← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 853

الأبواب والتراجم لصحيح البخاري

محمد زكريا الكاندهلوي

Полный текст (3 740 стр.). Показаны 2153–2192 · переход к 2158.

стр. 2153

"منهم" إلى من لم يذكره ممن تزوج إلى النبي ﷺ كعثمان وعلي، وقد تقدمت ترجمة كل منهما، ولم يتزوج أحد من بنات النبي ﷺ غير هؤلاء الثلاثة؛ إلا ابن أبي لهب فإنه كان تزوج رقية قبل عثمان ولم يدخل بها، فأمره أبوه بمفارقتها ففارقها، فتزوجها عثمان، وأما من تزوج النبي ﷺ إليه، فلم يقصده البخاري بالذكر هنا، والله أعلم، انتهى من "الفتح". (١٧ - باب مناقب زيد بن حارثة. . .) إلخ وهو من بني كلب، أُسر في الجاهلية فاشتراه حكيم بن حزام لعمته خديجة، فاستوهبه النبي ﷺ منها، ذكر قصته محمد بن إسحاق في "السيرة"، وأن أباه وعمه أتيا مكة فوجداه، فطلبا أن يفدياه، فخيَّره النبي ﷺ بين أن يدفعه إليهما أو يثبت عنده، فاختار أن يبقى عنده، وقد أخرج ابن منده في "معرفة الصحابة" بإسناد مستغرب: أن حارثة أسلم يومئذ، واستشهد زيد بن حارثة في غزوة مؤتة، ومات أسامة بن زيد بالمدينة أو بوادي القرى سنة أربع وخمسين، وقيل: قبل ذلك، انتهى من "الفتح" (١). (١٨ - باب ذكر أسامة بن زيد) ذكر فيه حديث المخزومية التي سرقت، والغرض منه قوله: "ومن يجترئ أن يكلمه إلا أسامة بن زيد حب رسول الله ﷺ " وكانوا يسمون أسامة حب رسول الله ﷺ بكسر المهملة أي: محبوبه - لما يعرفون من منزلته عنده؛ لأنه كان يحب أباه قبله حتى تبناه، فكان يقال له: زيد بن محمد، وأمه أم أيمن حاضنة رسول الله ﷺ ، انتهى من "الفتح" (٢). (١٩ - باب مناقب عبد الله بن عمر) وهو أحد العبادلة وفقهاء الصحابة والمكثرين منهم، وأمه زينب - ويقال: رائطة - بنت مظعون أخت عثمان وقدامة ابني مظعون، للجميع

стр. 2154

صحبة، وكان مولده في السنة الثانية أو الثالثة من المبعث؛ لأنه ثبت أنه كان يوم بدر ابن ثلاث عشرة سنة، وكانت بدر بعد البعثة بخمس عشرة سنة، وكانت وفاته بسبب من دسَّه عليه الحجاج، فمسَّ رجله بحربة مسمومة، فمرض بها إلى أن مات ﵁ وأرضاه أوائل سنة أربع وسبعين، انتهى من "الفتح" (١). وقال الحافظ في ترجمته في "الإصابة" (٢): وعند ابن سعد عن نافع قال: كانت لابن عمر جارية معجبة فاشتد عجبه بها، فأعتقها وزوَّجها مولى له، فأتت منه بولد، فكان ابن عمر يأخذ الصبي فيقبله، ثم يقول: واهًا لريح فلانة. قال البخاري في "التاريخ": حدثني الأويسي حدثني مالك: أن ابن عمر بلغ سبعًا وثمانين سنة، وقال غير مالك: عاش أربعًا وثمانين، والأول أثبت، وقال ضمرة بن ربيعة في "تاريخه": مات سنة اثنتين أو ثلاثًا وسبعين، وجزم مرّة بثلاث، وكذا أبو نعيم ويحيى بن بكير والجمهور، وزاد بعضهم: في ذي الحجة، وقال الفلاس مرة: سنة أربع، وبه جزم خليفة وسعيد بن جبير وابن زبير، انتهى. (٢٠ - باب مناقب عمّار وحذيفة) أما عمَّار فهو ابن ياسر، يكنى أبا اليقظان العنسي بالنون، وأمه سمية بالمهملة مصغرًا، أسلم هو وأبوه قديمًا، وعذبوا لأجل الإسلام، وقتل أبو جهل أمه، فكانت أول شهيد في الإسلام، ومات أبوه قديمًا، وعاش هو إلى أن قتل بصفين مع علي ﵁ وعنهم أجمعين، وكان قد ولي شيئًا من أمور الكوفة لعمر، فلهذا نسبه أبو الدرداء إليها. وأما حذيفة فهو ابن اليمان بن جابر بن عمرو العبسي بالموحدة حليف بني عبد الأشهل من الأنصار، وأسلم هو وأبوه اليمان كما سيأتي، وولي

стр. 2155

حذيفة بعض أمور الكوفة لعمر، وولي إمرة المدائن، ومات بعد قتل عثمان بيسير بها، وكان عمار من السابقين الأولين، وحذيفة من القدماء في الإسلام أيضًا؛ إلا أنه متأخر فيه عن عمار. وإنما جمع المصنف بينهما في الترجمة لوقوع الثناء عليهما من أبي الدرداء في حديث واحد، وقد أفرد ذكر ابن مسعود، وإن كان ذكر معهما لوجوده ما يوافق شرطه غير ذلك من مناقبه، وقد أفرد ذكر حذيفة في أواخر المناقب، وهو مما يؤيد ما سنذكره أنه لم يهذب ترتيب من ذكره من أصحاب هذه المناقب، ويحتمل أن يكون إفراده بالذكر؛ لأنه أراد ذكر ترجمة والده اليمان، انتهى من "الفتح" (١). (٢١ - باب مناقب أبي عبيدة بن الجراح) قال الحافظ (٢): كذا أخَّر ذكره عن إخوانه من العشرة، ولم أقف في شيء من نسخ البخاري على ترجمة لمناقب عبد الرحمن بن عوف ولا لسعيد بن زيد، وهما من العشرة، وإن كان قد أفرد ذكر إسلام سعيد بن زيد بترجمة في أوائل السيرة النبوية، وأظن ذلك من تصرف الناقلين لكتاب البخاري، كما تقدم مرارًا أنه ترك الكتاب مسودة، فإن أسماء من ذكرهم هنا لم يقع فيهم مراعاة الأفضلية ولا السابقية ولا الأسنية، وهذه جهات التقديم في الترتيب، فلما لم يراع واحدًا منها دلَّ على أنه كتب كل ترجمة على حدة، فضمَّ بعض النقلة بعضها إلى بعض حسبما اتفق. وأبو عبيدة اسمه عامر بن عبد الله بن الجراح بن هلال بن أهيب بن ضبة بن الحارث بن فهر، يجتمع مع النبي ﷺ في فهر بن مالك، وعدد ما بينهما من الآباء متفاوت جدًا بخمسة آباء، ومنهم من أدخل في نسبه بين الجراح وهلال: ربيعة، وبذلك جزم أبو الحسن بن سميع، ولم يذكره

стр. 2156

غيره، وأم أبي عبيدة هي من بنات عم أبيه، وذكر أبو أحمد بن الحاكم: أنها أسلمت، وقتل أبوه كافرًا يوم بدر، ويقال: إنه هو الذي قتله، ومات أبو عبيدة وهو أمير على الشام من قبل عمر بالطاعون سنة ثمان عشرة باتفاق. ثم قال الحافظ (١) بعد ذكر حديث الباب حديث أنس: أورد الترمذي وابن حبان هذا الحديث مطوَّلًا بهذا الإسناد، وأوله: "أرحم أمتي بأمتي أبو بكر، وأشدهم في أمر الله عمر، وأصدقهم حياء عثمان، وأقرأهم لكتاب الله أُبيّ، وأفرضهم زيد، وأعلمهم بالحلال والحرام معاذ، ألا وإن لكل أمة أمينًا" الحديث، وإسناده صحيح؛ إلا أن الحفاظ قالوا: إن الصواب في أوله الإرسال والموصول منه ما اقتصر عليه البخاري، والله أعلم، انتهى. (٢٢ - باب مناقب الحسن والحسين) كذا في النسخ الهندية، وذكر في نسخ الشروح الثلاثة قبله: "باب ذكر مصعب بن عمير" من غير ذكر حديث. قال الحافظ (٢): قوله: ذكر مصعب بن عمير أي: ابن هاشم بن عبد الدار بن عبد مناف، وقع كذلك في غير رواية أبي ذر، وكأنه بيَّض له، وقد تقدم من فضائله في "كتاب الجنائز": أنه لما استشهد لم يوجد له ما يكفن فيه، انتهى. وقوله: (باب مناقب الحسن. . .) إلخ، كأنه جمعهما لما وقع لهما من الاشتراك في كثير من المناقب، وكان مولد الحسن في رمضان سنة ثلاث من الهجرة عند الأكثر، وقيل: بعد ذلك، ومات بالمدينة مسمومًا سنة خمسين، ويقال: قبلها، ويقال: بعدها، وكان مولد الحسين في شعبان سنة أربع في قول الأكثر، وقتل يوم عاشوراء سنة إحدى وستين بكربلاء من أرض

стр. 2157

العراق، وكان أهل الكوفة لما مات معاوية واستخلف يزيد كاتبوا الحسين بأنهم في طاعته، فخرج الحسين ﵁ إليهم، فسبقه عبيد الله بن زياد إلى الكوفة، فخذل غالب الناس عنه فتأخروا رغبة ورهبة، وقتل ابن عمه مسلم بن عقيل، وكان الحسين قد قدَّمه قبله ليبايع له الناس، ثم جهز إليه عسكرًا، فقاتلوه إلى أن قتل هو وجماعة من أهل بيته، والقصة مشهورة فلا نطيل بشرحها، انتهى. وقال القسطلاني (١): وكان الحسين ﵁ لما مات معاوية وبويع يزيد ابنه أبى أن يبايعه، وكتب إلى الحسين رجال من شيعة أبيه من الكوفة: هلُّم إلينا نبايعك، فأنت أحق من يزيد، فخرج الحسين من مكة إلى العراق، فأخرج إليه عبيد الله بن زياد من الكوفة جيشه، فالتقيا بكربلاء على الفرات، وقتل الحسين من عسكر ابن زياد قتلى كثيرة حتى قتل، فقيل: قتله شمر بن ذي الجوشن الضبابي، وقيل: سنان بن أبي سنان، واحتز رأسه وأتى بها ابن زياد، انتهى. وفي "الفيض" (٢): ومن غرائب قدرته تعالى: أنه أتي برأس عبيد الله بن زياد أيضًا بعيد ذلك في هذا المحل بعينه، انتهى. (٢٣ - باب مناقب بلال بن رباح. . .) إلخ رباح بفتح الراء والموحدة وبعد الألف حاء مهملة، وأمه حمامة، وكان صادق الإسلام، طاهر القلب، شحيحًا على دينه، وعُذِّب في الله عذابًا شديدًا فصبر، وهان على قومه فأعطوه الولدان، فجعلوا يطوفون به في شعاب مكة وهو يقول: أحد أحد، وكان أمية بن خلف ممن يوالي على بلال العذاب، فكان قتله على يد بلال، فقال أبو بكر ﵁ أبياتًا، منها: هنيئًا زادك الرحمن خيرًا … فقد أدركت ثأرك يا بلال

