← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 853

الأبواب والتراجم لصحيح البخاري

محمد زكريا الكاندهلوي

Полный текст (3 740 стр.). Показаны 2013–2052 · переход к 2018.

стр. 2013

النعمان بن مقرن القتال وانتظاره زوال الشمس، ثم تعقب عليه الحافظ كما في "الفتح" (١). قوله: (ما شأن أهل الشام عليهم أربعة دنانير. . .) إلخ، كتب الشيخ في "اللامع" (٢): فكان ثمانية وأربعين درهمًا كما هو عند الحنفية، وكان وضع الدينار على كل فقير وغني من أهل اليمن من دون تفرقة بينهما لأجل المصالحة على ذلك، انتهى. قلت: وهي المسألة الثالثة من ست مسائل المشار إليها سابقًا. وفي هامش "اللامع": أخرج مالك في "موطئه": أن عمر ﵁ ضرب الجزية على أهل الذهب أربعة دنانير، وعلى أهل الورق أربعين درهمًا، قال الزرقاني: وإليه ذهب مالك، فلا يزاد عليه ولا ينقص إلا من يضعف عن ذلك، فيخفف عنه بقدر ما يراه الإمام، وقال الشافعي: أقلّها دينار ولا حد لأكثرها، وقال أبو حنيفة وأحمد: أقلّها على الفقراء اثنا عشر درهمًا، وعلى الأوساط أربعة وعشرون درهمًا أو ديناران، وعلى الأغنياء ثمانية وأربعون درهمًا أو أربعة دنانير، إلى آخر ما بسط في "الأوجز" (٣) من الأقول والدلائل في ذلك. وفيه أيضًا: والأصل في ذلك أن الجزية على نوعين: جزية صلح، وجزية جبر، أما الأولى فعلى ما يتصالحون، وأما الثانية فعلى التفصيل المذكور، قيل: وإليه أشار الشيخ قُدَّس سرُّه بقوله: وكان وضع الدينار على كل فقير وغني من دون تفرقة بينهما. . . إلخ. (٢ - باب إذا وادع الإمام ملك القرية. . .) إلخ أي: صالح على ترك الحرب والأذى، وقوله: "لبقيتهم" أي: لبقية أهل القرية، وقد أجمع على أن الإمام إذا صالح ملك القرية يدخل في ذلك

стр. 2014

الصلح لبقيتهم، انتهى من "القسطلاني" (١). وفيه أيضًا بعد ذكر الحديث: وعند ابن إسحاق: لما انتهى النبي ﷺ إلى تبوك أتى يُحنة بن رؤبة صاحب أيلة، فصالحه وأعطاه الجزية، وكتب له ﷺ كتابًا، فهو عندهم: بسم الله الرحمن الرحيم، هذه أمنة من الله ومن محمد النبي رسول الله ﷺ ليُحنة بن رؤبة (٢) وأهل أيلة، فبهذه الطريق تحصل المطابقة بين الحديث والترجمة، كما قاله في "الفتح". (٣ - باب الوصاة بأهل ذمة رسول الله ﷺ -) الوصاة بفتح الواو والمهملة مخففًا بمعنى الوصية، قوله: "والإِلّ: القرابة" هو تفسير الضحاك في قوله تعالى: ﴿لَا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً﴾ [التوبة: ١٠]، وقال أبو عبيدة في "المجاز" (٣): الإل: العهد والميثاق واليمين، وعن مجاهد: الإلّ الله، وأنكره عليه غير واحد، قاله الحافظ (٤). وقال أيضًا بعد ذكر حديث الباب: في رواية عمرو بن ميمون: "وأوصيه بذمة الله وذمة رسوله أن يوفي لهم بعهدهم، وأن يقاتل من ورائهم، وأن لا يكلفوا إلا طاقتهم"، ويستفاد من هذه الزيادة أن لا يؤخذ من أهل الجزية إلا قدر ما يطيق المأخوذ منه، انتهى. (٤ - باب ما أقطع النبي ﷺ من البحرين. . .) إلخ قال الحافظ (٥): اشتملت هذه الترجمة على ثلاثة أحكام، وأحاديث الباب ثلاثة موزعة عليها على الترتيب، فأما إقطاعه ﷺ من البحرين فالحديث الأول دالٌّ على أنه ﷺ همّ بذلك، وأشار على الأنصار به مرارًا،

стр. 2015

فلما لم يقبلوا تركه، فنزّل المصنف ما بالقول منزلة ما بالفعل، وهو في حقه ﷺ واضح؛ لأنه لا يأمر إلا بما يجوز فعله، وتقدم في "كتاب الشرب" في الكلام على هذا الحديث أن المراد بإقطاعها للأنصار تخصيصهم بما يتحصل من جزيتها وخراجها لا تمليك رقبتها؛ لأن أرض الصلح لا تقسم ولا تقطع بها، وأما ما وعد من مال البحرين والجزية - وهو الجزء الثاني من الترجمة - فحديث جابر دالٌّ عليه، وأما مصرف الفيء والجزية - وهو الجزء الثالث من الترجمة - فعطف الجزية على الفيء من عطف الخاص على العام؛ لأنها من جملة الفيء، وقد مرَّ تعريف الفيء، وحديث أنس المعلق يشعر بأنه راجع إلى نظر الإمام يفضل من شاء بما شاء، وتقدم في الخمس أن مصرف الجزية مصرف الفيء، وتقدم بيان الاختلاف في مصرف الفيء، وأن المصنف يختار أنه إلى نظر الإمام، والله أعلم، انتهى. قلت: قال الحافظ (١) في "باب فرض الخمس": اختلف العلماء في مصرف الفيء؟ فقال مالك: الفيء والخمس سواء يجعلان في بيت المال ويعطي الإمام أقارب النبي ﷺ بحسب اجتهاده، وفرق الجمهور بين خمس الغنيمة وبين الفيء، فقالوا: الخمس موضوع فيما عيَّنه الله فيه من الأصناف في آية الخمس من سورة الأنفال لا يتعدى به إلى غيرهم، وأما الفيء فهو الذي يرجع النظر في مصرفه إلى رأي الإمام بحسب المصلحة، وانفرد الشافعي كما قال ابن المنذر وغيره بأن الفيء يخمس، وأن أربعة أخماسه للنبي ﷺ وله خمس الخمس كما في الغنيمة وأربعة أخماس الخمس لمستحق نظيرها من الغنيمة، وقال الجمهور: مصرف الفيء كله إلى رسول الله ﷺ ، واحتجوا بقول عمر: فكانت هذه لرسول الله ﷺ خاصة، وتأول الشافعي قول عمر المذكور بأنه يريد الأخماس الأربعة، انتهى. وفي "الدر المختار" (٢): ومصرف الجزية والخراج ومال التغلبي

стр. 2016

وهديتهم للإمام، وما أخذ منهم بلا حرب، ومنه تركة ذمي وما أخذه عاشر منهم، مصالحنا كسد ثغور وبناء قنطرة وجسر وكفاية العلماء والمتعلمين والقضاة والعمال ورزق المقاتلة وذراريهم، وهذا مصرف جزية وخراج، انتهى. (٥ - باب إثم من قتل معاهدًا بغير جرم) قوله: (معاهدًا) ضبطه القسطلاني (١) بفتح الهاء، أي: ذميًّا، وقال الحافظ (٢): كذا قيَّده في الترجمة، وليس التقييد في الخبر؛ لكنه مستفاد من قواعد الشرع، ووقع منصوصًا في رواية أبي معاوية الآتي ذكرها بلفظ "بغير حق"، وفيما أخرجه النسائي وأبو داود من حديث أبي بكرة بلفظ "من قتل نفسًا معاهدة بغير حلها حرَّم الله عليه الجنة"، انتهى من "الفتح". (٦ - باب إخراج اليهود من جزيرة العرب) وفي حديث ابن عباس ثاني حديثي الباب بلفظ: "أخرجوا المشركين"، وكأن المصنف اقتصر على ذكر اليهود؛ لأنهم يوحدون الله تعالى إلا القليل منهم، ومع ذلك أمر بإخراجهم، فيكون إخراج غيرهم من الكفار بطريق الأولى، انتهى من "الفتح" (٣). قوله: (بينما نحن في المسجد. . .) إلخ، هذا مشكل جدًا فإن إخراج بني قينقاع كان في السنة الثانية من الهجرة، وإخراج بني النضير كان في السنة الرابعة، وقتل بني قريظة في السنة الخامسة، فكيف يصحّ قول أبي هريرة: "بينما نحن في المسجد" الحديث، فإن إسلامه كان عام خيبر، وأوّله الحافظ بوجوه.

стр. 2017

(٧ - باب إذا غدر المشركون بالمسلمين هل يعفى عنهم ؟) قال الحافظ (١): ذكر فيه حديث أبي هريرة في قصة اليهود في سم الشاة بعد فتح خيبر، ولم يجزم البخاري بالحكم إشارة إلى ما وقع من الاختلاف في معاقبة المرأة التي أهدت السم، انتهى. (٨ - باب دعاء الإمام على من نكث عهدًا) ذكر فيه حديث أنس في القنوت، وقد تقدم في "كتاب الوتر". (٩ - باب أمان النساء وجوارهن) الجُوار بكسر الجيم وضمها: المجاورة، والمراد هنا الإجارة، قال ابن المنذر: أجمع أهل العلم على جواز أمان المرأة، إلا شيئًا ذكره ابن الماجشون، لا أحفظ ذلك عن غيره، قال: إن أمر الأمان إلى الإمام، وتأول ما ورد مما يخالف ذلك على قضايا خاصة، قال ابن المنذر: وفي قول النبي ﷺ : "يسعى بذمتهم أدناهم" دلالة على إغفال هذا القائل. قال الحافظ: وجاء عن سحنون مثل قول ابن الماجشون فقال: هو إلى الإمام إن أجازه جاز وإن رده رُدّ، انتهى من "الفتح" (٢). (١٠ - باب ذمة المسلمين وجوارهم واحدة. . .) إلخ قال الحافظ (٣): ذكر فيه حديث علي، وهو ظاهر فيما يتعلق بصدر الترجمة، وأما قوله: "يسعى بذمتهم أدناهم" فأشار به إلى ما ورد في بعض طرقه، ويأتي بهذا اللفظ بعد خمسة أبواب، ودخل في قوله: "أدناهم" أي: أقلَّهم كل وضيع بالنص، وكل شريف بالفحوى، فدخل فيه المرأة والعبد

