وهو ذكر قحطان في الحديث الصحيح، وذكر حلف الفضولي وغيرهما من معاداتهم في ما بينهم، فأشار إليه البخاري بقوله: "باب ما ينهى من دعوى الجاهلية"، وذكر تسلط خزاعة على مكة بعد ما أخرجوا، فأتى لها بشاهد، وهو ذكر عمرو بن لحي وتسييبه السوائب، وذكر قصة حفر عبد المطلب زمزم فأتى لها بشاهد، وهو حديث إسلام أبي ذر وشربه من زمزم، فإنه يدل على أن زمزم كان موجودًا في أول مبعث النبي ﷺ ، وذكر الدارمي قبل ذكر مبعث النبي ﷺ جهل العرب، وأخرج قصة رجل ذكر عنده ﷺ أنه قتل ابنيه في الجاهلية، فأتى البخاري لها بشاهد، وهو قوله تعالى: ﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلَادَهُمْ﴾ [الأنعام: ١٤٠] وذكر ابن إسحاق نسبه ﷺ إلى سيدنا إسماعيل، وروي عن مالك أنه كره رفع النسب إلى ما فوق الإسلام، فانتصر البخاري لابن إسحاق، وذكر ابن إسحاق في ميلاد النبي ﷺ قصة الفيل واستيلاء الجيش على اليمن، فلم يجد البخاري لها شاهدًا فأتى بقوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ﴾ [الفيل: ١]، وذكر الحبشة في الحديث، وخطابه لبني أرفدة، هذا ما لاح لي، والله تعالى أعلم، انتهى بلفظه الشريف، نوَّر الله مرقده، انتهى من هامش مقدمة "اللامع".
(٨ - باب ما ينهى عنه من دعوة الجاهلية)
قال الحافظ (١): ودعوى الجاهلية: الاستغاثة عند إرادة الحرب، كانوا يقولون: يا آل فلان، فيجتمعون فينصرون القائل ولو كان ظالمًا، فجاء الإسلام بالنهي عن ذلك، وكأن المصنف أشار إلى ما ورد في بعض طرق حديث جابر المذكور، وهو ما أخرجه إسحاق بن راهويه والمحاملي في "الفوائد الأصبهانية" من طريق أبي الزبير عن جابر قال: اقتتل غلام من المهاجرين وغلام من الأنصار، فذكر الحديث، وفيه فقال رسول الله ﷺ :
стр. 2119
"أدعوى الجاهلية؟ قالوا: لا، قال: لا بأس، ولينصر الرجل أخاه ظالمًا أو مظلومًا، فإن كان ظالمًا فلينهه، فإنه له نصر"، وعرف من هذا أن الاستغاثة ليست حرامًا، وإنما الحرام ما يترتب عليها من دعوى الجاهلية، انتهى.
(٩ - باب قصة خزاعة)
اختلف في نسبهم مع الاتفاق على أنهم من ولد عمرو بن لحي باللام والمهملة مصغرًا، وهو ابن حارثة بن عمرو بن عامر بن ماء السماء، وقد تقدم نسبه في أسلم، وأسلم هو عم عمرو بن لحي، ويقال: إن اسم لحي ربيعة، وقد صحف بعض الرواة فقال: عمرو بن يحيى، ووقع مثل ذلك في "الجمع" للحميدي (١)، والصواب باللام وتشديد الياء آخره مصغر، ويقال لخزاعة: بنو كعب، نسبوا إلى جدهم كعب بن عمرو بن لحي، قال ابن الكلبي: لما تفرق أهل سبأ بسبب سيل العرم نزل بنو مازن على ماء يقال له: غسَّان، فمن أقام به منهم فهو غسَّاني، وانخزعت منهم بنو عمرو بن لحي عن قومهم، فنزلوا مكة وما حولها فسموا خزاعة، وتفرقت سائر الأزد، انتهى من "الفتح" (٢).
(١٠ - باب قصة إسلام أبي ذر)
" باب قصة زمزم" هكذا في النسخ الهندية، وفي نسخة "القسطلاني" ها هنا: "باب قصة زمزم"، قال القسطلاني (٣): ولأبي ذر: "قصة إسلام أبي ذر ﵁" وعند "العيني": "باب قصة زمزم، وفيه: إسلام أبي ذر"، وفي نسخة "الفتح": "قصة زمزم"، وذكر فيه الحديث المذكور في النسخ الهندية، لكن ذكر فيه قبله: "باب قصة إسلام أبي ذر"، وذكر فيه الحديث بطوله في
стр. 2120
قصة إسلامه، وهذا الباب مع ما ذكر فيه من الحديث يأتي في النسخ الهندية بعد عدة أبواب، يعني: بعد "إسلام أبي بكر وسعد"، ولهذا قال الحافظ (١) ها هنا: وسقط هذا الباب (أي: إسلام أبي ذر) لغير أبي ذر، وكأنه أولى؛ لأن هذه الترجمة ستأتي بعد إسلام أبي بكر وسعد وغيرهما، انتهى.
وقال العيني (٢) بعد ذكر حديث الباب: مطابقته للترجمة ظاهرة، أما قصة زمزم فلأن فيه ذكر زمزم، واكتفى أبو ذر ﵁ به في المدة التي أقام فيها بمكة، وأما قصة إسلامه فظاهرة من هذا الباب، انتهى.
قلت: وقد تقدم في مقدمة "اللامع" (٣) في الفائدة الثالثة عشر في مناسبة الترتيب بين الكتب والأبواب ما قال الحافظ: ولما ذكر أسلم وغفارًا ذكر قريبًا منه إسلام أبي ذر؛ لأنه أول من أسلم من غفار، انتهى.
وتقدم هناك في هامشه: قلت: بل ذكره ها هنا لبيان زمزم كما ترجم به، وذكر إسلامه استطرادي من حيث إنه أول من أسلم من غفار، كما أفاده الحافظ، وذكر إسلامه يناسب الترجمة الثانية الآتية بعد النبوَّة، وإلا فلا وجه لذكر إسلامه قبل مبعثه ﷺ .
(١٢ - باب جهل العرب)
وفي نسخة "الفتح": "باب قصة زمزم وجهل العرب"، وذكر فيه الحديث المذكور في النسخ الهندية، وفي نسخة "العيني" و"القسطلاني" ها هنا: "باب ذكر قحطان"، وهذا الباب قد تقدم في النسخ الهندية، وكذا في نسخة "الفتح" بعد ذكر أسلم وغفار.
قال الحافظ (٤): كذا لأبي ذر ولغيره "باب جهل العرب"، وهو أولى إذ لم يجر في حديث الباب لزمزم ذكر، وأما الإسماعيلي فجمع هذه الأحاديث في ترجمة واحدة وهو متجه، انتهى.
стр. 2121
(١٣ - باب من انتسب إلى آبائه)
قال العيني (١): أي: بيان جواز انتساب من انتسب إلى آبائه الذين مضوا في الإسلام أو في الجاهلية، وكره بعضهم ذلك مطلقًا، ومحل الكراهة إنما كان إذا ذكره على طريق المفاخرة والمشاجرة، وقد روى الإمام أحمد وأبو يعلى في "مسنديهما" بإسناد حسن من حديث أبي ريحانة رفعه: "من انتسب إلى تسعة آباء كفار يريد بهم عزًا أو كرامة، فهو عاشرهم في النار"، انتهى. وكذا في "الفتح" (٢).
(١٤ - باب ابن أخت القوم ومولى القوم منهم)
وهكذا هذه الترجمة ها هنا في نسخة "الفتح"، وفي نسخة "العيني" و"القسطلاني" تقدم هذا الباب كما سبق في "باب ذكر قحطان" وفي نسختيهما ها هنا: "باب قصة الحبش" الآتي بعد هذا الباب.
قال الحافظ (٣): قوله: "منهم" أي: فيما يرجع إلى المناظرة والتعاون ونحو ذلك، وأما بالنسبة إلى الميراث ففيه نزاع، كما سيأتي بسطه في "كتاب الفرائض"، ولم يذكر المصنف حديث "مولى القوم منهم" مع ذكره في الترجمة، فزعم بعضهم أنه لم يقع له حديث على شرطه فأشار إليه، وفيه نظر؛ لأنه قد أورده في الفرائض من حديث أنس، ولفظه: "مولى القوم من أنفسهم" والمراد بالمولى ها هنا المعتق بفتح المثناة، أو الحليف، وأما المولى من أعلى فلا يراد ها هنا، ووقع في حديث أبي هريرة عند البزار مضمون الترجمة وزيادة عليها بلفظ: "مولى القوم منهم، وحليف القوم منهم، وابن أخت القوم منهم"، انتهى.
وكتب الشيخ في "اللامع" (٤): وإثبات الجزء الثاني بالرواية مقايسة، انتهى.
стр. 2122
وتقدم عن الحافظ أنه أشار به إلى ما سيأتي، وبه جزم العيني.
(١٥ - باب قصة الحبش)
قال الحافظ (١): والحبش هم الحبشة، يقال: إنهم من ولد حبش بن كوش بن حام بن نوح، وهم مجاورون لأهل اليمن يقطع بينهم البحر، وقد غلبوا على اليمن قبل الإسلام وملكوها، وغزا أبرهة من ملوكهم الكعبة ومعه الفيل، وقد ذكر ابن إسحاق قصته مطوَّلة، وأخرجها الحاكم ثم البيهقي من طريق قابوس بن أبي ظبيان عن أبيه عن ابن عباس ملخصة، وإلى هذا القدر أشار المصنف بذكرهم في مقدمة السيرة النبوية، انتهى من "الفتح".
وقال العيني (٢): لم يذكر في الباب من قصة الحبشة إلا شيئًا نزرًا، وذكر ابن إسحاق قصتهم مطوَّلة، فمن أراد الوقوف عليها فليرجع إلى كتابه، انتهى.
قوله: (يا بني أرفدة) هو بفتح الهمزة وسكون الراء وكسر الفاء، اسم لجد لهم وقيل: معنى الأرفدة الأمة، وقد تقدم شيء من ذلك في أبواب العيدين.
ثم قال الحافظ: وقد استدل قوم من الصوفية بحديث الباب على جواز الرقص وسماع آلات الملاهي، وطعن فيه الجمهور باختلاف المقصدين، فإن لعب الحبشة بحرابهم كان للتمرين على الحرب، فلا يحتج به للرقص في اللهو، والله أعلم، انتهى من "الفتح" (٣).
(١٦ - باب من أحب أن لا يسب نسبه)
يسب بضم أوله، والمراد بالنسب الأصل، وبالسب الشتم، والمراد أن لا يشتم أهل نسبه، انتهى من "الفتح" (٤).
