← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 853

الأبواب والتراجم لصحيح البخاري

محمد زكريا الكاندهلوي

Полный текст (3 740 стр.). Показаны 2188–2227 · переход к 2193.

стр. 2188

مع النبي ﷺ ليلتئذ"، وأبو هريرة إنما قدم على النبي ﷺ في السنة السابعة المدينة، وقصة استماع الجن للقرآن كان بمكة قبل الهجرة، وحديث ابن عباس صريح في ذلك، فيجمع بين ما نفاه وما أثبته غيره بتعدد وفود الجن على النبي ﷺ ، إلى آخر ما بسط الحافظ (١). قلت: وفي "مجمع البحار" (٢) "تاريخ الخميس" (٣): أن قدومهم كان سنة عشر، وعلى هذا فذكر الجن ههنا ليس على محله، والجواب أن مجيئهم وإن كان على المشهور سنة عشر كما تقدم، لكن التحقيق أن وفادة الجن وقعت بمرات، فمنها بمكة ثلاث مرات، كما ذكر في هامش "الكوكب الدري" (٤) أيضًا، ورميهم بالشهب كان بعد عشرين يومًا من المبعث كما في "تاريخ الخميس"، وقد وقع الاضطراب فيهم قبيل المبعث أو بعده قريبًا كما سيأتي في "باب إسلام عمر" من حديث عمر، وفيه: "ألم تر الجن وإبلاسها ويأسها من بعد إنكاسها" الحديث. ثم رأيت الحافظ: قال (٥) بعد ذكر قول ابن إسحاق: أن استماع الجن كان بعد رجوع النبي ﷺ من الطائف لما خرج إليها يدعو ثقيفًا إلى نصره، وكان ذلك في سنة عشر من المبعث، وقول من قال: إن وفود الجن كان بعد رجوعه ﷺ من الطائف ليس صريحًا في أولية قدوم بعضهم، والذي يظهر من سياق الحديث الذي فيه المبالغة في رمي الشهب لحراسة السماء من استراق الجن السمع دالٌّ على أن ذلك كان قبل المبعث النبوي وإنزال الوحي إلى الأرض، فكشفوا ذلك إلى أن وقفوا على السبب، ولذلك لم يقيِّد الترجمة بقدوم ولا وفادة، ثم لما انتشرت الدعوة وأسلم من أسلم قدموا فسمعوا فأسلموا، وكان ذلك بين الهجرتين، ثم تعدد مجيئهم حتى في المدينة، انتهى.

стр. 2189

فثبت بهذا كله أن هذا الباب ليس في غير محله. (٣٣ - باب إسلام أبي ذر) تقدم هذا الباب قبل "باب جهل العرب" من "كتاب بدء الخلق"، وذكر هناك اختلاف النسخ، وهذه الترجمة بحسب بعض النسخ مكررة، فذكرها ههنا ثانيًا لكون إسلامه في بدء المبعث، فقد قيل: إن إسلامه كان بعد أربعة، كما في "الإصابة" (١). وأبو ذر اسمه جندب، وقيل: بريد بن جنادة - بضم الجيم والنون الخفيفة - ابن سفيان، وقيل: سفير بن عبيد بن حرام بالمهملتين ابن غفار، وغفار من بني كنانة، واختلف في اسمه واسم أبيه اختلافًا كثيرًا، وأمه رملة بنت الوقيعة من بني غفار، قال خليفة بن خياط: مات سنة اثنتين وثلاثين بالربذة قرية من قرى المدينة في خلافة عثمان بن عفان، وصلى عليه عبد الله بن مسعود ﵁ وعنهم أجمعين، انتهى من "الفتح" (٢) و"العيني" (٣). وقال الحافظ في "الإصابة" (٤): أبو ذر الغفاري الزاهد المشهور الصادق اللهجة، مختلف في اسمه واسم أبيه، والمشهور أنه جندب بن جنادة بن سكن، وقيل: ابن عبد الله، وقيل: اسمه برير، وقيل بالتصغير، والاختلاف في أبيه كذلك، ووقع في رواية لابن ماجه: "أن النبي ﷺ قال لأبي ذر: يا جنيدب"، وكان من السابقين إلى الإسلام، وقصة إسلامه في الصحيحين على صفتين بينهما اختلاف ظاهر إلى آخر ما بسط، وكانت وفاته بالربذة سنة إحدى وثلاثين، وقيل: في التي بعدها، وعليه الأكثر، ويقال: إنه صلى عليه عبد الله بن مسعود في قصة رويت بسند لا بأس به، انتهى.

стр. 2190

(٣٤ - باب إسلام سعيد بن زيد) أي: ابن عمرو بن نفيل، وأبوه تقدم ذكره، وأنه ابن ابن عم عمر بن الخطاب، انتهى من "الفتح" (١). وقال القسطلاني (٢): أحد العشر المبشرة بالجنة، وهو ابن عم عمر بن الخطاب وزوج أخته أم جميل فاطمة بنت الخطاب، انتهى. وقوله: (ابن عم عمر) كذا في الأصل، والصواب ابن ابن عم عمر كما تقدم في كلام الحافظ. قال الحافظ في "الإصابة" (٣): أسلم قبل دخول رسول الله ﷺ دار الأرقم، وهاجر، وشهد أُحدًا والمشاهد بعدها، ولم يكن بالمدينة زمان بدر، فلذلك لم يشهدها، ذكر عروة وابن إسحاق وغيرهما في المغازي: أن رسول الله ﷺ ضرب له بسهمه يوم بدر؛ لأنه كان غائبًا بالشام، وكان إسلامه قديمًا قبل عمر، وكان إسلام عمر عنده في بيته؛ لأنه كان زوج أخته فاطمة. قال الواقدي: توفي بالعقيق، فحمل إلى المدينة، وذلك سنة خمسين، وقيل: إحدى وخمسين، وقيل: سنة اثنتين، وعاش بضعًا وسبعين سنة، وزعم الهيثم بن عدي أنه مات بالكوفة، وصلى عليه المغيرة بن شعبة، قال: وعاش ثلاثًا وسبعين سنة، انتهى. قوله: (وإن عمر لموثقي على الإسلام. . .) إلخ، قال الحافظ (٤): أي: ربطه بسبب إسلامه إهانة له وإلزامًا بالرجوع عن الإسلام، وقال الكرماني (٥) في معناه: كان يثبتني على الإسلام ويسددني، كذا قال، وكأنه ذهل عن قوله ها هنا: "قبل أن يسلم"، فإن وقوع التثبيت منه وهو كافر لضمره على

стр. 2191

الإسلام بعيد جدًا، مع أنه خلاف الواقع، إلى آخر ما قال. وكتب الشيخ قُدِّس سرُّه في "اللامع" (١): يعني بذلك: أن الناس قد تفاوت ما بينهم في الزمان المتقدم والموجود، فإن عمر مع شدته على الكفر لم يزد على الوثاق، وأنتم قتلتم عثمان مع ادعائكم الإسلام والإيمان، ويحتمل أن يكون المعنى أنكم فعلتم بعثمان مع أنكم مسلمون، وقد كانت الكفار مع كفرهم يحثون على الإسلام ويحضون عليه، ولكنه موقوف على أن يثبت فعل عمر مع سعيد، كما ذكر أنه كان يجعله واثقًا على الإسلام، والثابت خلافه، انتهى. قلت: أجاد الشيخ قُدِّس سرُّه في توضيح هذا المعنى - أي: المعنى الأول من المعنيين -، وعلى هذا يكون تعلق قوله: "إن عمر لموثقي. . ." إلخ، مع ما صنعوا بعثمان واضح، وعلى ما ذكره الحافظ من معناه لا يرتبط إحدى الكلمتين بالأخرى كما وضح الارتباط بينهما في المعنى الذي ذكره الشيخ قُدِّس سرُّه، فللَّه دره، والبسط في هامش "اللامع". (٣٥ - باب إسلام عمر بن الخطاب ﵁ -) سقط لفظ: "باب" لأبي ذر، قاله القسطلاني (٢). تقدم نسبه ﵁ في المناقب، وفي "الخميس" (٣): وفي السنة السادسة من النبوَّة أسلم حمزة بن عبد المطلب وعمر بن الخطاب، وقد قيل: أسلما في سنة خمس، كذا في "المنتقى"، وكان إسلام حمزة قبل إسلام عمر بثلاثة أيام بعد دخول النبي ﷺ دار الأرقم، كذا في "الصفوة". قال الحافظ (٤) في الحديث الثاني حديث ابن عمر: قوله: "وأنا غلام" في رواية أخرى: "أنه كان ابن خمس سنين"، وإذا كان كذلك خرج منه أن

стр. 2192

إسلام عمر كان بعد المبعث بست سنين أو بسبع؛ لأن ابن عمر كما سيأتي في المغازي كان يوم أُحد ابن أربع عشرة سنة، وذلك بعد المبعث بست عشرة سنة، فيكون مولده بعد المبعث بسنتين، انتهى. وقال أيضًا (١): تنبيه: جعل ابن إسحاق إسلام عمر بعد هجرة الحبشة، ولم يذكر انشقاق القمر، فاقتضى صنيع المصنف أنه وقع في تلك الأيام، وقد ذكر ابن إسحاق من وجه آخر أن إسلام عمر كان عقب هجرة الحبشة الأولى. وقال أيضًا (٢) بعد ذكر الحديث الرابع حديث ابن عمر: لمَح المصنف بإيراد هذه القصة في "باب إسلام عمر" بما جاء عن عائشة وطلحة عن عمر ﵃ من أن هذه القصة كانت سبب إسلامه، فروى أبو نعيم في "الدلائل": أن أبا جهل جعل لمن يقتل محمدًا مائة ناقة، قال عمر: فقلت له: يا أبا الحكم آلضمان صحيح؟ قال: نعم، قال: فتقلدت سيفي أريده، فمررت على عجل وهم يريدون أن يذبحوه، فقمت أنظر إليهم، فإذا صائح يصيح من جوف العجل: يا آل ذريح، أمر نجيح، رجل يصيح بلسان فصيح، قال عمر: فقلت في نفسي: إن هذا الأمر ما يراد به إلا أنا، قال: فدخلت على أختي فإذا عندها سعيد بن زيد، فذكر القصة في سبب إسلامه بطولها، وتأمل ما في إيراده - أي: المصنف - حديث سعيد بن زيد الذي بعد هذا - وهو الحديث الخامس - من المناسبة لهذه القصة، انتهى. (٣٦ - باب انشقاق القمر) أي: في زمن النبي ﷺ على سبيل المعجزة له، وقد ترجم بمعنى ذلك في علامات النبوة. انتهى (٣). قلت: وقد تقدم هناك الإشارة إلى وجه الفرق لئلا يتكرر، وانشقاق

