هذا الباب ونحوه شيئًا منها، إما لأنه لم يثبت عنده حديث يناسبه بشرطه، وإما لأمر آخر، وقال بعض أهل العراق: ترجم ولم يذكر فيه شيئًا قصدًا منه ليعلم أنه لم يثبت في ذلك شيء عنده، انتهى.
وقال الحافظ في الباب المذكور: فإن قيل: لم لم يورد في هذا الباب شيئًا من الحديث؟ فالجواب: أنه إما أن يكون اكتفى بالآيتين الكريمتين، وإما بيَّض له ليلحق فيه ما يناسبه فلم يتدبر، وإما أورد فيه حديث ابن عمر الآتي بعد "باب رفع العلم" ويكون وضعه هناك من تصرُّف بعض الرواة، وفيه نظر.
ونقل الكرماني عن بعض أهل الشام، فذكر ما تقدم من قوله، ثم قال: والذي يظهر لي أن هذا محله، حيث لا يورد فيه آية ولا أثرًا، أما إذا أورد آية أو أثرًا فهو إشارة منه إلى ما ورد في تفسير تلك الآية، وأنه لم يثبت فيه شيء على شرطه، وما دلت عليه الآية كافٍ في الباب، وإلى أن الأثر الوارد في ذلك يقوى به طريق المرفوع، وإن لم يصل في القوة إلى شرطه، انتهى.
وذكر العيني (١) ما حكى الكرماني عن بعض الشاميين والعراقيين، ثم قال: وهذا كله كلام غير سديد لا طائل تحته، إلى آخر ما قاله.
وقال القسطلاني (٢): اكتفى المصنف بهاتين الآيتين؛ لأن القرآن العظيم أعظم الأدلة، أو لأنه لم يقع له حديث من هذا النوع على شرطه، أو اخترمته المنية قبل أن يلحق بالباب حديثًا يناسبه؛ لأنه كتب الأبواب والتراجم، ثم كان يلحق فيها ما يناسبها من الحديث على شرطه، فلم يقع له شيء من ذلك، انتهى.
وسيأتي قريبًا في "اللامع" (٣) ما اختاره الإمام الكَنكَوهي في الباب المذكور، وفي هامشه ما اختاره هذا العبد الفقير إلى مغفرة ربه، والغرض
стр. 229
من سرد هذه الأقاويل أجوبتهم العامة في أمثال هذه المواقع من أنه من تصرُّف الرواة، أو كان بياضًا فلم يتفق له، أو اخترمته المنية من قبل التبييض، أو تنبيهًا على أنه لم يجد فيه شيئًا على شرطه، وقد عرفت فيما سبق أنه ليس عندي شيء من ذلك، بل كل التصرُّفات فعلها البخاري عمدًا، وكل ذلك داخل في أصل ما من الأصول السبعين المتقدمة في الفائدة الماضية، انتهى ما في مقدمة "اللامع".
ثم اعلم أن شيخ الهند (١) ﵀ ذكر في آخر تراجمه إشاراتٍ إلى التراجم التي ليس لها حديث مسند، وجعلها ثلاثة أنواع، وهذا تعريبه:
"لقد ذُكرت في مواقع كثيرة مع الباب الترجمة فقط بدون ذكر الحديث المسند، فهذه سَنُعَبِّر عنها بالتراجم المجرَّدة، وقد ذكر الشرَّاح المحققون في هذه أيضًا عدة احتمالات، فحيثما تأتي التراجم المجردة يحومون حولها.
ولكن الذي يظهر بعد الخوض والفحص أن التفصيل فيها أحق بالقبول، فنقول:
إن التراجم المجردة نوعان:
أولهما: التراجم التي ذكرت في ذيلها آية أو حديث أو قول أحد، وإن لم يذكر فيها حديث مسند، فهذه نسمِّيها التراجم المجردة غير المحضة، ونظائرها كثيرة في الكتاب.
وثانيهما: التراجم التي لم يذكر في ذيلها شيء، يعني: كما أنه لم يذكر في ذيلها حديثًا مسندًا، فكذلك لم يأت بأي آية أو حديث أو أثر، فما هي إلا دعوى فقط دون أي شيء آخر، فهذه نرى أن نسمِّيها التراجم المجرّدة المحضة، وهذه نظائرها قليلة جدًا.
стр. 230
وتوجد في القسم الثاني - أي: التراجم المجردة المحضة - بعض الأبواب جعل فيها المؤلف ﵀ نفس الآيات ترجمة للباب.
فأصبحت الآن التراجم المجردة ثلاثة أنواع:
الأول: التراجم المجرَّدة غير المحضة.
والثاني: التراجم المجردة المحضة، التي جعلت فيها الآيات القرآنية ترجمة، وهذه نسمِّيها التراجم المحضة الصورية.
والثالث: التراجم المجردة المحضة، وهي التي جعل المؤلف ﵀ فيها قول نفسه - أي: دعواه - ترجمة، وهذه نسمِّيها التراجم المحضة الحقيقية.
وأقول بعد هذا التفصيل:
إن القسم الأول - أعني: التراجم المجردة غير المحضة - بما أنه يذيِّلها بآية، أو حديث، أو قول مسند صالح للاحتجاج به، فكل من هذه كافٍ جدًّا لإثبات المدَّعى، فظاهر أنه لا ينتظر من المؤلف شيء آخر لإثبات دعواه حتى يكون الإتيان بدليل آخر ضروريًا، فلا إشكال إذًا مطلقًا على اكتفاء المؤلف بالدلائل المذكورة.
وكذا القسم الثاني - يعني: التراجم المحضة الصورية -، وإن كان في الظاهر أنه لم يذكر بذيلها دليلًا ما، ولكن لما كانت الترجمة نفسها هي آية قرآنية وهي دليل فوق كل دليل، فلا يحتاج لإثبات نفسه إلى أي دليل آخر، فهي في ظاهر النظر ترجمة محضة، ولكنها في الحقيقة مصداق قولهم: "دعوى دليلها نفسها"، فهذا النوع من التراجم ينبغي أن تكون حالها بدون تكلف بل بالطريق الأولى مثل حال القسم الأول كما ذكرناه.
فمن ظَنّ أن دعوى المؤلف في هذين القسمين من غير دليل، فظنه فاسد.
بقي أنه لِم لم يذكر في هذين القسمين الحديث المسند كعادته المستمرة واكتفى بالآية ونحوها؟
стр. 231
فاعلم أن ذلك قد يكون لأنه لم يجد حديثًا على شرطه، وقد يكون موجودًا إلا أنه ذكره في موضع آخر، ولا يذكره حذرًا عن التكرار، وقد لا يذكر بقصد التمرين وتشحيذًا للأذهان.
والآن لم يبق إلا النوع الثالث، أي: التراجم المحضة الحقيقية التي لم يذكر بذيلها أيّ دليل، وهي بنفسها كذلك لا تعد حجة ولا دليلًا، فهي على الظاهر دعوى محضة لا دليل معها.
فنقول: إننا لم نجد مثل هذه التراجم بعد تقليب الأوراق مرة بعد أخرى، إلا في مواضع قليلة معدودة لا يبلغ عددها عشرة، ويمكن أن يُزاد على هذا العدد شيءٌ ما لاحتمال قصور نظرنا ولأجل أختلاف النسخ، ولكن على هذا يمكن أن ينقص أيضًا.
ثم أكثر هذه التراجم ذكر الحديث المطابق لها صراحة، إما في الباب السابق له أو اللاحق به سوى عدة أبواب، اثنان أو أكثر من ذلك، لم يظهر لنا الحديث المطابق لها في الأبواب القريبة منها، ولكنه موجود في الأبواب البعيدة منها.
والراجح عندنا بعد إدارة النظر على ذلك أن المؤلف عمدًا اقتنع في هذه المواضع بالتراجم المحضة، واكتفى بتلك الأحاديث الموجودة في الأبواب القريبة منها والبعيدة احترازًا عن التكرار، أو تشحيذًا للأذهان، أو لكليهما.
هذا ما عندنا من التفصيل، والله أعلم بالصواب وبمراد العباد". انتهى.
ويقول العبد الفقير زكريا:
إنه عندي أيضًا كذلك، فقد تفحَّصت فوجدت أن الأبواب التي ليس بذيل تراجمها حديث، فالأصل الكلي في أغلبها أن يكون الحديث المطابق له قريبًا قبله أو بعده، كما سيأتي ذلك في التراجم المفصَّلة في مواقعها، إن شاء الله تعالى.
стр. 232
والظاهر عندي أيضًا أن الإمام البخاري ترك الحديث ههنا تشحيذًا للأذهان، والله تعالى أعلم بالصواب.
وهذا جدول الأبواب التي ذكرها شيخ الهند ﵀ في تراجمه من الأنواع الأربعة:
وكتب شيخ الإسلام حضرة الحاج مولانا السيد حسين أحمد المدني المبيِّض والطابع لهذه التراجم، فقال ما تعريبه:
"إنه وجد في مسوَّدات شيخ الهند ﵀، فهرسًا متضمنًا للجداول الثلاثة الآتية، وكتب قبله: أنه لم يتيسر له إبراز ما كان عنده من الرأي بأجمعه مما يتعلق بتراجم "البخاري" وأغراضها.
ولكن وُجد في مسوَّداته فهرس قد أتى فيه أكثره على وجه الإجمال والرمز والإشارة.
وهذا الفهرس ينقسم إلى ثلاثة أقسام:
فالقسمان الأوَّلان - أي: التراجم المجردة والتراجم غير المجردة - أشير فيهما إلى مواضع التراجم برقم الصفحة والمجلد - بأن جعل رقم الصفحة فوق علامة الصفحة وهي صفـ، ورقم المجلد تحتها، مثلًا كتب بعد "باب فضل الصدقة" هكذا: صفـ ١٦١/ ١، ومعناه: أن هذا في المجلد - الأول من "البخاري" على صفـ ١٦١.
وهذا هو حال القسم الثاني من المسمَّى بالتراجم غير المجردة.