стр. 2123
ومطابقة الحديث للترجمة تؤخذ من قوله: "فقال: كيف بنسبي"؟ فإنه ﷺ لم يرد أن يهجى نسبه مع هجو الكفار، انتهى من "العيني" (١).
(١٧ - باب ما جاء في أسماء رسول الله ﷺ . . .) إلخ
قوله: (﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ. . .﴾) إلخ، ليست هذه الآية في نسخة "الفتح". قال القسطلاني (٢): ثبتت هذه الآية ههنا في رواية أبي الوقت، انتهى.
قوله : (﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ. . .﴾) إلخ، قال الحافظ (٣): كأنه يشير إلى أن هذين الاسمين أشهر أسمائه، وأشهرهما محمد ﷺ ، وقد تكرر في القرآن، وأما أحمد فذكر فيه حكاية عن قول عيسى ﵇، فأما محمد فمن باب التفعيل للمبالغة، وأما أحمد فمن باب التفضيل، وقيل: سمي أحمد؛ لأنه عَلَمٌ منقولٌ من صفة، وهي أفعل التفضيل، ومعناه: أحمد الحامدين، وسبب ذلك ما ثبت في الصحيح أنه يفتح عليه في المقام المحمود بمحامد لم يفتح بها على أحد قبله، وقيل: الأنبياء حمادون وهو أحمدهم، أي: أكثرهم حمدًا أو أعظمهم في صفة الحمد، وأما محمد فمنقول من صفة الحمد أيضًا، وهو بمعنى محمود، وفيه معنى المبالغة، وقد أخرج المصنف في "التاريخ الصغير" من طريق علي بن زيد قال: كان أبو طالب يقول:
وَشَقَّ لَهُ مِن اسْمِهِ لِيُجِلَّهُ … فَذُو الْعَرْشِ مَحْمُودٌ وَهَذَا مُحَمَّدٌ
والمحمد الذي حمد مرة بعد مرة كالممدح، أو الذي تكاملت فيه الخصال المحمودة. قال عياض (٤): كان رسول الله ﷺ أحمد قبل أن يكون محمدًا، كما وقع في الوجود؛ لأن تسميته أحمد وقعت في الكتب السالفة، وتسميته محمدًا وقعت في القرآن العظيم، وذلك أنه حمد ربه قبل أن يحمده
стр. 2124
الناس، وكذلك في الآخرة يحمد ربه فيشفعه فيحمده الناس، وقد خص بسورة الحمد وبلواء الحمد وبالمقام المحمود، وشرع له الحمد بعد الأكل، وبعد الشرب، وبعد الدعاء، وبعد القدوم من السفر، وسميت أمته الحمَّادين، فجمعت له معاني الحمد وأنواعه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم تسليمًا كثيرًا كثيرًا، انتهى.
قوله: (لي خمسة أسماء) قال القسطلاني (١): فإن قيل: إن المقرر في علم المعاني أن تقديم الجار والمجرور يفيد الحصر، وقد وردت الرواية بأكثر من ذلك، حتى قال ابن العربي: إن له ﷺ ألف اسم، أجيب بأنه لم يرد الحصر فيها، فالظاهر أنه أراد أن لي خمسة أسماء أختص بها، أو خمسة أسماء مشهورة عند الأمم السابقة، انتهى.
قال الحافظ (٢): وقال عياض (٣): حمى الله هذه الأسماء أن يسمى بها أحد قبله، وإنما تسمى بعض العرب محمدًا قرب ميلاده لما سمعوا من الكهان والأحبار أن نبيًّا سيبعث في ذلك الزمان يسمى محمّدًا، فرجوا أن يكونوا هم، فسموا أبناءهم بذلك، قال: وهم ستة لا سابع لهم، كذا قال، وقال السهيلي في "الروض": لا يعرف في العرب من تسمى محمدًا قبل النبي ﷺ إلا ثلاثة: محمد بن سفيان بن مجاشع، ومحمد بن أحيحة [بن الجلاح]، ومحمد بن حمران بن ربيعة، قال الحافظ: وهو حصر مردود، وقد جمعت أسماء من تسمى بذلك في جزء مفرد، فبلغوا نحو العشرين لكن مع تكرر في بعضهم، ووهم في بعض، فيتخلص منهم خمسة عشر نفسًا.
وقال الحافظ (٤) أيضًا بعد ذكر حديث الباب: قال ابن دحية في تصنيف له مفرد في الأسماء النبوية: قال بعضهم: أسماء النبي ﷺ عدد
стр. 2125
أسماء الله الحسنى تسعة وتسعون اسمًا، قال: ولو بحث عنها باحث لبلغت ثلاثمائة اسم، وذكر في تصنيفه المذكور أماكنها من القرآن والأخبار، وضبط ألفاظها وشرح معانيها، وغالب الأسماء التي ذكرها وصف بها النبي ﷺ ، ولم يرد الكثير منها على سبيل التسمية، مثل عدّه اللبنة - بفتح اللام وكسر الموحدة ثم النون - في أسمائه للحديث المذكور في الباب بعده في القصر الذي من ذهب وفضة إلا موضع لبنهَ قال: "فكنت أنا اللبنة"، ونقل ابن العربي في "شرح الترمذي" عن بعض الصوفية: أن لله ألف اسم ولرسوله ألف اسم.
(١٨ - باب خاتم النبيين)
يعني: المراد بالخاتم في أسمائه أنه خاتم النبيين، ولمح بما وقع في القرآن، انتهى من "الفتح" (١).
وأما مطابقة الحديث الأول بالترجمة فما قال العيني (٢): تؤخذ المطابقة من معناه؛ لأن في طريق من طرق الحديث عند الإسماعيلي: "فأنا موضع اللبنة، جئت فختمت الأنبياء عليهم الصلاة والسلام"، انتهى.
وقال الحافظ (٣) تحت الباب: أشار إلى ما أخرجه في "التاريخ" من حديث العرباض بن سارية رفعه: "إني عبد الله وخاتم النبيين، وإن آدم لمنجدل في طينته" الحديث، وأخرجه أيضًا أحمد وصححه ابن حبان والحاكم، انتهى.
(١٩ - باب وفاة النبي ﷺ -)
كذا في النسخ الهندية، وكذا في نسخة الشروح، ويشكل إيراده ها هنا فإنه سيأتي في محله.
стр. 2126
قال الحافظ (١): كذا وقعت هذه الترجمة عند أبي ذر، وسقطت من رواية النسفي، ولم يذكرها الإسماعيلي، وفي ثبوتها هنا نظر؛ فإن محلها في آخر المغازي كما سيأتي، والذي يظهر أن المصنف قصد بإيراد حديث عائشة هنا بيان مقدار عمر النبي ﷺ فقط، لا خصوص زمن وفاته، وأورده في الأسماء إشارة إلى أن من جملة صفاته عند أهل الكتاب أن مدة عمره القدر الذي عاشه، وسيأتي نقل الخلاف في مقداره في آخر المغازي إن شاء الله، انتهى.
(٢٠ - باب كنية النبي ﷺ تسليمًا كثيرًا كثيرًا)
قال الحافظ (٢): الكنية بضم الكاف وسكون النون مأخوذة من الكناية، تقول: كنيت عن الأمر بكذا إذا ذكرته بغير ما يستدل به عليه صريحًا، وقد اشتهرت الكنى للعرب حتى ربما غلبت على الأسماء؛ كأبي طالب وأبي لهب، وقد يكون للواحد كنية واحدة فأكثر، وقد يشتهر باسمه وكنيته جميعًا، فالاسم والكنية واللقب يجمعها العلم بفتحتين، وتتغاير بأن اللقب ما أشعر بمدح أو ذم، والكنية ما صدرت بأب أو أم، وما عدا ذلك فهو اسم.
وكان النبي ﷺ يكنى أبا القاسم بولده القاسم، وكان أكبر أولاده، واختلف هل مات قبل البعثة أو بعدها؟ وقد ولد له ﷺ إبراهيم في المدينة من مارية ﵂، وفي حديث أنس: أن جبريل قال للنبي ﷺ : "السلام عليك يا أبا إبراهيم". وقد اختلف في جواز التكني بكنيته ﷺ ؛ فالمشهور عن الشافعي المنع على ظاهر هذه الأحاديث، وقيل: يختص ذلك بزمانه، وقيل: بمن تسمى باسمه، انتهى.
стр. 2127
وسيأتي بسط ذلك وتوجيه هذه المذاهب في كتاب الأدب إن شاء الله تعالى.
(٢١ - باب)
بغير ترجمة، قال الحافظ (١): كذا للأكثر بغير ترجمة، وضمه بعضهم إلى الباب الذي قبله، ولا تظهر مناسبته له، ولا يصلح أن يكون فصلًا من الذي قبله، بل هو طرف من الحديث الذي بعده، ولعل هذا من تصرف الرواة، نعم وجهه بعض شيوخنا بأنه أشار إلى أن النبي ﷺ وإن كان ذا اسم وكنية لكن لا ينبغي أن ينادى بشيء منهما بل يقال له: يا رسول الله كما خاطبته خالة السائب لما أتت به إليه، ولا يخفى تكلفه، انتهى.
(٢٢ - باب خاتم النبوَّة)
أي: صفته، وهو الذي كان بين كتفي النبي ﷺ ، وكان من علاماته التي كان أهل الكتاب يعرفونه بها، وادعى عياض (٢): أن الخاتم هو أثر شق الملكين لما بين كتفيه، وتعقبه النووي وقال: هذا باطل؛ لأن الشق إنما كان في صدره وبطنه، وكذا قال القرطبي (٣): وأثره إنما كان خطًا واضحًا من صدره إلى مراق بطنه، كما في الصحيحين، قال: ولم يثبت قط أنه بلغ بالشق حتى نفذ من وراء ظهره، فهذه غفلة من هذا الإمام، ولعل ذلك وقع من بعض نساخ كتابه، فإنه لم يسمع عليه فيما علمت، كذا قال.
قال الحافظ: وقد وقفت على مستند القاضي ثم ذكره، فارجع إليه (٤). وقد بسط الحافظ في صفة الخاتم بما ورد فيه من الروايات وآراء العلماء.
قوله: (الحجلة من حجل الفرس. . .) إلخ، أورد عليه الشرَّاح بأن التحجيل إنما يكون في القوائم، وأما الذي في الوجه هو الغرة، ووجهه
стр. 2128
الشيخ قُدِّس سرُّه في "اللامع" (١) إذ قال: المقصود منه بيان مادة الاشتقاق لا أن معناه في الرواية ذلك، فلا حاجة إلى التغليط، انتهى.
وبسط في هامش "اللامع" من كلام الشرَّاح، وكذا ما في تقرير مولانا محمد حسن المكي، فارجع إليه لو اشتقت.