стр. 2193

القمر كما في "تاريخ الخميس" (١): كان في السنة التاسعة من المبعث، وفي "المواهب" (٢): كان قبل الهجرة بنحو خمس سنين. قوله: (إن أهل مكة. . .) إلخ قال الحافظ (٣): هذا من مراسيل الصحابة؛ لأن أنسًا لم يدرك هذه القصة، وقد جاءت هذه القصة من حديث ابن عباس، وهو أيضًا ممن لم يشاهدها، ومن حديث ابن مسعود وجبير بن مطعم وحذيفة وهؤلاء شاهدوها، ولم أر في شيء من طرقه أن ذلك كان عقب سؤال المشركين إلا في حديث أنس، فلعله سمعه من النبي ﷺ ، ثم وجدت في بعض طرق حديث ابن عباس بيان صورة السؤال، وهو وإن كان لم يدرك القصة لكن في بعض طرقه ما يشعر بأنه حمل الحديث عن ابن مسعود كما سأذكره، فأخرج أبو نعيم في "الدلائل" من وجه ضعيف عن ابن عباس قال: "اجتمع المشركون إلى رسول الله ﷺ ، منهم الوليد بن المغيرة وأبو جهل بن هشام والعاص بن وائل ونظراؤهم؛ فقالوا للنبي ﷺ : إن كنت صادقًا فشقّ لنا القمر فرقتينّ فسأل ربه فانشق". قوله: (شقتين) وفي رواية لمسلم: "فأراهم انشقاق القمر مرتين"، وفي رواية: "فرقتين"، أو "فلقتين" بالراء أو اللام، وفي رواية: "فانشق باثنتين"، وفي أخرى "فصار قمرين". ووقع في "نظم السيرة" لشيخنا الحافظ أبي الفضل: "وانشق مرتين" بالإجماع. قال الحافظ: ولا أعرف من جزم من علماء الحديث بتعدد الانشقاق في زمنه ﷺ ، ولم يتعرض لذلك أحد من شرح الصحيحين، وتكلم ابن القيم على هذه الرواية، وقال: وقد خفي على بعض الناس فادعى أن انشقاق القمر وقع مرتين، وهذا غلط، فإنه لم يقع إلا مرة واحدة، وقد قال العماد بن كثير: في الرواية التي فيها "مرتين" نظر، ولعل قائلها أراد

стр. 2194

فرقتين. قال الحافظ: وهذا الذي لا يتجه غيره؛ جمعًا بين الروايات. انتهى ملخصًا من "الفتح" (١). وقال أيضًا (٢): وقد أنكر جمهور الفلاسفة انشقاق القمر متمسكين بأن الآيات العلوية لا يتهيأ فيها الانخراق والالتئام، وكذا قالوا في فتح أبواب السماء ليلة الإسراء، إلى غير ذلك من إنكارهم. . .، إلى آخر ما بسط في الجواب عنه. قال الخطابي (٣): انشقاق القمر آية عظيمة لا يكاد يعدلها شيء من آيات الأنبياء، وذلك أنه ظهر في ملكوت السماء خارجًا من جملة طباع ما في هذا العالم المركب من الطبائع، فليس مما يطمع في الوصول إليه بحيلة، فلذلك صار البرهان به أظهر. انتهى من "الفتح". (٣٧ - باب هجرة الحبشة) أي: هجرة المسلمين من مكة إلى أرض الحبشة، وكان وقوع ذلك مرتين، وذكر أهل السير أن الأولى كانت في شهر رجب من سنة خمس من المبعث، وأن أول من هاجر منهم أحد عشر رجلًا وأربع نسوة، وقيل: وامرأتان، وقيل: كانوا اثني عشر رجلًا، وقيل: عشرة، وأنهم خرجوا مشاةً إلى البحر، فاستأجروا سفينة بنصف دينار. وذكر ابن إسحاق أن السبب في ذلك أن النبي ﷺ قال لأصحابه لما رأى المشركين يؤذونهم ولا يستطيع أن يكفهم عنهم: "إن بالحبشة ملكًا لا يظلم عنده أحد، فلو خرجتم إليه حتى يجعل الله لكم فرجًا"؛ فكان أول من خرج منهم عثمان بن عفان ومعه زوجته رقية بنت رسول الله ﷺ . وأخرج يعقوب بن سفيان بسند موصول إلى أنس قال: "أبطأ على رسول الله ﷺ خبرهما، فقدمت امرأة فقالت له: لقد رأيتهما وقد حمل عثمان امرأته على حمار، فقال: صحبهما الله إن عثمان لأول من هاجر بأهله بعد لوط".

стр. 2195

قلت: وبهذا تظهر النكتة في تصدير البخاري الباب بحديث عثمان. وقد سرد ابن إسحاق أسماءهم. ذكرها الحافظ إلى أن قال: ذكر ابن إسحاق وموسى بن عقبة وغيرهما من أهل السير أن المسلمين بلغهم وهم بأرض الحبشة أن أهل مكة أسلموا، فرجع ناس، منهم عثمان بن مظعون إلى مكة، فلم يجدوا ما أخبروا به من ذلك صحيحًا، فرجعوا وسار معهم جماعة إلى الحبشة، وهي الهجرة الثانية. وسرد ابن إسحاق أسماء أهل الهجرة الثانية، وهم زيادة على ثمانين رجلًا. وقال ابن جرير الطبري: كانوا اثنين وثمانين رجلًا سوى نسائهم وأبنائهم، وشك في عمار بن ياسر هل كان فيهم، وبه تكمل العدة ثلاثة وثمانين، وقيل: إن عدة نسائهم كانت ثماني عشرة امرأة. انتهى من "الفتح" (١). وقال القسطلاني (٢): ثم رجعوا عندما بلغهم عن المشركين سجودهم معه ﷺ عند قراءة سورة النجم فلقوا من المشركين أشدّ مما عهدوا فهاجروا ثانية. انتهى. قلت: وما ذكره الحافظ من أن الهجرة الأولى كانت سنة خمس من المبعث وافقه في ذلك القسطلاني، وهكذا في "المواهب اللدنية" (٣)، وذكر صاحب "الخميس" (٤): أن الأولى كانت في السنة الرابعة أو الخامسة. (٣٨ - باب موت النجاشي) قال الحافظ (٥): تقدم ذكر اسمه واسم أبيه في "الجنائز"، وأن النجاشي لقب من ملك الحبشة، ولقبه الآن الحطي بفتح الحاء وكسر الطاء

стр. 2196

الخفيفة المهملتين آخره تحتية خفيفة، وأفاد ابن التين: أن النجاشي بسكون الياء؛ يعني: أنها أصلية لا ياء النسب، وحكى غيره تشديدها أيضًا، وحكى ابن دحية كسر نونه. وذكر موته ههنا استطرادًا لكون المسلمين هاجروا إليه، وإنما وقعت وفاته بعد الهجرة سنة تسع عند الأكثر، وقيل: سنة ثمان قبل فتح مكة كما ذكره البيهقي في "دلائل النبوة". وقد استشكل كونه لم يترجم بإسلامه - وهذا موضعه - وترجم بموته، وإنما مات بعد ذلك بزمن طويل! والجواب: أنه لما لم يثبت عنده القصة الواردة في صفة إسلامه، وثبت عنده الحديث الدال على إسلامه، وهو صريح في موته ترجم به ليستفاد من الصلاة عليه أنه كان قد أسلم. انتهى. أقول: فكأن هذه الترجمة تتمة للسابقة؛ لأن هجرة المسلمين إلى الحبشة إنما كانت لأجل النجاشي رضي الله تعالى عنه لكونه مأمنًا لهم. وقال القسطلاني (١) بعد ذكر الحديث: هذا النجاشي هو الذي هاجر إليه المسلمون، وكتب له ﷺ كتابًا يدعوه فيه إلى الإسلام مع عمرو بن أمية سنة ست من الهجرة، وأسلم على يد جعفر بن أبي طالب، وأما النجاشي الذي ولي بعده الحبشة فكان كافرًا لم يعرف له إسلام ولا اسم. انتهى. (٣٩ - باب تقاسم المشركين على النبي ﷺ -) قال القسطلاني (٢): سقط لفظ "باب" لأبي ذر، "وتقاسم المشركين"؛ أي: تحالفهم. ثم قال في شرح الحديث: قوله: "حيث تقاسموا على الكفر" زاد في الحج: وذلك أن قريشًا وكنانة تحالفت على بني هاشم وبني عبد المطلب أو بني المطلب أن لا يناكحوهم ولا يبايعوهم حتى يسلموا إليهم النبي ﷺ . وفي "السيرة": وكتبوا بذلك كتابًا بخط بغيض بن عامر بن هاشم

стр. 2197

وعلقوه في جوف الكعبة، وتمادوا على العمل بما فيه من ذلك ثلاث سنين، فاشتد البلاء على بني هاشم في شعبهم، وعلى كل من معهم، فلما كان رأس ثلاث سنين تلاوم قوم من قصي ممن ولدتهم بنو هاشم ومن سواهم، فأجمعوا أمرهم على نقض ما تعاهدوا عليه من الغدر والبراءة، وبعث الله على صحيفتهم الأرضة فأكلت ولحست ما فيها من ميثاق وعهد، وبقي ما كان فيها من ذكر الله ، وأطلع الله تعالى نبيه على ذلك، فأخبر عمه أبا طالب بذلك. فقال: أربُّك أخبرك بذلك؟ قال: نعم؛ فقال أبو طالب: لا والثواقب ما كذبتني. ثم خرج أبو طالب فقال: يا معشر قريش إن ابن أخي أخبرني أن الله قد سلط على صحيفتكم الأرضة، فإن كان كما يقول: فوالله لا نسلمه حتى نموت من عند آخرنا، وإن كان الذي يقول باطلًا دفعنا إليكم صاحبنا قتلتم أو استحييتم؛ فقالوا: قد رضينا بالذي تقول؛ ففتحوا الصحيفة فوجدوها كما أخبر، فقالوا: هذا سحر ابن أخيك. وزادهم ذلك بغيًا وعدوانًا. انتهى. قال الحافظ (١): كان ذلك التقاسم أول يوم من المحرم سنة سبع من البعثة، وكان النجاشي قد جهز جعفرًا ومن معه، فقدموا والنبي ﷺ بخيبر، وذلك في صفر منها، فلعله مات بعد أن جهزهم، وفي "الدلائل" للبيهقي: أنه مات قبل الفتح، وهو أشبه. ثم بسط الحافظ في تفصيل القصة والاختلاف في زمان ابتداء حصرهم، وكذا في مدته وغير ذلك، ثم قال: ولما لم يثبت عند البخاري شيء من هذه القصة اكتفى بإيراد حديث أبي هريرة؛ لأن فيه دلالة على أصل القصة لأن الذي أورده أهل المغازي من ذلك كالشرح لقوله في الحديث: "تقاسموا على الكفر". انتهى. قلت: وذكر صاحب "مجمع البحار" (٢) هذه القصة من وقائع السنة الثامنة.

