← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 853

الأبواب والتراجم لصحيح البخاري

محمد زكريا الكاندهلوي

Полный текст (3 740 стр.). Показаны 2048–2087 · переход к 2053.

стр. 2048

ثم اختلفوا هل يدخلون مدخل الإنس على أربعة أقوال: أحدها: نعم، وهو قول الأكثر، وثانيها: يكونون في ربض الجنة، وهو منقول عن مالك وطائفة، وثالثها: أنهم أصحاب الأعراف، ورابعها: التوقف عن الجواب، ثم ذكر دلائل الجمهور. وبسط العيني (١) أيضًا أبحاثًا عديدةً في مسائل الجن، إلى آخر ما بسط في هامش "اللامع" (٢)، وفيه أيضًا: وعلم من ذلك أن ما قرره الشيخ مبني على مسلك الجمهور بخلاف المعروف عن الإمام أبي حنيفة، ولعل مأخذ قول الإمام في سورة الأحقاف: ﴿يَاقَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الأحقاف: ٣١]، فإنه مرتب فيه على الإيمان وإجابة داعي الله الإجارة من النار فقط، انتهى. ونقل عن الإمام التوقف أيضًا كما سيأتي في الباب الآتي. قوله: (لا يسمع مدى صوت المؤذن جن ولا إنس. . .) إلخ، كتب الشيخ في "اللامع" (٣): فيه إثبات الجن وأن منهم مسلمين، فإن الشهادة للغير فرع كونه ناجيًا زكيًا غير مأخوذ، انتهى. قلت: وما أفاده الشيخ قُدِّس سرُّه في المطابقة أجود مما قاله الشرَّاح. قال الحافظ وتبعه القسطلاني (٤): والغرض منه ههنا أنه يدل على أن الجن يحشرون يوم القيامة، انتهى. وقال العيني (٥): مطابقته للترجمة في قوله: "الجن" وهو أيضًا يدل على وجود الجن خلافًا لمن أنكر ذلك، انتهى.

стр. 2049

(١٣ - باب قوله : ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ﴾ [الأحقاف: ٢٩]) قال العلَّامة القسطلاني (١): سقط لفظ "باب" لغير أبي ذر، قوله: "مصرفًا: معدلًا" قاله أبو عبيدة، ومراده قوله تعالى: ﴿وَلَمْ يَجِدُوا عَنْهَا مَصْرِفًا﴾ [الكهف: ٥٣]. قوله: "صرفنا" في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا. . .﴾ إلخ [الأحقاف: ٢٩]، قال المؤلف: أي: "وجهنا"، وكان ذلك حين انصرف ﷺ راجعًا من الطائف إلى مكة حين يئس من ثقيف، [و] عن ابن عباس: أن الجن كانوا سبعة من جن نصيبين، فجعلهم رسول الله رسلًا إلى قومهم، وعن مجاهد فيما ذكره ابن أبي حاتم: كانوا ثلاثة من حران، وأربعة من نصيبين، ذكر القسطلاني أسماءهم، ثم قال: وقيل: إنهم كانوا اثني عشر ألفًا، انتهى. قلت: لم يتعرض الشرَّاح لغرض الترجمة، والأوجه عند هذا العبد الضعيف: أن الإمام البخاري ﵀ أشار به إلى مستدل الإمام أبي حنيفة ﵀ في المسألة المذكورة في الباب السابق، فإن مستدل الإمام في مسلكه فيه هو هذه الآية، إذ ليس فيها إلا الإجارة من العذاب، ففي "التفسير الأحمدي": وقال إمامنا الأعظم: إنهم لم يثابوا كالإنس، وغاية نفع إيمانهم أنهم ينجون من العذاب؛ لقوله تعالى: ﴿يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الأحقاف: ٣١]، هكذا ذكر في "المدارك" و"الكشاف" و"البيضاوي"، انتهى. قلت: ونُقل فيه عن الإمام التوقف أيضًا، ففي "روح المعاني" (٢): قال النسفي في "التيسير" - في الآية المذكورة قبل -: توقف أبو حنيفة في ثواب الجن في الجنة ونعيمهم؛ لأنه لا استحقاق للعبد على الله تعالى، ولم يقل بطريق الوعد في حقهم إلا المغفرة والإجارة من النار، وأما نعيم الجنة فموقوف على الدليل، انتهى. ثم قال الحافظ (٣): لم يذكر المصنف في هذا الباب حديثًا، واللائق

стр. 2050

به حديث ابن عباس الذي تقدم في صفة الصلاة في توجه النبي ﷺ إلى عكاظ واستماع الجن لقراءته، وقد أشار إليه المصنف بالآية التي صدر بها هذا الباب، انتهى. (١٤ - باب قول الله تعالى: ﴿وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ﴾ [البقرة: ١٦٤]. . . إلخ) قال الحافظ (١): كأنه أشار إلى سبق خلق الملائكة والجن [على] الحيوان، أو سبق جميع ذلك على خلق آدم، والدابة لغة: ما دبَّ من الحيوان، واستثنى بعضهم الطير لقوله تعالى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ﴾ الآية [الأنعام: ٣٨]، والأول أشهر لقوله تعالى: ﴿مَا مِنْ دَابَّةٍ إلا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا﴾ [هود: ٥٦]، وعرفًا: ذوات الأربع، وقيل: يختص بالفرس، وقيل: بالحمار، والمراد هنا المعنى اللغوي، وفي حديث أبي هريرة عند مسلم: "أن خلق الدواب كان يوم الأربعاء"، وهو دال على أن ذلك قبل خلق آدم، انتهى. قلت: وأجاد الإمام البخاري بالإشارة إلى الآيات في الترجمة حيث أشار بها إلى استيعاب جميع أنواع الحيوانات، فإنها ثلاثة أنواع: [الأول:] ما يسكن في الأرض من الحشرات، وأشار إليه بذكر الحيات، والثاني: ما يدبّ على الأرض، وأشار إليه بقوله: ﴿مَا مِنْ دَابَّةٍ إلا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا﴾ [هود: ٥٦]، والثالث: ما يطير في الجو، وأشار إليه بقوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ﴾ الآية [الملك: ١٩]. وكتب الشيخ قُدِّس سرُّه في "اللامع" (٢): لما كانت العادة جارية بأن العظيم لا ينسب إليه الحقير، وقد كانت الفلاسفة زعمت أنه ﵎ لم يخلق إلا العقل الأول، وجملة ما يتكوّن في عالم الكون والفساد فإنه

стр. 2051

إلى العقل العاشر، دفعه بأن كل ذرة من ذرات العالم وكل دابة مما على الأرض صغيرة كانت أو كبيرة، حقيرة أو ذات خطر فإنما خلقه الله ﵎، ومنه الخلق والأمر ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ [المؤمنون: ١٤]، ثم إن جميع ما أورده في الباب من الروايات فمقصوده منها أن للدواب ذكرًا فيها، غير أن بعض الروايات لما كانت تتضمن فائدة أزيد من هذا القدر نبَّه عليها بزيادة لفظ الباب هناك، وأورد الرواية المتضمنة لتلك الفائدة، ثم أخذ في سرد الروايات كما كان يسردها، وهذا كقوله: "باب خير مال المسلم"، وقوله: "باب خمس من الدواب"، فإنهما لما تضمنا فائدة كثيرة الاعتناء نبَّه عليهما بلفظ الباب، فافهم، انتهى. وبسط في هامشه الكلام في توضيح ما قاله الشيخ قُدِّس سرُّه وتأييده. (١٥ - باب خير مال المسلم غنم يتبع بها. . .) إلخ هكذا ثبتت هذه الترجمة في النسخ الهندية، وكذا في نسخة "العيني" و"القسطلاني"، وكذا في النسخة المصرية التي عليها حاشية السندي، وليست هذه في نسخة "الفتح". قال الحافظ (١): سقطت هذه الترجمة من رواية النسفي، ولم يذكرها الإسماعيلي أيضًا، وهو اللائق بالحال؛ لأن الأحاديث التي تلي حديث أبي سعيد ليس فيها ما يتعلق بالغنم إلا حديث أبي هريرة المذكور بعده، انتهى. وهكذا قال العلَّامة العيني (٢)، وقد تقدم ما أفاده الشيخ قُدِّس سرُّه مما يتعلق بهذا الباب والباب الآتي، وعلى ما أفاده لا يحتاج إلى ما اضطر إليه الشرَّاح من القول بأولوية سقوط هذا الباب، فللَّه در الشيخ قُدِّس سرُّه،

стр. 2052

وما أفاده الشيخ قُدِّس سرُّه هو أصل مطرد من أصول التراجم، وهو الأصل السادس منها. (١٦ - باب خمس من الدواب فواسق. . .) إلخ كذا في النسخ الهندية، وكذا في نسخة "العيني" والنسخة المصرية التي عليها حاشية العلَّامة السندي، وفي نسخة الحافظ هكذا: "باب إذا وقع الذباب في شراب أحدكم فليغمسه. . . إلخ، وخمس من الدواب فواسق يقتلن في الحرم"، وهكذا في نسخة القسطلاني. قال الحافظ (١): ولا معنى لذكر هذا الباب ههنا، وتبعه القسطلاني في ذلك، وتقدم توجيهه اللطيف في كلام الشيخ قُدِّس سرُّه في الباب السابق. (١٧ - باب إذا وقع الذباب في شراب أحدكم. . .) إلخ قال الحافظ (٢): هذا الباب في رواية أبي ذر، وحذف عند الباقين، وهو أولى؛ فإن الأحاديث التي بعده لا تعلق لها بذلك، كما تقدم نظيره، انتهى بتغير ما. وتقدم الجواب عنه في كلام الشيخ ﵀ فيما سبق. ثم لم يذكر الحافظ ههنا براعة الاختتام؛ لأنه جعل كتاب بدء الخلق والأنبياء كتابًا واحدًا، فذكر البراعة في آخر "كتاب الأنبياء"، ولو جعل هذا الكتاب مستقلًا فيمكن أن يقال: إن البراعة في قوله: "نقص من عمله كل يوم قيراط"، وجزاء الأعمال يكون في الآخرة بعد الموت (٣). * * *

стр. 2053

٦٠ - كتاب الأنبياء على نبينا وعليهم الصلاة والسلام في رواية كريمة: "كتاب أحاديث الأنبياء عليهم الصلاة والسلام"، في بعض النسخ: "باب خلق آدم ﷺ " من غير ذكر شيء غيره، قاله العيني (١). قال الحافظ (٢): الأنبياء جمع نبي، وقد قرئ بالهمزة فقيل: هو الأصل وتركه تسهيل، وقيل: الذي بالهمز من النبأ والذي بغير همز من النبوَّة وهي الرفعة، والنبوَّة نعمة يمنُّ بها الله على من يشاء، ولا يبلغها أحد بعلمه ولا كشفه ولا يستحقها باستعداد ولايته، ومعناها الحقيقي شرعًا: من حصلت له النبوَّة، وليست راجعة إلى جسم النبي ﷺ ، ولا إلى عرض من أعراضه، بل ولا إلى علمه بكونه نبيًا، بل المرجع إلى إعلام الله له بأني نبأتك أو جعلتك نبيًا، وعلى هذا فلا تبطل بالموت كما لا تبطل بالنوم والغفلة. قال الحافظ أيضًا (٣): وقع في ذكر عدد الأنبياء حديث أبي ذر مرفوعًا: "إنهم مائة ألف وأربعة وعشرون ألفًا، الرسل منهم ثلاثمائة وثلاث عشرة" صححه ابن حبان، وهكذا في "العيني" (٤)، وزاد: وعن أنس بن مالك: قال: قال رسول الله ﷺ : "بعث الله ثمانية آلاف نبي، أربعة آلاف إلى بني إسرائيل، وأربعة آلاف إلى سائر الناس" رواه أبو يعلى الموصلي، وعنه قال: قال رسول الله ﷺ : "بعثت على أثر ثمانية آلاف نبي، منهم أربعة آلاف من بني إسرائيل" رواه الحافظ أبو بكر الإسماعيلي، انتهى.