وأما القسم الثالث - أي: الأبواب بلا ترجمة - فتجد بإزاء بعض الأبواب رمز (نـ) وبإزاء بعضها (ـــتـ)، قد كتبها شيخ الهند قُدِّس سرُّه هكذا على وجه الرمز والإشارة ليبسطها ويفصلها إذا بلغ إليها وحان وقتها، فالباب الذي رمز بإزائه (نـ) (أي: نقطة واحدة)، فكان رأي شيخ الهند فيه أن المصنف ترك الترجمة لقصد التمرين وتشحيذًا للأذهان، والباب الذي رمز بإزائه (ـــتـ) (أي: علامة ـــتـ فوقها نقطتان)، فكان رأي الشيخ فيه أنه
стр. 233
تركت الترجمة فيه لكون الحديث الذي فيه يتعلق بالباب السابق.
وقد وجد في هذه المسودة رمز (ـــثـ) (أي: علامة ـــثـ فوقها ثلاث نقاط)، وقد كتب فوقها لفظ الخطأ، ولكن لم يوجد هذا الرمز في هذا الفهرس، ومقصوده واضح، وهو أن الباب الذي كتب بإزاء هذا الرمز خطأ، ولكن لا يتعين الخطأ ممن هو، والذي ينساق إليه أذهاننا أن المراد به خطأ الناسخين.
وهذا القسم الثالث قد وضع رقم المجلد بإزاء علامة الصفحة وكتب تحتها الأبواب التي يوجد فيها هذا الباب.
وقد قدَّمتُ أن شيخ الهند قُدِّس سرُّه لم يكن عنده إلا نسخة مطبوعة بمصر، فالذي كتبه فهو من تلك النسخة المصرية، وقد وَجَدْت في هذا الفهرس أبوابًا بلا ترجمة لم يرقم لصفحاتها، ولكن كتب بإزائها رقم المجلد، ولم يذكر رمز نقطة واحدة أو اثنتين، ووجهه ظاهر.
وقد كان سهلًا عليَّ أن أُعلِّم بعلامة الصفحات من النسخة المصرية، ولكن لم أتجاسر عليه لأمرين:
الأول: أنه لا يمكن تعيين مقصد شيخ الهند قُدِّس سرُّه في تلك الأبواب المتروكة التراجم، أكان يظنها متروكة الترجمة لقصد التمرين أو للتعلق بالباب المقدم؟
والثاني: أن قلة بضاعتي في العلم لم يأذن لي أن أتصرف في تصنيف الشيخ بنوع من التصرف.
وبالجملة، أن هذه الرسالة إن لم تكن بدرًا كاملًا لكونها لم تتم، فلا أقلّ من أن تكون قمرَ عشرِ ليال".
حسين أحمد المهاجر المدني (١)
стр. 234
الجدول رقم (١) التراجم المجردة المحضة (التي ليس فيها حديث، ولا ذكر مع الترجمة شيئًا من الآيات والآثار)
. . . . . . . . … النسخة المصرية … النسخة الهندية … النسخة المحققة (١)
١ … باب فضل الصدقة من كسب … ١/ ١٦١ (٢) … ١/ ١٨٩ (٣) … ٣/ ٤٢٢
٢ … باب التعجيل إلى الموقف … ١/ ١٩٠ … ١/ ٢٢٦ … ٤/ ١٥
٣ … باب الخروج في الفزع وحده … ٢/ ١٠١ … ١/ ٤١٧ … ٦/ ٢٢٩
٤ … باب جوائز الوفد … ٣/ ١٠٩ … ١/ ٤٢٩ … ٦/ ٣٣١
٥ … باب ذكر مصعب بن عمير (٤) … ٢/ ١٨٥ … ١/ ٥٣٠ … -
٦ … باب إذا أعتق عبدًا بينه وبين آخر … ٤/ ٩٩ … ٢/ ٩٩٤ … ١٣/ ١٦٩
٧ … باب ميراث العبد النصراني والمكاتب النصراني وإثم من انتفى من ولده ٤/ ١٠٤ … ٢/ ١٠٠١ … ١٣/ ٢٣٣
٨ … باب عمود الفسطاط تحت وسادته … ٤/ ١٣٠ … ٢/ ١٠٣٨ … ١٣/ ٦٥٠
٩ … باب إثم من قذف مملوكه (ليس في محله) … ٤/ ٥٣ (٥) … - … -
الجدول رقم: (٣) التراجم غير المجردة التي ليس فيها حديث مسند، لكن ذكر في الترجمة آيةً أو حديثًا أو أثرًا
. . . . . . . . … النسخة المصرية … النسخة الهندية … النسخة المحققة
١ … باب كيف كان بدء الحيض … ١/ ٤١ … ١/ ٤٣ … ١/ ٥٥٧
٢ … باب استواء الظَّهر في الركوع … ١/ ٩٤ … ١/ ١٠٩ … ٢/ ٣٩٠
٣ … باب يستقبل بأطراف رجليه القبلة … ١/ ٩٧ … ١/ ١١٢ … ٢/ ٤١٢
٤ … باب صلاة الطالب والمطلوب راكبًا وإيماءً … ١/ ١١١ … ١/ ١٢٩ … ٢/ ٥٧٠
٥ … باب من صفَّق جاهلًا من الرجال. . . إلخ … ١/ ١٣٨ … ١/ ١٦٢ … ٣/ ١٦٧
٦ … باب الرياء في الصدقة … ١/ ١٦١ … ١/ ١٨٩ … ٣/ ٤٢١
٧ … باب لا يقبل الله صدقة من غلول … ١/ ١٦١ … ١/ ١٨٩ … ٣/ ٤٢٢
٨ … باب صدقة العلانية … ١/ ١٦٢ … ١/ ١٩١ … ٣/ ٤٣٨
٩ … باب صدقة السر … ١/ ١٦٢ … ١/ ١٩١ … ٣/ ٤٣٨
١٠ … باب المنَّان بما أعطى … ١/ ١٦٣ … ١/ ١٩٢ … ٣/ ٤٥٠
١١ … باب المُحْصَر وجزاء الصيد … ١/ ٢٠٣ … ١/ ٢٤٣ … ٤/ ١٧١
١٢ … باب قول النبي ﷺ : "إذا توضأ فليستنشق بمنخره الماء" … ١/ ٢١٧ … ١/ ٢٥٩ … ٤/ ٣٢٦
١٣ … باب أمر النبي ﷺ اليهود ببيع أرضهم … ٢/ ١٨ … ١/ ٢٩٧ … ٤/ ٤٧٦
١٤ … باب من رمى جمرة العقبة ولم يقف … ١/ ١٩٨ … ١/ ٢٣٦ … ٤/ ١٠٩
١٥ … باب الإهلال من البطحاء … ١/ ١٨٩ … ١/ ٢٢٤ … ٣/ ٧٣٥
١٦ … باب إذا وقف في الطواف … ١/ ١٨٥ … ١/ ٢٢٠ … ٣/ ٦٩٨
١٧ … باب صدقة الكسب والتجارة … ١/ ١٦٥ … ١/ ١٩٤ … ٣/ ٤٦٧
١٨ … باب من استأجر أجيرًا فبين له الأجل. . . إلخ … ٢/ ٢١ … ١/ ٣٠١ … ٤/ ٧٢٠
стр. 237
.. النسخة المصرية … النسخة الهندية … النسخة المحققة
١٩ … باب في الشرب (١) … ٢/ ٣١ … ١/ ٣١٦ … ٥/ ١٠٩
٢٠ … باب من أَخَّرَ الغَريمَ إلى الغد … ٢/ ٣٦ … ١/ ٣٢٣ … ٥/ ١٧٧
٢١ … باب الانتصار من الظالم … ٢/ ٤١ … ١/ ٣٣١ … ٥/ ٢٤٩
٢٢ … باب عفو المظلوم … ٢/ ٤٢ … ١/ ٣٣١ … ٥/ ٢٥٠
٢٣ … باب إماطة الأذى … ٢/ ٤٣ … ١/ ٣٣٤ … ٥/ ٢٧٤
٢٤ … باب ما جاء في البينة على المدعي … ٢/ ٦١ … ١/ ٣٥٩ … ٥/ ٤٩٩
٢٥ … باب إذا وقف شيئًا فلم يدفعه إلى غيره … ٢/ ٧٩ … ١/ ٣٨٥ … ٥/ ٧٢٦
٢٦ … باب إذا قال: داري صدقة لله … ٢/ ٨٠ … ١/ ٣٨٢ … ٥/ ٧٢٨
٢٧ … باب قول الله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى﴾ … ٢/ ٨١ … ١/ ٣٨٨ … ٥/ ٧٤٦
٢٨ … باب من غزا وهو حديث عهد بعُرسه … ٢/ ١٠١ … ١/ ٤١٦ … ٦/ ٢٢٧
٢٩ … باب من اختار الغزو بعد البناء … ٢/ ١٠١ … ١/ ٤١٦ … ٦/ ٢٢٧
٣٠ … باب ﴿فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً﴾ … ٢/ ١٠٥ … ١/ ٤٢٣ … ٦/ ٢٨٤
٣١ … باب هل للأسير أن يقتل ويخدع. . . إلخ … ٢/ ١٠٥ … ١/ ٤٢٣ … ٦/ ٢٥٨
٣٢ … باب قول النبي ﷺ لليهود: "أسلموا تسلموا" … ٢/ ١١٠ … ١/ ٤٣٠ … ٦/ ٣٤٠
٣٣ … باب ما يعطى البشيرُ … ٢/ ١١٢ … ١/ ٤٣٣ … ٦/ ٣٦٨
٣٤ … باب إذا قالوا: صبأنا. . . إلخ … ٢/ ١٢٤ … ١/ ٤٥٠ … ٦/ ٥١١
٣٥ … باب الموادعة من غير وقت … ٢/ ١٢٦ … ١/ ٤٥٢ … ٦/ ٥٣٠
٣٦ … باب في النجوم … ٢/ ١٢٧ … ١/ ٤٥٤ … ٦/ ٥٥٠
٣٧ … باب خلق آدم وذريته (٢) … ٢/ ١٣٨ … ١/ ٤٦٨ … ٦/ ٦٩٣
٣٨ … باب قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا. . .﴾ إلخ (٣) … ٢/ ١٤٠ … ١/ ٤٧٠ … ٦/ ٧١٠
стр. 238
.. النسخة المصرية … النسخة الهندية … النسخة المحققة