стр. 2198

(٤٠ - باب قصة أبي طالب) واسمه عند الجميع عبد مناف، وشذّ من قال: عمران، بل هو قول باطل، نقله ابن تيمية في "كتاب الرد على الرافضي": أن بعض الروافض زعم أن قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ﴾ [آل عمران: ٣٣]: إن "آل عمران" هم آل أبي طالب، وأن اسم أبي طالب عمران، واشتهر بكنيته، وكان شقيق عبد الله والد رسول الله ﷺ ، ولذلك أوصى به عبد المطلب عند موته إليه فكفله إلى أن كبر، واستمر على نصره بعد أن بعث إلى أن مات أبو طالب، وقد ذكرنا أنه مات بعد خروجهم من الشعب، وذلك في آخر السنة العاشرة من المبعث، وكان يذب عن النبي ﷺ ، ويرد عنه كل من يؤذيه، وهو مقيم مع ذلك على دين قومه. انتهى من "الفتح" (١). (٤١ - حديث الإسراء. . .) إلخ قال ابن دحية: جنح البخاري إلى أن ليلة الإسراء كانت غير ليلة المعراج؛ لأنه أفرد لكل منهما ترجمة. قلت: ولا دلالة في ذلك على التغاير عنده، بل كلامه في أول الصلاة ظاهر في اتحادهما، وذلك أنه ترجم: "باب كيف فرضت الصلاة ليلة الإسراء"، والصلاة إنما فرضت في المعراج، فدل على اتحادهما عنده، وإنما أفرد كلًّا منهما بترجمة؛ لأن كلَّا منهما يشتمل على قصة مفردة، وإن كان وقعا معًا. وقد روى كعب الأحبار أن باب السماء الذي يقال له: مصعد الملائكة يقابل بيت المقدس، فأخذ منه بعض العلماء أن الحكمة في الإسراء إلى بيت المقدس قبل العروج ليحصل العروج مستويًا من غير

стр. 2199

تعويج! وفيه نظر؛ لورود أن في كل سماء بيتًا معمورًا، وأن الذي في السماء الدنيا حيال الكعبة، وكان المناسب أن يصعد من مكة ليصل إلى البيت المعمور بغير تعويج؛ وقد ذكر غيره مناسبات أخرى ضعيفة، ذكرها الحافظ، ثم قال: وقد اختلف السلف، فمنهم من ذهب إلى أن الإسراء والمعراج وقعا في ليلة واحدة في اليقظة بجسد النبي ﷺ وروحه بعد المبعث، وإلى هذا ذهب الجمهور من علماء المحدثين والفقهاء والمتكلمين، إلى آخر ما بسط في "الفتح" (١) من المباحث مما يتعلق بالإسراء، وأزيد منه العلامة القسطلاني في "المواهب اللدنية" (٢)، فإنه أجاد الكلام مختصرًا على حديث الإسراء، وتكلم على كل جزء من أجزائه، وبسط شارحه العلامة الزرقاني (٣)، وسيأتي الاختلاف في زمان وقوعه في الباب الآتي. (٤٢ - باب المعراج) كذا للأكثر، وللنسفي "قصة المعراج"، وهو بكسر الميم، وحكي ضمها، من عرج بفتح الراء، يعرج بضمها: إذا صعد. وقد اختلف في وقت المعراج، فقيل: كان قبل المبعث وهو شاذ، إلا إن حمل على أنه وقع حينئذٍ في المنام كما تقدم. وذهب الأكثر إلى أنه كان بعد المبعث، ثم اختلفوا فقيل: قبل الهجرة بسنة، قاله ابن سعد وغيره، وبه جزم النووي، وبالغ ابن حزم فنقل الإجماع فيه، وهو مردود؛ فإن في ذلك اختلافًا كثيرًا يزيد على عشرة أقوال، منها ما حكاه ابن الجوزي أنه كان قبلها بثمانية أشهر، وقيل: بستة أشهر، وقيل: بأحد عشر شهرًا، جزم به إبراهيم الحربي حيث قال: كان في ربيع الآخر قبل الهجرة بسنة، ورجحه

стр. 2200

ابن المنير في "شرح السيرة" لابن عبد البر، وقيل: قبل الهجرة بسنة وشهرين، حكاه ابن عبد البر، وقيل: قبلها بسنة وثلاثة أشهر، حكاه ابن فارس، وقيل: بسنة وخمسة أشهر، قال السدي، وأخرجه من طريقه الطبري والبيهقي، وعلى هذا كان في شوال، أو في رمضان على إلغاء الكسرين منه ومن ربيع الأول، وبه جزم الواقدي، وعلى ظاهره ينطبق ما ذكره ابن قتيبة، وحكاه ابن عبد البر أنه كان قبلها بثمانية عشر شهرًا، وعند ابن سعد عن ابن أبي سبرة: أنه كان في رمضان قبل الهجرة بثمانية عشر شهرًا، وقيل: كان في رجب، حكاه ابن عبد البر وجزم به النووي في "الروضة"، وقيل: قبل الهجرة بثلاث سنين، خطاه ابن الأثير، وحكى عياض وتبعه القرطبي والنووي عن الزهري: أنه كان قبل الهجرة بخمس سنين، ورجحه عياض ومن تبعه، واحتج بأنه لا خلاف أن خديجة صلت معه بعد فرض الصلاة، ولا خلاف أنها توفيت قبل الهجرة إما بثلاث أو نحوها وإما بخمس، ولا خلاف أن فرض الصلاة كان ليلة الإسراء. قلت: في جميع ما نفاه من الخلاف نظر: أما أولًا: فإن العسكري حكى أنها ماتت قبل الهجرة بسبع سنين، وقيل: بأربع، وعن ابن الأعرابي: أنها ماتت عام الهجرة. وأما ثانيًا: فإن فرض الصلاة اختلف فيه، فقيل: كان من أول البعثة، وكان ركعتين بالغداة وركعتين بالعشي، وإنما الذي فرض ليلة الإسراء الصلوات الخمس. وأما ثالثًا: فقد تقدم في ترجمة خديجة في الكلام على حديث عائشة في بدء الخلق: أن عائشة جزمت بأن خديجة ماتت قبل أن تفرض الصلاة. وأما رابعًا: ففي سنة موت خديجة اختلاف آخر، فحكى العسكري عن الزهري: أنها ماتت لسبع مضين من البعثة، وظاهره أن ذلك قبل الهجرة بست سنين، فرعه العسكري على قول من قال: إن المدة بين البعثة والهجرة

стр. 2201

كانت عشرًا. انتهى كله من "الفتح" (١). وبسط الحافظ الكلام في شرح حديث الباب أشد البسط. وذكر قصة المعراج صاحب "مجمع البحار" (٢) في السنة الثانية عشر من المبعث، وكذا صاحب "الخميس" (٣). ومن المباحث التي ذكرها العلماء في حديث المعراج ما قال الحافظ (٤) وبسطه شارح "المواهب" (٥) أيضًا: وقد اختلف في الحكمة في اختصاص كل من الأنبياء بالسماء التي التقاه بها، فقيل: ليظهر تفاضلهم في الدرجات، وقيل: لمناسبة تتعلق بالحكمة في الاقتصار على هؤلاء دون غيرهم من الأنبياء، فقيل: أمروا بملاقاته، فمنهم من أدركه في أول وهلة، ومنهم من تأخر فلحق، ومنهم من فاته، وهذا زيَّفه السهيلي فأصاب. وقيل: الحكمة في الاقتصار على هؤلاء المذكورين للإشارة إلى ما سيقع له ﷺ مع قومه من نظير ما وقع لكل منهم، ثم بسطه الحافظ. (٤٣ - باب وفود الأنصار إلى النبي ﷺ بمكة) قال العلامة العيني (٦): أي هذا باب في بيان وفود الأنصار؛ أي: قدومهم إلى النبي ﷺ وهو بمكة، قوله: "وبيعة العقبة"؛ أي: التي ينسب إليها جمرة العقبة، وهي بمنى، كان رسول الله ﷺ يعرض نفسه على القبائل في كل موسم، وأنه أتى كندة وبني حنيفة وبني كلب وبني عامر بن صعصعة وغيرهم، فلم يجب أحد منهم إلى ما سأل، وقال موسى بن عقبة عن الزهري: كان يقول لهم: لا أكره أحدًا منكم على شيء، بل أريد أن تمنعوا من يؤذيني حتى أبلغ رسالة ربي. فلا يقبله أحد، بل يقولون: قوم الرجل أعلم به. فبينا هو عند العقبة إذ لقي رهطًا من الخزرج، فدعاهم إلى الله

стр. 2202

تعالى، فأجابوه، فجاء في العام المقبل اثنا عشر رجلًا إلى الموسم من الأنصار، أحدهم عبادة بن الصامت رضي الله تعالى عنه، فاجتمعوا برسول الله ﷺ في العقبة، وبايعوه وهي بيعة العقبة الأولى، فجاء في العام الآخر سبعون إلى الحج، فواعدهم رسول الله ﷺ ، فلما اجتمعوا أخرجوا من كل فرقة نقيبًا فبايعوه ثمة ليلًا، وهي البيعة الثانية. انتهى من "العيني". وذكر صاحب "مجمع بحار الأنوار" في السنة الحادية عشر النبوية أنه ﷺ على دأبه كان يعرض نفسه على القبائل موسم الحج، ويقول: من ينصرني ويأخذني معه حتى أؤدي كلام ربي، فلقي رهطًا من الخزرج ودعاهم، فآمنوا وكانوا ستة من أسعد بن زرارة، وفي الثانية عشر كانت بيعة العقبة الأولى حيث قدم من الأنصار اثنا عشر أحدهم عبادة بن الصامت، وفي الثالثة عشر كانت بيعة العقبة الثانية، وكانوا سبعين رجلًا وامرأتين. انتهى. كما تقدم في الجزء الثاني من كتاب الإيمان، وبسط الكلام في "الفتح". (٤٤ - باب تزويج النبي ﷺ عائشة ﵂ -) وفي "تاريخ الخميس" (١): وفي شوال هذه السنة - أي: العاشرة من النبوة - تزوج رسول الله ﷺ سودة وعائشة. وفي "أسد الغابة" لابن الأثير: تزوج ﷺ بعد خديجة سودة بنت زمعة، قال الزهري: تزوجها قبل عائشة وهو بمكة، وبنى بها بمكة أيضًا، وقال غيره: تزوج عائشة قبل سودة، وإنما ابتنى بسودة قبل عائشة لصغر عائشة، وتزوج عائشة بمكة وبنى بها بالمدينة سنة اثنين. وفي "المواهب اللدنية": تزوج سودة بمكة بعد موت خديجة قبل أن يعقد على عائشة. هذا قول قتادة وأبي عبيدة، ولم يذكر ابن قتيبة غيره،