стр. 2018

والصبي والمجنون، فأما المرأة فتقدم في الباب الذي قبله، وأما العبد فأجاز الجمهور أمانه - قاتل أو لم يقاتل -، وقال أبو حنيفة: إن قاتل جاز أمانه وإلا فلا، وقال سحنون: إذا أذن له سيده في القتال صحّ أمانه وإلا فلا، وأما الصبي فقال ابن المنذر: أجمع أهل العلم أن أمان الصبي غير جائز. قلت: وكلام غيره يشعر بالتفرقة بين المراهق وغيره، وكذلك المميز الذي يعقل، والخلاف عن المالكية والحنابلة، وأما المجنون فلا يصح أمانه بلا خلاف كالكافر، لكن قال الأوزاعي: إن غزا الذمي مع المسلمين فأَمَّنَ أحدًا فإن شاء الإمام أمضاه وإلا فليرده إلى مأمنه، انتهى. (١١ - باب إذا قالوا: صَبَأْنَا، ولم يحسنوا أسلمنا. . .) إلخ (قالوا) أي: المشركون حين يقاتلون. قوله: (صبأنا) وأرادوا الإخبار بأنهم أسلموا. قوله: (ولم يحسنوا أسلمنا) أي: جريًا منهم على لغتهم، هل يكون ذلك كافيًا في رفع القتال عنهم أم لا؟ قال ابن المنيِّر: مقصود الترجمة أن المقاصد تعتبر بأدلتها كيفما كانت الأدلة لفظية أو غير لفظية بأي لغة كانت. قوله: (وقال ابن عمر. . .) إلخ، هذا طرف من حديث طويل سيأتي في "المغازي"، وحاصله: أن خالد بن الوليد غزا بأمر النبي ﷺ قومًا فقالوا: صبأنا، وأرادوا أسلمنا، فلم يقبل خالد ذلك منهم، وقتلهم بناء على ظاهر اللفظ، فبلغ النبي ﷺ ذلك، فأنكره، فدل على أنه يكتفي من كل قوم بما يعرف من لغتهم، وقد عذر النبي ﷺ خالد بن الوليد في اجتهاده، ولذلك لم يقد منه، وهذا من المواضع التي يتمسك بها في أن البخاري يترجم ببعض ما ورد في الحديث، وإن لم يورده في تلك الترجمة، فإنه ترجم بقوله: "صبأنا" ولم يوردها، واكتفى بطرف الحديث الذي وقعت هذه اللفظة فيه. قوله: (وقال: تكلم لا بأس) فاعل قال هو عمر، وروى ابن أبي شيبة

стр. 2019

ويعقوب بن سفيان في "تاريخه" من طرق بإسناد صحيح عن أنس قال: حاصرنا تستر، فنزل الهرمزان على حكم عمر، فلما قدم به عليه استعجم، فاقال له عمر: تكلم لا بأس عليك، وكان ذلك تأمينًا من عمر، انتهى من "الفتح" (١). قلت: وذكرت القصة بطولها في "فتوح البلدان" (٢). قوله: (إن الله يعلم الألسنة كلها) المراد اللغات، ويقال: إنها اثنتان وسبعون لغة: ستة عشر في ولد سام، ومثلها في ولد حام، والبقية في ولد يافث، انتهى من "الفتح". وقد تقدمت الإشارة فيما سبق من "باب من تكلم بالفارسية والرطانة" إلى هذا الباب، وتقدم هناك عن الحافظ: قالوا: فقه هذا الباب يظهر في تأمين المسلمين لأهل الحرب بألسنتهم كما سيأتي في "باب إذا قالوا: صبأنا". (١٢ - باب الموادعة والمصالحة مع المشركين بالمال وغيره) أي: كالأسرى. قوله: (﴿وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ. . .﴾ [الأنفال: ٦١] إلخ) أي: أن هذه الآية دالَّة على مشروعية المصالحة مع المشركين، ومعنى الشرط في الآية أن الأمر بالصلح مقيَّد بما إذا كان الأحظ للإسلام المصالحة، أما إذا كان الإسلام ظاهرًا على الكفر ولم تظهر المصلحة في المصالحة فلا، ذكر المصنف فيه حديث سهل في قصة عبد الله بن سهل وقتله بخيبر، والغرض منه قوله: "انطلق إلى خيبر وهي يومئذ صلح"، انتهى من "الفتح" (٣).

стр. 2020

وكتب الشيخ قُدِّس سرُّه في "اللامع" على قوله: "وهي يومئذ صلح": فيه الترجمة حيث لم يكن مصالحة أهل خيبر يوم ذلك على مال ولا غيره، انتهى. وأما أصل المسألة فاختلف فيه؟ فذكر الحافظ فيه بعض المذاهب، وتقدم تفصيل الأقوال فيه مع البسط في "باب الصلح مع المشركين" من "كتاب الصلح"، فارجع إليه لو شئت. قوله: (وإثم من لم يف. . .) إلخ، قال الحافظ (١): ليس في حديث الباب ما يشعر به، وسيأتي البحث فيه في "كتاب القسامة"، انتهى. قلت: ويمكن عندي أن يقال: إن المصنف أراد ذكر شيء يناسب الباب، فلم يتفق له كما هو المعروف عند الشرَّاح في مثل هذه المواضع. والأوجه عندي في مثل هذه المواضع أن الإمام البخاري رحمه الله تعالى لا يذكر الحديث عمدًا تشحيذًا للأذهان [و] تنبيهًا على ما ذكره في موضع آخر، كما تقدم في أصل الرابع والعشرين، وقد تكلمت على ذلك في مبدأ "كتاب العلم" في "باب فضل العلم"، وذلك فإن إثم من لم يف بالعهد ورد في عدة روايات، فلو اقتصر على رواية يتوهم اقتصار الإثم على هذا النوع خاصة، والمقصود التنبيه على إثمه بجهات كثيرة، فقد ذكر في "باب إثم من قاتل معاهدًا" ما قاله النبي ﷺ : "لم يرح رائحة الجنة" الحديث، وأخرج أيضًا في "باب دعاء الإمام على من نكث عهدًا" حديث القنوت، وأخرج في "باب ذمة المسلمين": "من أخفر مسلمًا فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين"، وفي "باب إثم من عاهد ثم غدر": "أربع خلال من كن فيه كان منافقًا خالصًا"، وفيه: "إذا عاهد غدر"، وفي "باب إثم الغادر" عدة روايات بمعنى: "لكل غادر لواء ينصب بغدرته"، فأشار بالترجمة إلى هذه الروايات كلها، وهذا كله إذا كان قوله: "إثم من لم يف. . ." إلخ، جزء

стр. 2021

للترجمة، ولا يبعد أن يقال: إن الإمام البخاري رحمه الله تعالى أشار بذلك إلى التأكيد والتنبيه بالوفاء بالعهد للروايات المذكورة. (١٣ - باب فضل الوفاء بالعهد) ذكر فيه طرفًا من حديث أبي سفيان في قصة هرقل، قال ابن بطال: أشار البخاري بهذا إلى أن الغدر عند كل أمة قبيح مذموم، وليس هو من صفات الرسل، انتهى من "الفتح" (١). (١٤ - باب هل يعفى عن الذمي إذا سحر ؟) قال الحافظ (٢): قوله: "وقال ابن وهب" وصله ابن وهب في "جامعه" هكذا. قوله: (وكان من أهل الكتاب) قال الكرماني (٣): ترجم بلفظ "الذمي"، وسئل الزهري بلفظ "أهل العهد" وأجاب بلفظ: "أهل الكتاب"، فالأولان متقاربان، وأما "أهل الكتاب" فمراده من له منهم عهد، وكان الأمر في نفس الأمر كذلك. قال ابن بطال (٤): لا حجة لابن شهاب في قصة الذي سحر النبي ﷺ ؛ لأنه كان لا ينتقم لنفسه، ولأن السحر لم يضره في شيء من أمور الوحي ولا في بدنه، وإنما كان اعتراه شيء من التخيل، وإنما ناله من ضرر السحر ما ينال المريض من ضرر الحمى. قال الحافظ: ولهذا الاحتمال لم يجزم المصنف بالحكم، ثم ذكر المصنف طرفًا من حديث عائشة: أن النبي ﷺ سحر، وأشار بالترجمة إلى ما وقع في بقية القصة: أن النبي ﷺ لما عوفي أمر بالبئر فردمت، وقال: "كرهت أن أثير على الناس شرًا"، ذكره المصنف تامًا في "كتاب الطب"، انتهى.

стр. 2022

وأما مسألة الباب فنقل الحافظ عن ابن بطال: لا يقتل ساحر أهل العهد، لكن يعاقب إلا إن قتل بسحره فيقتل، أو أحدث حدثًا فيؤخذ به، وهو قول الجمهور، وقال مالك: إن أدخل بسحره ضررًا على مسلم نقض عهده بذلك، وقال أيضًا: يقتل الساحر ولا يستتاب، وبه قال أحمد وجماعة، وهو عندهم كالزنديق، انتهى. (١٥ - باب ما يحذر من الغدر) (يحذر) بضم أوله مخففًا ومثقلًا، (وقول الله ) بالجر عطفًا على لفظ: "الغدر"، انتهى من "الفتح" (١). وقال العيني (٢): "وقوله تعالى" بالجر عطفًا على "ما يحذر"؛ لأنه مجرور بالإضافة، تقديره: وفي بيان قوله تعالى: ﴿وَإِنْ يُرِيدُوا. . .﴾ إلخ، انتهى. وقال الحافظ (٣): وفي هذه الآية إشارة إلى أن احتمال طلب العدو للصلح خديعه، لا يمنع من الإجابة إذا ظهر للمسلمين، بل يعزم ويتوكل على الله ، انتهى. وقال فيما يستفاد من الحديث: فيه أن الغدر من أشراط الساعة، انتهى. (١٦ - باب كيف ينبذ إلى أهل العهد. . .) إلخ قال الحافظ (٤): قوله: " ﴿فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ﴾ " أي: اطرح إليهم عهدهم، وذلك بأن يرسل إليهم من يعلمهم بأن العهد انتقض، قال ابن عباس: أي: على مثل، وقيل: على عدل، وقيل: أعلمهم أنك قد حاربتهم حتى يصيروا مثلك في العلم بذلك.