стр. 2054

قلت: وحديث أبي ذر المتقدم في كلام الحافظ والعيني ذكره ابن الجوزي في "التلقيح" (١) مفصلًا، كما ذكر في هامش "اللامع" (٢)، وقال القاري (٣) في شرح حديث أبي ذر: العدد في هذا الحديث وإن كان مجزومًا به، لكنه ليس بمقطوع، فيجب الإيمان بالأنبياء والرسل مجملًا من غير حصر في عدد لئلا يخرج أحد منهم، ولا يدخل أحد من غيرهم فيهم، انتهى. ثم لا يذهب عليك أن الإمام البخاري ﵁ كما أنه مجتهد في المسائل الفقهية لا يبالي خلاف أحد، كذلك له رأي مستقل في التاريخ لا يبالي خلاف المؤرخين، كما سترى في ذكر ترتيب الأنبياء، فقد ترى أنه ذكر إدريس بعد نوح، وجمهور المؤرخين على أن إدريس من أجداد نوح ﵉ إلا أن البخاري خالفهم، فذكره بعد نوح، ولعل مستنده في ذلك حديث المعراج، وقد ذكره المصنف في "باب ذكر إدريس"، فإنه وقع فيه قول إدريس للنبي ﷺ : "مرحبًا بالنبي الصالح والأخ الصالح"، فلو كان إدريس من أجداد نوح لما قال: بالأخ الصالح، بل قال: بالابن الصالح، وهو استدلال جيد، وإليه ذهب الشيخ أبو بكر بن العربي، وأجاب عنه الجمهور بأنه قال ذلك على سبيل التواضع والتلطف، فليس ذلك نصًا فيه، وهكذا ترى في مواضع أخر. وترتيبهم على ما ذكره ابن الجوزي في "التلقيح" (٤) إذ قال: ذكر ترتيب كبار الأنبياء: كان من بعد آدم شيث ﵇، وهو وصي آدم، وأنزل الله عليه خمسين صحيفة، قال محمد بن جرير: وإلى شيث تنتهي أنساب بني آدم كلهم اليوم، وذلك أن نسل ولد آدم، غير نسل شيث، انقرضوا فلم يبق أحد منهم، ثم كان إدريس ﵇، قال أبو بكر بن أبي خيثمة: وكان من بعد - بياض في الأصل -[إدريس] نوح، ثم هود ثم صالح ثم إبراهيم ثم كان

стр. 2055

لقمان الحكيم، وكان - بياضر في الأصل - موسى بن ميشا ثم من بعده موسى بن عمران، ثم يوشع بن كالب بن يوقنا، ثم حزقيل، ثم إلياس ثم طالوت الملك، ثم داود ثم سليمان ثم أيوب ثم يونس بن متى ثم شعيا ثم أمصيا ثم زكريا ويحيى وعيسى وأرميا، وكان ذو القرنين بين عيسى ومحمد صلوات الله وسلامه على نبينا وعليهم أجمعين [في الفترة]. قال المصنف: كذا ذكروا، والصواب أن ذا القرنين كان في زمن الخليل ﵊، إلا أن يعني به اليوناني، انتهى. (١ - باب خلق آدم وذريته) ذكر المصنف آثارًا، ثم أحاديث تتعلق بذلك، ومما لم يذكره ما رواه الترمذي والنسائي والبزار، وصححه ابن حبان عن أبي هريرة مرفوعًا: "إن الله خلق آدم من تراب، فجعله طينًا، ثم تركه، حتى إذا كان حمأً مسنونًا خلقه وصوره ثم تركه، حتى إذا كان صلصالًا كالفخار كان إبليس يمر به فيقول: لقد خلقت لأمر عظيم، ثم نفخ الله فيه من روحه، وكان أول ما جرى فيه الروح بصره وخياشيمه، فعطس فقال: الحمد لله، فقال الله: يرحمك ربك" الحديث، وفي الباب عدة أحاديث، منها حديث أبي موسى مرفوعًا: "إن الله خلق آدم من قبضة قبضها من جميع الأرض، فجاء بنو آدم على قدر الأرض" الحديث، أخرجه أبو داود والترمذي وصححه ابن حبان. وآدم اسم سرياني، وهو عند أهل الكتاب آدام بإشباع فتحة الدال بوزن خاتام، وزنه فاعال، وامتنع صرفه للعجمة والعلمية، وقال الثعلبي: التراب بالعبرانية آدام فسمي آدم به، وحذفت الألف الثانية، وقيل: هو عربي، جزم به الجوهري والجواليقي، وقيل: هو بوزن أفعل من الأدمة، وقيل: من الأديم؛ لأنه خلق من أديم الأرض، وهذا عن ابن عباس، ووجهوه بأنه يكون كأعين، ومنع الصرف للوزن والعلمية، وقيل: هو

стр. 2056

من أدمت بين الشيئين إذا خلطت بينهما؛ لأنه كان ماء وطينًا فخلطا جميعًا، انتهى (١). قوله: (صلصال: طين. . .) إلخ، كتب الشيخ قُدِّس سرُّه في "اللامع" (٢): وذلك لأن الصوت مأخوذ في معناه، ولا يتصوت الطين ما لم يخالط معه شيء كالرمل ونحوه، وقيل: معناه: المنتن، وأيًّا ما كان فهو مضاعف، وأصله الصلّ، فألحق بالرباعي مبالغة في المعنى، انتهى. وقال الحافظ (٣): "طين خلط. . ." إلخ، هذا هو تفسير الفراء، هكذا ذكره، وقال أبو عبيدة (٤): الصلصال اليابس الذي لم تصبه نار، فإذا نقرته صل فسمعت له صلصلة، فإذا طبخ بالنار فهو فخار، وكل شيء له صوت فهو صلصال، وروى الطبري عن قتادة بإسناد صحيح نحوه، انتهى. قال المجد (٥): صَلَّ يَصِلّ صَليلًا: صَوَّتَ، كَصَلْصَلَ صَلْصَلَةً ومُصَلْصَلًا، انتهى. (وطوله ستون ذراعًا) قال السندي (٦): الظاهر بالذراع المتعارف يومئذٍ عند المخاطبين، وقيل: بذراع نفسه، وهو مردود بأن الحديث مسوق للتعريف، فهذا رد إلى الجهالة؛ لأن حاصله أن ذراعه جزء من ستين جزءًا للطول، وهذا يتصور في طويل غاية الطول وقصير غاية القصر، وبأن ذراع كل واحد مثل ربعه، فلو كان ستين ذراعًا بذراع نفسه لكانت يده قصيرة في جنب طول جسده جدًا، ويلزم منه قبح الصورة وعدم اعتدالها، وأن يكون عديم المنافع المعدّة لها اليدان، وقد وقع ههنا في عبارة الحافظ ابن حجر سهو، وتبعه القسطلاني في ذلك، انتهى.

стр. 2057

قلت: وعبارة الحافظ في "الفتح" (١): يحتمل أن يريد بقدر ذراع نفسه، ويحتمل أن يريد بقدر الذراع المتعارف يومئذ عند المخاطبين، والأول أظهر؛ لأن ذراع كل أحد بقدر ربعه، فلو كان بالذراع المعهود لكانت يده قصيرة في جنب طول جسده، انتهى. قوله: (فلم يزل الخلق ينقص حتى الآن) أي: أن كل قرن يكون نشأته في الطول أقصر من القرن الذي قبله، فانتهى تناقص الطول إلى هذه الأمة، واستقر الأمر على ذلك، وقال ابن التِّين: قوله: "فلم يزل الخلق ينقص" أي: كما يزيد الشخص شيئًا فشيئًا، ولا يتبين ذلك فيما بين الساعتين ولا اليومين، حتى إذا كثرت الأيام تبين، فكذلك هذا الحكم في النقص، ويشكل على هذا ما يوجد الآن من آثار الأمم السالفة كديار ثمود، فإن مساكنهم تدل على أن قاماتهم لم تكن مفرطة الطول على حسب ما يقتضيه الترتيب السابق، ولا شك أن عهدهم قديم، وأن الزمان الذي بينهم وبين آدم دون الزمان الذي بينهم وبين أول هذه الأمة، ولم يظهر لي إلى الآن ما يزيل هذا الإشكال، انتهى. ويمكن الجواب عنه عندي بأن يقال: إنهم شبهوا العالم كله بمنزلة شخص، فالزمن الذي من آدم إلى نوح كأنه زمن الطفولية، ومن نوح إلى إبراهيم زمن الشباب، ثم الزمن بعد زمن الكهولة، كما تقدمت الإشارة إليه في الجزء الأول في بدء الوحي تحت قوله: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ﴾ الآية [النساء: ١٦٣]، وأنت خبير بأن القامة في زمن الطفولية تطول يومًا فيومًا إلى الشباب، ولما كان ها هنا السير من الطول إلى القصر فيكون السير في الأول، أي: من زمن آدم إلى نوح في القصر سريعًا غاية التسرع على عكس ما يوجد من النمو السريع في زمن الطفولية إلى الشباب، فافهم فإنه دقيق.

