا الغرض في الباب الآتي، وكلا البابين متقاربان. (١١٥ - باب من اختار الغزو بعد البناء) قال الحافظ: قوله: "فيه أبو هريرة. . ." إلخ، يشير إلى حديثه الآتي في الخمس (٤) من طريقهما عنه فقال: "غزا نبيّ من الأنبياء، فقال: لا يتبعني

стр. 1940

رجل ملك بضع امرأة [وهو يريد أن يبني بها] ولمَّا يَبْنِ بها. . ." الحديث. وترجم عليه في النكاح: "من أحب البناء بعد الغزو" (١)، وساق الحديث، والغرض هنا من ذلك أن يتفرغ قلبه للجهاد، ويقبل عليه بنشاط. وقال الكرماني (٢): كأنه اكتفى بالإشارة إلى هذا الحديث؛ لأنه لم يكن على شرطه. قال الحافظ: ولم يستحضر أنه أورده موصولًا في مكان آخر كما سيأتي قريبًا، والجواب الصحيح أنه جرى على عادته الغالبة في أنه لا يعيد الحديث الواحد إذا اتحد مخرجه في مكانين بصورته غالبًا، بل يتصرف فيه بالاختصار ونحوه في أحد الموضعين، انتهى من "الفتح" (٣). (١١٦ - باب مبادرة الإمام عند الفزع) قال العيني (٤): أي: مسارعة الإمام بالركوب عند وقوع الفزع، والفزع في الأصل الخوف، فوضع موضع الإغاثة والنصر؛ لأن من شأنه الإغاثة، انتهى. (١١٧ - باب السرعة والركض عند الفزع) أي: سرعة الإمام والمبادرة إلى الركوب عند وقوع الفزع، والركض ضرب من السير. انتهى من "العيني" (٥)، و"القسطلاني" (٦) (١١٨ - باب الخروج في الفزع وحده) كذا ثبتت هذه الترجمة بغير حديث، وكأنه أراد أن يكتب فيه حديث أنس المذكور من وجه آخر فاخترم قبل ذلك، قال الكرماني (٧): ويحتمل أن

стр. 1941

يكون اكتفى بالإشارة إلى الحديث الذي قبله. كذا قال، وفيه بعد: وقد ضم أبو علي ابن شبويه هذه الترجمة إلى التي بعدها فقال: "باب الخروج في الفزع وحده، والجعائل. . ." إلى آخره. وليس في أحاديث باب الجعائل مناسبة لذلك أيضًا، إلا أنه يمكن حمله على ما قلت أوَّلًا. انتهى من "الفتح" (١). وأفاد ابن بطال (٢) غرضًا يتعلق بهذه التراجم الثلاثة، حكاه الحافظ إذ قال: جملة ما في هذه التراجم أن الإمام ينبغي له أن يشح بنفسه لما في ذلك من النظر للمسلمين، إلا أن يكون من أهل الغناء الشديد والثبات البالغ، فيحتمل أن يسوغ له ذلك، وكان في النبي ﷺ من ذلك ما ليس في غيره، ولا سيما مع ما علم أن الله يعصمه وينصره، انتهى. (١١٩ - باب الجعائل والحملان في السبيل. . .) إلخ الجعائل بالجيم جمع جعيلة، وهي: ما يجعله القاعد من الأجرة لمن يغزو عنه. والحملان بضم المهملة وسكون الميم، مصدر كالحمل. قال ابن بطال (٣): إن أخرج الرجل من ماله شيئًا فتطوع به أو أعان الغازي على غزوه بفرس ونحوه فلا نزاع فيه، وإنما اختلفوا فيما إذا آجر نفسه أو فرسه في الغزو؛ فكره ذلك مالك، وكره أن يأخذ جعلًا على أن يتقدم إلى الحصن. وكره أصحاب أبي حنيفة الجعائل إلَّا إن كان بالمسلمين ضعف، وليس في بيت المال شيء، وقالوا: إن أعان بعضهم بعضًا جاز لا على وجه البدل. قال الشافعي: لا يجوز أن يغزو بجُعلٍ يأخذه، وإنما يجوز من السلطان دون غيره. والذي يظهر أن البخاري أشار إلى الخلاف فيما يأخذه الغازي، هل يستحقه بسبب الغزو فلا يتجاوزه إلى غيره، أو يملكه فيتصرف فيه ما شاء؟