стр. 2158

وكان شديد الأدمة نحيفًا طوالًا، خفيف العارضين، من مولدي مكة، مولى لبعض بني جمح، وأصله من الحبشة، توفي بدمشق سنة عشرين، وهو ابن ثلاث وستين سنة، وكان مولى أبي بكر الصديق، وعند ابن أبي شيبة بإسناد صحيح: "أن أبا بكر اشتراه بخمس أواق، وهو مدفون بالحجارة"، انتهى من "القسطلاني" (١). وفي "الفتح" (٢): أن أبا بكر قال لبلال: أنشدك الله وحقي، فأقام معه بلال حتى توفي، فلما مات أذن له عمر فتوجَّه إلى الشام مجاهدًا، فمات بها في طاعون عمواس، وكانت وفاته بدمشق، وزعم ابن السمعاني: أن بلالًا مات بالمدينة وغلطوه، انتهى. وقال الحافظ في "التهذيب" (٣): بلال بن رباح التيمي مولاهم، المؤذن، أبو عبد الله، ويقال: أبو عبد الرحمن، وقيل غير ذلك في كنيته، وهو ابن حَمَامة وهي أمه، أسلم قديمًا، وعذب في الله، وشهد بدرًا والمشاهد كلها، وسكن دمشق، ومات بها في طاعون عمواس سنة سبعة عشر أو ثمانية عشر، وقال ابن زبر: مات بداريَّا، وحمل على رقاب الرجال، فدفن بباب كيسان، وقيل: دفن بباب الصغير، وقال ابن منده في "المعرفة": دفن بحلب ﵁، انتهى. قلت: وتكلم الحافظ في "اللسان" (٤) في ترجمة إبراهيم بن محمد على قصة رحيل بلال إلى الشام ومجيئه إلى المدينة وأذانه بها. (٢٤ - باب مناقب ابن عباس) وفي نسخ الشروح الثلاثة: "ذكر ابن عباس" بدل "مناقب"، ولفظ الباب موجود في بعض دون بعض.

стр. 2159

قال العلَّامة العيني (١): وإنما لم يقل: "مناقب ابن عباس" مثل غيره؛ لأنه قد عقد له بابًا في "كتاب العلم" حيث قال: "باب قول النبي ﷺ : اللَّهم علمه الكتاب"، ثم ذكر عنه أنه قال: "ضمَّني رسول الله ﷺ وقال: اللَّهم علمه الكتاب"، وهذه منقبة عظيمة، فاكتفى به عن ذكر لفظ مناقب ههنا، انتهى. قال الحافظ (٢) تحت الترجمة: أي: عبد الله بن العباس بن عبد المطلب بن هاشم ابن عم النبي ﷺ ، يكنى أبا العباس، ولد قبل الهجرة بثلاث سنين، ومات بالطائف سنة ثمان وستين، وكان من علماء الصحابة حتى كان عمر يقدمه مع الأشياخ وهو شاب، أورد فيه حديثه قال: "ضمني النبي ﷺ إليه وقال: اللَّهم علِّمه الحكمة"، وفي لفظ: "علِّمه الكتاب"، وهو يؤيد من فسر الحكمة ههنا بالقرآن، وقد استوعبت ما قيل في تفسيرها في أوائل "كتاب العلم"، إلى آخر ما قال. قال القسطلاني (٣): ولد بالشعب قبل خروج بني هاشم منه، وحنَّكه ﷺ بريقه، وسمَّاه ترجمان القرآن، وكان طويلًا أبيض جسيمًا وسيمًا صبيح الوجه، قال مسروق: كنت إذا رأيت ابن عباس قلت: أجمل الناس، فإذا تكلم قلت: أفصح الناس، وإذا تحدث قلت: أعلم الناس، وتوفي بالطائف بعد أن عمي سنة ثمان وستين، وهو ابن سبعين سنة، وصلى عليه محمد ابن الحنفية، انتهى. كتب الشيخ قُدِّس سرُّه في "اللامع" (٤): قوله: (الحكمة: الإصابة في غير النبوَّة) يعني بذلك: أن الحكمة قد تستعمل في الأنبياء، ومعناها الإصابة والنبوَّة، وقد تستعمل في غير الأنبياء، كما ذكرت ههنا، ومعناها الإصابة دون الإصابة التي في النبوَّة، والظاهر أن غرض المؤلف أن الحكمة إذا استعملت في غير محل النبوَّة فمعناها بالإصابة، انتهى.

стр. 2160

وذكر في "هامشه" بعض الأقوال في تفسير الحكمة، وفيه أيضًا: قال الحافظ (١): واختلف في المراد بالحكمة ههنا، فقيل: الإصابة في القول، وقيل: الفهم عن الله، وقيل: ما يشهد العقل بصحته، وقيل: نور يفرق به بين الإلهام والوسواس، وقيل: سرعة الجواب بالصواب، وقيل غير ذلك، انتهى. وسيأتي الكلام في تفسير الحكمة في تفسير سورة الأحزاب أيضًا. (٢٥ - باب مناقب خالد بن الوليد) أي: ابن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم بن يقظة - بفتح التحتانية والقاف والمشالة - ابن مرة بن كعب، يجتمع مع النبي ﷺ ومع أبي بكر جميعًا في مرة بن كعب، يكنى أبا سليمان، وكان من فرسان الصحابة، أسلم بين الحديبية والفتح، ويقال: قبل غزوة مؤتة بشهرين، وكانت في جمادى سنة ثمان، ومن ثم جزم مغلطاي بأنها كانت في صفر، وكان الفتح بعد ذلك في رمضان، وحكى ابن أبي خيثمة: أنه أسلم سنة خمس وهو غلط، فإنه كان بالحديبية طليعة للمشركين، وهي في ذي القعدة سنة ست، وقال الحاكم: أسلم سنة سبع، زاد غيره، وقيل: عمرة القضاء، والراجح الأول وما وافقه، وشهد مع النبي ﷺ عدة مشاهد، ظهرت فيها نجابته، ثم كان قتل أهل الردة على يديه، ثم فتوح البلاد الكبار، ومات على فراشه سنة إحدى وعشرين، وذلك في خلافة عمر بحمص، وقيل: إنه مات بالمدينة وغلطوه، انتهى من "الفتح" (٢). (٢٦ - باب مناقب سالم مولى أبي حذيفة) أي: ابن عتبة بن ربيعة بن عبد شمس، وكان مولاه أبو حذيفة من أكابر الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين، وشهد بدرًا مع النبي ﷺ ، وقتل أبوه يومئذ كافرًا فساءه ذلك، فقال: كنت أرجو أن يسلم لما كنت

стр. 2161

أرى من عقله، واستشهد أبو حذيفة باليمامة، وأما سالم فكان من السابقين الأولين، وقد أشير في هذا الحديث إلى أنه كان عارفًا بالقرآن، وسبق في "كتاب الصلاة": أنه كان يؤمّ المهاجرين بقباء لما قدموا من مكة، وشهد سالم بدرًا وما بعدها، ويقال: إن اسم أبيه معقل، وكان مولى لامرأة من الأنصار، فتبناه أبو حذيفة لما تزوجها، فنسب إليه، واستشهد سالم باليمامة أيضًا، انتهى من "الفتح" (١). وقال القسطلاني (٢): كان من أهل فارش من فضلاء الصحابة الموالي وكبارهم، معدود في المهاجرين؛ لأنه هاجر إلى المدينة، وفي الأنصار؛ لأنه مولى امرأة أبي حذيفة، انتهى. (٢٧ - باب مناقب عبد الله بن مسعود) هو: ابن مسعود بن غافل بن حبيب بن شمخ بن هذيل بن مدركة بن إلياس بن مضر، مات أبوه في الجاهلية، وأسلمت أمه وصحبت، فلذلك نسب إليها أحيانًا، وكان هو من السابقين، وكان سادس ستة في الإسلام، وهاجر الهجرتين، وسيأتي في غزوة بدر شهوده إياها، وولي بيت المال بالكوفة لعمر وعثمان، وقدم في أواخر عمره المدينة، ومات في خلافة عثمان سنة اثنتين وثلاثين، وقد جاوز الستين، وكان من علماء الصحابة، وممن انتشر علمه بكثرة أصحابه والآخذين عنه، وكانت أمه تكنى أم عبد، انتهى من "الفتح" (٣). وفي القسطلاني (٤): وهو من القراء المشهورين، وممن جمع القرآن على عهد النبي ﷺ ، وهاجر الهجرتين، وصلى إلى القبلتين، وشهد بدرًا والحديبية، وشهد له رسول الله ﷺ بالجنة، وكان قصيرًا نحيفًا يكاد طوال الرجال يوازونه جلوسًا وهو قائم، ودفن بالبقيع، وصلى عليه عثمان، وكان

стр. 2162

له من الولد عبد الرحمن، وبه كان يكنى، وعتبة وأبو عبيدة واسمه عامر، انتهى. (٢٨ - باب ذكر معاوية) أي: ابن أبي سفيان - واسمه صخر، ويكنى أيضًا أبا حنظلة - بن حرب بن أمية بن عبد شمس، أسلم قبل الفتح، وأسلم أبواه بعده، وصحب النبي ﷺ وكتب له، وولي إمرة دمشق عن عمر بعد موت أخيه يزيد بن أبي سفيان سنة تسع عشرة، واستمر عليها بعد ذلك إلى خلافة عثمان، ثم زمان محاربته لعلي وللحسن، ثم اجتمع عليه الناس في سنة إحدى وأربعين إلى أن مات سنة ستين، فكانت ولايته بين إمارة ومحاربة ومملكة أكثر من أربعين سنة متوالية، انتهى من "الفتح" (١). وفي القسطلاني (٢): وكان معاوية يقول: إنه أسلم يوم الحديبية وكتم إسلامه من أبيه وأمه، وهو وأبوه من المؤلفة قلوبهم، ومن الطبقة الأولى في قسم غنائم حنين، ثم حسن إسلامهما، وكان أبيض جميلًا، وهو من الموصوفين بالحلم، وتوفي بدمشق، انتهى. وكتب الشيخ في "اللامع" (٣): قوله: "ذكر معاوية" ولعله غير العنوان، ولم يعبِّر بالمناقب؛ لأنه لم يزد على الصحبة والفقاهة المشتركة بين أكثر الصحابة رضي الله تعالى عنهم، انتهى. قلت: وبنحو ذلك قالت الشرَّاح عامة، قال القسطلاني: ومناسبة هذه الأحاديث لما ترجم له ما فيها من ذكر الصحبة المقتضية للشرف العالي على أنه قد ورد في فضل السيد معاوية ﵁ أحاديث، لكنها ليست على شرط المؤلف، فمن ثم لم يقل "باب مناقب معاوية أو فضائله"، إذ أنه لا تصريح بذلك فيما ساقه في الباب على ما لا يخفى، انتهى.