стр. 2058

قوله: (وأما أول طعام. . .) إلخ، كتب الشيخ في "اللامع" (١): لا ينافيه ما ورد أن أول طعامهم الأرض تخبز لهم؛ لأن الأولية في إحديهما إضافية أو يقال: إنهما تؤكلان معًا، انتهى. وذكر في هامشه الكلام عليه. (٢ - باب الأرواح جنود مجندة. . .) إلخ قال الحافظ (٢): كذا ثبتت هذه الترجمة في معظم الروايات، وهي متعلقة بترجمة خلق آدم وذريته، للإشارة إلى إنهم ركبوا من الأجسام والأرواح، انتهى. وعندي: بل لأن الأصل في الإنسان الأرواح، وأما معنى الحديث فقال الخطابي: يحتمل أن يكون إشارة إلى معنى التشاكل في الخير والشر والصلاح والفساد، وأن الخيِّر من الناس يحن إلى شكله، والشرير نظير ذلك يميل إلى نظيره، فتعارف الأرواح يقع بحسب الطباع التي جبلت عليها من خير وشر، فإذا اتفقت تعارفت، وإذا اختلفت تناكرت، ويحتمل أن يراد الإخبار عن بدء الخلق في حال الغيب على ما جاء أن الأرواح خلقت قبل الأجسام، وكانت تلتقي فتتشاءم، فلما حلَّت بالأجسام تعارفت بالأمر الأول، فصار تعارفها وتناكرها على ما سبق من العهد المتقدم، وقال غيره: المراد أن الأرواح أول ما خلقت خلقت على قسمين، ومعنى تقابلها أن الأجساد التي فيها الأرواح إذا التقت في الدنيا ائتلفت أو اختلفت على حسب ما خلقت عليه الأرواح في الدنيا إلى غير ذلك بالتعارف. قال الحافظ (٣): ولا يعكر عليه أن بعض المتنافرين ربما ائتلفا؛ لأنه محمول على مبدأ التلاقي، فإنه يتعلق بأثر الخلقة (٤) بغير سبب، وأما في ثاني الحال فيكون مكتسبًا لتجدد وصف يقتضي الألفة بعد النفرة؛ كإيمان

стр. 2059

الكافر وإحسان المسيء. وقوله: "جنود مجندة" أي: أجناس مجنسة أو جموع مجمعة، قال ابن الجوزي (١): ويستفاد من الحديث أن الإنسان إذا وجد من نفسه نفرة ممن له فضيلة أو صلاح، فينبغي أن يبحث عن المقتضى لذلك ليسعى في إزالته حتى يتخلص من الوصف المذموم، وكذلك القول في عكسه، انتهى. قلت: وبسط الكلام على معنى الحديث في "اليواقيت والجواهر" (٢)، وكذا بسط القاري في "المرقاة" (٣). (٣ - باب قول الله : ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا﴾ [هود: ٢٥]. . .) إلخ وهو ابن خمسين سنة، وقال مقاتل: ابن مائة سنة، وعند ابن جرير: ثلاث مائة وخمسين سنة، وقال ابن عباس: سمي نوحًا لكثرة نوحه على نفسه، واختلف في سبب نوحه، فقيل: لدعوته على قومه بالهلاك، وقيل: لمراجعته ربه في شأن ابنه كنعان، وهو نوح بن لَمْك بن متوشلخ بن خنوخ، وهو إدريس، وهو أول نبي بعثه الله تعالى بعد إدريس، وقال القرطبي: أول نبي بعثه الله بعد آدم بتحريم البنات والعمات والخالات، وكان مولده فيما ذكره ابن جرير بعد وفاة آدم بمائة وستة وعشرين عامًا، ومات وعمره ألف سنة وأربعمائة سنة، ودفن بالمسجد الحرام، وقيل غير ذلك، وعن أبي أمامة: "أن رجلًا قال: يا رسول الله! أنبي كان آدم؟ قال: نعم، قال: فكم كان بينه وبين نوح؟ قال: عشرة قرون"، رواه ابن حبان وصححه، قال ابن كثير: وهو على شرط مسلم ولم يخرجوه، انتهى من "القسطلاني" (٤). قلت: ويشكل تقديم الإمام البخاري نوحًا على إدريس عليهما الصلاة والسلام، وقد حكي الإجماع على أن إدريس من أجداده، لكن في هذا

стр. 2060

الإجماع نظر كما سيأتي، وتقدم منا الجواب عن أصل الإشكال في مبدأ "كتاب الأنبياء"، فكن منه على ذكر. (٤ - باب ﴿وَإِنَّ إِلْيَاسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ. . .﴾ [الصافات: ١٢٣]) إلخ قال الحافظ (١): إلياس بهمزة قطع، وهو اسم عبراني، وأما قوله تعالى: ﴿سَلَامٌ عَلَى إِلْ يَاسِينَ﴾ [الصافات: ١٣٠] فقرأه الأكثر بصورة الاسم المذكور، وزيادة ياء ونون في آخره، وقرأ أهل المدينة (آل ياسين) بفصل آل من ياسين، وكان بعضهم يتأول أن المراد: سلام على آل محمد ﷺ ، وهو بعيد، وإنما زيدت فيه الياء والنون كما قالوا في إدريس: إدراسين، انتهى. قال القسطلاني (٢): هو إلياس بن ياسين سبط هارون أخي موسى ﵇ بعث بعده، وقال عبد الله بن مسعود فيما وصله ابن أبي حاتم: هو إدريس، وفي مصحفه: "وإن إدريس لمن المرسلين"، فيكون له اسمان، وسبق أن إلياس من ولد هارون أخي موسى ﵉، وعلى هذا فليس إدريس جدًا لنوح؛ لأنه من بني إسرائيل، والصحيح أن إلياس غير إدريس؛ لأن الله تعالى ذكره في سورة الأنعام حيث قال: ﴿وَنُوحًا هَدَيْنَا مِنْ قَبْلُ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ﴾ إلى أن قال: ﴿وَعِيسَى وَإِلْيَاسَ﴾ [الأنعام: ٨٤، ٨٥]، فدلّ على أن إلياس من ذرية نوح، وإدريس جد أبي نوح، كما يأتي قريبًا إن شاء الله، انتهى. وقال الحافظ (٣): وكأن المصنف رجح عنده كون إدريس ليس من أجداد نوح، ولهذا ذكره بعده، وسأذكر ما في ذلك في الباب الذي يليه، انتهى. قلت: ما قال الحافظ من رجحان المصنف هو المختار عندي كما تقدم في مبدأ هذا الكتاب، ويشكل عليه ما سيأتي في الباب الآتي من قول المصنف في حق إدريس: "وهو جد نوح". والجواب عنه عندي: أما أولًا:

стр. 2061

فبأن هذه الزيادة لم تثبت في أكثر النسخ كما قال الحافظ وغيره، وكذا هو ليس بموجود في النسخ الهندية التي بأيدينا، وثانيًا بأن يقال: إن الإمام البخاري أشار بهذا القول إلى ما هو المعروف على الألسنة حتى حكى بعضهم الإجماع عليه، وليس هذا مصير منه إلى اختيار هذا القول، فتأمل. (٥ - باب ذكر إدريس وقول الله : ﴿وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا﴾ [مريم: ٥٧]) قال الحافظ (١): سقط لفظ "باب" من رواية أبي ذر، وزاد في رواية الحفصي: "وهو جد أبي نوح، وقيل: جد نوح"، واختلف في لفظ إدريس، فقيل: هو عربي، واشتقاقه من الدراسة، وقيل له ذلك لكثرة درسه الصحف، وقيل: بل هو سرياني، انتهى. وقال القسطلاني (٢): وكان أول نبي أعطي النبوَّة بعد آدم وشيث، وأول من خط بالقلم، وأدرك من حياة آدم ثلاثمائة سنة وثمان سنين، وقال ابن كثير: وقد قالت طائفة: إنه المشار إليه في حديث معاوية بن الحكم السلمي لما سأل النبي ﷺ عن الخط بالرمل فقال: "إنه كان نبي يخط بالرمل" الحديث، وزعم كثير من المفسرين أنه أول من تكلم في ذلك، ويسمونه هرمس الهرامسة، ويكذبون عليه في أشياء كثيرة كما كذبوا على غيره من الأنبياء، انتهى. قوله: " ﴿وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا﴾ " ثم ساق حديث الإسراء، وكأنه أشار بالترجمة إلى ما وقع فيه أنه وجده في السماء الرابعة، وهو مكان علي بغير شك، واستشكل بعضهم ذلك بأن غيره من الأنبياء أرفع مكانًا منه، ثم أجاب بأن المراد أنه لم يرفع إلى السماء من هو حي غيره، وفيه نظر؛ لأن

стр. 2062

عيسى أيضًا قد رفع وهو حي على الصحيح، وكون إدريس رفع وهو حي لم يثبت من طريق مرفوعة قوية، وذكر ابن قتيبة: أن إدريس رفع وهو ابن ثلاثمائة وخمسين سنة، وفي حديث أبي ذر الطويل الذي صححه ابن حبان: "أن إدريس كان نبيًا رسولًا"، وذكر ابن إسحاق له أوليات كثيرة، منها [أنه] أول من خاط الثياب، انتهى مختصرًا من "الفتح" (١). (٦ - باب قول الله : ﴿وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا﴾ [الأعراف: ٦٥]. . .) إلخ هو: هود بن عبد الله بن رباح بن جاور بن عاد بن عوص بن إرم بن سام بن نوح، وسماه أخًا لهم لكونه من قبيلتهم، لا من جهة أخوة الدين، هذا هو الراجح في نسبه، وأما ابن هشام فقال: اسمه عابر بن أرفخشد بن سام بن نوح، قاله الحافظ (٢)، هكذا ذكر النسب العيني، لكن فيه "رباح بن خلود" بدل "ابن جاور"، وهكذا في تفسير الخطيب كما في هامش "الفتح". وقال العيني (٣): وكان هود أشبه ولد آدم بآدم خلا يوسف، وكانت عاد ثلاث عشرة قبيلة، ينزلون الرمل بالدو والدهناء وعالج ووبار [ويبرين] وعمان إلى حضرموت إلى اليمن، وكانت ديارهم أخصب البلاد، فلما سخط الله عليهم جعلها مفاوز، وكان هود من قبيلة يقال لها: عاد بن عوص بن إرم بن سام بن نوح، وهم عاد الأولى، وكانوا عربًا يسكنون في المواضع المذكورة، وأرسل الله تعالى هودًا إليهم وهو قوله تعالى: ﴿وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا. . .﴾، إلى آخر ما ذكر من أحواله. وقال أيضًا (٤): ثم إن هودًا ﵇ بقي بعد هلاك قومه ما شاء الله، ثم مات، وعمره مائة وخمسون سنة، وحكى الخطيب عن ابن عباس: أنه عاش أربعمائة وستين سنة، وكان بينه وبين نوح ثمانمائة وستين سنة، واختلفوا في أيّ مكان توفي، فقيل: بأرض الشحر من بلاد حضرموت،

