← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 853

الأبواب والتراجم لصحيح البخاري

محمد زكريا الكاندهلوي

Полный текст (3 740 стр.). Показаны 1978–2017 · переход к 1983.

стр. 1978

ثم قال في شرح الحديث: وممن أجاز قسمة الغنائم في دار الحرب: مالك والأوزاعي والشافعي وأبو ثور، وقال أبو حنيفة رضي الله تعالى عنه: لا تقسم حتى يخرجها إلى دار الإسلام، لما ذكرنا في أول الباب على أنهم قالوا: روي أنه ﷺ نهى عن بيع الغنيمة في دار الحرب، والبيع في معنى القسمة، فكما لا يجوز البيع كذلك لا تجوز القسمة، انتهى. (١٨٧ - باب إذا غنم المشركون مال المسلم. . .) إلخ قال القسطلاني (١): قوله: "ثم وجده المسلم" بعد استيلاء المسلمين عليهم هل يأخذه؛ لأنه أحق به أو يكون من الغنيمة؟ انتهى. قال الحافظ (٢): وهذا مما اختلف فيه، فقال الشافعي وجماعة: لا يملك أهل الحرب بالغلبة شيئًا من مال المسلم، ولصاحبه أخذه قبل القسمة وبعدها. وقال عطاء والليث ومالك وأحمد: إن وجده صاحبه قبل القسمة فهو أحق به، وإن وجده بعد القسمة فلا يأخذه إلا بالقيمة، واحتجوا بحديث عن ابن عباس مرفوعًا بهذا التفصيل أخرجه الدارقطني وإسناده ضعيف جدًا. وعن أبي حنيفة كقول مالك إلا في الآبق فقال هو والثوري: صاحبه أحق به مطلقًا، انتهى. قلت: وهذه المسألة الخلافية المذكورة في الباب مبنية على أصل كلي مختلف فيه بين الأئمة، وهي أن استيلاء الكفار على مال المسلم سبب لملكهم أم لا؟ فعند الشافعي ليس بسبب للملك مطلقًا، وعند مالك يكون سببًا مطلقًا، وعندنا سبب للملك بعد الإحراز إلى دارهم لا قبله. وعن أحمد روايتان: الأول كالشافعي، والثاني كمذهبنا الحنفية، وهو الراجح عندهم، واختلفت الحنفية في العبد الآبق، فقال الإمام: لا يملكونه، وقال صاحباه - وبه قال مالك -: يملكونه، وعن أحمد روايتان، كما بسط في "الأوجز" (٣).

стр. 1979

(١٨٨ - باب من تكلم بالفارسية والرطانة) بفتح الراء ويجوز كسرها وهي التكلم بلسان العجم. (وقوله تعالى) بالجر عطفًا على السابق: ﴿وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ﴾؛ أي: من آيات الله اختلاف لغاتكم أو أجناس نطقكم وأشكاله، خالف جل وعلا بين هذه الأشياء حتى لا تكاد تسمع منطقين متفقين في همس واحد، ولا جهارة، ولا حدّة، ولا رخاوة، ولا فصاحة، ولا لكنة، ولا نظم، ولا أسلوب، ولا غير ذلك من صفات النطق وأحواله، ﴿وَأَلْوَانِكُمْ﴾ بياض الجلد وسواده، أو تخطيطات الأعضاء وهيئاتها وألوانها، ولاختلاف ذلك وقع التعارف، وإلا فلو اتفقت وتشاكلت وكانت ضربًا واحدًا لوقع التجاهل والالتباس، ولتعطلت مصالح كثيرة، انتهى من "القسطلاني" (١). قوله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إلا بِلِسَانِ قَوْمِهِ﴾ [إبراهيم: ٤] قال الحافظ (٢): كأنه أشار إلى أن النبي ﷺ كان يعرف الألسنة؛ لأنه أرسل إلى الأمم كلها على اختلاف ألسنتهم، فجميع الأمم قومه بالنسبة إلى عموم رسالته فاقتضى أن يعرف ألسنتهم ليفهم عنهم ويفهموا عنه، ويحتمل أن يقال: لا يستلزم ذلك نطقه بجميع الألسنة لإمكان الترجمان الموثوق به عندهم، انتهى. وأما الغرض من الترجمة فقال الحافظ: قالوا: فقه هذا الباب يظهر في تأمين المسلمين لأهل الحرب بألسنتهم، وسيأتي مزيد لذلك في أواخر الجزية في "باب إذا قالوا: صبأنا ولم يقولوا أسلمنا". وقال في موضع آخر: أشار المصنف إلى ضعف ما ورد من الأحاديث الواردة في كراهة الكلام بالفارسية كحديث: "كلام أهل النار بالفارسية"، وكحديث: "من تكلم بالفارسية زادت في خبثه ونقصت من مروءته" أخرجه الحاكم في "مستدركه" وسنده واه، وأخرج فيه أيضًا عن عمر رفعه: "من أحسن العربية

стр. 1980

فلا يتكلمن بالفارسية فإنه يورث النفاق" الحديث، وسنده واه أيضًا، انتهى. وقال القسطلاني (١): قال ابن المنير: ومقصود البخاري من إدراج هذا الباب في الجهاد أن الكلام بالفارسية يحتاج إليه المسلمون لأجل رسل العجم، انتهى. قال الحافظ (٢): وقد نازع الكرماني (٣) في كون الألفاظ الثلاثة - الواردة في أحاديث الباب، الأول: لفظ السؤر، والثاني: لفظ سَنَه سَنَه، والثالث: لفظ كِخْ كِخْ - عجمية؛ لأن الأول يجوز أن يكون من توافق اللغتين، والثاني يجوز أن يكون "حسنة" فحذف أوله إيجازًا، والثالث من أسماء الأصوات. وقد أجاب عن الأخير ابن المنير (٤) فقال: وجه مناسبة أنه ﷺ خاطبه بما يفهمه مما لا يتكلم به الرجل مع الرجل، فهو كمخاطبة العجمي بما يفهمه من لغته. قلت: وبهذا يجاب عن الباقي، ويزاد بأن تجويزه حذف أول حرف من الكلمة لا يعرف، وتشبيهه بقوله: "كفى بالسيف شا" لا يتجه؛ لأن حذف الأخير معهود في الترخيم، والله أعلم. ثم إنه قد ورد تكلمه ﷺ باللغة الفارسية سوى ما ورد عند البخاري في أحاديث هذا الباب، فعند ابن ماجه (٥) في حديث أبي هريرة أنه ﵊ قال له: "اشِكَمَتْ دَرْدْ". قلت: نعم. . . الحديث، وفي "هامش ابن ماجه" قال الفيروزآبادي في "باب تكلم النبي ﷺ بالفارسية" ومثَّل: "العنب دو دو والتمر يك، ويا سلمان شكمت درد" ما صح شيء، انتهى. وكذا ذكر بعض الألفاظ الفارسية في "بستان العارفين" لأبي الليث السمرقندي، وفي "المقاصد الحسنة" (٦) حديث: "العنب دو دو والتمر يك" مشهور بين الأعاجم ولا أصل له، انتهى.

стр. 1981

(١٨٩ - باب الغلول، وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [آل عمران: ١٦١]) الغلول بضم المعجمة واللام؛ أي: الخيانة في المغنم. قال ابن قتيبة: سمي بذلك لأن آخذه يغله في متاعه؛ أي: يخفيه فيه، انتهى من "الفتح" (١). وقال القسطلاني (٢): الغلول مطلق الخيانة، أو في الفيء خاصة، قال في "المشارق": كل خيانة غلول، لكنه صار في عرف الشرع: الخيانة في المغنم، وزاد في "النهاية": قيل: القسمة، فإن كان الغلول مطلق الخيانة فهو أعم من السرقة، وإن كان من المغنم خاصة، فبينه وبينها عموم وخصوص من وجه، ونقل النووي (٣) الإجماع على أنه من الكبائر. انتهى. وقال الحافظ (٤): قال ابن المنذر: أجمعوا على أن على الغال أن يعيد ما غلّ قبل القسمة، وأما بعدها فقال الثوري والأوزاعي والليث ومالك: يدفع إلى الإمام خمسه ويتصدق بالباقي، وكان الشافعي لا يرى بذلك ويقول: إن كان ملكه فليس عليه أن يتصدق به، وإن كان لم يملكه فليس له الصدقة بمال غيره، قال: والواجب أن يدفعه إلى الإمام كالأموال الضائعة. انتهى. قال الشيخ في "البذل" (٥): وأما قول الحنفية في ذلك فما قال في "السير الكبير": ولو أن رجلًا غلّ شيئًا من الغنائم، ثم ندم، فأتى به الإمام بعد القسمة وتفرق الجيش، فللإمام في ذلك رأي: إن شاء كذبه فيما قال، وإن شاء أخذ ذلك منه، وجعل خمسه لمن سمى الله تعالى. . .، إلى آخر ما بسط.

