← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 853

الأبواب والتراجم لصحيح البخاري

محمد زكريا الكاندهلوي

Полный текст (3 740 стр.). Показаны 2223–2262 · переход к 2228.

стр. 2223

الثانية من الهجرة يريد قريشًا، واستعمل على المدينة السائب بن عثمان بن مظعون، وقال الواقدي: استخلف عليها سعد بن معاذ، وكان رسول الله ﷺ في مائتي راكب، وكان لواؤه مع سعد بن أبي وقاص، وكان قصده أن يتعرض لعير قريش، وكان فيه أمية بن خلف ومائة رجل وخمسمائة بعير، قال ابن إسحاق: حتى بلغ بواط ثم رجع إلى المدينة ولم يلق فيها كيدًا، انتهى. قوله: (كم غزا النبي ﷺ ؟ قال: تسع عشرة) قال الحافظ (١): كذا قال، ومراده الغزوات التي خرج النبي ﷺ فيها بنفسه، سواء قاتل أو لم يقاتل، لكن روى أبو يعلى من طريق أبي الزبير عن جابر: أن عدد الغزوات إحدى وعشرون، وإسناده صحيح، وأصله في مسلم، فعلى هذا ففات زيد بن أرقم ذكر ثنتين منها، ولعلهما الأبواء وبواط، وكأن ذلك خفي عليه لصغره، ويؤيد ما قلته ما وقع عند مسلم بلفظ: "قلت: ما أول غزوة غزاها؟ قال: ذات العشير أو العشيرة"، انتهى. والعشيرة كما تقدم هي الثالثة، إلى آخر ما بسط الحافظ. وكتب الشيخ قُدِّس سرُّه في "اللامع" (٢): وقد اختلف في عدد الغزوات، ومنشأ الاختلاف اعتبارات الرواة، فكم من راو جعل السفرة الواحدة من المدينة غزوةً واحدةً وإن تضمنت غزوات، فعدّ على رأيه هذا غزوة الفتح وطائفًا وحنينًا وأوطاس واحدةً، ولا ضير فيه، وآخر نظر إلى وقوع محاربة ولو قليلًا، إلى غير ذلك من الاعتبارات، مع أن مفهوم العدد لا معتبر به عند الثقات، انتهى. وبسط في هامشه الكلام على عدد الغزوات، وفيه: وحصل من مجموع ذلك أنهم اختلفوا في ذلك على سبعة أقوال: من تسعة عشر إلى سبع وعشرين، ما عدا العشرين وثلاث وعشرين، ثم قال الزرقاني: وقاتل في

стр. 2224

تسع منها بنفسه، قال ابن تيمية: لا يعلم أنه قاتل في غزاة إلا في أُحد، ولم يقتل أحدًا إلا أُبيّ بن خلف فيها، فلا يفهم من قولهم: قاتل في كذا أنه قاتل بنفسه كما فهمه بعض الطلبة ممن لا اطلاع له على أحواله ﵊، وأجيب بأن المراد قتال أصحابه بحضوره فنسب إليه، ولم يقع في باقي الغزوات قتال منه ولا منهم، وأما السرايا فكانت سراياه والبعوث التي بعث فيها سبعًا وأربعين سرية كما رواه ابن سعد عمن ذكر في عدد المغازي، وبه جزم في أول "الاستيعاب"، والذي في "النور": قال ابن عبد البر في ديباجة "الاستيعاب": كانت بعوثه وسراياه خمسًا وثلاثين، وقال ابن إسحاق: رواية البكائي ثمانيًا وثلاثين، وفي "الفتح": عن ابن إسحاق: ستًّا وثلاثين، والواقدي: ثمانيًا وأربعين، وابن الجوزي: ستًا وخمسين، والمسعودي: ستين، ومحمد بن نصر المروزي: سبعين، والحاكم في "الإكليل": أنها فوق المائة، قال العراقي: ولم أجده لغيره، وقال الحافظ: لعله أراد بضم المغازي إليها، وقرأت بخط مغلطائي: أن مجموع الغزوات والسرايا مائة، وهو كما قال، انتهى. وسيأتي تفصيل الكلام عليه في آخر المغازي في "باب كم غزا النبي ﷺ ؟ " (٢ - باب ذكر النبي ﷺ من يقتل ببدر) أي: قبل وقعة بدر بزمان، فكان كما قال، ووقع عند مسلم من حديث أنس عن عمر قال: "إن النبي ﷺ ليرينا مصارع أهل بدر يقول: هذا مصرع فلان غدًا إن شاء الله تعالى، وهذا مصرع فلان، فوالذي بعثه بالحق ما أخطأوا تلك الحدود" الحديث، وهذا وقع وهم ببدر في الليلة التي التقوا في صبيحتها، بخلاف حديث الباب فإنه قبل ذلك بزمان، انتهى من "الفتح" (١).

стр. 2225

وفي "القسطلاني" (١): وسقط لفظ "باب" لأبي ذر، وفي نسخة: "باب ذكر من قتل ببدر"، انتهى. (٣ - باب قصة غزوة بدر) هكذا في "العيني" و"القسطلاني"، وفي نسخة "الفتح": سقط لفظ "باب". قال القسطلاني (٢): وللأصيلي وابن عساكر وأبي ذر "قصة بدر"، وسقط لفظ "باب" لأبي ذر، وقال في "الفتح": ثبت لفظ: "باب" في رواية كريمة، وبدر بالفتح والسكون: قرية مشهورة نسبت إلى بدر بن مخلد بن النضر بن كنانة كان نزلها، أو بدر اسم بئر بها، سميت بذلك لاستدارتها أو لصفاء مائها، وكان البدر يُرى فيها، وكذا في "الفتح" (٣)، وزاد: وحكى الواقدي إنكار ذلك كله عن غير واحد من شيوخ بني غفار، وإنما هي مأوانا ومنازلنا وما ملكها أحد قط يقال له بدر، وإنما هو علم عليها كغيرها من البلاد. قوله: (﴿وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ﴾) [آل عمران: ١٢٣]، أي: قليلون بالنسبة إلى من لقيهم من المشركين، ومن جهة أنهم كانوا مشاة إلا القليل منهم، ومن جهة أنهم كانوا عارين من السلاح، وكان المشركون على العكس من ذلك، والسبب في ذلك أن النبي ﷺ ندب الناس إلى تلقي أبي سفيان لأخذ ما معه من أموال قريش، وكان من معه قليلًا، فلم يظن أكثر الأنصار أنه يقع قتال فلم يجز معه منهم إلا القليل، ولم يأخذوا أهبة الاستعداد كما ينبغي، بخلاف المشركين فإنهم خرجوا مستعدين ذابين عن أموالهم. وأما قوله: (﴿إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾) [آل عمران: ١٢٤] فاختلف فيها أهل التأويل، فمنهم من قال: هي متعلقة بقوله: ﴿نَصَرَكُمُ﴾ فعلى هذا هي في

стр. 2226

قصة بدر، وعليه عمل المصنف، وهو قول الأكثر، وبه جزم الداودي، وأنكره ابن التِّين فذهل، وقيل: هي متعلقة بقوله: ﴿وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ﴾ الآية [آل عمران: ١٢١]، فعلى هذا هي متعلقة لغزوة أُحد، وهو قول عكرمة وطائفة، ثم ذكر الحافظ تأييد الأول ثم قال: وقد لمح المصنف بالاختلاف في النزول فذكر قوله تعالى: ﴿وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ﴾ في غزوة أُحد، وكذلك قوله: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ [آل عمران: ١٢٨] وذكر ما عدا ذلك في غزوة بدر، وهو المعتمد، انتهى من "الفتح" (١). وفي "تاريخ الخميس" (٢): وفي هذه السنة - أي: الثانية من الهجرة - وقعت غزوة بدر الكبرى، في "معالم التنزيل" و"سيرة ابن هشام": قال ابن إسحاق: كانت وقعة بدر يوم الجمعة صبيحة السابع عشر من رمضان على رأس ثمانية عشر شهرًا من الهجرة، وقيل: التاسع عشر من رمضان، والأول أصح، وكذا في "المنتقى"، وفي "المواهب اللدنية": بعد الهجرة بتسعة عشر شهرًا، وكان خروج المسلمين من المدينة لاثنتي عشرة ليلة مضت من رمضان، وقال ابن هشام: لثمان ليال خلون من رمضان، وفي "الاستيعاب": وكانت غزوة بدر في السنة الثانية من الهجرة لسبع عشرة ليلة خلت من رمضان، وليس في غزواته ما يعدل بها في الفضل، ويقرب منها غزوة الحديبية حيث كان فيها بيعة الرضوان. وقال ابن هشام (٣): خرج يوم الاثنين لثمان ليال خلون من شهر رمضان، واستعمل على المدينة عمرو ابن أم مكتوم - ويقال: اسمه عبد الله بن أم مكتوم - على الصلاة بالناس، ثم رد أبا لبابة من الروحاء، واستعمله على المدينة، وكان المسلمون ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلًا على عدد أصحاب طالوت يوم جالوت الذين جاوزوا معه النهر، وقد ذكرهما الإمام