стр. 2063

وقبره ظاهر هناك، ذكره ابن سعد في "الطبقات"، وعن عبد الرحمن بن ساباط: بين الركن والمقام وزمزم قبر تسعة وتسعين نبيًا، وأن قبر هود وشعيب وصالح وإسماعيل - على نبينا وعليهم الصلاة والسلام - في تلك البقعة، وقيل: بجامع دمشق في حائط القبلة يزعم بعض الناس أنه قبر هود ﵇، قال ابن الكلبي: لم يكن بين نوح وإبراهيم من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام [إلا هود وصالح]، انتهى. قوله: (لأقتلنهم قتل عاد) وسيأتي في المغازي: بدله: "قتل ثمود". قال الحافظ (١): والغرض من الحديث ههنا قوله: "لأقتلنهم قتل عاد" أي: قتلًا لا يبقي منهم أحدًا، إشارة إلى قوله تعالى: ﴿فَهَلْ تَرَى لَهُمْ مِنْ بَاقِيَةٍ﴾ [الحاقة: ٨]، ولم يرد أنه يقتلهم بالآلة التي قتلت بها عاد بعينها، ويحتمل أن يكون من الإضافة إلى الفاعل ويراد به القتل الشديد القوي؛ إشارة إلى أنهم موصوفون بالشدة والقوة، ويؤيده أنه وقع في طريق أخرى: "قتل ثمود"، انتهى من "الفتح". (٧ - باب قصة يأجوج ومأجوج. . .) إلخ ليس هذا الباب في نسخة "الفتح"، وهو موجود ههنا في نسخة العيني والقسطلاني، وكذا في النسخة الهندية التي بأيدينا، وفي النسخة المصرية التي عليها حاشية السندي، واكتفى المصنف بالآية، ولم يذكر في هذا الباب حديثًا، ولعدم ذكر المصنف حديثًا تحت الباب وجوه شهيرة تقدمت مرارًا في أمثال هذا الباب، فلا حاجة إلى إعادتها، وهو الأصل السابع والعشرون من أصول التراجم، وهذا كله على النسخ الهندية والمصريه، فإن فيها بعد قول الله تعالى: ﴿إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ﴾ الآية [الكهف: ٩٤]:: "باب قول الله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ. . .﴾ إلخ"

стр. 2064

[لكهف: ٨٣]، فتبقى على هذا هذه الترجمة من غير حديث، ولا يشكل عدم ذكر الحديث بحسب نسخة العيني والقسطلاني، فإنه ليس في نسختهما لفظ "باب" على الآية الثانية، أي: قول الله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ﴾، وأما قصة يأجوج ومأجوج فبسط الكلام عليها العلَّامة العيني. وقال القسطلاني (١): قال في "الأنوار": هما قبيلتان من ولد يافث بن نوح، وقيل: يأجوج من الترك ومأجوج من الجيل، وعن قتادة فيما ذكره محيي السُّنَّة: أن يأجوج ومأجوج اثنتان وعشرون قبيلة، بنى ذو القرنين السدَّ على إحدى وعشرين قبيلة، وبقيت واحدة، فهم الترك، سموا بالترك؛ لأنهم تركوا خارج السدِّ، وعن حذيفة مرفوعًا: إن يأجوج أمة ومأجوج أمة، كل أمة أربعمائة ألف، لا يموت الرجل منهم حتى ينظر إلى ألف ذكر من صلبه، كلهم قد حمل السلاح، قال: وهم ثلاثة أصناف: صنف منهم مثل الأرز شجر بالشام طوله عشرون ومائة ذراع في السماء، وصنف منهم طوله وعرضه سواء عشرون ومائة ذراع، وهؤلاء لا يقوم لهم جبل ولا حديد، وصنف منهم يفترش إحدى أذنيه ويلتحف بالأخرى، لا يمرون بفيل ولا وحش ولا خنزير إلا أكلوه، وفي "كتاب الأمم" لابن عبد البر: أن مقدار الربع العامر من الدنيا مائة وعشرون سنة، وأن تسعين منها ليأجوج ومأجوج، إلى آخر ما ذكر القسطلاني من أحوالهم. وفي "القول الفصيح": ثم الظاهر من صنيع المؤلف أنه يرى ذا القرنين نبيًا، وإلا فلا وجه لذكره في عداد الأنبياء صلوات الله عليهم أجمعين، أما ذكر يأجوج ومأجوج فلتعلق قصتهم بقصة ذي القرنين، وعلى هذا فالمناسب إما إدراجهما تحت ترجمة ذي القرنين أو وضعهما في ترجمة مستقلة بعد هذه الترجمة، وأما ما وقع في النسخ الموجودة عندنا من البداية بقصتهما والاستتباع بقصة ذي

стр. 2065

القرنين، فهذا لا يرجع إلى معنى صحيح، وليس له وجه وجيه عندنا إلا أن يكون سوى بها تمهيدًا لذكر ذي القرنين، وهذا كما ترى، ولعل أمثال تلك السقطات وقعت من النساخ، انتهى. (باب قول الله : ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ﴾ [الكهف: ٨٣]) قال العلَّامة العيني (١): وذو القرنين المذكور في القرآن المذكور في ألسنة الناس بالإسكندر ليس الإسكندر اليوناني، فإنه مشرك، ووزيره أرسطاطاليس، والإسكندر المؤمن الذي ذكره الله في القرآن اسمه عبد الله بن الضحاك، قاله ابن عباس، وقيل: مصعب بن عبد الله إلى آخر ما ذكر في نسبه، وقد جاء في حديث أنه من حمير، وأمه رومية، وأنه كان يقال له: ابن الفيلسوف لعقله، قال مقاتل: هو من حمير، ووفد أبوه إلى الروم، فتزوج امرأة من غسَّان، فولدت له ذا القرنين عبدًا صالحًا، وقال وهب بن منبِّه: اسمه الإسكندر. قلت: ومن هنا يشارك الإسكندر اليوناني في الاسم، وكثير من الناس يخطئون في هذا، ويزعمون أن الإسكندر المذكور في القرآن هو هذا، وهذا زعم فاسد؛ لأن الإسكندر اليوناني الذي بنى الإسكندرية كافر مشرك، وذو القرنين عبد صالح ملك الأرض شرقًا وغربًا، حتى ذهب جماعة إلى نبوته، منهم الضحاك وعبد الله بن عمر، وقيل: كان رسولًا، ووزيره الخضر ﵇. واختلفوا في زمانه، فقيل: في القرن الأول، من ولد يافث بن نوح ﵊، وأنه ولد بأرض الروم، وقيل: كان بعد نمرود لعنه الله، وقيل: كان في الفترة بين موسى وعيسى عليهما الصلاة والسلام، وقيل: في الفترة بين عيسى ومحمد عليهما الصلاة والسلام، والأصح أنه

стр. 2066

كان في أيام إبراهيم ﵊، ولما فاته عين الحياة وحظي بها الخضر ﵇ اغتم غمًّا شديدًا، فأيقن بالموت، فمات بدومة الجندل، وكان منزله، وقيل: بشهر زور، وقيل: بأرض بابل، وكان قد ترك الدنيا وتزهد، وقال مجاهد: عاش ألف سنة مثل آدم ﵇، وقال ابن عساكر: بلغني أنه عالش ستًّا وثلاثين سنة، وسمي ذا القرنين؛ لأنه ملك المشرق والمغرب، أو لأنه طاف قرني الدنيا شرقها وغربها، ولأنه كان له قرنان، أي: ضفيرتان، أو لقب بذلك لشجاعته، انتهى مختصرًا من "العيني" بزيادة من "القسطلاني" (١). قال الحافظ (٢): وفي إيراد المصنف ﵀ ترجمة ذي القرنين قبل إبراهيم إشارة إلى توهين قول من زعم أنه الإسكندر اليوناني؛ لأن الإسكندر كان قريبًا من زمن عيسى ﵇، وبين زمن إبراهيم وعيسى أكثر من ألفي سنة، والحق أن الذي قصَّ الله نبأه في القرآن هو المتقدم، والفرق بينهما من أوجه، ثم ذكر عدة أوجه تقدم بعض منها في كلام العيني، منها أن ذا القرنين كان من العرب، وأما الإسكندر فهو من اليونان، والعرب كلها من ولد سام بن نوح بالاتفاق، وإن وقع الاختلاف هل هم كلهم من بني إسماعيل أو لا؟ واليونان من ولد يافث بن نوح على الراجح فافترقا، ثم بسط الكلام على نبوته، وملخصه أن فيه ثلاثة أقاويل، قيل: كان نبيًا، وقيل: كان من الملائكة، وقيل: كان من الملوك، وعليه الأكثر. وقال في مقدمة "الفتح" (٣): مال البخاري إلى أنه نبي، ولذا ذكره في الأنبياء، وإلى أنه مقدم على إبراهيم ﵇، ولذا قدَّم ترجمته على ترجمته. ثم اعلم أنه وقع في نسخة "الفتح" قبل هذا الباب المذكور "باب قول الله تعالى: ﴿وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا. . .﴾ " إلخ، مع ذكر ما فيه

стр. 2067

من الأحاديث، وسيجيئ هذا الباب والأحاديث الذي ذكر فيه في النسخة الهندية، وكذا في "المصرية" و"العيني" و"القسطلاني" بعد عدة أبواب. قال الحافظ (١): وقع هذا الباب "باب قوله تعالى: ﴿وَإِلَى ثَمُودَ. . .﴾ " إلخ، في أكثر نسخ البخاري متأخرًا عن هذا الموضع بعدة أبواب، والصواب إثباته ههنا، وهذا مما يؤيد ما حكاه أبو الوليد الباجي عن أبي ذر الهروي: أن نسخة الأصل من البخاري كانت ورقًا غير محبوك، فربما وجدت الورقة في غير موضعها، فنسخت على ما وجدت، فوقع في بعض التراجم إشكال بحسب ذلك، وإلا فقد وقع في القرآن ما يدل على أن ثمود كانوا بعد عاد كما كان عاد بعد قوم نوح، انتهى. (٨ - باب قول الله : ﴿وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا﴾ [النساء: ١٢٥]) قال الحافظ (٢): كأنه أشار بهذه الآيات إلى ثناء الله تعالى على إبراهيم ﵇، وإبراهيم بالسريانية معناه: أب راحم، وإبراهيم هو ابن آزر، واسمه تارح - بمثناة وراء مفتوحة وآخره حاء مهملة - ابن ناحور - بنون ومهملة مضمومة - ابن شاروخ - بمعجمة وراء مضمومة وآخره خاء معجمة - ابن راغوء - بغين معجمة - ابن فالخ - بفاء ولام مفتوحة بعدها معجمة - أبن عبير، ويقال: عابر - بمهملة وموحدة - ابن شالخ - بمعجمتين - ابن أرفخشذ بن سام بن نوح، لا يختلف جمهور أهل النسب ولا أهل الكتاب في ذلك إلا في النطق ببعض هذه الأسماء، نعم ساق ابن حبان في أول تاريخه خلاف ذلك، وهو شاذ، انتهى. وبسط الحافظ أيضًا في معنى الخليل ومأخذ اشتقاقه.