стр. 2163

قال الحافظ: ونقل ابن الجوزي عن إسحاق بن راهويه أنه قال: لم يصح في فضائل معاوية شيء، فهذه النكتة في عدول البخاري عن التصريح بلفظ منقبة اعتمادًا على قول شيخه إلى أن قال: وقد ورد في فضائل معاوية أحاديث كثيرة، لكن ليس فيها ما يصح من طريق الإسناد، وبذلك جزم إسحاق بن راهويه والنسائي، انتهى. قلت: ويشكل على هذا كله أن الإمام البخاري لم يترجم بلفظ ذكر بدل المناقب في هذا الباب خاصة، بل ترجم بلفظ الذكر في عدة أبواب كما تقدم، وأيضًا سيأتي: ذكر جرير وذكر حذيفة وغير ذلك، اللَّهم إلا أن يقال: إنه ليس في هذه الأبواب كلها التي غيَّر فيها العنوان ذكر منقبة خاصة، كما يظهر من مطالعة هذه الأحاديث الواردة في هذه الأبواب، ولما كان أمر الأمير معاوية ﵁ مشهورًا بين الناس، وقد ورد في فضله أحاديث كثيرة غير صحيحة عندهم نبَّهوا على ذلك خاصة. (٢٩ - باب مناقب فاطمة) الزهراء البتول، بنت رسول الله ﷺ رضي الله تعالى عنها وأرضاها، وأمها خديجة، ولدت فاطمة في الإسلام، وقيل: قبل البعثة، وتزوجها علي ﵁ بعد بدر في السنة الثانية، وولدت له حسنًا وحسينًا ومحسنًا وزينب وأم كلثوم ورقية فماتت رقية ولم تبلغ، ومات محسن صغيرًا، ولم يكن للنبي ﷺ عقب إلا من ابنته فاطمة رضي الله تعالى عنها، وكانت وفاتها ليلة الثلاثاء لثلاث خلون من شهر رمضان سنة إحدى عشرة بعد النبي ﷺ بستة أشهر، وقد ثبت في الصحيح من حديث عائشة، وقيل: بل عاشت بعده ثمانية، وقيل: ثلاثة، وقيل: شهرين، وقيل: شهرًا واحدًا، ولها أربع وعشرون سنة، وقيل غير ذلك، وقيل: خمس، وقيل: تسع، وقيل: عاشت ثلاثين سنة، وصلى عليها علي، وقيل: العباس، وقيل: أبو بكر ﵁، وأقوى ما يستدل به على تقديم فاطمة على غيرها من نساء عصرها

стр. 2164

ومن بعدهن ما ذكر من قوله ﷺ : "إنها سيدة نساء العالمين إلا مريم"، انتهى من "الفتح" (١) و"القسطلاني" (٢). (٣٠ - باب فضل عائشة) هي الصدِّيقة بنت الصدِّيق وأمها أم رومان ﵃، وكان مولدها في الإسلام قبل الهجرة بثمان سنين أو نحوها، ومات النبي ﷺ ولها نحو ثمانية عشر عامًا، وقد حفظت عنه شيئًا كثيرًا، وعاشت بعده قريبًا من خمسين سنة، فأكثر الناس الأخذ عنها، ونقلوا عنها من الأحكام والآداب شيئًا كثيرًا حتى قيل: إن ربع الأحكام الشرعية منقول عنها ﵂، قال الزهري: لو جمع علم عائشة إلى علم جميع أزواج النبي ﷺ وعلم جميع النساء لكان علم عائشة أفضل، وكان موتها في خلافة معاوية سنة ثمان وخمسين، وذلك ليلة الثلاثاء سبع عشرة خلت من رمضان، وصلى عليها أبو هريرة، وقيل في التي بعدها، ولم تلد للنبي ﷺ شيئًا على الصواب، وقول: إنها أسقطت من النبي ﷺ سقطًا لم يثبت، وسألته أن تكتني فقال: اكتني بابن أختك، فاكتنت أم عبد الله، وأخرج ابن حبان في "صحيحه" من حديث عائشة: "أنه كناها بذلك لما أحضر إليه ابن الزبير ليحنكه فقال: هو عبد الله، وأنت أم عبد الله"، قالت: فلم أزل أكنى بها، انتهى من "الفتح" (٣) و"القسطلاني" (٤) ملخصًا. ولا يذهب عليك أن الإمام البخاري ترجم بفضل عائشة بعد مناقب فاطمة، ولا يبعد عندي أنه أشار بهذا الترتيب إلى ترتيب الفضيلة بينهما، والمسألة خلافية شهيرة. قال الحافظ (٥): قال السبكي الكبير: الذي ندين الله به أن فاطمة

стр. 2165

أفضل ثم خديجة ثم عائشة، والخلاف شهير، ولكن الحق أحق أن يتبع، وقال ابن تيمية: جهات الفضل بين خديجة وعائشة متقاربة، وكأنه رأى التوقف، وقال ابن القيم: إن أريد بالتفضيل كثرة الثواب عند الله فذاك أمر لا يطلع عليه، فإن عمل القلوب أفضل من عمل الجوارح، وإن أريد كثرة العلم فعائشة لا محالة، وإن أريد شرف الأصل ففاطمة لا محالة، وهي فضيلة لا يشاركها فيها غير أخواتها، وإن أريد شرف السيادة فقد ثبت النصر لفاطمة وحدها. قال الحافظ: وقيل: انعقد الإجماع على أفضلية فاطمة، وبقي الخلاف بين عائشة وخديجة، انتهى. وبسط الحافظ ﵀ الكلام على ذلك في "باب فضل خديجة"، وهكذا بسط الكلام عليه أشد البسط صاحب "تيسير القاري" إلى آخر ما ذكر في هامش "اللامع" (١)، وفي "القول الفصيح": افتتح المؤلف مناقب المهاجرين بالصديق ﵁ وختمها بعائشة بنت الصديق، فنعم المدخل ونعم المخرج، انتهى. التنبيه: قال العيني (٢): قال الكرماني: والمعتنون بهذا الكتاب من الشيوخ رضي الله تعالى عنهم ضبطوه فقالوا: ههنا منتصف الكتاب، أي: كتاب البخاري، و"باب مناقب الأنصار" هو ابتداء النصف الآخر منه، انتهى. وهكذا ذكر القسطلاني (٣)، وسكت عنه الحافظ، ولم يتعرض لذلك، وأما بحسب النسخ الهندية فمنتصف كتاب البخاري على آخر باب من أبواب المناقب أعني "باب إسلام سلمان الفارسي"، وابتداء النصف الثاني منه من كتاب المغازي.

стр. 2166

[٦٣ - كتاب مناقب الأنصار] (١ - باب مناقب الأنصار) لفظ الباب سقط لأبي ذر والوقت، والأنصار جمع ناصر، كالأصحاب جمع صاحب، ويقال: جمع نصير كشريف وأشراف، والنسبة أنصاري، وليس نسبة لأب ولا أم، بل سموا بذلك لم فازوا به دون غيرهم من نصرته ﷺ وإيوائه وإيواء من معه، ومؤاساتهم بأنفسهم وأموالهم، وكان القياس أن يقال: ناصري، فقالوا: أنصاري كأنهم جعلوا الأنصار اسم المعنى، فإن قلت: الأنصار جمع قلة فلا يكون لما فوق العشرة وهو ألوف؟ أجيب بأن جمعي القلة والكثرة إنما يعتبران في نكرات الجموع، أما في المعارف فلا فرق بينهما، والأنصار هم ولد الأوس والخزرج وحلفاؤهم أبناء حارثة بن ثعلبة، وهو اسم إسلامي، واسم أمهم قيلة بالقاف المفتوحة والتحتية الساكنة، انتهى من "القسطلاني" (١). وفي "الفتح" (٢): والأوس ينسبون إلى أوس بن حارثة، والخزرج ينسبون إلى الخزرج بن حارثة، وهما ابنا قيلة، وهو اسم أمهم، وأبوهم هو حارثة بن عمرو بن عامر الذي يجتمع إليه انساب الأزد. (٢ - باب قول النبي ﷺ : "لولا الهجرة لكنت من الأنصار ") هو طرف من حديث سيأتي في غزوة حنين، قال الخطابي (٣): أراد ﷺ

стр. 2167

بذلك استطابة قلوب الأنصار حيث رضي أن يكون واحدًا منهم لولا ما منعه من سمة الهجرة، انتهى من "الفتح" (١). (٣ - باب إخاء النبي ﷺ بين المهاجرين والأنصار) سقط لفظ "باب" لأبي ذر، فما بعده رفع، و"الإخاء" بكسر الهمزة، وعند ابن سعد: أنه آخى بين مائة: خمسين من المهاجرين وخمسين من الأنصار، وكان قبل بدر بخمسة أشهر في دار أنس، يأتي ذكر من سمي منهم في "باب كيف آخى النبي ﷺ بين أصحابه" قبيل المغازي، انتهى من "القسطلاني" (٢). وسيأتي تفصيل الكلام هناك إن شاء الله تعالى. (٤ - باب حب الأنصار) أي: فضله، ذكر فيه حديث البراء: "لا يحبهم إلا مؤمن"، وحديث أنس: "آية الإيمان حب الأنصار"، قال ابن التِّين: المراد حب جميعهم وبغض جميعهم؛ لأن ذلك إنما يكون للدين، ومن أبغض بعضهم لمعنى يسوغ البغض له فليس داخلا في ذلك، وهو تقرير حسن، وقد سبق الكلام على شرح الحديث في "كتاب الإيمان"، انتهى من "الفتح" (٣). (٥ - باب قول النبي ﷺ للأنصار: "أنتم أحب الناس إليَّ ") قالوا: هو على طريق الإجمال، أي: مجموعكم أحب إلي من مجموع غيركم، فلا يعارض ما تقدم: "من أحب الناس إليكم؟ قال: أبو بكر" الحديث (٤).