٣٩ … باب ﴿وَإِنَّ إِلْيَاسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ … ٢/ ١٧٠ (١) … ١/ ٤٧٠ … ٦/ ٧١٧
٤٠ … باب قصة إسحاق بن إبراهيم … ٢/ ١٤٦ … ١/ ٤٧٨ … ٦/ ٧٨٤
٤١ … باب ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ﴾ … ٣/ ٧٥ … ٢/ ٦٦٠ … ٩/ ٩٩
٤٢ … باب ﴿الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ. . .﴾ إلخ … ٣/ ٧١ … ٢/ ٦٥٥ … ٨/ ١٥٩
٤٣ … باب ﴿هَلُمَّ شُهَدَاءَكُمُ﴾ … ٣/ ٨٠ … ٢/ ٦٦٧ … ٩/ ١٧٧
٤٤ … باب تفسير سورة المائدة … ٣/ ٧٦ … ٢/ ٦٦٢ … ٩/ ١٢٢
٤٥ … باب قال ابن عباس. . . إلخ … ٣/ ٩٠ … ٢/ ٦٨١ … ٩/ ٣٤٠
٤٦ … باب قوله تعالى: ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ﴾ … ٣/ ٦١ … ٢/ ٦٨٣ … ٩/ ٣٦٢
٤٧ … باب ما يحل من النساء وما يحرم … ٣/ ١٤٩ … ٢/ ٧٦٥ … ١٠/ ٤٢٠
٤٨ … باب قول الله تعالى: ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ. . .﴾ إلخ … ٣/ ١٥١ … ٢/ ٧٦٨ … ١٠/ ٤٤٦
٤٩ … باب العدل بين النساء … ٣/ ١٦٠ … ٢/ ٧٨٥ … ١٠/ ٥٨٦
٥٠ … باب إذا قال: فارقتك. . . إلخ … ٣/ ١٦٥ … ٢/ ٧٩٢ … ١٠/ ٦٥٢
٥١ … باب لا طلاق قبل النكاح … ٣/ ١٦٦ … ٢/ ٧٩٣ … ١٠/ ٦٦٤
٥٢ … باب إذا قال لامرأته وهو مكره. . . إلخ … ٣/ ١٦٦ … ٢/ ٧٩٣ … ١٠/ ٦٦٦
٥٣ … باب الظهار (٢) … ٣/ ١٦٩ … ٢/ ٧٩٧ … ١٠/ ٧٠٨
٥٤ … باب ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ﴾ … ٣/ ١٧٢ … ٢/ ٨٠١ … ١٠/ ٧٤٩
٥٥ … باب قوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ. . .﴾ إلخ … ٣/ ١٧٢ … ٢/ ٨٠٢ … ١٠/ ٧٥٣
٥٦ - باب وقال الله تعالى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ﴾ إلخ … ٣/ ١٧٦ … ٢/ ٨٠٧ … ١١/ ١٨
٥٧ … باب الطاعم الشاكر. . . إلخ … ٣/ ١٨٥ … ٢/ ٨٢٠ … ١١/ ١٥٢
стр. 239
. . … النسخة المصرية … النسخة الهندية … النسخة المحققة
٥٨ … باب أكل المضطر … ٣/ ١٩٣ … ٢/ ٨٣٢ … ١١/ ٢٧٢
٥٩ … باب رفع الأيدي في الدعاء … ٤/ ٦٥ … ٢/ ٩٣٨ … ١٢/ ٤٧٢
٦٠ … باب الدعاء إذا هبط واديًا … ٤/ ٦٨ … ٢/ ٩٤٤ … ١٢/ ٥٢٠
٦١ … باب رؤيا يوسف … ٤/ ١٤٧ … ٢/ ١٠٣٥ … ١٣/ ٦١١
٦٢ … باب رؤيا إبراهيم … ٤/ ١٢٧ (١) … ٢/ ١٠٣٥ … ١٣/ ٦١٤
٦٣ … باب متى يستوجب الرجل القضاء … ٤/ ١٤٤ … ٢/ ١٠٦١ … ١٤/ ٤٥
٦٤ … باب ذكر الله بالأمر. . . إلخ … ٤/ ١٨٣ … ٢/ ١١٢١ … ١٤/ ٦٦٠
٦٥ … باب فضل العلم … ١/ ١٣ … ١/ ١٤ … ١/ ٢٨٥
٦٦ … باب ما جاء في العلم (٢) … ١/ ١٤ … - … -
٦٧ … باب العلم قبل القول والعمل … ١/ ١٥ … ١/ ١٦ … ١/ ٣٠٣
٦٨ … باب ما جاء في قول الله تعالى … ﴿إِذَا قُمْتُمْ. . .﴾ إلخ (٣) … ١/ ٢٥ … ١/ ٢٥ … -
стр. 240
الجدول رقم: (٤) أبواب بلا ترجمة
. . . . . . . [الكتب] … النسخة المصرية … [موضعه في النسخة الهندية] … النسخة المحققة
١ … بَابٌ … الإيمان … ١/ ٧ … نـ … ص: ٧ قبله "بَابٌ علامة الإيمان حب الأنصار". … ١/ ٢٢٥
٢ … بَابٌ … الإيمان … ١/ ١٢ … نـ … ص: ١٢ قبله "باب سؤال جبرئيل ﵇". … ١/ ٢٧٣
٣ … بَابٌ … الوضوء … ١/ ٣١ … ـــتـ … ص: ٣١ قبله "باب استعمال فضل وضوء الناس". … ١/ ٤٥١
٤ … بَابٌ … في أحكام البول … ١/ ٣٤ … نـ … ص: ٣٥ قبله "باب ما جاء في غسل البول. . ." إلخ. ١/ ٤٨٠
٥ … بَابٌ … الحيض … ١/ ٤٥ … ـــتـ … ص: ٤٧ قبله "باب الصلاة على النفساء وسُنَّتها". … ١/ ٥٩٧
٦ … بَابٌ … التيمم … ١/ ٤٨ … نـ … ص: ٥٠ قبله "باب التيمم ضربة". … ١/ ٦٢٤
٧ … بَابٌ … مواضع الصلاة … ١/ ٥٧ … ـــتـ … ص: ٦٢ قبله "باب الصلاة في البيعة". … ١/ ٧٢٦
٨ … بَابٌ … الصلاة … ١/ ٦٠ … نـ … ص: ٦٦ قبله "باب إدخال البعير في المسجد". … ٢/ ٢٦
٩ … بَابٌ … أبواب السترة … ١/ ٦٤ … نـ … ص: ٧٢ قبله "باب الصلاة بين السواري في غير جماعة". … ٢/ ٧٣
١٠ … بَابٌ … الركوع … ١/ ٩٥ … نـ … ص: ١٠٩ قبله "باب فضل: اللهم ربنا لك الحمد". … ٢/ ٣٩٥
١١ … بَابٌ … الجمعة … ١/ ١٠٤ … نـ … ص: ١٢١ قبله "باب فضل الجمعة". … ٢/ ٤٩٧
١٢ … بَابٌ … صلاة الخوف … ١/ ١١١ … ـــتـ … ص: ١٢٩ ليس في الأصل باب، ولكن في الحاشية في الهندية.
١٣ … بَابٌ … صلاة الليل … ١/ ١٣٢ … ـــتـ … ص: ١٥٤ قبله "باب ما يكره من ترك قيام الليل. . ." إلخ. … ٣/ ٩٥
١٤ … بَابٌ … الجنائز … ١/ ١٤٧ … ـــتـ … ص: ١٧٢ قبله "باب ما يكره من النياحة على الميت". ٣/ ٢٦٢
стр. 241
[الكتب] … النسخة المصرية … [موضعه في النسخة الهندية] … النسخة المحققة
١٥ … بَابٌ … الجنائز … ١/ ١٥٨ … ـــتـ … ص: ١٨٥ قبله "باب ما قيل في أولاد المشركين". … ٣/ ٣٧٨
١٦ … بَابٌ … الزكاة … ١/ ١٦٢ … ـــتـ … ص: ١٩١ قبله "باب فضل صدقة الشحيح الصحيح"، هكذا في أصل الهندية. وفي هامشه: "باب أي الصدقة أفضل"، وهكذا في المصرية. … ٣/ ٤٣٦
١٧ … بَابٌ … الحج … ١/ ١٧٥ … نـ … ص: ٢٠٧ هكذا في هامش الهندية، وفي أصلها "باب الصلاة بذي الحليفة".
١٨ … بَابٌ … فضائل المدينة … ١/ ٢١٢ … نـ … ص: ٢٥٣ في هذه الصفحة بابان بلا ترجمة في المصرية والهندية كلتيهما. … ٤/ ٢٦٥، ٤/ ٢٦٨
١٩ … بَابٌ … الصوم … ١/ ٢١٨ … نـ … ص: ٢٦١ قبله "باب إذا صام أيامًا من رمضان ثم سافر". … ٤/ ٣٤٠
٢٠ … بَابٌ … المزارعة … ٢/ ٢٩ … نـ … ص: ٣١٢ قبله "باب قطع الشجر والنخل". … ٥/ ٧٦
٢١ … بَابٌ … المزارعة … ٢/ ٣٠ … نـ … ص: ٣١٣ قبله "باب إذا لم يشترط السنين في المزارعة". … ٥/ ٨٢
٢٢ … بَابٌ … المزارعة … ٢/ ٣١ … نـ … ص: ٣١٤ قبله "باب من أحيا أرضًا مواتًا". … ٥/ ٩٣
٢٣ … بَابٌ … اللقطة … ٢/ ٤١ … نـ … ص: ٣٢٩ قبله "باب من عرّف اللقطة". … ٥/ ٢٣٦
٢٤ … بَابٌ … الهبة … ٢/ ٦٠ … نـ … ص: ٣٥٧ قبله "باب لا يحل لأحد يرجع. . ." إلخ. … ٥/ ٤٨٢
٢٥ … بَابٌ … الشهادات … ٢/ ٦٧ … ـــتـ … ص: ٣٦٨ في نسخة الحاشية قبله "باب من أمر بإنجاز الوعد". … ٥/ ٨١
стр. 242
[الكتب] … النسخة المصرية … [موضعه في النسخة الهندية] … النسخة المحققة
٢٦ … بَابٌ … الجهاد … ٢/ ١٠٦ … نـ … ثلاثة أبواب ص: (٤٠٧ و ٤٢٤ و ٤٥١) … ٦/ ١٥٢
٢٧ … باب … بدء الخلق … ٢/ ١٥٠ … ـــتـ … ...