стр. 1982

وفي هامشي على "البذل" (١) عن الموفق (٢): إذا تاب قبل القسمة ردّ ما أخذه في القسمة بلا خلاف، وإن تاب بعده فمقتضى المذهب أن يؤدي خمسه إلى الإمام، ويتصدق بما بقي، وبه قال مالك. وقال الشافعي: لا أعرف للصدقة وجهًا، انتهى مختصرًا. (١٩٠ - باب القليل من الغلول. . .) إلخ أي: هل يلتحق بالكثير في الحكم أم لا؟ وقوله: "وهذا أصح" أشار إلى تضعيف ما روي عن عبد الله بن عمرو في الأمر بحرق رحل الغال، أخرجه أبو داود (٣)، انتهى من "الفتح" (٤). (١٩١ - باب ما يكره من ذبح الإبل والغنم في المغانم) قال الحافظ: موضع الترجمة من الحديث أمره ﷺ بإكفاء القدور؛ فإنه مشعر بكراهة ما صنعوا من الذبح بغير إذن. وقال المهلب (٥): إنما أكفأ القدور ليعلم أن الغنيمة إنما يستحقونها بعد قسمته لها، وذلك أن القصة وقعت في دار الإسلام لقوله فيها "بذي الحليفة". وأجاب ابن المنير (٦) بأنه قد قيل: إن الذبح إذا كان على طريق التعدي كان المذبوح ميتة. وكأن البخاري انتصر لهذا المذهب، أو حمل الإكفاء على العقوبة بالمال، وإن كان ذلك المال لا يختص بأولئك الذين ذبحوا، لكن لما تعلق به طمعهم، كانت النكاية حاصلة لهم. وقال القرطبي (٧): المأمور بإكفائه إنما هو المرق، وأما نفس اللحم

стр. 1983

فلم يتلف، بل يحمل على أنه جمع ورد إلى المغانم؛ لأن النهي عن إضاعة المال تقدم. . .، إلى آخر ما في "الفتح" (١). وكتب الشيخ في "اللامع" (٢) "باب ما يكره من ذبح الإبل. . ." إلخ، يعني به قبل القسمة، انتهى. وفي هامشه: اعلم أن المسلمين يجوز لهم الأكل من المغانم في دار الحرب قبل القسمة سواء كان مهيَّأ للأكل كالطعام والفواكه وغيرها أو غير مهيَّئ للأكل كالدواب، كما بسط في "الأوجز" (٣)، وفيه بعد ذكر أقاويل العلماء في ذلك: أن الحيوانات يجوز ذبحها وأكلها، إلا ما حكى الحافظ عن الشافعي من التقييد بالحاجة، وما مال إليه الخرقي من المنع بدون الاضطرار، وفي "المغني" (٤): ظاهر كلام أحمد إباحته، ويشكل عليهم حديث البخاري هذا، واختلفوا في توجيهه، وظاهر ميل البخاري إلى الكراهة مطلقًا، وترجم عليه أبو داود في "سننه": "باب في النهي عن النهي إذا كان في الطعام قلة في أرض العدو". وفي "الأوجز" (٥) اختلفت شراح الحديث في توجيه هذه القصة فقيل: كانت في دار الإسلام، وقيل: كان في الطعام قلة، وقيل: كان الذبح على طريق التعدي. انتهى. وأما مسألة الأكل من طعام الغنيمة في دار الحرب فسيأتي بعد عدة أبواب من "باب ما يصيب من الطعام في أرض الحرب". (١٩٢ - باب البشارة في الفتوح) قال القسطلاني (٦): أي: مشروعيته، انتهى.

стр. 1984

(١٩٣ - باب ما يعطى البشير. . .) إلخ يشير إلى حديثه الطويل في قصة تخلُّفه في غزوة تبوك، وهو ظاهر فيما ترجم له، وسيأتي أن البشير هو سلمة بن الأكوع، قاله الحافظ (١). وقال القسطلاني (٢) كذا في "فتح الباري"، وتبعه العيني (٣) أن البشير سلمة بن الأكوع. وفي المقدمة: في "المغازي" إن الذي بشر كعبًا بتوبة وسعى إليه حمزة بن عمرو الأسلمي، وكذا هو في "المصابيح" لا ابن الأكوع. انتهى. (١٩٤ - باب لا هجرة بعد الفتح) أي: فتح مكة، أو المراد ما هو أعم من ذلك، إشارة إلى أن حكم غير مكة في ذلك حكمها، فلا تجب الهجرة من بلد قد فتحه المسلمون، أما قبل فتح البلد فمن به من المسلمين أحد ثلاثة: الأول: قادر على الهجرة منها لا يمكنه إظهار دينه بها، ولا أداء واجباته، فالهجرة منه واجبة، والثاني: قادر، لكنه يمكنه إظهار دينه وأداء واجباته، فمستحبة لتكثير المسلمين ومعونتهم، وجهاد الكفار والأمن من عذرهم والراحة من رؤية المنكر بينهم، الثالث: عاجز بعذر - مِن أسرٍ أو مرضٍ أو غيره - فتجوز له الإقامة، فإن حمل على نفسه وتكلف الخروج منها أجر، انتهى من "الفتح" (٤). قال القسطلاني (٥) في شرح قوله: "ولكن جهاد ونية"؛ أي: الهجرة بسبب الجهاد في سبيل الله والهجرة بسبب النية الخالصة لله كطلب العلم والفرار من الفتن - باقيان مدى الدهر. انتهى.

стр. 1985

(١٩٥ - باب إذا اضطر الرجل إلى النظر في شعور أهل الذمة. . .) إلخ قال الحافظ (١) ﵀: مناسبة الحديث بالترجمة ظاهرة في رؤية الشعر من قوله في الرواية الأخرى: "فأخرجت من عقاصها" وهي ذوائبها المضفورة. وفي التجريد من قول علي: "لأجردنك". قال ابن المنير (٢): ليس في الحديث بيان هل كانت المرأة مسلمة أو ذمية، لكن لما استوى حكمهما في تحريم النظر لغير حاجة شملهما الدليل. وقال ابن التين: إن كانت مشركة لم توافق الترجمة، وأجيب بأنها كانت ذات عهد فحكمها حكم أهل الذمة، انتهى. (١٩٦ - باب استقبال الغزاة) أي: عند رجوعهم. قوله: (قال: نعم فحملنا وتركك) قال الحافظ: ظاهره أن القائل: "فحملنا" هو عبد الله بن جعفر، وأن المتروك هو ابن الزبير. وأخرجه مسلم من طريق أبي أسامة وابن علية كلاهما عن حبيب بن الشهيد بهذا الإسناد مقلوبًا ولفظه: "قال عبد الله بن جعفر لابن الزبير"، جعل المستفهم عبد الله بن جعفر، والقائل: "فحملنا" عبد الله بن الزبير، والذي في "البخاري" أصح. وقد نبه عياض على أن الذمي وقع في "البخاري" هو الصواب، قال: وتأويل رواية مسلم: أن يجعل الضمير في "حملنا" لابن جعفر فيكون المتروك ابن الزبير. . .، إلى آخر ما في "الفتح" (٣). (١٩٧ - باب ما يقول إذا رجع من الغزو) قال الحافظ (٤): قوله: "كنا مع النبي ﷺ مقفله من عسفان". قال الدمياطي: هذا وهم لأن غزوة عسفان إلى بني لحيان كانت سنة ست،

стр. 1986

وإرداف صفية ﵂ كان في غزوة خيبر سنة سبع، وجوز بعضهم أن يكون في طريق خيبر مكان يقال له عسفان وهو مردود، والذي يظهر أن الراوي أضاف المقفل إلى عسفان؛ لأن غزوة خيبر كانت عقبها، وكأنه لم يعتد بالإقامة المتخللة بين الغزوتين لتقاربهما، انتهى. (١٩٨ - باب الصلاة إذا قدم من سفر) قال العلامة العيني (١) في حديث جابر: هذا الحديث قد مر في "كتاب الصلاة" في: "باب الصلاة إذا قدم من سفر". انتهى. وقال القسطلاني (٢): أخرجه المؤلف في نحو عشرين موضعًا مطولًا ومختصرًا، انتهى. وفي الحديث: أن الصلاة عند القدوم من السفر سُنّة وفضيلة فيها معنى الحمد لله على السلامة والتبرك بالصلاة أو ما يبدأ في الحضر، ونعم المفتاح إلى كل خير، وفيها يناجي العبد ربه، وذلك هدي رسوله وسُنَّته، ولنا فيه الأسوة، قاله العيني (٣). (١٩٩ - باب الطعام عند القدوم. . .) إلخ أي: بيان مشروعية اتخاذ الطعام. . . إلخ، قاله العيني (٤). وهذا الطعام يقال له: النقيعة بالنون والقاف، قيل: اشتق فمن النقع وهو الغبار؛ لأن المسافر يأتي وعليه غبار السفر، وقيل: النقيعة من اللبن إذا برد، وقيل غير ذلك. قوله: (وكان ابن عمر يفطر. . .) إلخ، والأصل فيه: أن ابن عمر كان لا يصوم في السفر لا فرضًا ولا تطوعًا، وكان يكثر من صوم التطوع في الحضر، وكان إذا سافر أفطر وإذا قدم صام إما قضاء إن كان سافر في

стр. 1987

رمضان وإما تطوعًا إن كان في غيره، لكنه يفطر أول قدومه لأجل الذين يغشونه للسلام عليه والتهنئة بالقدوم ثم يصوم. قال ابن بطال (١): فيه إطعام الإمام والرئيس أصحابه عند القدوم من السفر، وهو مستحب عند السلف، انتهى من "الفتح" (٢). ثم البراعة عند الحافظ في قوله: "قدمت من سفر، فقال النبي ﷺ : صل ركعتين". ولا يذهب عليك أن "كتاب الجهاد" عندي ينتهي إلى بدء الخلق، فلا حاجة عندي إلى البراعة، أما عند الحافظ قدّس سره فقد تم "كتاب الجهاد" عنده إلى ههنا، وعلى هذا يكفي عند هذا العبد الضعيف للبراعة لفظ "محارب ودثار" الواقعتين في سند آخر حديث الباب، وتقدم توضيحه في "مقدمة اللامع"، وقد أقرّ الحافظ (٣) بما اخترته في آخر "الجهاد" حيث قال: أحاديث فرض الخمس والجزية هي في التحقيق من بقايا الجهاد، وإنما أفردها زيادة في الإيضاح، كما أفردت العمرة وجزاء الصيد من "كتاب الحج"، انتهى. * * *