(٢٣ - باب صفة النبي ﷺ -)
أي: خلقه وخلقه، وأورد فيه أربعة وعشرين حديثًا، منها حديث أبي هريرة وفيه قوله: "بعثت من خير قرون بني آدم قرنًا فقرنًا. . ." إلخ، كتب مولانا محمد حسن المكي في تقريره: هذا بيان لشرافة نسبه ﷺ ، يعني: أن القرون التي هي خير من قرون بني آدم أنا منها، والقرن: طبقة الناس، وقوله: "قرنًا فقرنًا" يعني: أنا خير طبقتي، وأبي خير طبقته، وجدي خير طبقته، وأب جدي خير طبقته، وهكذا حتى تنتهي إلى آدم على نبينا وعليه الصلاة والسلام، انتهى.
والأوجه عند هذا العبد الضعيف: أن هذا بيان لأفضلية طبقته ﷺ ، والمعنى أنه ﷺ بعث في خير القرون باعتبار الابتداء، وكذا باعتبار الانتهاء، أما باعتبار الابتداء فلأجل هذا الحديث، فإن المعنى أن القرون الماضية تترقى إلى الخيرية قرنًا فقرنًا، فقد قالوا: إن زمن آدم كان زمن الصبا، وزمن نوح كان زمن الشباب، وزمن إبراهيم زمن الكهولة، وزمن نبينا صلوات الله وسلامه عليهم زمن المشيخة، وأما باعتبار الانتهاء فبمقتضى الحديث المعروف الآتي في باب فضائل أصحاب النبي ﷺ : "خير القرون قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم" الحديث، فالغرض من حديث الباب (حديث أبي هريرة) بيان أفضلية طبقته باعتبار الابتداء، انتهى من هامش "اللامع" (٢).
стр. 2129
(٢٤ - باب كان النبي ﷺ تنام عينه. . .) إلخ
وفي رواية الكشميهني: "عيناه" بدل "عينه".
قوله: (وكذلك الأنبياء تنام أعينهم ولا تنام قلوبهم) قال الحافظ (١): قد تقدم مثل هذا من قول عبيد بن عمير في أوائل الطهارة، ومثله لا يقال من قبل الرأي، وهو ظاهر في أن ذلك من خصائصه ﷺ ، لكنه بالنسبة للأمة، وزعم القضاعي أنه مما اختص به عن الأنبياء أيضًا، وهذان الحديثان يردان عليه، انتهى.
ويظهر من كلام العيني (٢) أنه جعل هذا الباب بغير ترجمة، فإنه قال بعد لفظ: "باب" أي: هذا باب، وهو كالفصل لما قبله، ثم ذكر قوله: "كان النبي ﷺ تنام. . ." إلخ، منفردًا عما قبله.
(٢٥ - باب علامات النبوَّة في الإسلام)
أي: الواقعة "في" زمن "الإسلام" من حين البعث دون ما وقع منها قبل، وعبَّر بالعلامات لتشمل المعجزات التي هي خوارق عادات مع التحدي والكرامات، قاله القسطلاني (٣).
وقال الحافظ (٤): جمع علامة، وعبَّر بها المصنف لكون ما يورده من ذلك أعمُّ من المعجزة والكرامة، والفرق بينهما أن المعجزة أخصّ؛ لأنه يشترط فيها أن يتحدى النبي ﷺ من يكذبه بأن يقول: إن فعلت كذلك أتصدق بأني صادق، أو يقول من يتحداه: لا أصدقك حتى تفعل كذا، ويشترط أن يكون المتحدي به مما يعجز عنه البشر في العادة المستمرة، وقد وقع النوعان للنبي ﷺ في عدة مواطن، والهاء فيها للمبالغة، أو هي صفة محذوف، وأشهر معجزات النبي ﷺ القرآن؛ لأنه ﷺ تحدى به العرب - وهم
стр. 2130
أفصح الناس لسانًا وأشدهم اقتدارًا على الكلام - بأن يأتوا بسورة مثله، فعجزوا مع شدة عداوتهم له وصدِّهم عنه، إلى آخر ما بسط في بيان إعجاز القرآن إلى أن قال: وأما ما عدا القرآن - من نبع الماء من بين أصابعه وتكثير الطعام وانشقاق القمر ونطق الجماد -، فمنه ما وقع التحدي به، ومنه ما وقع دالًا على صدقه من غير سبق تحد، ومجموع ذلك يفيد القطع بأنه ظهر على يده ﷺ من خوارق العادات شيء كثير، كما يقطع بوجود جود حاتم وشجاعة علي ﷺ ، وإن كانت أفراد ذلك ظنية وردت مورد الآحاد مع أن كثيرًا من المعجزات النبوية قد اشتهر وانتشر، ورواه العدد الكثير والجم الغفير، وأفاد الكثير منه القطع عند أهل العلم بالآثار.
وذكر النووي في "مقدمة شرح مسلم": أن معجزات النبي ﷺ تزيد على ألف ومائتين، وقال البيهقي في "المدخل": بلغت ألفًا، وقال الزاهدي من الحنفية: ظهر على يديه ألف معجزة، وقيل: ثلاثة آلاف، وقد اعتنى بجمعها جماعة من الأئمة؛ كأبي نعيم والبيهقي وغيرهما، انتهى من "الفتح" مختصرًا.
قلت: وكذا بسطها السيوطي في "الخصائص" (١)، والقسطلاني في "المواهب" (٢). وكتب الشيخ في "اللامع" (٣): قوله: "باب علامات النبوَّة" يعني بها: معجزاته ﷺ ، ويندرج فيه كرامات صحابته؛ لأن كرامة الولي تكون معجزة لنبيِّه، ويندرج فيه إخباره ﷺ عما سيقع، وعن علامات الساعة وعما يجري في عالم الغيب، انتهى.
وفي هامشه: قال الحافظ (٤): قوله: "في الإسلام" أي: من حين المبعث وهلم جرّا دون ما وقع قبل ذلك، وقد جمع ما وقع من ذلك قبل المبعث بل قبل المولد الحاكم في "الإكليل"، وأبو سعيد النيسابوري في
стр. 2131
"شرف المصطفى"، وأبو نعيم والبيهقي في "دلائل النبوَّة"، ثم بسط الحافظ في ذكر علامات النبوَّة الواردة عند مولده ﷺ وقبله وبعده، ومال العلَّامة الكشميري ﵀ كما في "الفيض" (١) إلى أن المصنف بصدد بيان العلامات سواء كانت من جنس الإرهاصات، وهي ما تقع قبل النبوَّة، أو من جنس المعجزات، أي: ما يصدر بعد النبوَّة، وقال الحافظ: أورد المصنف في هذا الباب نحو خمسين حديثًا، انتهى.
قوله: (كنا نعد الآيات بركة. . .) إلخ، كتب الشيخ في "اللامع" (٢): بيان لفساد الزمان وانقلاب الأمر من الخير إلى الشر، يعني: أن الآيات في زمنه ﷺ كانت بركة وبشارات للمسلمين، وأما اليوم فلم يبق منها غير التهويل والتخويف؛ كالزلزلة وقحوط المطر وغيرهما، فذكر العدد وأراد ملزومه وهو الوجود، انتهى.
قلت: وما أفاده الشيخ هو أجود بل أصح عندي مما قاله الشرَّاح، كما بسط في هامش "اللامع"، فارجع إليه لو شئت.
أما مطابقة حديث عبد الرحمن بن أبي بكر في قصة أضيافه بالباب فقال العيني (٣): قيل: لا مطابقة بينهما؛ لأن الترجمة في علامات النبوَّة والحديث في كرامة الصديق، وأجيب بأنه يجوز أن تظهر المعجزة على يد الغير، أو استفيد الإعجاز من آخره حيث قال: أكلوا منها أجمعون، انتهى.
قلت: ومن المعروف أن كرامة الولي معجزة لنبيِّه كما تقدم قريبًا.
(٢٦ - باب قول الله تعالى: ﴿يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ﴾ الآية [البقرة: ١٤٦])
قال الحافظ (٤): وجه دخول هذه الترجمة في أبواب علامات النبوَّة
стр. 2132
من جهة أنه أشار في الحديث إلى حكم التوراة، وهو أمي لم يقرأ التوراة قبل ذلك، فكان الأمر كما أشار إليه، انتهى.
وكتب الشيخ في "اللامع" (١): دلالة الرواية على الترجمة من حيث إنهم كانوا قد تعاهدوا فيما بينهم أن يأتوا هذا النبي ﷺ ، فإن أمرهم بالرجم أنكروه، وإن أمرهم بالجلد جلدوه، فإن سألهم الرب ﵎ يوم القيامة عن اكتفائهم بالجلد احتجوا بأنهم فعلوا ذلك بأمر رسوله ونبيِّه، وفيه دلالة على أنهم قد عرفوا ذلك، أي: كونه نبيًا، انتهى.
قلت: ما أفاده الشيخ قُدِّس سرُّه واضح، كما هو نص رواية أبي داود، وبه يظهر المطابقة بين الحديث والترجمة، وذكر القسطلاني أيضًا رواية أبي داود.
(٢٧ - باب سؤال المشركين أن يريهم النبي ﷺ آية. . .) إلخ
ذكر فيه حديث ابن مسعود وأنس وابن عباس في ذلك، وقد ورد انشقاق القمر أيضًا من حديث علي وحذيفة وجبير بن مطعم وابن عمر وغيرهم، فأما أنس وابن عباس فلم يحضرا ذلك؛ لأنه كان بمكة قبل الهجرة بنحو خمس سنين، وكان ابن عباس إذ ذاك لم يولد، وأما أنس فكان ابن أربع أو خمس بالمدينة، وأما غيرهما فيمكن أن يكون شاهد ذلك، وممن صرح برؤية ذلك ابن مسعود، وقد أورد المصنف حديثه هنا مختصرًا، وليس فيه التصريح بحضور ذلك، وأورده في التفسير بتمامه، ووقع في رواية لأبي نعيم في "الدلائل" عن ابن مسعود: "فلقد رأيت أحد شقيه على الجبل الذي بمنى ونحن بمكة"، انتهى (٢).
قال القسطلاني (٣): قوله - أي: في الحديث -: "اشهدوا" وإنما قال
стр. 2133
ذلك؛ لأنها معجزة عظيمة لا يكاد يعد لها شيء من آيات الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، ومعجزة انشقاق القمر من أمهات المعجزات، وأجمع عليه المفسرون وأهل السُّنَّة، وروي عن جماعة كثيرة من الصحابة، انتهى.
قلت: وترجم المصنف فيما سيأتي بعد " باب إسلام عمر ﵁" "باب انشقاق القمر"، ولا يتوهم التكرار بينهما، فإن المقصود ها هنا بيان كونه علامة وآية، فإن هذه الأبواب في علامات النبوَّة في الإسلام، وذكره فيما سيأتي لكونه من الوقائع المهمة.