стр. 2203

ويقال: تزوجها بعد عائشة، ويجمع بين القولين بأنه ﷺ عقد على عائشة قبل سودة ودخل بسودة قبل عائشة، والتزويج يطلق على كل واحد من العقد والدخول. وفي "سيرة اليعمري" تزوج عائشة بمكة قبل الهجرة بسنتين، وقيل: بثلاث، وهي بنت ست أو سبع، إلى آخر ما بسط. ثم قال (١) في وقائع السنة الأولى من الهجرة: وفي هذه السنة بنى رسول الله ﷺ بعائشة، وكان البناء بها على رأس تسعة أشهر، وقيل: ثمانية عشر شهرًا في شوال، كذا في "المواهب اللدنية" و"تاريخ اليافعي"، وكذا في "الوفاء" من غير لفظ شوال. وفي "المشكاة": عن عائشة أنها قالت: تزوجني رسول الله ﷺ في شوال وبنى بي في شوال، فأي نساء رسول الله ﷺ كان أحظى عنده مني. وقيل: البناء بها في الثامن والعشرين من ذي الحجة، وقيل: زفافها وقع في السنة الثانية. والأول أصح، وكان البناء بها يوم الأربعاء ضحى في منزل أبي بكر بالسنح. انتهى. قوله: (فلبث سنتين أو قريبًا من ذلك. . .) إلخ، قال الكرماني (٢): فإن قلت: كيف يصح ذلك وخديجة ماتت قبل الهجرة بثلاث سنين؟ فإذا نكحها بعد ذلك بثلاث كان نكاحها حال الهجرة أو بعدها وهو خلاف ما اتفقوا عليه؟ قلت: قد نقل أيضًا أنها توفيت قبل الهجرة بخمس سنين، وقد قال: أو قريبًا من ذلك، ولا يخفى عليك أن الحديث مرسل. انتهى. وكتب الشيخ قدس سره في "اللامع" (٣): قوله: "أو قريبًا من ذلك"؛ يعني بالقرب في جانب الزيادة لا النقصان كما يشهد به الروايات. انتهى. والأوجه عند هذا العبد الضعيف أنه لا إشكال في حديث البخاري

стр. 2204

هذا أصلًا، بل فيه بيان لموت خديجة ونكاح عائشة ﵄، وقوله: "فلبث سنتين" توضيح لما سبق من قوله: "بثلاث سنين"، والمعنى أنها ﵂ توفيت قبل الهجرة بثلاث سنين، فلبث النبي ﷺ بعد وفاتها بمكة سنتين أو أكثر من ذلك، وأما نكاح عائشة والبناء بها فأمر مستقبل، والمعنى: أنه ﷺ تزوجها وهي بنت ست في شوال من السنة العاشرة النبوية التي توفيت فيها خديجة، وبنى بها في شوال من السنة الأولى الهجرية، وهي بنت تسع، وعلى هذا فلا يرِد على الحديث إشكال ولا يرِد عليه مخالفة؛ لما رجحه المحققون في نكاح عائشة والبناء بها. انتهى. (٤٥ - باب هجرة النبي ﷺ -) قال القسطلاني (١): بإذن الله له في ذلك بقوله تعالى: ﴿وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ﴾ [الإسراء: ٨٠] بعد بيعة العقبة بشهرين وبضعة عشر يومًا. قوله: (وأصحابه) أبي بكر وعامر بن فهيرة وصاحبين له من مكه (إلى المدينة) وكان قد هاجر بين العقبتين جماعة ابن أم مكتوم وغيره. انتهى. زاد الحافظ (٢): ذكر الحاكم أن خروجه ﷺ من مكة كان بعد بيعة العقبة بثلاثة أشهر أو قريبًا منها، وجزم ابن إسحاق بأنه خرج أول يوم من ربيع الأول، فعلى هذا يكون بعد البيعة بشهرين وبضعة عشر يومًا، وكذا جزم به الآمدي في المغازي عن ابن إسحاق، فقال: كان مخرجه من مكة بعد العقبة بشهرين وليال، قال: وخرج لهلال ربيع الأول وقدم المدينة لاثنتي عشرة خلت من ربيع الأول، قلت: وعلى هذا خرج يوم الخميس، وأما أصحابه فتوجَّه معه أبو بكر الصديق وعامر بن فهيرة، وتوجَّه قبل ذلك بين العقبتين جماعة منهم ابن أم مكتوم، ويقال: إن أول من هاجر إلى المدينة أبو سلمة بن عبد الأشهل المخزومي زوج أم سلمة، وقدم المدينة

стр. 2205

بكرة، وقدم بعده عامر بن ربيعة عشية، ثم توجَّه مصعب بن عمير ليفقه من أسلم من الأنصار، ثم كان أول من هاجر بعد بيعة العقبة عامر بن ربيعة على ما ذكر ابن إسحاق، وسيأتي ما يخالفه في الباب الذي يليه وهو قول البراء: أول من قدم علينا من المهاجرين مصعب بن عمير. . . إلخ، ثم توجه باقي الصحابة شيئًا فشيئًا كما سيأتي في الباب الذي يليه، ثم لما توجَّه النبي ﷺ واستقر بها خرج من بقي من المسلمين، وكان المشركون يمنعون من قدروا على منعه منهم، فكان أكثرهم يخرج سرًّا إلى أن لم يبق منهم بمكة إلا من غلب على أمره من المستضعفين. انتهى من "الفتح". وفي "تاريخ الخميس" (١): قال أصحاب السير: لما استقر رأي قريش بعد المشاورة على قتله ﷺ أتاه جبرئيل وأخبره بذلك، وقال: لا تبت هذه الليلة على فراشك الذي كنت تبيت عليه، وأذن الله عند ذلك بالخروج إلى المدينة، كذا في "معالم التنزيل"، وفي رواية: قال له جبريل: إن الله يأمرك بالهجرة. وفي "شواهد النبوة" لما أمر ﷺ بالهجرة سأل جبرئيل عمن يهاجر معه، قال: أبو بكر الصديق؛ فمن ذلك اليوم سماه الله صديقًا؛ وعن ابن عباس قال: إن الله آذن نبيه في الهجرة بهذه الآية ﴿وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ﴾ الآية [الإسراء: ٨٠]، أخرجه الترمذي وصححه والحاكم، كذا في "الوفاء" و"المواهب اللدنية". انتهى مختصرًا. ثم ذكر المصنف في الباب نحوًا من ستة وعشرين حديثًا. وقال الحافظ (٢) في شرح أثر عائشة: "لا هجرة اليوم، كان المؤمنون يفرّ أحدهم بدينه. . ." إلخ: أشارت عائشة إلى بيان مشروعية الهجرة، وأن سببها خوف الفتنة، والحكم يدور مع علته، فمقتضاه: أن من قدر على عبادة الله في أي موضع اتفق لم تجب عليه الهجرة منه وإلا وجبت. ومن

стр. 2206

ثم قال الماوردي: إذا قدر على إظهار الدين في بلد من بلاد الكفر فقد صارت البلد به دار إسلام، فالإقامة فيها أفضل من الرحلة منها لما يترجى من دخول غيره في الإسلام. وقال الخطابي: كانت الهجرة؛ أي: إلى النبي ﷺ في أول الإسلام مطلوبة، ثم افترضت لما هاجر إلى المدينة إلى حضرته للقتال معه وتعلم شرائع الدين، وقد أكد الله ذلك في عدة آيات حتى قطع الموالاة بين من هاجر ومن لم يهاجر، فقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا﴾ [الأنفال: ٧٢]، فلما فتحت مكة ودخل الناس في الإسلام من جميع القبائل سقطت الهجرة الواجبة وبقي الاستحباب، إلى آخر ما في "الفتح". قوله في حديث أنس: (أقبل نبي الله ﷺ إلى المدينة وهو مردف أبا بكر ﵁. . .) إلخ، قال العلامة السندي (١): كأنه وقع كذلك أحيانًا. أو المعنى: أن راحلته متأخرة عن راحلة النبي ﷺ وإلا فهما كانا على راحلتين على مقتضى الأحاديث الأخر. انتهى. وبسط الكلام عليه في هامش "اللامع" (٢) في كتاب المغازي. قوله: (إذا قيل له: هاجر قبل أبيه يغضب. . .) إلخ، يشكل عليه ما سيأتي في بيعة الحديبية أنه رد على من قال: إنه أسلم قبل أبيه، وسيأتي الجمع هناك إن شاء الله تعالى. (٤٦ - باب مقدم النبي ﷺ وأصحابه المدينة) قال العلامة العيني (٣): أي هذا باب في بيان قدوم النبي ﷺ وقدوم أصحابه المدينة. وكان وصول النبي إلى قباء يوم الاثنين أول شهر ربيع

стр. 2207

الأول، ومر الكلام فيه عن قريب، وكان وصول أكثر أصحابه قبله، ونزل رسول الله ﷺ على كلثوم [بن الهدم]، قاله ابن شهاب، وقيل: نزل على سعد بن خيثمة وجمع بينهما بأن نزوله كان على كلثوم وكان يجلس مع أصحابه عند سعد بن خيثمة؛ لأنه كان أعزب، وكان يقال لبيته: بيت العزاب، قال ابن شهاب: وبلغ علي بن أبي طالب نزوله أمنًا بقباء، فركب راحلته فلحق به وهو بقباء. انتهى. وشرح العلامة القسطلاني (١) الترجمة بقوله: "باب مقدم النبي ﷺ " إلى قباء يوم الاثنين أول ربيع الأول، وقيل: في ثامنه، "ومقدم" أكثر "أصحابه المدينة" قبله. انتهى. وقال الحافظ (٢) تحت الباب: تقدم بيان الاختلاف فيه في آخر شرح حديث عائشة الطويل في شأن الهجرة، وقال هناك: دخل المدينة بعد أن استهل ربيع الأول، ثم قال: أقل ما قيل: إنه دخل في اليوم الأول منه، وأكثر ما قيل: إنه دخل في الثاني عشر منه. وقال أيضًا في شرح قوله: "حتى نزل بهم في بني عمرو بن عوف": ومنازلهم بقباء، وهي على فرسخ من المسجد النبوي بالمدينة، وكان نزوله على كلثوم بن الهرم (٣)، وقيل: كان يومئذٍ مشركًا، وجزم به محمد بن الحسن بن زبالة في "أخبار المدينة". قوله: (وذلك يوم الاثنين من شهر ربيع الأول) وهذا هو المعتمد. وشذّ من قال: يوم الجمعة. في رواية موسى بن عقبة عن ابن شهاب "قدمها لهلال ربيع الأول"؛

