(٢٥ - باب قول الله : ﴿وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلَاثِينَ لَيْلَةً. . .﴾ [الأعراف: ١٤٢]) إلخ
أي: ذا القعدة، ﴿وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ﴾ من ذي الحجة، روي أن موسى ﵊ وعد بني إسرائيل بمصر أن يأتيهم بعد مهلك فرعون بكتاب من الله، فيه بيان ما يأتون وما يذرون، فلما هلك سأل ربه فأمره بصوم ثلاثين، فلما أتم أنكر خلوف فمه فتوسك فقالت الملائكة: كنا نشمّ من فيك رائحة المسك، فأفسدته بالسواك، فأمره الله تعالى أن يزيد عليه عشرًا، انتهى من "القسطلاني" (١).
قال الحافظ (٢): قوله: ﴿وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ﴾ فيه إشارة إلى أن المواعدة وقعت مرتين، وقوله: ﴿صَعِقًا﴾ أي: مغشيًّا عليه، انتهى. ليس في نسخة.
قوله: (فدكتا فدككن) إلى قوله: (ولم يقل: كنَّ رتقًا: ملتصقتين) قال الحافظ: ذكر هذا استطرادًا إذ لا تعلق له بقصة موسى، وكذا قوله: "رتقًا: ملتصقتين"، انتهى.
وتعقَّب عليه العيني (٣) إذ قال: قلت: ليس كذلك، بل ذكره تنظيرًا لما قبله؛ ولهذا قال بكاف التشبيه، أراد أن نظير "دكتا" التي هي التثنية والقياس "دككن": ﴿كَانَتَا رَتْقًا﴾ [الأنبياء: ٣٠] فإن القياس أن يقال فيه: "كن رتقا"، انتهى مختصرًا.
والإيراد عندي: ليس بصحيح كما ذكر في هامش "اللامع" (٤)، وكتب الشيخ في "اللامع": قوله: "رتقًا: ملتصقتين" مفسر وتفسير، ولا علاقة لهما بما تقدم، وتم الكلام على قوله: كن، انتهى.
стр. 2084
(٢٦ - باب طوفان من السيل، ويقال للموت. . .) إلخ
ليس في نسخة القسطلاني لفظ "باب"، بل فيها: "طوفان من السيل. . ." إلخ.
قال العلَّامة العيني (١): أي: هذا باب يذكر فيه طوفان من السيل، وليس قوله: "طوفان من السيل" بترجمة له، وإنما هو مجرد عن الترجمة، وهو كالفصل للباب المتقدم، وسقط جميعه من رواية النسفي.
قوله: (طوفان) أشار به إلى ما في قوله تعالى: ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ وَالْجَرَادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفَادِعَ﴾ الآية [الأعراف: ١٣٣]، أما الطوفان فقد اختلفوا فيه، فقال البخاري: هو من السيل يكون من المطر الغالب، وعن ابن عباس: الطوفان كثرة الأمطار المغرقة المتلفة للزروع والثمار، وبه قال الضحاك، وعنه: كثرة الموت، وبه قال عطاء، وقال مجاهد: الطوفان الماء والطاعون، وروى ابن جرير بإسناده عن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ : "الطوفان الموت"، انتهى.
كتب الشيخ في "اللامع" (٢): قوله: "طوفان من السيل" لما كان الطوفان يستعمل في معان شتى بيَّن أن المراد في الآيات التسع بالطوفان هو السيل، انتهى.
(٢٧ - باب حديث الخضر مع موسى ﵉ -)
في نسخة القسطلاني (٣): "حديث الخضر مع موسى" بغير لفظ: "باب"، وقال: ولأبي ذر: "باب حديث الخضر"، انتهى.
قال الحافظ (٤): ذكر فيه حديث ابن عباس عن أُبيّ بن كعب من وجهين، وسيأتي أولهما بأتم من سياقه في تفسير سورة الكهف، وذكر المصنف في هذا الباب حديث أبي هريرة: "إنما سمي الخضر لأنه
стр. 2085
جلس. . ." إلخ، وتعلقه بالباب ظاهر من جهة ذكر الخضر فيه، وحكي عن مجاهد أنه قيل له: الخضر؛ لأنه كان إذا صلى اخضرّ ما حوله، انتهى.
قال العلَّامة العيني (١): والكلام في الخضر على أنواع، الأول: في اسمه، النوع الثاني: في نسبه، والثالث: في نبوته، والنوع الرابع: في حياته، ثم بسط تلك المباحث أشد البسط.
أما النوع الأول: فذكر في اسمه عدة أقوال، وصدَّر الكلام بقول مجاهد: اسمه اليسع بن ملكان بن فالغ بن عابر بن شالخ بن أرفخشد بن سام بن نوح ﵇، وذكر أيضًا: قال مقاتل: بليا - بفتح الباء الموحدة وسكون اللام وبالياء آخر الحروف - ابن ملكان بن يقطن بن فالغ إلى آخره، واقتصر القسطلاني (٢) على هذا الثاني.
أما النوع الثاني: فذكر فيه عن الطبري: أن الخضر هو الرابع من ولد إبراهيم بصلبه، وقال مجاهد: هو من ولد يافث.
أما النوع الثالث: فذكر فيه الجمهور على أنه نبي، وهو الصحيح؛ لأن أشياء في قصته تدلّ على نبوته، وروى مجاهد عن ابن عباس: أنه كان نبيًا، وقيل: كان وليًا، وعن علي ﵁: أنه كان عبدًا صالحًا، وقيل: كان ملكًا - بفتح اللام -، وهذا غريب جدًا.
وذكر في النوع الرابع الجمهور - خصوصًا مشايخ الطريقة والحقيقة وأرباب المجاهدات والمكاشفات -: أنه حي يرزق ويشاهد في الفلوات، ورآه عمر بن عبد العزيز وإبراهيم بن أدهم وبشر الحافي ومعروف الكرخي وسري السقطي وجنيد وإبراهيم الخواص وغيرهم رضي الله تعالى عنهم، وفيه دلائل وحجج تدل على حياته، ذكرناها في "تاريخنا الكبير"، وقال البخاري وابن الجوزي: إنه مات، واحتجوا بقوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ﴾ [الأنبياء: ٣٤]. . .، إلى آخر ما بسط.
стр. 2086
(٢٨ - باب)
بغير ترجمة، كذا لأبي ذر وغيره بغير ترجمة، وهو كالفصل من الباب الذي قبله، وتعلقه به ظاهر، انتهى من "الفتح" (١).
قلت: والأوجه عند هذا العبد الضعيف: أنه رجوع إلى قصة موسى وقومه بعد قصته مع الخضر، فهذا رجوع إلى الأصل، وهو أصل من أصول التراجم، وهو الأصل السابع والخمسون.
(٢٩ - باب قوله: ﴿يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ. . .﴾ [الأعراف: ١٣٨]) إلخ
قال القسطلاني (٢): أي: يقيمون على عبادتها، قيل: كانت تماثيل بقر، وذلك أول شأن العجل، وكانوا من العمالقة الذين أمر موسى بقتالهم، انتهى.
قال الحافظ (٣): أي: تفسير ذلك، والمراد تفسير قوله تعالى: ﴿وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْا عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ﴾ [الأعراف: ١٣٨]، ولم يفسر المؤلف من الآية إلا قوله تعالى فيها: ﴿إِنَّ هَؤُلَاءِ مُتَبَّرٌ مَا هُمْ فِيهِ﴾ الآية [الأعراف: ١٣٩]، فقال: إن تفسير "متبر" خسران، وهذا أخرجه الطبري عن ابن عباس، والخسران تفسير التتبير الذي اشتق منه المتبر، وأما قوله: " ﴿وَلِيُتَبِّرُوا﴾: ليدمروا" فذكره استطرادًا، وهو تفسير قتادة أخرجه الطبري في قوله: ﴿وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا﴾ [الإسراء: ٧] قال: ليدمروا ما غلبوا عليه تدميرًا.
وأما حديث جابر في رعي الغنم فمناسبته للترجمة غير ظاهرة، وقال شيخنا ابن الملقن في "شرحه": قال بعض شيوخنا: لا مناسبة، قال شيخنا:
стр. 2087
بل هي ظاهرة لدخول موسى فيمن رعى الغنم، قال الحافظ: وهذا مناسب لذكر المتن في أخبار موسى، وأما مناسبة الترجمة للحديث فلا، والذي يهجس في خاطري أنه كان بين التفسير المذكور وبين الحديث بياض أُخلي لحديث يدخل في الترجمة ولترجمة تصلح لحديث جابر، ثم وصل ذلك، كما في نظائره. ومناسبة حديث جابر لقصص موسى من جهة عموم قوله: "وهل من نبي إلا وقد رعاها"، فدخل فيه موسى، كما أشار إليه شيخنا، بل وقع في [بعض] طرق هذا الحديث: "ولقد بعث موسى وهو يرعى الغنم"، وذلك فيما أخرجه النسائي في "التفسير"، ويؤيد هذا الذي قلت أنه وقع في رواية النسفي "باب" بغير ترجمة، وساق فيه حديث جابر، ولم يذكر ما قبله، وكأنه حذف الباب الذي فيه التفاسير الموقوفة، كما هو الأغلب من عادته، واقتصر على الباب الذي فيه الحديث المرفوع. . .، إلى آخر ما قال.
(٣٠ - باب ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ. . .﴾ [البقرة: ٦٧]) إلخ
لم يذكر فيه سوى شيء من التفسير عن أبي العالية، وقصة البقرة أوردها آدم بن أبي إياس في تفسيره، ثم ذكرها الحافظ (١) بطولها، فارجع إليه لو شئت.
(٣١ - باب وفاة موسى ﵇ وذكره بعد)
قال العلَّامة العيني (٢): أي: هذا باب في بيان وفاة موسى ﵊، وليس في رواية أبي ذر ذكر لفظ: "باب".
قوله: (وذكره بعد) بضم الدال؛ لأنه مبني عليه لكونه قطع عن الإضافة، والتقدير: وفي بيان ذكره بعد وفاته ﵊، انتهى.
стр. 2088
كتب الشيخ في "اللامع" (١): قوله: "وذكره بعد" أي: وما ذكر به موسى بعد وفاته، ويمكن أن يكون كلمة "بعد" بمعنى الأُخر، ويكون كثيرًا في مثل هذا المقام، أي: وفي بيان بعض أحواله الأُخر غير ذكر وفاته، انتهى.