стр. 2023

وقال الأزهري: المعنى إذا عاهدت قومًا فخشيت منهم النقض فلا توقع بهم بمجرد ذلك حتى تعلمهم، ثم ذكر فيه حديث أبي هريرة، قال المهلب: خشي رسول الله ﷺ غدر المشركين؛ فلذلك بعث من ينادي بذلك، انتهى. (١٧ - باب إثم من عاهد ثم غدر) الغدر حرام باتفاق، سواء كان في حق المسلم أو الذمي، قاله الحافظ (١). وقال في آخر حديث الباب: فيه علم من أعلام النبوَّة، والتوصية بالوفاء لأهل الذمة لما في الجزية التي تؤخذ منهم من نفع المسلمين، وفيه التحذير من ظلمهم، وأنه متى وقع ذلك نقضوا العهد، فلم يجتب المسلمون منهم شيئًا فتضيق أحوالهم، انتهى. (١٨ - باب) بغير ترجمة، كذا هو عند الجميع، وهو كالفصل من الباب الذي قبله، وذكر فيه حديثين: أحدهما: في قصة الحديبية، والثاني: حديث أسماء في وفود أمها، ووجه تعلق الأول من جهة ما آل إليه أمر قريش في نقضها العهد من الغلبة عليهم وقهرهم بفتح مكة، فإنه يوضح أن مآل الغدر مذموم، ومقابل ذلك ممدوح، ومن هنا يتبين تعلق الحديث الثاني، ووجهه أن عدم الغدر اقتضى جواز صلة القريب، ولو كان على غير دين الواصل، انتهى من "الفتح" (٢). قلت: ويمكن أن يترجم لهذا الباب بلفظ مضار الغدر ومنافع عدمه، أي: الوفاء، وتكلم الشيخ قُدِّس سرُّه في "اللامع" (٣) على شرح قوله: "اتهموا رأيكم" الواقع في حديث الباب فأجاد، فارجع إليه لو شئت.

стр. 2024

(١٩ - باب المصالحة على ثلاثة أيام. . .) إلخ أي: يستفاد من وقوع المصالحة على ثلاثة أيام جوازها في وقت معلوم ولو لم تكن ثلاثة، انتهى من "الفتح" (١). (٢٠ - باب الموادعة من غير وقت وقول النبي ﷺ . . .) إلخ هو طرف من حديث معاملة أهل خيبر، وقد تقدم شرحه في "المزارعة"، وبيان الاختلاف في أصل المسألة، وأما ما يتعلق بالجهاد فالموادعة فيه لا حد لها معلوم لا يجوز غيره، بل ذلك راجع إلى رأي الإمام بحسب ما يراه الأحظ والأحوط للمسلمين، انتهى من "الفتح" (٢). (٢١ - باب طرح جيف المشركين في البئر. . .) إلخ ذكر فيه حديث ابن مسعود في دعاء النبي ﷺ على أبي جهل بن هشام وغيره من قريش، وفيه: "فلقد رأيتهم قتلوا يوم بدر، فألقوا في بئر"، وقد تقدم بهذا الإسناد في "باب الطهارة". قوله: (ولا يؤخذ لهم ثمن) أشار به إلى حديث ابن عباس أن المشركين أرادوا أن يشتروا جسد رجل من المشركين، فأبى النبي ﷺ أن يبيعهم جسد نوفل بن عبد الله بن المغيرة، وكان اقتحم الخندق، فقال النبي ﷺ : "لا حاجة لنا بثمنه ولا جسده"، فقال ابن هشام: بلغنا عن الزهري: أنهم بذلوا فيه عشرة آلاف، وأخذه من حديث الباب من جهة أن العادة تشهد أن أهل قتلى بدر لو فهموا أنه يقبل منهم فداء أجسادهم لبذلوا فيها ما شاء الله، فهذا شاهد لحديث ابن عباس وإن كان إسناده غير قوي، انتهى من "الفتح" (٣).

стр. 2025

وحديث ابن عباس هذا ذكره ابن إسحاق في مغازيه كما في "القسطلاني" (١). وكتب الشيخ في "اللامع" (٢): قوله: "ولا يؤخذ لهما ثمن" فإن البيع وإن كان فيه توهين للمبيع، ولكنه لا يخلو عن إعزاز له أيضًا لما فيه من جعله ذا خطر، إذ البيع لا يجري فيما لا رغبة فيه، ولا هو ذو خطر، فنهينا عن بيع أجساد المشركين لئلا يلزم فيه إعزازها، انتهى. (٢٢ - باب إثم الغادر للبر والفاجر) قال الحافظ (٣): أي: سواء كان من بر لفاجر أو بر، أو من فاجر لبر أو فاجر، وبين هذه الترجمة والترجمة السابقة بثلاثة أبواب عموم وخصوص، انتهى. قلت: وأشار الحافظ بذلك إلى "باب إثم من عاهد ثم غدر"، ولا يبعد عندي في الفرق بين الترجمتين الإشارة إلى اختلاف نوعية الإثم، ولأجل ذلك ذكره لهذا المعنى عدة أبواب، وكتب الشيخ ﵀ في "اللامع" على هذا الباب: لما كان من الأمور المنكرة ما لا كراهة فيه إذا ارتكبها مؤمن كامل في إيمانه، ولا يمكن من ارتكابه الفاسق الغير الآمن على إيمانه توهم أن الغدر لعله من هذا القبيل، فدفعه بإطلاق الرواية ولفظ: "كل" الدال على العموم، انتهى. وفي هامشه: أجاد الشيخ قدِّس سرُّه بطبعه اللطيف في توجيه ذكر البر والفاجر، ولما أفاده نظائر كثيرة، منها قوله: أنبت الربيع البقل، ومنها صوم يوم الشك، ومنها ما في "الأشباه" (٤): قال قاضي خان: الفقاعي إذا قال عند فتح الفقاع للمشتري: صَلِّ على محمد، قالوا: يكون آثمًا، وكذا الحارس إذا قال في الحراسة: لا إله إلا الله، يعني: لأجل الإعلام بأنه

стр. 2026

مستيقظ، بخلاف العالم إذا قال في المجلس: صلوا على النبي، فإنه يثاب على ذلك، وكذا الغازي إذا قال: كبروا؛ لأن الحارس والفقاعي يأخذان بذلك أجرًا، انتهى. ثم المصنف ﵀ ذكر في الباب أربعة أحاديث، ومناسبة الثلاثة الأول منها بالترجمة غير خفية، وأما الحديث الرابع فقد قال الحافظ (١): في تعلق الحديث بالترجمة غموض، ثم ذكر عدة توجيهات للمطابقة، وكتب الشيخ قُدِّس سرُّه في "اللامع" (٢): مطابقة الحديث بالترجمة من حيث إنه ﷺ قال في خطبته يومئذ: "فإن دماءكم وأموالكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا، في بلدكم هذا، في شهركم هذا"، فكان التعرض بشيء منها غدرًا وهتكًا لحرمة الله ﵎، انتهى. قلت: وبما أفاده الشيخ قُدِّس سرُّه في وجه المطابقة جزم ابن بطال كما حكى عنه الحافظ في "الفتح"، وقال أيضًا (٣): ويحتمل أن يكون أشار بذلك إلى ما وقع من سبب الفتح الذي ذكر في الحديث، وهو غدر قريش بخزاعة حلفاء النبي ﷺ ، فكان عاقبة نقض قريش العهد أن غزاهم المسلمون حتى فتحوا مكة، واضطروا إلى طلب الأمان، وصاروا بعد العز والقوة في غاية الوهن، ولعله أشار بقوله في الترجمة: "بالبر" إلى المسلمين، و"بالفاجر" إلى خزاعة؛ لأن أكثرهم إذ ذاك لم يكن أسلم بعد، انتهى مختصرًا. وقال العلَّامة العيني (٤): وجه مطابقته للترجمة يمكن أخذه من قوله: "فانفروا" إذ معناه لا تغدروهم ولا تخالفوهم، إذ إيجاب الوفاء بالخروج مستلزم لتحريم الغدر، ووجه آخر هو أن النبي لم يغدر في استحلال القتال بمكة؛ لأنه كان بإحلال الله تعالى له ساعة، ولولا ذلك لما جاز له، انتهى.

стр. 2027

وبما أفاده العيني أولًا ذكره العلَّامة السندي (١) وقال: ثم رأيت الكرماني (٢) مال إلى ذلك، انتهى. وسكت القسطلاني عن بيان المناسبة. ثم البراعة في اختتام "كتاب الجزية" عند الحافظ (٣) قُدِّس سرُّه في قوله: "فهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة"، وقد تقدم أن كتاب الجهاد عند هذا العبد الضعيف ينتهي إلى بدء الخلق، فالبراعة في قوله: "وإذا استنفرتم فانفروا" وبلفظ: "يوم القيامة"، وكذا بلفظ: "الإذخر"، فقد ورد في بعض الطرق: "فإنه لقبورهم"، أو يقال: الجهاد كله مذكر للموت (٤). * * *