стр. 2068

(٩ - باب ﴿يَزِفُّونَ﴾: النسلان في المشي) هكذا وقع هذا الباب في النسخ الهندية، وكذا في نسخة العيني والقسطلاني والنسخة المصرية التي عليها حاشية السندي، وليس هو في نسخة "الفتح". قال الحافظ (١): وقع في رواية الحموي والكشميهني قبل حديث أبي هريرة - أي: الحديث الأول من هذا الباب - هذا ما صورته: " ﴿يَزِفُّونَ﴾: النسلان في المشي"، وفي رواية المستملي والباقين "باب" بغير ترجمة، وسقط ذلك من رواية النسفي، ووهم من وقع عنده "باب ﴿يَزِفُّونَ﴾: النسلان" فإنه كلام لا معنى له، والذي يظهر ترجيح ما وقع عند المستملي، وقوله: "باب" بغير ترجمة يقع عندهم كالفصل من الباب، وتعلقه بما قبله واضح، فإن الكل من ترجمة إبراهيم، وأما تفسير هذه الكلمة من القرآن فإنها من جملة قصة إبراهيم ﵇ مع قومه حين كسر أصنامهم، قال الله تعالى: ﴿فَأَقْبَلُوا إِلَيْهِ يَزِفُّونَ﴾ [الصافات: ٩٤]، قال مجاهد: الوزيف: النسلان، أخرجه الطبري وابن أبي حاتم، انتهى. وفي هامش الهندية (٢): وقع هذا الباب بغير ترجمة، أما قوله: " ﴿يَزِفُّونَ﴾. . ." إلخ، ليس هو ترجمة الباب بل أراد به تفسير قوله تعالى: ﴿فَأَقْبَلُوا إِلَيْهِ يَزِفُّونَ﴾ [الصافات: ٩٤]، وفيه عن الكرماني: زف القوم في مشيهم أي: أسرعوا، والنسلان الإسراع، انتهى. قلت: وسيأتي في "البخاري" في تفسير سورة الصافات قوله: " ﴿يَزِفُّونَ﴾: النسلان في المشي".

стр. 2069

(١١ - باب قوله تعالى: ﴿وَنَبِّئْهُمْ عَنْ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ﴾ [الحجر: ٥١]. . .) إلخ قال الحافظ (١): كذا اقتصر في هذا الباب على تفسير هذه الكلمة، وبذلك جزم الإسماعيلي وقال: ساق الآيتين بلا حديث، انتهى. قال الحافظ: والتفسير المذكور مروي عن عكرمة عند ابن أبي حاتم، ولعله كان عقب هذا في الأصل بياض فحذف. وقصة أضياف إبراهيم أوردها ابن أبي حاتم من طريق السدي مبينة، وفيها: أنه لما قرب إليهم العجل قالوا: إنا لا نأكل طعامًا إلا بثمن، قال إبراهيم: إن له ثمنًا، قالوا: وما ثمنه؟ قال: تذكرون اسم الله على أوله وتحمدونه على آخره، قال: فنظر جبريل إلى ميكائيل فقال: حق لهذا أن يتخذه ربه خليلًا، فلما رأى أنهم لا يأكلون فزع منهم. ومن طريق عثمان بن محصن قال: كانوا أربعة: جبريل وميكائيل وإسرافيل ورفاييل، وفي رواية: أن جبريل مسح بجناحيه العجل فقام يدرج حتى لحق بأمه في الدار، انتهى. قوله: (نحن أحق بالشك من إبراهيم) كتب الشيخ في "اللامع" (٢): مدح لهؤلاء الثلاثة بأنه لو كان سؤال إبراهيم لأجل الشك لكنا أحق به، ولكنا لم نشك فهو أولى بعدم الشك، ولكنه إنما سأل ذلك طلبًا للمشاهدة ليطمئن عند الخصومات، فإن الخبر دون المعاينة. "ويرحم الله لوطًا" تمنى أن تكون له قوة من نفسه أو قومه فيقاوم بها أعداء الله ولا يتركهم يتعرضوا لأضيافه، فقوله: ﴿لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً﴾ أراد بها القوة الحاصلة له من دون إعانة أحد. وقوله: ﴿رُكْنٍ شَدِيدٍ﴾ قصد به القوة الحاصلة له بإعانة من قومه، وأما الاستعانة بالرب ﵎ فإنه لم يذكرها؛ لأنه كان يعلم أن الله جعل الدنيا عالم أسباب، فليس فيها شيء إلا وهو مستند إلى سبب له، فلما كانت الاستعانات والإعانات في الدار الدنيا منحصرتين

стр. 2070

في نوعين من نفسه ومن غيره ذكرهما، والله هو المنظور إليه المعتمد عليه في الكل، انتهى. وبسط في هامشه الكلام عليه فارجع إليه. وفيه أيضًا ذكر شيخ مشايخنا الدهلوي في "الإنجاح" (١): ذكر شيخنا المجدد: أن العارف الكامل متى توجه إلى هداية الخلق عرضت له مناسبة بالعوام؛ لأنه لو لم يكن لانسدّ باب النفع، فمن كان رجوعه إلى الخلق أكمل كان إرشاده أوفر، قال المرتعش: ما وجدت باطني بباطن الخواص إلا وجدت ظاهري بظاهر العوام، فربما يحتاج إلى الاستدلال، فلما كان إرشاد نبينا ﷺ أعمّ كان ظاهره معنا أتمّ، ولذا قال: "لا رهبانية في الإسلام"، فعلى هذا كان أحق بالشك من إبراهيم ﵇، انتهى. قلت: وهذا الذي أشار إليه الشيخ قُدِّس سرُّه يسمى في الاصطلاح بالرجوع إلى البداية، ثم ذكر فيه أقوال عديدة في سبب سؤال إبراهيم هذا. (١٢ - باب قول الله : ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ. . .﴾ [مريم: ٥٤]) إلخ قدَّمه على الباب الآتي؛ لأنه أسن من إسحاق كما سيأتي في الباب الآتي. قال العيني (٢): أي: بيان ما جاء في حق إسماعيل من قوله : ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ﴾ الآية، وتمام الآية: ﴿وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا﴾، قال المفسرون: قوله: ﴿إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ﴾ [مريم: ٥٤]: كان بينه وبين رجل ميعاد، فأقام ينتظره مدة، واختلفوا في تلك المدة، فقيل: حولًا حتى أتاه جبريل ﵊، وقال: إن الفاجر الذي وعدته بالقعود إبليس عليه اللعنة، وقوله: ﴿رَسُولًا﴾ أي: إلى جرهم، انتهى.

стр. 2071

وقال القسطلاني (١): قال ابن جريج: لم يعد ربه عدة إلا أنجزها، وقال ابن كثير: يعني: ما التزم عبادة قط بنذر إلا قام به ووفاها حقها، ثم ذكر نحو ما تقدم عن العيني، وقال أيضًا: وناهيك أنه وعد الصبر على الذبح حيث قال: ﴿سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ﴾ [الصافات: ١٠٢] فوفى به، انتهى. قال الحافظ (٢): ذكر المصنف فيه حديث سلمة بن الأكوع: "ارموا بني إسماعيل"، وقد تقدم شرحه في "باب التحريض على الرمي" من "كتاب الجهاد"، واحتج به المصنف على أن اليمن من بني إسماعيل كما سيأتي في أوائل المناقب، انتهى. ثم اعلم أن الذبيح إسماعيل أو إسحاق؟ مسألة خلافية شهيرة، بسط الكلام عليها أيضًا الحافظ ابن القيم في "زاد المعاد" (٣)، وحقق أن الذبيح إسماعيل ﵇، وبه جزم ابن عابدين ﵀. (١٣ - باب قصة إسحاق بن إبراهيم) قال العلَّامة العيني (٤): أي: بيان ذكر قصة إسحاق، وعن ابن إسحاق: بشَّر الله إبراهيم بإسحاق من سارة، فحملت وكانت بنت تسعين سنة، وإبراهيم ابن مائة وعشرين سنة، وقد كانت هاجر حملت بإسماعيل فوضعتا معًا، وشبَّ الغلامان، ونقل ابن كثير عن أهل الكتاب أن هاجر ولدت إسماعيل ولإبراهيم من العمر ست وثلاثون سنة قبل مولد إسحاق بثلاث عشرة سنة، وقال ابن الجوزي في "أعمار الأعيان": إن إسحاق عاش مائة وثمانين سنة، وفي قول وهب بن منبه: عاش مائة وخمسة وثمانين سنة، ودفن عند قبر أبيه إبراهيم في مزرعة جروم (٥)، انتهى.

стр. 2072

قلت: ولعل الإمام البخاري أشار بالقصة إلى ما ذكره العلَّامه العيني. وقال القسطلاني (١): قوله: "فيه" أي: في الباب "ابن عمر وأبو هريرة. . ." إلخ، وكأنه يشير بالحديث الأول إلى الآتي إن شاء الله تعالى في قصة يوسف، وبالثاني إلى الحديث المذكور في الباب اللاحق، كذا قرره في "الفتح" (٢)، ثم قال: وأغرب ابن التِّين فقال: لم يقف البخاري على سنده فأرسله، وهو كلام من لم يفهم مقاصد البخاري، ونحوه قول الكرماني: قوله: "فيه" أي: في الباب حديث من رواية ابن عمر في قصة إسحاق بن إبراهيم ﵉ فأشار البخاري إليه إجمالًا، ولم يذكره بعينه؛ لأنه لم يكن على شرطه، انتهى. قال: وليس الأمر كذلك لما بيَّنته. وتعقبه العيني فقال: هذه مناقشة باردة؛ لأن كل من له أدنى فهم يفهم أن ما قاله ابن التِّين والكرماني هو الكلام الواقع في محله، وكلاهما أوجه من كلامه، فلينظر المتأمل الحاذق في حديث ابن عمر الذي في قصة يوسف هل يجد لما ذكره من الإشارة إليه وجهًا قريبًا أو بعيدًا؟ وأجاب الحافظ في "انتقاض الاعتراض": بأنه لما أورد في آخر قصة يوسف حديث ابن عمر: "الكريم ابن الكريم ابن الكريم ابن الكريم" الحديث، وكان معناه أن من جملة قصته أنه من أنبياء الله تعالى، وأن النبي ﷺ سوّى بينه وبين من ذكر من آبائه في صفة الكريم، فأشار إلى ذلك في قصة والده للتسوية المذكورة، وأما حديث أبي هريرة الذي في الباب الذي يليه، فإنه يشتمل على ما تضمنه حديث ابن عمر مع بيان سبب الحديث، وغير ذلك من الزيادة فيه. . .، إلى آخر ما قال.