قلت: واكتفى الشرَّاح على الاحتمال الأول، كما تقدم في كلام العيني، وقال العيني بعد ذكر الحديث الأول: وعن وهب أن الملائكة تولّوا دفنه والصلاة عليه، وأنه عاش مائة وعشرين سنة، وقال وهب: وصلى عليه جبريل ﵇، وكان موته بعد موت هارون بأحد عشر شهرًا، وكان بين وفاة إبراهيم ومولد موسى مائتان وخمسون سنة، وقد مضت بقية الكلام في "كتاب الجنائز"، انتهى.
قلت: وقد تقدم الكلام على حديث الباب، أعني: حديث صكّ موسى ملك الموت مع الإشكال والجواب عنه في "باب من أحبّ الدفن في الأرض المقدسة" من "كتاب الجنائز".
(٣٢ - باب قول الله : ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا. . .﴾ [التحريم: ١١]) إلخ
الغرض من هذه الترجمة ذكر آسية، وهي بنت مزاحم امرأة فرعون، قيل: إنها من بني إسرائيل، وإنها عمة موسى، وقيل: إنها من العماليق، وقيل: ابنة عم فرعون، وأما مريم فسيأتي ذكرها مفردًا بعد، قاله الحافظ (٢).
قوله: (ولم يكمل من النساء إلا آسية) الحديث، استدل بهذا الحصر على أنهما نبيتان؛ لأن أكمل النوع الإنساني الأنبياء، ثم الأولياء والصديقون والشهداء، فلو كانتا غير نبيتين للزم أن لا يكون في النساء وليّة ولا صدِّيقة ولا شهيدة، والواقع أن هذه الصفات في كثير منهن موجودة، فكأنه قال:
стр. 2089
ولم ينبأ من النساء إلا فلانة وفلانة، ولو قال: لم تثبت صفة الصديقية أو الولاية أو الشهادة إلا لفلانة وفلانة لم يصح لوجود ذلك في غيرهن، إلا أن يكون المراد في الحديث كمال غير الأنبياء، فلا يتم الدليل على ذلك لأجل ذلك، وعلى هذا فالمراد من تقدم زمانه ﷺ ، ولم يتعرض لأحد من نساء زمانه إلا لعائشة، وليس فيه تصريح بأفضلية عائشة ﵂ على غيرها؛ لأن فضل الثريد على غيره من الطعام إنما هو لما فيه من تيسير المؤنة وسهولة الإساغة، وكان أجلّ أطعمتهم يومئذ، وكل هذه الخصال لا تستلزم ثبوت الأفضلية له من كل جهة، فقد يكون مفضولًا بالنسبة لغيره من جهات أخرى، وقد ورد في هذا الحديث من الزيادة بعد قوله: "ومريم ابنة عمران": "وخديجة بنت خويلد وفاطمة بنت محمد" ﷺ ، أخرجه الطبراني، ثم ذكر الحافظ الكلام على التفضيل بينهن.
ثم قال: قال القرطبي: الصحيح أن مريم نبية؛ لأن الله تعالى أوحى إليها بواسطة الملك، وأما آسية فلم يرد ما يدل على نبوتها.
وقال الكرماني: لا يلزم من لفظ الكمال ثبوت نبوتها؛ لأنه يطلق لتمام الشيء وتناهيه في بابه، فالمراد بلوغها النهاية في جميع الفضائل التي للنساء، قال: وقد نُقل الإجماع على عدم نبوة النساء.
قال الحافظ: كذا قال، وقد نُقل عن الأشعري: أن من النساء من نُبِّئَ، وهن ست: حواء وسارة وأم موسى وهاجر وآسية ومريم، والضابط عنده أن من جاءه الملك عن الله بحكم من أمر أو نهي أو بإعلام مما سيأتي فهو نبي، وقد ثبت مجيء الملك لهؤلاء بأمور شتى من ذلك، إلى أن قال الحافظ: ومن فضائل آسية [امرأة فرعون] أنها اختارت القتل على الملك، والعذاب في الدنيا على النعيم الذي كانت فيه، وكانت فراستها في موسى ﵇ صادقة حين قالت: ﴿قُرَّتُ عَيْنٍ لِي﴾، انتهى كله من "الفتح" (١).
стр. 2090
وذكر القسطلاني (١) قصة إسلامها وتعذيبها وقتلها، لا نطيل الكلام بذكرها، وسيأتي الكلام في الأفضلية بين فاطمة وعائشة وغيرهما في "كتاب المناقب" إن شاء الله، وسيأتي أيضًا نقل الخلاف في نبوة مريم في "باب ﴿وَإِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَامَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ﴾ الآية".
(٣٣ - باب قوله: ﴿إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى. . .﴾ [القصص: ٧٦]) إلخ
هو قارون بن يصفد بن يصهر ابن عم موسى، وقيل: كان عم موسى، والأول أصحّ، وقد روى ابن أبي حاتم بإسناد صحيح عن ابن عباس: أنه كان ابن عم موسى.
واختلف في تفسير بغي قارون، فقيل: الحسد؛ لأنه قال: ذهب موسى وهارون بالأمر فلم يبق لي شيء، وقيل: إنه واطأ امرأة من البغايا أن تقذف موسى بنفسها، فألهمها الله أن اعترفت بأنه هو الذي حملها على ذلك، وقيل: الكبر؛ لأنه طغى بكثرة ماله، وقيل: هو أول من أطال ثيابه حتى زادت على قامته شبرًا.
ثم قال الحافظ (٢): لم يذكر المصنف في قصة قارون إلا هذه الآثار، وهي ثابتة في رواية المستملي والكشميهني فقط، وقد أخرج ابن أبي حاتم بإسناد صحيح عن ابن عباس، فذكر قصة خسفه وقصة أخرى في كثرة ماله، فارجع إليه لو شئت.
وإلى ههنا انتهت سلسلة التراجم المعقودة في ذكر موسى ﵇، ولعمري لقد أكثر المصنف في عقد التراجم في ذكره حتى تجاوز عن اثني عشر بابًا، فكأنه اقتفى في ذلك أثر القرآن الكريم في تكرار ذكره مرة بعد أخرى، فنعم الاقتفاء.
стр. 2091
(٣٤ - باب قول الله : ﴿وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا. . .﴾ [الأعراف: ٨٥]) إلخ
مدين قيل: عجمي منع من الصرف للعجمة والعلمية، وهو مدين بن إبراهيم ﵇، وشعيب هو ابن ميكيل بن يشجر بن لاوي بن يعقوب، كذا قال ابن إسحاق ولا يثبت، وقيل: يشجر بن عنقا بن مدين بن إبراهيم، وقيل: هو شعيب بن صفور بن عنقا بن ثابت بن مدين، وكأنّ مدين ممن آمن بإبراهيم لما أحرق، وروى ابن حبان في حديث أبي ذر الطويل: "أربعة من العرب: هود وصالح وشعيب ومحمد عليهم الصلاة والسلام"، فعلى هذا هو من العرب العاربة، وقيل: إنه من بني عنزة بن أسد.
ولم يذكر المصنف في قصة شعيب سوى هذه الآثار، وهي للكشميهني والمستملي فقط، وقد ذكر الله تعالى قصته في الأعراف وهود والشعراء والعنكبوت وغيرها، وجاء عن قتادة: أنه أرسل إلى أمتين: أصحاب مدين وأصحاب الأيكة، والجمهور على أن أصحاب مدين هم أصحاب الأيكة، انتهى مختصرًا من "الفتح" (١).
قال العيني (٢): قال علماء السير: أقام شعيب مدةً بعد هلاك قومه، ووصل إليه موسى وزوّجه بنته، وقال ابن الجوزي: ثم خرج إلى مكة ومات بها، وعمره مائة وأربعون سنة، ودفن في المسجد الحرام حيال الحجر الأسود، وقال سبطه: وعند طبرية بالساحل قرية يقال لها: حطين فيها قبر يقال: إنه قبر شعيب ﵊، وقال أبو المفاخر في "تاريخه": إن شعيبًا كان عمره ستمائة وخمسين سنة، انتهى.
وفي "الفيض" (٣): واعلم أن اسم شعيب في التوراة: يثروب، كما أن اسم عيسى ﵊: يشوع، وأيشوع. ولما نزل القرآن بلغة
стр. 2092
العرب اختار ما كان المعروف عندهم، أعني: شعيبًا وعيسى عليهما الصلاة والسلام.
قوله: (لأن مدين بلد) واعلم أن مداين اسم لابن إبراهيم ﵇ من بطن قنطوراء، وهي امرأة نكحها بعد هاجر، ثم سمي البلد على اسمه: مدين، انتهى.
ولا يخفى عليك أن مقتضى ما ذكر الحافظ في نسبه من الأقوال أن يذكر شعيب قبل ذكر موسى، وهو مقتضى ترتيب الأنبياء في سورة الأعراف وسورة هود.
وقد ذكر الحافظ ابن كثير في "البداية والنهاية" (١) قصة مدين قوم شعيب ﵇ بعد ذكر لوط وقبل أيوب ويونس، وذكر قصة موسى بعد يونس، وقال في آخر قصة قوم شعيب: وذكرنا ما وقع في زمان إبراهيم من قصة قوم لوط، وأتبعنا ذلك بقصة مدين قوم شعيب ﵇؛ لأنها قرينتها في كتاب الله في مواضع متعددة، يذكر تعالى بعد قصة قوم لوط قصة مدين، وهم أصحاب الأيكة على الصحيح، فذكرناها تبعًا لها إقتداء بالقرآن العظيم، فلتقديم الإمام البخاري ذكر موسى على ذكر شعيب ليس له وجه وجيه، اللَّهم إلا أن يقال: إنه قدَّمه عليه لجلالة شأنه لكونه من أولي العزم من الرسل مع اتحاد زمانهما.
(٣٥ - باب قول الله : ﴿وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الصافات: ١٣٩]) إلخ
قال الحافظ (٢): هو يونس بن متى، ووقع في "تفسير عبد الرزاق" أنه اسم أمه، وهو مردود بما في حديث ابن عباس في هذا الباب، ونسبه إلى أبيه فهذا أصح، ولم أقف في شيء من الأخبار على اتصال نسبه، وقد قيل: إنه كان في زمن ملوك الطوائف من الفرس، انتهى.