стр. 2208

أي: أول يوم منه. وفي رواية جرير بن حازم عن ابن إسحاق: "قدمها لليلتين خلتا من شهر ربيع الأول". ونحوه عند أبي معشر لكن قال: "ليلة الاثنين". ومثله عن ابن البرقي، وثبت كذلك في أواخر "صحيح مسلم". وفي رواية إبراهيم بن سعد عن ابن إسحاق: "قدمها لاثنتي عشرة ليلة خلت من ربيع الأول". وعند أبي سعيد في "شرف المصطفى" من طريق أبي بكر بن حزم: "قدم لثلاث عشرة من ربيع الأول". فهذا يجمع بينه وبين الذي قبله بالحمل على الاختلاف في رؤية الهلال. وعنده من حديث عمر: "ثم نزل على بني عمرو بن عوف يوم الاثنين لليلتين بقيتا من ربيع الأول"، كذا فيه، ولعله كان فيه "خلتا" ليوافق رواية جرير بن حازم. وعن ابن شهاب "في نصف ربيع الأول"، وقيل: كان قدومه في سابعه، وجزم ابن حزم بأنه خرج من مكة لثلاث ليال بقين من صفر، وهذا يوافق قول هشام بن الكلبي: "إنه خرج من الغار ليلة الاثنين أول يوم من ربيع الأول" فإن كان محفوظًا فلعل قدومه قباء كان يوم الاثنين ثامن ربيع الأول، وإذا ضم إلى قول أنس: "إنه أقام بقباء أربع عشرة ليلة" خرج منه أن دخوله المدينة كان لاثنين وعشرين منه، لكن الكلبي جزم بأنه دخلها لاثنتي عشرة خلت منه، فعلى قوله تكون إقامته بقباء أربع ليال فقط، وبه جزم ابن حبان فإنه قال: "أقام بها الثلاثاء والأربعاء والخميس"؛ يعني: وخرج يوم الجمعة، فكأنه لم يعتد بيوم الخروج، ولا الدخول. وعن قوم من بني عمرو بن عوف: أنه أقام فيهم اثنين وعشرين يومًا، حكاه الزبير بن بكار. والأكثر أنه قدم نهارًا، ووقع في رواية مسلم ليلًا، ويجمع بأن القدوم كان آخر الليل فدخل نهارًا. انتهى من "الفتح" (١). وفي "تاريخ الخميس" (٢): وفي سيرة أبي محمد عبد الملك بن هشام

стр. 2209

عن محمد بن إسحاق المطلبي قال: قدم علينا رسول الله ﷺ يوم الاثنين حين اشتد ضحى وكادت الشمس تعتدل لاثنتي عشرة ليلة مضت من ربيع الأول وهو التاريخ فيما قاله ابن هشام إلى آخر ما بسط. وقال أيضًا قبل: كان أول ما سمع من النبي ﷺ : "أفشوا السلام، وأطعموا الطعام، وصلوا الأرحام، وصلوا بالليل والناس نيام، تدخلوا الجنة بسلام". وأكثر أهل السير أن ذلك اليوم كان يوم الاثنين، وشذّ من قال: يوم الجمعة من ربيع الأول في الضحوة الكبرى قريبًا من نصف النهار، وبسط الكلام أيضًا على مدة إقامته ﷺ بقباء. (٤٧ - باب إقامة المهاجر بمكة بعد قضاء نسكه) أي: من حج أو عمرة. قال الحافظ (١): قوله: "ثلاث للمهاجر بعد الصدر" بفتح المهملتين؛ أي: بعد الرجوع من منى. وفقه هذا الحديث: أن الإقامة بمكة كانت حرامًا على من هاجر منها قبل الفتح، لكن أبيح لمن قصدها منهم بحج أو عمرة أن يقيم بعد قضاء نسكه ثلاثة أيام لا يزيد عليها، ولهذا رثى النبي ﷺ لسعد بن خولة أن مات بمكة، ويستنبط من ذلك أن إقامة ثلاثة أيام لا تخرج صاحبها عن حكم المسافر. وفي كلام الداودي اختصاص ذلك بالمهاجرين الأولين، ولا معنى لتقييده بالأولين. قال النووي: معنى هذا الحديث: أن الذين هاجروا يحرم عليهم استيطان مكة. وحكى عياض (٢) أنه قول الجمهور. قال: وأجازه لهم جماعة - يعني بعد الفتح - فحملوا هذا القول على الزمن الذي كانت الهجرة

стр. 2210

المذكورة واجبة فيه، قال: واتفق الجميع على أن الهجرة قبل الفتح كانت واجبة [عليهم]، وأن سكنى المدينة كان واجبًا لنصرة النبي ﷺ ومواساته بالنفس، وأما غير المهاجرين فيجوز له سكنى أي بلد أراد سواء مكة وغيرها بالاتفاق. انتهى كلام القاضي. ويستثنى من ذلك من أذن له النبي ﷺ بالإقامة في غير المدينة. وقال القرطبي (١): المراد بهذا الحديث: من هاجر من مكة إلى المدينة لنصر النبي ﷺ ، ولا يعني به من هاجر من غيرها؛ لأنه خرج جوابًا عن سؤالهم لما تحرجوا من الإقامة بمكة إذ كانوا قد تركوها لله تعالى، فأجابهم بذلك، وأعلمهم أن إقامة الثلاث ليس بإقامة، قال: والخلاف الذي أشار إليه عياض كان فيمن مضى. انتهى. (٤٨ - باب) بغير ترجمة، هكذا في النسخ الهندية بغير ترجمة، وهكذا في نسخة الكرماني والقسطلاني. وفي نسخة "الفتح" والعيني: "باب التاريخ من أين أرخوا التاريخ؟ ". قال الحافظ (٢): قال الجوهري: التاريخ: تعريف الوقت، والتوريخ مثله؛ تقول: أرخت وورخت، وقيل: اشتقاقه من الأرخ وهو الأنثى من بقر الوحش؛ كأنه شيء حدث كما يحدث الولد، وقيل: هو معرب، ويقال: أول ما أحدث التاريخ من الطوفان. [قوله]: (من أين أرخوا التاريخ؟) كأنه يشير إلى اختلاف في ذلك، وقد روى الحاكم في "الإكليل" بسنده عن الزهري: "أن النبي ﷺ لما قدم المدينة أمر بالتاريخ فكتب في ربيع الأول"، وهذا معضل، والمشهور خلافه كما سيأتي، وأن ذلك كان في خلافة عمر. وأفاد السهيلي: أن الصحابة

стр. 2211

أخذوا التاريخ بالهجرة من قوله تعالى: ﴿لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ﴾ [التوبة: ١٠٨]؛ لأنه من المعلوم أنه ليس أول الأيام مطلقًا، فتعين أنه أضيف إلى شيء مضمر، وهو أول الزمن الذي عز فيه الإسلام، وعبَدَ فيه النبيُّ ﷺ ربَّه آمنا، وابتدأ بناء المسجد، فوافق رأي الصحابة ابتداء التاريخ من ذلك اليوم، وفهمنا من فعلهم أن قوله تعالى: ﴿مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ﴾ أنه أول أيام التاريخ الإسلامي، كذا قال، والمتبادر أن معنى قوله: ﴿مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ﴾؛ أي: دخل فيه النبي ﷺ وأصحابه المدينة، والله أعلم. قوله: (إلا من مقدمه المدينة)؛ أي: زمن قدومه، ولم يرد شهر قدومه؛ لأن التاريخ إنما وقع من أول السنة، وقد أبدى بعضهم للبداءة بالهجرة مناسبة فقال: كانت القضايا التي اتفقت له ويمكن أن يؤرخ بها أربعة: مولده ومبعثه وهجرته ووفاته، فرجح عندهم جعلها من الهجرة؛ لأن المولد والمبعث لا يخلو واحد منهما من النزاع في تعيين السنة، وأما وقت الوفاة فأعرضوا عنه لما توقع بذكره من الأسف عليه، فانحصر في الهجرة، وإنما أخروه من ربيع الأول إلى المحرم؛ لأن ابتداء العزم على الهجرة كان في المحرم إذ البيعة وقعت في أثناء ذي الحجة، وهي مقدِّمة الهجرة، فكان أول هلال استهل بعد البيعة والعزم على الهجرة هلال المحرم، فناسب أن يجعل مبتدأ، وهذا أقوى ما وقفت عليه من مناسبة الابتداء بالمحرم. وذكروا في سبب عمل عمر التاريخ أشياء، منها: ما أخرجه أبو نعيم في "تاريخه"، ومن طريقه الحاكم من طريق الشعبي: أن أبا موسى كتب إلى عمر: أنه يأتينا منك كتب ليس لها تاريخ، فجمع عمر الناس فقال بعضهم: أرخ بالمبعث، وبعضهم: أرخ بالهجرة؛ فقال عمر: الهجرة فرقت بين الحق والباطل، فأرخوا بها. وذلك سنة سبع عشرة، فلما اتفقوا قال بعضهم: ابدءوا برمضان؛ فقال عمر: بل بالمحرم فإنه منصرف الناس من حجهم؛ فاتفقوا عليه. وقيل: أول من أرخ التاريخ يعلى بن أمية حيث كان باليمن، أخرجه أحمد بإسناد صحيح، لكن فيه انقطاع، وذكر روايات أخر، ثم قال:

стр. 2212

فاستفدنا من مجموع هذه الآثار أن الذي أشار بالمحرم عمر وعثمان وعلي ﵃، انتهى من "الفتح". ومناسبة حديث عائشة ثاني حديثي الباب بالترجمة مما يحتاج إلى بيان، ولم يتعرض له الحافظ ولا القسطلاني، وقال العلامة العيني (١): لما كان البابان السابقان داخلين في باب هجرة النبي ﷺ جاءت المناسبة لذكر هذا الحديث ههنا، انتهى. (٤٩ - باب قول النبي ﷺ : "اللهم أمض لأصحابي هجرتهم ") قال الحافظ (٢): قوله: (ومرثيته. . .) إلخ، بتخفيف التحتانية وهو عطف على قول، والمرثية تعديد محاسن الميت، والمراد هنا التوجع له لكونه مات في البلد التي هاجر منها، وقد تقدم بيان الحكمة في ذلك قبل بباب، انتهى. (٥٠ - باب كيف آخى النبي ﷺ بين أصحابه. . .) إلخ تقدم في "مناقب الأنصار": "باب آخى النبي ﷺ بين المهاجرين والأنصار"، ولا يتوهم التكرار بينهما لاختلاف المقاصد، فإن الغرض من الأول بيان فضيلة الأنصار، والمقصود ههنا ما وقع بعد الهجرة، وفرق آخر وهو أن المقصود هناك ذكر المؤاخاة نفسها، وههنا بيان كيفيتها. قال الحافظ (٣): قال ابن عبد البر: كانت المؤاخاة مرتين: مرة بين المهاجرين خاصة وذلك بمكة، ومرة بين المهاجرين والأنصار فهي المقصودة هنا. وذكر ابن سعد بأسانيد الواقدي إلى جماعة من التابعين قالوا: لما قدم النبي ﷺ المدينة آخى بين المهاجرين، وآخى بين المهاجرين والأنصار على المواساة، وكانوا يتوارثون، وكانوا تسعين نفسًا بعضهم من