стр. 1942

كما سيأتي بيان ذلك. انتهى من "الفتح" (١). وفي "الفيض" (٢) الجعيلة: الأجرة التي يجعلها القاعد لمن يغزو عنه في الجهاد، ولا ريب في كونه مكروهًا؛ أما أخذ أجرة الجهاد فهو جائز، وإن حبط الأجر. وفي "الكنز"؛ وكره الجعل، وهو بمعنى قطعة من المال يضعها الإمام على الناس لتسوية أمر الجهاد، وهو مكروه إذا كانت في بيت المال فسحة، أما إذا لم يكن فيه مال فلا بأس، ولعل المصنف أيضًا نظر إليه، انتهى. قوله: (ولكن لا أجد حمولة. . .) إلخ، كتب الشيخ في "اللامع" (٣): ولا بد من فصل بين مرادي الجملتين لئلّا يلزم التكرار، فإما أن يحمل الأول على الوجدان بطريق الملك والثاني بغيره من عارية ونحوها، أو يراد بالأول وجدان الحمولة نفسها وبالثاني وجدان ما يوصل إلى تحصيل الحمولة من الذهب والفضة ونحوهما إلى غير ذلك، انتهى. قلت: أجاد الشيخ قدس سره في دفع التكرار ولم يتعرض لذلك الشراح. (١٢٠ - باب الأجير. . .) إلخ للأجير في الغزو حالان: إما أن يكون استؤجر للخدمة، أو استؤجر ليقاتل. أما الأول: قال الأوزاعي وأحمد وإسحاق: لا يسهم له. وقال الأكثر: يسهم له؛ لحديث سلمة: "كنت أجيرًا لطلحة أسوس فرسه"، أخرجه مسلم، وفيه: "أن النبي ﷺ أسهم له". وقال الثوري: لا يسهم للأجير إلا إن قاتل.

стр. 1943

وأما الأجير: إذا استؤجر ليقاتل؛ فقال المالكية والحنفية: لا يسهم له. وقال الأكثر: له سهمه. وقال أحمد: لو استأجر الإمام قومًا على الغزو لم يسهم لهم سوى الأجرة. وقال الشافعي: هذا فيمن لم يجب عليه الجهاد، أما الحر البالغ المسلم إذا حضر الصف فإنه يتعين عليه الجهاد؛ فيسهم له ولا يستحق أجرة. قوله: (وأخذَ عطية بن قيس. . .) إلخ، وهذا الصنيع جائز عند من يجيز المخابرة، وقال بصحته هنا الأوزاعي وأحمد خلافًا للثلاثة، انتهى من "الفتح" (١). (١٢١ - باب ما قيل في لواء النبي ﷺ -) قال الحافظ (٢): اللواء بكسر اللام والمد هي الراية، ويسمى أيضًا العلم، وكان الأصل أن يمسكها رئيس الجيش، ثم صارت تحمل على رأسه. وقال أبو بكر بن العربي: اللواء غير الراية، فاللواء: ما يعقد في طرف الرمح ويلوى عليه، والراية: ما يعقد فيه ويترك حتى تصفقه الرياح. وقيل: اللواء دون الراية. وقيل: اللواء العلم الضخم، والعلم علامة لمحمل الأمير يدور معه حيث دار، والراية يتولاها صاحب الحرب. وجنح الترمذي إلى التفرقة، فترجم بالألوية، ثم ترجم للرايات. ثم ذكر الحافظ عدة روايات مختلفة في صفة لون لواء النبي ﷺ ورايته، وقال أيضًا: في هذه الأحاديث استحباب اتخاذ الألوية في الحروب، وأن اللواء يكون مع الأمير أو من يقيمه لذلك عند الحرب، انتهى. (١٢٢ - باب قول النبي- ﷺ : "نُصِرْتُ بالرعب. . .") إلخ قال الحافظ (٣): قوله: "جابر" يشير إلى حديثه الذي أوله: "أعطيت