стр. 2093
وقال أيضًا: وأما قوله في الرواية: "ونسبه إلى أبيه" ففيه إشارة إلى الرد على من زعم أن متى اسم أمه، وهو محكي عن وهب بن منبه، والذي في "الصحيح" أصح، وقيل: سبب قوله: "ونسبه إلى أبيه" أنه كان في الأصل يونس بن فلان، فنسي الراوي اسم الأب وكنى عنه بفلان، وقيل: إن ذلك هو السبب في نسبته إلى أمه، فقال الذي نسي اسم أبيه: يونس بن متى وهو أمه، انتهى مختصرًا.
قال العلَّامة العيني (١): وكان - أي: متى - رجلًا صالحًا من أهل بيت النبوَّة، ولم يكن له ولد ذكر، فقام إلى العين التي اغتسل فيها أيوب ﵊، فاغتسل هو وزوجته منها، وصلَّيا ودعوا الله تعالى أن يرزقهما ولدًا مباركًا، فيبعثه الله في بني إسرائيل، فاستجاب الله دعاءهما، ورزقهما يونس، وتوفي متى ويونس في بطن أمه وله أربعة أشهر، وقد قيل: إنه من بني إسرائيل، وإنه من سبط بنيامين، وكان من أهل قرية من قرى الموصل يقال لها: نينوى، وكان قومه يعبدون الأصنام فبعثه الله إليهم، انتهى.
قوله: (من يقطين من غير ذات أصل. . .) إلخ، وصله عبد بن حميد من طريق مجاهد، وزاد: "ليس لهما ساق"، وكذا قال أبو عبيدة: كل شجرة لا تقوم على ساق فهي يقطين، نحو الدباء والحنظل والبطيخ، والمشهور أنه القرع، وقيل: التين، وقيل: الموز، وجاء في حديث مرفوع في القرع: "هي شجرة أخي يونس".
ثم قال الحافظ (٢): روى ابن أبي حاتم من طريق السدي عن أبي مالك أنه لبث في بطن الحوت أربعين يومًا، ومن طريق جعفر الصادق قال: سبعة أيام، ومن طريق قتادة قال: ثلاثًا، ومن طريق الشعبي قال: التقمه ضحى ولَفَظَهُ عشيةً، انتهى من "الفتح".
стр. 2094
(٣٦ - باب قوله: ﴿وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ. . .﴾ [الأعراف: ١٦٣]) إلخ
قال الحافظ (١): الجمهور أن القرية المذكورة أيلة، وهي التي على طريق الحاج الذاهب إلى مكة من مصر، وحكى ابن التِّين عن الزهري: أنها طبرية.
ثم قال الحافظ: لم يذكر المصنف في هذه القصة حديثًا مسندًا، ثم ذكر الحافظ قصتهم، وقال: رواها عبد الرزاق من حديث ابن عباس بسند فيه مبهم، وحكاه مالك عن يزيد بن رومان معضلًا، انتهى.
قلت: قال الحافظ في مقدمة "الفتح" (٢): ذكره بعد قصة يونس؛ لأن يونس ﵇ التقمه الحوت، فابتلي به فصبر ونجا، وهؤلاء ابتلوا بحيتان، فمنهم من صبر ونجا، ومنهم من لم يصبر فعذب، انتهى مختصرًا.
قلت: وكانت واقعة أهل القرية المذكورة في زمن داود على نبينا ﵊ كما في كتب التفسير من حاشية الجمل وغيره، وبهذا ظهرت المناسبة بين هذه الترجمة والترجمة الآتية.
(٣٧ - باب قول الله : ﴿وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا. . .﴾ [الإسراء: ٥٥]) إلخ
قال الحافظ (٣): هو داود بن إيشاء - بكسر الهمز وسكون التحتانية بعدها معجمة - ابن عوبد بوزن جعفر ابن باعر - بموحدة ومهملة مفتوحة - ابن سلمون بن يارب - بتحتانية وآخره موحدة - ابن رام بن حفرون - بمهملة ثم معجمة - ابن فارص - بفاء وآخره مهملة - ابن يهوذا بن يعقوب، انتهى.
وقال العيني (٤): وداود اسم أعجمي، وعن ابن عباس: هو بالعبرانية
стр. 2095
القصير العمر، ويقال: سمي به؛ لأنه داوى جراحات القلوب، وقال مقاتل: ذكره الله في القرآن في اثني عشر موضعًا. ثم ذكر نسبه مثل ما تقدم من "الفتح"، وزاد بعده: ومنهم من زاد بعد سلمون يحشون بن عمينا بن داب بن رام، وقيل: إرم.
قال ابن كثير في "البداية والنهاية" (١): لما قتل داود جالوت فأحبته بنو إسرائيل، ومالوا إليه وإلى ملكه عليهم، فكان من أمر طالوت ما كان، وصار الملك إلى داود ﵇، وجمع الله له بين الملك والنبوَّة بين خيري الدنيا والآخرة، وكان الملك يكون في سبط والنبوَّة في آخر، فاجتمع في داود هذا وهذا، كما قال تعالى: ﴿وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ﴾ الآية [البقرة: ٢٥١].
وأما وفاته ﵇ فقال الإمام أحمد في "مسنده" (٢) بسنده عن أبي هريرة: أن رسول الله ﷺ قال: "كان داود ﵇ فيه غيرة شديدة، فكان إذا خرج أغلق الأبواب، فلم يدخل على أهله أحد حتى يرجع، قال: فخرج ذات يوم وغلقت الدار، فأقبلت امرأته تطلع إلى الدار فإذا رجل قائم وسط الدار، فقالت لمن في البيت: من أين دخل هذا الرجل والدار مغلقة؟ والله لتفتضحن بداود، فجاء داود فإذا الرجل قائم في وسط الدار، فقال له داود: من أنت؟ فقال: أنا الذي لا أهاب الملوك ولا أمنع من الحجاب. فقال داود: أنت والله إذن ملك الموت مرحبًا بأمر الله. ثم مكث حتى قبضت روحه، فلما غسل وكفن وفرغ من شأنه طلعت عليه الشمس. فقال سليمان للطير: أظلي على داود، فأظلَّته الطير حتى أظلمت عليه الأرض، فقال سليمان للطير: اقبضي جناحًا"، قال أبو هريرة: فطفق رسول الله ﷺ يرينا كيف فعلت الطير، وقبض رسول الله ﷺ بيده. انفرد بإخراجه الإمام أحمد، وإسناده جيد قوي رجاله ثقات.
стр. 2096
قوله: (زبورا) هو اسم الكتاب الذي أنزل الله عليه، وروي عن ابن عباس أنه قال: أنزل الله الزبور على داود ﵇ مائة وخمسين سورة بالعبرانية، في خمسين منها ما يلقونه من بخت نصر، وفي خمسين ما يلقونه من الروم، وفي خمسين مواعظ وحكم، ولم يكن فيه حلال ولا حرام ولا حدود ولا أحكام، وروي أنه نزل عليه في شهر رمضان، انتهى.
قوله: (بسطة: زيادة وفضلًا) أي: في قوله تعالى: ﴿وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ﴾ [البقرة: ٢٤٧]. وهذه الكلمة في قصة طالوت، وكأنه ذكرها لما كان آخرها متعلقًا بداود، فلمح بشيء من قصة طالوت، وقد قصَّها الله في القرآن، قاله الحافظ (١).
(٣٨ - باب أحب الصلاة إلى الله صلاة داود. . .) إلخ
يشير إلى الحديث المذكور قبله (٢).
(٣٩ - باب ﴿وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ ذَا الْأَيْدِ. . .﴾ [ص: ١٧]) إلخ
﴿الْأَيْدِ﴾: القوة، وكان داود موصوفًا بفرط الشجاعة.
قوله: (قال مجاهد: الفهم في القضاء) أي: المراد بفصل الخطاب، وروى ابن أبي حاتم من طريق أبي بشر عن مجاهد قال: ﴿الْحِكْمَةَ﴾: الصواب، ومن طريق ليث عن مجاهد: ﴿فَصْلَ الْخِطَابِ﴾: إصابة القضاء وفهمه، ومن طريق بن جريج عن مجاهد قال: ﴿فَصْلَ الْخِطَابِ﴾: العدل في الحكم وما قال من شيء أنفذه، وقال الشعبي: ﴿فَصْلَ الْخِطَابِ﴾: قوله: أما بعد، وفي ذلك حديث مسند من طريق بلال بن أبي بردة عن أبيه عن جده قال: "أول من قال: أما بعد: داود النبي ﷺ ، وهو فصل الخطاب"، أخرجه ابن أبي حاتم، وروى ابن أبي حاتم من طريق شريح قال: ﴿فَصْلَ الْخِطَابِ﴾: الشهود والأيمان، انتهى من "الفتح" (٣).
стр. 2097
(٤٠ - باب قول الله : ﴿وَوَهَبْنَا لِدَاوُودَ سُلَيْمَانَ. . .﴾ [ص: ٣٠]) إلخ
سقط لفظ "باب" في نسخة "الفتح".
قوله: (الراجع: المنيب) هو تفسير الأواب، وقد أخرج ابن جريج من طريق مجاهد قال: الأواب الرجَّاع عن الذنوب، ومن طريق قتادة: المطيع، ومن طريق السدي قال: هو المسبح، انتهى من "الفتح" (١).
وقال ابن كثير في "البداية" (٢): قال أصبغ بن الفرج وعبد الله بن وهب، عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم قال: قال سليمان لملك الموت: إذا أمرت بي فأعلمني، فأتاه فقال: يا سليمان! قد أمرت بك، قد بقيت لك سويعة، فدعا الشياطين، فبنوا عليه صرحًا من قوارير، ليس له باب، فقام يصلي فاتكأ على عصاه، قال: فدخل عليه ملك الموت فقبض روحه وهو مُتَوَكِّئٌ على عصاه، ولم يصنع ذلك فرارًا من ملك الموت، قال: والجن تعمل بين يديه وينظرون إليه يحسبون أنه حي، ثم ذكر ما قصَّه الله تعالى في القرآن. وعن محمد بن إسحاق عن الزهري وغيره: أن سليمان ﵇ عاش ثنتين وخمسين سنة، وكان ملكه أربعين سنة، وعن عكرمة عن ابن عباس: أن ملكه كان عشرين سنة، والله أعلم. وقال ابن جرير: فكان جميع عمر سليمان بن داود ﵇ نيِّفًا وخمسين سنة. وفي سنة أربع من ملكه ابتدأ ببناء بيت المقدس فيما ذكر، انتهى.