стр. 2227

البخاري في "صحيحه"، وفي "المواهب": كان عدد المشركين ألفًا، ويقال: تسعمائة وخمسين رجلًا، انتهى. وفي "المجمع" (١): خرج رسول الله ﷺ إليه يوم السبت لاثنتي عشرة من رمضان، انتهى. (٤ - باب قول الله تعالى: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ﴾ الآية [الأنفال: ٩]) قال الحافظ (٢): أورد البخاري فيه حديثين، فقصة المقداد فيها بيان ما وقع قبل الوقعة، وحديث ابن عباس فيه بيان الاستغاثة، وقوله: ﴿أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ﴾ [الأنفال: ٩] وهذا آية الأنفال، تقدم ما يخالفه في العدد من آية آل عمران. قال الحافظ (٣): روى ابن أبي حاتم بسند صحيح إلى الشعبي: أن المسلمين بلغهم يوم بدر أن كرز بن جابر يمد المشركين، فأنزل الله تعالى: ﴿أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلَاثَةِ آلَافٍ﴾ الآية [آل عمران: ١٢٤]، قال: فلم يمد كرز المشركين ولم يمد المسلمين بالخمسة، ومن طريق سعيد عن قتادة قال: "أمد الله المسلمين بخمسة آلاف من الملائكة"، وعن الربيع بن أنس قال: "أمد الله المسلمين يوم بدر بألف، ثم زادهم فصاروا ثلاثة آلاف، ثم زادهم فصاروا خمسة آلاف"، قال الحافظ: وكأنه جمع بذلك بين آيتي آل عمران والأنفال، انتهى. قوله: (﴿إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً﴾) [الأنفال: ١١] قال العلَّامة القسطلاني (٤): قال ابن مسعود: النعاس في القتال أمنة من الله تعالى، وفي الصلاة من الشيطان لعنه الله تعالى، وقال قتادة: النعاس في الرأس والنوم

стр. 2228

في القلب، وقال ابن كثير: أما النعاس فقد أصابهم يوم أحد، وأما يوم بدر فتدل له هذه الآية أيضًا، انتهى. (٥ - باب) بغير ترجمة، قال الحافظ (١): كذا للجميع بغير ترجمة، ووقع في شرح شيخنا ابن الملقن: "باب فضل من شهد بدرًا" وتبع في ذلك بعض النسخ، وهو خطأ من جهة أن هذه الترجمة بعينها ستأتي فيما بعد، فلا معنى لتكرارها، انتهى. (٦ - باب عدة أصحاب بدر) أي: الذين شهدوا الوقعة مع النبي ﷺ ، ومن ألحق بهم، انتهى من "الفتح" (٢). قلت: وبسط الحافظ في عدد من شهد بدرًا، وذكر اختلاف الروايات فيه، والجمع بينها، وقال أيضًا: ولأحمد والبزار والطبراني من حديث ابن عباس: كان أهل بدر ثلاثمائة وثلاثة عشر، قال: وهذا هو المشهور عند ابن إسحاق وجماعة من أهل المغازي، انتهى. قوله: (وكان المهاجرون يوم بدر نيفًا على ستين) قال الحافظ: كذا في هذه الرواية، وسيأتي في آخر الكلام على هذه الغزوة أنهم كانوا ثمانين أو زيادة، انتهى. (٧ - باب دعاء النبي ﷺ على كفار قريش. . .) إلخ المراد دعاؤه ﷺ السابق وهو بمكة، وقد مضى بيانه في كتاب الطهارة، حيث أورده المصنف من حديث ابن مسعود المذكور في هذا الباب بأتم منه سياقًا، وأورده في الطهارة لقصة سلى الجزور ووضعه على

стр. 2229

ظهر المصلي فلم تفسد صلاته، وفي الصلاة مستدلًا به على أن ملاصقة المرأة في الصلاة لا تفسدها، وفي الجهاد في "باب الدعاء على المشركين"، وفي الجزية مستدلًا به على أن جيف المشركين لا يفادى بها، وفي المبعث في "باب ما لقي المسلمون من المشركين بمكة"، ثم قال: (تنبيه): ثبتت هذه الترجمة للأكثر، وسقطت لأبي ذر عن المستملي والكشميهني، وثبوتها أوجه، إذ لا تعلق لحديثها بباب عدة أهل بدر، انتهى من "الفتح" (١). قلت: وهؤلاء الذين دعا عليهم النبي ﷺ هم الذين كانوا صرعى ببدر، كما في حديث الباب، وبهذه المناسبة ذكر المصنف هذا الباب في قصة بدر كما في "الخير الجاري". (٨ - باب قتل أبي جهل) قال العلَّامة العيني (٢): أي: بيان كيفية قتله، وهذه الترجمة ثبتت لغير أبي ذر، قيل - والقائل الحافظ ﵀: سقوطها أوجه؛ لأن فيه هلاك غير أبي جهل أيضًا. قلت: وفي بعض النسخ أيضًا "باب قتل أبي جهل وغيره" فعلى هذا ثبوتها أوجه، انتهى. قلت: ويشكل ههنا أنه ليس في بعض أحاديث الباب ذكر قتل أبي جهل، فيمكن أن يقال في الجواب عنه: أن هذه الترجمة من الأصل السادس من أصول التراجم، وهو الذي يقال له: باب في باب، فعلى هذا يكفي مناسبة تلك الروايات بالباب السابق فتأمل، وجواب آخر وهو أن في بعض النسخ ههنا "باب قتل أبي جهل وغيره" كما تقدم في كلام العيني،

стр. 2230

ولعله لهذا قال العلَّامة العيني في أحاديث الباب: مطابقته للترجمة ظاهرة، مع أنه ليس في بعضها ذكر أبي جهل. ثم إنهم اختلفوا في قاتل أبي جهل بسطه الحافظ وغيره، وفي هامش "الهندية" (١): قوله: "ضربه ابنا عفراء" هما معاذ ومعوذ، وفي مسلم أن اللذين قتلاه معاذ بن عمرو بن الجموع ومعاذ بن عفراء هو ابن الحارث، وعفراء أمه، وروي أن ابن مسعود هو الذي أجهز فيه، وأخذ رأسه، قال الشيخ يحمل هذا على أن الثلاثة اشتركوا في قتله، وكان الإثخان من معاذ بن عمرو بن الجموع، وجاء ابن مسعود بعد ذلك، وفيه رمق فجزّ رأسه، كذا في الطيبي. قال الكرماني: قال النووي: قتله معاذ بن عمرو وابن عفراء، قلت: لعل القتل كان بفعل الكل فأسند كل راو إلى ما رواه من القرب أو زيادة الأثر على حسب اعتقاده، وقول ابن عبد البر: الأصح أنه قد ضربه ابنا عفراء حتى برد، أي: مات، كذا في الكرماني، انتهى من هامش الهندية. (تنبيه): قال الإمام أبو داود في "سننه" في "باب الأسير يوثق" قال أبو داود: وهما - أي: عوف ومعوذ - قتلا أبا جهل بن هشام، وكانا انتدبا له ولم يعرفاه، قال الشيخ في "البذل" (٢): قلت: اللذان قتلا أبا جهل هما معاذ ومعوذ ابنا عفراء، وفي بعض الروايات ذكر معاذ بن عمرو بن الجموح، ولم أر أحدًا ذكر عوفًا فيمن قتل أبا جهل إلا أبا داود وابن سعد، فإنه قال في "طبقاته" (٣): وقتل عوف بن الحارث يوم بدر شهيدًا، قتله أبو جهل بن هشام بعد أن ضربه عوف وأخوه معوذ ابنا الحارث، فأثبتاه إلى أن قال: ولكن قاتل أبي جهل الذين ذكروا في البخاري ومسلم هم ثلاثة، معاذ ومعوذ ابنا عفراء ومعاذ بن عمرو بن الجموح، ولم أر لعوف ذكرًا وشركة في قتل أبي جهل، انتهى.

стр. 2231

وفي "عون المعبود" (١): المشهور في الروايات أن ابني عفراء اللذين قتلا أبا جهل هما معاذ ومعوذ، انتهى. قوله: (ضرب ثنتين يوم بدر. . .) إلخ، تعارضت ههنا بين رواية معمر عن هشام وبين رواية عبد الله بن المبارك، ففي رواية معمر: "ضرب ثنتين يوم بدر فواحدة يوم اليرموك"، وفي رواية ابن المبارك بلفظ "ضربتين على عاتقه بينهما ضربة ضرب بها يوم بدر"، واختلفوا في الجمع بينهما كما ذكر في هامش "اللامع"، وكتب الشيخ في "اللامع" (٢): ليس المقصود أنه لم يضرب يوم اليرموك إلا واحدة، لما سيجيء أنه ضرب يوم اليرموك ضربتين، بل المراد أنه ضرب يوم اليرموك ضربة بين ضربتي يوم بدر، وكانت ضربة من ضربتي يوم اليرموك على طرف الضربات، فالحاصل أن الضربات صارت أربعًا لكل يوم ضربتان، غير أن ضربتي يوم اليرموك وقعتا بحيث صارت ضربة من ضربتي يوم بدر بينهما، وكانت الضربة الثانية من ضربتي يوم بدر على طرف الضربات، ثم أوضحه الشيخ بالشكل، فارجع إليه لو شئت. قوله: (يقول حين تَبَوَّءُوا. . .) إلخ، كتب الشيخ في "اللامع" (٣): إشارة إلى تفسير قوله: "الآن" فالضمير عائد إليه ﷺ ، والمراد بتبوء المقاعد من النار ابتلاؤهم في عذاب القبر ومصائب البرزخ، وهو تفسير من بعض الرواة، انتهى. وفي هامشه: ما أفاده الشيخ قُدِّس سرُّه أوجه وأوضح مما قالته الشرَّاح ههنا، وذكر فيه كلام الشرَّاح. (٩ - باب فضل من شهد بدرًا) سقط لفظ الباب لأبي ذر والأصيلي وابن عساكر، قاله القسطلاني (٤).