стр. 1988

٥٧ - كتاب فرض الخمس قال الحافظ ﵀ (١): كذا وقع عند الإسماعيلي، وللأكثر "باب"، وحذفه بعضهم، وثبتت البسملة للأكثر، و"الخُمُس" بضم المعجمة والميم ما يؤخذ من الغنيمة، والمراد بقوله: "فرض الخمس" أي: وقت فرضه أو كيفية فرضه أو ثبوت فرضه، والجمهور على أن ابتداء فرض الخمس كان بقوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ﴾ الآية [الأنفال: ٤١]، وكانت الغنائم تقسم على خمسة أقسام: فيعزل خمس منها يصرف في من ذكر في الآية، وسيأتي البحث في مستحقيه بعد أبواب، وكان خُمُس هذا الخُمُس لرسول الله ﷺ ، واختلف فيمن يستحقه بعده ﷺ ، فمذهب الشافعي أنه يصرف في المصالح، وعنه يرد على الأصناف الثمانية المذكورين في الآية، وهو قول الحنفية مع اختلافهم فيهم كما سيأتي، وقيل: يختص به الخليفة، ويقسم أربعة أخماس الغنيمة على الغانمين إلا السلب؛ فإنه للقاتل على الراجح كما سيأتي. وذكر المصنف في الباب حديث علي في قصة الشارفين، قال ابن بطال (٢): ظاهره أن الخمس شرع يوم بدر، ولم يختلف أهل السير أن الخمس لم يكن يوم بدر، وقد ذكر إسماعيل القاضي في غزوة بني قريظة قال: قيل: إنه أول يوم فرض فيه الخمس، قال: وقيل: نزل بعد ذلك، قال: ولم يأت ما فيه بيان شاف، وإنما جاء صريحًا في غنائم حنين، قال ابن بطال: وإذا كان كذلك فيحتاج هذا الحديث إلى تأويل. قال الحافظ: ولم أقف على ما نقله عن أهل السير صريحًا في أنه لم

стр. 1989

يكن في غنائم بدر خمس، وقد جزم الداودي الشارح بأن آية الخمس نزلت يوم بدر، قال السبكي: نزلت الأنفال في بدر وغنائمها، انتهى ملخصًا من "الفتح". ثم ذكر المصنف في الباب ثلاثة أحاديث، ووقع في حديث عائشة ثاني حديثي الباب قوله: "فغضبت فاطمة. . ." إلخ. وكتب عليه الشيخ قُدِّس سرُّه في "اللامع" (١): وهذا ظن من الراوي حيث استنبط من عدم تكلمها إياه أنها غضبت عليه مع أنها كانت نادمة فيما بدرت إليها وكان عدم التكلم لأجل الندامة، أو المنفي التكلم في هذا الباب، أو المعنى غضبت على نفسها حيث ذهبت إلى الخليفة تطلب شيئًا من الدنيا مع أنه رضي الله تعالى عنه كان بارًا راشدًا غير ظلوم، ولو سلم أنها غضبت عليه لذلك ولم تتكلمه مطلقًا فإن الأمر والجناية عائد إليها لا إليه حيث غضبت على أبي بكر لأنه عمل بحديث النبي ﷺ وتركته لأجل الدنيا مع أن هجران المسلم لا لوجه شرعي قد ورد فيه ما ورد، انتهى. وبسط في هامشه الكلام عليه، وفيه عن الحافظ: روى البيهقي من طريق الشعبي أن أبا بكر عاد فاطمة فقال لها علي رضي الله تعالى عنه: هذا أبو بكر يستأذن عليك، قالت: أتحب أن آذن له؟ قال: نعم، فأذنت له فدخل عليها فترضاها حتى رضيت. وهو وإن كان مرسلًا فإسناده إلى الشعبي صحيح، وبه يزول الإشكال، إلى آخر ما ذكر في هامش "اللامع" من التوجيهات. والأوجه عند هذا العبد الضعيف: أن ما يتوهم أن سخطها كان لعدم حصول مال الإرث بعيد من شأنها ومن ما هو المعروف من حالها من زهدها ومعالجة الفقر مدة عمرها وإيثارها الفقراء والمساكين على حاجتها وغير ذلك من أحوالها المعروفة رضي الله تعالى عنها وأرضاها، بل كان ذلك كله

стр. 1990

عند هذا العبد الضعيف من التصلب في الدين وطلب الحق الواجب شرعًا، ومعلوم من أحوال الصحابة ﵃ أنهم كانوا في أمر الدين أشداء على الناس لا يخافون في ذلك لومة لائم ولا مخالفة الأمراء، وكانت بضعة رسول الله ﷺ فاطمة رضي الله تعالى عنها ظنت أن حديث الإرث ليس بعام وذلك حق لها شرعي بخلاف ما فهمه الصديق ﵁. . .، إلى آخر ما في هامش "اللامع" (١). (٢ - باب أداء الخمس من الدين) أورد فيه حديث ابن عباس في قصة وفد عبد القيس، وترجم عليه في "كتاب الإيمان": "أداء الخمس من الإيمان" وهو على قاعدته في ترادف الإيمان والإسلام والدين، انتهى [من "الفتح" (٢)]. قلت: ولا يتوهم التكرار؛ لأن المقصود هناك بيان أمور الإيمان، والغرض ههنا بيان أداء الخمس اهتمامًا له. (٣ - باب نفقة نساء النبي ﷺ بعد وفاته) قال القسطلاني (٣): قوله: "ما تركت بعد نفقة نسائي فهو صدقة" لأني لا أورث ولا أخلف مالًا. ونص على نفقة نسائه لكونهن محبوسات عن الأزواج بسببه أو لعظم حقوقهن في بيت المال لفضلهن وقدم هجرتهن وكونهن أمهات المؤمنين، ولذلك اختصصن بمساكنهن ولم يرثها ورثتهن، انتهى. وفي "الفيض" (٤): أما نفقتهن فإن شئت قلت: إن الأنبياء إذا كانوا أحياءً في قبورهم فنفقة أزواجهم تكون في مال الله لا محالة، وإن شئت قلت: إنهن إذا اخترن الله ورسوله عادت نفقتهن إلى ماله تعالى، انتهى.

стр. 1991

وقال الحافظ (١) في حديث عائشة ثاني حديثي الباب: قال ابن المنيِّر (٢): وجه دخول هذا الحديث في الترجمة أنها لو لم تستحق النفقة بعد موت النبي ﷺ لأخذ الشعير منها، انتهى. وأوضح منه عبارة القسطلاني (٣) إذ قال: مطابقة الحديث للترجمة في قولها: "فأكلت منه. . ." إلخ، فإنها لم تذكر أنها أخذته في نصيبها بالميراث إذ لو لم تستحق النفقة لأخذ الشعير منها لبيت المال، انتهى. وقال العيني (٤) في آخر حديث الباب: مطابقته للترجمة تؤخذ من قوله: "وأرضًا تركها صدقة" وذلك لأن نفقة نسائه ﷺ بعد موته كانت مما خصه الله به من الفيء، ومنه فدك وسهمه من خيبر، انتهى. (٤ - باب ما جاء في بيوت أزواج النبي ﷺ . . .) إلخ كتب في "اللامع" (٥): يعني بذلك: أن إضافتها إليهن تمليكية، وإليه ﷺ لأدنى ملابسة، فكان قد ملكهن إياها قبل الموت، فلا يعترض على قوله: "لا نورث ما تركناه صدقة"، انتهى. وفي هامشه: قال الحافظ (٦): قال ابن المنيِّر (٧): غرضه بهذه الترجمة أن يبين أن هذه النسبة تحقق دوام استحقاقهن للبيوت ما بقين؛ لأن نفقتهن وسكناهن من خصائص النبي ﷺ ، والسر فيه حبسهن عليه. قال الطبري: قيل: كان النبي ﷺ ملَّك كلًّا من أزواجه البيت الذي هي فيه، فسكنَّ بعده فيهن بذلك التمليك، وقيل: إنما لم ينازعهن في مساكنهن؛ لأن ذلك من جملة مؤنتهن التي كان النبي ﷺ استثناها لهن مما كان بيده أيام حياته حيث قال: "ما تركت بعد نفقة نسائي" قال: وهذا

стр. 1992

أرجح، ويؤيده أن ورثتهن لم يرثن عنهن منازلهن، ولو كانت البيوت ملكًا لهن لانتقلت إلى ورثتهن، ولهذا زيدت بيوتهن في المسجد النبوي بعد موتهن لعموم نفعه للمسلمين كما فعل فيما كان يصرفه لهن من النفقات، وادعى المهلب أن النبي ﷺ كان حبس عليهن بيوتهن، ثم استدل به على أن من حبس دارًا جاز له أن يسكن منها في موضع، وتعقبه ابن المنيِّر بمنع أصل الدعوى، ثم على التنزل لا يوافق ذلك مذهبه إلا إن صرَّح بالاستثناء، ومن أين له ذلك؟! انتهى مختصرًا. قلت: ذكر الإمام البخاري في الترجمة آيتين، في إحداهما: نسبة البيوت إلى الأزواج، وفي الأخرى: إلى النبي ﷺ ، ولعله أشار بذلك إلى الاختلاف في ذلك، وقول البخاري في الترجمة: "وما نسب إليهن" لعله إشارة إلى ترجيح ملكهن، وعليه بنى الشيخ قُدِّس سرُّه تقريره، والمسألة خلافية، كما في هامش "اللامع" (١) عن "حاشية الجمل". (٥ - باب ما ذكر من درع النبي ﷺ . . .) إلخ كتب الشيخ في "اللامع" (٢): يعني بذلك: أن ما تركه النبي ﷺ وقت موته كان حقًا مشتركًا بين المسلمين أجمعين لكونه صدقة إلا أن يكون ملَّكه أحدًا من أصحابه قبل موته، وإذا ثبت فيه اشتراك الكل فيد الصحابي الذي هو عنده يد تولية وحفظ، لا يد استبداد بالتصرف وتملك، انتهى. وقال الحافظ (٣): الغرض من هذه الترجمة تثبيت أنه ﷺ لم يورث ولا بيع موجوده، بل ترك بيد من صار إليه للتبرك، ولو كانت ميراثًا لبيعت وقسمت، ولهذا قال بعد ذلك: "مما لم تذكر قسمته" وقوله: "مما تبرك أصحابه" أي: به، وحذفه للعلم به، كذا للأصيلي، ولأبي ذر عن شيخيه "شرك" بالشين من الشركة وهو ظاهر، وأما قول المهلب: إنه إنما ترجم

стр. 1993

بذلك ليتأسى به ولاة الأمور في اتخاذ هذه الآلات، ففيه نظر، وما تقدم أولى، وهو الأليق لدخوله في أبواب الخمس، انتهى. وفي "الفيض" (١): قوله: "باب ما ذكر. . ." إلخ، يقول: إن بعض الأشياء قد بقيت بعده ﷺ بطريق التبرك، ولم تجر فيه القسمة، انتهى. قال العيني (٢): الترجمة مشتملة على تسعة أجزاء، وفي الباب ستة أحاديث، الأول: في ذكر الخاتم، والثاني: في النعل، والثالث: في الكساء الملبد، والرابع: في القدح، والخامس: في الصيف، والسادس: في الصدقة التي كان ذكرها في الصحيفة، ولم يذكر فيه ما يطابق درعه وعصاه وشعره وآنيته، انتهى مختصرًا. ثم ذكر العيني وكذا الحافظ الروايات الدالة على تلك البقية، كما ذكر في هامش "اللامع" (٣). (٦ - باب الدليل على أن الخمس لنوائب رسول الله ﷺ . . .) إلخ أي: خمس الغنيمة، والنوائب جمع نائبة وهو ما ينوب الإنسان من الأمر الحادث، قوله: "وإيثار النبي" أي: ولأجل إيثاره، وقوله: "حين سألته" ظرف للإيثار، انتهى من "الفتح" (٤) و"العيني" (٥). وقال السندي (٦): الظاهر أن "الدليل" مبتدأ، خبره قوله: "حين سألته" بتقدير ما فعله حين سألته فإنه حين ذلك ما أعطاها، بل وكلها إلى الله تعالى، فهذا دليل على أن الخمس له أن يصرفه في أيّ مصرف من مصارف الخمس، ولا يلزم إعطاء المصارف الخمس كلها بل له أن يعطي بعضها، انتهى.