стр. 2073

(١٤ - باب قوله تعالى: ﴿أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ. . .﴾ [البقرة: ١٣٣]) إلخ قال الحافظ (١): أورد فيه حديث أبي هريرة: "أكرم الناس يوسف نبي الله ابن نبي الله" الحديث، ومناسبته بهذه الترجمة من جهة موافقة الحديث الآية في سياق نسب يوسف ﵇، فإن الآية تضمنت أن يعقوب خاطب أولاده عند موته محرضًا لهم على الثبات على الإسلام، وقال له أولاده: إنهم يعبدون إلهه وإله آبائه إبراهيم وإسماعيل وإسحاق، ومن جملة أولاد يعقوب يوسف ﵇، فنص الحديث على نسب يوسف، وأنه ابن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم، وزاد أن الأربعة أنبياء في نسق، انتهى. وهكذا ذكر العلَّامة العيني (٢) في المطابقة بالباب: يستفاد من كلامهما أن الغرض من الترجمة بيان نسب يوسف ﵇، ويشكل ههنا أن هذه الترجمة تأتي قريبًا فيلزم التكرار، وسيأتي جواب الشرَّاح عن التكرار هناك. والأوجه عند هذا العبد الضعيف في الفرق بين الترجمتين أن المقصود ههنا بيان ذكر يعقوب ﵇ لا ذكر يوسف ونسبه كما قالوا، وفي الباب الآتي الغرض بيان ذكر نسب يوسف فلا تكرار حينئذ، أو يقال: إن المقصود ههنا بيان ملَّة إبراهيم وإسحاق، وبه ينحل ما يشكل على الترجمة الآتية في ذكر لوط ﵇ بأنه مقدم على يعقوب، فلم أخره المصنف عنه؟ والله أعلم بالصواب. (١٥ - باب ﴿وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ. . .﴾ [الأعراف: ٨٠]) إلخ يقال: إنه لوط بن هاران بن تارخ، وهو ابن أخي إبراهيم ﵉، وقد قص الله تعالى قصته مع قومه في الأعراف وهود والشعراء والنمل

стр. 2074

والصافات وغيرها، وحاصلها أنهم ابتدعوا وطء الذكور، فدعاهم لوط ﵇ إلى التوحيد وإلى الإقلاع عن الفاحشة، فأصروا على الامتناع، ولم يتفق أن يساعده منهم أحد، وكانت مدائنهم تسمى سدوم، وهي بغور زغر من البلاد الشامية، فلما أراد الله إهلاكهم بعث جبريل وميكائيل وإسرافيل إلى إبراهيم، فاستضافوه، فكان ما قص الله في سورة هود، ثم توجهوا إلى لوط فاستضافوه فخاف عليهم من قومه، وأراد أن يخفي عليهم خبرهم، فنمّت عليهم امرأته، فجاؤوا إليه وعاتبوه على كتمانه أمرهم، وظنوا أنهم ظفروا بهم، فأهلكهم الله على يد جبريل، فقلّب مدائنهم بعد أن خرج عنهم لوط بأهل بيته إلا امرأته فإنها تأخرت مع قومها، أو خرجت مع لوط فأدركها العذاب، فقلب جبريل المدائن بطرف جناحه، فصار عاليها سافلها، وصار مكانها بحيرة منتنة لا ينتفع بمائها ولا بشيء مما حولها، انتهى (١). (١٦ - باب قوله: ﴿فَلَمَّا جَاءَ آلَ لُوطٍ الْمُرْسَلُونَ (٦١) قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ﴾ [الحجر: ٦١، ٦٢]. . .) إلخ قال الحافظ (٢): قوله: "بركنه بمن معه. . ." إلخ، هو تفسير الفراء، وقال أبو عبيدة (٣): فتولى بركنه وبجانبه سواء، إنما يعني: ناحيته، وقال في قوله: ﴿أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ﴾ أي: عشيرة عزيزة منيعة، كذا أورد المصنف هذه الجملة في قصة لوط، وهو وهم، فإنها من قصة موسى في قوله تعالى: ﴿وَفِي مُوسَى إِذْ أَرْسَلْنَاهُ إِلَى فِرْعَوْنَ بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ (٣٨) فَتَوَلَّى بِرُكْنِهِ﴾ [الذاريات: ٣٨، ٣٩] والسبب في ذلك أن ذلك وقع تلو قصة لوط حيث قال تعالى في آخر قصة لوط: ﴿وَتَرَكْنَا فِيهَا آيَةً لِلَّذِينَ يَخَافُونَ الْعَذَابَ الْأَلِيمَ﴾ [الذاريات: ٣٧]، ثم قال عقب ذلك: ﴿وَفِي مُوسَى إِذْ أَرْسَلْنَاهُ إِلَى فِرْعَوْنَ بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ (٣٨) فَتَوَلَّى بِرُكْنِهِ﴾ [الذاريات: ٣٨، ٣٩]، أو ذكره

стр. 2075

استطرادًا لقوله في قصة لوط: ﴿أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ﴾ [هود: ٨٠]، انتهى من "الفتح" بزيادة من "القسطلاني" (١). واقتصر القسطلاني على توجيه أنه ذكره استطرادًا. (١٧ - باب قول الله : ﴿وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا﴾ [الأعراف: ٧٣]) هكذا هذه الترجمة ههنا في النسخ الهندية، وكذا في نسخة العيني والقسطلاني، وقد وقع هذا الباب في نسخة "الفتح" قبل عدة أبواب بعد ذكر هود كما نبَّهنا عليه هناك. قال الحافظ (٢) اعتذارًا عما في النسخ الهندية إذ قال: أورد المصنف ههنا قصة ثمود وصالح، وقد قدمتها في مكانها عقب قصة عاد وهود، وكأن السبب في إيرادها ههنا أنه لما أورد التفاسير من سورة الحجر كان آخرها قوله: ﴿وَإِنَّهَا لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ (٧٦) إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ (٧٧) وَإِنْ كَانَ أَصْحَابُ الْأَيْكَةِ لَظَالِمِينَ (٧٨) فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ وَإِنَّهُمَا لَبِإِمَامٍ مُبِينٍ (٧٩) وَلَقَدْ كَذَّبَ أَصْحَابُ الْحِجْرِ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الحجر: ٧٦ - ٨٠] إلخ، فجاءت قصة ثمود وهم أصحاب الحجر في هذه السورة تالية بقصة قوم لوط، فتخلل بينهما قصة أصحاب الأيكة مختصرة، وأوردها من أوردها على ذلك، انتهى. أما ثمود فهم قبيلة من العرب، سموا باسم أبيهم الأكبر ثمود بن عابر بن إرم بن سام، وقيل: سموا لقلة مائهم من الثمد، وهو الماء القليل، وكانت مساكنهم الحجر بين الحجاز والشام إلى وادي القرى، وأما صالح فهو ابن عبيد بن ماشخ بن عبيد بن حاذر بن ثمود، هكذا في "القسطلاني" (٣). وأما في "الفتح" (٤): فقال: هو صالح بن عبيد بن أسيف بن ماشخ

стр. 2076

ابن عبيد بن حاجر بن ثمود، وذكر العيني (١) الاختلاف في نسبه، وذكر في جملة أحواله ﵇: ولما شبّ صالح بعثه الله إلى قومه قبل البلوغ، ولكنه قد راهق، قاله وهب، وقال ابن عباس: لما تم له أربعون سنة أرسله إليهم، وذكره الله تعالى في القرآن في خمسة مواضع، وبيَّن قصته مع قومه، فلما أهلك الله قومه نزل صالح بفلسطين، وأقام بالرملة، وقيل: إلى مكة، وأقام هو ومن معه من المؤمنين يتعبدون حتى ماتوا، فقبورهم غربي الكعبة بين دار الندوة والحجر، قيل: مات وهو ابن مائة وثمان وخمسين سنة، وقيل: ابن ثلاثمائة وست وثلاثين سنة، وحكاه الخطيب عن ابن عباس، وهو الأظهر، وكان بين صالح وبين هود مائة سنة، وبين صالح وبين إبراهيم ستمائة سنة وثلاثون سنة، انتهى ملخصًا. قوله: (من البئر التي كانت تردها الناقة) كتب الشيخ في "اللامع" (٢): فيه دلالة على أنه كانت لهم آبار شتى، وأن الانتياب والتهايؤ إنما كان في بئر واحد لا الآبار كلها، غير أن المرأة التي بعثت قدار على عقر الناقة كانت من أهل هذه البئر التي ترد عليها الناقة، انتهى. وذكرت في هامشه قصة عقر الناقة بطولها. (١٨ - باب ﴿أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ. . .﴾ [البقرة: ١٣٣]) إلخ قال الحافظ (٣): كذا ثبتت هذه الترجمة ههنا، وهي مكررة كما سبق قريبًا، والصواب أن حديثها تلو حديث الباب الذي يليها وهي من قصة يوسف ﵇، انتهى. قلت: وعلى تقدير ثبوت هذه الترجمة الفرق بين الترجمتين هو ما تقدم.