(٢٨ - باب)
بغير ترجمة، كذا في الأصول بغير ترجمة، وكان من حقه أن يكون قبل البابين اللذين قبله؛ لأنه ملحق بعلامات النبوَّة، وهو كالفصل منها، لكن لما كان كل من البابين راجعًا إلى الذي قبله، وهو علامات النبوَّة سهل الأمر في ذلك، انتهى (١).
وتعقب عليه العيني (٢) إذ قال: قلت: لا يحتاج إلى هذا الكلام ولا الاعتذار عنه؛ لأن البابين اللذين قبله من علامات النبوَّة أيضًا، وهذا الباب المجرد في نفس الأمر ملحق بما ألحق به البابان اللذان قبله، وقال أيضًا: وهذا الباب كالفصل لما قبله، وقال بعد ذكر الحديث: كرامة أحد من الصحابة وممن كان بعدهم من معجزات النبي ﷺ ويلحق بها، والحديث بعينه سندًا ومتنًا مر في باب مجرد بين أبواب المساجد، ومثل هذا هو المكرر حقيقة، وهو قليل، والرجلان في الحديث: أسيد بن حضير وعباد بن بشر، انتهى.
* * *
стр. 2134
٦٢ - كتاب فضائل الصحابة
(١ - باب فضائل أصحاب النبي ﷺ . . .) إلخ
قال الحافظ (١): أي بطريق الإجمال ثم التفصيل. أما الإجمال فيشمل جميعهم، لكنه اقتصر فيه على شيء مما يوافق شرطه، وأما التفصيل فلمن ورد فيه شيء بخصوصه على شرطه، وسقط لفظ: "باب" من رواية أبي ذر وحده، انتهى.
قلت: وللصحابة رضوان الله تعالى عليهم أجمعين فضيلة يشمل جميعهم ويعم كلهم، وهي أنهم ﵃ من خير القرون ابتداء وانتهاء، أما الأول فلحديث أبي هريرة: "بعثت من خير قرون بني آدم قرنًا فقرنًا" كما تقدم في "باب صفة النبي ﷺ " وأما باعتبار الانتهاء فلحديث: "خير القرون قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم" الحديث، وتوضيح الكلام قد مرَّ منا في "باب صفة النبي ﷺ ".
ثم إن العلماء قد ذكروا ترتيب الصحابة من حيث التفضيل مجملًا، فكتب مولانا محمد أحمد علي المحدث السهارنفوري في هامش البخاري (٢): وفي "شرح السُّنَّة" (٣): قال أبو منصور البغدادي: أصحابنا مجمعون على أن أفضلهم الخلفاء الأربعة على ترتيب الخلافة، ثم تمام العشرة، ثم أهل بدر، ثم أُحد، ثم بيعة الرضوان، ومن له مزية من أهل العقبتين من الأنصار، وكذلك السابقون الأولون، وهم من صلى [إلى] القبلتين، وقيل: أهل بيعة الرضوان، انتهى.
стр. 2135
قوله: (ومن صحب النبي ﷺ أو رآه. . .) إلخ، يعني: أن اسم صحبة النبي ﷺ مستحق لمن صحبه أقلّ ما يطلق عليه اسم صحبة لغة، وإن كان العرف يخص ذلك ببعض الملازمة، ويطلق أيضًا على من رآه رؤية ولو على بعد، وهذا الذي ذكره البخاري هو الراجح، إلا أنه هل يشترط في الرائي أن يكون بحيث يميز ما رآه أو يكتفي بمجرد حصول الرؤية؟ محل نظر، وعمل من صنَّف في الصحابة يدل على الثاني، فإنهم ذكروا مثل محمد بن أبي بكر الصديق، وإنما ولد قبل وفاة النبي- ﷺ بثلاثة أشهر وأيام، كما ثبت في الصحيح: أن أمه أسماء بنت عميس ولدته في حجة الوداع قبل أن يدخلوا مكة، ومع ذلك فأحاديث هذا الضرب مراسيل، والخلاف الجاري بين الجمهور وبين أبي إسحاق الإسفرايني ومن وافقه على رد المراسيل مطلقًا حتى مراسيل الصحابة لا يجري في أحاديث هؤلاء؛ لأن أحاديثهم لا من قبيل مراسيل كبار التابعين، ولا من قبيل مراسيل الصحابة الذين سمعوا من النبي ﷺ ، وهذا مما يلغز به فيقال: صحابي حديثه مرسل لا يقبله من يقبل مراسيل الصحابة.
ومنهم من بالغ فكان لا يعد في الصحابة إلا من صحب الصحبة العرفية، كما جاء عن عاصم الأحول قال: رأى عبد الله بن سرجس رسول الله ﷺ غير أنه لم يكن له صحبة، أخرجه أحمد، وكذا روي عن سعيد بن المسيب: أنه كان لا يعد في الصحابة إلا من أقام مع النبي ﷺ سنة فصاعدًا، أو غزا معه غزوة فصاعدًا، والعمل على خلاف هذا القول؛ لأنهم اتفقوا على عد جمع جم في الصحابة لم يجتمعوا بالنبي ﷺ إلا في حجة الوداع، ومن اشترط الصحبة العرفية أخرج من له رؤية أو من اجتمع به لكن فارقه عن قرب، ومنهم من اشترط في ذلك أن يكون حين اجتماعه به بالغًا، وهو مردود أيضًا؛ لأنه يخرج مثل الحسن بن علي ونحوه من أحداث الصحابة، والذي جزم به البخاري هو قول أحمد والجمهور من المحدثين.
стр. 2136
وقول البخاري: "من المسلمين" قيد يخرج به من صحبه أو من رآه من الكفار، فأما من أسلم بعد موته منهم فإن كان قوله: "من المسلمين" حالًا خرج من هذه صفته وهو المعتمد، ويرد على التعريف من صحبه أو رآه مؤمنًا به ثم ارتد بعد ذلك ولم يعد إلى الإسلام فإنه ليس صحابيًا اتفاقًا، فينبغي أن يزاد فيه "ومات على ذلك"، مثل ربيعة ابن أمية بن خلف الجمحي، وقد وقع حديثه في "مسند أحمد"، وإخراج حديث مثل هذا مشكل، ولعل من أخرجه لم يقف على قصة ارتداده، فلو ارتد ثم عاد إلى الإسلام لكن لم يره ثانيًا بعد عوده فالصحيح أنه معدود في الصحابة لإطباق المحدثين على عدِّ الأشعث بن قيس ونحوه ممن وقع له ذلك.
وهل يختص جميع ذلك ببني آدم أو يعم غيرهم من العقلاء؟ محل نظر، أما الجن فالراجح دخولهم؛ لأن النبي ﷺ بعث إليهم قطعًا، وهم مكلفون، فيهم العصاة والطائعون، فمن عرف اسمه منهم لا ينبغي التردد في ذكره في الصحابة، وإن كان ابن الأثير عاب ذلك على أبي موسى فلم يستند في ذلك إلى حجة.
وأما الملائكة فيتوقف عدُّهم فيهم على ثبوت بعثته إليهم، فإن فيه خلافًا بين الأصوليين، حتى نقل بعضهم الإجماع على ثبوته، وعكس بعضهم، وهذا كله فيمن رآه، وهو في قيد الحياة الدنيوية، وأما من رآه بعد موته وقبل دفنه فالراجح أنه ليس بصحابي، وإلا لعد من اتفق أن يرى جسده المكرم وهو في قبره المعظم ولو في هذه الأعصار، وكذلك من كشف له عنه من الأولياء فرآه كذلك على طريق الكرامة، وكذلك المراد بهذه الرؤية من اتفقت له وهو يقظان، أما من رآه في المنام وإن كان قد رآه حقًّا فذلك مما يرجع إلى الأمور المعنوية لا الأحكام الدنيوية، فلا يعد صحابيًا، ولا يجب عليه أن يعمل بما أمره به في تلك الحالة، والله تعالى أعلم باختصار يسير (١).
стр. 2137
وهذه المسألة من مسائل الأصول، بسط الكلام عليه الحافظ في مبدء كتابه "الإصابة" (١)، وابن عبد البر في "الاستيعاب" (٢)، والسيوطي في "التدريب" (٣).
ثم اعلم أن المصنف رحمه الله تعالى كما قال الحافظ (٤): لم يراع الترتيب في أسماء من ذكر من الصحابة في أبواب المناقب، لا من حيث الأفضلية ولا من حيث السابقية ولا الأسنية، وهذه هي جهات التقديم في الترتيب، وهذا يدل على أنه كتب كل ترجمة على حدة فضم بعض النقلة بعضها إلى بعض.
(٢ - باب مناقب المهاجرين وفضلهم) ومنهم أبو بكر عبد الله بن أبي قحافة ﵃ -
سقط لفظ "باب" من رواية أبي ذر، والمهاجرون هم الذين هاجروا من مكة إلى المدينة إلى الله تعالى، وقيل: المراد بالمهاجرين من عدا الأنصار ومن أسلم يوم الفتح وهلمَّ جرّا، فالصحابة من هذه الحيثية ثلاثة أصناف، والأنصار هم الأوس والخزرج وحلفاؤهم ومواليهم، انتهى من "العيني" (٥). واقتصر الحافظ في "الفتح" (٦) على القول الأخير، أي: المراد بهم من عدا الأنصار. . . إلخ.
قوله: (منهم أبو بكر. . .) إلخ، هكذا جزم بأن اسم أبي بكر ﵁ عبد الله، وهو المشهور، ويقال: كان اسمه قبل الإسلام عبد الكعبة، وكان يسمى أيضًا عتيقًا، واختلف هل هو اسم له أصلي أو قيل له ذلك؟ لأنه ليس في نسبه ما يعاب به، أو لقدمه في الخير وسبقه إلى الإسلام، أو قيل له ذلك لحسنه، أو لأن أمه كان لا يعيش لها ولد،
стр. 2138
فلما ولد استقبلت به البيت فقالت: اللَّهم هذا عتيقك من الموت، أو لأن النبي ﷺ بشَّره بأن الله أعتقه من النار، وقد ورد في هذا الأخير حديث عن عائشة عند الترمذي، وآخر عن عبد الله بن الزبير عند البزار، وصححه ابن حبان وزاد فيه: "وكان اسمه قبل ذلك عبد الله بن عثمان"، وعثمان اسم أبي قحافة لم يختلف في ذلك، كما لم يختلف في كنيته الصديق، ولُقِّب الصديق لسبقه إلى تصديق النبي ﷺ ، وقيل: كان ابتداء تسميته بذلك صبيحة الإسراء، وروى الطبراني من حديث علي "أنه كان يحلف أن الله أنزل اسم أبي بكر من السماء الصديق" رجاله ثقات.