стр. 1944

خمسًا لم يعطهن أحد من الأنبياء قبلي"، فإن فيه: "ونُصرت بالرعب مسيرة شهر"، ووقع في الطبراني من حديث أبي أمامة: "شهرًا أو شهرين"، وله من حديث السائب بن يزيد: "شهرًا أمامي وشهرًا خلفي". وظهر لي أن الحكمة في الاقتصار على الشهر أنه لم يكن بينه وبين الممالك الكبار التي حوله أكثر من ذلك؛ كالشام والعراق واليمن ومصر ليس بين المدينة النبوية للواحدة منها إلا شهر فما دونه، وليس المراد بالخصوصية مجرد حصول الرعب بل هو وما ينشأ عنه من الظفر بالعدو، انتهى. (١٢٣ - باب حمل الزاد في الغزو) أشار بهذه الترجمة إلى أن حمل الزاد في السفر ليس منافيًا للتوكل. انتهى من "الفتح" (١). وقال العيني (٢): أي: جواز حمل الزاد في الغزو، وهو لا ينافي التوكل، انتهى. قلت: وعندي المقصود: بيان الاستحباب والترغيب في حمله؛ لذكره الآية المتضمنة بالأمر، وتأسيًا بالنبي ﷺ لئلّا يضعف فيخل بالمقصود؛ أي: الجهاد، ويؤيده قوله ﵊: "ليس من البر الصيام في السفر" (٣)، فمنع ﷺ عن الصوم خشية الضعف، فيكون مخلًّا بالمقصود، فافهم. قوله: (كنا نتزوّد لحوم الأضاحي. . .) إلخ، فلما كان ذلك في سفر المدينة وهي مدينة مباركة وموطن مألوف، فأولى أن يحتمل الزاد في الغزو لما أن المسير فيه إلى أرض العدو، والضيافة معلومة - أي: أنها غير ممكنة - والسفر محتاجون فيه إلى مزيد قوة لأجل الغزو، انتهى من "اللامع" (٤).

стр. 1945

وقال القسطلاني (١) في وجه المطابقة: إنه وإن لم يكن سفر غزو لكن سفر الغزو مقيس عليه، انتهى. (١٢٤ - باب حمل الزاد على الرقاب) أي: عند تعذر حمله على الدواب، قاله الحافظ (٢)، والأوجه عند هذا العبد الضعيف أن الإمام البخاري أشار بهذه الترجمة إلى قلة الزاد لئلَّا يحتاج إلى الحمولات ولا يشتغل بحفظها فافهم. (١٢٥ - باب إرداف المرأة خلف أخيها) قال العلامة العيني (٣): أي: جواز إرداف المرأة خلف أخيها، يقال: أردفته إردافًا: إذا أركبته معك. والردف، بكسر الراء: المرتدف: وهو الذي يركب خلف الراكب، انتهى. كتب الشيخ في "اللامع" (٤): إنما أورده ههنا لأن مثل هذه الأمور والحاجات كثيرًا ما تعرو في السفر لا سيما الجهاد، فبيّن بذلك جوازه، وكذلك كثير من الأبواب الموردة ههنا من هذا القبيل، انتهى. (١٢٦ - باب الارتداف في الغزو والحج. . .) إلخ أي: في سفرة الغزاة وسفرة الحج. ومطابقة الحديث للترجمة ظاهرة، ويقاس الغزو على الحج، انتهى من "العيني" (٥). (١٢٧ - باب الردف على الحمار) كتب الشيخ في "اللامع" (٦) يعني بذلك أنه لا بأس فيه إذا لم يكن الحمار يثقل عليه ذلك ويربو على قدر طاقته، انتهى.