стр. 2077

(١٩ - باب قول الله : ﴿لَقَدْ كَانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ﴾ [يوسف: ٧]) أي: في قصتهم ﴿آيَاتٌ﴾ علامات على قدرته تعالى أو على نبوتك أو عبرة للمعتبرين، فإنها تشتمل على رؤيا يوسف وما حقق الله منها، وعلى صبر يوسف عن قضاء الشهوة، وعلى الرق والسجن وما آل إليه أمره من الملك، وعلى حزن يعقوب وصبره، وما آل إليه أمره من الوصول إلى المراد، ووصفها الله تعالى بأنها أحسن القصص إذ ليس في القصص غيرها ما فيها من العبر والحكم مع اشتمالها على ذكر الأنبياء والصالحين وسير الملوك والمماليك والتجار والنساء وحيلهن ومكرهن والتوحيد وتعبير الرؤيا والسياسة والمعاشرة وتدبير المعاش، وجمل الفوائد التي تصلح للدين والدنيا، وذكر الحبيب والمحبوب وسيرهما، انتهى من "القسطلاني" (١). وقال الحافظ (٢): اسم إخوة يوسف: روبيل - بضم الراء - وهو أكبرهم، وشمعون، ولاوي، ويهوذا، وداني، ونفتالي - بفاء ومثناة -، وكاد، وأشير، وأيساجر، ورايلون، وبنيامين، وهم الأسباط، وقد اختلف فيهم فقيل: كانوا أنبياء، ويقال: لم يكن فيهم نبي، وإنما المراد بالأسباط قبائل من بني إسرائيل، وقد كان فيهم من الأنبياء عدد كثير، انتهى. وقال العلَّامة العيني (٣): ويوسف فيه ستة أوجه: ضم السين وكسرها وفتحها مع الهمزة وتركه، واختلفوا فيه هل هو أعجمي أو عربي؟ فالأكثرون على أنه أعجمي ولهذا لم ينصرف، وقيل: عربي مأخوذ من الأسف وهو الحزن، أو الأسيف وهو العبد، وقد اجتمعا في يوسف ﵇ فسمي به، وقال مقاتل: ذكر الله يوسف في القرآن في سبعة وعشرين موضعًا، انتهى. قوله: (سألت أم رومان وهي أم عائشة عما قيل فيها. . .) إلخ، كتب

стр. 2078

الشيخ في "اللامع" (١): في الرواية حذف واختصار كثير حتى أخل بالمرام وأوهم خلاف المقصود، وقد مرت الرواية بتمامها، فعليها ينبغي أن تحمل ما ههنا، فقوله: "وهي تقول" ليس حالًا عن قوله: "ولجت علينا امرأة من الأنصار"؛ لأن ذلك يصير غلطًا، بل المعنى ولجت امرأة من الأنصار، فذهبت بها عائشة قبل المناصع، فبينا ذاهبة معها إذ عثرت فقامت وهي تقول: فعل الله بفلان وفعل، فقالت: إنه نمى الحديث، وغير ذلك من الاختصارات التي لا تكاد تذهب على بصير، وقوله: "كمثل يعقوب" رواية بحسب المعنى، وإلا فقد صرحت عائشة فيما تقدم أنها لم تذكر اسم يعقوب، فعبرت عنه بأبي يوسف، وبه يصح إيراد الحديث ههنا في قصة يوسف ﵇، انتهى. ومطابقة حديث عائشة في شرح قوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ. . .﴾ [يوسف: ١١٠] إلخ، ما قال الحافظ (٢): هو وقوع الآية في سورة يوسف ودخوله هو في عموم قوله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إلا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ﴾ [يوسف: ١٠٩]، وكان مقامه في السجن تلك المدة الطويلة إلى أن جاءه النصر من عند الله تعالى بعد اليأس، انتهى. وكتب الشيخ في "اللامع" (٣): قوله: " ﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ. . .﴾ إلخ" [يوسف: ١١٠] والحاصل: أن عائشة قرأتها بالتشديد من التفعيل، وقراءة العامة بتخفيفه، فسأل عروة عن وجه القراءة ما هو؟ بالتخفيف أو التشديد؟ فقالت: كذبه قومهم، فكانوا مكذبين، فأورد عليه عروة أنه لو كان المراد ذلك لما كان لقوله: ﴿وَظَنُّوا﴾ معنى؛ لأنهم تيقنوا بتكذيبهم؛ لأن القوم كانوا يكذبونهم جهرة وعيانًا، فقالت عائشة: نعم استيقنوا بتكذيبهم، لكنهم غير مقصود بهذا، فإن المتيقن تكذيب المخالفين، والمظنون تكذيب الموافقين،

стр. 2079

فظنت الرسل بتأخر النصر أن الذين آمنوا بهم وصدقوهم من قبل سيكذبونهم، غير أن عائشة لم يكن ختمت كلامها ولا زادت على قولها: لقد استيقنوا بذلك إذ بدر عروة فقال: لما كان تكذيبهم مستيقنًا به لم يكن لقراءة التشديد معنى فيكون كذبوا بالتخفيف، فقالت عائشة بعد ذلك ما تم به كلامها، ومعنى قوله: ﴿كذبُوا﴾ بالتخفيف أنهم وعدوا كذبًا، ولذلك تبرأت عائشة من هذا المعنى، والذين يقرأونها مخففًا يرجعون الضمير إلى الأتباع لا إلى الرسل، والمعنى: وظن الأتباع أن الرسل وعدوهم كذبًا، ثم إن المراد بالظن هو الهاجس والوسوسة الغير المؤاخذ عليها، فكان يخطر ببالهم ذلك، ويدفعونه حسب طاقتهم، فلا يضر ذلك إيمانهم، وبهذا المعنى لا يبعد إرجاع الضمير إلى الرسل أيضًا، أي: توسوس الرسل أن وعدهم الذي وعدوا من الإنجاء والنصر كان كاذبًا، فإن ذلك وإن لم يستقر في قلوبهم حاشاهم عن ذلك إلا أنه كان يخطر بالبال خطورًا ما، وكانوا بشرًا، والبشرية لا تتخلف عن مقتضاها، والله تعالى أعلم، انتهى. وبسط في هامشه الكلام من الشرَّاح والمفسرين. (٢٠ - باب قول الله : ﴿وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ﴾ [الأنبياء: ٨٣]) وذكر الحافظ نسبه والاختلاف فيه، ثم قال (١): وزعم بعض المتأخرين أنه من ذرية روم بن عيص، ولا يثبت ذلك، وحكى ابن عساكر أن أمه بنت لوط ﵇، وأن أباه كان ممن آمن بإبراهيم، وعلى هذا فكان قبل موسى، وقال ابن إسحاق: الصحيح أنه كان من بني إسرائيل، ولم يصح في نسبه شيء إلا أن اسم أبيه أمص، والله أعلم. وقال الطبري: كان بعد شعيب، وقال ابن أبي خيثمة: كان بعد سليمان.

стр. 2080

ثم قال الحافظ بعد ذكر الحديث (١): لم يثبت عند البخاري في قصة أيوب شيء، فاكتفى بهذا الحديث الذي على شرطه، وأصح ما ورد في قصته ما أخرجه ابن أبي حاتم وابن جريج، وصححه ابن حبان والحاكم بسنده عن أنس: أن أيوب ﵇ ابتلي فلبث في بلائه ثلاث عشرة سنة، فرفضه القريب والبعيد إلا رجلين من إخوانه، إلى آخر ما ذكر الحافظ من القصة بطولها، فارجع إليه لو شئت. وقال أيضًا: واختلف في مدة بلائه، فقيل: ثلاث عشرة سنة كما تقدم، وقيل: ثلاث سنين، وقيل: سبع سنين، وقيل: إن امرأته قالت له: ألا تدعو الله ليعافيك؟ فقال: قد عشت صحيحًا سبعين سنة أفلا أصبر سبع سنين! والصحيح ما تقدم أنه لبث في بلائه ثلاث عشرة سنة، وروى الطبري: أن مدة عمره كانت ثلاثًا وتسعين سنة، فعلى هذا فيكون عاش بعد أن عوفي عشر سنين، والله تعالى أعلم، انتهى. قال القسطلاني (٢): وكان روميًا من ولد عيص بن إسحاق، استنبأه الله، وكثر أهله وماله، فابتلاه الله بهلاك أولاده بهدم بيت عليهم وذهاب أمواله والمرض في بدنه، فخرج من قرنه إلى قدمه ثآليل مثل أليات الغنم في سائر بدنه، ولم يبق منه سليم سوى قلبه ولسانه يذكر بهما الله إلى أن قال: وهو في كل ذلك صابر يحمد الله ويحسن الثناء عليه، ولذا كان عبرة للصابرين وذكرى للعابدين، انتهى. (٢١ - باب ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مُوسَى. . .﴾ [مريم: ٥١]) إلخ في رواية أبي ذر: "قول الله: ﴿وَاذْكُرْ﴾. . ." إلخ، وليس فيه لفظ: "باب"، وموسى هو ابن عمران بن لاهب بن عازر بن لاوي بن يعقوب، لا اختلاف في نسبه، انتهى من "الفتح" (٣).

стр. 2081

وقال القسطلاني (١) في شرح قوله: ﴿إِنَّهُ كَانَ مُخْلَصًا﴾: قال الثوري عن عبد العزيز بن رفيع عن أبي أمامة: قال الحواريون: يا روح الله! أخبرنا عن المخلص لله، قال: الذي يعمل لله لا يحب أن يحمده الناس. قوله: ﴿وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا﴾ وعند ابن جرير عن ابن عباس: ﴿وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا﴾ قال: أُدْني حتى سمع صريف القلم، انتهى. وصريف القلم صوت جريانه بما يكتب من أقضية الله ووحيه وما ينسخه من اللوح المحفوظ، وقال ابن كثير: صريف القلم بكتابة التوراة، وقال السدي: ﴿وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا﴾ قال: أدخل في السماء وكلَّمه، انتهى. (٢٢ - باب قول الله : ﴿وَهَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى. . .﴾ [طه: ٩]) إلخ سقط لفظ "باب" عند أبي ذر وكريمة. قوله: (قال ابن عباس: ﴿الْمُقَدَّسِ﴾: المبارك ﴿طُوًى﴾: اسم الوادي) هكذا وقع هذا التفسير وما بعده في رواية أبي ذر عن المستملي والكشميهني خاصة، ولم يذكره جميع رواة البخاري هنا، وإنما ذكروا بعضه في تفسير سورة طه، وقال أيضًا في آخر الباب: لمح المصنف بهذه التفاسير لما جرى لموسى في خروجه إلى مدين، ثم في رجوعه إلى مصر، ثم في أخباره مع فرعون، ثم في غرق فرعون، ثم في ذهابه إلى الطور، ثم في عبادة بني إسرائيل العجل، وكأنه لم يثبت عنده في ذلك من المرفوعات ما هو على شرطه، وأصح ما ورد في جميع ذلك ما أخرجه النسائي وأبو يعلى بإسناد حسن عن ابن عباس في حديث القنوت الطويل في قدر ثلاث ورقات، وهو في تفسير طه عنده، وعند ابن أبي حاتم وابن جرير وابن مردويه وغيرهم ممن خرج التفسير المسند، انتهى من "الفتح" (٢).

стр. 2082

(٢٣ - باب ﴿وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ. . .﴾ [غافر: ٢٨]) إلخ قال الحافظ (١): كذا وقعت هذه الترجمة بغير حديث، ولعله أخلى بياضًا في الأصل، فوصل كنظائره، ووقع هذا في رواية النسفي مضمومًا إلى ما في الباب الذي بعده، وهو متجه، واختلف في اسم هذا الرجل، فذكر أقاويل مختلفة منها شمعان بالشين المعجمة، قال: وصححه السهيلي، انتهى. قلت: واقتصر على ذكر هذا الاسم العلَّامة القسطلاني (٢)، وقال العيني (٣): في اسمه ستة أقوال، ثم ذكرها. (٢٤ - باب قول الله : ﴿وَهَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى﴾ [طه: ٩]. . .) إلخ قال الحافظ (٤): ذكر في الباب ثلاثة أحاديث: أحدها: حديث أبي هريرة في صفة موسى وعيسى وغير ذلك، ثانيها: حديث ابن عباس وفيه ذكر يونس، ثالثها: حديثه في صوم عاشوراء، انتهى. ثم هذه الترجمة بظاهرها مكررة قد تقدم مثله قبل باب، وليس بتكرار في الحقيقة، وذلك لأن هذه الأبواب كلها في حديث موسى، أي: في ذكره وأحواله، فالمقصود في هذين البابين هو الجزء المذكور بعده، ففي الباب الأول المقصود هو قوله: ﴿إِذْ رَأَى نَارًا﴾ الآية [طه: ١٠]، أي: بيان بدء نبوته، والمقصود في هذا الباب هو حال ما بعد النبوَّة، أي: تكليم الله تعالى إياه، فلا تكرار، وللتوجيه مساغ.