стр. 2168

(٦ - باب أتباع الأنصار) بفتح الهمزة جمع تبع، وفي هامش المصرية: جمع تابع، وأراد بهم الحلفاء والموالي؛ لأنهم أتباع الأنصار، وليسوا بأنصار، انتهى من "العيني" (١) بزيادة. وقال القسطلاني (٢): وسقط لفظ: "باب" لأبي ذر، وقال أيضًا بعد ذكر حديث الباب: وفيه التنبيه على شرف صحبة الأخيار، وصح "المرء مع من أحب"، وتأمل تأثير الصحة في كل شيء حتى في البواشق بالصحبة رفعت على أيدي الملوك، وحتى في الحطب بصحبة النجار يعتق من النار، فعليك بصحبة الأخيار، انتهى. (٧ - باب فضل دور الأنصار) أي: منازلهم، قاله الحافظ (٣). وزاد القسطلاني (٤): وكانت كل قبيلة منهم تسكن محلة، فسميت تلك المحلة دارًا، انتهى. قلت: والمراد بالمنازل هي القبائل، ولذا قال شيخ الإسلام في شرحه (٥): يعني: فضل قبائلهم، انتهى. (٨ - باب قول النبي ﷺ للأنصار: "اصبروا حتى تلقوني على الحوض ") قال الحافظ (٦): قوله: (قاله عبد الله بن زيد) أي: ابن عاصم المازني، وحديثه هذا وصله المؤلف بأتم من هذا في غزوة حنين كما سيأتي إن شاء الله تعالى، انتهى.

стр. 2169

(٩ - باب دعاء النبي ﷺ : "أصلح الأنصار والمهاجرة ") بكسر الجيم: جماعة المهاجرين الذين هاجروا من مكة إلى المدينة، وسقط لفظ "باب" لأبي ذر، انتهى من "القسطلاني" (١). كتب الشيخ في "اللامع" (٢) على قوله في الحديث: "فاغفر للمهاجرين والأنصار": وكان يورده أحيانًا كذلك استبعادًا من هيئة الشعر لقوله تعالى: ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ﴾ [يس: ٦٩]، انتهى. وفي هامشه: هكذا ذكره ابن كثير في "تفسيره" إذ قال: ورد أنه ﷺ كان لا يحفظ بيتًا على وزن منتظم، بل إن أنشده زحفه أو لم يتمه، وقال أبو زرعة بسنده عن الشعبي أنه قال: ما ولد عبد المطلب ذكرًا ولا أنثى إلا يقول الشعر إلا رسول الله ﷺ ، إلى آخر ما في هامشه. (١٠ - باب قوله: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ [الحشر: ٩]) قال الحافظ (٣): هو مصير منه إلى أن الآية نزلت في الأنصار، وهو ظاهر سياقها، وحديث الباب ظاهر في أنها نزلت في قصة الأنصاري فيطابق الترجمة، وقد قيل: إنها نزلت في قصة أخرى ويمكن الجمع، انتهى كلام الحافظ. (١١ - باب قول النبي ﷺ : "اقبلوا من محسنهم. . .") إلخ يعني: الأنصار. قوله: (ويتجاوز عن مسيئهم) أي: في غير الحدود وحقوق الناس، ومطابقة الحديث للترجمة في آخر الحديث؛ لأنه عين الترجمة، انتهى من "الفتح" و"العيني" (٤).

стр. 2170

(١٢ - باب مناقب سعد بن معاذ) ذكر المصنف أولًا مناقب جماعة الأنصار على العموم، والآن يذكر مناقب بعض الأشخاص منهم على الخصوص منهم سعد بن معاذ. وقال الحافظ (١): سعد بن معاذ، أي: ابن النعمان بن امرئ القيس بن عبد الأشهل، وهو كبير الأوس، كما أن سعد بن عبادة كبير الخزرج، وإياهما أراد الشاعر بقوله: فإن يسلم السعدان يصبح محمد … بمكة لا يخشى خلاف المخالف انتهى من "الفتح". قوله: (إنه كان بين هذين الحيين ضغائن. . .) إلخ، كتب الشيخ في "اللامع" (٢): يعني بذلك: أن البراء أوسي كالسعد، فلو قال أحد من الخزرج لكان له وجه، وأما ظهور ذلك المقال عنه فبعيد، فافهم، وقد ذكره المحشي أيضًا، انتهى. وذكر في "هامشه" كلام المحشي والشرَّاح. (١٣ - باب منقبة أسيد بن حضير وعبَّاد بن بشر) هو أسيد بن حضير بن سماك بن عتيك بن رافع بن امرئ القيس بن زيد بن عبد الأشهل الأنصاري الأوسي الأشهلي، يكنى أبا يحيى، وقيل غير ذلك، ومات في سنة عشرين في خلافة عمر على الأصح، وعبَّاد بن بشر هو ابن وقش كما سأبينه، وفي "تاريخ البخاري"، و"مسند أبي يعلى" وصححه الحاكم بسنده عن عائشة قالت: "ثلاثة من الأنصار لم يكن أحد يعتد عليهم فضلًا كلهم من بني عبد الأشهل: سعد بن معاذ وأسيد بن حضير وعباد بن بشر". قوله: (أن رجلين. . .) إلخ، ظهر من رواية معمر أن أسيد بن حضير

стр. 2171

أحدهما، ومن رواية حماد أن الثاني عباد بن بشر، ولذلك جزم به المؤلف في الترجمة وأشار إلى حديثهما، فأما رواية معمر فوصلها عبد الرزاق في "مصنفه" (١)، فذكر الحافظ تلك الرواية، وأما رواية حماد بن سلمة فوصلها أحمد والحاكم في "المستدرك" (٢)، ثم ذكرها الحافظ. قوله: (عباد بن بشر) كذا للأكثر بكسر الموحدة وسكون المعجمة، وفي رواية أبي الحسن القابسي "بشير" بفتح أوله وكسر ثانيه وزيادة تحتانية وهو غلط، وفي الصحابة عباد بن بشر بن قيظي وعباد بن بشر بن نهيك وعباد بن بشر بن وقش، وصاحب هذه القصة هو هذا الثالث، ووهم من زعم خلاف ذلك، انتهى من "الفتح" (٣). (١٤ - باب مناقب معاذ بن جبل) أي: ابن عمرو بن أوس، من بني أسد بن شاردة بن تزيد - بفتح المثناة الفوقانية - ابن جشم بن الخزرج الخزرجي، يكنى أبا عبد الرحمن، شهد بدرًا والعقبة، وكان أميرًا للنبي ﷺ على اليمن، ورجع بعده إلى المدينة، ثم خرج إلى الشام مجاهدًا، فمات في طاعون عمواس سنة ثماني عشرة، وعاش ثلاثًا وثلاثين سنة على الصحيح، انتهى من "الفتح" (٤). (١٥ - باب منقبة سعد بن عبادة) بضم العين وتخفيف الموحدة ابن دليم بن حارثة بن أبي حزيمة - بفتح الحاء المهملة وكسر الزاء بعدها تحتية ثم ميم - ابن ثعلبة بن طريف بن الخزرج بن ساعدة الأنصاري الساعدي نقيب من بني ساعدة، يكنى أبا ثابت، وهو والد قيس بن سعد أحد مشاهير الصحابة،

стр. 2172

وكان سعد كبير الخزرج وأحد المشهورين بالجود، شهد بدرًا كما في "صحيح مسلم"، لكن المعروف عند أهل المغازي أنه تهيأ للخروج فنهش فأقام، نعم ذكره في البدريين الواقدي والمدائني وابن الكلبي، ومات بحوران من أرض الشام سنة أربع عشرة أو خمس عشرة في خلافة عمر، قال ابن الأثير في "أسد الغابة" (١): ولم يختلفوا أنه وجد ميتًا في مغتسله وقد اخضر جسده ولم يشعروا بموته بالمدينة حتى سمعوا قائلًا يقول من بئر ولا يرون أحدًا: نحن قتلنا سيد الخزرج سعد بن عبادة … فرميناه بسهم فلم يخط فؤاده قال ابن سيرين: بينا سعد يبول قائمًا إذ اتكأ فمات، قتلته الجن، وقبره بالمنيحة قرية من غوطة دمشق مشهور يزار إلى اليوم، انتهى من "الفتح" (٢) و"القسطلاني" (٣). وذكر شيء من الكلام عليه في هامش "اللامع" (٤) في مناقب أبي بكر تحت قول عمر: "قتله الله"، وذكر فيه أيضًا الخلاف في سبب موته، فارجع إليه. (١٦ - باب مناقب أُبيّ بن كعب) أي: ابن قيس بن عبيد بن زيد بن معاوية بن عمرو بن مالك بن النجار الأنصاري الخزرجي النجاري، يكنى أبا المنذر وأبا الطفيل، كان من السابقين من الأنصار، شهد العقبة وبدرًا وما بعدهما، مات سنة ثلاثين، وقيل غير ذلك، وكان عمر يقول: أُبيّ سيد المسلمين، قال ابن سعد عن الواقدي: أول من كتب لرسول الله ﷺ مقدمه المدينة أُبيّ بن كعب، وهو أول من كتب في آخر الكتاب، وكتبه فلان ابن فلان، انتهى من "الفتح" (٥) و"القسطلاني" (٦).