стр. 1946

قلت: وهو كذلك كما تقدم الكلام عليه في كتاب الحج في "باب استقبال الحاج القادمين والثلاثة على الدابة"، ويشكل ذكر حديث ابن عمر في هذا الباب لأنه ﷺ كان إذا ذاك راكبًا على راحلته لا الحمار، وذكر الحافظ (١) أيضًا هذا الإشكال ولم يجب عنه، وأجاب عنه العيني (٢) فقال: كلاهما في نفس الارتداف سواء والفرق في الدابة، وتواضعه ﷺ في إردافه على الحمار أقوى وأعظم من إردافه على الراحلة، فيلحق هذا بذلك، انتهى. (١٢٨ - باب من أخذ بالركاب ونحوه) أي: من الإعانة على الركوب وغيره، قاله الحافظ (٣). قلت: وهذا كما تقدم من "باب من قاد دابة غيره في الحرب" ومن "باب من ضرب دابة غيره. . ." إلخ. (١٢٩ - باب كراهية السفر بالمصاحف إلى أرض العدو. . .) إلخ قال الحافظ (٤): قوله: "وكذلك يروى. . ." إلخ، وصل روايته إسحاق بن راهويه في "مسنده" (٥) عنه بلفظ: "كره رسول الله ﷺ أن يسافر بالقرآن إلى أرض العدو؛ مخافة أن يناله العدو". قوله: (وقد سافر النبي ﷺ . . .) إلخ أشار البخاري بذلك إلى أن المراد بالنهي عن السفر بالقرآن السفر بالمصحف، خشية أن يناله العدو لا السفر بالقرآن نفسه، انتهى. وكتب الشيخ في "اللامع" (٦) أراد بإيراد الروايات المتخالفة أن الجواز مقيد بالأمن والنهي بغيره، ودلالة قوله: "وهم يعلمون القرآن" على مدعاه

стр. 1947

حسب قاعدتهم ظاهرة، فإنهما إذا علموا لا بد لهم من تعليمه، والتعليم أعم من التعليم حفظًا وكتابةً، انتهى. وفي تقرير مولانا محمد حسن المكي: قوله: "وهم يعلمون"؛ أي: يقرؤون القرآن، والقراءة قد تكوت من المصحف وقد تكون من الحفظ، فثبت جواز السفر بالمصحف إلى أرض العدو؛ لأن الفعل يعم عند البخاري، أو هو: "يعلّمون" بالتشديد، والتعليم في زمن الصحابة غالبًا كان من المصحف فثبت الجواز أيضًا، انتهى. ثم مسألة الباب خلافية، قال الحافظ (١): قال ابن عبد البر (٢): أجمع الفقهاء أن لا يسافر بالمصحف في السرايا والعسكر الصغير المخوف عليه، واختلفوا في الكبير المأمون عليه، فمنع مالك أيضًا مطلقًا، وفصل أبو حنيفة، وأدار الشافعي الكراهة مع الخوف وجودًا وعدمًا، وقال بعضهم كالمالكية، ثم ذكر الاختلاف في تعليم الكافر القرآن، وقال أيضًا تحت قول البخاري: "وقد سافر النبي ﷺ . . . إلخ" عن المهلب (٣): إن مراد البخاري بذلك تقوية القول بالتفرقة بين العسكر الكثير والطائفة القليلة، فيجوز في تلك دون هذه، انتهى. قلت: فعلى هذا ميل الإمام البخاري إلى مسلك الحنفية، وفي "الدر المختار" (٤): "نهينا عن إخراج ما يجب تعظيمه" ويحرم الاستخفاف به، كمصحف وكتب فقه وحديث. قال ابن عابدين: خلافًا لقول الطحاوي: إن ذلك إنما كان عند قلة المصاحف كيلا تنقطع عن أيدي الناس، وأما اليوم فلا يكره، والبسط في "هامش اللامع" (٥).
следующие страницы →