стр. 2028

٥٩ - كتاب بدء الخلق قال الحافظ (١): كذا للأكثر، وسقطت البسملة لأبي ذر، وللنسفي: "ذكر" بدل "كتاب"، وللصغاني: "أبواب" بدل "كتاب"، و"بدء الخلق" بفتح أوله وبالهمز، أي: ابتداؤه، ومناسبة هذا الكتاب لما قبله ما تقدم في مقدمة "اللامع" (٢) من كلام الحافظ (٣) حيث قال: ويظهر لي أنه إنما ذكر بدء الخلق عقب "كتاب الجهاد" لما أن الجهاد يشتمل به على إزهاق النفس، فأراد أن يذكر أن هذه المخلوقات محدثات، وأن مآلها إلى الفناء، وأنه لا خلود لأحد، انتهى. وكتبت هناك في هامشه: ولا يبعد عندي أن يقال: إن ذكر مغازيه ﷺ كانت من تكملة الجهاد، فإنها أسوة لكثير من مسائل الجهاد، فالمقصود أصالة ذكرها، أي: المغازي، ولذا بسطها أشد البسط، وكان الجدير بذكرها أن يذكر أولًا أحوال النبي ﷺ ؛ لأن ذكره الشريف أيضًا من المقاصد، فبسط في ذكره وذكر أتباعه الصحابة الكرام ﵃، فإنهم المجاهدون في هذه المغازي، وقدم على ذكره الشريف ذكر الأنبياء توطئة، وأولهم آدم ﵇، فذكره وذكر معه خلق آدم، وقدم قبله بدء الخلق تمهيدًا لما سيأتي بعده، فتأمل. وفي هامش "اللامع" (٤): لما كان "صحيح البخاري" جامعًا من أنواع كتب الحديث، والجامع ما يكون فيه الأبواب الثمانية من أبواب الحديث كما تقدم مفصلًا في المقدمة، ومنها التاريخ، شرع من ههنا أبواب التاريخ وتنتهي إلى كتاب التفسير، وليس كتاب المغازي بكتاب مستأنف عند هذا

стр. 2029

العبد الضعيف، بل هو جزء لسيرته ﷺ المبدوءة من قبل ذلك، ولكنها لما كانت أبوابها مبسوطة أفردها باسم الكتاب، ولذلك ذكر بعده "باب حجة الوداع وأبواب مرضه ووفاته ﷺ "، فإنها أيضًا من تكملة أحواله ﷺ ، وتقدم شيء من ذلك في المقدمة في الفائدة الثالثة عشرة في مناسبة الترتيب بين الكتب والأبواب، انتهى. وفي "الفيض" (١): وقد مرَّ نظائرُ هذا الكتاب من قوله: "بَدْء الوحي" و"بَدْء الحَيْضِ"، فهذا "بَدْء الخَلْقِ". ويَذْكُرُ في ضِمْنِهِ الأحوالَ إلى الحشر. وهذا الكتابُ في كُتُبِ الأحاديث أقربُ إلى سِفْر التكوين من التوراة، انتهى. (١ - باب ما جاء في قول الله : ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ [الروم: ٢٧]) كتب الشيخ في "اللامع" (٢): المقصود من هذا الباب إثبات أنه ليس شيء سواه ﵎ قديمًا، بل الكل محدث ومخلوق، انتهى. قال الحافظ (٣): قوله: "كل عليه هين" أي: البدء والإعادة، أي: وأنهما حَمَلَا أهون على غير التفضيل، وأن المراد بها الصفة؛ كقوله: الله أكبر، وأثر الحسن روأه الطبري من طريق قتادة، وأظنه عن الحسن، ولكن لفظه: "وإعادته أهون عليه من بدئه، وكل على الله هين"، وظاهر هذا اللفظ إبقاء صيغة أفعل على بابها، وكذا قال مجاهد، وقد ذكر عبد الرزاق في "تفسيره": أن ابن مسعود كان يقرؤها "وهو عليه هين"، وحُكي عن ابن عباس: أن الضمير للمخلوق؛ لأنه ابتدئ نطفة ثم علقة ثم مضغة، والإعادة أن يقول له: "كن فيكون"، فهو أهون على المخلوق، ولا يثبت هذا عن ابن عباس، بل هو من تفسير الكلبي، انتهى.

стр. 2030

قال القسطلاني (١): ثم أشار المؤلف إلى قوله تعالى: " ﴿أَفَعَيِينَا بِالْخَلْقِ الْأَوَّلِ﴾ " [ق: ١٥]، أي: "أفأعيا علينا، حين أنشأكم وأنشأ خلقكم" أي: ما أعجزنا الخلق الأول حين أنشأناكم وأنشأنا خلقكم حتى نعجز عن الإعادة، والهمزة فيه للإنكار، وعدل عن التكلم في قوله: "أنشأناكم" إلى الغيبة التفاتًا، قال الكرماني: والظاهر أن لفظ "حين أنشأكم" إشارة إلى آية أخرى مستقلة، و"أنشأ خلقكم" إلى تفسيره، وهو قوله تعالى: ﴿إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ﴾ [النجم: ٣٢]، فنقله البخاري بالمعنى حيث قال: "حين أنشأكم" بدل ﴿إِذْ أَنْشَأَكُمْ﴾، أو هو محذوف في اللفظ، واستغنى بالمفسر عن المفسر، انتهى. وكتب الشيخ قُدِّس سرُّه في "اللامع" (٢): قوله: "أفأعيا. . ." إلخ، أشار بذلك إلى أن كلمة "عيينا" صارت متعدية بالباء في الخلق الأول، وكأن المعنى: أفأعيا علينا خلقكم حين أنشأناكم؟ لكنه حذف الفاعل استغناء بدلالة الظرف عليه، وأقام النائب مقام المتكلم رعاية لما ورد في الآية الأخرى، ثم لما ذكر الإنشاء ذكر معناه، فقال: "أنشأ، أي: خلق"، لكنه لما كان المذكور في الآية ﴿أَنْشَأَكُمْ﴾ أورد في التفسير أيضًا خلقكم، ولم يكتف بقوله: خلق فقط، انتهى. قوله: (لغوب: النَّصَب) أي: تفسير قوله: ﴿وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ﴾ [ق: ٣٨] أي: من نصب، والنصَّب: التعب وزنًا ومعنًى، وهذا تفسير مجاهد فيما أخرجه ابن أبي حاتم، وغفل الداودي الشارح فظن أن النصب في كلام المصنف بسكون الصاد، وأنه أراد ضبط اللغوب، فقال متعقبًا عليه: لم أر أحدًا نصب اللام في الفعل، قال: وإنما هو بالنصب: الأحمق. قوله: (أطوارًا. . .) إلخ، يريد تفسير قوله تعالى: ﴿وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا﴾ [نوح: ١٤]، والأطوار: الأحوال المختلفة، واحدها طور بالفتح، وأخرج

стр. 2031

ابن أبي حاتم عن ابن عباس في معنى الأطوار كونه مرة نطفة ومرة علقة. . . إلخ، وأخرج الطبري عن ابن عباس وجماعة نحوه، وقال: المراد اختلاف أحوال الإنسان من صحة وسقم، وقيل: معناه أصنافًا في الألوان واللغات، انتهى. وزاد العيني: قال ابن الأثير: الأطوار: التارات والحدود، واحدها طور، أي: مرة ملك ومرة هلك ومرة بؤس ومرة نعم، انتهى من هامش "اللامع" (١)، وسيأتي هذا القول في البخاري في سورة نوح من "كتاب التفسير". ولم يتعرض الحافظ لقوله: "عدا طوره، أي: قدره" وكتب الشيخ قُدِّس سرُّه في "اللامع": يعني بذلك: أنه في الأصل للقدر، ثم صار معناه قدرًا من الزمان أو غيره، انتهى. وفي تقرير مولانا محمد حسن المكي: قوله: "عدا طوره": أي: "بر هـ كَيا انداز ابنى سى"، انتهى. قوله: (كان الله ولم يكن شيء) قال العلَّامة السندي (٢): قوله: "كان الله" أي: مع صفاته العليا، وترك ذكرها؛ لأنها كالتوابع، فلا يلزم من الحديث نفي الصفات القديمة، وقد يقال: ولم يكن شيء غيره مبني على أن الصفات ليست غير الذات، كما قرره أهل الكلام، لكن الحق أن ذلك اصطلاح منهم، فبناء الحديث عليه لا يخلو عن خفاء، نعم يمكن أنهم بنوا اصطلاحهم على ظاهر هذا الحديث بعد إثبات قدم الصفات، كما أن المعتزلة بنوا نفيها عليه وعلى ما خيلوا من الأدلة العقلية الباطلة، والله تعالى أعلم.

стр. 2032

قوله: (وكان عرشه على الماء. . .) إلخ، أي: بعد أن خلق بقرينة أول الحديث، ولا حاجة إلى حمل الواو على معنى ثم، إذ الواو لا تنفي الترتيب في الوجود الخارجي، انتهى. (فأخبرنا عن بدء الخلق حتى. . .) إلخ، كتب الشيخ قُدِّس سرُّه في "اللامع" (١): أي: إجمالًا، انتهى. وبسط الكلام عليه في هامشه، وكتب العلَّامة السندي (٢): قوله: "حتى دخل. . ." إلخ، أي: حتى أخبر عن دخولهم، أو هو غاية لبدء الخلق على معنى بدء الخلق وما بعده، والله تعالى أعلم، انتهى. (٢ - باب ما جاء في سبع أرضين) قال الحافظان ابن حجر والعيني (٣): أي: في بيان وضعها، ولفظ القسطلاني في "شرحه" (٤): أي: في وصفها، ولا يبعد عند هذا العبد الضعيف أن الإمام البخاري رحمه الله تعالى ترجم بسبع أرضين إشارة إلى الاختلاف الوارد في العدد، وبتّ الحكم لقوة الدليل عنده، فقد قال الحافظ (٥): قوله: "وقول الله : ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾ الآية [الطلاق: ١٢] " قال الداودي: فيه دلالة على أن الأرضين بعضها فوق بعض مثل السماوات، ونقل عن بعض المتكلمين أن المثلية في العدد خاصة، وأن السبع متجاورة، وحكى ابن التِّين عن بعضهم أن الأرض واحدة، قال: وهو مردود بالقرآن والسُّنَّة. قلت: لعله القول بالتجاور، وإلا فيصير صريحًا في المخالفة، ويدل للقول الظاهر ما رواه ابن جرير عن ابن عباس في هذه الآية: ﴿وَمِنَ الْأَرْضِ

стр. 2033

مِثْلَهُنَّ﴾ قال: في كل أرض مثل إبراهيم، ونحو ما على الأرض من الخلق، هكذا أخرجه مختصرًا، وإسناده صحيح، وأخرجه الحاكم والبيهقي مطولًا، وأوله، أي: سبع أرضين، في كل أرض آدم كآدمكم ونوح كنوحكم وإبراهيم كإبراهيمكم وعيسى كعيسى ونبي كنبيكم، قال البيهقي: إسناده صحيح إلا أنه شاذ بمرة، وروى ابن أبي حاتم من طريق مجاهد عن ابن عباس قال: لو حدثتكم بتفسير هذه الآية لكفرتم وكفركم تكذيبكم بها، ومن طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس نحوه، انتهى مختصرًا. قلت: ولشيخ مشايخنا مولانا محمد قاسم النانوتوي مؤسس دار العلوم بديوبند رسالة مستقلة باللغة الأردية اسمها: "تحذير الناس من إنكار أثر ابن عباس"، وذكر في آخره أنه بسط الكلام على ذلك في رسالتين له أخريين: أحدهما: "الآيات البينات على وجود الأنبياء في الطبقات"، والثانية: "دافع الوسواس لأثر ابن عباس"، انتهى. قلت: وبعين ما ترجم به الإمام البخاري ترجم الحافظ ابن كثير في "البداية والنهاية" (١) وقال: "باب ما جاء في سبع أرضين" ثم ذكر فيه عدة أحاديث، ثم قال: فهذه الأحاديث كالمتواترة في إثبات سبع أرضين، والمراد بذلك أن كل واحدة فوق الأخرى، والتي تحتها شي وسطها عند أهل الهيئة، حتى ينتهي الأمر إلى السابعة وهي صماء لا جوف لها، إلى آخر ما قال. قلت (٢): وما أيد الحافظ القول الظاهر بأثر ابن عباس المذكور لا حاجة إلى ذلك، فإن روايات هذا الباب كلها صريحة في الدلالة على الظاهر؛ لأن الغاصب شبرًا من الأرض إذا يطوق إلى سبع أرضين أو يخسف إلى سبع أرضين، فلا بد أن تكون بعضهن فوق بعض.