стр. 2213

المهاجرين وبعضهم من الأنصار، وقيل: كانوا مائة، فلما نزل ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ﴾ [الأنفال: ٧٥] بطلت المواريث بينهم بتلك المؤاخاة. قال الحافظ: قال السهيلي: آخى [ ﷺ ] بين أصحابه ليذهب عنهم وحشة الغربة ويتأنسوا من مفارقة الأهل والعشيرة، ويشدُّ بعضهم أزر بعض، فلما عزَّ الإسلام واجتمع الشمل وذهبت الوحشة أبطل المواريث، وجعل المؤمنين كلهم إخوة، وأنزل ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ [الحجرات: ١٠]؛ يعني: في التوادد وشمول الدعوة. واختلفوا في ابتدائها، فقيل: بعد الهجرة بخمسة أشهر، وقيل: بتسعة، وقيل: وهو يبني المسجد، وقيل غير ذلك. وعند أبي سعيد في "شرف المصطفى": كان الإخاء بينهم في المسجد، وأنكر ابن تيمية في "كتاب الرد على ابن المطهر الرافضي" المؤاخاة بين المهاجرين، وخصوصًا مؤاخاة النبي ﷺ لعلي، قال: لأن المؤاخاة شرعت لإرفاق بعضهم بعضًا، ولتأليف قلوب بعضهم على بعض، فلا معنى لمؤاخاة النبي ﷺ لأحد منهم، ولا لمؤاخاة مهاجري لمهاجريّ وهذا ردٌّ للنص بالقياس، وإغفال عن حكمة المؤاخاة؛ إلى آخر ما قال في "الفتح" (١). (٥١ - باب) بغير ترجمة، كذا لهم بغير ترجمة، وهو كالفصل من الباب الذي بعده، ولعله كان بعده، قاله الحافظ (٢). وقال العلامة العيني (٣): هو كالفصل للباب الذي قبله، وقال بعد ذكر الحديث: مطابقته للترجمة لباب هجرة النبي ﷺ ظاهرة، وذلك أنا قد ذكرنا أن الأبواب المذكورة بعد "باب هجرة النبي" كلها تابعة لباب هجرة النبي ﷺ . انتهى.

стр. 2214

(٥٢ - باب إتيان اليهود النبي ﷺ حين قدم المدينة) قال العيني (١): قوله: "هادوا صاروا يهود. . ." إلخ، مشى البخاري ههنا على عادته في ذكر ألفاظ من القرآن مما يماثل لفظ الحديث، فإن قوله: ﴿هَادُوا﴾ مذكورين في قوله: ﴿وَمِنَ الَّذِينَ هَادُوا سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ﴾ [المائدة: ٤١] ومعناه هنا: صاروا يهود، وأما قوله: ﴿هُدْنَا فمذكور في قوله: ﴿إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ﴾ [الأعراف: ١٥٦] ومعناه: تُبنا إليك، وكذا فسَّر أبو عبيدة اللفظين المذكورين. انتهى. قال الحافظ (٢): وذكر ابن عائذ من طريق عروة: أن أول من أتاه منهم أبو ياسر بن أخطب أخو حيي بن أخطب، فسمع منه، فلما رجع قال لقومه: أطيعوني فإن هذا النبي الذي كنا ننتظر، فعصاه أخوه وكان مطاعًا فيهم، فاستحوذ عليه الشيطان، فأطاعوه على ما قال. وروى أبو سعيد في "شرف المصطفى" من طريق سعيد بن جبير: جاء ميمون بن يامين - وكان رأس اليهود - إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله ابعث إليهم فاجعلي حكمًا، فإنهم يرجعون إلي، فأدخله داخلًا، ثم أرسل إليهم فأتوه فخاطبوه، فقال: اختاروا رجلًا يكون حكمًا بيني وبينكم، قالوا: قد رضينا ميمون بن يامين، فقال: اخرج إليهم، فقال: أشهد أنه رسول الله؛ فأبوا أن يصدقوه. وذكر ابن إسحاق أن النبي ﷺ وادع اليهود لما قدم المدينة وامتنعوا من اتباعه، فكتب بينهم كتابًا، وكانوا ثلاث قبائل: قينقاع والنضير وقريظة. فنقض الثلاثة العهد طائفة بعد طائفة، فمنّ على بني قينقاع وأجلى بني النضير واستأصل بني قريظة، وسيأتي بيان ذلك كله مفصلًا إن شاء الله تعالى. وذكر ابن إسحاق أيضًا عن الزهري: سمعت رجلًا من مزينة يحدث سعيد بن المسيب عن أبي هريرة: أن أحبار يهود اجتمعوا في بيت المدراس

стр. 2215

حين قدم النبي ﷺ المدينة فقالوا: غدًا انطلقوا إلى هذا الرجل فاسألوه عن حد الزاني، فذكر الحديث. انتهى. قوله: (لو آمن بي عشرة من اليهود. . .) إلخ، كتب الشيخ في "اللامع" (١): يعني من علمائهم لكان ذلك سببًا لإيمان بقيتهم، وإلا فقد آمن منهم أكثر من ذلك العدد. انتهى. وذكر في هامشه كلام الشراح، وفيه أيضًا: قال النووي: قال صاحب "التحرير": المراد عشرة من أحبارهم. انتهى. وهو الذي اختاره الشيخ قدس سره في توجيه الحديث، وقد عزاه صاحب "الفيض" (٢) إلى الرواية، فقال: وقد روي فيه قيد وهو "عشرة من أحبار اليهود"، فانحلّ الإشكال، انتهى. (٥٣ - باب إسلام سلمان الفارسي ﵁ -) قال العلامة العيني (٣): أي هذا باب في ذكر شيء فيه دلالة على إسلام سلمان الفارسي، وقد مضى في "كتاب البيوع" في "باب الشراء من المشركين" كيفية إسلام سلمان ومكاتبته، وقصته مشهورة، وولَّاه عمر ﵁ العراق، وكان يعمل في الخوص بيده فيأكل منه، عاش مائتين وخمسين سنة بلا خلاف، وقيل: ثلاثمائة وخمسين، وقيل: إنه أدرك وحي عيسى ابن مريم ﵉، ومات بالمداين سنة ست وثلاثين. انتهى. قلت: وبسط ترجمته في هامش "اللامع" (٤)، وفيه: قال الحافظ في "الإصابة" (٥): سلمان الفارسي، ويقال له: سلمان الخير. وقال ابن حبان: من زعم أن سلمان الخير آخر فقد وهم. كان أول مشاهده الخندق، وشهد بقية المشاهد، وقال ابن عبد البر: يقال: إنه شهد بدرًا، رويت قصته من طرق كثيرة، وفي سياق قصته في إسلامه اختلاف يتعسر الجمع فيه. انتهى.

стр. 2216

قال القسطلاني (١) في شرح قوله: "أنه تداوله بضعة عشر من ربّ إلى رب"؛ أي: أخذه سيد من سيد، وكان حرًّا فظلموه وباعوه، وذلك أنه هرب من أبيه لطلب الحق، وكان مجوسيًا فلحق براهب ثم براهب ثم بآخر، وكان يصحبهم إلى وفاتهم حتى دلّه الأخير على ظهور النبي ﷺ فقصده مع بعض الأعراب فغدروا به فباعوه في وادي القرى ليهودي، ثم اشتراه منه يهودي آخر من بني قريظة، فقدم به المدينة، فلما قدم النبي ﷺ المدينة ورأى علامات النبوة أسلم، فقال له رسول الله ﷺ : "كاتب عن نفسك"، فكاتب على أن يغرس ثلاثمائة نخلة وأربعين أوقية من ذهب، فغرس له رسول الله ﷺ بيده المباركة الكل، وقال: "أعينوا أخاكم"، فأعانوه حتى أدى ذلك كله. ثم ذكر مدة عمره كما تقدم في كلام العيني. وكتب شيخنا مولانا خليل المحدث السهارنفوري في "بذل المجهود (٢) شرح سنن أبي داود" في ترجمة سلمان الفارسي: قال الحافظ في "تهذيب التهذيب" (٣): قرأت بخط أبي عبد الله الذهبي: رجعت عن القول بأنه قارب ثلاثمائة أو زاد عليها، وتبين لي أنه ما جاوز الثمانين، ولم يذكر مستنده في ذلك. انتهى. قوله: (فترة بين عيسى ومحمد صلى الله عليهما ستمائة سنة) كتب الشيخ قدس سره في "اللامع" (٤): فيه إتمام الكسر عددًا فإن الأكثر من خمس مائة بعد ست مائة في العرف، وكثيرًا ما يسقط الكسر أيضًا وكلاهما جار، والله تعالى أعلم، وعلمه أتم وأحكم. تم المجلد الأول من تقريرات على البخاري. انتهى. وفي هامشه: قال الحافظ (٥): المراد بالفترة المدة التي لا يبعث فيها رسول من الله، ولا يمتنع أن ينبأ فيها من يدعو إلى شريعة الرسول الأخير.