وأما نسبه فهو عبد الله بن عثمان بن عامر بن عمرو بن كعب بن سعد ابن تيم ابن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب، يجتمع مع النبي ﷺ في مرة بن كعب، وعدد آبائهما إلى مرة سواء، وأم أبي بكر سلمى، وتكنى أم الخير بنت صخر بن مالك بن عامر بن عمرو المذكور، أسلمت وهاجرت، وذلك معدود من مناقبه؛ لأنه انتظم إسلام أبويه وجميع أولاده.
قوله: (وقول الله : ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ﴾ الآية) ساقها الأصيلي وكريمة إلى قوله: ﴿هُمُ الصَّادِقُونَ﴾، وأشار المصنف بهذه الآية إلى ثبوت فضل المهاجرين لما اشتملت عليه من أوصافهم الجميلة وشهادة الله تعالى لهم بالصدق.
قوله: (وقال الله تعالى: ﴿إلا تَنْصُرُوهُ﴾ الآية) أشار المصنف بها إلى ثبوت فضل الأنصار؛ فإنهم امتثلوا الأمر في نصره، وفي الآية أيضًا فضل أبي بكر الصديق؛ لأنه انفرد بهذه المنقبة حيث صاحب رسول الله ﷺ في تلك السفرة ووقاه بنفسه، انتهى كله من "الفتح" (١).
стр. 2139
(٣ - باب قول النبي ﷺ : "سدوا الأبواب إلا باب أبي بكر. . .") إلخ
قال الحافظ (١): قوله: "قاله ابن عباس. . ." إلخ، وصله المصنف في الصلاة بلفظ: "سدوا عني كل خوخة" فكأنه ذكره بالمعنى، وقوله في الحديث: "إلا باب أبي بكر" قال الحافظ (٢): هو استثناء مفرغ، والمعنى: لا تبقوا بابًا غير مسدود إلا باب أبي بكر فاتركوه بغير سد، قال الخطابي (٣) وابن بطال (٤) وغيرهما: في هذا الحديث اختصاص ظاهر لأبي بكر، وفيه إشارة قوية إلى استحقاقه للخلافة، ولا سيما وقد ثبت أن ذلك كان في آخر حياته ﷺ في الوقت الذي أمرهم فيه أن لا يؤمهم إلا أبو بكر، وقد ادعى بعضهم أن الباب كناية عن الخلافة، والأمر بالسد كناية عن طلبها، كأنه قال: لا يطلبن أحد الخلافة إلا أبا بكر، فإنه لا حرج عليه في طلبها، وإلى هذا جنح ابن حبان فقال - بعد أن أخرج هذا الحديث -: في هذا دليل على أنه الخليفة بعد النبي ﷺ إلى آخر ما قال، زاد الطبراني في آخر هذا الحديث بمعناه: "فإني رأيت عليه نورًا"، ثم ذكر الحافظ ههنا الكلام على الأحاديث التي يخالف ظاهرها حديث الباب الواردة في استثناء باب علي، فارجع إليه لو شئت.
(٤ - باب فضل أبي بكر بعد النبي ﷺ -)
أي: في رتبة الفضل، وليس المراد البعدية الزمانية؛ فإن فضل أبي بكر كان ثابتًا في حياته ﷺ ، كما دلَّ عليه حديث الباب، انتهى من "الفتح" (٥).
وقال القسطلاني (٦): وأما البعدية في الرتبة فيقال فيها: الأفضل بعد الأنبياء أبو بكر، وقد أطبق السلف على أنه أفضل الأمة، حكى الشافعي وغيره إجماع الصحابة والتابعين على ذلك، انتهى.
стр. 2140
(٥ - باب قول النبي ﷺ : "لو كنت متخذًا خليلًا. . .") إلخ
قال الحافظ (١): قوله: "قاله أبو سعيد. . ." إلخ، يشير إلى حديثه السابق قبل بباب، انتهى.
قوله: (ولكن أخوة الإسلام أفضل. . .) إلخ، قال العلَّامة السندي (٢): أي: الاكتفاء بأخوة الإسلام أفضل من ارتكاب اتخاذ غير الله خليلًا، فتركت الاتخاذ واكتفيت بالإخوة، انتهى.
(باب)
بغير ترجمة، قال القسطلاني (٣) تبعًا للعيني (٤): هذا بغير ترجمة، فهو كالفصل من سابقه، وليس هذا الباب في نسخة "الفتح"، ولم يتعرض له أيضًا.
قوله: (والله يغفر له ضعفه) كتب الشيخ في "اللامع" (٥): أي: لا مؤاخذة عليه في ضعفه ذلك؛ لأنه ليس لصنعه، فهو مغفور له في ذلك، وليس المعنى أنه ذنب حتى يغفر، انتهى.
وأفاد الشيخ قُدِّس سرُّه في "الكوكب الدري" (٦): أما وجه الضعف فليس يرجع إلى نقص في فضل الصديق، بل السبب في ذلك ما كان في زمنه من تزلزل في الملك وارتداد في الإسلام، حتى إن أمثال عمر ﵁ - وكان علمًا في بأسه ونجدته - قد كان تخوَّف كما يظهر بالمراجعة إلى كتب السير، وبسط في هامش "الكوكب" في معنى قوله: "والله يغفر له".
стр. 2141
والأوجه عند هذا العبد الضعيف: أن هذا إشارة إلى نسبة اتحادية بالنبي ﷺ ، كما تقدم البسط في النسب الأربعة في بدء الوحي - أي: في هامش "اللامع" - فإنه ﷺ لما أخبر بقرب أجله بقوله عزَّ اسمه: ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ﴾ [النصر: ٣]، أخبر النبي ﷺ بقرب أجل صديقه بقوله: "والله يغفر له"، فكأنه إشارة إلى قرب وفاته بعد خلافته، ولهذا المعنى ذكره الإمام البخاري ﵀ هذا الحديث ههنا، فأي منقبة تكون أعظم من الاتحاد معه ﷺ تسليمًا كثيرًا كثيرًا، ولذلك عندي نظائر كثيرة من رأيه في قبول الفدية عن أسارى بدر وجوابه لعمر في الحديبية بعين ما أجاب به النبي ﷺ .
فائدة: ذكرها الحافظ في "الفتح" (١): مات أبو بكر ﵁ بمرض السل على ما قاله الزبير بن بكار، وعن الواقدي: أنه اغتسل في يوم بارد فحم خمسة عشر يومًا، وقيل: بل سمَّته اليهود في حريرة أو غيرها، وذلك على الصحيح لثمان بقين من جمادى الآخرة سنة ثلاث عشرة من الهجرة، فكانت مدة خلافته سنتين وثلاثة أشهر وأيامًا، وقيل غير ذلك، ولم يختلفوا أنه استكمل سنَّ النبي ﷺ فمات وهو ابن ثلاث وستين، والله أعلم، انتهى.
(٦ - باب مناقب عمر بن الخطاب ﵁ -)
هكذا في نسخ الشروح بإثبات لفظ: "باب"، قال القسطلاني (٢): وسقط لفظ: "باب" لأبي ذر، انتهى.
قلت: وكذا سقطت الأبواب الآتية في النسخ الهندية التي بأيدينا، قال الحافظ (٣): سقطت الأبواب كلها من رواية أبي ذر، وأبقى التراجم بغير لفظ باب، وثبت ذلك في رواية الباقين، انتهى.
أي: ابن نفيل - بنون وفاء مصغر - ابن عبد العزى بن رياح - بكسر
стр. 2142
الراء بعدها تحتانية وآخره مهملة - ابن عبد الله بن قرط بن رزاح - بفتح الراء بعدها زاي وآخره مهملة - ابن عدي بن كعب بن لؤي بن غالب، يجتمع مع النبي ﷺ في كعب، وعدد ما بينهما من الآباء إلى كعب متفاوت بواحد، بخلاف أبي بكر فبين النبي ﷺ وكعب سبعة آباء، وبين عمر وبين كعب ثمانية، وأم عمر حنتمة بنت هاشم بن المغيرة ابنة عم أبي جهل والحارث ابني هشام بن المغيرة، ووقع عند ابن منده أنها بنت هشام أخت أبي جهل، وهو تصحيف، نبَّه عليه ابن عبد البر.
قوله: (أبي حفص. . .) إلخ، أما كنيته فجاء في "السيرة" لابن إسحاق: أن النبي ﷺ كنَّاه بها، وكانت حفصة أكبر أولاده، وأما لقبه فهو الفاروق باتفاق، فقيل: أول من لقبه به النبي ﷺ ، رواه أبو جعفر بن أبي شيبة في "تاريخه" عن طريق ابن عباس عن عمر، ورواه ابن سعد من حديث عائشة، وقيل: أهل الكتاب، أخرجه ابن سعد عن الزهري، وقيل: جبرئيل، رواه البغوي، انتهى (١).
قوله: (فلما استأذن عمر قمن فبادرن الحجاب. . .) إلخ، قال العلَّامة السندي (٢): لا يخفى أن المبادرة إلى الحجاب لازمة عند دخول الأجنبي، سواء كان عمر أو لا، فما وجه التعجب؟ فلعل هذه الواقعة كانت قبل آية الحجاب، لكن حينئذ يكفي القيام، ولا حاجة إلى الحجاب، فلعل فيهن من يجوز لهن الكشف عند عمر كحفصة مثلًا، فالتعجب بالنظر إلى قيامهن، أو يقال: لعل التعجب من إسراعهن قبل أن يعلمن أن النبي ﷺ يأذن له أم لا؟ وهذا أقرب، والله أعلم، انتهى.
قلت: إن كانت الواقعة قبل الحجاب فإسراعهن إلى الحجاب لسترهن عن عمر خوفًا منه.
стр. 2143
(٧ - باب مناقب عثمان بن عفان أبي عمرو القرشي ﵁ -)
هو عثمان بن عفان بن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف، يجتمع مع النبي ﷺ في عبد مناف، وعدد ما بينهما من الآباء متفاوت، فالنبي ﷺ من حيث العدد في درجة عفان كما وقع لعمر سواء، وأما كنيته فهو الذي استقر عليه الأمر، وقد نقل عن الزهري: أنه كان يكنى أبا عبد الله بابنه عبد الله الذي رزقه من رقية بنت رسول الله ﷺ ، ومات عبد الله المذكور صغيرًا وله ست سنين، وحكى ابن سعد أن موته كان سنة أربع من الهجرة، وماتت أمه رقية قبل ذلك سنة اثنتين، والنبي ﷺ في غزوة بدر، وكان بعض من ينتقصه يكنيه أبا ليلى يشير إلى لين جانبه، حكاه ابن قتيبة، وقد اشتهر أن لقبه ذو النورين، وروى خيثمة في "الفضائل" والدارقطني في "الأفراد" من حديث علي أنه ذكر عثمان فقال: "ذاك امرؤ يدعى في السماء ذا النورين" (١).