стр. 1994

وقال صاحب "الفيض" (١): واعلم أن أربعة أخماس من الغنيمة للغانمين بالاتفاق، بقي الخمس، فقد تكفل القرآن ببيان مستحقيه، وذكرها في ستة، فخرجها الحنفية على أن ذكر اسم الله تعالى لمجرد التبرك، بقي رسوله، فسقط سهمه بعد وفاته، وأما ذو قرابته فإنما يعطون من أجل الفقر، وكونهم من أقربائه ﷺ ليس بمعتبر في باب الإعطاء، فيقدمون فقراء ذوي القرابة على غيرهم، وإِذن لم يبق من الستة إلا ثلاثة، وذهب مالك إلى أنهم ليسوا بمستحقين، ولكنهم مصارف، فيصرفه الإمام من ولايته كيف شاء، وكم شاء. أما الفيء فلم يذهب أحد إلى إيجاب الخمس فيه إلا الشافعي، ولا خمس فيه عند الجمهور، فإنه مال حصل بدون إيجاف خيل ولا ركاب، فيستبد بصرفه الإمام، ولا يخرج منه الخمس، ومذهب الشافعي مرجوح في ذلك، ولعل المصنف رجح مذهب مالك، واختار أن قسمة الخمس إلى الإمام يقسمه كيف شاء، وترجم لذلك أربعة تراجم: الأولى: هذه الترجمة، وأخرج تحتها حديث شكاية فاطمة، وما كانت تجد من الطحن والرحى، واستدل منه على أن ذوي القرابة لو كانوا مستحقين لأعطاها النبي ﷺ غلامًا من الخمس البتة. والثانية: باب قول الله: ﴿فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ﴾ [الأنفال: ٤١] إلخ، ثم فسَّره بقوله يعني: للرسول قسم ذلك، فجعل القسمة إليه يقسمه كيف يشاء. والثالثة: ما سيأتي بعد سبعة أبواب "باب من قال: ومن الدليل على أن الخمس لنوائب المسلمين. . ." إلخ، حيث جعله في النوائب، ولم يخصه بصنف دون صنف، واستدل عليه بأنه ﷺ أعطى الأنصار وجابرًا من تمر خيبر، مع أنهما لم يكونا من ذوي القرابة.

стр. 1995

والرابعة: ما سيأتي بعد تسعة أبواب "باب ومن الدليل على أن الخمس للإمام. . ." إلخ، فهذه تراجم كلها - كما ترى - قريبة المعاني، ومرماها واحد، وهو الموافقة بمذهب مالك، انتهى. وقال صاحب "الجمل" (١) في قوله تعالى: ﴿فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ الآية: أضيف الخمس لهؤلاء الستة وظاهرها أنه يقسم ستة أقسام، وبه قال أبو العالية فقال: إن الذي لله يصرف إلى الكعبة، ثم يقسم ما بقي على خمسة أقسام، وقيل: سهم الله لبيت المال، وقيل: مضموم إلى سهم الرسول، والجمهور على أن ذكر الله للتعظيم، وقال أيضًا: وبعد وفاة النبي ﷺ يصرف خمس الخمس الذي كان له ﷺ إلى مصالح المسلمين، وهذا مذهب الشافعي، وقال مالك: الرأي فيه إلى الإمام، وقال أبو حنيفة: سقط سهمه وسهم ذوي القربى لوفاته ﷺ ، وصار الكل مصروفًا إلى الثلاثة الباقية، انتهى. قلت: ومذهب أحمد كمذهب الشافعي كما في "المغني"، وهو كما قال الرازي في تفسيره (٢): أما بعد وفاته ﷺ فعند الشافعي أنه يقسم على خمسة أسهم، سهم للرسول يصرف إلى ما كان يصرفه إليه من مصالح المسلمين كعدة الغزاة، وسهم لذوي القربى من أغنيائهم وفقرائهم يقسم بينهم للذكر مثل حظ الأنثيين، انتهى. وكتب الشيخ قُدِّس سرُّه في "اللامع" (٣) تحت الترجمة: ودلالة الرواية عليه من حيث إن فاطمة رضي الله تعالى عنها سألته منه فعلم أنه كان لنوائبه، وحاجة فاطمة رضي الله تعالى عنها إنما هي حاجته ﷺ ، انتهى. وقال الحافظ (٤): قال إسماعيل القاضي: هذا الحديث يدل على أن

стр. 1996

للإمام أن يقسم الخمس حيث يرى؛ لأن الأربعة الأخماس استحقاق للغانمين، والذي يختص بالإمام هو الخمس، وقد منع النبي ﷺ ابنته وأعز الناس عليه من أقربائه وصرفه إلى غيرهم، انتهى. وتعقب عليه الحافظ نصرة لمذهب الشافعي، وقد تقدم أن ميل الإمام البخاري في هذه المسألة إلى مسلك الإمام مالك، وقال الحافظ أيضًا: ليس في الحديث ذكر أهل الصفة ولا الأرامل، وكأنه أشار بذلك إلى ما ورد في بعض طرق الحديث كعادته، وهو ما أخرجه أحمد (١) عن علي في هذه القصة مطولًا وفيه: "والله لا أعطيكم وأح أهل الصفة تطوى بطونهم من الجوع" الحديث، انتهى. (٧ - باب قول الله تعالى: ﴿فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ. . .﴾) إلخ هذه هي الترجمة الثانية المشار إليها في الباب السابق، وتقدم شيء من الكلام عليه هناك. وكتب الشيخ في "اللامع" (٢): يعني بذلك: أن إضافة الخمس إليه ﵎ تبرك، وإلى النبي ﷺ باعتبار أنه يقسمه وإنما هو لنوائب المسلمين، وأما ما ذكره أولًا فلأن نوائب رسول الله ﷺ هي نوائب المسلمين، واستدل على مدعاه من حيث إنه ﷺ سمى نفسه قاسمًا والله المعطي، فعلم أنه لم يكن يملك شيئًا، والله أعلم، انتهى. وفي هامشه: اعلم أن ههنا مسألتين: إحداهما: أن خمس الرسول هل هو ملك له ﷺ أو مفوض إليه ﷺ قسمته؟. والثانية: ماذا يفعل بهذا الخمس الذي لرسول ﷺ بعد وفاته؟ وتقدم الكلام على هذه المسألة الثانية في الباب السابق مبسوطًا، وأما المسألة

стр. 1997

الأولى وهي مقصود البخاري، فقال الحافظ (١): قوله: "للرسول قسم ذلك"، هذا اختيار منه لأحد الأقوال في تفسير هذه الآية، والأكثر على أن اللام في قوله: "للرسول" للملك، وأن للرسول خمس الخمس من الغنيمة سواء حضر القتال أو لم يحضر، وهل كان يملكه أو لا؟ وجهان للشافعية، ومال البخاري إلى الثاني، انتهى. وقال الكرماني (٢): قوله يعني: للرسول قسمته لا أن سهمًا منه له، قال شارح التراجم: مقصود البخاري ترجيح قول من قال: إن النبي ﷺ لم يملك خمس الخمس، وإنما كان عليه قسمته، انتهى. (٨ - باب قول النبي ﷺ : "أحلت لكم الغنائم". . .) إلخ قال الحافظ (٣): كذا للجميع، ووقع عند ابن التِّين "أحلت لي" وهو أشبه؛ لأنه ذكر بهذا اللفظ في هذا الباب، وهذا الثاني طرف من حديث جابر الماضي في التيمم (٤)، وقد تقدم بيان ما كان من قبلنا يصنع في الغنيمة، انتهى. (٩ - باب الغنيمة لمن شهد الوقعة) هذا لفظ أثر أخرجه عبد الرزاق بإسناد صحيح عن طارق بن شهاب: "أن عمر ﵁ كتب إلى عمار أن الغنيمة لمن شهد الوقعة"، ذكره في قصة، انتهى من "الفتح" (٥). وقال العيني (٦): وعليه جماعة الفقهاء، فإن قلت: قسم النبي ﷺ لجعفر بن أبي طالب ولمن قدم في سفينة أبي موسى من غنائم خيبر لمن لم يشهدها؟

стр. 1998

قلت: إنما فعل ذلك لشدة احتياجهم في بدء الإسلام فإنهم كانوا للأنصار تحت منح من النخيل والمواشي لحاجتهم، فضاقت بذلك أحوال الأنصار، وكان المهاجرون في ذلك في شغل، فلما فتح الله خيبر عوض الشارع المهاجرين ورد إلى الأنصار منائحهم، وقال الطحاوي ﵀: إنه ﷺ استطاب أنفس أهل الغنيمة، وقد روي ذلك عن أبي هريرة، كما يجيء عن قريب، انتهى. قلت: وترجم الإمام أبو داود: "من جاء بعد الغنيمة فلا سهم له"، قال الشيخ في "البذل" (١): قال في "الهداية" (٢): وإذا لحقهم المدد في دار الحرب قبل أن يخرجوا الغنيمة إلى دار الإسلام شاركوهم فيها خلافًا للشافعي ﵀ بعد انقضاء القتال، انتهى. وفي "الموطأ": قال مالك: أرى أن لا يقسم إلا لمن شهد القتال من الأحرار. وبسط في "الأوجز" الكلام في صفات استحقاق السهم وشرائطه، وفيه عن الباجي (٣): قوله: "إلا لمن شهد القتال" هذا كما قال، فمن جاء بعد القتال وإحراز الغنيمة لم يسهم له، وبه قال الشافعي. وقال أبو حنيفة: من جاء بعد تقضِّي القتال وإحراز الغنيمة وقبل الخروج من دار الحرب فله سهمه، ومن جاء بعد الخروج من دار الحرب فلا سهم له، انتهى من "الأوجز" (٤). وذكر العلَّامة العيني (٥) اختلاف العلماء في حكم الأرض المفتوحة وهي خلافية شهيرة.