стр. 2034

وكتب مولانا محمد حسن المكي في تقريره تحت الباب: بأنها مخلوقة لله تعالى ليست بقديمة، والغرض من هذه الأبواب عد مخلوقات الله تعالى من الصغير والكبير والشريف والرذيل مما نقل فيه الأحاديث الصحيحة عنده. ولا يبعد عندي أيضًا: أن في تبويب الإمام البخاري رحمه الله تعالى بالأرضين وتخصيصها بالذكر مع تقديم ذكر السماوات على الأرض في الآية الكريمة إشارة لطيفة إلى مسألة أخرى خلافية أيضًا، وهي اختلافهم في التفضيل بين السماء والأرض، ففي "الفتاوى الحديثية" لابن حجر المكي (١): وسئل - نفع الله به -: أيما أفضل السماء أو الأرض؟ فأجاب بقوله: الأصح عند أئمتنا ونقلوه عن الأكثرين: السماء؛ لأنه لم يعص الله فيها، ومعصية إبليس لم تكن فيها، أو وقعت نادرًا فلم يلتفت إليها. وقيل: الأرض، ونقل عن الأكثرين أيضًا؛ لأنها مستقر الأنبياء ومدفنهم. وفي "الشرح الكبير" للمالكية (٢): الأكثر على أن السماء أفضل من الأرض، والله أعلم بحقيقة الحال، انتهى. وقال القاري في "شرح المناسك" (٣) في بحث التفضيل بين مكة والمدينة: والخلاف فيما عدا موضع القبر المقدس، فما ضم أعضاؤه الشريفة فهو أفضل بقاع الأرض بالإجماع، حتى من الكعبة ومن العرش على ما صرح به بعضهم، وقد صرح التاج الفاكهي بتفضيل الأرض على السماوات لحلوله ﷺ بها، وحكاه بعضهم عن الأكثرين لخلق الأنبياء منها ودفنهم فيها، وقال النووي: الجمهور على تفضيل السماء، انتهى مختصرًا. قلت: ومال شيخ مشايخنا مولانا محمد قاسم النانوتوي قُدِّس سرُّه في قصيدته المدحية في شأنه ﷺ المطبوع باسم "قصيدة بهائية" إلى فضيلة الأرض على السماء.

стр. 2035

قوله: (يوم خلق الله السماوات والأرض. . .) إلخ، كتب الشيخ قُدِّس سرُّه في "اللامع" (١): إن كانت الرواية "والأرضين" بلفظ الجمع فدلالته على الترجمة ظاهرة، وإن كانت بلفظ المفرد فيحمل اللام على الجنس، أو للإشارة إلى ما ورد في غير هذه الرواية من لفظ الجمع، انتهى. وذكر في هامشه: أن الرواية وردت بكلا اللفظين بلفظ الجمع والمفرد، وفيه أيضًا: قال الحافظ ابن كثير: ومراد البخاري بذكر هذا الحديث ههنا تقرير معنى قوله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ١٢] أي: في العدد، انتهى. (٣ - باب في النجوم) والظاهر من سياق الترجمة ومما ذكر فيها أن الغرض بيان المقاصد المعتبرة الثابتة من خلق النجوم، وردّ ما أحدثها المخترعون فيها. قال الحافظ (٢): قوله: "قال قتادة. . ." إلخ، وصله عبد بن حميد، وزاد في آخره: أن ناسًا جهلة بأمر الله قد أحدثوا في هذه النجوم كهانة: من غرس بنجم كذا كان كذا، ومن سافر بنجم كذا كان كذا، ولعمري ما من النجوم نجم إلا ويولد به الطويل والقصير والأحمر والأبيض والحسن والدميم، وما علم هذه النجوم وهذه الدابة وهذا الطائر شيء من هذا الغيب، انتهى. وبهذه الزيادة تظهر مناسبة إيراد المصنف ما أورده من تفسير الأشياء التي ذكرها من القرآن، وإن كان ذكر بعضها وقع استطرادًا، والله أعلم. وقال العلَّامة السندي (٣): قوله: "وقال ابن عباس: هشيمًا. . ." إلخ، كأنه ذكر تفسير هذه الألفاظ لتعلقها بالخلق وإن لم يكن لها تعلق بالنجوم.

стр. 2036

وقال العيني والقسطلاني (١): ذكرها استطرادًا على عادته لأدنى ملابسة تكثيرًا للفائدة، انتهى. وتقدم ما قال الحافظ في وجه مناسبة ذكرها، ويمكن عند هذا العبد الضعيف: أن يقال: إنه قد تقرر في محله أن للشمس والقمر وبعض النجوم تأثيرًا في نضج الثمار وإحداث النضارة واللذة فيها، فتأمل فإنه لطيف. (٤ - باب صفة الشمس والقمر بحسبان) أي: تفسير ذلك، وقوله: "قال مجاهد: بحسبان كحسبان الرحى. . ." إلخ، قال الكرماني (٢): أراد أنهما يجريان على حسب الحركة الرحوية والدورية وعلى وضعها، "ولا يعدوانها": لا يتجاوزانها، انتهى. زاد الحافظ (٣) بعد قوله: "على حسب الحركة الرحوية": "وقال غيره: بحساب ومنازل لا يعدوانها"، انتهى. وكتب الشيخ في "اللامع" (٤): يعني بذلك: أنهما لا يتخلفان عما هو مقرر لهما كالرحى لا يمكن دورانها على غير ما هو معين في دورانها من القرب والبعد من القطب، انتهى. وفي تقرير مولانا محمد حسن المكي: التشبيه في الجري على وضع واحد وموضع واحد لا يمكن أن يتغير عنه، وإلا فحركة الشمس والقمر دولابي، فمآل هذا التفسير والتفسير الثاني واحد، انتهى. وهكذا في "اللامع" إذ قال: قوله: "وقال غيره" ليس المراد أن بينهما اختلافًا، بل المراد نقل قول كل منهما وإن كان المؤدى واحدًا، انتهى. وسيأتي الكلام أيضًا على هذا القول في محله في تفسير سورة الرحمن من "كتاب التفسير".

стр. 2037

قوله: (أرجائها: ما لم تنشق منها) قال الحافظ (١): يريد تفسير قوله تعالى: ﴿وَالْمَلَكُ عَلَى أَرْجَائِهَا﴾ [الحاقة: ١٧]، وروى عبد بن حميد من طريق قتادة: أي: على حافات السماء، وعن سعيد بن جبير: على حافات الدنيا، وصوَّب الأول، وعن ابن عباس: والملك على حافات السماء حين تنشق، والأرجاء بالمد جمع رجا بالقصر، والمراد النواحي، انتهى. وكتب الشيخ في "اللامع" (٢): قوله: "ما لم ينشق منها" يعني: أن قوله تعالى: ﴿وَالْمَلَكُ عَلَى أَرْجَائِهَا﴾ [الحاقة: ١٧] المراد به ما إذا لم تنشق السماء، فإذا انشقت لم تبق لها الأرجاء، ثم أخذ في بيان معناه، فقال: على حافتيه كما تقول: على أرجاء البئر، فإن معناه على أطرافه، قوله: "وليجة كل شيء. . ." إلخ، فكان فعيلة بمعنى مفعولة، انتهى. (٥ - باب ما جاء في قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ بُشْرًا. . .﴾ [الفرقان: ٤٨]) إلخ قال الحافظ (٣): "نُشرًا" بضم النون والمعجمة، وسيأتي تفسيره في الباب. قوله: "قاصفًا. . ." إلخ، يريد تفسير قوله تعالى: ﴿فَيُرْسِلَ عَلَيْكُمْ قَاصِفًا مِنَ الرِّيحِ﴾ [الإسراء: ٦٩]، قال أبو عبيدة: هي التي تقصف كل شيء، أي: تحطم، انتهى. كتب الشيخ قُدِّس سرُّه في "اللامع" (٤): قوله: "لواقح ملاقح. . ." إلخ، يعني: أن الرياح ليست لاقحة بل هي ملقحة، فكان اللازم بمعنى المتعدي، انتهى. ففي هامشه عن تقرير المكي: يريد أن المراد باللواقح الملاقح دون معناه الحقيقي؛ لأن اللاقح لازم يقال: لقحت الناقة، أي: حملت،