(٤١ - باب قول الله : ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ. . .﴾ [لقمان: ١٢]) إلخ
قال الحافظ في مقدمة "الفتح" (٣): ذكره بعد سليمان؛ لأنه نبي عنده أو لأنه من أتباع داود.
وقال القسطلاني (٤): هو أعجمي، منع الصرف للتعريف والعجمة،
стр. 2098
أو عربي مشتق من اللقم، وهو حينئذ مرتجل؛ لأنه لم يسبق له وضع في النكرات ومنعه حينئذ للتعريف وزيادة الألف والنون، قال ابن إسحاق: لقمان هو ابن باعوراء بن ناحور بن تارح وهو آزر، واختلف في نبوته، واتفق على أنه كان حكيمًا.
وقال الحافظ (١): اختلف في لقمان، فقيل: كان حبشيًا، وقيل: كان نوبيًا، واختلف هل كان نبيًا؟ قال السهيلي: كان نوبيًا من أهل أيلة، واسم أبيه عنقا بن شيرون، وقال غيره: هو ابن باعور بن ناحر بن آزر، فهو ابن أخي إبراهيم، وذكر وهب في "المبتدأ": أنه كان ابن أخت أيوب، وقيل: ابن خالته، وروى الثوري في "تفسيره" عن أشعث عن عكرمة عن ابن عباس قال: كان لقمان عبدًا حبشيًا نجارًا، وفي "مصنف ابن أبي شيبة" عن خالد بن ثابت الربعي أحد التابعين مثله، وعن سعيد بن المسيب: كان من سودان مصر، ذو مشافر، أعطاه الله الحكمة، ومنعه النبوَّة. وفي "المستدرك" بإسناد صحيح عن أنس قال: كان لقمان عند داود وهو يسرد الدرع، فجعل لقمان يتعجب ويريد أن يسأله عن فائدته، فتمنع حكمته أن يسأل، وهذا صريح في أنه عاصر داود ﵇، وقد ذكره ابن الجوزي في "التلقيح" بعد إبراهيم قبل إسماعيل وإسحاق، والصحيح أنه كان في زمن داود، وقد أخرج الطبري وغيره عن مجاهد: أنه كان قاضيًا على بني إسرائيل زمن داود ﵇، وقيل: إنه عاش ألف سنة، نقل عن ابن إسحاق وهو غلط، وكأنه اختلط عليه بلقمان بن عاد، وروى ابن أبي حاتم عن قتادة: أن لقمان خُيِّر بين الحكمة والنبوَّة، فاختار الحكمة، فسئل عن ذلك فقال: خفت أن أضعف عن حمل أعباء النبوَّة، وقيل: كان خياطًا، وقيل: نجارًا، انتهى من "الفتح".
وذكر العلَّامة العيني الاختلاف في نسبه، وقال (٢) أيضًا: ولد على
стр. 2099
عشر سنين خلت من أيام داود ﵇. وقال الواقدي والسدي: إنه مات بأيلة، وقال قتادة: بالرملة. [واتفق العلماء أنه كان حكيمًا] ولم يكن نبيًا، إلا عكرمة فإنه كان يقول: إنه كان نبيًا، انتهى.
وبسط ابن كثير في "البداية" (١) في أوصافه وسيرته، وقال: والمشهور عن الجمهور أنه كان حكيمًا وليًا، ولم يكن نبيًا، انتهى.
(٤٢ - باب قول الله تعالى: ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ. . .﴾ [يس: ١٣]) إلخ
المراد بالقرية هي الأنطاكية، وقوله: ﴿إِذْ جَاءَهَا الْمُرْسَلُونَ﴾ أي: رسل عيسى، وقوله: ﴿إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ﴾ قال وهب: يوحنا وبولس، والثالث هو شمعون، وقال كعب: الرسولان: صادق وصدوق، والثالث شلوم، ولم يذكر المصنف حديثًا مرفوعًا ههنا، وعلى الباب وتاليه علامة السقوط فقط في الفرع وأصله من غير عزو، قاله القسطلاني (٢).
قال الحافظ (٣): روى الطبراني من حديث ابن عباس مرفوعًا: "السبق ثلاثة: يوشع إلى موسى، وصاحب يس إلى عيسى، وعلي إلى محمد" ﷺ ، وفي إسناده حسين بن حسين الأشقر وهو ضعيف، فإن ثبت دل على أن القصة كانت في زمن عيسى أو بعده، وصنيع المصنف يقتضي أنها قبل عيسى، انتهى.
قلت: وعامة الشرَّاح والمفسرين صرحوا بأن الرسل الثلاثة المذكورون في هذه الآية رسل المسيح ﵇، وأنهم بعثوا على أهل أنطاكية، وردّ الحافظ ابن كثير في "البداية والنهاية" (٤) على كلا الأمرين، فارجع إليه لو شئت.
стр. 2100
ويستفاد من كلامه أن هذه الرسل المذكورون في الآية مقدمون على المسيح، ولذا قدَّم ذكرهم على قصة موسى فيما اختاره من الترتيب في كتابه "البداية والنهاية"، فهذا يؤيد ما اختاره الإمام البخاري من تقديم ذكرهم على ذكر عيسى ﵇، والله تعالى أعلم.
(٤٣ - باب قوله: ﴿ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا﴾ [مريم: ٢]. . .) إلخ
في زكريا أربع لغات: المد والقصر وحذف الألف مع إبقاء الياء مشددة وتخفيف الياء، فإن مددت أو قصرت لم تصرف، وإن حذفت الألف مع إبقاء الياء مشددة صرفته، وزكريا بن آدن بن مسلم بن صدوق بن نخشان بن داود بن سليمان بن مسلم بن صديقة بن ناخور بن شلوم بن بهفاشاط بن أسا بن أخيا بن رحيم بن سليمان بن داود عليهما الصلاة والسلام، كذا ذكره الثعلبي، وقال ابن عساكر في "تاريخه": زكريا بن برخيا، ويقال: زكريا بن دان، ويقال: ابن آدن إلى آخره. وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "كان زكريا نجارًا" انفرد بإخراجه مسلم، وقال ابن إسحاق: كان زكريا وابنه يحيى صلى الله تعالى عليهم وسلم آخر من بعث في بني إسرائيل من أنبيائهم قبل عيسى ﵇، انتهى من "العيني" (١).
قال الحافظ (٢): وزكريا هو ابن أدن، ويقال: ابن شبوي، ويقال: ابن بارخيا، ويقال: ابن أبي بن بارخيا، ومريم بنت عمران بن ناشي، وهما من ذرية سليمان بن داود ﵇.
(٤٤ - باب قوله: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا. . .﴾ [مريم: ١٦]) إلخ
هذه الترجمة معقودة لأخبار مريم ﵇، ومريم بالسريانية الخادم،
стр. 2101
وسميت به والدة عيسى، فامتنع الصرف للتأنيث والعلمية، ومريم هي بنت عمران بن ماثان، وقيل: ابن ناشي بدل ابن ماثان، واسم أم مريم حنة بمهملة ونون بنت فاقود، واسم أختها والدة يحيى إيشاع، قال ابن إسحاق في "المبتدأ": كانت حنة عند عمران، وأختها عند زكريا، وكانت حنة أمسك عنها الولد ثم حملت بمريم، فمات عمران وهي حامل، انتهى من "الفتح" (١) بزيادة من "العيني" (٢).
قلت: وستأتي هذه الترجمة بعينها بعد ثلاثة أبواب، فالأوجه عندي في الفرق بين الترجمتين أن المقصود ههنا بيان مريم ﵍ كما تقدم عن الحافظ، وبالترجمة الآتية بيان ابنها عيسى ﵇، فذكر مريم ههنا عندي تمهيد لذكر عيسى الآتي، فإن حملها إياه كانت عجيبة نادرة غريبة خارقة للعادة، فلا حاجة إلى ادعاء نبوتها كما قال الحافظ في مقدمة "الفتح" (٣)، ذكرها البخاري؛ لأنها نبية عنده، انتهى.
(٤٥ - باب ﴿وَإِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَامَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ .. . .﴾ [آل عمران: ٤٢]) إلخ
قال الحافظ (٤): واستدل به على أنها كانت نبيَّة، وليس بصريح في ذلك، وأيد بذكرها مع الأنبياء في سورة مريم، ولا يمنع وصفها بأنها صديقة، قد وصف يوسف بذلك، وقد نقل عن الأشعري أن في النساء عدة نبيات، وحصرهن ابن حزم في ست: حواء وسارة وهاجر وأم موسى وآسية ومريم، وأسقط القرطبي سارة وهاجر، ونقله في "التمهيد" عن أكثر الفقهاء، وقال القرطبي: الصحيح أن مريم نبيَّة، وقال عياض: الجمهور على خلافه، ونقل النووي في "الأذكار": أن الإمام نقل الإجماع على أن مريم ليست نبيَّة، وعن الحسن: ليس في النساء نبيَّة ولا في الجن، وقال السبكي
стр. 2102
الكبير: لم يصح عندي في هذه المسألة شيء، ونقله السهيلي في آخر "الروض" عن أكثر الفقهاء، انتهى.
وتقدم ذكر الخلاف في ذلك في "باب قول الله : ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا. . .﴾ الآية".
(٤٦ - باب قوله تعالى: ﴿إِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَامَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ﴾ [آل عمران: ٤٥]) إلخ
من ههنا عند هذا العبد الضعيف شروع في ذكر عيسى ﵇، فهذه بشارة لولادته.
(٤٧ - باب قوله تعالى: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ. . .﴾ [النساء: ١٧١]) إلخ
قال الحافظ (١): قال عياض: وقع في رواية الأصيلي: " ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ﴾ "، ولغيره بحذف "قل" وهو الصواب.
قال الحافظ: هذا هو الصواب في هذه الآية التي هي من سورة النساء، لكن قد ثبت "قل" في الآية الأخرى في سورة المائدة: ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ﴾ الآية [المائدة: ٧٧]، ولكن مراد المصنف آية سورة النساء بدليل إيراده لتفسير بعض ما وقع فيها فالاعتراض متجه، انتهى.
قلت: ومقصود الترجمة عندي بيان ولادته ﵇ بدون الأب بكلمة "كن" وردّ ما غلت النصارى في حقه.