стр. 2232

قال الحافظ (١): فضل من شهد بدرًا، أي: مع النبي ﷺ من المسلمين مقاتلاً للمشركين، وكأن المراد بيان أفضليتهم لا مطلق فضلهم، انتهى. (١٠ - باب) بغير ترجمة، هذا رجوع إلى أصل القصة، قال الحافظ (٢): كذا في الأصول بغير ترجمة، وهو فيما يتعلق ببدر أيضًا، انتهى. وقال العلَّامة العيني (٣): وكل ما ذكر فيه لا يخلو عن أمر من أمور بدر، وقال (٤) فيما سيأتي في هذا الباب من قول كعب بن مالك: ذكروا مرارة بن الربيع وهلال بن أمية قد شهدا بدرًا: لما كانت هذه الأبواب المذكورة فيما يتعلق بغزوة بدر، والترجمة الأولى في "باب عدة أصحاب بدر" ذكر أن مرارة بن الربيع وهلال بن أمية من أهل بدر، وأنهما داخلان في العدة ردًا على من أنكر من الناس أنهما لم يشهدا بدرًا، إلى آخر ما قال. وسيأتي الاختلاف في كونهما بدريًا أيضًا في "باب حديث كعب بن مالك". (١١ - باب شهود الملائكة بدرًا) تقدم القول في ذلك في "باب قوله تعالى: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ﴾ " [الأنفال: ٩]. قال الحافظ (٥): أخرج يونس بن بكير في "زيادات المغازي" والبيهقي من طريق الربيع بن أنس قال: "كان الناس يوم بدر يعرفون قتلى الملائكة من قتلى الناس بضرب فوق الأعناق وعلى البنان مثل وسم النار" وفي

стр. 2233

"مسند إسحاق" عن جبير بن مطعم قال: "رأيت قبل هزيمة القوم ببدر مثل النجا والأسود أقبل من السماء كالنمل فلم أشك أنها الملائكة، فلم يكن إلا هزيمة القوم"، وعند مسلم من حديث ابن عباس: "بينما رجل مسلم يشتد في أثر رجل مشرك إذ سمع ضربةً بالسوط فوقه وصوت الفارس" الحديث، وفيه: فقال النبي ﷺ : "ذلك مدد من السماء الثالثة". ووقع عند البيهقي من طريق ابن محمد بن جبير بن مطعم، أنه سمع عليًا يقول: "هبّت ريح شديدة لم أر مثلها، ثم هبت ريح شديدة - وأظنه ذكر ثالثة - فكانت الأولى جبريل، والثانية ميكائيل، والثالثة إسرافيل، وكان ميكائيل عن يمين النبي ﷺ وفيها أبو بكر، وإسرافيل عن يساره وأنا فيها"، ومن طريق أبي صالح عن علي قال: قيل لي ولأبي بكر يوم بدر: "مع أحدكما جبريل ومع الآخر ميكائيل، وإسرافيل ملك عظيم يحضر الصف ويشهد القتال"، وأخرجه أحمد وصححه الحاكم، والجمع بينه وبين الذي قبله ممكن، قال الشيخ تقي الدين السبكي: سئلت عن الحكمة في قتال الملائكة مع النبي ﷺ مع أن جبريل قادر على أن يدفع الكفار بريشة من جناحه؟ فقلت: وقع ذلك لإرادة أن يكون الفعل للنبي ﷺ وأصحابه، وتكون الملائكة مددًا على عادة مدد الجيوش رعاية لصورة الأس باب وسُنَّتها التي أجراها الله تعالى في عباده، والله تعالى هو فاعل الجميع، والله أعلم. (١٢ - باب) بغير ترجمة، كذا للجميع بغير ترجمة، وهو فيما يتعلق ببيان من شهد بدرًا، قاله الحافظ (١). قوله: (يقرأ في المغرب بالطور، وذلك أول ما وقر الإيمان) كتب الشيخ في "اللامع" (٢): وكان وروده المدينة في فداء أسارى بدر، وبذلك يصح

стр. 2234

إيراده ههنا، وقوله: (لو كان مطعم بن عدي. . .) إلخ، تأليف لابنه جبير وهو سبب آخر لإيمانه، انتهى. وفي هامشه: قال الحافظ (١): وجه إيراده ههنا ما تقدم في الجهاد أنه كان قدم في أسارى بدر، أي: في طلب فدائهم، انتهى. وقال الكرماني (٢): فإن قلت: تقدم في الجهاد في "باب فداء المشركين" أن جبيرًا حين سمع قراءته في المغرب بالطور كان كافرًا وجاء في المدينة في أسارى بدر، وإنما أسلم بعد ذلك يوم الفتح، قلت: التصريح بالكلمة والتزام أحكام الإسلام كان عند الفتح، وأما حصول وقار الإيمان في صدره فكان في ذلك اليوم، انتهى. وتبعه العيني (٣). قوله: (وقعت الفتنة الأولى) ولم يعد مقتل عمر فتنة؛ لأنه كان قتل رجل فحسب، والفتنة ما يلتبس الأمر فيه على المسلمين، ثم إن المراد بقوله: "فلم تبق من أصحاب بدر أحدًا" ليس هو استيعاب الفتنة هؤلاء الصحابة، بل المراد شروعها في إفنائهم وإهلاكهم حتى انقضوا عن قريب، وذلك في الاثنتين الباقيتين، انتهى من "اللامع" (٤). وذكر في هامشه ما يتعلق بكلام الشرَّاح. (١٣ - باب تسمية من سمي من أهل بدر) كتب الشيخ في "اللامع" (٥): أشار بذلك إلى تفصيل من ورد عليه في كتابه هذا تصريح كونه بدريًا كقوله: شهد بدرًا، أو هو بدري إلى غير ذلك، انتهى. وفي هامشه: يعني: المذكور في هذا الباب أسماء من ذكر فيه

стр. 2235

البخاري أنه بدري في الرواية المتقدمة لا أسماء جميع البدريين، وهكذا في تقرير المكي إذ قال: ليس المراد كل من ذكر في هذا الكتاب، ولا كل من روي عنه الحديث في هذا الكتاب، بل المراد به من قيل في حقه في هذه الأبواب هو بدري أو شهد بدرًا ونحوهما، انتهى. وقال الحافظ (١): قوله: "باب تسمية من سمي من أهل بدر في الجامع" أي: دون من لم يسم فيه، ودون من لم يذكر فيه أصلًا، والمراد بالجامع هذا الكتاب، والمراد بمن سمي من جاء ذكره فيه برواية عنه أو عن غيره بأن شهدها، لا بمجرد ذكره دون التنصيص على أنه شهدها، وبهذا يجاب عن ترك إيراده مثل أبي عبيدة بن الجراح فإنه شهدها باتفاق، وذكر في الكتاب في عدة مواضع، إلا أنه لم يقع في التنصيص على أنه شهد بدرًا، انتهى. قال القسطلاني (٢): قال في "الكواكب": والمقصود منه تسمية من علم في هذا الكتاب أنه من أهل بدر على الخصوص، فكأنه فذلكة وإجمال لما تقدم مفصلًا، لا تسمية المذكورين منهم فيه مطلقًا، إذ كثير ممن لم يختلف في شهوده بدرًا كأبي عبيدة بن الجراح ﵁ لم يذكره ههنا، ولا تسمية من روى حديثًا منهم، فإن كثيرًا من المذكورين ههنا لم يرو حديثًا فيه نحو حارثة وغيره، انتهى. (فائدة): قال الزرقاني: قال العلَّامة الدواني: سمعنا من مشايخ الحديث أن الدعاء عند ذكرهم في البخاري مستجاب، وقد جرّب، انتهى. وهكذا حكاه عن العلَّامة الدواني صاحب "تاريخ الخميس" (٣) وقال: قاله الدواني في "شرح العقائد العضدية".

стр. 2236

ثم لا يذهب عليك أن المذكور في النسخ الهندية التي بأيدينا بعد اسمه الشريف ﷺ : إياس بن البكير، فذكر أسماءهم على ترتيب الحروف المعجم، وهكذا في متن شرح الكرماني، وقال القسطلاني (١): ذكرهم على حروف المعجم إلا رسول الله ﷺ والخلفاء الأربعة فقدمهم لشرفهم، وفي بعضها تقديمه ﷺ فقط. "النبي ﷺ ، أبو بكر الصديق، ثم عمر، ثم عثمان، ثم علي، ثم إياس بن البكير. . ." إلخ، مختصرًا بدون ذكر "ثم" بين النبي ﷺ وأبي بكر، وهكذا الترتيب في شرح العيني موافقًا للقسطلاني، وهكذا الترتيب في "الفتح" بدون ذكر "ثم" في الأسماء كلها، وهكذا في "شرح الكرماني"، وهكذا رواه صاحب "المشكاة" عن البخاري، ولعله مبني على اختلاف نسخ البخاري، انتهى من هامش "اللامع" (٢). قوله: (النبي محمد بن عبد الله الهاشمي ﷺ ) قال الشرَّاح: ذكره تبركًا وإلا فكونه حضر بدرًا من المقطوع به. وقال الحافظ (٣) بعد سرد الأسماء: فجملة من ذكر من أهل بدر ههنا أربعة وأربعون رجلًا، وزاد العيني والقسطلاني في غير النبي ﷺ ، لكن في نسخة "القسطلاني" أربعة وثلاثون بدل أربعة وأربعين، فلعله من زلة الناسخ. قال الحافظ: وقد سبق البخاري إلى ترتيب أهل بدر على حروف المعجم، وهو أضبط لاستيعاب أسمائهم، ولكنه اقتصر على ما وقع عنده منهم، واستوعبهم الحافظ ضياء الدين المقدسي في "كتاب الأحكام"، وبيَّن اختلاف أهل السير في بعضهم، وهو اختلاف غير فاحش، وأورد ابن سيد الناس أسماءهم في "عيون الأثر"، لكن على القبائل، كما صنع ابن إسحاق