٢٨ … بَابٌ … ذكر بني إسرائيل … ٢/ ١٥٧ … ـــتـ … ص: ٤٩٣ قبله "باب حديث الغار". … ٧/ ١٥٣
٢٩ … بَابٌ … المناقب … ٢/ ١٦٠ … ـــتـ … ص: ٤٩٦ قبله "باب المناقب". … ٧/ ١٨٨
٣٠ … بَابٌ … المناقب … ٢/ ١٦١ … نـ … ص: ٤٩٧ قبله "نسبة اليمن إلى إسماعيل". … ٧/ ٢٠٠
٣١ … بَابٌ … المناقب … ٢/ ١٦٤ … نـ … ص: ٥٠١ قبله "باب كنية النبي ﷺ ". … ٧/ ٢٣٧
٣٢ … بَابٌ … فضائل أبي بكر … ٢/ ١٧٥ … ـــتـ … ص: ٥١٦ قبله "باب قول النبي ﷺ : لو كنت متخذًا خليلًا". … ٧/ ٣٨٥
٣٣ … بَابٌ … مناقب أسامة … ٢/ ١٨٤ … ـــتـ … ص: ٤٢٨ على الحاشية.
٣٤ … بَابٌ … هجرة النبي ﷺ … ٢/ ٢٠٦ … ـــتـ … ص: ٥٦١ قبله "كيف آخى النبي ﷺ بين أصحابه". … ٧/ ٧٨١
٣٥ … بَابٌ … المغازي … ٣/ ٣ … نـ … ص: ٥٦٤ قبله "باب قول الله: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ﴾ " ٨/ ١٧
٣٦ … بَابٌ … المغازي … ٣/ ٥ … ـــتـ … ص: ٥٦٧ قبله "باب فضل من شهد بدرًا". … ٨/ ٤٢
٣٧ … بَابٌ … المغازي … ٣/ ٧ … ص: ٥٧٠ قبله "باب شهود الملائكة بدرًا". … ٨/ ٥٨
٣٨ … بَابٌ … المغازي … ٣/ ١٦ … ـــتـ … ص: ٥٨٣ قبله "باب ما أصاب النبي ﷺ من الجراح". … ٨/ ١٥٧
٣٩ … بَابٌ … المغازي … ٣/ ٣٩ … نـ … ص ٦١٥ قبله "باب منزل النبي ﷺ يوم الفتح". … ٨/ ٤١٦
٤٠ … بَابٌ … المغازي … ٣/ ٤٠ … ـــتـ … ص: ٦١٥ قبله "باب مقام النبي ﷺ ". … ٨/ ٤٢٢
[الكتب] … النسخة المصرية … [موضعه في النسخة الهندية] … النسخة المحققة
٥٧ … بَابٌ … الفتن … ٤/ ١٣٩ … نـ … ص: ١٠٥٢ على الحاشية قبله باب بلا ترجمة.
٥٨ … بَابٌ … الفتن … ٤/ ١٤٠ … نـ … ص: ١٠٥٤ قبله "باب خروج النار". … ١٣/ ٨١٣
٥٩ … بَابٌ … الأحكام ٤/ ١٥١ … نـ … ص: ١٠٧٢ قبله "باب الاستخلاف". … ١٤/ ١٤٩
٦٠ … بَابٌ … صـ … ٤
٦١ … بَابٌ … صـ … ٤
٦٢ … بَابٌ … صـ … ٤
٦٣ … بَابٌ … صـ … ٤ … انتهى ما في تراجم شيخ الهند من الجداول الأربعة.
ولا يذهب عليك أني بسطت الكلام في مقدمة "الأوجز" (١) على مقدمة علم الحديث من تعريفه (حدّه) وموضوعه وشرفه وفضله، وبيان بداية كتابة علم الحديث واستمداده ومبادئ العلم، وذكرت فيه أحوال الإمامين الهُمامين أبي حنيفة ومالك، [و] من ترجمة الإمام أبي حنيفة، وبيان فضله وثناء الناس عليه والبحث عن تابعية الإمام، وبيان علو مرتبته في الحديث، وبيان سبب قلة روايته على الطريق المعروفة، والرد على ما نقم عليه، وبيان مشايخه وتلامذته، وبيان ما بنى عليه مذهبه.
وذكرت فيها شرح ألفاظ كثر استعمالها في كتب الحديث، وبيان مصطلحاتهم:
منها: المتن وأنواعه الاثنا عشر.
ومنها: السند والإِسناد والإِرسال.
وبيان المرسل وأنواعه، وحكمه من القبول والرد.
وبيان الفرق بين التحديث، والإِخبار، وطرق التحمل الأربعة، والفرق بين مراتبها.
стр. 245
وبيان التحويل.
وبيان المرفوع، والموقوف، والأثر، واختلافهم في قبول رواية المجهول.
وبيان قولهم: أُمرنا بكذا، ونُهينا عن كذا.
والبحث عن الرواية بالمعنى.
وبيان الموصول والمقطوع.
وغير ذلك من الأبحاث الكثيرة مما تتعلق بالحديث.
وبسطت الكلام في مقدمة "اللامع" (١) على ترجمة أمير المؤمنين في الحديث الإمام البخاري من ولادته وفاته، وأحواله التاريخية، وبيان مشايخه، وبيان سعة حفظه، ومناقبه، ومما ابتلي به الإمام البخاري، وبيان رد ما نقم عليه، لا سيما الكلام على مسألة خلق القرآن.
وبيان مسالك أئمة الحديث من الاجتهاد والتقليد.
وبيان علماء الحنفية في مشايخ البخاري، وبيان جماعة من العلماء انتقلوا من مسلك إلى مسلك آخر.
وبيان مؤلفات الإمام البخاري غير هذا "الجامع الصحيح"، وفضل كتاب البخاري، وسبب تأليفه، وثناء الناس على الكتاب، وبيان موضوعه ومعظم مقصوده بالتراجم، وبيان شروط البخاري في كتابه، وبيان طبقات الرواة، وبيان خصائص "الجامع الصحيح"، وبيان ثلاثيات البخاري، وأنها اثنان وعشرون حديثًا، ومشايخ الإمام البخاري في العشرين منها الحنفية، وبيان قول البخاري: أردت أن أدخل فيها غير معاد (٢)، والإيراد عليه، والجواب عنه، وبراعة الاختتام في آخر كل كتاب عند الحافظ ابن حجر نوَّر الله مرقده.
стр. 246
وعند هذا العبد الضعيف من أن الإشارة إلى آخر الكتاب عند الحافظ قُدِّس سرُّه، والتنبيه على تذكير الموت وهاذم اللَّذات عند هذا العبد الضعيف.
وبيان ما اهتم به الإمام البخاري من الغسل والصلاة عند كتابة كل رواية، ومدة زمان تأليف "الجامع الصحيح" عند هذا العبد الضعيف، والكلام على عدد ما في البخاري من الروايات.
وبيان مرتبة "الجامع الصحيح" في كتب الحديث.
ونقلت فيها رسالة تسمَّى بـ "ما يجب حفظه للناظر" لشيخ مشايخ الحديث في الهند الشاه عبد العزيز الدهلوي (١) نور الله مرقده فيها بيان مراتب كتب الحديث واختلافهم في السادس من الكتب الستة.
وبيان أنواع كتب الحديث، وأنها تسعة وعشرون نوعًا فيما تفحصت، وهي:
١ - الجامع، و ٢ - السنن، و ٣ - المعجم، و ٤ - المشيخة، و ٥ - الأجزاء، و ٦ - الرسائل، و ٧ - الأربعينة، و ٨ - الأفراد والغرائب، و ٩ - المستدرك، و ١٠ - المستخرج، و ١١ - العلل، و ١٢ - الأطراف، و ١٣ - التراجم، و ١٤ - التعاليق، و ١٥ - الترغيب والترهيب، و ١٦ - المسلسلات، و ١٧ - الثلاثيات، و ١٨ - الأمالي، و ١٩ - الزوائد، و ٢٠ - المختصرات، و ٢١ - التخاريج، و ٢٢ - شرح الآثار، و ٢٣ - أسباب الحديث، و ٢٤ - الترتيب، و ٢٥ - التأليف على ترتيب حروف المعجم من ألفاظ الحديث، و ٢٦ - الكتب المؤلفة في الموضوعات، و ٢٧ - الكتب المؤلفة في الأدعية المأثورة والصلاة على النبي ﷺ ، و ٢٨ - الناسخ والمنسوخ، و ٢٩ - متشابه الحديث.
هذه تسعة وعشرون نوعًا من أنواع التأليف، ذكرت في "مقدمة اللامع" (٢) الكلام المفصل على كل نوع من هذه الأنواع.
стр. 247
وذكرت في "المقدمة" أيضًا تفصيل نسخ الكتَّاب والرواة عن البخاري والأسانيد إليه.
وبيان ما انتقد في "الجامع الصحيح" من الروايات.
وفيه أيضًا: بيان ما انتقد عليه شيخي وأستاذي حضرة الحاج خليل أحمد السهارنفوري (١) قُدِّس سرُّه مؤلف "بذل المجهود في حل أبي داود" وأيضًا بيان ما انتقد في "الجامع الصحيح" من الرواة والجواب عنه، وهذا الجواب يمشي فيما انتقد على الأئمة المجتهدين أيضًا.
وبيان مناسبة الكتب والأبواب في "الجامع الصحيح" عند الحافظ ابن حجر، وعند هذا العبد الضعيف.
وبيان شروح البخاري ومتعلقاته، وهي مائة ونيف وثلاثون، أشهرها خمسة: الفتح، والعيني، والقسطلاني، والكرماني، وقطعة من النووي، وبيان تفصيل هذه الشروح الخمسة.
وفيها ترجمة مصدر "لامع الدراري" وترجمة جامعه.
ونبهت ههنا على هذه الأبحاث المذكورة في مقدمة "الأوجز" ومقدمة "اللامع" تكميلًا للفائدة، وتنبيهًا لمن أراد البسط في نوع من الأبحاث المذكورة، فليرجع إلى هاتين المقدمتين.
والله الموفق لما يحب ويرضى.
تم الجزء الأول من"الأبواب والتراجم" للبخاري
ويتلوه الجزء الثاني، أوله:
"باب كيف كان بدء الوحي إلى رسول الله ﷺ ".