(٤٨ - باب قول الله : ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ. . .﴾ [مريم: ١٦]) إلخ
هذا الباب معقود لأخبار عيسى ﵇، والأبواب التي قبله في أخبار أمه مريم، قاله الحافظ (٢).
стр. 2103
قلت: وهذه الترجمة كما تقدم مكررة، وذكرت وجه الفرق هناك.
وفي هامش "اللامع" (١): ثم لا يذهب عليك أن الإمام البخاري ترجم هنا بعدة تراجم متقاربة، ولم يتعرض الشرَّاح للفرق بينهما إلا ما قالوا في دفع التكرار في "باب قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ﴾ " [مريم: ١٦]: إن الأولى متعلقة بمريم، والثانية متعلقة بعيسى ﵇، وهو كذلك عندي، لكن ما قال الحافظ في التراجم المتوسطة بين هاتين الترجمتين أنها متعلقة بمريم ليس بوجيه عندي، بل الأوجه عندي: أن الترجمة الأولى معقودة لحال مريم كما قال الحافظ، ويدل عليه الحديث الوارد فيه من قوله: "غير مريم وابنها"، والباب الثاني، أي: قوله: ﴿وَإِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَامَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ. . .﴾ إلخ [آل عمران: ٤٢] أيضًا متعلقة بمريم، والباب الثالث من قوله: ﴿إِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَامَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ. . .﴾ إلخ [آل عمران: ٤٥] متعلق ببشارة ولادة عيسى، وهو مشترك بينه وبين أمه، ولذا أورد في الترجمة الأقوال المتعلقة بعيسى ﵇، والروايات الواردة فيه متعلقة بأمه، وأما "باب قوله تعالى: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ. . .﴾ إلخ [النساء: ١٧١] " متعلقة بولادة عيسى من كونه مولودًا بكلمته بدون أب، ومن ههنا بدئ ذكر عيسى عندي، انتهى.
(٤٩ - باب نزول عيسى ابن مريم)
كذا في النسخ الهندية والعيني والقسطلاني، وسقط لفظ "باب" في نسخة "الفتح"، قال الحافظ (٢): يعني: في أواخر الزمان، كذا لأبي ذر بغير "باب"، وأثبته غيره، انتهى من "الفتح".
وكتب أخونا ومولانا محمد إدريس الكاندهلوي في "التعليق الصبيح" (٣): اعلم أن نزول عيسى على نبينا وعليه الصلاة والسلام في آخر
стр. 2104
الزمان من السماء إلى الأرض حق ثابت بالكتاب والسُّنَّة وإجماع الأمة، من أنكره فقد كفر، أما الكتاب فقوله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إلا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾ [النساء: ١٥٩] والمعنى: ليؤمنن بعيسى قبل موت عيسى، وقال تعالى في حق عيسى ﵇: ﴿وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ﴾ [الزخرف: ٦١] قرئ بفتح اللام والعين، والضمير في "إنه" راجع إلى عيسى ﵇ لقوله تعالى: ﴿وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا﴾ [الزخرف: ٥٧] والمعنى: أن نزوله علامة القيامة.
وأما الأحاديث فهي كثيرة بلغت مبلغ التواتر كما صرح به الحافظ ابن كثير في "تفسيره" (١) والحافظ العسقلاني في "الفتح" (٢)، وقد ألف شيخنا الأكبر أستاذنا ومولانا الشاه محمد أنور - نوَّر الله وجهه يوم القيامة ونضَّر - رسالة وجيزة (٣) في أحاديث النزول أورد فيها أكثر من سبعين حديثًا فشفى وكفى وجمع فأوعى، جزاه الله الجزاء الأوفى.
وأما الإجماع فقال أبو حيان في "البحر المحيط" (٤): قال ابن عطية: وأجمعت الأمة على ما تضمنه الحديث المتواتر من أن عيسى في السماء حي، وأنه ينزل في آخر الزمان، وقال الشيخ محيي الدين في "الفتوحات": لا خلاف في أنه ينزل في آخر الزمان، وقال السفاريني: قد أجمعت الأمة على نزوله، ولم يخالف فيه أحد من أهل الشريعة، وإنما أنكره الفلاسفة والملاحدة مما لا يعتد بخلافه. . . إلى آخر ما قال، كذا في "شرح العقيدة السفارينية" (٥)، انتهى.
ثم ذكر النقول في كفر من أنكر نزوله، وأيضًا بسط الكلام في لطائف
стр. 2105
الأسرار والحكم في نزوله ﵇، فارجع إليه لو شئت، وسيأتي شيء من الكلام عليه عن "فتح الملهم".
قال الحافظ (١): الحكمة في نزول عيسى دون غيره من الأنبياء الرد على اليهود في زعمهم أنهم قتلوه، فبيَّن الله تعالى كذبهم، وأنه الذي يقتلهم، أو نزوله لدنو أجله ليدفن في الأرض، إذ ليس لمخلوق من التراب أن يموت في غيرها، وقيل: إنه دعا الله لما رأى صفة محمد ﷺ وأمته أن يجعله منهم، فاستجاب الله دعاءه، وأبقاه حتى ينزل في آخر الزمان مجددًا لأمر الإسلام، فيوافق خروج الدجال فيقتله، والأول أوجه، وروى مسلم من حديث ابن عمر في مدة إقامة عيسى بالأرض بعد نزوله أنها سبع سنين، وروى نعيم بن حماد في "كتاب الفتن" من حديث ابن عباس: "أن عيسى إذ ذاك يتزوج في الأرض، ويقيم بها تسع عشرة سنة"، وبإسناد فيه مبهم عن أبي هريرة: "يقيم بها أربعين سنة"، وروى أحمد وأبو داود بإسناد صحيح من طريق عبد الرحمن بن آدم عن أبي هريرة مثله مرفوعًا.
وقد اختلف في موت عيسى ﵇ قبل رفعه، والأصل فيه قوله تعالى: ﴿إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ﴾ [آل عمران: ٥٥]، فقيل: على ظاهره، وعلى هذا فإذا نزل في الأرض ومضت المدة المقدرة له يموت ثانيًا، وقيل: معنى قوله: ﴿مُتَوَفِّيكَ﴾ من الأرض، فعلى هذا لا يموت إلا في آخر الزمان. واختلف في عمره حين رفع، فقيل: ابن ثلاث وثلاثين، وقيل: مائة وعشرين، انتهى كله من "الفتح".
وأجاد صاحب "فتح الملهم" (٢) في بيان الحكمة في نزول عيسى ﵇ حيث كتب: قال العبد الضعيف: اعلم أن الله لما أراد أن يظهر صفة إنعامه وانتقامه خلق الخلق، وجعله أصنافًا، فخلق منابع الإيمان والهداية، من غير نوع الإنسان، وهم الملائكة، ومن النوع الإنساني وهم الأنبياء
стр. 2106
والمرسلون صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، وخلق معادن الكفر والضلالة من غير نوع الإنسان وهم الشياطين، ومن النوع الإنساني وهم الدجالون الكذابون عليهم لعنة الله، فالأولون هم سادة السعداء النازلين في دار كرامته وفضله ومظاهر رحمته ورضاه ، والآخرون هم رؤوس الأشقياء الساقطين في محل عقوبته وسخطه ومظاهر نقمته وغضبه، والمحاربة قائمة بين الفريقين، والمخالفة واقعة بين الطرفين على ما يَقتضيه نظام التجاذب الواقع بين صفات الله الجمالية والقهرية، فملائكة الله في طرف، والشياطين في طرف آخر، وأولياء الرحمن في جانب، والدجاجلة أعداء الله في جانب آخر، وما زالوا يتحاربون ويتقاتلون في كل عصر، ولا يزالون مختلفين حتى يأتي أمر الله، ولذلك خلقهم، وكُلًّا يمدّ هؤلاء وهؤلاء من عطاء ربك وما كان عطاء ربك محظورًا، ومن المعلوم المتيقن أنه كلما ظهر في هذه الأمة دجال كذاب قام من ورثة سيد الأنبياء ﷺ شخص أو قوم لدفع مكائده وإبطال حيله، والله نصر الصادق وخذل الكاذب، ولا تزال هذه المحاربة بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان حتى يخرج رأس الكفر من المشرق وهو الدجال الأعظم وعدو الله الأكبر الذي أنذر به كل نبي قومه، وختمت به سلسلة الدجل والكذب إلى أن كتب: وهذه فتنة لا توجد فتنة أعظم منها، وهناك ابتلي المؤمنون وزلزلوا زلزالًا شديدًا، فكأن الظاهر أن لا يقدم بمقاومة خاتم الدجاجلة الكاذبين إلا خاتم الأنبياء والمرسلين، ودعا له الخليل والذبيح، وبشّر بمقدمه المسيح، وانتهت إليه مراتب النبوَّة والرسالة الذي أرسل بالحق كافة للناس بشيرًا ونذيرًا، فلا يبقى على ظهر الأرض بيت وبر ولا مدر إلا أدخله الله دينه القويم، فكان الأوفق فيما يبدو للناس أن يكون النبي ﷺ بنفسه النفيسة حجيج عدو الله الأكبر إلا أن الله رفع منزلته، وجعل أمر الدجال اللعين أهون من أن يقدم في مقابلته ﷺ . . .، إلى آخر ما بسط.
стр. 2107
(٥٠ - باب ما ذكر عن بني إسرائيل)
تقدم في مقدمة "اللامع" (١) في بيان مناسبة الترتيب بين الأبواب من كلام الحافظ قُدِّس سرُّه: ثم ذكر المصنف بعد الأنبياء أشياء من العجائب الواقعة في زمن بني إسرائيل، انتهى.
وبنو إسرائيل ذرية يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم، وإسرائيل لقب يعقوب، أي: من الأعاجيب التي كانت في زمانهم، ذكر فيه أربعة وثلاثين حديثًا، انتهى من "الفتح" (٢).
وذكر العيني (٣) قصة في سبب تسمية يعقوب بإسرائيل، ويستفاد من كلام الحافظ والقسطلاني أن هذه الأبواب التي في ذكر بني إسرائيل ملحقة بأحاديث الأنبياء، كما سيأتي في مبدأ باب المناقب.
(٥١ - باب حديث أبرص وأقرع وأعمى. . .) إلخ
كذا في الهامش الهندية معلمًا عليه علامة النسخة، وليس لفظ: "باب" في النسخة الهندية ولا في نسخة الشروح الثلاثة "الفتح" و"العيني" و"القسطلاني".