стр. 2038

والملقحة متعدية يقال: ألقح الفحل الناقة، وما قيل: إن اللواقح جمع ملقحة على خلاف القياس فغلط، فإنها جمع لاقحة، "أستاذ". وقال الكرماني (١): قوله: "لواقح" أي: ملاقح جمع الملقحة وهو من النوادر، يقال: ألقح الفحل الناقة والريح السحاب، ورياح لواقح. . .، إلى آخر ما بسط في هامش "اللامع" من "الفتح" (٢) وغيره. (٦ - باب ذكر الملائكة) قدَّم المصنف ذكر الملائكة على الأنبياء، لا لكونهم أفضل عنده، بل لتقدمهم في الخلق، ولسبق ذكرهم في القرآن في عدة آيات، ووقع في حديث جابر الطويل عند مسلم في صفة الحج: "ابدؤا بما بدأ الله به" ولأنهم وسائط بين الله وبين الرسل في تبليغ الوحي والشرائع، فناسب أن يقدم الكلام فيهم على الأنبياء، ولا يلزم من ذلك أن يكونوا أفضل من الأنبياء، وقد ذكرت مسألة تفضيل الملائكة في "كتاب التوحيد" عند شرح حديث: "ذكرته في ملأ خير منهم"، انتهى من "الفتح" (٣). وكتب الشيخ قُدِّس سرُّه في "اللامع" (٤) تحت الباب: وجملة الروايات الموردة فيه تدل على وجود الملك وثبوته وهو المراد، انتهى. وبسط في هامشه الكلام على الملائكة لفظًا ومعنًى، والاختلاف في حقيقتهم، وكذا في وجودهم، فارجع إليه. قال الحافظ (٥): ومن أدلة كثرتهم ما يأتي في حديث الإسراء: "أن البيت المعمور يدخله كل يوم سبعون ألف ملك، ثم لا يعودون"، ثم ذكر المصنف في الباب أحاديث تزيد على ثلاثين حديثًا، وهو من نوادر ما وقع

стр. 2039

في هذا الكتاب أعني كثرة ما فيه من الأحاديث، فإن عادة المصنف غالبًا يفصل الأحاديث بالتراجم ولم يصنع ذلك ههنا، انتهى. قلت: وسيأتي الكلام في تلك الأحاديث على حديث ابن مسعود: "يجمع أحدكم في بطن أمه أربعين يومًا" في أول "كتاب القدر" إن شاء الله تعالى. (٧ - باب إذا قال أحدكم: آمين. . .) إلخ وكتب الشيخ قُدِّس سرُّه في "اللامع" (١): زيادة الباب هنا من تصرف النساخ، فإن الأحاديث الموردة بعد ذلك من الباب الأول من غير تفاوت، انتهى. وفي هامشه: أشكل زيادة لفظ الباب ههنا قديمًا وحديثًا، واخترع شيخ مشايخنا الشاه ولي الله الدهلوي نوَّر الله مرقده لهذا الباب أصلًا برأسه إذ قال في الأصول (٢): إن لفظ الباب قد يكتب مكان قول المحدثين بهذا الإسناد كما يكتبون ح، كما تقدم البسط في ذلك في الأصل السابع من أصول التراجم، وتقدم فيه ما اختاره هذا العبد الضعيف، وهو أن هذا الباب ليس بمثبت - بفتح الباء -، بل هو مثبت - بكسر الباء - للترجمة السابقة، ثم رأيت العلَّامة السندي مال إلى ذلك إذ قال (٣): لعلّ مراده أن من جملة الأدلة على وجود الملائكة هذا الباب، أي: ما ذكر فيه، وما يتعلق به من الأحاديث، فلم يأت بالباب ليذكر أحاديثه، نعم ذكر بعض أحاديثه ليستدل به على وجود الملائكة فيما بعد أيضًا في جملة سائر الأحاديث لهذا المطلوب، انتهى.

стр. 2040

وقال صاحب "الفيض" (١): وهذا البابُ غريبٌ في سلسلة ذكر الملائكة، إلَّا أنه أدخله في أضعاف ذكرهم لفائدةٍ، وهي: أنهم موكَّلُون على قول: آمين أيضًا، انتهى. قلت: وأول حديث هذا الباب حديث عائشة: "حشوت للنبي ﷺ وسادة"، الحديث، يخالفه ما تقدم في "باب كسر الدنان" من قول عائشة: "فاتخذت منه نمرقتين"، وتقدم الكلام عليه في الباب المذكور من "أبواب المظالم والقصاص"، فكن منه على ذكر. (٨ - باب ما جاء في صفة الجنة وأنها مخلوقة. . .) إلخ أي: موجودة الآن، وأشار بذلك إلى الرد على من زعم من المعتزلة أنها لا توجد إلا يوم القيامة، وقد ذكر المصنف في الباب أحاديث كثيرة دالة على ما ترجم به، فمنها ما يتعلق بكونها موجودة الآن، ومنها ما يتعلق بصفتها، وأصرح مما ذكره في ذلك ما أخرجه أحمد وأبو داود بإسناد قوي عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: "لما خلق الله الجنة قال لجبريل: اذهب فانظر إليها" الحديث (٢)، وهكذا قال العيني (٣): فيه رد على المعتزلة حيث قالوا: إنها لا توجد إلا يوم القيامة، وكذلك قالوا في النار: إنها تخلق يوم القيامة، انتهى. قلت: ولذا قال في "باب صفة النار": إنها مخلوقة، كما سيأتي. قوله: (لكل امرئ منهم زوجتان) كتب الشيخ في "اللامع" (٤): يصح إرجاع الضمير إلى الفريقين جميعًا، وإلى الثانية منهما، انتهى. قلت: ما أفاده الشيخ قُدِّس سرُّه محتمل، وعلى الاحتمال الثاني يكون للفريق الأول أكثر من ثنتين.

стр. 2041

وقال الحافظ (١): قوله: "زوجتان" أي: من نساء الدنيا، فقد روى أحمد عن أبي هريرة مرفوعًا في صفة أدنى أهل الجنة منزلة: "وإن له من الحور العين لاثنتين وسبعين زوجة سوى أزواجه من الدنيا"، وفي سنده شهر بن حوشب وفيه مقال، وذكر الحافظ الروايات العديدة المختلفة في تعداد النساء من الحور العين. . .، إلى آخر ما بسط في هامش "اللامع". وقال العلَّامة السندي (٢): لعل الزوجتين تكونان على هذه الصفة - أي: المذكورة في الحديث -، والباقيات على غير هذه الصفة، وإلا فقد ورد: للمؤمن ثلاث وسبعون زوجة، ونحو ذلك، والله تعالى أعلم، انتهى. قوله في آخر حديث من أحاديث الباب: (رجال آمنوا بالله. . .) إلخ، وفى هامش المصرية عن شيخ الإسلام (٣): فإن قلت: فلا يبقى في غير الغرف أحد؛ لأن أهل الجنة كلهم مؤمنون مصدقون بالرسل؟ قلت: المصدقون بجميع الرسل هم أمة محمد ﷺ فتبقى أمة غيره من سائر الأنبياء في غير الغرف، انتهى. (٩ - باب صفة أبواب الجنة. . .) إلخ قال الحافظ (٤): هكذا ترجم بالصفة، ولعله أراد بالصفة العدد أو التسمية؛ فإنه أورد فيه حديث سهل بن سعد مرفوعًا: "في الجنة ثمانية أبواب" الحديث، وقال فيه: وقال النبي ﷺ : "من أنفق زوجين في سبيل الله دعي من باب الجنة"، وأشار بهذا إلى حديث أسنده في الصيام، وفي الجهاد من حديث أبي هريرة، وفيه: "فمن كان من أهل الجهاد دعي من باب الجهاد"، وورد في صفة أبواب الجنة: "أن ما بين المصراعين مسيرة أربعين سنة"، ومن حديث أبي سعيد ومعاوية بن حيدة ولقيط بن عامر، وأحاديث

стр. 2042

الثلاثة عند أحمد، وهي مرفوعة، ولها شاهد عند مسلم من حديث عتبة بن غزوان، لكنه موقوف، انتهى من "الفتح". وتعقب العلَّامة العيني (١) على قول الحافظ: لعله أراد بالصفة العدد أو التسمية فقال: هذا تخمين؛ لأنه لا وجه لما ذكره، أما ذكر الصفة وإرادة العدد ففيه ما فيه، والذي يظهر لي أن ذكر الصفة إشارة إلى قوله: الريان؛ لأنه صفة للباب، انتهى مختصرًا. وبسط الكلام على هامش "اللامع" (٢) على الروايات الواردة في عدد أبواب الجنة وأسمائها، وفيه: قال ابن رسلان في "شرح أبي داود": قال ابن القيم: أبواب الجنة لا تنحصر في الثمانية، بل هي أكثر كما دلَّت عليه الأحاديث، انتهى. وفيه أيضًا: وبسط الكلام على ذلك في "الأوجز" (٣) بما لا مزيد عليه، وفيه برواية ابن جرير وغيره عن ابن عمر مرفوعًا: "إن في الجنة قصرًا يقال له: عدن، له خمسة آلاف باب"، وفي رواية: قرأ عمر على المنبر: ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ﴾، فقال: أيها الناس هل تدرون ما جنات عدن؟ قصر في الجنة له عشرة آلاف باب، وعن ابن عباس: "أخص أهل الجنة منزلًا يوم القيامة، له قصر من درة جوفاء، فيها سبعة آلاف غرفة لكل غرفة سبعون ألف باب"، وغير ذلك من الروايات، فلا بد للجمع بينهما من حمل هذه الأبواب الكثيرة على أبواب من داخل أبواب الجنة الأصلية، كما تقدم في كلام الحافظ، وبه جزم مشايخي عند الدرس. وقال ابن العربي في "العارضة" (٤): الذين يدعون من أبواب الجنة الثمانية أربعة: الأول: "من أنفق زوجين في سبيل الله"، وهو متفق عليه، الثاني: من قال هذا الذكر، وهو في "صحيح مسلم": "من توضأ فأحسن