стр. 2237

وغيره، واستوعب ما وقع له من ذلك، فزادوا على ثلاثمائة وثلاثة عشر خمسين رجلًا، قال: وسبب الزيادة الاختلاف في بعض الأسماء. قلت: ولولا خشية التطويل لسردت أسماءهم مفصلًا مبينًا للراجح، لكن في هذه الإشارة كفاية، والله المستعان، انتهى. قلت: وهذا على حسب نسخ الشروح، وبحسب النسخ الهندية المذكور ههنا ثلاثة وأربعون غير النبي ﷺ ، وذلك لأنه ليس في النسخ الهندية عتبة بن مسعود الهذلي، وهو موجود في نسخة الشرَّاح، لكنهم تكلموا عليه، وقالوا: لم يتقدم له ذكر في البخاري ولا ذكره أحد ممن صنف في المغازي في البدريين، قال القسطلاني (١): وقد رقم عليه في الفرع علامة السقوط، قال في "الفتح" (٢): وهو ساقط عند النسفي، ولم يذكره الإسماعيلي وأبو نعيم في "مستخرجيهما"، وهو المعتمد، وكذا قالوا في قوله (٣): "رفاعة بن عبد المنذر، أبو لبابة الأنصاري" أنه تقدم في الباب المتقدم آنفًا: قال: حدثه أبو لبابة البدري، قال الدمياطي: إنما هو أخو أبي لبابة، وليس بأبي لبابة، واسم أبي لبابة بشير بن عبد المنذر، انتهى. وقال القسطلاني (٤): قال في "الكواكب": وفائدة ذكرهم معرفة فضيلة السبق، وترجيحهم على غيرهم، والدعاء لهم بالرضوان على التعيين، ﵃ أجمعين، انتهى. (١٤ - باب حديث بني النضير) قال الحافظ (٥): هم قبيلة كبيرة من اليهود، وقد مضت الإشارة إلى التعريف بهم في أوائل الكلام على أحاديث الهجرة، وكان الكفار بعد الهجرة مع النبي ﷺ على ثلاثة أقسام: قسم وادعهم على أن لا يحاربوه

стр. 2238

ولا يمالئوا عليه عدوه، وهم طوائف اليهود الثلاثة: قريظة والنضير وقينقاع، وقسم: حاربوه ونصبوا له العداوة كقريش، وقسم: تاركوه وانتظروا ما يؤول إليه أمره كطوائف من العرب، فمنهم من كان يحب ظهوره في الباطن كخزاعة، وبالعكس كبني بكر، ومنهم من كان معه ظاهرًا ومع عدوه باطنًا، وهم المنافقون، فكان أول من نقض العهد من اليهود بنو قينقاع، فحاربهم في شوال بعد وقعة بدر، فنزلوا على حكمه، وأراد قتلهم فاستوهبهم منه عبد الله بن أبي وكانوا خلفاء فوهبهم له، وأخرجهم من المدينة إلى أذرعات، ثم نقض العهد بنو النضير كما سيأتي، وكان رئيسهم حيي بن أخطب، ثم نقضت قريظة كما سيأتي شرح حالهم بعد غزوة الخندق إن شاء الله تعالى، انتهى. ثم اعلم أن الإمام البخاري ﵀ ذكر غزوة بني النضير ههنا بعد غزوة بدر، وعامة أهل السير ذكروها بعد أُحد، فجمهور أهل السير على أن قصتهم كانت بعد بئر معونة كما حكاه البخاري عن ابن إسحاق، وبعضهم كعروة على أن قصتهم إنما وقعت بعد بدر بستة أشهر، كما حكاه البخاري عنه أولًا، وذلك لأنهم أختلفوا في سبب هذه الغزوة ما هو؟ فالجمهور ومنهم ابن إسحاق ذكروا في سبب هذه الغزوة أنه خرج رسول الله إلى بني النضير ليستعين بهم في دية القتيلين اللذين قتلا بعد وقعة بئر معونة، وكان بين بني النضير وبني عامر عقد وحلف، فلما أتاهم ﵊ ليستعينهم في ديتهما قالوا: نعم يا أبا القاسم اجلس فنتشاور فيما جئتنا به، ثم خلا بعضهم ببعض، فقالوا: إنكم لن تجدوه على مثل هذا الحال منفردًا ليس معه من أصحابه إلا نحو العشرة، فقالوا: من رجل يعلو على هذا البيت فيلقي هذه الصخرة عليه فيقتله ويريحنا منه؟ وأتى رسول الله ﷺ الخبر من السماء بما أراد القوم، فقام ﵊ ورجع مسرعًا إلى المدينة. والسبب الآخر لهذه الغزوة ما روى ابن مردويه بسند صحيح عن

стр. 2239

الزهري أنه قال: كتب كفار قريش إلى عبد الله بن أُبيّ وغيره ممن يعبد الأوثان قبل بدر يهددونهم بإيوائهم النبيَّ ﷺ وأصحابه ويتوعدونهم أن يغزوهم بجميع العرب، إلى أن قال: فلما كانت وقعة بدر كتب كفار قريش بعدها إلى اليهود: إنكم أهل الحلقة والحصون يتهددونهم، فاجتمع بنوا النضير على الغدر، فأرسلوا إليه ﷺ : اخرج إلينا في ثلاثة من أصحابك ويلقاك ثلاثة من علمائنا، إلى آخر القصة، قال الحافظ: هذا أقوى مما ذكر ابن إسحاق أن سبب غزوة بني النضير دية الرجلين، لكن وافقه جل أهل المغازي، انتهى مختصرًا (١). فمن قال بالسبب الأول ذكرها بعد غزوة أُحد كما هو قول الجمهور؛ لأن قصة بئر معونة كانت بعد أحد بالاتفاق، ومن قال بالسبب الثاني ذكرها بعد بدر، ومنهم عروة وإليه ميل البخاري، لكن يشكل عليه أن الإمام البخاري ذكر بعد قوله: حديث بني النضير قوله: ومخرج رسول الله ﷺ إليهم في دية الرجلين، وهذا الخروج الذي كان في قصة الدية كان بعد بئر معونة باتفاق المحدثين والمؤرخين، فكيف ذكره ههنا بعد بدر اللَّهم إلا أن يقال: إنه ذكره لكونه معروفًا فيما بين المؤرخين في سبب تلك الغزوة لا لأنه اختار هذا القول، ومن دأب الإمام البخاري أنه قد يذكر قولًا لكونه معروفًا بين العلماء مع أنه ليس مختارًا عنده، ويظهر هذا لمن أمعن النظر في كتابه، والله تعالى أعلم، والبسط في هامش "اللامع" (٢). قوله: (وأجلى يهود المدينة: بني قينقاع) وكان أول من أخرج من المدينة، ذكر الواقدي: أن إجلاءهم كان في شوال سنة اثنتين، يعني: بعد بدر بشهر، ويؤيده ما روى ابن إسحاق بإسناد حسن عن ابن عباس قال: "لما أصاب رسول الله ﷺ قريشًا يوم بدر جمع يهود في سوق بني قينقاع، فقال: يا يهود، أسلموا قبل أن يصيبكم ما أصاب قريشًا يوم بدر،

стр. 2240

فقالوا: إنهم كانوا لا يعرفون القتال، ولو قاتلتنا لعرفت أنَّا الرجال، فأنزل الله تعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ﴾ إلى قوله: ﴿لِأُولِي الْأَبْصَارِ﴾ [آل عمران: ١٢ - ١٣]. وأغرب الحاكم فزعم أن إجلاء بين قينقاع وإجلاء بني النضير كان في زمن واحد، ولم يوافق على ذلك؛ لأن إجلاء بني النضير كان بعد بدر بستة أشهر على قول عروة، أو بعد ذلك بمدة طويلة على قول ابن إسحاق كما تقدم بسطه، انتهى من "الفتح" (١). وفي "تاريخ الخميس" (٢): وفي نصف شوال هذه السنة، أي: الثانية من الهجرة يوم السبت وقعت غزوة بني قينقاع، انتهى. (١٥ - باب قتل كعب بن الأشرف) أي: اليهودي، وقال ابن إسحاق وغيره: كان عربيًا من بني نبهان، وهم بطن من طيئ، وكان أبوه أصاب دمًا في الجاهلية، فأتى المدينة فحالف بني النضير، فشرف فيهم، وتزوج عقيلة بنت أبي الحقيق، فولدت له كعبًا، وكان طويلًا جسيمًا ذا بطن وهامة، وهجا المسلمين بعد وقعة بدر، وخرج إلى مكة فنزل على ابن وداعة السهمي والد المطلب، فهجاه حسان وهجا امرأته عاتكة بنت أسيد بن أبي العيص بن أمية فطردته، فرجع كعب إلى المدينة، وتشبب بنساء المسلمين حتى آذاهم، وروى أبو داود والترمذي عن عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب بن مالك عن أبيه: أن كعب بن الأشرف كان شاعرًا، وكان يهجو رسول الله ﷺ ، ويحرض عليه كفار قريش، وكان النبي ﷺ قدم المدينة وأهلها أخلاط، فأراد رسول الله ﷺ استصلاحهم، وكان اليهود والمشركون يؤذون المسلمين أشد الأذى، فأمر الله رسوله والمسلمين بالصبر، فلما أبى كعب أن ينزع عن أذاه أمر رسول الله ﷺ سعد بن معاذ أن يبعث رهطًا ليقتلوه، وذكر ابن سعد أن قتله كان في ربيع