قال الحافظ (٤): هكذا ترجم لهذا الحديث في أثناء ذكر بني إسرائيل، وهو الحديث الثاني عشر.
وقال العيني والقسطلاني (٥): وفي بعض النسخ: "باب حديث أبرص. . ." إلخ.
(٥٢ - باب قوله تعالى: ﴿أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ. . .﴾ [الكهف: ٩]) إلخ
هكذا في النسخ الهندية و"العيني" و"القسطلاني"، وليس في نسخة "الفتح" لفظ "باب".
стр. 2108
قال الحافظ (١): كذا لأبي ذر عن المستملي والكشميهني وحدهما إلى آخر الترجمة، ولغيره في أوله: "باب"، ولم يورد في ذلك إلا تفاسير مما وقع في قصة أصحاب الكهف، وسقط كله من رواية النسفي. وقال أيضًا: لم يذكر المصنف في هذه الترجمة حديثًا مسندًا، وقد روى عبد بن حميد بإسناد صحيح عن ابن عباس قصة أصحاب الكهف مطوّلة غير مرفوعة، ذكرها الحافظ، ملخصًا من "الفتح".
قوله: (الكهف: الفتح في الجبل) هو قول الضحاك، أخرجه عنه ابن أبي حاتم، واختلف في مكان الكهف، فالذي تضافرت به الأخبار أنه في بلاد الروم، وعن ابن عباس: أنه بالقرب من أيلة، وقيل: بالقرب من طرسوس، وفي "تفسير ابن مردويه" عن ابن عباس: أصحاب الكهف أعوان المهدي، وسنده ضعيف، فإن ثبت حمل على أنهم لم يموتوا بل هم في المنام إلى أن يبعثوا لإعانة المهدي، وقد ورد في حديث آخر بسند واه أنهم يحجون مع عيسى ﵇.
قوله: (والرقيم: الكتاب. . .) إلخ، قال أبو عبيدة: الرقيم الوادي الذي فيه الكهف، وعن كعب الأحبار قال: هو اسم القرية، وعن سعيد بن جبير: أن الرقيم اسم الكلب، وقيل: الرقيم هو الغار، كما سأبيِّنه في حديث الغار، وقيل: الرقيم الصخرة التي أطبقت على الوادي، وسيأتي في التفسير قول ابن عباس: إن الرقيم لوح من رصاص كتبت فيه أسماء أصحاب الكهف، وقيل: الرقيم الدواة، وقال قوم: أخبر الله عن قصة أصحاب الكهف ولم يخبر عن قصة أصحاب الرقيم، قلت: وليس كذلك، بل السياق يقتضي أن أصحاب الكهف هم أصحاب الرقيم، والله أعلم، انتهى مختصرًا من "الفتح" (٢).
стр. 2109
(٥٣ - باب حديث الغار)
في نسخ الشروح سقط لفظ "باب".
قال الحافظ (١): عقب المصنف قصة أصحاب الكهف بحديث الغار إشارة إلى ما ورد أنه قد قيل: إن الرقيم المذكور في قوله تعالى: ﴿أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ﴾ الآية [الكهف: ٩] هو الغار الذي أصاب فيه الثلاثة ما أصابهم، وذلك فيما أخرجه البزار والطبراني بإسناد حسن عن النعمان بن بشير ﵄: أنه سمع النبي ﷺ يذكر الرقيم قال: "انطلق ثلاثة، فكانوا في كهف، فوقع الجبل على باب الكهف، فأوصد عليهم" فذكر الحديث، انتهى من "الفتح".
وهكذا في "العيني" (٢)، ثم قال: قلت: يحتمل أنه ذكر هذا عقيب ذاك؛ لأن هؤلاء الثلاثة كانوا في زمن بني إسرائيل، يدل عليه ما رواه الطبراني عن عقبة بن عامر: "أن ثلاثة نفر من بني إسرائيل"، الحديث.
(٥٤ - باب)
بغير ترجمة، وهكذا في "العيني" و"القسطلاني" (٣) وقالا: هو كالفصل لما قبله، وليس في أكثر النسخ لفظ: "باب"، انتهى.
ولم يتعرض له الحافظ، وليس هو بموجود في نسخة شرحه.
ثم البراعة عندي وكذا عند الحافظ في قوله: "قدم معاوية المدينة آخر قدمة قدمها".
* * *
стр. 2110
٦١ - كتاب المناقب
هكذا في نسخة "العيني"، وكذا على هامش النسخة الهندية بعلامة النسخة، وفي النسخ الهندية وكذا في نسخة "الفتح" و"القسطلاني": "باب المناقب".
قال الحافظ (١): كذا في الأصول التي وقفت عليها من كتاب البخاري، وذكر صاحب "الأطراف" وكذا في بعض الشروح أنه قال: "كتاب المناقب"، فعلى الأول هو من جملة كتاب أحاديث الأنبياء، وعلى الثاني هو كتاب مستقل، والأول أولى؛ فإنه يظهر من تصرفه أنه قصد به سياق الترجمة النبوية بأن يجمع فيه أمور النبي ﷺ من المبدأ إلى المنتهى، فبدأ بمقدماتها من ذكر ما يتعلق بالنسب الشريف، فذكر أشياء تتعلق بالأنساب، ومن ثم ذكر أمورًا تتعلق بالقبائل، ثم النهي عن دعوى الجاهلية؛ لأن معظم فخرهم كان بالأنساب، ثم ذكر صفة النبي ﷺ تسليمًا كثيرًا كثيرًا، وشمائله ومعجزاته، واستطرد منها بفضائل أصحابه، ثم أتبع بأحواله قبل الهجرة وما جرى له بمكة، فذكر المبعث، ثم إسلام الصحابة وهجرة الحبشة والمعراج ووفود الأنصار والهجرة إلى المدينة، ثم ساق المغازي على ترتيبها عنده، ثم الوفاة، فهذا آخر هذا الباب، وهو من جملة تراجم الأنبياء، وختمها بخاتم الأنبياء ﷺ تسليمًا كثيرًا كثيرًا، انتهى من "الفتح".
قلت: وهو كذلك، وقد تقدم في هامش مقدمة "اللامع" (٢) أيضًا: أن الأوجه عند هذا العبد الضعيف: أن ذكر الفضائل والمناقب المتعلقة بهذه
стр. 2111
الأمة تمهيد وتكميل لذكر نبينا سيد الأنبياء عليه أفضل الصلوات والتسليمات، ولما كان ذكره الشريف أصلًا ومقصودًا بسط في ذكر التمهيد والتكميل، فذكر قريشًا؛ لأنها قبيلته صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم تسليمًا كثيرًا كثيرًا.
ثم المناقب جمع منقبة، وهي ضد المثلبة، قاله العيني (١)، وقال السندي (٢): المناقب: المكارم والمفاخر، واحدها منقبة ضد المثلبة كأنها تنقب قلب الحسود، انتهى.
(١ - وقول الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ﴾ الآية [الحجرات: ١٣]. . .) إلخ
قال الحافظ (٣): يشير إلى ما تضمنته هذه الآية من أن المناقب عند الله إنما هي بالتقوى بأن يعمل بطاعته ويكف عن معصيته، وقد ورد في الحديث ما يوضح ذلك، ففي صحيحي ابن خزيمة وابن حبان من حديث ابن عمر في خطبته ﷺ يوم الفتح، وفيه: "يا أيها الناس! الناس رجلان مؤمن تقي كريم على الله، وفاجر شقي هين على الله"، ثم تلا هذه الآية، وروى أحمد وغيره في خطبة النبي ﷺ بمنى: "يا أيها الناس! إن ربكم واحد، وإن أباكم واحد، ألا لا فضل لعربي على عجمي، ولا لأسود على أحمر إلا بالتقوى، خيركم عند الله أتقاكم"، انتهى.
قوله: (﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ﴾ الآية) [النساء: ١] قال الحافظ (٤): المراد بذكر هذه الآية الإشارة إلى الاحتياج إلى معرفة النسب أيضًا؛ لأنه يعرف به ذو الأرحام المأمور بصلتهم، وذكر ابن حزم في مقدمة كتاب
стр. 2112
"النسب" له فصلًا في الرد على من زعم أن علم النسب علم لا ينفع وجهل لا يضر؛ بأن في علم النسب ما هو فرض على كل أحد، وما هو فرض على الكفاية، وما هو مستحب، قال: فمن ذلك أن يعلم أن محمدًا رسول الله ﷺ هو ابن عبد الله الهاشمي، فمن زعم أنه لم يكن هاشميًا فهو كافر، إلى آخر ما ذكر الحافظ، ونقل ابن عبد البر أنه قال في أول كتابه "النسب": ولعمري لم ينصف من زعم أن علم النسب علم لا ينفع وجهل لا يضر، انتهى.
باب
بغير ترجمة، ليس لفظ الباب في نسخة "الفتح"، وهو موجود في النسخ الهندية والعيني والقسطلاني.
قال العيني (١): هو كالفصل لما قبله، وقال تحت الحديث الأول من هذا الباب: ووجه ذكره عقيب الحديث السابق أن المذكور فيه: أن الناس تبع لقريش، وفيه تفضيلهم على غيرهم، والمذكور في هذا أنه لم يكن بطن من قريش إلا وللنبي فيه قرابة، فيقتضي هذا تفضيله على الكل، انتهى.
قال الحافظ (٢): دخول هذا الحديث في هذه الترجمة - أي: في ترجمة الباب السابق، فإن هذا الباب ليس في نسخة "الفتح" - واضح من جهة تفسير المودة المطلوبة في الآية بصلة الرحم التي بينه وبين قريش، وهم الذين خوطبوا بذلك، وذلك يستدعي معرفة النسب التي تحقق بها صلة الرحم، قال عكرمة: كانت قريش تصل الأرحام في الجاهلية، فلما دعاهم النبي ﷺ إلى الله تعالى خالفوه وقاطعوه، فأمرهم بصلة الرحم التي بينه وبينهم، انتهى.