стр. 2173

(١٧ - باب مناقب زيد بن ثابت) أي: ابن الضحاك بن زيد بن لوذان، من بني مالك بن النجار، كاتب الوحي وأحد فقهاء الصحابة، وكان عمره لما قدم النبي ﷺ المدينة إحدى عشرة سنة، وكان أعلم الصحابة بالفرائض ومن أعلم الصحابة والراسخين في العلم، ومن أفكه الناس إذا خلا مع أهله، مات سنة خمس وأربعين، وصلى عليه مروان بن الحكم، انتهى من "القسطلاني" (١) و"الفتح" (٢). (١٨ - باب مناقب أبي طلحة) سقط لفظ "باب" لأبي ذر، وأبو طلحة هو زيد بن سهل بن الأسود بن حرام بن عمرو بن زيد مناة بن عدي بن عمرو بن مالك بن النجار الأنصاري الخزرجي النجاري، عقبي بدري نقيب، وأمه عبادة بنت مالك بن عدي بن زيد مناة بن عدي، يجتمعان في زيد مناة، وهو مشهور بكنيته، وكان زوج أم سليم بنت ملحان أم أنس بن مالك، وفي "أسد الغابة": أنه لما خطب أم سليم قالت له: يا أبا طلحة، ما مثلك يردّ لكنك امرءٌ كافر وأنا امرأة مسلمة، ولا يحل لي أن أتزوجك، فإن تسلم فذلك مهري لا أسألك غيره، فأسلم فكان ذلك مهرها، توفي سنة اثنتين وثلاثين أو أربع وثلاثين، وقال المدائني: سنة إحدى وخمسين، وقيل: إنه كان لا يكاد يصوم في عهد النبي ﷺ من أجل الغزو، فلما توفي ﷺ صام أربعين سنة لم يفطر إلا أيام العيد، وهو يؤيد قول من قال: إنه توفي سنة إحدى وخمسين ﵁، انتهى من "الفتح" (٣) و"القسطلاني" (٤).

стр. 2174

(١٩ - باب مناقب عبد الله بن سلام) سقط لفظ "باب" لأبي ذر، بتخفيف اللام ابن الحارث الإسرائيلي ثم الأنصاري، كان حليفًا لهم من بني قينقاع، وهو من ولد يوسف بن يعقوب ﵉، وكان اسمه في الجاهلية الحصين، فسماه النبي ﷺ حين أسلم عبد الله، وكان إسلامه لما قدم النبي ﷺ المدينة مهاجرًا، وفي الترمذي: أن رسول الله ﷺ قال: "إنه عاشر عشرة في الجنة"، توفي سنة ثلاث وأربعين ﵁، انتهى من "القسطلاني" (١). وقال الحافظ (٢): زعم الداودي أنه كان من أهل بدر، ولا يثبت، وغلط من قال: إنه أسلم قبل وفاة النبي ﷺ بعامين، انتهى من "الفتح". قوله: (ما سمعت النبي ﷺ يقول لأحد. . .) إلخ، قال العلَّامة السندي (٣): يحتمل أن الحصر بالنظر إلى خصوص اللفظ، وهو لفظ "إنه في الجنة"، أو بالنظر إلى خصوص الحالة وهي حالة المشي أو بالنظر إليهما، ويحتمل أن الحصر بالنظر إلى السماع، وهو الذي اختاره النووي، انتهى. ووجه الحافظ بوجوه أخر، فارجع إليه لو شئت (٤). قوله: (لا ينبغي لأحد أن يقول ما لا يعلم) تكلم عليه الشيخ قُدِّس سرُّه في "اللامع" (٥)، ووجهه بحيث لا يرد ما أورده المحشي، وذكر في "هامشه" كلام الشرَّاح فارجع إليه لو شئت. (٢٠ - باب تزوج النبي ﷺ خديجة وفضلها) هكذا وقع ههنا في النسخ الهندية، وكذا في نسخة "العيني" و"القسطلاني"، وفي نسخة "الفتح" هذا الباب مؤخر من ذكر جرير وذكر

стр. 2175

حذيفة، ورجحه الحافظ (١) إذ قال: وقع ذكر جرير وحذيفة مؤخرًا عن ذكر خديجة، وفي بعضها مقدمًا وهو أليق، فإن الذي يظهر أنه أخر ذكر خديجة عمدًا لكون غالب أحوالها متعلقة بأحوال النبي ﷺ قبل المبعث، فوقع له في ذلك حسن التخلص من المناقب التي استطرد من ذكر النبي ﷺ إليها، فلما فرغ منها رجع إلى بقية سيرته ومغازيه، والله أعلم، انتهى. قلت: الظاهر عند هذا العبد الضعيف: أن المصنف لما فرغ عن المناقب شرع من ههنا ذكر الواقعات المهمة من بدء المبعث، ومنها تزويجه ﷺ خديجة ﵂. أما خديجة فهي بنت خويلد بن أسد بن عبد العزى بن قصي القرشية الأسدية، أول خلق الله إسلامًا اتفاقًا، وكانت له ﷺ وزير صدق عند ما بعث، فكان لا يسمع من المشركين شيئًا يكرهه من ردٍّ عليه وتكذيب له إلا فرَّج الله بها عنه تثبته وتصدقه، وتخفف عنه وتُهَوِّن عليه ما يلقى من قومه، واختارها الله تعالى له ﷺ لما أراد بها من كرامته، وكانت تدعى في الجاهلية الطاهرة، تزوجها ﷺ وسنه خمس وعشرون سنة في قول الجمهور، وكانت قبله عند أبي هالة بن النباش بن زياد التميمي حليف بني عبد الدار، وتوفيت على الصحيح بعد النبوَّة بعشر سنين في شهر رمضان، فأقامت معه ﷺ خمسًا وعشرين سنة، واستشكل قوله - في الترجمة -: "تزويج" بصيغة التفعيل إذ مقتضاه أن يكون التزويج لغيره، وأجيب بأن التفعيل قد يجيء بمعنى التفعل، أو المراد تزويجه ﷺ خديجة من نفسه، انتهى من "القسطلاني" (٢). قال الحافظ (٣): ذكر المصنف في الباب أحاديث لا تصريح فيها بما في الترجمة، إلا أن ذلك يؤخذ بطريق اللزوم من قول عائشة: "ما غرت على امرأة"، ومن قوله ﷺ : "وكان لي منها ولد"، وغير ذلك، انتهى.

стр. 2176

(٢١ - باب ذكر جرير بن عبد الله البجلي) ابن جابر - وهو الشليل بشين معجمة مفتوحة فلامين بينهما تحتية ساكنة - ابن مالك من بني أنمار بن أراش، نسبوا إلى أمهم بجيلة، يكنى أبا عمرو على المشهور، واختلف في وقت إسلامه، والصحيح أنه في سنة الوفود سنة تسع، ووهم من قال: إنه أسلم قبل موت النبي ﷺ بأربعين يومًا؛ لما ثبت في "الصحيح": إن النبي ﷺ قال له: "استنصت الناس" في حجة الوداع، وذلك قبل موته ﷺ بأكثر من ثمانين يومًا، وكان موت جرير سنة خمسين، وقيل: بعدها، انتهى من "الفتح" (١) ["والقسطلاني"] (٢). وقال الحافظ (٣) أيضًا: قوله: "وكان يقال له: الكعبة اليمانية. . ." إلخ، استشكل الجمع بين هذين الوصفين، وسيأتي جوابه في أواخر المغازي، انتهى. وكتب الشيخ قُدِّس سرُّه في "اللامع" (٤): ليس المعنى: أن هذين الاسمين كانا له، بل المعنى أن الكعبة البيت الحرام لأجل الكعبة اليمانية احتاج إلى تمييزها بالصفة الزائدة للاشتراك في الاسم، فقوله: كان يقال له معناه: كان يقال لأجله إذ لو لم تكن لم يحتج إلى زيادة الصفة للتمييز لحصول التميز بمطلق الاسم، انتهى. وبسط الكلام في "هامشه" في شرح هذا القول. وفيه أيضًا: وما اختاره الشيخ قُدِّس سرُّه هو ما اختاره السهيلي، كما تقدم في كلام الحافظ. وهو مختار العلَّامة السندي (٥)، والأوجه عند هذا العبد الضعيف ما أتذكره من زمان الدرس أن الضمير المجرور في قوله: "له" راجع إلى بيت الجاهلية، والمعنى يقال: ذو الخلصة، ويقال له:

стр. 2177

الكعبة اليمانية، وأما قوله: الكعبة الشامية جملة مستأنفة مبتدأ وخبر، والمعنى: والكعبة المكرمة المعظمة البيت الحرام يقال له: الشامية، ثم الغرض من هذه الترجمة على ما اخترته هو بيان هدم ذي الخلصة، وهي من جملة الوقائع المهمة، وهو المقصود عندي من سياق هذه التراجم كما تقدم. (٢٢ - باب ذكر حذيفة بن اليمان العبسي) بالموحدة، واسم اليمان حصل - بمهملتين وكسر أوله وسكون ثانيه ثم لام - ابن جابر، له ولأبيه صحبة، رضي الله تعالى عنهما، قاله الحافظ (١). زاد القسطلاني (٢): وإنما قيل له اليمان؛ لأنه أصاب دمًا في قومه فهرب إلى المدينة، وحالف بني عبد الأشهل من الأنصار، فسماه قومه اليمان؛ لأنه حالف الأنصار، وهو من اليمن، وكان صاحب سر رسول الله ﷺ ، واستعمله عمر ﵁ أميرًا على المدائن، ومات بعد قتل عثمان بأربعين يومًا سنة ست وثلاثين، وسقط لفظ "باب" لأبي ذر، انتهى. قلت: وقد تقدم ذكر حذيفة مع عمار قبل عدة أبواب، وتقدم هنا الكلام على التكرار وغير ذلك، وتقدم قريبًا عن الحافظ أن الأليق ذكر هذا الباب قبل "باب تزويج خديجة"، ويمكن توجيهه عندي: أن المقصود ههنا بيان معاداة إبليس واجتهاده في أذى المسلمين في مبدأ الإسلام، فتأمل، ويشكل عليه أنه كان حقه إذًا أن يذكر بعد المبعث، ويمكن التفصي عنه بأن يقال: إن الجن كانوا مبهوتين من وقت ولادته ﷺ . (٢٣ - باب ذكر هند بنت عتبة بن ربيعة) وعندي: أن المقصود بيان عداوة المشركين في مبدأ الإسلام حتى النساء يحببن ذلة المسلمين، لكن فيه أن العداوة حدثت بعد المبعث، فكان ينبغي ذكرها بعدها.