стр. 2241

الأول من السنة الثالثة، انتهى من "الفتح" (١). وفيه أيضًا (٢): قال السهيلي في قصة كعب بن الأشرف: قتل المعاهد إذا سبّ الشارع، خلافًا لأبي حنيفة، قال الحافظ: وفيه نظر، وصنيع المصنف في الجهاد يعطي أن كعبًا كان محاربًا حيث ترجم لهذا الحديث "الفتك بأهل الحرب" وترجم له أيضًا "الكذب في الحرب"، انتهى. قوله: (جاء معه برجلين. . .) إلخ، كتب الشيخ في "اللامع" (٣): ليس فيه نفي للزيادة، انتهى. وفي هامشه: والمعروف في كتب السير أنهم كانوا خمسة، قال الحافظ (٤): وقع في رواية الحميدي قال: فأتاه ومعه أبو نائلة وعباد بن بشر وأبو عبس بن جبر والحارث بن معاذ إن شاء الله، كذا أدرجه، ووقعت تسميتهم كذلك في رواية ابن سعد، فكانوا خمسة، وهو أولى مما وقع في رواية محمد بن محمود: كان مع محمد بن مسلمة أبو عبس بن جبر وأبو عتيك، ولم يذكر غيرهما، وكذا في مرسل عكرمة: ومعه رجلان من الأنصار، ويمكن الجمع بأنهم كانوا مرةً ثلاثة وفي الأخرى خمسة، انتهى. قال القسطلاني (٥) في "المواهب": وهؤلاء الخمسة من الأوس، قال الزرقاني (٦): فتفردت الأوس بقتل كعب كما تفردت الخزرج بقتل سلّام بن أبي الحقيق، قاله عبد الغني الحافظ، قال القسطلاني (٧): كان ذلك، أي: قتل كعب بن الأشرف لأربع عشرة ليلة [مضت] من ربيع الأول، وهكذا في "المجمع" (٨)، وكذا نقل الحافظ (٩) عن ابن سعد: أن

стр. 2242

قتله كان في ربيع الأول، وقال العيني (١): كان قتله في رمضان من سنة ثلاث، وقيل: في ربيع الأول، والأول أشهر، انتهى. قلت: وعامة المحدثين والمؤرخين على أن قتله كان في ربيع الأول. (١٦ - باب قتل أبي رافع. . .) إلخ كتب الشيخ قُدِّس سرُّه في "اللامع" (٢): وكان قبل إجلاء بني النضير في حوالي المدينة، فلما أجلاهم النبي ﷺ نزل ابن أبي الحقيق هذا خيبر، فلا منافاة بينهما، وهما صحيحان إن أريد بالكون مطلقه، وإن كان غرض المؤلف بيان كونه عند القتل، والاختلاف فيه فلا يمكن جمعهما، ولا وجه حينئذ لصحة القول الثاني، انتهى. وفي هامشه: في "مجمع البحار" (٣): في السنة السادسة قتل أبي رافع عبد الله بن أبي الحقيق، انتهى. وفي "المواهب" (٤) وشرحه للزرقاني: سرية عبد الله بن عتيك - بفتح العين المهملة وبالكاف - الخزرجي من بني سلمة لقتل أبي رافع عبد الله - ويقال: سلام بشد اللام - ابن أبي الحقيق اليهودي - بضم المهملة وقافين مصغر -، حكى البخاري القولين في اسمه ممرضًا الثاني، وجزم ابن إسحاق بأن اسمه سلام، وتبعه اليعمري، وهو الذي حزَّب الأحزاب على محاربته ﷺ يوم الخندق، وكانت هذه السرية في رمضان سنة ست كما ذكره ابن سعد ههنا، وذكر في ترجمة ابن عتيك أمير السرية أنه بعثه في ذي الحجة إلى أبي رافع سنة خمس بعد وقعة بني قريظة، ومشى عليه ابن إسحاق فذكرها بعد قريظة، وقيل: في جمادى الآخرة سنة ثلاث، وقيل: في رجب

стр. 2243

سنة ثلاث، وقيل: في ذي الحجة سنة أربع، وفي البخاري: قال الزهري: بعد قتل كعب بن الأشرف، وهذا يقرب القول أنه في جمادى الآخرة سنة ثلاث. قال الحافظ (١): وبيَّن ابن إسحاق أن الزهري أخذ ذلك عن ابن كعب، فقال: لما قتلت الأوس كعب بن الأشرف استأذنت الخزرج في قتل سلام بن أبي الحقيق، وكان مما صنع الله لرسوله أن الأوس والخزرج كانا يتصاولان مع رسول الله ﷺ تصاول الفحلين، لا تصنع الأوس شيئًا فيه عنه ﷺ غناءً إلا قالت الخزرج: والله لا يذهبون بهذه فضلًا علينا عند رسول الله ﷺ ، ولما أصابت الأوس كعب بن الأشرف، قالت الخزرج: والله لا يذهبون بهذه فضلًا علينا أبدًا، فتذاكروا من رجل لرسول الله ﷺ في العداوة كابن الأشرف، فذكروا ابن أبي الحقيق، فاستأذنوه ﷺ في قتله فأذن لهم، فخرج إليه من الخزرج من بني سلمة خمسة، انتهى من هامش "اللامع". قلت: قد تقدم الأقوال في زمان قتله، وأكثر أهل السير على أن قتله كان في سنة ست، فلذا ذكروا صاحب "مجمع البحار" وصاحب "تاريخ الخميس" في وقائع السنة السادسة، وكذا ذكره ابن سعد في موضع سنة ست، وفي موضع آخر سنة خمس كما تقدم، ويشكل على هذا ذكره قبل غزوة أُحد، فإنها في شوال سنة ثلاث كما سيأتي، ويمكن الجواب عنه بأن المصنف ﵀ مال فيه إلى ما حكاه هو عن الزهري وهو أن قتله كان بعد كعب بن الأشرف، وقد تقدم عن الحافظ أن هذا يقرب القول أنه في جمادى الآخرة سنة ثلاث، وهو أقل ما قيل في زمان قتله، وأيضًا لذكره بعد قتل كعب مناسبة وهو أن قتل كعب كان سببًا لقتله كما تقدم في بيان تصاول الأوس والخزرج معه ﷺ .

стр. 2244

(١٧ - باب غزوة أُحد. . .) إلخ قال الحافظ (١): سقط لفظ "باب" من رواية أبي ذر، و"أُحد" بضم الهمزة والمهملة: جبل معروف بينه وبين المدينة أقلّ من فرسخ، وهو الذي قاله فيه ﷺ : "جبل يحبنا ونحبه" كما سيأتي في آخر الباب، ونقل السهيلي عن الزبير بن بكار في فضل المدينة أن قبر هارون ﵇ بأُحد، وأنه قدم مع موسى في جماعة من بني إسرائيل حجاجًا فمات هناك، قلت: وسند الزبير بن بكار في ذلك ضعيف جدًا من جهة شيخه محمد بن الحسن بن زبالة، ومنقطع أيضًا وليس بمرفوع، وكانت عنده الوقعة المشهورة في شوال سنة ثلاث باتفاق الجمهور، وشذّ من قال: سنة أربع، قال ابن إسحاق: لإحدى عشرة ليلة خلت منه، وقيل: لسبع ليال، وقيل: لثمان، وقيل: لتسع، وقيل: في نصفه، وقال مالك: كانت بعد بدر بسنة، وفيه تجوز؛ لأن بدرًا كانت في رمضان باتفاق، فهي بعدها بسنة وشهر لم يكمل، ولهذا قال مرة أخرى: كانت بعد الهجرة بأحد وثلاثين شهرًا، وكان السبب فيها ما ذكره ابن إسحاق وموسى بن عقبة وغيرهما، ثم ذكر الحافظ تلخيصه. (١٨ - باب قوله تعالى: ﴿إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلَا. . .﴾ [آل عمران: ١٢٢]) إلخ قال القسطلاني (٢): أي: حيان من الأنصار: بنو سلمة من الخزرج وبنو حارثة من الأوس، وكان ﵊ خرج إلى أحد في ألف والمشركون في ثلاثة آلاف، ووعدهم بالفتح إن صبروا، فانخزل ابن أبي بثلث الناس، وقال: علام نقتل أنفسنا وأولادنا؟ فهم الحيان باتباعه فعصمهم الله تعالى فمضوا مع رسول الله ﷺ ، وعن ابن عباس ﵄: أضمروا أن يرجعوا فعزم الله تعالى لهم على الرشد فثبتوا، والظاهر أنها ما كانت إلا همة