стр. 1999

(١٠ - باب من قاتل للمغنم هل ينقص من أجره؟. . .) إلخ قال ابن المنيِّر: أراد البخاري أن قصد الغنيمة لا يكون منافيًا للأجر ولا منقصًا إذا قصد معه إعلاء كلمة الله؛ لأن السبب لا يستلزم الحصر، ولهذا يثبت الحكم الواحد بأسباب متعددة، ولو كان قصد الغنيمة ينافي قصد الإعلاء لما جاء الجواب عامًا ولقال مثلًا: من قاتل للمغنم فليس هو في سبيل الله. قال الحافظ: وما ادعى أنه مراد البخاري فيه بعد، والذي يظهر أن النقص من الأجر أمر نسبي كما تقدم تحرير ذلك في أوائل الجهاد، فليس من قصد إعلاء كلمة الله محضًا في الأجر مثل من ضم إلى هذا القصد قصدًا آخر من غنيمة أو غيرها، وقال ابن المنيِّر في موضع آخر: ظاهر الحديث أن من قاتل للمغنم - يعني: خاصة - فليس في سبيل الله، وهذا لا أجر له البتة، فكيف يترجم له بنقص الأجر، وجوابه ما قدمته، انتهى من "الفتح" (١). قلت: واختار العلَّامة القسطلاني في بيان ميل المصنف ما اختاره ابن المنيِّر، أي: لا ينقص من أجره شيء، ولكن اختار هو بنفسه ما حققه الحافظ أنه نقص نسبي، كما تقدم في كلام الحافظ، وقال العلَّامة العيني تحت الباب (٢): أي: من قاتل لأجل حصول الغنيمة هل ينقص أجره؟ وجوابه أنه ليس له أجر فضلًا عن النقصان؛ لأن المجاهد الذي يجاهد في سبيل الله هو الذي يجاهد لإعلاء كلمة الله، انتهى. فالعلَّامة العيني حمل الترجمة على من قاتل للغنيمة خاصة، ولذا قال: لا أجر له أصلًا، وترجم الإمام أبو داود في "سننه" (٣): "باب في الرجل يغزو يلتمس الأجر والغنيمة"، وأخرج فيه حديث عبد الله بن حوالة

стр. 2000

الأزدي: "بعثنا رسول الله ﷺ لنغنم على أقدامنا فرجعنا فلم نغنم شيئًا، وعرف الجهد في وجوهنا، فقام فينا، فقال: اللَّهم لا تكلهم إلي فأضعف عنهم، ولا تكلهم إلى أنفسهم فيعجزوا عنها" الحديث، ويستأنس منه أن لا منافاة بين قصد الأجر وقصد الغنيمة فيجتمعان، وإن لزم منه نقص الأجر فإنه أمر آخر. (١١ - باب قسمة الإمام ما يقدم عليه) أي: من جهة أهل الحرب. قوله: (ويخبأ لمن لم يحضره) أي: في مجلس القسمة، "أو غاب عنه" أي: في غير بلد القسمة، قال ابن المنيِّر: فيه رد لما اشتهر بين الناس أن الهدية لمن حضر، انتهى من "الفتح" (١). (١٢ - باب كيف قسم النبي ﷺ قريظة والنضير) قال الحافظ (٢): ذكر فيه حديث أنس وهو مختصر سيأتي بتمامه مع بيان الكيفية المترجم بها في "المغازي" (٣)، ومحصل القصة أن أرض بني النضير كانت مما أفاء الله على رسوله وكانت له خالصة، لكنه آثر بها المهاجرين وأمرهم أن يعيدوا إلى الأنصار ما كانوا واسوهم به لما قدموا عليهم المدينة ولا شيء لهم، فاستغنى الفريقان جميعًا بذلك، ثم فتحت قريظة لما نقضوا العهد فحوصروا فنزلوا على حكم سعد بن معاذ، وقسَّمها النبي ﷺ في أصحابه وأعطى من نصيبه في نوائبه - أي: في نفقات أهله ومن يطرأ عليه - ويجعل الباقي في السلاح والكراع عدة في سبيل الله كما ثبت في الصحيحين من حديث مالك بن أوس عن عمر في بعض طرقه مختصرًا، انتهى.

стр. 2001

(١٣ - باب بركة الغازي في ماله حيًّا ومَيِّتًا. . .) إلخ " البركة" بالموحدة وصحفه بعضهم بالمثناة الفوقية، "حيًّا وميتًا" أي: في حال كونه حيًّا وميتًا، فكم من فقير أغناه الله ببركة غزوة، قاله القسطلاني (١)، وقال أيضًا بعد ذكر الحديث: والظاهر أن الغرض ذكر الكثرة التي نشأت عن البركة في تركة الزبير إذ خلف دينًا كثيرًا ولم يخلف إلا العقار المذكور، ومع ذلك فبورك فيه حتى تحصل منه هذا المال العظيم، انتهى. وقال الحافظ (٢): وقصة الزبير بن العوام في دينه وما جرى لابنه في وفاته من الأحاديث المذكورة في غير مظنتها، والذي يدخل في المرفوع منه قول ابن الزبير: "وما ولي إمارة قط، ولا جباية خراج، ولا شيئًا إلا أن يكون في غزوة مع النبي ﷺ "، وهذا القدر هو المطابق للترجمة، وما عدا ذلك كله موقوف، انتهى. قلت: والأوجه عندي: أن قصة الزبير وما يتعلق بها جميع ذلك بيان لما حصل ووجد في زمنه ﵊ وبعده مما يتعلق بالغنيمة وغيرها، وهذا أصل مطرد من أصول التراجم، وهو الأصل الرابع عشر المتقدمة في الجزء الأول. وفي هامش "اللامع" (٣): في حديث الباب إِشكالات بسطت في الشروح، وأشدها ما في آخر الحديث من قوله: "فأصاب كل امرأة ألف ألفٍ ومائتا ألف، فجميع ماله خمسون ألف ألف ومائتا ألف"، انتهى. وهذان لا يستقيمان أصلًا، إلى آخر ما بسط في هامش "اللامع" في تفسير الحساب وإظهار ما وقع فيه من الغلط مع توجيه هذا الغلط.

стр. 2002

(١٤ - باب إذا بعث الإمام رسولًا في حاجته. . .) إلخ قال القسطلاني (١) بعد ذكر الحديث: واحتج أبو حنيفة بهذا على أن من بعثه الإمام لحاجة يسهم له، وقال الشافعي ومالك وأحمد: لا يسهم من الغنيمة إلا لمن حضر الوقعة، وأجابوا عن هذا الحديث بأنه خاص بعثمان ﵁، انتهى. (١٥ - باب من قال: ومن الدليل على أن الخمس لنوائب المسلمين) هكذا في نسخ الهندية، وليس في نسخ الشروح لفظ: "من قال"، بل فيها: "باب ومن الدليل. . ." إلخ، وهذه ترجمة ثالثة من التراجم الأربعة المعقودة لبيان أن خمس الغنيمة موكول إلى رأي الإمام، كما تقدم في "باب الدليل على أن الخمس لنوائب رسول الله ﷺ . . ." إلخ. قال الحافظ (٢): هو عطف على الترجمة التي قبل ثمانية أبواب حيث قال: "الدليل على أن الخمس لنوائب رسول الله ﷺ "، وقال بعد باب: "ومن الدليل على أن الخمس للإمام"، والجمع بين هذه التراجم أن الخمس لنوائب المسلمين وإلى النبي ﷺ مع تولي قسمته أن يأخذ منه ما يحتاج إليه بقدر كفايته، والحكم بعده كذلك يتولى الإمام ما كان يتولاه. وجوَّز الكرماني (٣) أن تكون كل ترجمة على وفق مذهب من المذاهب، وفيه بعد؛ لأن أحدًا لم يقل: إن الخمس للمسلمين دون النبي ﷺ ودون الإمام، ولا للنبي ﷺ دون المسلمين، فالتوجيه الأول هو اللائق، وحاصل مذاهب العلماء أكثر من ثلاثة، ثم بسطها الحافظ سبع مذاهب من مذاهب السلف، وتقدم مذاهب الأئمة في أول ترجمة من هذه التراجم.

стр. 2003

وتعقب العلَّامة العيني (١) على كلام الحافظ في العطف إذ قال: لا وجه لدعوى هذا العطف البعيد المتخلل بين المعطوف والمعطوف عليه أبواب بأحاديثها، وليست هذه بواو العطف، بل مثل هذا يأتي كثيرًا بدون أن يكون معطوفًا على شيء، وتسمى هذه واو الاستفتاح، وهو المسموع من الأساتذة الكبار، انتهى. وكتب الشيخ في "اللامع" (٢): قوله: "باب من قال" ما يستنبط من الترجمة فمقول القول محذوف، والجواب عنه أنه إنما تحلل عندهم نصيبهم لا الخمس الذي كان له، انتهى. ومطابقة حديث جابر آخر حديث الباب سكت عنه الحافظ، وقال العيني (٣): لا يمكن توجيه المطابقة بين حديث الباب وبين الترجمة إلا بأن يقال: لما كان التصرف في الفيء والأنفال والغنائم والأخماس للنبي ﷺ ، وفي الحديث ذكر قسمة الغنيمة، وفي الترجمة ما يدل على هذا، حصلت المطابقة من هذا الوجه، وإن كان فيه بعض التعسف، انتهى من هامش الهندية (٤). والأوجه عند هذا العبد الضعيف: أن النبي ﷺ لما أعطى بعضهم أزيد من بعض حمله المعترض على خلاف العدل، كما عند مسلم فإنه أخرج الحديث أتم مما في "البخاري"، وكان تصرفه ﷺ ذلك من الخمس، فطابق الحديث الترجمة. (١٦ - باب ما منّ النبي ﷺ على الأسارى. . .) إلخ قال الحافظ (٥): أراد بهذه الترجمة أنه كان له ﷺ أن يتصرف في الغنيمة بما يراه مصلحة فينفل من رأس الغنيمة وتارة من الخمس، واستدل على الأول بأنه كان يمن على الأسارى من رأس الغنيمة وتارة من الخمس، فدل على أنه كان له أن ينفل من رأس الغنيمة.