стр. 2178

وقال الحافظ (١): هي بنت عتبة بن ربيعة بن عبد شمس، وهي والدة معاوية، قتل أبوها ببدر كما سيأتي في المغازي، وشهدت مع زوجها أبي سفيان أحدًا، وحرَّضت على قتل حمزة عم النبي ﷺ لكونه قتل عمها شيبة، وشرك في قتل أبيها عتبة، فقتله وحشي بن حرب كما سيأتي بيان ذلك في حديث وحشي، ثم أسلمت هند يوم الفتح، وكانت من عقلاء النساء، وكانت قبل أبي سفيان عند الفاكه بن المغيرة المخزومي، ثم طلقها في قصة جرت، فتزوجها أبو سفيان، فأنتجت عنده، وهي القائلة للنبي ﷺ لما شرط على النساء المبايعة ولا يسرقن ولا يزنين: "وهل تزني الحرة"، وماتت هند في خلافة عمر، انتهى من "الفتح". وقال القسطلاني (٢): أسلمت في الفتح بعد إسلام زوجها أبي سفيان، وأقرها رسول الله ﷺ على نكاحها، وكانت امرأة ذات أنفة ورأي وعقل، وشهدت أُحدًا كافرة، فلما قتل حمزة مثّلت به وشقت كبده فلاكتها، انتهى. قال الحافظ (٣): وقد كانت هند في منزلة أمهات نساء النبي ﷺ ؛ لأن أم حبيبة ﵂ إحدى زوجاته ﷺ بنت زوجها أبي سفيان، انتهى. (٢٤ - باب حديث زيد بن عمرو بن نفيل) ابن عبد العزى بن رباح بن عبد الله بن قرط بن رزاح بن عدي بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر بن مالك القرشي العدوي، والد سعيد بن زيد أحد العشرة المبشرة، وابن عم عمر بن الخطاب ﵁، يجتمع هو وعمر في نفيل، وسقط لفظ "باب" لأبي ذر، انتهى من "القسطلاني" (٤). قال الحافظ (٥): وكان ممن طلب التوحيد، وخلع الأوثان، وجانب الشرك، لكنه مات قبل المبعث، فروى محمد بن سعد والفاكهي من حديث

стр. 2179

عامر بن ربيعة حليف بني عدي بن كعب قال: قال لي زيد بن عمرو: إني خالفت قومي، واتبعت ملة إبراهيم وإسماعيل وما كانا يعبدان، وكانا يصليان [إلى] هذه القبلة، وأنا أنتظر نبيًا من بني إسماعيل يبعث، ولا أراني أدركه، وأنا أؤمن به وأصدقه وأشهد أنه نبي، وإن طالت بك حياة فأقرئه مني السلام، قال عامر: فلما أسلمت أعلمت النبي ﷺ بخبره، قال: فردَّ ﵇ وترحّم عليه، قال: "ولقد رأيته في الجنة يسحب ذيولًا"، وروى البزار والطبراني من حديث سعيد بن زيد قال: "خرج زيد بن عمرو وورقة بن نوفل يطلبان الدين، حتى أتيا الشام، فتنصر ورقة، وامتنع زيد، فأتى الموصل فلقي راهبًا، فعرض عليه النصرانية فامتنع" وذكر الحديث نحو حديث ابن عمر الآتي في ترجمته، وفيه: "قال سعيد بن زيد: فسألت أنا وعمر رسول الله ﷺ عن زيد، فقال: غفر الله له ورحمه، فإنه مات على دين إبراهيم"، وروى الزبير بن بكار من طريق هشام بن عروة قال: بلغنا أن زيدًا كان بالشام، فبلغه مخرج النبي ﷺ ، فأقبل يريده، فقتل بمضيعة من أرض البلقاء، وقال ابن إسحاق: لما توسط بلاد لخم قتلوه، وقيل: إنه مات قبل المبعث بخمس سنين عند بناء قريش الكعبة، انتهى من "الفتح". وعلى هذا فالترجمة على محلها، ويمكن الإشارة إلى حال الجاهلية بأن بعضهم كانوا طالبين الدين أيضًا، وهذا بيان لشدة استعدادهم الخير. وقال العيني (١): ولما مات دفن بأصل حراء، ثم قال: فإن قلت: ما حكمه من جهة الدين؟ قلت: ذكره الذهبي في "تجريد الصحابة" وقال: قال النبي ﷺ : "يبعث أمة وحده"، وعن جابر ﵁ قال: سئل رسول الله عن زيد بن عمرو بن نفيل أنه كان يستقبل القبلة في الجاهلية ويقول: إلهي إله إبراهيم، وديني دين إبراهيم، ويسجد، فقال رسول الله ﷺ : "يحشر ذاك أمة وحده، بيني وبين عيسى ابن مريم ﵉" رواه ابن أبي شيبة، وذكر

стр. 2180

الروايات التي تقدم في كلام الحافظ، وقال أيضًا: فإن قلت: لم ذكر البخاري هذا الباب في كتابه؟ قلت: أشار به إلى أن النبي لقيه قبل أن يبعث، وذكر في شأنه ما ذكره حتى إن الذهبي وغيره ذكروه في الصحابة، وقال صاحب "التوضيح": ميل البخاري إليه، قلت: فلذلك ذكره بين ذكر الصحابة، انتهى. (٢٥ - باب بنيان الكعبة) أي: على يد قريش في حياة النبي ﷺ قبل بعثته، وقد تقدم ما يتعلق ببناء إبراهيم ﵇ قبل بناء قريش، وما يتعلق ببناء عبد الله بن الزبير في الإسلام، وذكر بن إسحاق وغيره: إن قريشًا لما بنت الكعبة كان عمر النبي ﷺ خمسًا وعشرين سنة، وروى إسحاق بن راهويه من طريق خالد بن عرعرة عن علي ﵁ في قصة بناء إبراهيم ﵇ البيت قال: فمر عليه الدهر فانهدم، فبنته العمالقة فمر عليه الدهر فانهدم، فبنته جرهم فمر عليه الدهر فانهدم، فبنته قريش ورسول الله ﷺ [يومئذ] شاب، فلما أرادوا أن يضعوا الحجر الأسود اختصموا فيه، فقالوا: نحكم بيننا أول من يخرج من هذه السكة، فكان النبي ﷺ أول من خرج منها، فحكم بينهم أن يجعلوه في ثوب ثم يرفعه من كل قبيلة رجل، وذكر أبو داود الطيالسي في الحديث، وفيه: فأمر بثوب، فوضع الحجر في وسطه، وأمر كل فخذ أن يأخذوا بطائفة من الثوب، فرفعوه، ثم أخذه فوضعه بيده، انتهى من "العيني" (١) وبسطه. (٢٦ - باب أيام الجاهلية) قال الحافظ (٢): أي: مما كان بين المولد النبوي والمبعث، هذا هو المراد به هنا، ويطلق غالبًا على ما قبل البعثة، ومنه ﴿يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ

стр. 2181

ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ﴾ [آل عمران: ١٥٤]، وقوله: ﴿وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى﴾ [الأحزاب: ٣٣]، ومنه أكثر أحاديث الباب، وأما جزم النووي في عدة مواضع من "شرح مسلم" أن هذا هو المراد حيث أتى ففيه نظر؛ فإن هذا اللفظ وهو الجاهلية يطلق على ما مضى، والمراد ما قبل إسلامه، وضابط آخره غالبًا فتح مكة، ومنه قول مسلم في "مقدمة صحيحه": إن أبا عثمان وأبا رافع أدركا الجاهلية، وقول ابن عباس: سمعت أبي يقول في الجاهلية: اسقنا كأسًا دهاقًا، وابن عباس إنما ولد بعد البعثة، وأما قول عمر: نذرت في الجاهلية فمحتمل، وقد نبَّه على ذلك شيخنا العراقي في الكلام على المخضرمين من علوم الحديث، انتهى. قال القسطلاني (١): أيام الجاهلية أيام الفترة، وسميت بها لكثرة جهالاتهم، وسقط لأبي ذر لفظ: "باب"، انتهى. وقوله: (إن هذا الحديث له شأن) أي: قصة طويلة، وذكر موسى بن عقبة أن السيل كان يأتي من فوق الردم الذي بأعلى مكة، فيجريه، فتخوفوا أن يدخل الماء الكعبة، فأرادوا تشييد بنيانها، وكان أول من طلعها وهدم منها شيئًا الوليد بن المغيرة، وذكر القصة في بنيان الكعبة قبل المبعث النبوي، وأخرج الشافعي في "الأم" بسند له عن عبد الله بن الزبير: أن كعبًا قال له وهو يعمل بناء مكة: اشدده وأوثقه، فإنا نجد في الكتب أن السيول ستعظم في آخر الزمان، انتهى. فكان الشأن المشار إليه أنهم استشعروا من ذلك السيل الذي لم يعهدوا مثله أنه مبدأ السيول المشار إليها، انتهى من "الفتح" (٢). قوله: (كنت في أهلك ما أنت) اختلفوا في معنى هذا الكلام على أقوال ذكرت في هامش "اللامع"، وأفاد الشيخ قُدِّس سرُّه في "اللامع" (٣) فأجاد

стр. 2182

حيث كتب: والظاهر في معناها أنها كلمة تحسر، والمقصود أنك كنت ما كنت واليوم صرت لا تقدرين على شيء، انتهى. (٢٧ - القسامة في الجاهلية) هذه الترجمة موجودة في النسخ الهندية، وكذا في نسخة "العيني" و"القسطلاني"، وليست في نسخة "الفتح". قال الحافظ (١): ثبت عند أكثر الرواة عن الفربري هنا ترجمة "القسامة في الجاهلية"، ولم يقع عند النسفي وهو أوجه؛ لأن الجميع من ترجمة أيام الجاهلية، ويظهر ذلك من الأحاديث التي أوردها تلو هذا الحديث، انتهى. قلت: ذكر البخاري فيه حديث القسامة بطوله، ويأتي "باب القسامة" في محله من "كتاب الديات"، وسيأتي الكلام عليه من حيث الفقه واختلاف الأئمة وغير ذلك من المباحث هناك إن شاء الله، وهي من الأمور الجاهلية التي أثبتها الشرع، فلذلك ذكرها المصنف ﵀ ههنا. قوله: (قد انقطعت عروة جوالقه) أجاد الشيخ قُدِّس سرُّه في "اللامع" (٢) في توضيح معناه، ولم يتعرض لذلك أحد من الشرَّاح فكتب: أراد به العروة التي يشد بها بين الجوالقين ليحمل بهما على الدابة، ولما كان يرد على مسألته تلك إني أعطيتك عقالي نفرًا، بلى الذي أعطيتك عقاله دفعه، فقال: لا تنفر الإبل فإن العادة أن بعيرًا أو بعيرين إن بقيا غير معقولين فإنهما لا ينفران، فإن سائر جمالك إذا كانت معقولة لم يضرك لو تترك واحدًا منها غير معقول. وقوله: (عقلت الإبل إلا بعيرًا) فإنه لم يعقل، ولا يردّ عليه أنه لم يصدق قول الهاشمي الذي بيَّن له، ووجه عدم الورود أنه كان قد نفى النفور فقط، ولم يوجد، نعم تنبه مالكه أنه لم يعقل، انتهى.