стр. 248
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
نحمده ونصلِّي على رسوله الكريم
اعلم أولًا: أنه وُضع تبييض هذه التراجم في الثامن من شهر الله المحرم المبارك، سنة إحدى وتسعين بعد ثلاثمائة وألف، في آخر ساعة من يوم الجمعة بعد العصر، عند الأقدام العالية في المسجد النبوي، تقبَّل الله عني بشرف البقعة المباركة، كما تقدم مفصلًا في مبدأ الجزء الأول.
وثانيًا: أن الإمام البخاري افتتح كتابه بـ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ اقتداءً بالقرآن العظيم، وتخلُّقًا بأخلاق العزيز العليم، واقتفاءً للنبي الكريم حيث قال: "كلُّ أمر ذي بال لا يبدأ [فيه] بـ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ فهو أقطع"، رواه الخطيب وعبد القادر الرهاوي بهذا اللفظ في كتاب "الجامع" (١) كما في "القسطلاني" و"الجامع الصغير" (٢).
ثم الباء جاء لأربعة عشر معنًى، والمناسب هنا الاستعانة، وهي متعلقة بمقدر، فقدّره البصريون: اسمًا مقدَّمًا، أي: ابتدائي به، والكوفيون: فعلًا مقدمًا، أي: أبدأ، وقَدّره الزمخشري: فعلًا مؤخَّرًا، أي: باسم الله أقرأ؛ اهتمامًا لشأن اسمه تعالى، وهو أولى وأتم شمولًا؛ لاقتضائه أن التسمية واقعة على القراءة كلها، وتقدير "أبدأ" يقتضي مصاحبتها لأول القراءة دون باقيها، إلى آخر ما بسطه "القسطلاني" (٣).
وأجاد في جواب ما أورد على الزمخشري من أن في تقديره لا تقع البداية باسمه: بأن مراد الحديث البداية به، وهو حصل بالفعل، ولم يقل في الحديث: كل أمر لا يقال فيه أبدأ بسم الله. . . إلى آخر ما بسطه.
стр. 249
وقال القاري (١): لكن قالى العارف الجامي: حقيقة الابتداء باسمه سبحانه عند العارفين، أن لا يُذكر باللسان ولا يخطر بالجَنان في الابتداء غير اسمه سبحانه، لا إثباتًا ولا نفيًا، فإِن صورة نفي الغير ملاحظة للغير، فهو أيضًا ملحوظ في الابتداء، فليس الابتداء مختصًا باسمه سبحانه، فلا حاجة إلى تقدير المحذوف مؤخرًا إلا أن يكون اسم الله سبحانه في التقدير أيضًا مقدمًا كما أنه في الذكر مقدم، انتهى.
وثالثًا: أن الإمام البخاري لم يفتتح كتابه بالحمد مع ما ورد من الحديث كما في هامش "اللامع" (٢)، وهو قوله ﷺ : "كل كلام لا يبدأ فيه بحمد الله فهو أجزم"، رواه أبو داود والنسائي (٣). وفي رواية ابن ماجه (٤): "كل أمر ذي بال لم يُبدأ فيه بالحمد أقطع"، ورواه ابن حبان (٥) وأبو عوانة في "صحيحيهما". وقال ابن الصلاح: هذا حديث حسن بل صحيح، انتهى.
وأجاب عنه العيني (٦) بسبعة أوجه:
الأول: أن الحديث ليس على شرطه.
الثاني: أن الحديث مخصوصٌ بالخطب زجرًا عمَّا عليه أهل الجاهلية من البداية بالأشعار.
الثالث: [أن الحديث] منسوخ؛ لما أنه ﵇ في صلح الحديبية اكتفى بالبسملة.
الرابع: أن كتاب الله وكُتُبَ رسوله ﷺ مفتتحة بالتسمية، فقاس به البخاري.
стр. 250
الخامس: أنَّ أول ما نزل من القرآن ﴿اقْرَأْ﴾ [العلق: ١]، و ﴿الْمُدَّثِّرُ﴾ [المدثر: ١]، وهما خاليتان عن الحمد.
السادس: تركه عمدًا لقوله تعالى: ﴿لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [الحجرات: ١]، فلم يقدِّم على كلامه ﷺ شيئًا من عند نفسه من الحمد وغيره.
السابع: أنه اكتفى بالحمد باللسان.
ثم قال بعد ما أورد على كلٍّ واحد من الأجوبة المذكورة: والأحسن ما سمعتُ عن بعض أساتذتي الكبار: أن الحمدَ موجودٌ في مسوَّدته، أسقطه بعض المبيِّضِين.
وردَّ على هذا الأخير الحافظُ أشدَّ الردّ، إِذ قال (١): وأبعد من ذلك كله قولُ من ادَّعى أنه ابتدأ بخطبة فيها حمد وشهادة، فحذفها بعضُ من حمل عنه الكتابَ. وكأن قائل هذا ما رأى تصانيف الأئمة من شيوخ البخاري وشيوخ شيخه وأهل عصره، كمالك في "الموطأ"، وعبد الرزاق في "المصنف"، وأحمد في "المسند"، وأبي داود في "السنن"، إلى ما لا يحصى ممن لم يقدِّم في ابتداء تصنيفه [خطبةً]، ولم يزد على التسمية، وهم الأكثر، والقليل منهم من افتتح كتابه بخطبة، أفيقال في كل من هؤلاء: إن الرواة عنه حذفوا ذلك؟ كلا، بل يُحمل ذلك من صنيعهم على أنهم حمدوا لفظًا.
ويؤيده ما رواه الخطيب في "الجامع" (٢) عن أحمد أنه كان يتلفظ بالصلاة على النبي ﷺ إذا كتب الحديث ولا يكتبها، والحامل له على ذلك إِسراعٌ أو غيرُه، أو يحمل على أنهم رأوا ذلك مختصًّا بالخُطَب دون الكتب كما تقدم، ولهذا من افتتح كتابه منهم بخطبةٍ حَمدَ وتشَهَّد كما صنع مسلم، والله أعلم بالصواب.
стр. 251
وقال القسطلاني (١): لم يأت المصنف بخطبةٍ تنبئ عن مقاصد كتابه هذا مبتدَأة بالحمد والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله ﷺ ، اقتداءً بالكتاب وعملًا بما تقدم من الحديث؛ لأنه صدَّر كتابه بترجمة "بدء الوحي"، وبالحديث الدالِّ على مقصوده المشتمل على أن العمل دائر مع النية، فكأنه قال: قصدت جَمْعَ وحي السُّنَّة المتلقى عن خير البرية على وجه سيظهر حسنُ عملي فيه من قصدي، وإنما لكل امرئ ما نوى؛ فاكتفى بالتلويح عن التصريح.
وهذا ذكره الحافظ أيضًا، لكنه ذكره علَّةً لعدم ذكر الخطبة، والقسطلاني ذكره علَّةً لعدم الخطبة وعدم الحمدلة معًا، كما يدل عليه قولُه: أو اكتفى بالنطق؛ فتأمل.
واختار الشيخ الكَنكَوهي قدَّس الله سرُّه في "اللامع" (٢)، أن ذكر أوصاف الكمال من الله أو الرحمن أو الرحيم، داخل في الحمد، لا سيما فيه التأسي بما كثر وشاع من كتبه ورسائله ﷺ ، انتهى.
ومن العجائب أني عندما قَدِمتُ للحج عام ١٣٨٤ هـ بإِصرار من العزيز المرحوم مولانا الحاج محمد يوسف (٣) أمير التبليغ نوّر الله مرقده وأعلى مراتبه، وأقمت معه عدة أشهر بالحرمين الشريفين، فرأيت ببركته ورفاقته رؤًى كثيرة عجيبة جدًّا في تلك السفرة.
ومن جملتها أني لمَّا خرجتُ من مكةَ صبيحةَ يوم السبت، ووصلتُ إِلى بدرٍ، أقمتُ بقيةَ اليوم والليلة المقبلة بها، ثم ترحَّلْتُ فوصلتُ البلدةَ
стр. 252
الطاهرةَ المدينةَ المنورةَ صبيحة يوم الأحد الثامن والعشرين من ذي الحجة سنة أربع وثمانين وثلاثمائة بعد الألف، فرأيت رؤيا في إقامتي بتلك البلدة المباركة كأني واقف بالمسجد النبوي بين باب السعود وباب عمر بجانب المكان الذي كان الشيخ محمد يوسف ﵀ يخطب فيه كل يوم خطبته التبليغية قريبًا من باب عمر، ورأيت جمعًا كثيرًا من العلماء من العرب والعجم، وكلهم يصرُّون عليّ أن أدرِّسَهم "الجامع الصحيح" للبخاري، وأنا لقلة بضاعتي ونقصان باعي أعتذر إليهم بأني لستُ بأهلٍ لهذا، وأيضًا لم أصحب معي الزاد العلميَّ من الكتب ونحوها؛ لأني لم أحضر بقصد القيام الطويل، بل بنية الزيارة لعدة أيام فقط.
ثم رأيت أنَّ حضرة الإمام البخاري ﵀ متفضِّل بالجلوس عن يميني ويقول: نعم دَرِّسْ وأنا بجوارك، وحيث تكون الحاجة سأرشدك. فجلست في موضعي تلبيةً لأمره السامي، وبدأت بتدريس "جامع البخاري"، وبيَّنتُ وجوهَ عدم ذكر الخطبة والحمد والصلاة، فذكرتُ الوجوهَ السبعةَ، وكذا الوجوهَ الأُخَرَ التي تُذْكَر عند الشروع في "الكافية" لابن حاجب، فقال حضرة الإمام البخاري: إن حقيقة الأمر في هذا: هو أني لم أؤلِّفْ هذا "الجامع الصحيح" على الصورة الكتابية بحيث أن يكون تأليفه من أوله إلى آخره جملةً كما هي العادة في تأليف الكتب، وإنما هي مجموعةُ كراساتٍ فيها أبواب وكتب مختلفة جُمعت بعدئذ فصارت كتابًا. انتهت الرؤيا.
قُلتُ: لا شك أن هذا التوجيه لطيف.
* * *
стр. 253
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
١ - كتاب الوحي
(١ - باب)
أصله "بَوْبٌ" قُلبت الواو ألفًا لفتح ما قبلها بدليل جمعه على أبواب، كذا في العيني (١).