стр. 2245

وحديث نفس، وكما لا تخلو النفس عند الشدة من بعض الهلع، ثم يردها صاحبها إلى الثبات والصبر، ويوطنها على احتمال المكروه، ولو كانت عزيمة لما ثبتت معها الولاية، والله تعالى يقول: ﴿وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا﴾، انتهى. قوله: (ولقد وقع السيف من يد أبي طلحة. . .) إلخ، كتب الشيخ في "اللامع" (١): يعني بذلك: أن الناعسين كانوا هم المؤمنون، وكان أبو طلحة منهم، انتهى. وفي "هامشه": قال الحافظ (٢): قوله: "ولقد وقع السيف" زاد مسلم (٣) عن الدارمي عن أبي معمر شيخ البخاري فيه بهذا الإسناد "من النعاس"، فأفاد سبب وقوع السيف من يده، وسيأتي بعد باب من وجه آخر عن أنس عن أبي طلحة: "كنت فيمن يغشاه النعاس يوم أُحد، حتى سقط سيفي من يدي مرارًا"، انتهى. قلت: وهم الذين وردت فيهم آية أخرى في سورة الأنفال [١١] ﴿إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِنْهُ﴾ الآية، انتهى من هامش "اللامع". وقد تقدم شرح قوله: ﴿إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِنْهُ﴾ في "باب قوله تعالى: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ﴾ الآية [الأنفال: ٩] ". (١٩ - باب قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ﴾ [آل عمران: ١٥٥]) هكذا في النسخ الهندية، وكذا في نسخة "العيني" و"القسطلاني"، وكذا في نسخة متن "الفتح"، وأما في نسخة الشرح " ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ﴾ الآية" حسب، وليس فيه لفظ "باب قوله تعالى"، قال القسطلاني (٤): سقط لفظ "باب قول الله تعالى" لأبي ذر، انتهى.

стр. 2246

قال الحافظ (١): اتفق أهل العلم بالنقل على أن المراد به ههنا يوم أُحد، وغفل من قال: يوم بدر؛ لأنه لم يقول فيها أحد من المسلمين، نعم المراد بقوله تعالى: ﴿وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ﴾ [الأنفال: ٤١] وهي في سورة الأنفال يوم بدر، ولا يلزم منه أن يكون حيث جاء ﴿الْتَقَى الْجَمْعَانِ﴾ المراد به يوم بدر، انتهى. (٢٠ - باب ﴿إِذْ تُصْعِدُونَ وَلَا تَلْوُونَ عَلَى أَحَدٍ﴾ الآية [آل عمران: ١٥٣]) قال الحافظ (٢): قوله: (﴿تُصْعِدُونَ﴾: تذهبون. . .) إلخ، سقط هذا التفسير للمستملي، كأنه يريد الإشارة إلى التفرقة بين الثلاثي والرباعي، فالثلاثي بمعنى ارتفع والرباعي بمعنى ذهب، وقال بعض أهل اللغة: أصعد إذا ابتدأ السير، وقوله: ﴿فَأَثَابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ﴾ [آل عمران: ١٥٣] روى عبد بن حميد من طريق مجاهد قال: "كان الغم الأول حين سمعوا الصوت أن محمدًا قد قتل، والثاني لما انحازوا [إلى النبي ﷺ ] وصعدوا في الجبل، فتذكروا قتل من قتل منهم فاغتموا"، ومن طريق سعيد عن قتادة نحوه وزاد: "وقوله: ﴿لِكَيْلَا تَحْزَنُوا عَلَى مَا فَاتَكُمْ﴾ [آل عمران: ١٥٣]، أي: من الغنيمة ﴿وَلَا مَا أَصَابَكُمْ﴾ [آل عمران: ١٥٣]، أي: من الجراح وقتل إخوانكم"، وروى الطبري من طريق السدي نحوه، لكن قال: "الغم الأول ما فاتهم من الغنيمة، والثاني ما أصابهم من الجراح"، وزاد: "قال: لما صعدوا أقبل أبو سفيان بالخيل حتى أشرف عليهم، فنسوا ما كانوا فيه من الحزن على من قتل منهم، واشتغلوا بدفع المشركين"، انتهى. وكتب الشيخ في "اللامع" (٣): قوله: (أصعد وصعد. . .) إلخ، يعني به: أن اللفظ مشترك بين الذهاب في الأرض والرقي على الشيء المرتفع،

стр. 2247

ولا فرق في معناه بين مجرده ومزيده حتى إنه ليقال: أصعدت وصعدت بكليهما إذا ذهبت، وكذلك إذا رقيت، والله أعلم، وذكر في "هامشه" تأييده من كلام الشرَّاح وبعض المفسرين. (٢١ - باب قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعَاسًا﴾ الآية [آل عمران: ١٥٤]) ذكر فيه حديث أبي طلحة: "كنت فيمن تغشاه النعاس" الحديث، وقد تقدم شرحه قريبًا - قبل بابين - قال ابن إسحاق: أنزل الله النعاس، أمنة لأهل اليقين فهم نيام لا يخافون، والذين أهمتهم أنفسهم أهل النفاق في غاية الخوف، انتهى من "الفتح" (١). وقال القسطلاني (٢): وإنما لم يغش الطائفة الأخرى؛ لأنهم مستغرقون في هم أنفسهم، فلا تنزل عليهم السكينة؛ لأنها وارد روحاني لا يتلوث بهم، انتهى. (٢٢ - باب ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾ الآية [آل عمران: ١٢٨]) قال الحافظ (٣): أي: بيان سبب نزول هذه الآية، وقد ذكر في الباب سببين، ويحتمل أن تكون نزلت في الأمرين جميعًا فإنهما كانا في قصة واحدة، وسأذكر في آخر الباب سببًا آخر، وقال في آخر الباب: ووقع في رواية يونس عن الزهري عن سعيد وأبي سلمة عن أبي هريرة نحو حديث ابن عمر، لكن فيه: "اللهم العن لحيان ورعلًا وذكوان وعصية" قال: "ثم بلغنا أنه ترك ذلك لما نزلت ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ "، قلت: وهذا إن كان محفوظًا احتمل أن يكون نزول الآية تراخيًا عن قصة أُحد؛ لأن قصة

стр. 2248

رعل وذكوان كانت بعدها، وفيه بعد، والصواب أنها نزلت في شأن الذين دعا عليهم بسبب قصة أُحد، انتهى. وكتب الشيخ قُدِّس سرُّه في "اللامع" (١): بعد ذكر الباب: ولما كان في نزوله اختلاف أورد بعض الأقوال الأخر أيضًا في تفسيره، وإن لم يكن من المباحث المتعلقة بأُحد تبعًا واستطرادًا، انتهى. قلت: وغرض الشيخ قُدِّس سرُّه أن الحديث الأول من الباب متعلق بأُحد دون الأخيرين، فنبَّه الشيخ بذلك أن ذكرهما للتنبيه على اختلاف في سبب النزول، نقل العيني فيه عدة أقوال، ذكرت في هامش "اللامع". (٢٣ - باب ذكر أم سليط) بفتح المهملة وكسر اللام، هي والدة أبي سعيد الخدري، كانت زوجًا لأبي سليط فمات عنها قبل الهجرة، فتزوجها مالك بن سنان الخدري فولدت له أبا سعيد، انتهى من "الفتح" (٢). قال القسطلاني (٣): لا يعرف اسمها، وعند ابن سعد أنها أم قيس بنت عبيد بن زياد، من بني مازن، وكان يقال لها: أم سليط؛ لأن اسم ابنها سليط، انتهى. قال العيني (٤): وهي امرأة من المبايعات، حضرت مع رسول الله ﷺ يوم أُحد، ثم قال: وحديث الباب مضى في "كتاب الجهاد" وفي "باب حمل النساء القرب إلى الناس في الغزو"، انتهى. (٢٤ - باب قتل حمزة) ليس في نسخة "الفتح" لفظ: "باب"، قال الحافظ (٥): كذا لأبي ذر،

стр. 2249

ولغيره "باب قتل حمزة" فقط، وللنسفي: "قتل حمزة سيد الشهداء"، وهذا اللفظ قد ثبت في حديث مرفوع أخرجه الطبراني من طريق الأصبغ بن نباته عن علي قال: قال رسول الله ﷺ : "سيد الشهداء حمزة بن عبد المطلب" ثم ذكر الحافظ في آخر الباب: ذكر ابن سعد (١) قال: حدثني محمد بن جعفر بن الزبير قال: "خرج رسول الله ﷺ يلتمس حمزة، فوجده ببطن الوادي قد مثل به، فقال: لولا أن تحزن صفية - يعني: بنت عبد المطلب - وتكون سُنَّة بعدي لتركته حتى يحشر من بطون السباع - وهو أصل الطير -"، زاد ابن هشام قال: "وقال: لن أصاب بمثلك أبدًا، ونزل جبرئيل فقال: إن حمزة مكتوب في السماء أسد الله وأسد رسوله"، وروى البزار والطبراني بإسناد فيه ضعف عن أبي هريرة "أن النبي ﷺ لما رأى حمزة قد مثل به قال: رحمة الله عليك، لقد كنت وصولًا للرحم، فعولًا للخير، ولولا حزن من بعدك لسرني أن أدعك حتى تحشر من أجواف شتى، ثم حلف وهو بمكانه لأمثلن بسبعين منهم، فنزل القرآن ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ﴾ الآية [النحل: ١٢٦] "، انتهى. قوله: (فهل تستطيع أن تغيب وجهك) كتب الشيخ في "اللامع" (٢): وإنما فعل ذلك مع قبول إسلامه، والإسلام يهدم ما كان قبله خوفًا من أن يدركه حمية وحماية، فيدعوا عليه ويضرّ ذلك بدينه، ولا كذلك إذا تغيب عنه فإنه لا يتذكر، انتهى. وفي هامشه: ما أفاده الشيخ قُدِّس سرُّه ظاهر؛ لأن تذكره ﷺ برؤية الوحشي لا مرية في ذلك، ولا حاجة حينئذ إلى الدعاء عليه، بل تحزن قلبه وتكدره عنه رضي الله تعالى عنه يكفي لمضرته، وهذا مجرب، فإنه التكدر في قلوب المشايخ يوصل المرء إلى المهالك، انتهى.