стр. 2083

(٢٥ - باب قول الله : ﴿وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلَاثِينَ لَيْلَةً. . .﴾ [الأعراف: ١٤٢]) إلخ أي: ذا القعدة، ﴿وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ﴾ من ذي الحجة، روي أن موسى ﵊ وعد بني إسرائيل بمصر أن يأتيهم بعد مهلك فرعون بكتاب من الله، فيه بيان ما يأتون وما يذرون، فلما هلك سأل ربه فأمره بصوم ثلاثين، فلما أتم أنكر خلوف فمه فتوسك فقالت الملائكة: كنا نشمّ من فيك رائحة المسك، فأفسدته بالسواك، فأمره الله تعالى أن يزيد عليه عشرًا، انتهى من "القسطلاني" (١). قال الحافظ (٢): قوله: ﴿وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ﴾ فيه إشارة إلى أن المواعدة وقعت مرتين، وقوله: ﴿صَعِقًا﴾ أي: مغشيًّا عليه، انتهى. ليس في نسخة. قوله: (فدكتا فدككن) إلى قوله: (ولم يقل: كنَّ رتقًا: ملتصقتين) قال الحافظ: ذكر هذا استطرادًا إذ لا تعلق له بقصة موسى، وكذا قوله: "رتقًا: ملتصقتين"، انتهى. وتعقَّب عليه العيني (٣) إذ قال: قلت: ليس كذلك، بل ذكره تنظيرًا لما قبله؛ ولهذا قال بكاف التشبيه، أراد أن نظير "دكتا" التي هي التثنية والقياس "دككن": ﴿كَانَتَا رَتْقًا﴾ [الأنبياء: ٣٠] فإن القياس أن يقال فيه: "كن رتقا"، انتهى مختصرًا. والإيراد عندي: ليس بصحيح كما ذكر في هامش "اللامع" (٤)، وكتب الشيخ في "اللامع": قوله: "رتقًا: ملتصقتين" مفسر وتفسير، ولا علاقة لهما بما تقدم، وتم الكلام على قوله: كن، انتهى.

стр. 2084

(٢٦ - باب طوفان من السيل، ويقال للموت. . .) إلخ ليس في نسخة القسطلاني لفظ "باب"، بل فيها: "طوفان من السيل. . ." إلخ. قال العلَّامة العيني (١): أي: هذا باب يذكر فيه طوفان من السيل، وليس قوله: "طوفان من السيل" بترجمة له، وإنما هو مجرد عن الترجمة، وهو كالفصل للباب المتقدم، وسقط جميعه من رواية النسفي. قوله: (طوفان) أشار به إلى ما في قوله تعالى: ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ وَالْجَرَادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفَادِعَ﴾ الآية [الأعراف: ١٣٣]، أما الطوفان فقد اختلفوا فيه، فقال البخاري: هو من السيل يكون من المطر الغالب، وعن ابن عباس: الطوفان كثرة الأمطار المغرقة المتلفة للزروع والثمار، وبه قال الضحاك، وعنه: كثرة الموت، وبه قال عطاء، وقال مجاهد: الطوفان الماء والطاعون، وروى ابن جرير بإسناده عن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ : "الطوفان الموت"، انتهى. كتب الشيخ في "اللامع" (٢): قوله: "طوفان من السيل" لما كان الطوفان يستعمل في معان شتى بيَّن أن المراد في الآيات التسع بالطوفان هو السيل، انتهى. (٢٧ - باب حديث الخضر مع موسى ﵉ -) في نسخة القسطلاني (٣): "حديث الخضر مع موسى" بغير لفظ: "باب"، وقال: ولأبي ذر: "باب حديث الخضر"، انتهى. قال الحافظ (٤): ذكر فيه حديث ابن عباس عن أُبيّ بن كعب من وجهين، وسيأتي أولهما بأتم من سياقه في تفسير سورة الكهف، وذكر المصنف في هذا الباب حديث أبي هريرة: "إنما سمي الخضر لأنه

стр. 2085

جلس. . ." إلخ، وتعلقه بالباب ظاهر من جهة ذكر الخضر فيه، وحكي عن مجاهد أنه قيل له: الخضر؛ لأنه كان إذا صلى اخضرّ ما حوله، انتهى. قال العلَّامة العيني (١): والكلام في الخضر على أنواع، الأول: في اسمه، النوع الثاني: في نسبه، والثالث: في نبوته، والنوع الرابع: في حياته، ثم بسط تلك المباحث أشد البسط. أما النوع الأول: فذكر في اسمه عدة أقوال، وصدَّر الكلام بقول مجاهد: اسمه اليسع بن ملكان بن فالغ بن عابر بن شالخ بن أرفخشد بن سام بن نوح ﵇، وذكر أيضًا: قال مقاتل: بليا - بفتح الباء الموحدة وسكون اللام وبالياء آخر الحروف - ابن ملكان بن يقطن بن فالغ إلى آخره، واقتصر القسطلاني (٢) على هذا الثاني. أما النوع الثاني: فذكر فيه عن الطبري: أن الخضر هو الرابع من ولد إبراهيم بصلبه، وقال مجاهد: هو من ولد يافث. أما النوع الثالث: فذكر فيه الجمهور على أنه نبي، وهو الصحيح؛ لأن أشياء في قصته تدلّ على نبوته، وروى مجاهد عن ابن عباس: أنه كان نبيًا، وقيل: كان وليًا، وعن علي ﵁: أنه كان عبدًا صالحًا، وقيل: كان ملكًا - بفتح اللام -، وهذا غريب جدًا. وذكر في النوع الرابع الجمهور - خصوصًا مشايخ الطريقة والحقيقة وأرباب المجاهدات والمكاشفات -: أنه حي يرزق ويشاهد في الفلوات، ورآه عمر بن عبد العزيز وإبراهيم بن أدهم وبشر الحافي ومعروف الكرخي وسري السقطي وجنيد وإبراهيم الخواص وغيرهم رضي الله تعالى عنهم، وفيه دلائل وحجج تدل على حياته، ذكرناها في "تاريخنا الكبير"، وقال البخاري وابن الجوزي: إنه مات، واحتجوا بقوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ﴾ [الأنبياء: ٣٤]. . .، إلى آخر ما بسط.

стр. 2086

(٢٨ - باب) بغير ترجمة، كذا لأبي ذر وغيره بغير ترجمة، وهو كالفصل من الباب الذي قبله، وتعلقه به ظاهر، انتهى من "الفتح" (١). قلت: والأوجه عند هذا العبد الضعيف: أنه رجوع إلى قصة موسى وقومه بعد قصته مع الخضر، فهذا رجوع إلى الأصل، وهو أصل من أصول التراجم، وهو الأصل السابع والخمسون. (٢٩ - باب قوله: ﴿يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ. . .﴾ [الأعراف: ١٣٨]) إلخ قال القسطلاني (٢): أي: يقيمون على عبادتها، قيل: كانت تماثيل بقر، وذلك أول شأن العجل، وكانوا من العمالقة الذين أمر موسى بقتالهم، انتهى. قال الحافظ (٣): أي: تفسير ذلك، والمراد تفسير قوله تعالى: ﴿وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْا عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ﴾ [الأعراف: ١٣٨]، ولم يفسر المؤلف من الآية إلا قوله تعالى فيها: ﴿إِنَّ هَؤُلَاءِ مُتَبَّرٌ مَا هُمْ فِيهِ﴾ الآية [الأعراف: ١٣٩]، فقال: إن تفسير "متبر" خسران، وهذا أخرجه الطبري عن ابن عباس، والخسران تفسير التتبير الذي اشتق منه المتبر، وأما قوله: " ﴿وَلِيُتَبِّرُوا﴾: ليدمروا" فذكره استطرادًا، وهو تفسير قتادة أخرجه الطبري في قوله: ﴿وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا﴾ [الإسراء: ٧] قال: ليدمروا ما غلبوا عليه تدميرًا. وأما حديث جابر في رعي الغنم فمناسبته للترجمة غير ظاهرة، وقال شيخنا ابن الملقن في "شرحه": قال بعض شيوخنا: لا مناسبة، قال شيخنا:

стр. 2087

بل هي ظاهرة لدخول موسى فيمن رعى الغنم، قال الحافظ: وهذا مناسب لذكر المتن في أخبار موسى، وأما مناسبة الترجمة للحديث فلا، والذي يهجس في خاطري أنه كان بين التفسير المذكور وبين الحديث بياض أُخلي لحديث يدخل في الترجمة ولترجمة تصلح لحديث جابر، ثم وصل ذلك، كما في نظائره. ومناسبة حديث جابر لقصص موسى من جهة عموم قوله: "وهل من نبي إلا وقد رعاها"، فدخل فيه موسى، كما أشار إليه شيخنا، بل وقع في [بعض] طرق هذا الحديث: "ولقد بعث موسى وهو يرعى الغنم"، وذلك فيما أخرجه النسائي في "التفسير"، ويؤيد هذا الذي قلت أنه وقع في رواية النسفي "باب" بغير ترجمة، وساق فيه حديث جابر، ولم يذكر ما قبله، وكأنه حذف الباب الذي فيه التفاسير الموقوفة، كما هو الأغلب من عادته، واقتصر على الباب الذي فيه الحديث المرفوع. . .، إلى آخر ما قال. (٣٠ - باب ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ. . .﴾ [البقرة: ٦٧]) إلخ لم يذكر فيه سوى شيء من التفسير عن أبي العالية، وقصة البقرة أوردها آدم بن أبي إياس في تفسيره، ثم ذكرها الحافظ (١) بطولها، فارجع إليه لو شئت. (٣١ - باب وفاة موسى ﵇ وذكره بعد) قال العلَّامة العيني (٢): أي: هذا باب في بيان وفاة موسى ﵊، وليس في رواية أبي ذر ذكر لفظ: "باب". قوله: (وذكره بعد) بضم الدال؛ لأنه مبني عليه لكونه قطع عن الإضافة، والتقدير: وفي بيان ذكره بعد وفاته ﵊، انتهى.
следующие страницы →