قال القاري في "شرح الشمائل" (٢): هو لغةً: اسم لمدخل الأمكنة كباب البلد وباب الدار، وعند البلغاء يقال لِمَا يُتوصل منه إلى المقصود، وهو ها هنا: معرفة أحاديث جاءت في هذا المعنى.
ونوقش أن الباب اسم لطائفة من الكتاب، له أول وآخر معلومان، وليس مدخلًا لشيء (٣)، بل هي بيت من المعاني.
نعم لو كان البابُ اسمًا للجزء الأول منها لكان له وجه، فالأوجه (٤) أن يقال: إنه بمعنى الوجه إذ هو من معانيه، كما في "القاموس"، إذ قال: كل باب وجه من وجوه الكلام، سُمي بابًا للاختلاف بينه وبين باب آخر كاختلاف الوجوه.
والأظهر عندي أن الكتاب بمنزلة الجنس، والباب بمنزلة النوع، والفصل بمنزلة الصِّنف، ومن باب التشبيه بالمحسوس أن الكتاب بمنزلة الدار المتضمِّنة للبيوت، فكل نوع من المسائل كبيت وأوله كبابه، انتهى مختصرًا.
стр. 254
قال القسطلاني (١): الكتاب من الكَتْب، وهو الجمع والضم، ومن ثَم اسُتعمل جامعًا للأبواب، انتهى.
فيطلق الكتاب على مختلف الأنواع، والباب على متَّحِد الأنواع، والفصل على متَّحِد الأصناف.
قال الكرماني (٢): فيه وفي نظائره ثلاثة أوجه: رفعٌ مع التنوين، أو بدون التنوين على الإضافة، وعلى هذين الوجهين هو خبر مبتدأ محذوف، أي: هذا باب، والثالث: بالوقف على سبيل التعداد، فلا إعراب له، انتهى.
وأورد القاري في "شرح الشمائل" (٣) على هذا الأخير أن التعداد في عُرف البلغاء إنما يكون لضبط العدد من غير فصل بين أجزاء المعدود بشيء آخر، فضلًا عن إيراد الأحوال الكثيرة بين المعدودات، انتهى.
وأجمل الكلام في "اللامع" (٤) على إضافة الباب إلى "كيف كان بدء الوحي" وقطع الإضافة، فارجع إليه.
ثم لم يترجم المصنف بلفظ الكتاب واختار لفظ الباب، بل ليس في بعض النسخ الباب أيضًا، بل بدأ بـ "كيف كان بدء الوحي. . ." إلخ، وذكر في هامش المطبوعة الهندية: لم يذكر كتاب بدء الوحي؛ لأنه ليس تحته أبواب.
قال الحافظ (٥): هكذا في رواية أبي ذر والأصيلي بغير "باب"، وثبت في رواية غيرهما، انتهى.
وهذا على النسخ التي بأيدينا، وأما في نسخة "فتح الباري"، فليس فيها باب أيضًا، فقال في "مقدمة الفتح" (٦): قال شيخنا البُلقيني: لم يقل فيه الإمام: الكتاب ولا الباب؛ لأن بدء الوحي من بعض (٧) ما يشتمل عليه الوحي.
стр. 255
قال الحافظ: ويظهر لي إنما عرّاه من باب؛ لأن كل باب يأتي بعده ينقسم منه، فهو أمُّ الأبواب فلا يكون قسيمًا لها، وبدأ به؛ لأنه منبع الخيرات، وبه قامت الشرائع، انتهى.
وقد أجاد ما أفاده مولانا محمد يوسف البنوري في أول أبواب الترمذي في "معارف السنن" (١) إذ قال: ويظهر فقه المحدث من تراجمه كما قيل: فقه البخاري في تراجمه.
ولهذا القول عند شيخنا - يعني: مولانا العلامة محمد أنور شاه الكشميري - محملان:
الأول: أن المسائل التي اختارها من حيث الفقه أظهر من تراجمه.
والثاني: أن تفقهه وذكاءَه ودقة فكره يظهر في تراجمه.
قال شيخنا: الإمام البخاري هو سَبّاق الغايات في وضع التراجم، بحيث ربما تنقطع دون فهمها مطامع الأفكار.
قال: ثم يتلوه في التراجم أبو عبد الرحمن النَّسائي، وربما أرى في مواضع أن تراجمهما تتوافق كلمةً كلمةً، وأظن أن النسائي تلقَّاها من شيخه البخاري، حيث إن التوارد يُستبعد في مثل هذا، ولا سيما إذا كان البخاري من شيوخه.
ثم يتلوه تراجم أبي داود، وتراجم أبي داود أعلى من تراجم الترمذي.
نعم، إن أسهل التراجم وأقربها إلى الفهم تراجم الترمذي.
قال الشيخ: وأما الإمام مسلم فلم يضع [هو] نفسه التراجم، والتراجم الموجودة في كتابه من وضع شارحه الإمام النووي، انتهى.
(كيف كان. . .) إلخ، وأشكل على تقدير إضافة الباب بأن لفظ "كيف"
стр. 256
يقتضي الاستئناف، قال القسطلاني (١) تبعًا للحافظ: لا تخرج بذلك عن الصدرية؛ لأن المراد من كون الاستفهام له الصدر أن يكون في صدر الجملة التي هو فيها. . . إلى آخر ما بسطه.
قال النووي: لا بد من تقدير المضاف، أي: باب جواب "كيف كان"؛ لأن المذكور في الباب جواب "كيف كان" لا سؤال "كيف كان".
ثم لا يذهب عليك ما في هامش "اللامع" (٢) وهو: أعلم: أن الإمام البخاري بدأ أبوابه بلفظ "كيف" في سائر كتابه في ثلاثين موضعًا أصالة، العشرون منها في النصف الأول، والعشرة في النصف الثاني. والمراد بقولي: "أصالة" إخراج ما ذكرها تبعًا، وأكثر المواضع من هذه الثلاثين خالية عن ذكر الكيفية.
فما يخطر بالبال بمطالعة هذه الأبواب كلها أن غرض الإمام فيها ليس إِثبات الكيفية حتى يجهد في إِثبات الكيفية في كل حديث حديثٍ، بل الغرض عندي الإشارة والتنبيه إلى اختلاف العلماء، أو اختلاف الروايات في كيفية هذه الأمور التي ترجم عليها بلفظ "كيف"؛ فتأمل، فإِن خاطري أبو عذره.
ثم رأيت أن شيخ مشايخنا الشاه ولي الله الدهلوي [﵀] أشار إلى ذلك في تراجمه إذ قال: قوله: "بدء الوحي" من البداية، وتخصيصه أن إِيراد "كيف" في الترجمة من قبيل إيراد التنبيه في أثناء الباب إفادة زيادة فائدة على أصل المقصود من الباب، إذ المقصود إثبات أصل الوحي.
ويمكن أن يقال: إن المراد بالوحي الحديث، وبدؤه مبدؤه الذي صدر منه وهو الله تعالى.
فمعنى "كيف كان بدء الوحي"، أي: كيف كان مبدؤ ما روي عنه ﷺ ؛ فأثبت بأحاديث الباب أنه كان بالوحي وتوسُّط الملَك.
стр. 257
فكأنه أثبت أنا أخذنا الحديث عن رسول الله ﷺ ، وهو عن جبرئيل ﵇، وهو عن الله تعالى.
فبهذين الوجهين ينحلُّ ما يورَد ههنا من أنه ليس في أكثر أحاديث الباب إثبات كيفية بدء الوحي، بل ذكر أصله، وإنما هو في حديث [واحد] فتذكر، انتهى.
وفي تراجم شيخ الهند قُدِّس سرُّه ما تعريبه ملخصًا: أنا قد قَدَّمْنا في الأصول أن المصنف قد لا يقصد بالترجمة مدلولَها المطابقيَّ، بل يشير إلى غرض خاص يقصد إثباته بأحاديث الباب كما فعل ههنا.
ويظهر ذلك بأمرين:
الأول: أنه صدَّر الكتاب بباب بدء الوحي، مع أنه ذكر كتاب فضائل القرآن في محله كما ذكره المحدثون في كتبهم، وأورد هناك عدة أبواب تتعلق بنزول الوحي، فما الذي ألجأه إلى إفراد هذا الباب ها هنا من تلك الأبواب؟ وما الذي حَرَّضه على اختيار هذا الطريق الجديد؟
فالذي يظهر من أدنى عناية، أن جميع الأصول والفروع الإسلامية، حتى نبوَّة النبي، لَمّا كانت تتوقف صحتُه على الوحي، كان ذكرُه في أول الكتاب حتى قبل الإيمان والعلم أنسبَ، كما نبَّه عليه بعض الشرَّاح المحققين.
فاستبان بذلك أن غرضَ المؤلف في هذا الباب، أن الوحي لَمّا كان مدارَ الأمور الإسلامية، وهو الدليل الحق الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، ولو أن جميع العقلاء والحكماء بل جميع الخلق اجتمعوا على أن يأتوا بما يعارض حكمًا من أحكامه، لَمَا قدروا على ذلك، وهو المحك الكامل والمعيار الذي يُعرف به الجيدُ من الرديء، والصوابُ من الخطأ، فكل ما وافقه فهو الصواب، وكل ما خالفه فهو الباطل، سواء كانت العقائد، أو الأعمال، أو الفروع، أو الأصول، أو العبادات، أو المعاملات، أو الأخلاق، أو الأحوال.
стр. 258
فالوحي هو البرهان الساطع والدليل القاطع الذي لا يعتبر بجنبه أيّ دليل، فلذا قدَّم المصنفُ الوحيَ، ويذكر صدقه وعظمته وعصمته، ثم يذكر سائر الأمور، فإن كلها مأخوذة من الوحي، حتى إن الأحوال المتعلقة بالوحي أيضًا تكون مأخوذةً من الوحي، فإنه المعتمد في الباب.
والأمر الثاني: أن المصنفَ أورد في الباب ستة أحاديث، ولا يناسب بظاهر الترجمة إلا حديثٌ واحد، فالذي يظهر أن غرضه ليس هو ظاهر الترجمة، بل هو أمرٌ آخر ينبغي استخراجه من النظر في أحاديث الباب، ويكون ذلك الأمر مشتركًا في الكلِّ مناسبًا بالمقام.
فالذي يظهر بالتأمل أن المصنف بصدد بيان عظمة الوحي كما لا يخفى على المتأمِّل المتفطِّن.