стр. 2113
(٢ - باب مناقب قريش)
قال العلَّامة العيني (١): الكلام في قريش على أنواع:
الأول: من هو الذي تسمى بقريش من أجداد النبي ﷺ ؟ فقال الزبير: قالوا: قريش اسم فهر بن مالك، وما لم يلد فهر فليس من قريش، قال الزبير: قال عمي: فهر هو قريش اسمه وفهر لقبه، قال ابن دريد: الفهر: الحجر الأملس يملأ الكف، وهو مؤنث، وقيل: يذكر ويؤنث، وكنية فهر أبو غالب، وقال ابن هشام: النضر هو قريش، فمن كان من ولده فهو قريشي، ومن لم يكن من ولده فليس بقريشي، وهذا قول الجمهور، وقيل: قصي هو قريش، والقولان الأولان حكاهما غير واحد من أئمة علم النسب، والصحيح الذي عليه الجمهور هو النضر، وقيل: الصحيح هو فهر.
النوع الثاني: في وجه التسمية بقريش، وفيه خمسة عشر قولًا، الأول: أنه من التقرش وهو التكسب والتجارة، وكانت قريش يتقرشون في البياعات، وهذا قاله ابن هشام، ثم ذكر العيني بقية الأقوال فيه.
والنوع الثالث: فيما جاء فيهم، فروي عن سعد بن أبي وقاص ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: "من يريد هوان قريش أهانه الله"، وعن واثلة بن الأسقع قال: قال رسول الله ﷺ : "إن الله اصطفى كنانة من ولد إسماعيل، واصطفى قريشًا من كنانة، واصطفى هاشمًا من قريش، واصطفاني من بني هاشم" رواه مسلم، وكانت لقريش في الجاهلية مكارم، منها: السقاية والعمارة والرفادة والحجابة والحكومة وغير ذلك، ذكره العيني.
وكانوا يسمون آل الله وجيران الله، والنسبة إلى قريش قريشي، وعن الخليل: قرشي أيضًا، فإن أردت بقريش الحي صرفته، وإن أردت به القبيلة لم تصرفه، انتهى مختصرًا.
стр. 2114
قوله: (فغضب معاوية) كتب الشيخ في "اللامع" (١): كان وجه الغضب أنه حمل قول عبد الله بن عمرو على أنه يكون خليفة حق، وليس المراد في الحديث ذلك، بل المراد أنه يتغلب، والحاصل أن أحد الصحابيين أخطأ فيه، فإما أن يكون مراد عبد الله أنه سيكون عن قريب أو أنه يكون خليفة حق، وهما غير صحيحين؛ لأنه يكون متغلبًا، ويكون في آخر الزمان، أو يكون الراوي أصاب في فهم ما روى، إلا أن معاوية ﵁ فهم منه خلاف ما قصد، فغضب لذلك، والله أعلم، انتهى.
وفي هامشه: قال الحافظ (٢): في إنكار معاوية ذلك نظر؛ لأن الحديث الذي استدل به مقيد بإقامة الدين، فيحتمل أن يكون خروج القحطاني إذا لم تقم قريش أمر الدين، وقد وجد ذلك، انتهى.
وقال العلَّامة السندي (٣): وإنما فعل ما فعل معاوية؛ لأنه ما بلغه ذلك الحديث، واستدلاله بحديث "إن هذا الأمر. . ." إلخ، دليل عليه لا له؛ لأن تقييد "ما أقاموا الدين" يشعر أن هذا الأمر لا يبقي فيهم حين تركهم مراعاة الدين، والله تعالى أعلم، انتهى ملخصًا.
والأوجه عند هذا العبد الضعيف في سبب إنكار معاوية أنه حمل الحديث على أنهم يريدون بمعاونة هذا الحديث إخراج الخلافة من قريش، ويؤيده قول معاوية: إياكم والأماني، وبسط في هامش "اللامع" أيضًا أنهم اختلفوا في القحطاني هل يكون من الخلفاء الصالحين أم لا؟ فارجع إليه لو شئت.
(٣ - باب نزل القرآن بلسان قريش)
قال الحافظ (٤): أورد فيه طرفًا من حديث أنس في أمر عثمان ﵁،
стр. 2115
وسيأتي مبسوطًا ومشروحًا في "فضائل القرآن"، ووجه دخوله في مناقب قريش ظاهر، والله أعلم، انتهى.
وسنذكر الكلام في جمع القرآن هناك إن شاء الله.
(٤ - باب نسبة اليمن إلى إسماعيل ﵇ -)
أي: ابن إبراهيم الخليل، ونسبة مضر وربيعة إلى إسماعيل متفق عليها، وأما اليمن فجماع نسبهم ينتهي إلى قحطان، واختلف في نسبه، فالأكثر على أنه ابن عابر بن شالخ بن أرفشخذ بن سام بن نوح، وقيل: هو من ولد هود ﵇، وقيل: هو هود نفسه، وقيل: ابن أخيه، ويقال: إن قحطان أول من تكلم بالعربية، وهو والد العرب المتعربة، وأما إسماعيل فهو والد العرب المستعربة، وأما العرب العاربة فكانوا قبل ذلك كعاد وثمود وغيرهما، وزعم الزبير بن بكار إلى أن قحطان من ذرية إسماعيل، وأنه قحطان بن الهميسع بن تيم بن نبت بن إسماعيل ﵇، وهو ظاهر قول أبي هريرة المتقدم في ذكر قصة هاجر حيث قال وهو يخاطب الأنصار: "فتلك أمكم يا بني ماء السماء"، هذا هو الذي يترجح في نقدي، انتهى من "الفتح" (١) وبسط أشد البسط.
قوله: (منهم أسلم بن أفصى) بفتح الهمزة وسكون الفاء بعدها مهملة مقصورًا، ووقع في رواية الجرجاني: "أفعى" بعين مهملة بدل الصاد، وهو تصحيف، وأراد المصنف أن نسب حارثة بن عمرو متصل باليمن، وقد خاطب النبي ﷺ بني أسلم بأنهم من بني إسماعيل كما في حديث سلمة بن الأكوع الذي في هذا الباب، فدلَّ على أن اليمن من بني إسماعيل، وفي هذا الاستدلال نظر؛ لأنه لا يلزم من كون بني أسلم من بني إسماعيل أن يكون جميع من ينسب إلى قحطان من بني إسماعيل لاحتمال
стр. 2116
أن يكون وقع في أسلم ما وقع في إخوتهم خزاعة من الخلاف، هل هم من بني قحطان أو من بني إسماعيل؟ إلى آخر ما بسطه (١).
قوله: (وأنت مع بني فلان. . .) إلخ، كتب الشيخ قُدِّس سرُّه في "اللامع" (٢): ومن المعلوم أن النصر لا تكون إلا لمن هو معهم، فلذا أمسكوا عن الرمي؛ لأن الرمي إنما كان ليروا إليهم ينصر بإصابة المرمى، فإذا قال: وأنا معكم كلكم أخذوا في المراماة، ولم يكن الفريقان مقابلًا بحيث يرمي كل منهم الآخر، انتهى وذكر في "هامشه" كلام الشرَّاح مما يتعلق به فارجع إليه.
٥ - (باب)
بغير ترجمة، كذا هو بلا ترجمة، وهو كالفصل من الباب الذي قبله، ووجه تعلقه به من الحديثين الأولين ظاهر، وهو الزجر عن الادعاء إلى غير الأب الحقيقي؛ لأن اليمن إذا ثبت نسبهم إلى إسماعيل فلا ينبغي لهم أن ينسبوا إلى غيره، وأما الحديث الثالث فله تعلق بأصل الباب، وهو أن عبد القيس ليسوا من مضر، وأما الرابع فإشارة إلى ما وقع في بعض طرقه من الزيادة بذكر ربيعة ومضر، انتهى من "الفتح" (٣).
(٦ - باب ذكر أسلم وغفار ومزينة وجهينة وأشجع)
هذه خمس قبائل، كانت في الجاهلية في القوة والمكانة دون بني عامر بن صعصعة وبني تميم بن مرة وغيرهما من القبائل، فلما جاء الإسلام كانوا أسرع دخولًا فيه من أولئك، فانقلب الشرف إليهم بسبب ذلك، فأما أسلم فقد تقدم ذكر نسبهم في الباب الماضي، ثم ذكر الحافظ نسب الباقي من القبائل الأربعة (٤).
стр. 2117
(٧ - باب ذكر قحطان)
هكذا في النسخ الهندية و"الفتح"، وفي نسخة "العيني" و"القسطلاني" ها هنا بدله "باب ابن أخت القوم ومولى القوم منهم"، ولا شك أن نسخ البخاري في سياق هذه التراجم مختلفة جدًا تقديمًا وتأخيرًا كما يظهر من الشروح، ونسخة "الفتح" في أكثرها موافقة للنسخة الهندية التي بأيدينا، تقدم القول في قحطان، وهل هو من ذرية إسماعيل أم لا؟ وإلى قحطان تنتهي أنساب أهل اليمن من حمير وكندة وهمدان وغيرهم.
قوله: (حتى يخرج رجل من قحطان) لم أقف على اسمه، ولكن جوَّز القرطبي أن يكون جهجاه الذي وقع ذكره في مسلم من طريق أخرى عن أبي هريرة بلفظ: "لا تذهب الأيام والليالي حتى يملك رجل يقال له: جهجاه"، أخرجه عقب حديث القحطاني، ثم قال الحافظ: وهذا الحديث يدخل في علامات النبوَّة من جملة ما أخبر به ﷺ قبل وقوعه ولم يقع بعد، وقد روى نعيم بن حماد في "الفتن" من طريق أرطاة بن المنذر أحد التابعين من أهل الشام: أن القحطاني يخرج بعد المهدي، ويسير على سيرة المهدي. . .، إلى آخر ما قال في "الفتح" (١).