وقال الحافظ (٢) أيضًا في شرح حديث ابن عمر: "كنا في زمن النبي ﷺ لا نعدل بأبي بكر أحدًا، ثم عمر، ثم عثمان، ثم نترك أصحاب النبي ﷺ لا نفاضل بينهم"، قال الخطابي (٣): إنما لم يذكر ابن عمر عليًّا؛ لأنه أراد الشيوخ وذوي الأسنان الذين كان رسول الله ﷺ إذا حزبه أمر شاورهم، وكان علي في زمانه ﷺ حديث السن، قال: ولم يرد ابن عمر الازدراء به ولا تأخيره عن الفضيلة بعد عثمان، انتهى.
وما اعتذر به من جهة السن بعيد لا أثر له في التفضيل المذكور، وقد اتفق العلماء على تأويل كلام ابن عمر هذا لما تقرر عند أهل السُّنَّة قاطبة من تقديم علي بعد عثمان، ومن تقديم بقية العشرة المبشرة على غيرهم،
стр. 2144
ومن تقديم أهل بدر على من لم يشهدها وغير ذلك، فالظاهر أن ابن عمر إنما أراد بهذا النفي أنهم كانوا يجتهدون في التفضيل فيظهر لهم فضائل الثلاثة ظهورًا بينًا فيجزمون به، ولم يكونوا حينئذ اطلعوا على التنصيص، إلى آخر ما بسطه الحافظ.
وقال القسطلاني عن الكرماني (١): وإلى القول بتفضيل عثمان ذهب الشافعي وأحمد، كما رواه البيهقي عنهما، وحكاه الشافعي عن إجماع الصحابة والتابعين، وهو المشهور عن مالك وكافة أئمة الحديث والفقه وكثير من المتكلمين، وإليه ذهب أبو الحسن الأشعري والقاضي أبو بكر الباقلاني، لكنهما اختلفا في التفضيل أهو قطعي أم ظني؟ فالذي مال إليه الأشعري الأول، وإلى الثاني مال الباقلاني، واختاره إمام الحرمين في "الإرشاد"، انتهى.
(٨ - باب قصة البيعة والاتفاق على عثمان بن عفان. . .) إلخ
قال القسطلاني (٢): ولفظ: "باب" ثابت لأبي ذر وساقط لغيره، فالقصة والاتفاق رفع، وسقط الباب والترجمة للكشميهني والمستملي، انتهى.
قال العلَّامة العيني (٣) بعد ذكر حديث الباب: مطابقته للترجمة ظاهرة؛ لأن الحديث يشتمل على جميع ما في الترجمة، انتهى.
قوله: (وتناول عمر يد عبد الرحمن. . .) إلخ، كتب الشيخ قُدِّس سرُّه في "اللامع" (٤): الظاهر أنه أتم تلك الصلاة ولم يستأنفها، ويرد عليه تكلم عمر قبل التقديم والاستخلاف، والجواب أنه من تصرف الرواة، أو كان
стр. 2145
استخلافه إياه قبل أن يقول مقالته، ولا يمكن الجواب أنه استأنف بهم الصلاة، ولم يبن عليها إذ يلزم عليه فساد صلاة المأمومين حيث لم يستأنفوا صلاتهم، وبقوا على التحريمة الأولى، انتهى.
قلت: لله در الشيخ قُدِّس سرُّه ما أدق نظره فقهًا وحفظًا للفروع، ولم يتعرض لهذه المسألة في هذا الحديث أحد من الشرَّاح، والمسألة خلافية عندنا الحنفية أيضًا، كما بسطت في هامش "اللامع"، فارجع إليه.
قوله: (ما أجد أحق بهذا الأمر من هؤلاء النفر. . .) إلخ، كتب الشيخ في "اللامع" (١): إنما جعل الخلافة شورى بينهم مع علمه بترتيب الخلافة، وأن الخليفة بعده عثمان ﵁ لا غير اقتداءً بالنبي ﷺ في عدم تصريحه بالخليفة بعده، دافعًا للتهمة عن نفسه، وتوقيًا عن مؤاخذة الرب ﵎، واعتراض الخليقة لو أتى الخليفة بعده بأمور هي منكرة شرعًا، انتهى.
قوله: (ارفع يدك يا عثمان فبايعه) كتب الشيخ (٢): وكان من الأسباب المرجحة لعثمان أن عبد الرحمن حين سأل عثمان ﵁: بم يعمل بعد الكتاب والسُّنَّة؟ قال: بسيرة الشيخين، وإذا سأل عليًّا: بم يعمل بعد الكتاب والسُّنَّة؟ أجاب: إني أجتهد برأيي، وإنما كان ابن عوف تكلم بكل منهما ما تكلم في خلوة عن صاحبه لئلا يعلم كل منهما ماذا قال لصاحبه وما أجابه هو، وأيضًا فإن عثمان ﵁ كان أشدهما كراهية للخلافة إذ ذاك، وكان علي كرم الله وجهه يرغب فيها رغبة ما، فإذا وصلت النوبة إلى علي كان علي أشد الناس كراهية لها، وقد قال النبي ﷺ : "تجدون من أشد الناس كراهية لهذا الشأن حتى يقع فيه"، انتهى.
وبسط في هامشه الكلام في تأييد كلام الشيخ قُدِّس سرُّه.
стр. 2146
(٩ - باب مناقب علي بن أبي طالب كرم الله وجهه)
قال الحافظ (١): هو ابن عم رسول الله ﷺ شقيق أبيه، واسمه عبد مناف على الصحيح، ولد قبل البعثة بعشر سنين على الراجح، وكان قد ربَّاه النبي ﷺ من صغره لقصة مذكورة في السيرة النبوية، فلازمه من صغره، فلم يفارقه إلى أن مات، وأمه فاطمة بنت أسد بن هاشم، وكانت ابنة عمة أبيه، وهي أول هاشمية ولدت لهاشمي، وقد أسلمت وصحبت وماتت في حياة النبي ﷺ .
قال أحمد وإسماعيل القاضي والنسائي وأبو علي النيسابوري: لم يرد في حق أحد من الصحابة بالأسانيد الجياد أكثر مما جاء في علي، وكأن السبب في ذلك أنه تأخر، ووقع الاختلاف في زمانه، وخروج من خرج عليه، فكان ذلك سببًا لانتشار مناقبه من كثرة من كان بينها من الصحابة ردًّا على من خالفه، فكان الناس طائفتين، لكن المبتدعة قليلة جدًا، ثم كان من أمر علي ما كان فنجمت طائفة أخرى حاربوه، ثم اشتد الخطب فتنقصوه واتخذوا لعنه على المنابر سُنَّة، ووافقهم الخوارج على بغضه، وزادوا حتى كفَّروه مضمومًا ذلك منهم إلى عثمان، فصار الناس في حق علي ثلاثة: أهل السُّنَّة، والمبتدعة من الخوارج، والمحاربين له من بني أمية وأتباعهم، فاحتاج أهل السُّنَّة إلى بثِّ فضائله، فكثر الناقل لذلك لكثرة من يخالف ذلك، وإلا فالذي في نفس الأمر أن لكل من الأربعة من الفضائل إذا حرر بميزان العدل لا يخرج عن قول أهل السُّنَّة والجماعة أصلًا، وروى يعقوب بن سفيان بإسناد صحيح عن عروة قال: أسلم علي وهو ابن ثمان سنين، وقال ابن إسحاق: عشر سنين، وهذا أرجحها، وقيل غير ذلك، انتهى.
وقال الحافظ (٢) أيضًا: وقد أخرج المصنف من مناقب علي أشياء في
стр. 2147
غير هذا الموضع، منها حديث عمر: "علي أقضانا"، وسيأتي في تفسير البقرة، ومنها حديث "قتاله البغاة"، ومنها حديث "قتاله الخوارج"، وقد تقدم من حديث أبي سعيد في علامات النبوَّة، وغير ذلك مما يعرف بالتتبع، وأوعب من جمع مناقبه من الأحاديث الجياد النسائي في "كتاب الخصائص"، وأما حديث "من كنت مولاه فعلي مولاه" فقد أخرجه الترمذي والنسائي، وهو كثير الطرق جدًا، وقد استوعبها ابن عقدة في كتاب مفرد، وكثير من أسانيدها صحاح وحسان، وقد روينا عن الإمام أحمد قال: ما بلغنا عن أحد من الصحابة ما بلغنا عن علي بن أبي طالب كرم الله وجهه، انتهى.
وكتب الشيخ قُدِّس سرُّه في "اللامع" (١): ومن لطائف قدرته ﵎ أن الخلافة ترتبت على بعد النسب من النبي ﷺ ، فأقربهم نسبًا أبعدهم في الترتيب، وبالعكس، وكذلك فيما بينهما، انتهى.
وفي هامشه: ما أفاده الشيخ قُدِّس سرُّه ظاهر لا سيما في عليّ كرم الله تعالى وجهه، فإنه أقربهم نسبًا إلى رسول الله ﷺ ابن عمه، ثم بعد ذلك أقربهم عثمان ﵁، إلا أن عمر ﵁ أبعد نسبًا من الصديق الأكبر، كما يظهر من أنسابهم، ثم ذكرت في هامش "اللامع" صورة أنسابهم بطريق الجدول مع التوضيح البالغ، فارجع إليه لو اشتقت.
(١٠ - باب مناقب جعفر بن أبي طالب الهاشمي. . .) إلخ
قال الحافظ (٢): سقطت الأبواب كلها من رواية أبي ذر، وأبقى التراجم بغير لفظ: "باب"، وثبت ذلك في رواية الباقين، وجعفر هو أخو علي شقيقه، وكان أسن منه بعشر سنين، واستشهد بمؤتة كما سيأتي في المغازي، وقد جاوز الأربعين.
стр. 2148
قوله: (وقال له النبي ﷺ . . .) إلخ، هو من حديث البراء الذي ذكره في أول مناقب علي، وسيأتي بتمامه في عمرة الحديبية، انتهى.
وكنية جعفر أبو عبد الله، أسلم قديمًا، وهاجر الهجرتين، ويقال له: عبد الله الطيار ذو الجناحين وذو الهجرتين الشجاع الجواد، هاجر الحبشة، وكان هو سبب إسلام النجاشي، أمَّره رسول الله ﷺ -على جيش غزوة مؤتة، ولما قطعت يده في غزوة مؤتة جعل الله تعالى جناحين يطير بهما في الجنة مع الملائكة رضي الله تعالى عنه وأرضاه، انتهى ملخصًا من "العيني" و"القسطلاني" (١).