стр. 2004

وذكر فيه حديث جبير بن مطعم (١): "لو كان المطعم حيًّا. . ." إلخ، قال ابن بطال (٢): وجه الاحتجاج به أنه ﷺ لا يجوز في حقه أن يخبر عن شيء لو وقع لفعله وهو غير جائز، فدل على أن للإمام أن يمن على الأسارى بغير فداء خلافًا لمن منع ذلك كما تقدم، واستدل به على أن الغنائم لا يستقر ملك الغانمين عليها إلا بعد القسمة، وبه قال المالكية والحنفية، وقال الشافعي: يملكون بنفس الغنيمة، والجواب عن حديث الباب أنه محمول على أنه كان يستطيب أنفس الغانمين، وليس في الحديث ما يمنع ذلك. ثم قال الحافظ: والذي يظهر أن هذا كان باعتبار ما تقدم في أول الأمر أن الغنيمة كانت للنبي ﷺ يتصرف فيها حيث شاء، وفرض الخمس إنما نزل بعد قسمة غنائم بدر كما تقرر، فلا حاجة إذن في هذا الحديث لما ذكرنا، انتهى. وفي "الفيض" (٣) تحت هذا الباب: وهذه أيضًا ناظرة إلى مذهب مالك، فإنه إذا مَنَّ عليهم ولم يأخذ منهم الخمس دلَّ على كونه إلى رأي الإمام، انتهى. (١٧ - باب ومن الدليل على أن الخمس للإمام. . .) إلخ هذه هي الترجمة الرابعة من التراجم الأربعة المشار إليها قبل قوله: "وقال عمر بن عبد العزيز: لم يعمهم بذلك. . ." إلخ، يعني: أن النبي ﷺ لم يعط من ذي قرابته كله، بل قسم لبني المطلب وبني هاشم فقط، ثم لم يعط منهم كلهم أيضًا، بل أعطى بعضًا دون بعض، فدل على أن ما ذكر في القرآن إنما هو مصارف له فقط، دون مستحقيه.

стр. 2005

قوله: (ولم يخص قريبًا. . .) إلخ، وهذا نظر الحنفية أن العبرة في أهل قرابة النبي ﷺ للفقر دون جهة القرابة، فليست القرابة جهةً مستقلة عندنا، فوافقنا في هذا النظر، وإن كان وافق في أصل المسألة مالكًا كما مرّ، انتهى من "الفيض" (١). (١٨ - باب من لم يُخَمِّس الأسلاب. . .) إلخ السلب بفتح المهملة واللام بعدها موحدة، هو ما يوجد مع المحارب من ملبوس وغيره عند الجمهور، وعن أحمد: لا تدخل الدابة، وعن الشافعي: يختص بأداة الحرب، انتهى من "الفتح" (٢). ومسألة تخميس السلب خلافية شهيرة، فعند أحمد وهو المشهور عن الشافعي: أنه لا يخمس، وروي ذلك عن ابن عباس، وبه قال الأوزاعي والثوري: أنه يخمس، وقال إسحاق: إن استكثر الإمام السلب يخمسه، وإلا لا، ومذهب مالك كما في فروعه كلها أن السلب من الخمس، وحكى عنه الحافظ في "الفتح" (٣) التخيير للإمام في ذلك، وعند الحنفية إن قيد الإمام ذلك بقوله فله السلب بعد الخمس يخمس وإلا لا، وبه جزم في "الفتاوى الهندية" إذ قال: إن نفل الإمام السلب بعد الخمس بأن قال: من قتل قتيلًا فله السلب بعد الخمس يخمس السلب، وإن نفل السلب مطلقًا بأن قال: من قتل قتيلًا فله السلب لا يخمس، كذا في "الأوجز" (٤). قوله: (ومن قتل قتيلًا فله سلبه. . .) إلخ، قال الحافظ (٥): هو قطعة من حديث أبي قتادة ثاني حديثي الباب، وأما قوله: "من غير أن يخمس" فهو من تفقهه، وكأنه أشار بهذه الترجمة إلى الخلاف في المسألة وهو شهير.

стр. 2006

قال الحافظ: ذهب الجمهور إلى أن القاتل يستحق السلب، سواء قال أمير الجيش قبل ذلك: من قتل قتيلًا فله سلبه، أو لم يقل ذلك، وهو ظاهر حديث أبي قتادة، وقال: إنه فتوى من النبي ﷺ وإخبار عن الحكم الشرعي، وعن المالكية والحنفية: لا يستحقه القاتل إلا إن شرط له الإمام ذلك، وعن مالك: يخيَّر الإمام بين أن يعطي القاتل السلب أو يخمسه، انتهى. وفي "الأوجز" (١): وفيه الاختلاف المشهور بين العلماء من أنه يستحقه القاتل قاله الإمام أو لم يقل، وبه قال الشافعي وأحمد، وقال الحنفية بشرط أن يقوله الإمام قبل إحراز الغنيمة وقت القتال، وروي عن أحمد مثل قولهم، وهو اختيار أبي بكر من الحنابلة، وقال مالك: ينفّل الإمام من الخمس إن رأى المصلحة، ولا يقوله من قبل، ومع ذلك لو قاله ينفذ قوله، انتهى. قلت: وهكذا ذكر الشرَّاح هذه المسألة ههنا، واختلف العلماء في مسائل السلب في فروع كثيرة، ذكرت منها في "الأوجز" (٢) بعد التتبع البليغ ثمانية عشر بحثًا، ومن جملتها هاتان المسألتان المذكورتان في هذه الترجمة، ومنها اختلافهم في مصداق السلب، وقد تقدم في كلام الحافظ في أول الباب. قوله: (من غير الخمس) وفي نسخة الشروح "من غير أن يخمس" وهذا بظاهره مكرر فإنه قال أولًا: "من لم يخمس الأسلاب" اللَّهم إلا أن يقال: إن قوله الأول: "من لم يخمس" إشارة إلى كون المسألة خلافية، وأشار بهذا القول الأخير إلى ما هو المختار عنده، ولذا قال الحافظ: هو من تفقه المصنف، فافهم. قوله: (وحكم الإمام فيه) قال العيني (٣): عطف على قوله: "من لم

стр. 2007

يخمس"، وقال القسطلاني (١): "وحكم الإمام فيه" أي: في السلب، عطف على "من لم يخمس"، انتهى. قلت: لم يتعرض الشرَّاح لمعناه وما هو الغرض منه، ويمكن عندي أن يقال: إن الإمام البخاري أشار به إلى مسألة خلافية من المسائل الثمانية عشر المذكورة في "الأوجز" (٢)، وهي: الثاني عشر: ما قاله الإمام أحمد: لا يعجبني ذلك إلا بإذن الإمام، فإنه أمر مجتهد فيه، فلا ينفذ بدون إذنه، وقال الموفق (٣): يحتمل قوله الاستحباب خروجًا عن الخلاف، وقال الشافعي: لا حاجة إلى إذنه، انتهى. قلت: وفي "الموطأ" تصريح عن الإمام مالك باشتراط الإذن، انتهى. (١٩ - باب ما كان النبي ﷺ يعطي المؤلفة قلوبهم. . .) إلخ وهم من أسلم ونيته ضعيفة، أو كان يتوقع بإعطائه إسلام نظرائه. قوله: (وغيرهم) أي: غير المؤلفة ممن تظهر له المصلحة في إعطائه، (من الخمس ونحوه) أي: من مال الخراج والجزية والفيء، قال إسماعيل القاضي: في إعطاء النبي ﷺ للمؤلفة من الخمس دلالة على أن الخمس إلى الإمام يفعل فيه ما يرى من المصلحة، وقال الطبري: استدل بهذه الأحاديث من زعم أن النبي ﷺ كان يعطي من أصل الغنيمة لغير المقاتلين، قال: وهو قول مردود بدليل القرآن والآثار الثابتة، واختلف بعد ذلك من أين كان يعطي المؤلفة؟ فقال مالك وجماعة: من الخمس، وقال الشافعي وجماعة: من خمس الخمس، قيل: ليس في أحاديث الباب شيء صريح بالإعطاء من نفس الخمس. قوله: (رواه عبد الله بن زيد. . .) إلخ، يشير إلى حديثه الطويل في قصة حنين، كما سيأتي هناك، ثم أورد في الباب تسعة أحاديث، انتهى من "الفتح" (٤) مختصرًا.