стр. 2043

الوضوء، ثم قال: أشهد أن لا إله إلا الله" الحديث، الثالث: "من قال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبده ورسوله، وأن عيسى رسول الله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه"، أخرجه البخاري، الرابع: "من مات يؤمن بالله واليوم الآخر، قيل له: ادخل من أي أبواب الجنة الثمانية شئت"، أخرجه أحمد بسنده إلى عقبة بن عامر عن عمر مرفوعًا، انتهى مختصرًا من هامش "اللامع". (١٠ - باب صفة النار وأنها مخلوقة) القول فيه كالقول في "باب صفة الجنة" سواء. قوله: (غسَّاقًا. . .) إلخ، قال الحافظ (١): وهذا مأخوذ من كلام أبي عبيدة (٢)، فإنه قال في قوله تعالى: ﴿إلا حَمِيمًا وَغَسَّاقًا﴾ [النبأ: ٢٥] الحميم: الماء الحار، والغسَّاق: ما هَمَى وسَالَ، والمراد في الآية ما سال من أهل النار من الصديد، وقيل: من دموعهم، وقيل: الغساق البارد الذي يحرق ببرده، قال أبو عبيد الهروي: من قرأه بالتشديد أراد السائل، ومن قرأه بالتخفيف أراد البارد. . .، إلى آخر ما في "الفتح". وقول البخاري: (كأن الغساق) كتب عليه مولانا محمد حسن المكي في تقريره: من دأب البخاري إذا لم يتحقق عنده من كتب اللغة معنى لفظ أو غيره كالترادف ونحوه؛ بل يقول ذلك من رأيه يصدِّره بـ "كأنَّ"، انتهى. قوله: (الحمّى من فيح جهنم فأبردوها بالماء) قال العلَّامة السندي (٣): يحتمل أن يكون كناية عن تغطية المحموم، والسعي في خروج العرق منه بما أمكن على أن المراد بالماء العرق المعلوم بأنه يبرد الحمى، ويحتمل أن يكون كناية عن الاشتغال بما يستحق به المحموم الرحمة من التصدق وغيره من أعمال البر، على أن المراد بالماء ماء الرحمة المعارض لنار جهنم،

стр. 2044

وقد حمله بعضهم على التصدق بالماء، والله تعالى أعلم، وللشرَّاح معان وتأويلات مشهورة، انتهى. وبسط الكلام على معناه أيضًا في "الأوجز" (١). قوله: (لو أتيت فلانًا فكلمته. . .) إلخ، كتب الشيخ قُدِّس سرُّه في "اللامع" (٢): وحاصل كلامه: أنكم تظنون أني أكلمه في ذلك جهرة، لا والله لا أفعل ذلك، فأفتح به بابًا من الفتنة، وهذا إذا كان المراد بالكلام هو الكلام فيما يستقبل، ويمكن أن يكون المراد أنكم تزعمون أني لم أكلمه فيما مضى؛ لأنكم لم تروني كلمته، مع أن الأمر ليس كذلك، بل إني أكلمه في ذلك الباب سرًّا، ولا يمنعني كون أحد أميرًا على أن أقول: إنه خير فلا أنصحه ولا آمره بالمعروف. قوله: (ولا أقول لرجل إن كان علي أميرًا) يعني بذلك: أن عثمان ﵁ لا شك أنه من المبشرين بالجنة إلا أنه ليس معصومًا حتى آمن عليه الخطأ، فلعل أن تأخذه العصبية والحمية إذ أمرته بشيء مما يخالف طبعه أو يثقل عليه، وقد سمعت منه ﷺ ما يدل على أن كثيرًا من الأمراء يأمر ولا يأتمر وينهى ولا ينتهي، وعثمان ﵁ وإن لم يكن من جملتهم لكنه يخاف عليه أن تأخذه العصبية؛ لأنه بشر وليس معصومًا، فافهم فإنه دقيق، انتهى. وبسط في هامشه الكلام في شح هذا الحديث من كلام الشرَّاح، ثم لا يخفى عليك أن ظاهر كلام الشرَّاح قاطبة وكذا كلام الشيخ قُدِّس سرُّه والمشايخ أن المراد بالرجل في قوله: "ولا أقول لرجل. . ." إلخ، هو عثمان ﵁، ثم بعد ذلك أوّلوا وعيد الحديث في شأن عثمان، والأوجه عند هذا العبد الضعيف: أن مصداق الأمير هو الوليد، والمعنى أن كون الوليد أميرًا لا يمنعني أن أكلم فيه بعد أن سمعت هذا الوعيد الشديد،

стр. 2045

وعلى هذا فيكون مورد الحديث هو الوليد، فحينئذ لا يشكل الحديث بمناقب عثمان ﵁، فتأمل فإنه لطيف. قوله: (فيجتمع أهل النار عليه. . .) إلخ، ظاهره رؤية أهل النار المعذب وإن كان مسلمًا مع أن المسلمين لا يعذبون بمحضر من الكفار، قال الرازي (١) في تفسير قوله تعالى: ﴿لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ﴾ الآية [التحريم: ٨]: يجوز أن يعذبهم بحيث لا يراه الكفرة، لكن صريح روايات "مسند أبي حنيفة" وما في حاشيته من الروايات الكثيرة يؤيد الأول، فتأمل. (١١ - باب صفة إبليس وجنوده. . .) إلخ إبليس اسم أعجمي عند الأكثر، وقيل: مشتق من أَبْلَسَ إذا أَيئِسَ، قال ابن الأنباري: لو كان عربيًا لصرف، وقال الطبري: إنما لم يصرف وإن كان عربيًّا لقلة نظيره في كلام العرب، فشبَّهوه بالعجمي، وتُعقِّب بأنّ ذلك ليس من موانع الصرف، إلى أن قال الحافظ: رُوي عن ابن عباس قال: كان اسم إبليس حيث كان مع الملائكة عزازيل، ثم إبليس بعد. وقول البخاري: "وجنوده" كأنه يشير بذلك إلى حديث أبي موسى الأشعري مرفوعًا: قال: "إذا أصبح إبليس بثَّ جنوده، فيقول: من أضلّ مسلمًا ألبستُه التاجَ" الحديث، أخرجه ابن حبان والحاكم. ولمسلم من حديث جابر مرفوعًا: "عرش إبليس على البحر، فيبعث سراياه، فيفتنون الناس، فأعظمهم عنده أعظمهم فتنة"، واختلف هل كان من الملائكة ثم مسخ لما طرد أو لم يكن منهم أصلًا؟ على قولين مشهورين، انتهى (٢). قلت: ولجنود إبليس ذكر في الآيات والروايات كثيرًا، كما في روايات الباب وغيرها. . .، إلى آخر ما بسط في هامش "اللامع" (٣)، وفيه

стр. 2046

أيضًا: بسط المفسرون منهم صاحب "الجمل" (١) الكلام على ذرية إبليس في تفسير سورة الكهف في قوله تعالى: ﴿أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ﴾ [الكهف: ٥٠]. وقال العلَّامة العيني (٢): والكلام في صفة إبليس وحقيقة أمره على أنواع: الأول: في اسمه، هل هو مشتق أم لا؟ النوع الثاني: في بيان أصل خلقه، أي: هل كان من الجن أو من الملائكة أو ليس منهما؟ النوع الثالث: في حده وصفته، النوع الرابع: في أولاده وجنوده، ثم بسط الكلام على هذه الأنواع الأربعة، فارجع إليه، وسيأتي الكلام على وجود الجن وإثباته في الباب الآتي، ثم لا يذهب عليك أن ما في بين سطور الكتاب تحت قوله: "قرين" أي: في قوله تعالى: ﴿فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ﴾ وهي آية من سورة الزخرف هو ليس بوجيه عندي، فإن القرين ههنا ليس بمعنى الشيطان بل هو بمعنى المصاحب، كما لا يخفى، بل الأوجه عند هذا العبد الضعيف أنه إشارة إلى ما في سورة ق: ﴿قَالَ قَرِينُهُ رَبَّنَا مَا أَطْغَيْتُهُ﴾ الآية [ق: ٢٧]، وقد ذكر الإمام البخاري هذا التفسير في سورة قاف، ولم يذكره في سورة الزخرف، فتنبه. (١٢ - باب ذكر الجن وثوابهم وعقابهم. . . . . .) إلخ كتب الشيخ قُدِّس سرُّه في "اللامع" (٣): لما كان الباب المعقود قبل ذلك يوهم أن الجن ليس منهم إلا الشر؛ لأن الشيطان هو الجن دفعه بأنهم مكلفون مثل الإنس، فمطيعهم مثاب وعاصيهم معذب، والشيطان وإن كان منهم فإنه رجم لشيطنته وعصيانه لا لكونه من الجن، انتهى. وفي هامشه: قال الحافظ (٤): أشار بهذه الترجمة إلى إثبات وجود الجن، وإلى كونهم مكلفين، وأما إثبات وجودهم فقد نقل إمام الحرمين عن

стр. 2047

كثير من الفلاسفة والزنادقة والقدرية أنهم أنكروا وجودهم رأسًا، قال: ولا يتعجب ممن أنكر ذلك من غير المشرعين، إنما العجب من المشرعين مع نصوص القرآن والأخبار المتواترة، قال: وليس في قضية العقل ما يقدح في إثباتهم، قال القاضي أبو بكر: وكثير من هؤلاء يثبتون وجودهم وينفونه الآن، ومنهم من يثبتهم وينفي تسلطهم على الإنس، وقال عبد الجبار المعتزلي: الدليل على إثباتهم السمع دون العقل، إلى آخر ما بسط الحافظ في وجودهم، وفي أي شيء خلقوا؟ وفي أنهم هل يأكلون ويشربون ويتناكحون أم لا؟ وبسط الكلام على ذلك في "الأوجز". ثم قال الحافظ (١): وأما كونهم مكلفين فقد قال ابن عبد البر: الجن عند الجماعة مكلفون، وقال عبد الجبار: لا نعلم خلافًا بين أهل النظر في ذلك، إلا ما حكي عن بعض الحشوية أنهم مضطرون إلى أفعالهم، وليسوا بمكلفين، إلى آخر ما بسط من الاختلاف في أنه هل كان فيهم نبي أم لا؟ مع اتفاقهم على أن نبينا ﷺ بعث إلى الجن والإنس، وهذا مما فضل به على الأنبياء. وأما قول المصنف: "وثوابهم وعقابهم" فلم يختلف من أثبت تكليفهم أنهم يعاقبون على المعاصي، واختلف هل يثابون؟ فروى الطبري وابن أبي حاتم من طريق أبي الزناد موقوفًا قال: "إذا دخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار، قال الله لمؤمن الجن وسائر الأمم - أي: من غير الإنس -: كونوا ترابًا، فحينئذ يقول الكافر: يا ليتني كنت ترابًا"، وروى ابن أبي الدنيا عن ليث بن أبي سليم قال: ثواب الجن أن يجاروا من النار، ثم يقال لهم: كونوا ترابًا، وروي عن أبي حنيفة نحو هذا القول، وذهب الجمهور إلى أنهم يثابون على الطاعة، وهو قول الأئمة الثلاثة والأوزاعي وأبي يوسف ومحمد.