стр. 2250

(٢٥ - باب ما أصاب النبي ﷺ من الجراح يوم أُحد) قال الحافظ (١): وقد تقدم شيء من ذلك في "باب قوله: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾، ومجموع ما ذكر في الأخبار أنه شج وجهه، وكسرت رباعيته، وجرحت وجنته، وشفته السفلى من باطنها، ووهى منكبه من ضربة ابن قمئة، وجحشت ركبته، وروى عبد الرزاق عن معمر عن الزهري قال: "ضرب وجه النبي ﷺ يومئذ، بالسيف سبعين ضربة، وقاه الله شرها كلها"، وهذا مرسل قوي، ويحتمل أن يكون أراد بالسبعين حقيقتها أو المبالغة في الكثرة، وقال أيضًا في آخر الباب: وفي الحديث جواز التداوي، وأن الأنبياء قد يصابون ببعض العوارض الدنيوية من الجراحات والآلام والأسقام ليعظم لهم بذلك الأجر وتزداد درجاتهم رفعة، وليتأسى بهم أتباعهم في الصبر على المكاره والعاقبة للمتقين، انتهى. (٢٦ - باب) بغير ترجمة، وهكذا في نسخة "العيني" و"القسطلاني"، وقالا (٢): هو كالفصل من سابقه وسقط لأبي ذر، انتهى. قلت: وليس هو في نسخة "الفتح" ولم يتعرض له الحافظ. (٢٧ - باب ﴿الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [آل عمران: ١٧٢]) أي: سبب نزولها، وأنها تتعلق بأُحد، إلى آخر ما في "الفتح" (٣). قلت: وهذه الآية نزلت في غزوة حمراء الأسد، صرح به أهل السير والمفسرون، لكن كما قال الحافظ: له تعلق بقصة أُحد، وذلك لأن رسول الله ﷺ خرج إليها الغد من يوم أُحد، وأذن مؤذن رسول الله ﷺ في

стр. 2251

الناس بطلب العدو، وأن لا يخرج معنا إلا من حضر بالأمس إلى آخر القصة، ذكرها صاحب "الخميس" (١) ولذا ذكره الإمام البخاري في أبواب غزوة أُحد. قال الحافظ (٢): وروى ابن عيينة عن عمرو بن دينار عن عكرمة عن ابن عباس قال: لما رجع المشركون عن أُحد قالوا: لا محمدًا قتلتم، ولا الكواعب ردفتم، بئسما صنعتم، فرجعوا فندب رسول الله ﷺ الناس فانتدبوا حتى بلغ حمراء الأسد، فبلغ المشركين فقالوا: نرجع من قابل، فأنزل الله تعالى ﴿الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ الآية، أخرجه النسائي وابن مردويه، ورجاله رجال الصحيح إلا أن المحفوظ إرساله عن عكرمة ليس فيه ابن عباس، انتهى. (٢٨ - باب من قتل من المسلمين يوم أُحد) قال الحافظ (٣): أما حمزة فتقدم ذكره في باب مفرد، وأما اليمان وهو والد حذيفة فتقدم في آخر "باب ﴿إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ﴾ الآية" [آل عمران: ١٢٢]، وأما النضر بن أنس فكذا وقع لأبي ذر عن شيوخه، وكذا وقع عند النسفي، وهو خطأ، والصواب ما وقع عند الباقين "أنس بن النضر"، وقد تقدم ذكره في أوائل الغزوة على الصواب، فأما النضر بن أنس فهو ولده، وكان إذ ذاك صغيرًا، وعاش بعد ذلك زمانًا، وقد تقدم في هذه الأبواب ممن استشهد بها عبد الله بن عمرو والد جابر، ومن المشهورين عبد الله بن جبير أمير الرواة، وسعد بن الربيع، ومالك بن سنان والد أبي سعيد الخدري، وأوس بن ثابت أخو حسان، وحنظلة بن أبي عامر المعروف بغسيل الملائكة، وخارجة بن زيد بن أبي زهير صهر أبي بكر الصديق، وعمرو بن الجموح ﵃ أجمعين، ولكل من هؤلاء قصة مشهورة عند أهل المغازي.

стр. 2252

ثم قال الحافظ: قوله: (قتل منهم يوم أُحد سبعون) هذا هو المقصود بالذكر من هذا الحديث ههنا، وظاهره أن الجميع من الأنصار، وهو كذلك إلا القليل، وقد سرد ابن إسحاق أسماء من استشهد من المسلمين بأُحد فبلغوا خمسة وستين، منهم أربعة من المهاجرين: حمزة وعبد الله بن جحش وشماس بن عثمان ومصعب بن عمير، وأغفل ذكر سعد مولى حاطب، وقد ذكره موسى بن عقبة، وروى الحاكم في "الإكليل" وابن منده من حديث أُبي بن كعب قال: "قتل من الأنصار يوم أُحد أربعة وستون، ومن المهاجرين ستة"، وصححه ابن حبان من هذا الوجه، ولعل السادس ثقيف بن عمرو الأسلمي حليف بني عبد شمس، فقد عدّه والواقدي منهم، وعدّ ابن سعد ممن استشهد بأُحد من غير الأنصار الحارث بن عقبة بن قابوس المزني وعمه وهب بن قابوس وعبد الله وعبد الرحمن ابني الهبيب - بموحدتين مصغر - من بني سعد بن ليث، ومالكًا والنعمان ابني خلف بن عوف الأسلميين، قال: إنهما كانا طليعة للنبي ﷺ فقتلا. قال الحافظ: ولعل هؤلاء كانوا من حلفاء الأنصار فعدوا فيهم، فإن كانوا من غير المعدودين فحينئذ تكمل العدة سبعين من الأنصار، ويكون جملة من قتل من المسلمين أكثر من سبعين، فمن قال: قتل منهم سبعون ألغى الكسر، والله أعلم، انتهى من "الفتح". وفي هامش "اللامع" (١): قال الزرقاني على "المواهب" (٢) روى سعيد بن منصور من مرسل أبي الضحى: قتل يوم أُحد سبعون: أربعة من المهاجرين وسائرهم من الأنصار، ثم ذكر ما تقدم من رواية ابن حبان والحاكم، ثم قال: وذكر المحب الطبري عن الشافعي أنهم اثنان وسبعون، وعن مالك خمسة وسبعون، من الأنصار خاصة أحد وسبعون، وسرد

стр. 2253

أبو الفتح اليعمري أسماءهم فبلغوا ستة وتسعين، من المهاجرين أحد عشر، وسائرهم من الأنصار، قال اليعمري: ومن الناس من يجعل السبعين من الأنصار خاصة وبه جزم ابن سعد، انتهى مختصرًا. (٢٩ - باب أُحد يحبنا) قال السهيلي: سمي أُحدًا لتوحده وانقطاعه عن جبال أخرى هناك، أو لما وقع من أهله من نصر التوحيد، قوله: "قاله عباس بن سهل. . ." إلخ، هو طرف من حديث وصله البزار في الزكاة مطولًا، وقد تقدم شرح ما فيه هناك، إلا ما يتعلق بأُحد، ونسبه مغلطاي إلى تخريجه موصولًا في كتاب الحج، وإنما خرج هناك أصله دون خصوص هذه الزيادة. ثم قال الحافظ: ظهر من الرواية التي بعدها أنه ﷺ قال ذلك لما رآه في حال رجوعه من الحج، ووقع في رواية أبي حميد أنه قال لهم ذلك لما رجع من تبوك وأشرف على المدينة، قال: "هذه طابة" فلما رأى أُحدًا قال: "هذا جبل يحبنا ونحبه" فكأنه ﷺ تكرر منه ذلك القول، وللعلماء في معنى ذلك أقوال: أحدها: أنه على حذف مضاف والتقدير أهل أُحد، والمراد بهم الأنصار؛ لأنهم جيرانه، ثانيها: أنه قال ذلك للمسرة بلسان الحال إذا قدم من سفر لقربه من أهله ولقيامهم، وذلك فعل من يحب بمن يحب، ثالثها: أن الحب من الجانبين على حقيقته، وظاهره لكون أُحد من جبال الجنة كما ثبت في حديث أبي عبس بن جبر مرفوعًا: "جبل أُحد يحبنا ونحبه، وهو من جبال الجنة" أخرجه أحمد، انتهى كله من "الفتح" (١). (٣٠ - باب غزوة الرجيع ورعل وذكوان وبئر معونة. . .) إلخ قال الحافظ (٢): سقط لفظ: "باب" لأبي ذر، والرجيح بفتح الراء وكسر الجيم، هو في الأصل اسم للروث، سمي بذلك لاستحالته، والمراد