стр. 2183

قوله: (ليس السعي ببطن الوادي سُنَّة) كتب الشيخ في "اللامع" (١): إن كان المراد أنهم كانوا يشتدون بين الجبلين كملا، ولا يكتفون في الاشتداد بين الميلين كما هو السُّنَّة الآن صح نسبته إليهم، وإن كان المراد هو الذي معمول بيننا كما يدل عليه قوله: ليس السعي ببطن الوادي، حيث صرح بلفظ البطن، فالمراد أنه ليس سُنَّة مبتدأة من النبي ﷺ ، بل سُنَّة إبراهيمية قديمة حتى استعى العرب أيضًا، انتهى. وذكر في "هامشه" توجيهات أخر، فارجع إليه لو شئت. قوله: (قد زنت فرجموها) قالت الكرماني (٢): قال ابن عبد البر: إضافة الزنا إلى غير المكلف وإقامة الحدود في البهائم عند جماعة أهل العلم منكر، ولو صح لكانوا من الجن؛ لأن العبادات في الجن والإنس دون غيرهما إلى آخر ما بسط من الكلام عليه في هامش "اللامع". وكتب الشيخ قُدِّس سرُّه في "اللامع" (٣): قوله: "قد زنت" والله أعلم كيف فهم الرجل أنها زنت، إذ ليس فيهم زواج، وأنها ليست بزوجته، وأنهم يريدون قتلها حدًّا، ولا يدرى وجهه، انتهى. (٢٨ - باب مبعث النبي ﷺ -) المبعث مصدر ميمي من البعث وهو الإرسال، وساق المصنف ههنا النسب الشريف. قوله: (محمد. . .) إلخ، قال العلَّامة العيني (٤): بالجر عطف بيان للنبي ﷺ ، انتهى. قال الحافظ (٥): واقتصر البخاري من النسب الشريف على عدنان، وقد أخرج في "التاريخ" عن عبيد بن يعيش عن يونس بن بكير عن محمد بن إسحاق

стр. 2184

مثل هذا النسب، وزاد بعد عدنان: ابن أدد بن المقوم بن تارح بن يشجب بن يعرب بن نابت بن إسماعيل بن إبراهيم ﵇، وقد قدمت في أول الترجمة النبوية الاختلاف فيمن بين عدنان وإبراهيم، وفيمن بين إبراهيم وآدم، وأخرج ابن سعد من حديث ابن عباس: "أن النبي ﷺ كان إذا انتسب لم يجاوز في نسبه معد بن عدنان"، انتهى. قال القسطلاني (١): وقالت عائشة رضي الله تعالى عنها: ما وجدنا من يعرف ما وراء عدنان إلى ما وراء قحطان، وقال ابن جريج عن القاسم بن أبي مرة عن عكرمة: أضلت نزار نسبها من عدنان، انتهى. قوله: (أنزل على رسول الله ﷺ وهو ابن أربعين) هذا هو المقصود من هذا الحديث في هذا الباب، وهو متفق عليه، وقد مضى في صفة النبي ﷺ حديث أنس: "أنه ﷺ بعث على رأس أربعين"، وتقدم في بدء الوحي: أنه أنزل عليه في شهر رمضان، فعلى الصحيح المشهور أن مولده في شهر ربيع الأول يكون حين أنزل عليه ابن أربعين سنة وستة أشهر، وكلام ابن الكلبي يؤذن بأنه ولد في رمضان فإنه قال: مات وله اثنتان وستون سنة ونصف سنة، وقد أجمعوا على أنه مات في ربيع الأول فيستلزم ذلك أن يكون ولد في رمضان، وبه جزم الزبير بن بكار، وهو شاذ، وفي مولده أقوال أخر أشدّ شذوذًا من هذا، انتهى من "الفتح" (٢). وقال أيضًا (٣) في تفسير سورة اقرأ تحت قوله: "وهو في غار حراء فجاءه الملك". تنبيه: إذا علم أنه كان يجاور في غار حراء في شهر رمضان، وأن ابتداء الوحي جاءه وهو في الغار المذكور، اقتضى ذلك أنه نبئ في شهر رمضان، ويعكر على قول ابن إسحاق: أنه بعث على رأس الأربعين مع قوله: إنه في شهر رمضان ولد، ويمكن أن يكون المجيء في الغار كان

стр. 2185

أولًا في شهر رمضان، وحينئذ نبئ وأنزل عليه ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾، ثم كان المجيء الثاني في شهر ربيع الأول بالإنذار، وأنزلت عليه ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١) قُمْ فَأَنْذِرْ (٢)﴾، فيحمل قول ابن إسحاق على رأس الأربعين، أي: عند المجيء بالرسالة، والله أعلم، انتهى. وقال أيضًا (١) تحت قوله: "الليالي ذوات العدد": في رواية ابن إسحاق: أنه كان يعتكف شهر رمضان، وقال أيضًا تحت قوله: "فيتزود لمثلها": ويؤخذ منه إعداد الزاد للمتخلي، إذا كان بحيث يتعذر عليه تحصيله لبعد مكان اختلائه من البلد مثلًا، وأن ذلك لا يقدح في التوكل، وذلك لوقوعه من النبي ﷺ بعد حصول النبوَّة له بالرؤيا الصالحة، وإن كان الوحي في اليقظة قد تراخى عن ذلك، انتهى. قلت: وهذا تصريح من الحافظ قُدِّس سرُّه بحصول النبوَّة له ﷺ في زمان الرؤيا الصالحة، كما هو ظاهر قوله: "أول ما بدئ من الوحي الرؤيا الصالحة". قوله: (بمكة ثلاث عشرة سنة): هذا أصح مما رواه مسلم من طريق عمار بن أبي عمار عن ابن عباس: "أن النبي ﷺ أقام بمكة خمس عشرة سنة"، وسيأتي البحث في ذلك في أبواب الهجرة إن شاء الله تعالى، انتهى من "الفتح" (٢). وبسط الكلام في "الأوجز" (٣) في زمان مبعثه ﷺ على أقوال كثيرة، والراجح أنه مبعثه ﷺ كان وهو ابن أربعين سنة، وأقام بمكة المكرمة ثلاث عشرة سنة، وبالمدينة المنورة عشر سنين، وتوفي وهو ابن ثلاث وستين، وهذا هو الراجح المعتمد، وما روي في ذلك من الروايات المختلفة بسط الكلام عليها في "الأوجز"، وسيأتي شيء من ذلك في "باب وفاة النبي ﷺ " من آخر "المغازي".

стр. 2186

(٢٩ - باب ذكر ما لقي النبي ﷺ وأصحابه من المشركين بمكة) أي: من وجوه الأذى، وذكر فيه أحاديث في المعنى، وقد تقدم في "ذكر الملائكة" من بدء الخلق حديث عائشة: أنها قالت للنبي ﷺ : "هل أتى عليك يوم كان أشد من يوم أُحد؟ قال: لقد لقيت من قومك، وكان أشد ما لقيت منهم" فذكر قصته بالطائف، وروى أحمد والترمذي وابن حبان عن أنس مرفوعًا: "لقد أوذيت في الله وما يؤذى أحد، وأخفت في الله وما يخاف أحد" الحديث، وقد استشكل بما جاء من صفات ما أوذي به الصحابة كما سيأتي لو ثبت، ثم ذكر بعض تلك الروايات الواردة في أذى الصحابة، ثم قال: وأجيب بأن جميع ما أوذي به أصحابه كان يتأذى هو به لكونه بسببه، واستشكل أيضًا بما أوذي به الأنبياء من القتل كما في قصة زكريا وولده يحيى، ويجاب بأن المراد هنا غير إزهاق الروح، انتهى من "الفتح" (١). وقال أيضًا (٢): تنبيه: كان حق هذا الحديث - أي: الحديث الثاني حديث ابن مسعود - أن يذكر في "باب الهجرة إلى الحبشة" المذكور بعد قليل، فسيأتي فيها أن سجود المشركين المذكور فيه كان سبب رجوع من هاجر الهجرة الأولى إلى الحبشة، لظنهم أن المشركين كلهم أسلموا، فلما ظهر لهم خلاف ذلك هاجروا الهجرة الثانية، انتهى. قلت: ويمكن عندي أن يوجه أن ذلك لما كان سببًا لزيادة المشقة والتعب في حق الصحابة ذكره في هذا الباب. (٣٠ - باب إسلام أبي بكر الصديق ﵁ -) كان حق هذا الباب أن يكون متقدمًا جدًا، إما في "باب المبعث" أو عقبه، لكن وجهه ههنا ما وقع في حديث عمرو بن العاص الذي قبله أنه

стр. 2187

قام بنصر النبي ﷺ وتلا الآية المذكورة، فدل ذلك على أن إسلامه متقدم على غيره، بحيث أن عمارًا مع تقدم إسلامه لم ير مع النبي ﷺ غير أبي بكر وبلال، وعنى بذلك الرجال، وبلال إنما اشتراه أبو بكر لينقذه من تعذيب المشركين لكونه أسلم، وقال أيضًا: ذكر المصنف فيه حديث عمار، واكتفى به؛ لأنه لم يجد شيئًا على شرطه غيره، انتهى من "الفتح" (١). (٣١ - باب إسلام سعد) ولأبي ذر زيادة "ابن أبي وقاص"، وسقط في نسخته لفظ "باب". قال الحافظ (٢): ذكر فيه حديثه، وقد تقدم في مناقبه، ومناسبته لما قبله، واجتماعهما في أن كلًا منهما يقتضي سبق من ذكر فيه إلى الإسلام خاصة، لكنه محمول على ما اطلع عليه، وإلا فقد أسلم قبل إسلام بلال وسعد خديجة وسعد بن حارثة وعلي بن أبي طالب وغيرهم. قوله: (ما أسلم أحد إلا في اليوم الذي أسلمت فيه) قاله بحسب ما علمه وإلا فقد أسلم قبله خديجة وعلي وأبو بكر وزيد ونحوهم، وقال الكرماني: لعلهم أسلموا أول النهار وهو آخره، انتهى (٣). (٣٢ - باب ذكر الجن) تقدم الكلام عليه في أوائل بدء الخلق. (وقول الله : ﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ﴾ الآية) [الجن: ١]، يريد تفسير هذه الآية، وقد أنكر ابن عباس أنهم اجتمعوا بالنبي ﷺ كما تقدم في الصلاة أنه قال: "ما قرأ النبي ﷺ على الجن ولا رآهم" الحديث، وحديث أبي هريرة في هذا الباب، وإن كان ظاهرًا في اجتماع النبي ﷺ بالجن وحديثه معهم، لكنه ليس فيه أنه قرأ عليهم، ولا أنهم الجن الذين استمعوا القرآن؛ لأن في حديث أبي هريرة: "أنه كان