ثم البدء عام: البدء الزماني والمكاني كما يظهر من الأحاديث، وكذا الوحي يعم المتلوَّ وغيرَه كما صرَّح به الشاه ولي الله، بل المقصود الأعظم هو الوحي غير المتلو، بل لو أريد به الوحي المتلو لكان منافيًا لغرض المصنف مع كونه يخلّ في المطابقة بالأحاديث، فالحذر كل الحذر.
والخلاصة: أن هذا الباب مقدمة الكتاب وتتلوه المقاصد، انتهى.
وأفاد عزيزي مولانا محمد يونس شيخ الحديث بمظاهر علوم بسهارنفور ما نصُّه:
والذي كان يخطر ببالي منذ زمان، أن غرض الإمام البخاري بهذا الباب بيان كيفية ابتداء الوحي، وما صادف الوحي في بدئه من الأمور والوقائع والأحوال والكيفيات والأزمان، فيعم البدء ابتداءه من الله ﵎ ووصوله إلى النبي ﷺ وما عرض له ﷺ من الخوف والدهش ورجف البوادر وتحريك الشفتين وإتيان الوحي في صورة الصلصلة، وكذا يعم ما عرض للوحي بعد ظهوره في الناس من تكذيبهم ومخالفتهم وتمادي ذلك إلى صلح الحديبية، ففي البدء امتداد، وليس المراد بدءًا آنيًّا وما يتعلق بالحصة الابتدائية، كما يقال: كان الإسلام في أول أمره غريبًا لا يقبله إلا
стр. 259
واحد بعد واحد، ويخالفهم الأكثرون، ويؤذونهم، ويخرجونهم من أوطانهم، وغير ذلك، وعلى هذا فمطابقة آية: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ﴾ [النساء: ١٦٣] ظاهرة؛ لأن قومه كذّبوه وخالفوه، وهكذا الأمم بعدهم.
ثم راجعت الكرماني؛ ففيه ما يؤيده أو يصرِّح به حيث قال: والمراد من حال ابتداء الوحي حالُه مع كل ما يتعلق بشأنه، أيَّ تعلُّقٍ كان، كما في التعلُّق الذي للحديث الهرقلي، وهو أن القصة وقعت في أحوال البعثة ومبادئها (١)، انتهى.
(بدء الوحي) قال الحافظُ (٢): قال عياض: روي بالهمز مع سكون الدال من الابتداء، وبغير همز مع ضم الدال وتشديد الواو، من الظهور، قال الحافظ: ولم أره مضبوطًا في شيء من الروايات التي اتصلت بنا، إلا أنه وقع في بعضها "كيف كان ابتداء الوحي"، فهذا يرجح الأول.
ثم الوحي لغةً: الإعلامُ الخفيُّ، وشرعًا: إعلامٌ بالشرع، وقد يُطلق الوحي ويراد به اسم المفعول منه، أي: الموحى، وهو كلام الله تعالى المنزل على النبي ﷺ .
وبسط في هامش "اللامع" (٣) الكلام على أنواع الوحي.
وقال الحليمي (٤): أنواعه ستة وأربعون.
وقال السهيلي (٥): سبعة: الأولى: المنام، والثانية: كصلصلة الجرس، والثالثة: أن ينفث في روعه، والرابعة: أن يتمثل الملك رجلًا، والخامسة: أن يتراءى جبرئيل ﵇ في صورته التي خلقه الله تعالى عليها، له ستمائة جناح، والسادسة: أن يكلِّمه الله تعالى من وراء حجاب، السابعة: وحي إسرافيل، انتهى مختصرًا.
стр. 260
قلت: السابعة داخلة في الرابعة والخامسة، وإلا فوحي الملائكة غير إسرافيل أيضًا ثابت في الروايات، كملك الجبال وغيره، فالأوجه عندي اقتصارها على أربعة: أحدها: سماع الكلام القديم، الثانية: بواسطة الملك، الثالثة: التلقي بالقلب، الرابعة: وحي منام، وباقي الأقسام يرجع إِلى هذه الأربعة.
وما قيل: إنها تبلغ إلى ستة وأربعين نوعًا، مستدلًا بحديث: "الرؤيا الصالحة جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوة" (١) - وقد بسط الكلام على هذا الحديث في "الأوجز" (٢) أشدّ البسط -؛ يشكل عليه أن هذه الرؤيا التي رُئيت ستة أشهر كانت قبل النبوة، فكيف عُدَّتْ من أجزائها؟
ويمكن التفصي عنه أنهم قالوا: بدء النبوة في ربيع الأول سنة أربعين من مولده، ففي "الأوجز" (٣): وقد كان ابتداء الوحي على رأس الأربعين من عمره ﷺ ، كما جزم به ابن إسحاق وغيره، وذلك في ربيع الأول، ونزول جبرئيل ﵇[إِليه] وهو في غار حراء كان في رمضان، وبينهما ستة أشهر، انتهى.
ثم قدَّم الإمامُ الوحيَ على الإيمان أيضًا إشارةً إلى أن كل ما يأتي من العقائد والأحكام وغيرها كلها متفرِّع عن الوحي ومرتب عليه، وأيضًا فإن الوحي قطعي لكونه منه عَزّ اسمه، فالثابت به كله قطعي، ومن المناسبات أن يقال: إن المصنف صدَّر ببدء الوحي، ثم ذكر الإيمان، ثم العلم، ثم الطهارة؛ لأنه جمع في هذا الكتاب وحي السُّنَّة التي هي ينبوع الشريعة، وكان الوحي لبيان الأحكام الشرعية، صدَّره بحديث الأعمال، والعمل يحتاج إلى العلم، والعلم لا يعتبر به إلا بعد الإيمان، فلذا عقَّب الوحي بالإيمان، ثم عقبه بالعلم، ثم عقبه بالطهارة التي هي شرط لأفضل الأعمال وهي الصلاة.
стр. 261
ومما يجب التنبيه عليه أيضًا أنه سيأتي في آخر التفسير "باب كيف نزل الوحي"، قال الحافظُ: الترجمة الثانية أخص من الأولى.
وعندي، ما أفاده الحافظُ نَوّر الله مرقده متعلق بالجزء الثاني من الترجمة.
والظاهر عند هذا العبد الضعيف أن بين الترجمتين - بين قوله: "كيف كان بدء الوحي"، وبين قوله: "كيف نزل الوحي" -، عمومًا وخصوصًا من وجه، فإن المنظور في الأول بدء الحديث أعم من أن يكون قرآنًا أو غيره، والمنظور هناك كيفية نزول القرآن كما يدل عليه ذكره في كتاب فضائل القرآن أعم من أن يكون بدءًا أولًا كما يظهر من ملاحظة الروايات الواردة في الباب، فتدبَّر.
وقد تقدم في مبدأ الباب، وكذا في الأصول، أن الترجمة عند شيخ الهند من الأصل الحادي والعشرين، وليس غرضه إلا بيان عظمة الوحي على طريق الالتزام، واستنبط ذلك أيضًا من قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ﴾ [النساء: ١٦٣]، إذ ذكره بلفظ صيغة الجمع الدالة على التعظيم، وقد بسط الكلام على ذلك في الأصل الحادي والعشرين من أصول التراجم.
(إلى رسول الله ﷺ ) الإضافة للعهد الخارجي، والمراد سيدنا محمد رسول الله ﷺ ، والجملة وإن كانت خبريةً لكنها بمعنى الإنشاء، وينبغي الصلاة عليه ﷺ كُلّما ذكر، والخلاف في ذلك مشهور، والأصل الاختلافُ في مؤدَّى قوله عزّ اسمه: ﴿صَلُّوا عَلَيْهِ﴾ [الأحزاب: ٥٦] أن الأمر للتكرار أم لا؟
وبسط الكلام على ذلك في "الأوجز" (١) وفيه: قال الحافظ في "الفتح" (٢): أما حكمها فحاصل ما وقفتُ عليه من كلام العلماء فيه عشرة مذاهب، انتهى.
стр. 262
(وقول الله ) بالرفع على حذف الباب عطفًا على الجملة؛ لأنها في محل الرفع، وكذا على تنوين "باب"، وبالجر عطفًا على "كيف" وإثبات "باب" بغير تنوين، والتقدير: باب معنى قول الله تعالى [كذا]، أو الاحتجاج بقوله تعالى كذا، ولا يصح تقدير كيفية قوله تعالى؛ لأن كلامه تعالى لا يكيَّف، قاله عياض، ويجوز الرفع على القطع وغيره، كذا في "الفتح" (١).
(﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا﴾) مناسبة الآية بالترجمة واضحة من جهة أن صفة الوحي إلى نبينا ﷺ توافق صفة الوحي إلى من تقدمه من النبيين، ومن جهة أن أول أحوال النبيين في الوحي بالرؤيا، كما رواه أبو نعيم في "الدلائل"، كذا في "الفتح" (٢)، أو التشبيه في وحي الرسالة فيكون بدؤه كبدء وحيهم، كذا في "اللامع" (٣)، أو احتراز عن وحي غير الرسالة، كما في قوله تعالى: ﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ﴾ [النحل: ٦٨] كذا في حاشية "اللامع" عن السندي، أو بيان لمرسِلِ الوحي وهو الله .
فإن الوحي يتضمن ثلاثة أشياء: المرسِل، والواسطة، والمرسَل إليه، فهذا بيان للثلاثة، فللأول: أي مبدأ الوحي بقوله: إنا، وللثالث بقوله: إِليك، وللواسطة بقوله: كما أوحينا، فإن الوحي إلى الأنبياء كان عامًّا بواسطة الملَك.
وعندي التشبيه في جميع أنواع الوحي - من المنام والتكلم من وراء حجاب وغيرهما -، فالمعنى: إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى جميعهم بجميع أنواع الوحي.
وقال الكرماني (٤): ذكر البخاري الآية الكريمة؛ لأن عادته أن يستدل للترجمة بما وقع [له] من قرآن أو سُنَّة مسندة وغيرها، وأراد أن الوحي سُنَّة الله في أنبيائه.
стр. 263
وقال ابن بطال: معنى هذه الآية أن الله تعالى أوحى إلى محمد ﷺ كما أوحى إلى سائر الأنبياء وحي رسالة لا وحي إلهام؛ لأن الوحي ينقسم إلى وجوه، انتهى.