تنبيه: قد تقدم في مقدمة "اللامع" (٢) في بيان مناسبة الترتيب بين الكتب والأبواب على الهامش، وأجاد شيخ مشايخنا في تراجمه ههنا كلامًا لطيفًا فقال في "باب ذكر قحطان": تحير الناس في هذه المطالب التي ترجم لها البخاري ولم يهتدوا إلى مقصده فيها، والذي وفق هذا العبد الضعيف بفهمه أن البخاري عمد ها هنا إلى قصص أطال الكلام محمد بن إسحاق فيها في "سيرته"، فأقام لكل منها شاهدًا من الأحاديث الصحيحة على شرطه، فذكر ابن إسحاق قصة (٣) اليمن من حر، فأتى البخاري لها شاهدًا
стр. 2118
وهو ذكر قحطان في الحديث الصحيح، وذكر حلف الفضولي وغيرهما من معاداتهم في ما بينهم، فأشار إليه البخاري بقوله: "باب ما ينهى من دعوى الجاهلية"، وذكر تسلط خزاعة على مكة بعد ما أخرجوا، فأتى لها بشاهد، وهو ذكر عمرو بن لحي وتسييبه السوائب، وذكر قصة حفر عبد المطلب زمزم فأتى لها بشاهد، وهو حديث إسلام أبي ذر وشربه من زمزم، فإنه يدل على أن زمزم كان موجودًا في أول مبعث النبي ﷺ ، وذكر الدارمي قبل ذكر مبعث النبي ﷺ جهل العرب، وأخرج قصة رجل ذكر عنده ﷺ أنه قتل ابنيه في الجاهلية، فأتى البخاري لها بشاهد، وهو قوله تعالى: ﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلَادَهُمْ﴾ [الأنعام: ١٤٠] وذكر ابن إسحاق نسبه ﷺ إلى سيدنا إسماعيل، وروي عن مالك أنه كره رفع النسب إلى ما فوق الإسلام، فانتصر البخاري لابن إسحاق، وذكر ابن إسحاق في ميلاد النبي ﷺ قصة الفيل واستيلاء الجيش على اليمن، فلم يجد البخاري لها شاهدًا فأتى بقوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ﴾ [الفيل: ١]، وذكر الحبشة في الحديث، وخطابه لبني أرفدة، هذا ما لاح لي، والله تعالى أعلم، انتهى بلفظه الشريف، نوَّر الله مرقده، انتهى من هامش مقدمة "اللامع".
(٨ - باب ما ينهى عنه من دعوة الجاهلية)
قال الحافظ (١): ودعوى الجاهلية: الاستغاثة عند إرادة الحرب، كانوا يقولون: يا آل فلان، فيجتمعون فينصرون القائل ولو كان ظالمًا، فجاء الإسلام بالنهي عن ذلك، وكأن المصنف أشار إلى ما ورد في بعض طرق حديث جابر المذكور، وهو ما أخرجه إسحاق بن راهويه والمحاملي في "الفوائد الأصبهانية" من طريق أبي الزبير عن جابر قال: اقتتل غلام من المهاجرين وغلام من الأنصار، فذكر الحديث، وفيه فقال رسول الله ﷺ :
стр. 2119
"أدعوى الجاهلية؟ قالوا: لا، قال: لا بأس، ولينصر الرجل أخاه ظالمًا أو مظلومًا، فإن كان ظالمًا فلينهه، فإنه له نصر"، وعرف من هذا أن الاستغاثة ليست حرامًا، وإنما الحرام ما يترتب عليها من دعوى الجاهلية، انتهى.
(٩ - باب قصة خزاعة)
اختلف في نسبهم مع الاتفاق على أنهم من ولد عمرو بن لحي باللام والمهملة مصغرًا، وهو ابن حارثة بن عمرو بن عامر بن ماء السماء، وقد تقدم نسبه في أسلم، وأسلم هو عم عمرو بن لحي، ويقال: إن اسم لحي ربيعة، وقد صحف بعض الرواة فقال: عمرو بن يحيى، ووقع مثل ذلك في "الجمع" للحميدي (١)، والصواب باللام وتشديد الياء آخره مصغر، ويقال لخزاعة: بنو كعب، نسبوا إلى جدهم كعب بن عمرو بن لحي، قال ابن الكلبي: لما تفرق أهل سبأ بسبب سيل العرم نزل بنو مازن على ماء يقال له: غسَّان، فمن أقام به منهم فهو غسَّاني، وانخزعت منهم بنو عمرو بن لحي عن قومهم، فنزلوا مكة وما حولها فسموا خزاعة، وتفرقت سائر الأزد، انتهى من "الفتح" (٢).
(١٠ - باب قصة إسلام أبي ذر)
" باب قصة زمزم" هكذا في النسخ الهندية، وفي نسخة "القسطلاني" ها هنا: "باب قصة زمزم"، قال القسطلاني (٣): ولأبي ذر: "قصة إسلام أبي ذر ﵁" وعند "العيني": "باب قصة زمزم، وفيه: إسلام أبي ذر"، وفي نسخة "الفتح": "قصة زمزم"، وذكر فيه الحديث المذكور في النسخ الهندية، لكن ذكر فيه قبله: "باب قصة إسلام أبي ذر"، وذكر فيه الحديث بطوله في
стр. 2120
قصة إسلامه، وهذا الباب مع ما ذكر فيه من الحديث يأتي في النسخ الهندية بعد عدة أبواب، يعني: بعد "إسلام أبي بكر وسعد"، ولهذا قال الحافظ (١) ها هنا: وسقط هذا الباب (أي: إسلام أبي ذر) لغير أبي ذر، وكأنه أولى؛ لأن هذه الترجمة ستأتي بعد إسلام أبي بكر وسعد وغيرهما، انتهى.
وقال العيني (٢) بعد ذكر حديث الباب: مطابقته للترجمة ظاهرة، أما قصة زمزم فلأن فيه ذكر زمزم، واكتفى أبو ذر ﵁ به في المدة التي أقام فيها بمكة، وأما قصة إسلامه فظاهرة من هذا الباب، انتهى.
قلت: وقد تقدم في مقدمة "اللامع" (٣) في الفائدة الثالثة عشر في مناسبة الترتيب بين الكتب والأبواب ما قال الحافظ: ولما ذكر أسلم وغفارًا ذكر قريبًا منه إسلام أبي ذر؛ لأنه أول من أسلم من غفار، انتهى.
وتقدم هناك في هامشه: قلت: بل ذكره ها هنا لبيان زمزم كما ترجم به، وذكر إسلامه استطرادي من حيث إنه أول من أسلم من غفار، كما أفاده الحافظ، وذكر إسلامه يناسب الترجمة الثانية الآتية بعد النبوَّة، وإلا فلا وجه لذكر إسلامه قبل مبعثه ﷺ .
(١٢ - باب جهل العرب)
وفي نسخة "الفتح": "باب قصة زمزم وجهل العرب"، وذكر فيه الحديث المذكور في النسخ الهندية، وفي نسخة "العيني" و"القسطلاني" ها هنا: "باب ذكر قحطان"، وهذا الباب قد تقدم في النسخ الهندية، وكذا في نسخة "الفتح" بعد ذكر أسلم وغفار.
قال الحافظ (٤): كذا لأبي ذر ولغيره "باب جهل العرب"، وهو أولى إذ لم يجر في حديث الباب لزمزم ذكر، وأما الإسماعيلي فجمع هذه الأحاديث في ترجمة واحدة وهو متجه، انتهى.
стр. 2121
(١٣ - باب من انتسب إلى آبائه)
قال العيني (١): أي: بيان جواز انتساب من انتسب إلى آبائه الذين مضوا في الإسلام أو في الجاهلية، وكره بعضهم ذلك مطلقًا، ومحل الكراهة إنما كان إذا ذكره على طريق المفاخرة والمشاجرة، وقد روى الإمام أحمد وأبو يعلى في "مسنديهما" بإسناد حسن من حديث أبي ريحانة رفعه: "من انتسب إلى تسعة آباء كفار يريد بهم عزًا أو كرامة، فهو عاشرهم في النار"، انتهى. وكذا في "الفتح" (٢).
(١٤ - باب ابن أخت القوم ومولى القوم منهم)
وهكذا هذه الترجمة ها هنا في نسخة "الفتح"، وفي نسخة "العيني" و"القسطلاني" تقدم هذا الباب كما سبق في "باب ذكر قحطان" وفي نسختيهما ها هنا: "باب قصة الحبش" الآتي بعد هذا الباب.
قال الحافظ (٣): قوله: "منهم" أي: فيما يرجع إلى المناظرة والتعاون ونحو ذلك، وأما بالنسبة إلى الميراث ففيه نزاع، كما سيأتي بسطه في "كتاب الفرائض"، ولم يذكر المصنف حديث "مولى القوم منهم" مع ذكره في الترجمة، فزعم بعضهم أنه لم يقع له حديث على شرطه فأشار إليه، وفيه نظر؛ لأنه قد أورده في الفرائض من حديث أنس، ولفظه: "مولى القوم من أنفسهم" والمراد بالمولى ها هنا المعتق بفتح المثناة، أو الحليف، وأما المولى من أعلى فلا يراد ها هنا، ووقع في حديث أبي هريرة عند البزار مضمون الترجمة وزيادة عليها بلفظ: "مولى القوم منهم، وحليف القوم منهم، وابن أخت القوم منهم"، انتهى.
وكتب الشيخ في "اللامع" (٤): وإثبات الجزء الثاني بالرواية مقايسة، انتهى.
стр. 2122
وتقدم عن الحافظ أنه أشار به إلى ما سيأتي، وبه جزم العيني.
(١٥ - باب قصة الحبش)
قال الحافظ (١): والحبش هم الحبشة، يقال: إنهم من ولد حبش بن كوش بن حام بن نوح، وهم مجاورون لأهل اليمن يقطع بينهم البحر، وقد غلبوا على اليمن قبل الإسلام وملكوها، وغزا أبرهة من ملوكهم الكعبة ومعه الفيل، وقد ذكر ابن إسحاق قصته مطوَّلة، وأخرجها الحاكم ثم البيهقي من طريق قابوس بن أبي ظبيان عن أبيه عن ابن عباس ملخصة، وإلى هذا القدر أشار المصنف بذكرهم في مقدمة السيرة النبوية، انتهى من "الفتح".
وقال العيني (٢): لم يذكر في الباب من قصة الحبشة إلا شيئًا نزرًا، وذكر ابن إسحاق قصتهم مطوَّلة، فمن أراد الوقوف عليها فليرجع إلى كتابه، انتهى.
قوله: (يا بني أرفدة) هو بفتح الهمزة وسكون الراء وكسر الفاء، اسم لجد لهم وقيل: معنى الأرفدة الأمة، وقد تقدم شيء من ذلك في أبواب العيدين.
ثم قال الحافظ: وقد استدل قوم من الصوفية بحديث الباب على جواز الرقص وسماع آلات الملاهي، وطعن فيه الجمهور باختلاف المقصدين، فإن لعب الحبشة بحرابهم كان للتمرين على الحرب، فلا يحتج به للرقص في اللهو، والله أعلم، انتهى من "الفتح" (٣).
(١٦ - باب من أحب أن لا يسب نسبه)
يسب بضم أوله، والمراد بالنسب الأصل، وبالسب الشتم، والمراد أن لا يشتم أهل نسبه، انتهى من "الفتح" (٤).