стр. 2008

وفي "الفيض" (١): ولعله ذكر المؤلفة قلوبهم تأييدًا لما اختاره من أن الخمس إلى الإمام؛ لأن النبي ﷺ إذا أعطاهم - مع أنهم لا ذكر لهم في القرآن - دل على أن المذكورين فيه مصارف لا غير، ولذا وسع له أن يصرفه إلى غيرهم أيضًا، فثبت أن لا مزية لمن سمي في القرآن على غيرهم، ونقول: إن هؤلاء كانوا مصارف إلى زمن، ثم نسخ، أو انتهى الحكم بانتهاء العلة، فلا حجة فيه، انتهى. قال العلَّامة العيني (٢) في حديث أسماء المذكور في الباب: "قالت: كنت أنقل النوى من أرض الزبير" الحديث: وجه المطابقة بينه وبين قوله في الترجمة: "وغيرهم" أي: وغير المؤلفة، وفي قوله: "وغيره"، أي: وغير الخمس يؤخذ من هذا، وفيه دقة. ثم قال في حديث ابن عمر: "أن عمر بن الخطاب أجلى اليهود والنصارى من أرض الحجاز" الحديث، قيل: لا مطابقة بين الحديث والترجمة؛ لأنه ليس للعطاء فيه ذكر، وأجيب: بأن فيه جهات قد علم من مكان آخر أنها كانت جهات عطاء، فبهذا الطريق يدخل تحت الترجمة، انتهى. وكتب الشيخ قُدِّس سرُّه في "اللامع" (٣): لعل إيراد هذه الرواية، أي: رواية ابن عمر آخر أحاديث الباب ههنا لأجل أن النبي ﷺ كان يأمر أصحابه أن يتركوا لهم بعد الخرص ربعًا أو ثلثًا كما تشهد به الروايات، وليس ذلك إلا إعطاء، فكان هذا الحديث مما يناسب الباب باعتبار إعطاء الغير المؤلفة إن أريد به المؤمنون، وإن كان أعم ممن آمن ولم يكمل إيمانه بعد، وممن لم يكن مؤمنًا بعد، فهو من قبيل إعطاء المؤلفة وكان ذلك إعطاء من الخمس ونحوه معًا؛ لأن ما كان يجيء إلى المسلمين كان يخمس منه أولًا ثم يقسم بين الغانمين على حسب حصصهم، فما انتقص من نصيبهم وجبايتهم بترك الربع والخمس والثلث ونحوه انتقص بحسبه من الخمس

стр. 2009

أيضًا، فكان هذا الحط لهم من المسلمين إعطاء أيضًا، فافهم فإنه غريب، وكم للأستاذ مثل ذلك من عجيب، انتهى. قلت: أجاد الشيخ قُدِّس سرُّه في بيان المناسبة حيث أنكر الشرَّاح المطابقة، فقد قال الحافظ (١) ﵀: قال ابن المنيِّر: أحاديث الباب مطابقة للترجمة إلا هذا الأخير، وليس فيه للعطاء ذكر، ثم ذكر ما تقدم عن العلَّامة العيني. (٢٠ - باب ما يصيب من الطعام في أرض الحرب) أي: هل يجب تخميسه في الغانمين، أو يباح أكله للمقاتلين؟ وهي مسألة خلاف، والجمهور على جواز أخذ الغانمين من القوت وما يصلح به، وكل طعام يعتاد أكله عمومًا، وكذلك علف الدواب، سواء كان قبل القسمة أو بعدها بإذن الإمام وبغير إذنه، والمعنى فيه أن الطعام يعز في دار الحرب فأبيح للضرورة، والجمهور أيضًا على جواز الأخذ ولو لم تكن الضرورة ناجزة، انتهى من "الفتح" (٢). وفي "البذل" (٣): قال القاري (٤): قال عياض: أجمع العلماء على جواز أكل طعام الحربين ما دام المسلمون في دار الحرب على قدر حاجتهم، ولم يشترط أحد من العلماء استئذان الإمام إلا الزهري، وجمهورهم على أنه لا يجوز أن يخرج معه منه شيئًا إلى عمارة دار الإسلام، فإن أخرجه لزمه ردّه إلى المغنم، ولا يجوز بيع شيء منه في دار الحرب، انتهى. وأما مسألة ركوب دوابهم واستعمال سلاحهم فأيضًا خلافية ذكره الشرَّاح، وتحقيق المذاهب فيه في "الأوجز"، ولما لم يتعرض لها المصنف في تراجمه طويناه على غرة. ثم البراعة عند الحافظ في قوله: "حرمها البتة" وعندي في قوله: "فانتحرناها".

стр. 2010

٥٨ - كتاب الجزية كذا في نسخة "العيني"، وهكذا في هامش النسخة الهندية، وفي نسخة "القسطلاني" و"الفتح": "باب" بدل "كتاب". قال الحافظ (١): كذا للأكثر، ووقع عند ابن بطال وأبي نعيم: "كتاب الجزية"، ووقع لجميعهم البسملة أوله سوى أبي ذر. قوله: "الجزية والموادعة. . ." إلخ، فيه لف ونشر مرتب؛ لأن الجزية مع أهل الذمة، والموادعة مع أهل الحرب، والجزية بكسر الجيم من جزأت الشيء إذا قسَّمته ثم سهّلت الهمزة، وقيل: من الجزاء، أي: لأنها جزاء تركهم ببلاد الإسلام، أو من الإجزاء؛ لأنها تكفي من توضع عليه في عصمة دمه، والموادعة المتاركة، والمراد بها متاركة أهل الحرب مدة معينة لمصلحة. والجزية في الاصطلاح: مال مأخوذ من أهل الذمة لإسكاننا إياهم في دارنا، أو لحقن دمائهم وذراريهم وأموالهم، أو لكفنا عن قتالهم، قال العلماء: الحكمة في وضعها أن الذلّ الذي يلحقهم يحملهم على الدخول في الإسلام مع ما في مخالطة المسلمين من الاطلاع على محاسن الإسلام. وفي "الدر المختار" (٢): وهي - أي: الجزية - ليست رضًا منا بكفرهم كما طعن الملحدة، بل إنما هي عقوبة لهم على إقامتهم على الكفر فإذا جاز إِمهالهم للاستدعاء إلى الإيمان بدونها فبها أولى، قال ابن عابدين: ولأنها دعوة إلى الاسلام بأحسن الجهات، وهو أن يسكن بين المسلمين فيرى محاسن الإسلام، فيسلم مع دفع شره في الحال، انتهى. واختلف في سنة مشروعيتها، فقيل: في سنة ثمان، وقيل: في سنة تسع.

стр. 2011

قوله: (وقول الله . . .) إلخ، هذه الآية هي الأصل في مشروعية الجزية، ودلّ منطوق الآية على مشروعيتها مع أهل الكتاب، ومفهومها أن غيرهم لا يشاركهم فيها، انتهى من "الفتح" (١) بزيادة من "القسطلاني" (٢). وبسط الكلام على الجزية في "الأوجز" (٣)، وذكر فيه أبحاثًا كثيرة عديدة في هذه المسألة، وفيه عن "البداية" (٤): الكلام المحيط بأصول هذا الفصل ينحصر في ست مسائل: الأولى: ممن يجوز أخذ الجزية؟ الثانية: على أي الأصناف منهم تجب؟ الثالثة: كم تجب؟ الرابعة: متى تجب ومتى تسقط؟ الخامسة: كم أصناف الجزية؟ السادسة: فيماذا يصرف مال الجزية؟ ثم بسط فيه الكلام على هذه المسائل. قوله: (يعني: أذلاء) قال الحافظ (٥): هو تفسير ﴿وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ قال أبو عبيدة في "المجاز" (٦): الصاغر: الذليل الحقير، قوله: "والمسكنة مصدر المسكين. . ." إلخ، هذا الكلام ثبت في كلام أبي عبيدة في "المجاز" (٧)، والقائل "ولم يذهب إلى السكون" قيل: هو الفربري الراوي عن البخاري، أراد أن ينبّه على أن قول البخاري: "أسكن" من المسكنة لا من السكون، وإن كان أصل المادة واحدًا، ووجه ذكر المسكنة هنا أنه لمَّا فسَّر الصغار بالذلة، وجاء في وصف أهل الكتاب أنهم ﴿وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ﴾ ناسب ذكر المسكنة عند ذكر الذلة. قول: (وما جاء في أخذ الجزية. . .) إلخ، هذه بقية الترجمة، أما اليهود والنصارى فهم المراد بأهل الكتاب بالاتفاق، وأما المجوس فقد ذكر مستنده في الباب، وفرق الحنفية فقالوا: تؤخذ من مجوس العجم دون مجوس العرب، وحكى الطحاوي عنهم: تقبل الجزية من أهل الكتاب

стр. 2012

ومن جميع كفار العجم، ولا يقبل من مشركي العرب إلا الإسلام أو السيف، وعن مالك: تقبل من جميع الكفار إلا من ارتدّ، وحكى ابن عبد البر الاتفاق على قبولها من المجوس، لكن حكى ابن التِّين عن عبد الملك: أنها لا تقبل إلا من اليهود والنصارى فقط، وقال الشافعي: تقبل من أهل الكتاب عربًا كانوا أو عجمًا، ويلتحق بهم المجوس في ذلك، واحتج بالآية المذكورة، فإن مفهومها أنها لا تقبل من غير أهل الكتاب، وقد أخذها النبي ﷺ من المجوس، فدل على إلحاقهم بهم واقتصر عليه، واحتج غيره بعموم قوله في حديث بريدة وغيره: "فإذا لقيت عدوك من المشركين فادعهم إلى الإسلام، فإن أجابوا وإلا فالجزية"، واحتجوا أيضًا بأن أخذها من المجوس يدل على ترك مفهوم الآية، فلما انتفى تخصيص أهل الكتاب بذلك دلَّ على أن لا مفهوم لقوله: "أهل الكتاب"، وأجيب بأن المجوس كان لهم كتاب ثم رفع، انتهى. وقال القسطلاني (١) تحت قول البخاري: "والمجوس والعجم": وهذا قول أبي حنيفة: تؤخذ الجزية من جميع الأعاجم سواء كانوا من أهل الكتاب أو من المشركين، وعند الشافعي وأحمد: لا تؤخذ إلا ممن له كتاب أو شبهة كتاب، فلا تؤخذ من عبدة الأوثان والشمس والقمر ومن في معناهم، ولا من المرتد؛ لأن الله تعالى أمر بقتل جميع المشركين إلى أن يسلموا بقوله: ﴿اقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ الآية السابقة، وعن مالك: تقبل من جميع الكفار إلا من ارتد، انتهى مختصرًا. وذكر الحافظ الكلام على أن المجوس هم أهل كتاب أم لا؟ وبسط الكلام عليه أيضًا في "الأوجز" (٢) فارجع إليه لو اشتقت. وقال أيضًا: قال ابن المنيِّر: ليس في أحاديث الباب ما يوافق الموادعة - الجزء الثاني من الترجمة - إلا الحديث الأخير في تأخير