(١١ - باب ذكر عباس بن عبد المطلب)
ذكر فيه حديث أنس: "إن عمر كانوا إذا قحطوا استسقى بالعباس"، وهذه الترجمة وحديثها سقطا من رواية أبي ذر والنسفي، وقد تقدم الحديث المذكور في الاستسقاء، وكان العباس ﵁ أسنّ من النبي ﷺ بسنتين أو بثلاث، وكان إسلامه على المشهور قبل فتح مكة، وقيل: قبل ذلك، وليس ببعيد، وكان ممن أُسر يوم بدر، وفدى نفسه وعقيلًا ابن أخيه أبي طالب كما سيأتي، ولأجل أنه لم يهاجر قبل الفتح لم يدخله عمر في أهل الشورى مع معرفته بفضله واستسقائه به، وسيأتي حديث عائشة في إجلال النبي ﷺ عمه العباس في آخر المغازي في الوفاة النبوية، وكنية العباس أبو الفضل، ومات العباس في خلافة عثمان سنة اثنتين وثلاثين، وله بضع وثمانون سنة، انتهى (٢).
وقال القسطلاني (٣): وكان العباس جميلًا وسيمًا أبيض، له ضفيرتان معتدلًا، وقيل: طوالًا، وكان فيما رواه ابن أبي حاتم مرفوعًا: "أجود قريش كفًا وأوصلها رحمًا"، وزاد أبو عمرو: "كان ذا رأي حسن ودعوة مرجوة"،
стр. 2149
وقد قيل: إنه أسلم قديمًا، وكان يكتم إسلامه وأظهره يوم الفتح، وتوفي في خلافة عثمان قبل مقتله بسنتين بالمدينة يوم الجمعة لاثنتي عشرة خلت من رجب أو من رمضان سنة اثنتين وثلاثين، وهو ابن ثمان وثمانين سنة، وصلى عليه عثمان رضي الله تعالى عنه ودفن بالبقيع رضي الله تعالى عنه وأرضاه.
(١٢ - باب مناقب قرابة رسول الله ﷺ -)
قال الحافظ (١): زاد غير أبي ذر في هذا الموضع: "ومنقبة فاطمة بنت النبي ﷺ "، وقال النبي ﷺ : "فاطمة سيدة نساء أهل الجنة"، وهذا الحديث سيأتي موصولًا في باب مفرد ترجمته "منقبة فاطمة"، وهو يقتضي أن يكون ما اعتمده أبو ذر أولى، انتهى.
قلت: وهذه الزيادة موجودة في نسخة "العيني" و"القسطلاني".
قوله: (قرابة النبي ﷺ ) يريد بذلك من ينسب إلى جده الأقرب، وهو عبد المطلب ممن صحب النبي ﷺ منهم، أو من رآه من ذكر أو أنثى، وهم علي وأولاده: الحسن والحسين ومحسن وأم كلثوم من فاطمة ﵂، وجعفر وأولاده: عبد الله وعون ومحمد، ويقال: إنه كان لجعفر بن أبي طالب ابن اسمه أحمد، وعقيل بن أبي طالب وولده مسلم بن عقيل، وحمزة بن عبد المطلب وأولاده: يعلى وعمارة وأمامة، والعباس بن عبد المطلب وأولاده الذكور عشرة وهم: الفضل وعبد الله وقثم وعبيد الله والحارث ومعبد وعبد الرحمن وكثير وعون وتمام، وفيه يقول العباس:
تموا بتمام فصاروا عشره … يا رب فاجعلهم كرامًا بررة
ويقال: إن لكل منهم رواية، وكان له من الإناث أم حبيب وآمنة
стр. 2150
وصفية، وأكثرهم من لبابة أم الفضل، ومعتب بن أبي لهب، والعباس بن عتبة بن أبي لهب، وكان زوج آمنة بنت العباس، وعبد الله بن الزبير بن عبد المطلب وأخته ضباعة، وكانت زوج المقداد بن الأسود، وأبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب وابنه جعفر ونوفل بن الحارث بن عبد المطلب وابناه المغيرة والحارث، ولعبد الله بن الحارث هذا رواية، وكان يلقب بـ "ببّه" بموحدتين الثانية ثقيلة، وأميمة وأروى وعاتكة وصفية بنات عبد المطلب، أسلمت صفية وصحبت، وفي الباقيات خلاف، والله تعالى أعلم، ثم ذكر المصنف حديث عائشة، والمراد منه هنا قول أبي بكر: "لقرابة رسول الله ﷺ أحبّ إليّ أن أصل من قرابتي"، انتهى كله من "الفتح".
(١٣ - باب مناقب الزبير بن العوام. . .) إلخ
أي: ابن خويلد بن أسد بن عبد العزى بن قصي، يجتمع مع النبي ﷺ في قصي، وعدد ما بينهما من الآباء سواء، وأمه صفية بنت عبد المطلب عمة النبي ﷺ ، وكان يكنى أبا عبد الله، وروى الحاكم بإسناد صحيح عن عروة قال: أسلم الزبير وهو ابن ثمان سنين، انتهى من "الفتح" (١).
(١٤ - ذكر طلحة بن عبيد الله. . .) إلخ
وهكذا في نسخة "الفتح"، وفي نسخة "القسطلاني": "باب ذكر طلحة"، وفي نسخة "العيني": "باب مناقب طلحة"، وقال في "شرحه" (٢): وفي بعض النسخ: "باب ذكر طلحة. . ." إلخ وفي رواية أبي ذر: "مناقب طلحة" بدون لفظ باب، انتهى.
قال الحافظ (٣): هو طلحة بن عبيد الله بن عثمان بن عمرو بن كعب بن سعد
стр. 2151
ابن تيم بن مرة بن كعب، يجتمع مع النبي ﷺ في مرة بن كعب، ومع أبي بكر الصديق في تيم بن مرة، وعدد ما بينهم من الآباء سواء، يكنى أبا محمد، وأمه الصعبة بنت الحضرمي أخت العلاء، أسلمت وهاجرت وعاشت بعد أبيها قليلًا، وقتل طلحة يوم الجمل سنة ست وثلاثين، رمي بسهم، جاء من طرق كثيرة: أن مروان بن الحكم رماه فأصاب ركبته، فلم يزل ينزف الدم منها حتى مات، وكان يومئذ أول قتيل، واختلف في سنه على أقوال أكثرها أنه خمس وسبعون، وأقلها ثمان وخمسون، وانتهى.
(١٥ - باب مناقب سعد بن أبي وقاص الزهري)
أي: أحد العشرة، يكنى أبا إسحاق، قوله: وهو سعد بن مالك أي: اسم أبي وقاص مالك بن وهيب - ويقال: أهيب - بن عبد مناف بن زهرة بن كلاب بن مرة، يجتمع مع النبي ﷺ في كلاب بن مرة، وعدد ما بينهما من الآباء متقارب، وأمه حمنة بنت سفيان بن أمية بن عبد شمس، لم تسلم، مات بالعقيق سنة خمس وخمسين، وقيل بعد ذلك إلى ثمانية وخمسين، وعاش نحوًا من ثمانين سنة، انتهى من "الفتح" (١).
قال العيني (٢): وكان يقال له: فارس الإسلام، وهو أول من رمى بسهم في الإسلام، وكان مجاب الدعوة، وكان سابع سبعة في الإسلام، وهو الذي كوَّف الكوفة، ونفى الأعاجم، وفتح الله على يديه أكثر فارس، ومات في قصره بالعقيق على عشرة أميال من المدينة، وحمل على رقاب الناس إلى المدينة، ودفن بالبقيع، وصلى عليه مروان بن الحكم، وهو آخر العشرة وفاة في سنة خمس وخمسين، وهو المشهور، وعمره يوم مات ثلاث وثمانون، وقيل: ثلاث وسبعون، انتهى، ويأتي باب مستقل في إسلامه.
стр. 2152
(١٦ - باب ذكر أصهار النبي ﷺ . . .) إلخ
أي: الذين تزوجوا إليه - وليس المراد من تزوج النبي ﷺ إليه كما سيأتي -، والصهر يطلق على جميع أقارب المرأة والرجل، ومنهم من يخصّه بأقارب المرأة.
قوله: (منهم أبو العاص بن الربيع) أي: ابن ربيعة بن عبد العزى بن عبد شمس بن عبد مناف، ويقال بإسقاط ربيعة، وهو مشهور بكنيته، واختلف في اسمه على أقوال أثبتها عند الزبير مقسم، وأمه هالة بنت خويلد أخت خديجة، فكان ابن أختها، وأصل المصاهرة المقاربة، وقال الراغب: الصهر: الختن، وأهل بيت المرأة يقال لهم: الأصهار.
قال الحافظ (١): وكأنه لمح بالترجمة إلى ما جاء عن عبد الله بن أبي أوفى رفعه: "سألت ربي أن لا أتزوج أحدًا من أمتي ولا أتزوج إليه إلا كان معي في الجنة، فأعطاني" أخرجه الحاكم في مناقب علي.
قال النووي: الصهر يطلق على أقارب الزوجين، وعلى هذا عمل البخاري، فإن أبا العاص بن الربيع ليس من أقارب نساء النبي ﷺ إلا من جهة كونه ابن أخت خديجة، وليس المراد هنا نسبته إليها بل إلى تزوجه بابنتها، وتزوج زينب بنت رسول الله ﷺ قبل البعثة، وهي أكبر بنات النبي ﷺ ، وقد أسر أبو العاص ببدر مع المشركين، وفدته زينب، فشرط عليه النبي ﷺ أن يرسلها إليه، فوفى له بذلك، فهذا معنى قوله في آخر الحديث: "ووعدني فوفى لي"، ثم أُسر أبو العاص مرة أخرى فأجارته زينب، فأسلم، فردَّها النبي ﷺ إلى نكاحه، وولدت أمامة التي كان النبي ﷺ يحملها وهو يصلي، كما تقدم في الصلاة، وولدت له أيضًا ابنًا اسمه علي، كان في زمن النبي ﷺ مراهقًا، فيقال: إنه مات قبل وفاة النبي ﷺ .
وأما أبو العاص فمات سنة اثنتي عشرة، وأشار المصنف بقوله:
стр. 2153
"منهم" إلى من لم يذكره ممن تزوج إلى النبي ﷺ كعثمان وعلي، وقد تقدمت ترجمة كل منهما، ولم يتزوج أحد من بنات النبي ﷺ غير هؤلاء الثلاثة؛ إلا ابن أبي لهب فإنه كان تزوج رقية قبل عثمان ولم يدخل بها، فأمره أبوه بمفارقتها ففارقها، فتزوجها عثمان، وأما من تزوج النبي ﷺ إليه، فلم يقصده البخاري بالذكر هنا، والله أعلم، انتهى من "الفتح".