(﴿إِلَى نُوحٍ. . .﴾ إلخ)، التشبيه بنوح لا يخرج غيره، كما أن تشبيه الأسود بالغراب لا يخرج تشبيهه بالفحم وغيره، أو التشبيه بأُولي العزم من الرسل، فإن ما قبل نوحٍ كانوا أنبياءَ، واختلف في كونهم رُسُلًا، أو التشبيه بكونه رسولًا إلى الكفار، فإِن الكفر قبل نوح لم يَشعْ كشيوعه في زمان نوح، كذا في "اللامع" (١)، أو لأنه أول رسول آذاه قومُه كما وقع مثلُه لنبينا ﷺ ، كذا في "القسطلاني" (٢)، أو لأنه أول الآباء بعد الطوفان، ذكره العيني (٣).
أو لأن الوحي إلى نوح ومن بعده كان في الأحكام الشرعية، وقبله كان في الأحكام المدنية، والوحي إليه ﷺ كان من قبيل الأول دون الثاني، فإنهم قالوا: إن العالم كله بمنزلة شخص كان إلى زمن نوح زمان الطفولية، ولذا كان الوحي من قبيل الزراعة والصناعة، وكان زمن نوح ومن بعده زمان الشباب والتكليف، وزمان إبراهيم ومن بعده زمان الكهولية، ولذا خلق في هذا الزمان الفلاسفة واليونانيون، كذا أفاده شيخ الإسلام مولانا حسين أحمد المدني نوَّر الله مرقده في "تقريره"، وقد سبق إليه شيخ الهند في "تراجمه" مختصرًا.
وفي "الفيض" (٤): خص نوحًا ﵇ بذكر دون آدم؛ لأن الوحي قبله كان في الأمور التكوينية، ولم يكن فيه كثير من أحكام الحلال والحرام، كما ذكره الشاه ولي الله في رسالته "تأويل الحديث". وذكر الشاه عبد العزيز ﵀: أنه لما هبط آدم ﵇ من الجنة أعطي بذورًا للزرع، وأكثر
стр. 264
أحكامه كان من هذا القبيل، ثم تغيرت شاكلته من زمن نوح، فنزلت الأحكام والشرائع، كما يعلم من التفاسير: أن الكفر إنما ظهر في السبط السادس من قابيل، وأول رسول بعثه الله لِزَهْقِه هو نوح ﵊، ولم يكن قبله كفرٌ، ومن هنا صار لقبه: "نبي الله"، فإنه أول نبي بُعِثَ لإزهاق الكفر، والناس كلهم الآن من نسلِه، فهو آدم الثاني، ومنه نشر العالم بعد لَفِّه، كذا ذكره المؤرخون، انتهى.
(﴿وَالنَّبِيِّينَ﴾) والجمع المحلّى باللام يفيد الاستغراق، فأشار إلى أن جميع أنواع الوحي إلى جميع الأنبياء يوحى إليك.
(حدثنا الحميدي) مصنِّفٌ مشهور: أبو بكر عبد الله بن الزبير المكي القرشي (١)، بدأ المصنف بروايته لكونه قرشيًا، وقال ﵊: "قَدِّموا قريشًا" (٢) فبدأ به، أو لكونه مكيًّا وبدأ الوحي في مكة. وثَنّى برواية مالك؛ لأنه مدني، وثنَّى الوحي في المدينة، كذا في "الفتح" (٣).
ومن المناسبات في أول سند هذا الكتاب وآخر السند منه: أنهما مشتملان على مادة الحمد، فبدؤه من الحميدي، وانتهاؤه إلى أحمد بن إشكاب، فكأن فيه إشارةً إلى كون الابتداء والانتهاء محمودَيْنِ، وإشارةً إلى حسن نية المصنف في الأول والآخر، وقد يكون إشارةً إلى المداومة على الحمد ما ورد في آخر الحديث من قوله: "سبحان الله وبحمده"، فالإِنسان يحمده تعالى إلى أن يكون منتهاه الجنة التي دعوى أهلها: الحمد لله رب العالمين.
стр. 265
(حدثنا سفيان) هو ابن عيينة المكي (١)، يقال: إن الإمام جمع في أول سنده جميع أنواع التحمل من التحديث والإخبار والعنعنة والسماع، كذا في "الفتح" (٢)، وليست العنعنة في نسخنا الهندية ولكنها موجودة في نسخة "الفتح" بين سفيان ويحيى بن سعيد الأنصاري، وبسط الكلام في مقدمة "الأوجز" (٣) على الفرق بين ألفاظ التحمل هذه الأربعة، وبيانِ الفرق بين مراتبها من أن الإخبار والتحديث والإنباء كلها سواء في المرتبة، أو فيها فرق في الأولوية؟ فارجع إليه إن شئت التفصيل، وسيأتي شيء من الكلام على ذلك في كتاب العلم في "باب قول المحدث: حدثنا وأخبرنا وأنبأنا. . ." إلخ.
(حدثنا يحيى بن سعيد الأنصاري) (٤): هكذا في النسخ الهندية، وقد عرفت أنها في نسخة "الفتح" بلفظ العنعنة: عن يحيى بن سعيد، ويقال: إن الحديث متواتر عنه، فروى عنه مائتان وخمسون، وقيل: أكثر من ثلاثمائة، وقيل: سبعمائة، قال الحافظ (٥): لكني تتبعته منذ سمعت هذا فلم يبلغ مائة، انتهى.
قلت: الحديث غريبٌ فردٌ باعتبار أوله، مشهور باعتبار آخره، وليس بمتواتر كما قيل، فإنه لم يَرْوِه غيرُ عمر ﵁، ولم يرو عنه إلا علقمةُ، ولم يرو عنه غيرُ التيمي، ولم يرو عنه غيرُ يحيى بن سعيد واشتهر عنه، كذا في العيني (٦).
قال الحافظ (٧): هذا الحديث متفق على صحته، أخرجه الأئمة
стр. 266
المشهورون إلا "الموطأ"، ووهم من زعم أنه في "الموطأ" مغترًا بتخريج الشيخين له، والنسائي من طريق مالك.
وقال أبو جعفر الطبري: قد يكون هذا الحديث على طريقة بعض الناس مردودًا لكونه فردًا؛ لأنه لا يروى عن عمر إلا من رواية علقمة، ولا عن علقمة إلا من رواية محمد بن إبراهيم، ولا عن محمد بن إبراهيم إلا من رواية يحيى بن سعيد، وهو كما قال، فإنه إنما اشتهر عن يحيى بن سعيد وتفرَّد به مَن فوقه، وبذلك جزم الترمذي والنسائي وجماعة.
وأطلق الخطابي نفي الخلاف بين أهل الحديث في أنه لا يُعْرَف إلا بهذا الإسناد، وهو كما قال، لكن بقيدين:
أحدهما: الصحة؛ لأنه ورد من طرق معلولة ذكرها الدارقطني وغيره.
قلت: بسط العيني (١) في طرقها وأسماء الصحابة الذين روي عنهم هذا الحديث.
وتعقب السيوطي كلام الحافظ، إذ قال في شرح "الموطأ" (٢): في رواية محمد بن الحسن عن مالك، أحاديث يسيرة زائدة على سائر الموطآت، منها حديث الأعمال بالنيات، انتهى، كذا في "السعاية"، وهو كذلك، فالحديث في آخر "الموطأ" لمحمد في باب النوادر.
وما قال الحافظ: وهم من زعم. . . إلخ، أراد به الحافظ ابن دحية.
قال الحافظ (٣): ثانيهما - أي: ثاني القيدين -: السياق؛ لأنه ورد في معناه عدة أحاديث صحَّتْ في مطلق النية، كحديث: "يُبْعَثُون على نياتهم"، وحديث: "ولكن جهادٌ ونية"، وحديث: "رُبَّ قتيل بين الصفين، الله أعلم بنيته"، وحديث: "من غزا وهو لا ينوي إلا عقالًا فله ما نوى"، ذكر الحافظ تخريج هذه الروايات، ثم قال: وغير ذلك مما يتعسَّر حصرُه.
وعُرِفَ بهذا التقرير غلطُ من زعم أن حديث عمر ﵁ متواتر، إلا إن
стр. 267
حُمِلَ على التواتر المعنوي فيُحتمل، نعم قد تواتر عن يحيى بن سعيد. . . إلى آخر ما بسطه.
وقد نقل المنذري في "الترغيب" (١) عن بعض المتأخرين تواتُرَه ثم ردَّه، وزعم أبو عبد الله الأُبيُّ أن ابن الصلاح ادعى تواتره، وهذا وهمٌ، فإن ابن الصلاح ادعى انحصار المتواتر في حديث: "من كذب عليّ متعمدًا" كما ذكره الحافظُ ابن حجر (٢)، وتلميذه السخاوي (٣). وقال النووي في "شرح مسلم" (٤): قال الأئمة: ليس هو متواترًا وإن كان مشهورًا عند الخاصة والعامة؛ لأنه فقد شرط التواتر في أوله، انتهى.
ومن العجائب أن الحديث الأول من جامع البخاري على القول المشهور غريب كما رأيتَ، والحديث الآخر من الكتاب وهو: "كلمتان حبيبتان إلى الرحمن"، الحديث أيضًا غريب. كما ذكر في آخر هامش "اللامع" (٥): أن الحديث تفرد به محمد بن فضيل وشيخه وشيخ شيخه وصحابيه كما في "الفتح" (٦)، فلا يتوحش من ينظر كثيرًا بين سطور "الهداية" في الفقه الحنفي لفظ "قلت: غريب"؛ لأن الغرابة لا تستلزم الضعف، وإن كان الغريب قد يستعمل بمعنى الشاذ أيضًا، فتنبه لذلك.
(على المنبر) وُضِعَ سنة سبع أو ثمان، ورجّحه في "البذل"، وفيه أقوال عديدة: من الثانية إلى التاسعة، بسطت في هامشي على "البذل" (٧) وأكثر منها في رسالتي "الوقائع والدهور"، يقال: إن عمر ﵁ لما ذكره في الخطبة كما يدل عليه لفظ "على المنبر" أقام الإمام البخاري الحديث مقام خطبة الكتاب.
قال العيني (٨) في بيان تعلق الحديث بالترجمة: الثالث: إنما أتى به على قصد الخطبة.