стр. 2013

النعمان بن مقرن القتال وانتظاره زوال الشمس، ثم تعقب عليه الحافظ كما في "الفتح" (١). قوله: (ما شأن أهل الشام عليهم أربعة دنانير. . .) إلخ، كتب الشيخ في "اللامع" (٢): فكان ثمانية وأربعين درهمًا كما هو عند الحنفية، وكان وضع الدينار على كل فقير وغني من أهل اليمن من دون تفرقة بينهما لأجل المصالحة على ذلك، انتهى. قلت: وهي المسألة الثالثة من ست مسائل المشار إليها سابقًا. وفي هامش "اللامع": أخرج مالك في "موطئه": أن عمر ﵁ ضرب الجزية على أهل الذهب أربعة دنانير، وعلى أهل الورق أربعين درهمًا، قال الزرقاني: وإليه ذهب مالك، فلا يزاد عليه ولا ينقص إلا من يضعف عن ذلك، فيخفف عنه بقدر ما يراه الإمام، وقال الشافعي: أقلّها دينار ولا حد لأكثرها، وقال أبو حنيفة وأحمد: أقلّها على الفقراء اثنا عشر درهمًا، وعلى الأوساط أربعة وعشرون درهمًا أو ديناران، وعلى الأغنياء ثمانية وأربعون درهمًا أو أربعة دنانير، إلى آخر ما بسط في "الأوجز" (٣) من الأقول والدلائل في ذلك. وفيه أيضًا: والأصل في ذلك أن الجزية على نوعين: جزية صلح، وجزية جبر، أما الأولى فعلى ما يتصالحون، وأما الثانية فعلى التفصيل المذكور، قيل: وإليه أشار الشيخ قُدَّس سرُّه بقوله: وكان وضع الدينار على كل فقير وغني من دون تفرقة بينهما. . . إلخ. (٢ - باب إذا وادع الإمام ملك القرية. . .) إلخ أي: صالح على ترك الحرب والأذى، وقوله: "لبقيتهم" أي: لبقية أهل القرية، وقد أجمع على أن الإمام إذا صالح ملك القرية يدخل في ذلك

стр. 2014

الصلح لبقيتهم، انتهى من "القسطلاني" (١). وفيه أيضًا بعد ذكر الحديث: وعند ابن إسحاق: لما انتهى النبي ﷺ إلى تبوك أتى يُحنة بن رؤبة صاحب أيلة، فصالحه وأعطاه الجزية، وكتب له ﷺ كتابًا، فهو عندهم: بسم الله الرحمن الرحيم، هذه أمنة من الله ومن محمد النبي رسول الله ﷺ ليُحنة بن رؤبة (٢) وأهل أيلة، فبهذه الطريق تحصل المطابقة بين الحديث والترجمة، كما قاله في "الفتح". (٣ - باب الوصاة بأهل ذمة رسول الله ﷺ -) الوصاة بفتح الواو والمهملة مخففًا بمعنى الوصية، قوله: "والإِلّ: القرابة" هو تفسير الضحاك في قوله تعالى: ﴿لَا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً﴾ [التوبة: ١٠]، وقال أبو عبيدة في "المجاز" (٣): الإل: العهد والميثاق واليمين، وعن مجاهد: الإلّ الله، وأنكره عليه غير واحد، قاله الحافظ (٤). وقال أيضًا بعد ذكر حديث الباب: في رواية عمرو بن ميمون: "وأوصيه بذمة الله وذمة رسوله أن يوفي لهم بعهدهم، وأن يقاتل من ورائهم، وأن لا يكلفوا إلا طاقتهم"، ويستفاد من هذه الزيادة أن لا يؤخذ من أهل الجزية إلا قدر ما يطيق المأخوذ منه، انتهى. (٤ - باب ما أقطع النبي ﷺ من البحرين. . .) إلخ قال الحافظ (٥): اشتملت هذه الترجمة على ثلاثة أحكام، وأحاديث الباب ثلاثة موزعة عليها على الترتيب، فأما إقطاعه ﷺ من البحرين فالحديث الأول دالٌّ على أنه ﷺ همّ بذلك، وأشار على الأنصار به مرارًا،

стр. 2015

فلما لم يقبلوا تركه، فنزّل المصنف ما بالقول منزلة ما بالفعل، وهو في حقه ﷺ واضح؛ لأنه لا يأمر إلا بما يجوز فعله، وتقدم في "كتاب الشرب" في الكلام على هذا الحديث أن المراد بإقطاعها للأنصار تخصيصهم بما يتحصل من جزيتها وخراجها لا تمليك رقبتها؛ لأن أرض الصلح لا تقسم ولا تقطع بها، وأما ما وعد من مال البحرين والجزية - وهو الجزء الثاني من الترجمة - فحديث جابر دالٌّ عليه، وأما مصرف الفيء والجزية - وهو الجزء الثالث من الترجمة - فعطف الجزية على الفيء من عطف الخاص على العام؛ لأنها من جملة الفيء، وقد مرَّ تعريف الفيء، وحديث أنس المعلق يشعر بأنه راجع إلى نظر الإمام يفضل من شاء بما شاء، وتقدم في الخمس أن مصرف الجزية مصرف الفيء، وتقدم بيان الاختلاف في مصرف الفيء، وأن المصنف يختار أنه إلى نظر الإمام، والله أعلم، انتهى. قلت: قال الحافظ (١) في "باب فرض الخمس": اختلف العلماء في مصرف الفيء؟ فقال مالك: الفيء والخمس سواء يجعلان في بيت المال ويعطي الإمام أقارب النبي ﷺ بحسب اجتهاده، وفرق الجمهور بين خمس الغنيمة وبين الفيء، فقالوا: الخمس موضوع فيما عيَّنه الله فيه من الأصناف في آية الخمس من سورة الأنفال لا يتعدى به إلى غيرهم، وأما الفيء فهو الذي يرجع النظر في مصرفه إلى رأي الإمام بحسب المصلحة، وانفرد الشافعي كما قال ابن المنذر وغيره بأن الفيء يخمس، وأن أربعة أخماسه للنبي ﷺ وله خمس الخمس كما في الغنيمة وأربعة أخماس الخمس لمستحق نظيرها من الغنيمة، وقال الجمهور: مصرف الفيء كله إلى رسول الله ﷺ ، واحتجوا بقول عمر: فكانت هذه لرسول الله ﷺ خاصة، وتأول الشافعي قول عمر المذكور بأنه يريد الأخماس الأربعة، انتهى. وفي "الدر المختار" (٢): ومصرف الجزية والخراج ومال التغلبي

стр. 2016

وهديتهم للإمام، وما أخذ منهم بلا حرب، ومنه تركة ذمي وما أخذه عاشر منهم، مصالحنا كسد ثغور وبناء قنطرة وجسر وكفاية العلماء والمتعلمين والقضاة والعمال ورزق المقاتلة وذراريهم، وهذا مصرف جزية وخراج، انتهى. (٥ - باب إثم من قتل معاهدًا بغير جرم) قوله: (معاهدًا) ضبطه القسطلاني (١) بفتح الهاء، أي: ذميًّا، وقال الحافظ (٢): كذا قيَّده في الترجمة، وليس التقييد في الخبر؛ لكنه مستفاد من قواعد الشرع، ووقع منصوصًا في رواية أبي معاوية الآتي ذكرها بلفظ "بغير حق"، وفيما أخرجه النسائي وأبو داود من حديث أبي بكرة بلفظ "من قتل نفسًا معاهدة بغير حلها حرَّم الله عليه الجنة"، انتهى من "الفتح". (٦ - باب إخراج اليهود من جزيرة العرب) وفي حديث ابن عباس ثاني حديثي الباب بلفظ: "أخرجوا المشركين"، وكأن المصنف اقتصر على ذكر اليهود؛ لأنهم يوحدون الله تعالى إلا القليل منهم، ومع ذلك أمر بإخراجهم، فيكون إخراج غيرهم من الكفار بطريق الأولى، انتهى من "الفتح" (٣). قوله: (بينما نحن في المسجد. . .) إلخ، هذا مشكل جدًا فإن إخراج بني قينقاع كان في السنة الثانية من الهجرة، وإخراج بني النضير كان في السنة الرابعة، وقتل بني قريظة في السنة الخامسة، فكيف يصحّ قول أبي هريرة: "بينما نحن في المسجد" الحديث، فإن إسلامه كان عام خيبر، وأوّله الحافظ بوجوه.

стр. 2017

(٧ - باب إذا غدر المشركون بالمسلمين هل يعفى عنهم ؟) قال الحافظ (١): ذكر فيه حديث أبي هريرة في قصة اليهود في سم الشاة بعد فتح خيبر، ولم يجزم البخاري بالحكم إشارة إلى ما وقع من الاختلاف في معاقبة المرأة التي أهدت السم، انتهى. (٨ - باب دعاء الإمام على من نكث عهدًا) ذكر فيه حديث أنس في القنوت، وقد تقدم في "كتاب الوتر". (٩ - باب أمان النساء وجوارهن) الجُوار بكسر الجيم وضمها: المجاورة، والمراد هنا الإجارة، قال ابن المنذر: أجمع أهل العلم على جواز أمان المرأة، إلا شيئًا ذكره ابن الماجشون، لا أحفظ ذلك عن غيره، قال: إن أمر الأمان إلى الإمام، وتأول ما ورد مما يخالف ذلك على قضايا خاصة، قال ابن المنذر: وفي قول النبي ﷺ : "يسعى بذمتهم أدناهم" دلالة على إغفال هذا القائل. قال الحافظ: وجاء عن سحنون مثل قول ابن الماجشون فقال: هو إلى الإمام إن أجازه جاز وإن رده رُدّ، انتهى من "الفتح" (٢). (١٠ - باب ذمة المسلمين وجوارهم واحدة. . .) إلخ قال الحافظ (٣): ذكر فيه حديث علي، وهو ظاهر فيما يتعلق بصدر الترجمة، وأما قوله: "يسعى بذمتهم أدناهم" فأشار به إلى ما ورد في بعض طرقه، ويأتي بهذا اللفظ بعد خمسة أبواب، ودخل في قوله: "أدناهم" أي: أقلَّهم كل وضيع بالنص، وكل شريف بالفحوى، فدخل فيه المرأة والعبد
следующие страницы →