стр. 2188

مع النبي ﷺ ليلتئذ"، وأبو هريرة إنما قدم على النبي ﷺ في السنة السابعة المدينة، وقصة استماع الجن للقرآن كان بمكة قبل الهجرة، وحديث ابن عباس صريح في ذلك، فيجمع بين ما نفاه وما أثبته غيره بتعدد وفود الجن على النبي ﷺ ، إلى آخر ما بسط الحافظ (١). قلت: وفي "مجمع البحار" (٢) "تاريخ الخميس" (٣): أن قدومهم كان سنة عشر، وعلى هذا فذكر الجن ههنا ليس على محله، والجواب أن مجيئهم وإن كان على المشهور سنة عشر كما تقدم، لكن التحقيق أن وفادة الجن وقعت بمرات، فمنها بمكة ثلاث مرات، كما ذكر في هامش "الكوكب الدري" (٤) أيضًا، ورميهم بالشهب كان بعد عشرين يومًا من المبعث كما في "تاريخ الخميس"، وقد وقع الاضطراب فيهم قبيل المبعث أو بعده قريبًا كما سيأتي في "باب إسلام عمر" من حديث عمر، وفيه: "ألم تر الجن وإبلاسها ويأسها من بعد إنكاسها" الحديث. ثم رأيت الحافظ: قال (٥) بعد ذكر قول ابن إسحاق: أن استماع الجن كان بعد رجوع النبي ﷺ من الطائف لما خرج إليها يدعو ثقيفًا إلى نصره، وكان ذلك في سنة عشر من المبعث، وقول من قال: إن وفود الجن كان بعد رجوعه ﷺ من الطائف ليس صريحًا في أولية قدوم بعضهم، والذي يظهر من سياق الحديث الذي فيه المبالغة في رمي الشهب لحراسة السماء من استراق الجن السمع دالٌّ على أن ذلك كان قبل المبعث النبوي وإنزال الوحي إلى الأرض، فكشفوا ذلك إلى أن وقفوا على السبب، ولذلك لم يقيِّد الترجمة بقدوم ولا وفادة، ثم لما انتشرت الدعوة وأسلم من أسلم قدموا فسمعوا فأسلموا، وكان ذلك بين الهجرتين، ثم تعدد مجيئهم حتى في المدينة، انتهى.

стр. 2189

فثبت بهذا كله أن هذا الباب ليس في غير محله. (٣٣ - باب إسلام أبي ذر) تقدم هذا الباب قبل "باب جهل العرب" من "كتاب بدء الخلق"، وذكر هناك اختلاف النسخ، وهذه الترجمة بحسب بعض النسخ مكررة، فذكرها ههنا ثانيًا لكون إسلامه في بدء المبعث، فقد قيل: إن إسلامه كان بعد أربعة، كما في "الإصابة" (١). وأبو ذر اسمه جندب، وقيل: بريد بن جنادة - بضم الجيم والنون الخفيفة - ابن سفيان، وقيل: سفير بن عبيد بن حرام بالمهملتين ابن غفار، وغفار من بني كنانة، واختلف في اسمه واسم أبيه اختلافًا كثيرًا، وأمه رملة بنت الوقيعة من بني غفار، قال خليفة بن خياط: مات سنة اثنتين وثلاثين بالربذة قرية من قرى المدينة في خلافة عثمان بن عفان، وصلى عليه عبد الله بن مسعود ﵁ وعنهم أجمعين، انتهى من "الفتح" (٢) و"العيني" (٣). وقال الحافظ في "الإصابة" (٤): أبو ذر الغفاري الزاهد المشهور الصادق اللهجة، مختلف في اسمه واسم أبيه، والمشهور أنه جندب بن جنادة بن سكن، وقيل: ابن عبد الله، وقيل: اسمه برير، وقيل بالتصغير، والاختلاف في أبيه كذلك، ووقع في رواية لابن ماجه: "أن النبي ﷺ قال لأبي ذر: يا جنيدب"، وكان من السابقين إلى الإسلام، وقصة إسلامه في الصحيحين على صفتين بينهما اختلاف ظاهر إلى آخر ما بسط، وكانت وفاته بالربذة سنة إحدى وثلاثين، وقيل: في التي بعدها، وعليه الأكثر، ويقال: إنه صلى عليه عبد الله بن مسعود في قصة رويت بسند لا بأس به، انتهى.

стр. 2190

(٣٤ - باب إسلام سعيد بن زيد) أي: ابن عمرو بن نفيل، وأبوه تقدم ذكره، وأنه ابن ابن عم عمر بن الخطاب، انتهى من "الفتح" (١). وقال القسطلاني (٢): أحد العشر المبشرة بالجنة، وهو ابن عم عمر بن الخطاب وزوج أخته أم جميل فاطمة بنت الخطاب، انتهى. وقوله: (ابن عم عمر) كذا في الأصل، والصواب ابن ابن عم عمر كما تقدم في كلام الحافظ. قال الحافظ في "الإصابة" (٣): أسلم قبل دخول رسول الله ﷺ دار الأرقم، وهاجر، وشهد أُحدًا والمشاهد بعدها، ولم يكن بالمدينة زمان بدر، فلذلك لم يشهدها، ذكر عروة وابن إسحاق وغيرهما في المغازي: أن رسول الله ﷺ ضرب له بسهمه يوم بدر؛ لأنه كان غائبًا بالشام، وكان إسلامه قديمًا قبل عمر، وكان إسلام عمر عنده في بيته؛ لأنه كان زوج أخته فاطمة. قال الواقدي: توفي بالعقيق، فحمل إلى المدينة، وذلك سنة خمسين، وقيل: إحدى وخمسين، وقيل: سنة اثنتين، وعاش بضعًا وسبعين سنة، وزعم الهيثم بن عدي أنه مات بالكوفة، وصلى عليه المغيرة بن شعبة، قال: وعاش ثلاثًا وسبعين سنة، انتهى. قوله: (وإن عمر لموثقي على الإسلام. . .) إلخ، قال الحافظ (٤): أي: ربطه بسبب إسلامه إهانة له وإلزامًا بالرجوع عن الإسلام، وقال الكرماني (٥) في معناه: كان يثبتني على الإسلام ويسددني، كذا قال، وكأنه ذهل عن قوله ها هنا: "قبل أن يسلم"، فإن وقوع التثبيت منه وهو كافر لضمره على

стр. 2191

الإسلام بعيد جدًا، مع أنه خلاف الواقع، إلى آخر ما قال. وكتب الشيخ قُدِّس سرُّه في "اللامع" (١): يعني بذلك: أن الناس قد تفاوت ما بينهم في الزمان المتقدم والموجود، فإن عمر مع شدته على الكفر لم يزد على الوثاق، وأنتم قتلتم عثمان مع ادعائكم الإسلام والإيمان، ويحتمل أن يكون المعنى أنكم فعلتم بعثمان مع أنكم مسلمون، وقد كانت الكفار مع كفرهم يحثون على الإسلام ويحضون عليه، ولكنه موقوف على أن يثبت فعل عمر مع سعيد، كما ذكر أنه كان يجعله واثقًا على الإسلام، والثابت خلافه، انتهى. قلت: أجاد الشيخ قُدِّس سرُّه في توضيح هذا المعنى - أي: المعنى الأول من المعنيين -، وعلى هذا يكون تعلق قوله: "إن عمر لموثقي. . ." إلخ، مع ما صنعوا بعثمان واضح، وعلى ما ذكره الحافظ من معناه لا يرتبط إحدى الكلمتين بالأخرى كما وضح الارتباط بينهما في المعنى الذي ذكره الشيخ قُدِّس سرُّه، فللَّه دره، والبسط في هامش "اللامع". (٣٥ - باب إسلام عمر بن الخطاب ﵁ -) سقط لفظ: "باب" لأبي ذر، قاله القسطلاني (٢). تقدم نسبه ﵁ في المناقب، وفي "الخميس" (٣): وفي السنة السادسة من النبوَّة أسلم حمزة بن عبد المطلب وعمر بن الخطاب، وقد قيل: أسلما في سنة خمس، كذا في "المنتقى"، وكان إسلام حمزة قبل إسلام عمر بثلاثة أيام بعد دخول النبي ﷺ دار الأرقم، كذا في "الصفوة". قال الحافظ (٤) في الحديث الثاني حديث ابن عمر: قوله: "وأنا غلام" في رواية أخرى: "أنه كان ابن خمس سنين"، وإذا كان كذلك خرج منه أن

стр. 2192

إسلام عمر كان بعد المبعث بست سنين أو بسبع؛ لأن ابن عمر كما سيأتي في المغازي كان يوم أُحد ابن أربع عشرة سنة، وذلك بعد المبعث بست عشرة سنة، فيكون مولده بعد المبعث بسنتين، انتهى. وقال أيضًا (١): تنبيه: جعل ابن إسحاق إسلام عمر بعد هجرة الحبشة، ولم يذكر انشقاق القمر، فاقتضى صنيع المصنف أنه وقع في تلك الأيام، وقد ذكر ابن إسحاق من وجه آخر أن إسلام عمر كان عقب هجرة الحبشة الأولى. وقال أيضًا (٢) بعد ذكر الحديث الرابع حديث ابن عمر: لمَح المصنف بإيراد هذه القصة في "باب إسلام عمر" بما جاء عن عائشة وطلحة عن عمر ﵃ من أن هذه القصة كانت سبب إسلامه، فروى أبو نعيم في "الدلائل": أن أبا جهل جعل لمن يقتل محمدًا مائة ناقة، قال عمر: فقلت له: يا أبا الحكم آلضمان صحيح؟ قال: نعم، قال: فتقلدت سيفي أريده، فمررت على عجل وهم يريدون أن يذبحوه، فقمت أنظر إليهم، فإذا صائح يصيح من جوف العجل: يا آل ذريح، أمر نجيح، رجل يصيح بلسان فصيح، قال عمر: فقلت في نفسي: إن هذا الأمر ما يراد به إلا أنا، قال: فدخلت على أختي فإذا عندها سعيد بن زيد، فذكر القصة في سبب إسلامه بطولها، وتأمل ما في إيراده - أي: المصنف - حديث سعيد بن زيد الذي بعد هذا - وهو الحديث الخامس - من المناسبة لهذه القصة، انتهى. (٣٦ - باب انشقاق القمر) أي: في زمن النبي ﷺ على سبيل المعجزة له، وقد ترجم بمعنى ذلك في علامات النبوة. انتهى (٣). قلت: وقد تقدم هناك الإشارة إلى وجه الفرق لئلا يتكرر، وانشقاق
следующие страницы →