стр. 2048

ثم اختلفوا هل يدخلون مدخل الإنس على أربعة أقوال: أحدها: نعم، وهو قول الأكثر، وثانيها: يكونون في ربض الجنة، وهو منقول عن مالك وطائفة، وثالثها: أنهم أصحاب الأعراف، ورابعها: التوقف عن الجواب، ثم ذكر دلائل الجمهور. وبسط العيني (١) أيضًا أبحاثًا عديدةً في مسائل الجن، إلى آخر ما بسط في هامش "اللامع" (٢)، وفيه أيضًا: وعلم من ذلك أن ما قرره الشيخ مبني على مسلك الجمهور بخلاف المعروف عن الإمام أبي حنيفة، ولعل مأخذ قول الإمام في سورة الأحقاف: ﴿يَاقَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الأحقاف: ٣١]، فإنه مرتب فيه على الإيمان وإجابة داعي الله الإجارة من النار فقط، انتهى. ونقل عن الإمام التوقف أيضًا كما سيأتي في الباب الآتي. قوله: (لا يسمع مدى صوت المؤذن جن ولا إنس. . .) إلخ، كتب الشيخ في "اللامع" (٣): فيه إثبات الجن وأن منهم مسلمين، فإن الشهادة للغير فرع كونه ناجيًا زكيًا غير مأخوذ، انتهى. قلت: وما أفاده الشيخ قُدِّس سرُّه في المطابقة أجود مما قاله الشرَّاح. قال الحافظ وتبعه القسطلاني (٤): والغرض منه ههنا أنه يدل على أن الجن يحشرون يوم القيامة، انتهى. وقال العيني (٥): مطابقته للترجمة في قوله: "الجن" وهو أيضًا يدل على وجود الجن خلافًا لمن أنكر ذلك، انتهى.

стр. 2049

(١٣ - باب قوله : ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ﴾ [الأحقاف: ٢٩]) قال العلَّامة القسطلاني (١): سقط لفظ "باب" لغير أبي ذر، قوله: "مصرفًا: معدلًا" قاله أبو عبيدة، ومراده قوله تعالى: ﴿وَلَمْ يَجِدُوا عَنْهَا مَصْرِفًا﴾ [الكهف: ٥٣]. قوله: "صرفنا" في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا. . .﴾ إلخ [الأحقاف: ٢٩]، قال المؤلف: أي: "وجهنا"، وكان ذلك حين انصرف ﷺ راجعًا من الطائف إلى مكة حين يئس من ثقيف، [و] عن ابن عباس: أن الجن كانوا سبعة من جن نصيبين، فجعلهم رسول الله رسلًا إلى قومهم، وعن مجاهد فيما ذكره ابن أبي حاتم: كانوا ثلاثة من حران، وأربعة من نصيبين، ذكر القسطلاني أسماءهم، ثم قال: وقيل: إنهم كانوا اثني عشر ألفًا، انتهى. قلت: لم يتعرض الشرَّاح لغرض الترجمة، والأوجه عند هذا العبد الضعيف: أن الإمام البخاري ﵀ أشار به إلى مستدل الإمام أبي حنيفة ﵀ في المسألة المذكورة في الباب السابق، فإن مستدل الإمام في مسلكه فيه هو هذه الآية، إذ ليس فيها إلا الإجارة من العذاب، ففي "التفسير الأحمدي": وقال إمامنا الأعظم: إنهم لم يثابوا كالإنس، وغاية نفع إيمانهم أنهم ينجون من العذاب؛ لقوله تعالى: ﴿يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الأحقاف: ٣١]، هكذا ذكر في "المدارك" و"الكشاف" و"البيضاوي"، انتهى. قلت: ونُقل فيه عن الإمام التوقف أيضًا، ففي "روح المعاني" (٢): قال النسفي في "التيسير" - في الآية المذكورة قبل -: توقف أبو حنيفة في ثواب الجن في الجنة ونعيمهم؛ لأنه لا استحقاق للعبد على الله تعالى، ولم يقل بطريق الوعد في حقهم إلا المغفرة والإجارة من النار، وأما نعيم الجنة فموقوف على الدليل، انتهى. ثم قال الحافظ (٣): لم يذكر المصنف في هذا الباب حديثًا، واللائق

стр. 2050

به حديث ابن عباس الذي تقدم في صفة الصلاة في توجه النبي ﷺ إلى عكاظ واستماع الجن لقراءته، وقد أشار إليه المصنف بالآية التي صدر بها هذا الباب، انتهى. (١٤ - باب قول الله تعالى: ﴿وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ﴾ [البقرة: ١٦٤]. . . إلخ) قال الحافظ (١): كأنه أشار إلى سبق خلق الملائكة والجن [على] الحيوان، أو سبق جميع ذلك على خلق آدم، والدابة لغة: ما دبَّ من الحيوان، واستثنى بعضهم الطير لقوله تعالى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ﴾ الآية [الأنعام: ٣٨]، والأول أشهر لقوله تعالى: ﴿مَا مِنْ دَابَّةٍ إلا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا﴾ [هود: ٥٦]، وعرفًا: ذوات الأربع، وقيل: يختص بالفرس، وقيل: بالحمار، والمراد هنا المعنى اللغوي، وفي حديث أبي هريرة عند مسلم: "أن خلق الدواب كان يوم الأربعاء"، وهو دال على أن ذلك قبل خلق آدم، انتهى. قلت: وأجاد الإمام البخاري بالإشارة إلى الآيات في الترجمة حيث أشار بها إلى استيعاب جميع أنواع الحيوانات، فإنها ثلاثة أنواع: [الأول:] ما يسكن في الأرض من الحشرات، وأشار إليه بذكر الحيات، والثاني: ما يدبّ على الأرض، وأشار إليه بقوله: ﴿مَا مِنْ دَابَّةٍ إلا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا﴾ [هود: ٥٦]، والثالث: ما يطير في الجو، وأشار إليه بقوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ﴾ الآية [الملك: ١٩]. وكتب الشيخ قُدِّس سرُّه في "اللامع" (٢): لما كانت العادة جارية بأن العظيم لا ينسب إليه الحقير، وقد كانت الفلاسفة زعمت أنه ﵎ لم يخلق إلا العقل الأول، وجملة ما يتكوّن في عالم الكون والفساد فإنه

стр. 2051

إلى العقل العاشر، دفعه بأن كل ذرة من ذرات العالم وكل دابة مما على الأرض صغيرة كانت أو كبيرة، حقيرة أو ذات خطر فإنما خلقه الله ﵎، ومنه الخلق والأمر ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ [المؤمنون: ١٤]، ثم إن جميع ما أورده في الباب من الروايات فمقصوده منها أن للدواب ذكرًا فيها، غير أن بعض الروايات لما كانت تتضمن فائدة أزيد من هذا القدر نبَّه عليها بزيادة لفظ الباب هناك، وأورد الرواية المتضمنة لتلك الفائدة، ثم أخذ في سرد الروايات كما كان يسردها، وهذا كقوله: "باب خير مال المسلم"، وقوله: "باب خمس من الدواب"، فإنهما لما تضمنا فائدة كثيرة الاعتناء نبَّه عليهما بلفظ الباب، فافهم، انتهى. وبسط في هامشه الكلام في توضيح ما قاله الشيخ قُدِّس سرُّه وتأييده. (١٥ - باب خير مال المسلم غنم يتبع بها. . .) إلخ هكذا ثبتت هذه الترجمة في النسخ الهندية، وكذا في نسخة "العيني" و"القسطلاني"، وكذا في النسخة المصرية التي عليها حاشية السندي، وليست هذه في نسخة "الفتح". قال الحافظ (١): سقطت هذه الترجمة من رواية النسفي، ولم يذكرها الإسماعيلي أيضًا، وهو اللائق بالحال؛ لأن الأحاديث التي تلي حديث أبي سعيد ليس فيها ما يتعلق بالغنم إلا حديث أبي هريرة المذكور بعده، انتهى. وهكذا قال العلَّامة العيني (٢)، وقد تقدم ما أفاده الشيخ قُدِّس سرُّه مما يتعلق بهذا الباب والباب الآتي، وعلى ما أفاده لا يحتاج إلى ما اضطر إليه الشرَّاح من القول بأولوية سقوط هذا الباب، فللَّه در الشيخ قُدِّس سرُّه،

стр. 2052

وما أفاده الشيخ قُدِّس سرُّه هو أصل مطرد من أصول التراجم، وهو الأصل السادس منها. (١٦ - باب خمس من الدواب فواسق. . .) إلخ كذا في النسخ الهندية، وكذا في نسخة "العيني" والنسخة المصرية التي عليها حاشية العلَّامة السندي، وفي نسخة الحافظ هكذا: "باب إذا وقع الذباب في شراب أحدكم فليغمسه. . . إلخ، وخمس من الدواب فواسق يقتلن في الحرم"، وهكذا في نسخة القسطلاني. قال الحافظ (١): ولا معنى لذكر هذا الباب ههنا، وتبعه القسطلاني في ذلك، وتقدم توجيهه اللطيف في كلام الشيخ قُدِّس سرُّه في الباب السابق. (١٧ - باب إذا وقع الذباب في شراب أحدكم. . .) إلخ قال الحافظ (٢): هذا الباب في رواية أبي ذر، وحذف عند الباقين، وهو أولى؛ فإن الأحاديث التي بعده لا تعلق لها بذلك، كما تقدم نظيره، انتهى بتغير ما. وتقدم الجواب عنه في كلام الشيخ ﵀ فيما سبق. ثم لم يذكر الحافظ ههنا براعة الاختتام؛ لأنه جعل كتاب بدء الخلق والأنبياء كتابًا واحدًا، فذكر البراعة في آخر "كتاب الأنبياء"، ولو جعل هذا الكتاب مستقلًا فيمكن أن يقال: إن البراعة في قوله: "نقص من عمله كل يوم قيراط"، وجزاء الأعمال يكون في الآخرة بعد الموت (٣). * * *
следующие страницы →