стр. 2217

ونقل ابن الجوزي الاتفاق على ما اقتضاه حديث سلمان هذا، وتعقب بأن الخلاف في ذلك منقول، فعن قتادة: "خمسمائة وستين سنة" أخرجه عبد الرزاق عن معمر عنه، وعن الكلبي "خمسمائة وأربعين" وقيل: "أربعمائة سنة". ووجه تعلق هذه الأحاديث بإسلام سلمان الإشارة إلى أن الأحاديث التي وردت في سياق قصته ما هي على شرط البخاري في الصحيح، وإن كان إسناد بعضها صالحًا. وأما أحاديث الباب فمحصلها أنه أسلم بعد أن تداوله جماعة بالرق، وبعد أن هاجر من وطنه، وغاب عنه هذه المدة الطويلة حتى منَّ الله عليه بالإسلام طوعًا. انتهى. ثم لا يذهب عليك أن الحافظ رحمه الله تعالى قال في "مقدمة الفتح" (١) في ذكر مناسبة الترتيب بين الأبواب: إن الإمام البخاري ساق المغازي على ترتيب ما صحّ عنده، وبدأ بإسلام ابن سلام تفاؤلًا بالسلامة في المغازي. انتهى. كذا أفاد. والأوجه عندي أن يقال: بدأ بإسلام سلمان الفارسي فإن هذا الباب هو المتصل بكتاب المغازي، ولم يترجم البخاري بباب إسلام عبد الله بن سلام، بل ذكر حديث إسلامه قبل "باب إتيان اليهود النبي ﷺ حين قدم المدينة". وما كتب الشيخ قدس سره: تم المجلد الأول. . . إلخ مبني على ما في أيدينا من النسخ المطبوعة الهندية كما ترى، وأما بحسب نسخ الشروح فمنتصف كتاب البخاري على "باب مناقب عائشة" كما تقدم هناك. ثم البراعة عندي كما أفاده الحافظ في لفظ الفترة وهو ظاهر. * * *

стр. 2218

٦٤ - كتاب المغازي كذا في النسخ الهندية، وكذا في نسخ الشروح بعد البسملة. قال الحافظ (١): كذا لأبي ذر، ولغيره تأخير البسملة عن قوله: "كتاب المغازي"، ولابن عساكر "باب في المغازي، غزوة العشيرة أو العسيرة"، والمغازي جمع مغزى، يقال: غزا يغزو غزوًا ومغزى، والأصل غزو، والواحدة غزوة وغزاة والميم زائدة، وعن ثعلب: الغزوة المرة والغزاة عمل سنة كاملة، وأصل الغزو القصد، ومغزى الكلام مقصده، والمراد بالمغازي ههنا ما وقع من قصد النبي ﷺ الكفار بنفسه أو بجيش من قبله، وقصدهم أعم من أن يكون إلى بلادهم أو إلى الأماكن التي حلّوها حتى دخل مثل أُحد والخندق، انتهى. وقال القسطلاني (٢) تبعًا للعيني: المغازي جمع مغزى، والمغزى يصلح أن يكون مصدرًا تقول: غزا يغزو غزوًا ومغزىً، ويصلح أن يكون موضع الغزو، ولكن كونه مصدرًا متعين ههنا، انتهى من "الفتح" بزيادة. قلت: والغزوة في اصطلاح المحدثين وأهل السير: ما خرج فيها النبي ﷺ بنفسه الشريفة ويقابلها السرية، وهو ما لم يحضره بنفسه الشريفة، وهذا هو المعروف صرّح به الزرقاني على "المواهب" (٣) وغيره كما ذكر في هامش "اللامع" (٤)، إلا أن الإمام البخاري رحمه الله تعالى لم يفرق بينهما، ولذا ذكر في كتاب المغازي السرايا والبعوث أيضًا، ويؤيده ما تقدم من كلام الحافظ.

стр. 2219

وكتب الشيخ قُدِّس سرُّه في "اللامع": ثم إن الغزوة هي الخروج على قصد الجهاد سواء وقع حرب بينهم أو لا، واختصت بما فيها النبي ﷺ بنفسه النفيسة، والسرية تقابلها، انتهى. وسيأتي الكلام على تعريف السرية وغيرها من الأسماء في "باب السرية قبل نجد". (١ - باب غزوة العشيرة أو العسيرة) هكذا في النسخ الهندية و"العيني" و"القسطلاني"، وفي نسخة "الفتح": "باب غزوة العشيرة" بدون زياده قوله: "أو العسيرة". قال القسطلاني (١): "العشيرة" بضم العين المهملة وفتح الشين المعجمة، "أو العسيرة" بالشك، هل هي بالمعجمة أو بالمهملة، وسقط لأبي ذر لفظ "باب"، وكذا قوله: "أو العسيرة"، ولفظه بعد البسمله: "كتاب المغازي، غزوة العشيرة" حسب، ولابن عساكر "باب في المغازي، غزوة العشيرة أو العسيرة"، انتهى. وبسط العلَّامة العيني في ضبطهما، وقال أيضًا (٢): قال النووي: جاء في "كتاب المغازي" من "صحيح البخاري": العسيرة، أي: بضم المهملة الأولى وفتح الثانية، والعسير بفتح المهملة الأولى وكسر الثانية بحذف الهاء، والمعروف فيها العشيرة بإعجام الشين وبالهاء، انتهى. وفي هامش الهندية عن "التوشيح" (٣): "العشيرة" بالمعجمة، وهو الصواب، وعليه اتفق أهل السير، انتهى. وفي "تاريخ الخميس" (٤): وفي البخاري: "العشير أو العسيرة" بالتصغير، والأولى بالمعجمة بلا هاء، والثانية بالمهملة وبالهاء، وأما غزوة العسرة بالمهملة بغير تصغير فهي غزوة تبوك، انتهى.

стр. 2220

قال الحافظ (١): ومكانها - أي: العشيرة - عند منزل الحج بينبع، ليس بينهما وبين البلد إلا الطريق، وخرج في خمسين ومائة، وقيل: مائتين، واستخلف فيها أبا سلمة بن عبد الأسد، انتهى. قوله: (وقال ابن إسحاق: أول ما غزا النبي ﷺ الأبواء. . .) إلخ، كتب الشيخ قُدِّس سرُّه في "اللامع" (٢): اختلف في الأولى منها، ورأي البخاري أنها العشيرة كما أيّده بقول قتادة، غير أن مقالة ابن إسحاق كانت بمنزلة عنده، فأورده أيضًا، ومن دأبه أن لا يبالي بما لم يعتد به من المقالات عند الاختلاف، انتهى. وفي هامشه: ما أفاده الشيخ قُدِّس سرُّه هو الظاهر من تبويب البخاري فإنه بدأ كتاب المغازي بـ "باب غزوة العشيرة"، لكن المعروف عند أهل السير هو ما قاله ابن إسحاق، كما سيأتي. والأوجه عند هذا العبد الضعيف المبتلى بالسيئات المعترف بالتقصيرات أن غرض الإمام البخاري من ذكر هذه الغزوة في مبدإ الكتاب ليس هو كونها أول المغازي، بل المقصود ذكره هذه الغزوة خاصة لا الإشارة إلى كونها أول المغازي، ولما كان يتوهم من قول زيد بن أرقم كونها أول المغازي دفعها بقول ابن إسحاق، فرأي الإمام البخاري في هذا هو ما قال ابن إسحاق، كما هو المعروف عند أهل السير، ففي "المجمع" (٣): خرج ﷺ غازيًا في ثاني عشر صفر غزوة الأبواء، ثم قال: وغزا غزوة بواط في ربيع الأول، ثم غزا في جمادى الأولى غزوة العشيرة، انتهى مختصرًا. وهكذا ذكر هذه الثلاثة بهذا الترتيب في "سيرة ابن هشام" (٤)، وقال

стр. 2221

صاحب "المواهب" (١)، أول المغازي ودان وهي الأبواء، وهي أول مغازيه ﷺ كما ذكره ابن إسحاق وغيره، انتهى. وفي "الخير الجاري" كما في هامش "الهندية" (٢): اختلفوا في أول الغزوات، قال محمد بن إسحاق وجماعة: أولها غزوة أبواء، ثم بواط، ثم عشيرة، والأول أرجح عند الشيخ ابن حجر، انتهى. فعند هذا العبد الضعيف رأي الإمام البخاري في هذه المسألة موافق لرأي الجمهور، وهو قول ابن إسحاق، لكن يرد عليه ذكر المصنف غزوة العشيرة في مبدإ المغازي ووجهه عندي وخاطري أبو عذره أن أصل غرض المصنف بيان قصة بدر الكبرى، ولما كان غزوة العشيرة مقدمة لها ذكرها قبله كالتقدمة لها، وذلك أن هذه العير التي خرج إليها رسول الله ﷺ في غزوة العشيرة كانت ذاهبة إلى الشام، ولما رجعت هذه من الشام تعرض لها النبي ﷺ مرة أخرى عند الرجوع، ووقعت غزوة بدر الكبرى لهذه العير. قال القسطلاني في "المواهب" (٣) في ذكر غزوة العشيرة: خرج إليها رسول الله ﷺ في خمسين ومائة رجل، وقيل: في مائتين، يريد عير قريش التي صدرت من مكة إلى الشام بالتجارة، وكان قريش جمع أموالها في تلك العير، ويقال: إن فيها خمسين ألف دينار وألف بعير، فخرج إليهما ليغنمها فوجدها قد مضت قبل ذلك بأيام، وهي العيرة التي خرج إليها حين رجعت من الشام، فكان بسببها وقعة بدر الكبرى كما في "العيون" وغيرها، انتهى بزياده من الزرقاني، فتدبر وتشكر. وأما ما وقع في رواية زيد بن أرقم عند البخاري من أن أولها العشيرة فهذا مخالف لما هو المعروف بين أهل السير، ولذا أوّلوا قوله بوجوه: منها

стр. 2222

ما حكاه الحافظ (١) عن ابن التِّين: أن يحمل قول زيد بن أرقم على أن العشيرة أول ما غزا هو - أي: زيد بن أرقم -، والتقدير فقلت: ما أول غزوة غزاها - أي: وأنت معه -؟ قال: العشيرة، وغير ذلك من الوجوهات كما ذكر في هامش "اللامع" (٢). قوله: (أبواء) قال العلَّامة العيني (٣): قال الواقدي: هي أول غزوة غزاها رسول الله ﷺ بنفسه، ويقال لها: غزوة ودان بفتح الواو وتشديد الدال، وقال ابن إسحاق: خرج النبي ﷺ غازيًا في صفر على رأس اثني عشر شهرًا من مقدمه المدينة، وقال ابن هشام: واستعمل على المدينة سعد بن عبادة، وقال ابن جرير: يريد قريشًا وبني ضمرة بن بكر بن عبد مناف من كنانة، فوادعته فيها بنو ضمرة، ورجع رسول الله ﷺ ، ولم يلق كيدًا، والأبواء بفتح الهمزة وبالباء الموحدة الساكنة ممدودًا: موضع معروف بين مكة والمدينة، وهي إلى المدينة أقرب، كأنه سمي بجمع: بو، وهو جلد ولد الإبل المحشي بالتين، وودّان بفتح الواو وتشديد الدال المهملة على وزن فعلان، قال البكري: قرية من أمهات القرى، وقال ياقوت: بينها وبين أبواء ثمانية أميال، انتهى. وفي "التلقيح" (٤) لابن الجوزي بعد ذكر سرية سعد بن أبي وقاص إلى الخرّار: ثم غزوة الأبواء، يعترض لعير قريش، وهي أول غزوة غزاها رسول الله ﷺ بنفسه، ثم غزوة بواط يعترض لعير قريش، انتهى. قال العلَّامة العيني (٥): بواط بضم الباء الموحدة وتخفيف الواو، قال الصغاني: بواط جبل من جبال جهينة، بين بواط والمدينة ثلاثة برد أو أكثر، وقال ابن إسحاق: غزا رسول الله ﷺ في شهر ربيع الأول، يعني: من السنة