(١٧ - باب مناقب زيد بن حارثة. . .) إلخ
وهو من بني كلب، أُسر في الجاهلية فاشتراه حكيم بن حزام لعمته خديجة، فاستوهبه النبي ﷺ منها، ذكر قصته محمد بن إسحاق في "السيرة"، وأن أباه وعمه أتيا مكة فوجداه، فطلبا أن يفدياه، فخيَّره النبي ﷺ بين أن يدفعه إليهما أو يثبت عنده، فاختار أن يبقى عنده، وقد أخرج ابن منده في "معرفة الصحابة" بإسناد مستغرب: أن حارثة أسلم يومئذ، واستشهد زيد بن حارثة في غزوة مؤتة، ومات أسامة بن زيد بالمدينة أو بوادي القرى سنة أربع وخمسين، وقيل: قبل ذلك، انتهى من "الفتح" (١).
(١٨ - باب ذكر أسامة بن زيد)
ذكر فيه حديث المخزومية التي سرقت، والغرض منه قوله: "ومن يجترئ أن يكلمه إلا أسامة بن زيد حب رسول الله ﷺ " وكانوا يسمون أسامة حب رسول الله ﷺ بكسر المهملة أي: محبوبه - لما يعرفون من منزلته عنده؛ لأنه كان يحب أباه قبله حتى تبناه، فكان يقال له: زيد بن محمد، وأمه أم أيمن حاضنة رسول الله ﷺ ، انتهى من "الفتح" (٢).
(١٩ - باب مناقب عبد الله بن عمر)
وهو أحد العبادلة وفقهاء الصحابة والمكثرين منهم، وأمه زينب - ويقال: رائطة - بنت مظعون أخت عثمان وقدامة ابني مظعون، للجميع
стр. 2154
صحبة، وكان مولده في السنة الثانية أو الثالثة من المبعث؛ لأنه ثبت أنه كان يوم بدر ابن ثلاث عشرة سنة، وكانت بدر بعد البعثة بخمس عشرة سنة، وكانت وفاته بسبب من دسَّه عليه الحجاج، فمسَّ رجله بحربة مسمومة، فمرض بها إلى أن مات ﵁ وأرضاه أوائل سنة أربع وسبعين، انتهى من "الفتح" (١).
وقال الحافظ في ترجمته في "الإصابة" (٢): وعند ابن سعد عن نافع قال: كانت لابن عمر جارية معجبة فاشتد عجبه بها، فأعتقها وزوَّجها مولى له، فأتت منه بولد، فكان ابن عمر يأخذ الصبي فيقبله، ثم يقول: واهًا لريح فلانة. قال البخاري في "التاريخ": حدثني الأويسي حدثني مالك: أن ابن عمر بلغ سبعًا وثمانين سنة، وقال غير مالك: عاش أربعًا وثمانين، والأول أثبت، وقال ضمرة بن ربيعة في "تاريخه": مات سنة اثنتين أو ثلاثًا وسبعين، وجزم مرّة بثلاث، وكذا أبو نعيم ويحيى بن بكير والجمهور، وزاد بعضهم: في ذي الحجة، وقال الفلاس مرة: سنة أربع، وبه جزم خليفة وسعيد بن جبير وابن زبير، انتهى.
(٢٠ - باب مناقب عمّار وحذيفة)
أما عمَّار فهو ابن ياسر، يكنى أبا اليقظان العنسي بالنون، وأمه سمية بالمهملة مصغرًا، أسلم هو وأبوه قديمًا، وعذبوا لأجل الإسلام، وقتل أبو جهل أمه، فكانت أول شهيد في الإسلام، ومات أبوه قديمًا، وعاش هو إلى أن قتل بصفين مع علي ﵁ وعنهم أجمعين، وكان قد ولي شيئًا من أمور الكوفة لعمر، فلهذا نسبه أبو الدرداء إليها.
وأما حذيفة فهو ابن اليمان بن جابر بن عمرو العبسي بالموحدة حليف بني عبد الأشهل من الأنصار، وأسلم هو وأبوه اليمان كما سيأتي، وولي
стр. 2155
حذيفة بعض أمور الكوفة لعمر، وولي إمرة المدائن، ومات بعد قتل عثمان بيسير بها، وكان عمار من السابقين الأولين، وحذيفة من القدماء في الإسلام أيضًا؛ إلا أنه متأخر فيه عن عمار.
وإنما جمع المصنف بينهما في الترجمة لوقوع الثناء عليهما من أبي الدرداء في حديث واحد، وقد أفرد ذكر ابن مسعود، وإن كان ذكر معهما لوجوده ما يوافق شرطه غير ذلك من مناقبه، وقد أفرد ذكر حذيفة في أواخر المناقب، وهو مما يؤيد ما سنذكره أنه لم يهذب ترتيب من ذكره من أصحاب هذه المناقب، ويحتمل أن يكون إفراده بالذكر؛ لأنه أراد ذكر ترجمة والده اليمان، انتهى من "الفتح" (١).
(٢١ - باب مناقب أبي عبيدة بن الجراح)
قال الحافظ (٢): كذا أخَّر ذكره عن إخوانه من العشرة، ولم أقف في شيء من نسخ البخاري على ترجمة لمناقب عبد الرحمن بن عوف ولا لسعيد بن زيد، وهما من العشرة، وإن كان قد أفرد ذكر إسلام سعيد بن زيد بترجمة في أوائل السيرة النبوية، وأظن ذلك من تصرف الناقلين لكتاب البخاري، كما تقدم مرارًا أنه ترك الكتاب مسودة، فإن أسماء من ذكرهم هنا لم يقع فيهم مراعاة الأفضلية ولا السابقية ولا الأسنية، وهذه جهات التقديم في الترتيب، فلما لم يراع واحدًا منها دلَّ على أنه كتب كل ترجمة على حدة، فضمَّ بعض النقلة بعضها إلى بعض حسبما اتفق.
وأبو عبيدة اسمه عامر بن عبد الله بن الجراح بن هلال بن أهيب بن ضبة بن الحارث بن فهر، يجتمع مع النبي ﷺ في فهر بن مالك، وعدد ما بينهما من الآباء متفاوت جدًا بخمسة آباء، ومنهم من أدخل في نسبه بين الجراح وهلال: ربيعة، وبذلك جزم أبو الحسن بن سميع، ولم يذكره
стр. 2156
غيره، وأم أبي عبيدة هي من بنات عم أبيه، وذكر أبو أحمد بن الحاكم: أنها أسلمت، وقتل أبوه كافرًا يوم بدر، ويقال: إنه هو الذي قتله، ومات أبو عبيدة وهو أمير على الشام من قبل عمر بالطاعون سنة ثمان عشرة باتفاق.
ثم قال الحافظ (١) بعد ذكر حديث الباب حديث أنس: أورد الترمذي وابن حبان هذا الحديث مطوَّلًا بهذا الإسناد، وأوله: "أرحم أمتي بأمتي أبو بكر، وأشدهم في أمر الله عمر، وأصدقهم حياء عثمان، وأقرأهم لكتاب الله أُبيّ، وأفرضهم زيد، وأعلمهم بالحلال والحرام معاذ، ألا وإن لكل أمة أمينًا" الحديث، وإسناده صحيح؛ إلا أن الحفاظ قالوا: إن الصواب في أوله الإرسال والموصول منه ما اقتصر عليه البخاري، والله أعلم، انتهى.
(٢٢ - باب مناقب الحسن والحسين)
كذا في النسخ الهندية، وذكر في نسخ الشروح الثلاثة قبله: "باب ذكر مصعب بن عمير" من غير ذكر حديث.
قال الحافظ (٢): قوله: ذكر مصعب بن عمير أي: ابن هاشم بن عبد الدار بن عبد مناف، وقع كذلك في غير رواية أبي ذر، وكأنه بيَّض له، وقد تقدم من فضائله في "كتاب الجنائز": أنه لما استشهد لم يوجد له ما يكفن فيه، انتهى.
وقوله: (باب مناقب الحسن. . .) إلخ، كأنه جمعهما لما وقع لهما من الاشتراك في كثير من المناقب، وكان مولد الحسن في رمضان سنة ثلاث من الهجرة عند الأكثر، وقيل: بعد ذلك، ومات بالمدينة مسمومًا سنة خمسين، ويقال: قبلها، ويقال: بعدها، وكان مولد الحسين في شعبان سنة أربع في قول الأكثر، وقتل يوم عاشوراء سنة إحدى وستين بكربلاء من أرض
стр. 2157
العراق، وكان أهل الكوفة لما مات معاوية واستخلف يزيد كاتبوا الحسين بأنهم في طاعته، فخرج الحسين ﵁ إليهم، فسبقه عبيد الله بن زياد إلى الكوفة، فخذل غالب الناس عنه فتأخروا رغبة ورهبة، وقتل ابن عمه مسلم بن عقيل، وكان الحسين قد قدَّمه قبله ليبايع له الناس، ثم جهز إليه عسكرًا، فقاتلوه إلى أن قتل هو وجماعة من أهل بيته، والقصة مشهورة فلا نطيل بشرحها، انتهى.
وقال القسطلاني (١): وكان الحسين ﵁ لما مات معاوية وبويع يزيد ابنه أبى أن يبايعه، وكتب إلى الحسين رجال من شيعة أبيه من الكوفة: هلُّم إلينا نبايعك، فأنت أحق من يزيد، فخرج الحسين من مكة إلى العراق، فأخرج إليه عبيد الله بن زياد من الكوفة جيشه، فالتقيا بكربلاء على الفرات، وقتل الحسين من عسكر ابن زياد قتلى كثيرة حتى قتل، فقيل: قتله شمر بن ذي الجوشن الضبابي، وقيل: سنان بن أبي سنان، واحتز رأسه وأتى بها ابن زياد، انتهى.
وفي "الفيض" (٢): ومن غرائب قدرته تعالى: أنه أتي برأس عبيد الله بن زياد أيضًا بعيد ذلك في هذا المحل بعينه، انتهى.
(٢٣ - باب مناقب بلال بن رباح. . .) إلخ
رباح بفتح الراء والموحدة وبعد الألف حاء مهملة، وأمه حمامة، وكان صادق الإسلام، طاهر القلب، شحيحًا على دينه، وعُذِّب في الله عذابًا شديدًا فصبر، وهان على قومه فأعطوه الولدان، فجعلوا يطوفون به في شعاب مكة وهو يقول: أحد أحد، وكان أمية بن خلف ممن يوالي على بلال العذاب، فكان قتله على يد بلال، فقال أبو بكر ﵁ أبياتًا، منها:
هنيئًا زادك الرحمن خيرًا … فقد أدركت ثأرك يا بلال