стр. 2223

الثانية من الهجرة يريد قريشًا، واستعمل على المدينة السائب بن عثمان بن مظعون، وقال الواقدي: استخلف عليها سعد بن معاذ، وكان رسول الله ﷺ في مائتي راكب، وكان لواؤه مع سعد بن أبي وقاص، وكان قصده أن يتعرض لعير قريش، وكان فيه أمية بن خلف ومائة رجل وخمسمائة بعير، قال ابن إسحاق: حتى بلغ بواط ثم رجع إلى المدينة ولم يلق فيها كيدًا، انتهى. قوله: (كم غزا النبي ﷺ ؟ قال: تسع عشرة) قال الحافظ (١): كذا قال، ومراده الغزوات التي خرج النبي ﷺ فيها بنفسه، سواء قاتل أو لم يقاتل، لكن روى أبو يعلى من طريق أبي الزبير عن جابر: أن عدد الغزوات إحدى وعشرون، وإسناده صحيح، وأصله في مسلم، فعلى هذا ففات زيد بن أرقم ذكر ثنتين منها، ولعلهما الأبواء وبواط، وكأن ذلك خفي عليه لصغره، ويؤيد ما قلته ما وقع عند مسلم بلفظ: "قلت: ما أول غزوة غزاها؟ قال: ذات العشير أو العشيرة"، انتهى. والعشيرة كما تقدم هي الثالثة، إلى آخر ما بسط الحافظ. وكتب الشيخ قُدِّس سرُّه في "اللامع" (٢): وقد اختلف في عدد الغزوات، ومنشأ الاختلاف اعتبارات الرواة، فكم من راو جعل السفرة الواحدة من المدينة غزوةً واحدةً وإن تضمنت غزوات، فعدّ على رأيه هذا غزوة الفتح وطائفًا وحنينًا وأوطاس واحدةً، ولا ضير فيه، وآخر نظر إلى وقوع محاربة ولو قليلًا، إلى غير ذلك من الاعتبارات، مع أن مفهوم العدد لا معتبر به عند الثقات، انتهى. وبسط في هامشه الكلام على عدد الغزوات، وفيه: وحصل من مجموع ذلك أنهم اختلفوا في ذلك على سبعة أقوال: من تسعة عشر إلى سبع وعشرين، ما عدا العشرين وثلاث وعشرين، ثم قال الزرقاني: وقاتل في

стр. 2224

تسع منها بنفسه، قال ابن تيمية: لا يعلم أنه قاتل في غزاة إلا في أُحد، ولم يقتل أحدًا إلا أُبيّ بن خلف فيها، فلا يفهم من قولهم: قاتل في كذا أنه قاتل بنفسه كما فهمه بعض الطلبة ممن لا اطلاع له على أحواله ﵊، وأجيب بأن المراد قتال أصحابه بحضوره فنسب إليه، ولم يقع في باقي الغزوات قتال منه ولا منهم، وأما السرايا فكانت سراياه والبعوث التي بعث فيها سبعًا وأربعين سرية كما رواه ابن سعد عمن ذكر في عدد المغازي، وبه جزم في أول "الاستيعاب"، والذي في "النور": قال ابن عبد البر في ديباجة "الاستيعاب": كانت بعوثه وسراياه خمسًا وثلاثين، وقال ابن إسحاق: رواية البكائي ثمانيًا وثلاثين، وفي "الفتح": عن ابن إسحاق: ستًّا وثلاثين، والواقدي: ثمانيًا وأربعين، وابن الجوزي: ستًا وخمسين، والمسعودي: ستين، ومحمد بن نصر المروزي: سبعين، والحاكم في "الإكليل": أنها فوق المائة، قال العراقي: ولم أجده لغيره، وقال الحافظ: لعله أراد بضم المغازي إليها، وقرأت بخط مغلطائي: أن مجموع الغزوات والسرايا مائة، وهو كما قال، انتهى. وسيأتي تفصيل الكلام عليه في آخر المغازي في "باب كم غزا النبي ﷺ ؟ " (٢ - باب ذكر النبي ﷺ من يقتل ببدر) أي: قبل وقعة بدر بزمان، فكان كما قال، ووقع عند مسلم من حديث أنس عن عمر قال: "إن النبي ﷺ ليرينا مصارع أهل بدر يقول: هذا مصرع فلان غدًا إن شاء الله تعالى، وهذا مصرع فلان، فوالذي بعثه بالحق ما أخطأوا تلك الحدود" الحديث، وهذا وقع وهم ببدر في الليلة التي التقوا في صبيحتها، بخلاف حديث الباب فإنه قبل ذلك بزمان، انتهى من "الفتح" (١).

стр. 2225

وفي "القسطلاني" (١): وسقط لفظ "باب" لأبي ذر، وفي نسخة: "باب ذكر من قتل ببدر"، انتهى. (٣ - باب قصة غزوة بدر) هكذا في "العيني" و"القسطلاني"، وفي نسخة "الفتح": سقط لفظ "باب". قال القسطلاني (٢): وللأصيلي وابن عساكر وأبي ذر "قصة بدر"، وسقط لفظ "باب" لأبي ذر، وقال في "الفتح": ثبت لفظ: "باب" في رواية كريمة، وبدر بالفتح والسكون: قرية مشهورة نسبت إلى بدر بن مخلد بن النضر بن كنانة كان نزلها، أو بدر اسم بئر بها، سميت بذلك لاستدارتها أو لصفاء مائها، وكان البدر يُرى فيها، وكذا في "الفتح" (٣)، وزاد: وحكى الواقدي إنكار ذلك كله عن غير واحد من شيوخ بني غفار، وإنما هي مأوانا ومنازلنا وما ملكها أحد قط يقال له بدر، وإنما هو علم عليها كغيرها من البلاد. قوله: (﴿وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ﴾) [آل عمران: ١٢٣]، أي: قليلون بالنسبة إلى من لقيهم من المشركين، ومن جهة أنهم كانوا مشاة إلا القليل منهم، ومن جهة أنهم كانوا عارين من السلاح، وكان المشركون على العكس من ذلك، والسبب في ذلك أن النبي ﷺ ندب الناس إلى تلقي أبي سفيان لأخذ ما معه من أموال قريش، وكان من معه قليلًا، فلم يظن أكثر الأنصار أنه يقع قتال فلم يجز معه منهم إلا القليل، ولم يأخذوا أهبة الاستعداد كما ينبغي، بخلاف المشركين فإنهم خرجوا مستعدين ذابين عن أموالهم. وأما قوله: (﴿إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾) [آل عمران: ١٢٤] فاختلف فيها أهل التأويل، فمنهم من قال: هي متعلقة بقوله: ﴿نَصَرَكُمُ﴾ فعلى هذا هي في

стр. 2226

قصة بدر، وعليه عمل المصنف، وهو قول الأكثر، وبه جزم الداودي، وأنكره ابن التِّين فذهل، وقيل: هي متعلقة بقوله: ﴿وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ﴾ الآية [آل عمران: ١٢١]، فعلى هذا هي متعلقة لغزوة أُحد، وهو قول عكرمة وطائفة، ثم ذكر الحافظ تأييد الأول ثم قال: وقد لمح المصنف بالاختلاف في النزول فذكر قوله تعالى: ﴿وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ﴾ في غزوة أُحد، وكذلك قوله: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ [آل عمران: ١٢٨] وذكر ما عدا ذلك في غزوة بدر، وهو المعتمد، انتهى من "الفتح" (١). وفي "تاريخ الخميس" (٢): وفي هذه السنة - أي: الثانية من الهجرة - وقعت غزوة بدر الكبرى، في "معالم التنزيل" و"سيرة ابن هشام": قال ابن إسحاق: كانت وقعة بدر يوم الجمعة صبيحة السابع عشر من رمضان على رأس ثمانية عشر شهرًا من الهجرة، وقيل: التاسع عشر من رمضان، والأول أصح، وكذا في "المنتقى"، وفي "المواهب اللدنية": بعد الهجرة بتسعة عشر شهرًا، وكان خروج المسلمين من المدينة لاثنتي عشرة ليلة مضت من رمضان، وقال ابن هشام: لثمان ليال خلون من رمضان، وفي "الاستيعاب": وكانت غزوة بدر في السنة الثانية من الهجرة لسبع عشرة ليلة خلت من رمضان، وليس في غزواته ما يعدل بها في الفضل، ويقرب منها غزوة الحديبية حيث كان فيها بيعة الرضوان. وقال ابن هشام (٣): خرج يوم الاثنين لثمان ليال خلون من شهر رمضان، واستعمل على المدينة عمرو ابن أم مكتوم - ويقال: اسمه عبد الله بن أم مكتوم - على الصلاة بالناس، ثم رد أبا لبابة من الروحاء، واستعمله على المدينة، وكان المسلمون ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلًا على عدد أصحاب طالوت يوم جالوت الذين جاوزوا معه النهر، وقد ذكرهما الإمام

стр. 2227

البخاري في "صحيحه"، وفي "المواهب": كان عدد المشركين ألفًا، ويقال: تسعمائة وخمسين رجلًا، انتهى. وفي "المجمع" (١): خرج رسول الله ﷺ إليه يوم السبت لاثنتي عشرة من رمضان، انتهى. (٤ - باب قول الله تعالى: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ﴾ الآية [الأنفال: ٩]) قال الحافظ (٢): أورد البخاري فيه حديثين، فقصة المقداد فيها بيان ما وقع قبل الوقعة، وحديث ابن عباس فيه بيان الاستغاثة، وقوله: ﴿أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ﴾ [الأنفال: ٩] وهذا آية الأنفال، تقدم ما يخالفه في العدد من آية آل عمران. قال الحافظ (٣): روى ابن أبي حاتم بسند صحيح إلى الشعبي: أن المسلمين بلغهم يوم بدر أن كرز بن جابر يمد المشركين، فأنزل الله تعالى: ﴿أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلَاثَةِ آلَافٍ﴾ الآية [آل عمران: ١٢٤]، قال: فلم يمد كرز المشركين ولم يمد المسلمين بالخمسة، ومن طريق سعيد عن قتادة قال: "أمد الله المسلمين بخمسة آلاف من الملائكة"، وعن الربيع بن أنس قال: "أمد الله المسلمين يوم بدر بألف، ثم زادهم فصاروا ثلاثة آلاف، ثم زادهم فصاروا خمسة آلاف"، قال الحافظ: وكأنه جمع بذلك بين آيتي آل عمران والأنفال، انتهى. قوله: (﴿إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً﴾) [الأنفال: ١١] قال العلَّامة القسطلاني (٤): قال ابن مسعود: النعاس في القتال أمنة من الله تعالى، وفي الصلاة من الشيطان لعنه الله تعالى، وقال قتادة: النعاس في الرأس والنوم
следующие страницы →