стр. 2254

ههنا اسم موضع من بلاد هذيل كانت الوقعة بقرب منه فسميت به. قوله: (رعل وذكوان) أي: غزوة رعل وذكوان، فأما رعل بكسر الراء وسكون المهملة بطن من بني سليم ينسبون إلى رعل بن عوف بن مالك بن امرئ القيس بن لهيعة بن سليم، وأما ذكوان فبطن من بني سليم أيضًا ينسبون إلى ذكوان بن ثعلبة بن بهثة بن سليم فنسبت الغزوة إليهما، قوله: "وبئر معونة" موضع في بلاد هذيل بين مكة وعسفان، وهذه الوقعة تعرف بسرية القراء، وكانت مع بني رعل وذكوان المذكورين، وسيذكر ذلك في حديث أنس المذكور في الباب. قوله: (وحديث العضل والقارة) أما عضل فبطن من بني الهول بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر ينسبون إلى عضل بن الديش بن محكم، وأما القارة فبالقاف وتخفيف الراء بطن من الهول أيضًا ينسبون إلى الديش المذكور، وقصة العضل والقارة كانت في غزوة الرجيع لا في سرية بئر معونة، وقد فصل بينهما ابن إسحاق، فذكر غزوة الرجيع في أواخر سنة ثلاث، وبئر معونة في أوائل سنة أربع، ولم يقع ذكر عضل وقارة عند المصنف صريحًا، وإنما وقع ذلك عند ابن إسحاق، فإنه بعد أن استوفى قصة أُحد قال: ذكر يوم الرجيع، حدثني عاصم بن عمر بن قتادة، قال: قدم على رسول الله ﷺ بعد أُحد رهط من عضل والقارة فقالوا: يا رسول الله! إن فينا إسلامًا، فابعث معنا نفرًا من أصحابك يفقهوننا، فبعث معهم ستة من أصحابه، فذكر القصة، وعرف بها بيان قول المصنف: قال ابن إسحاق: حدثنا عاصم بن عمر: أنها بعد أُحد، وأن الضمير يعود على غزوة الرجيع لا على غزوة بئر معونة، انتهى. قلت: وبهذا حصل شرح الترجمة، وكان فيه من الإغلاق ما لا يخفى، هاليه أشار الشيخ قُدِّس سرُّه في "اللامع" (١) حيث كتب: قوله: "باب غزوة

стр. 2255

الرجيع ورعل. . ." إلخ، وفيه خفايا وخبايا ورزايا كامنة في الزوايا، فليفحص حقيقة الأمر، انتهى. وفي هامشه: وهو كذلك فإن الإمام البخاري دمج في هذا الباب بين السريتين المختلفتين. قال الحافظ: سياق هذه الترجمة يوهم أن غزوة الرجيع وبئر معونة شيء واحد، وليس كذلك كما أوضحته، فغزوة الرجيع كانت سرية عاصم وخبيب في عشرة أنفس، وهي مع عضل والقارة، وبئر معونة كانت سرية القراء السبعين، وهي مع رعل وذكوان، وكأن المصنف أدرجها معها لقربها منها، وذكر الواقدي أن خبر بئر معونة وخبر أصحاب الرجيع جاء إلى النبي ﷺ في ليلة واحدة، قال الحافظ: وقد فصل بينهما ابن إسحاق فذكر غزوة الرجيع في أواخر سنة ثلاث، وبئر معونة في أوائل سنة أربع، انتهى مختصرًا. قلت: وهذا الباب من المنتقدات كما تقدم في مقدمة "اللامع" (١) في الانتقاد الحادي والعشرين، وبسطت هناك شيئًا من الكلام على ذلك، وأجملت الكلام على السريتين أيضًا، وسأذكر ههنا أيضًا مختصرًا ففي "المجمع" (٢): في السنة الرابعة سرية بئر معونة في صفر، وذلك أن عامر بن مالك قال: لو بعثت معي رجالًا لرجوت أن يجيب قومي، فبعث سبعين من الأنصار شببة يسمون القراء، وكتب إلى عامر بن الطفيل، فلما بلغوا بئر معونة استصرخ عليهم من سليم عصبة ورعلًا وذكوان فقتلوهم، فقالوا: بلغوا عنا قومنا أنا قد لقينا ربنا، فدعا عليهم أربعين صباحًا بالقنوت، انتهى. قال الزرقاني (٣): وهم سبعون، كما في الصحيحين، قال السهيلي:

стр. 2256

هو الصحيح، وقيل: أربعون كما في رواية ابن إسحاق وموسى بن عقبة، قال الحافظ: ويمكن الجمع بأن الأربعون كانوا رؤساء وبقية العدة أتباعًا، وقيل: ثلاثون، قال الحافظ: وهو وهم، انتهى مختصرًا. وفي "المجمع" بعد ذكر سرية بئر معونة: وفيها - أي: في السنة الرابعة - سرية الرجيع، وذلك أن قومًا من المشركين قالوا: إن فينا إسلامًا فابعث نفرًا يفقهوننا، فبعث مرثدًا وعاصم بن ثابت وخبيبًا وغيرهم، فلما بلغوا الرجيع غدروا واستصرخوا عليهم هزيلًا، فقتلوا بعضهم وأسروا آخرين، وباعوهم من مشركي مكة ليقتلوهم بمقتوليهم في بدر، انتهى. وذكر صاحب "المواهب" (١) بعث الرجيع قبل بئر معونة وقال: سرية عاصم بن ثابت، في صغر على رأس ستة وثلاثين شهرًا من الهجرة، فتكون في السنة الرابعة إلى الرجيع، وقصة عضل والقارة كانت في بعث الرجيع لا في سرية بئر معونة كما يوهمه ترجمة البخاري، وفصل بينهما ابن إسحاق، فذكر بعث الرجيع في أواخر سنة ثلاث، وهذا قول ابن إسحاق، وما مر أنها في صفر قول ابن سعد، وبئر معونة في أوائل سنة أربع، وذكر الواقدي أن خبر بئر معونة وخبر أصحاب الرجيع جاءا إلى النبي ﷺ في ليلة واحدة، والجائي بالخبر الوحي، وسياق ترجمة البخاري يوهم أن بعث الرجيع وبئر معونة شيء واحد، وليس كذلك، انتهى مختصرًا بزيادة من الزرقاني، كذا في هامش "اللامع" (٢). قوله: (ما إن أبالي حين أقتل مسلمًا. . .) إلخ، ذكرت هذه القصيدة التي أنشدها خبيب رضي الله تعالى عنه في "اللامع"، وذكر في هامشه ترجمتها وشرحها باللغة الأردية فارجع إليه لو شئت (٣)، ولم تذكر هذه القصيدة في الشروح، بل أحالوها، قال الحافظ: ساقها ابن إسحاق ثلاثة عشر بيتًا، انتهى.

стр. 2257

وكذا ذكر الشيخ قُدِّس سرُّه في "اللامع" في هذا الباب من عدة مواضع منه مما يحتاج إلى شرح أو توجيه لما حمله الشرَّاح على الوهم والسهو كما هو دأبه في التقرير، فارجع إليه لو شئت. (٣١ - باب غزوة الخندق وهي الأحزاب. . .) إلخ يعني: أن لها اسمين، وهو كما قال، والأحزاب جمع حزب، أي: طائفة، فأما تسميتها الخندق فلأجل الخندق الذي حفر حول المدينة بأمر النبي ﷺ ، وكان الذي أشار بذلك سلمان فيما ذكره أصحاب المغازي منهم أبو معشر، فأمر النبي ﷺ بحفر الخندق حول المدينة، وعمل فيه بنفسه ترغيبًا للمسلمين، فسارعوا إلى عمله حتى فرغوا منه، وجاء المشركون فحاصروهم، وأما تسميتها الأحزاب فلاجتماع طوائف من المشركين على حرب المسلمين، وهم قريش وغطفان واليهود ومن تبعهم، وقد أنزل الله تعالى في هذه القصة صدر سورة الأحزاب، وذكر ابن إسحاق بأسانيده أن عدتهم عشرة آلاف، قال: وكان المسلمون ثلاثة آلاف، وقيل: كان المشركون أربعة آلاف والمسلمون نحو الألف، انتهى من "الفتح" (١). وفي "تاريخ الخميس" (٢) من "تهذيب ابن هشام": وخرج رسول الله ﷺ في ثلاثة آلاف رجل يوم الاثنين لثمان ليال مضين من ذي القعدة، حتى جعلوا ظهورهم إلى سلع، فضرب هناك عسكره والخندق بينهم وبين المشركين، إلى آخر ما بسط. وقال الحافظ (٣): وذكر موسى بن عقبة أن مدة الحصار كانت عشرين يومًا، ولم يكن بينهم قتال إلا مراماة بالنبل والحجارة، وأصيب منها سعد بن معاذ بسهم فكان سبب موته كما سيأتي، وذكر أهل المغازي سبب رحيلهم، وأن نعيم بن مسعود الأشجعي ألقى بينهم الفتنة فاختلفوا، وذلك

стр. 2258

بأمر النبي ﷺ له بذلك، ثم أرسل الله عليهم الريح فتفرقوا، وكفى الله المؤمنين القتال. قوله: (قال موسى بن عقبة: كانت في شوال سنة أربع) وتابع موسى على ذلك مالك، وأخرجه أحمد عن موسى بن داود عنه، وقال ابن إسحاق: كانت في شوال سنة خمس، وبذلك جزم غيره من أهل المغازي، ومال المصنف إلى قول موسى بن عقبة، وقوَّاه بما أخرجه أول أحاديث الباب من قول ابن عمر: أنه عرض يوم أُحد وهو ابن أربع عشرة، ويوم الخندق وهو ابن خمس عشرة، فيكون بينهما سنة واحدة، وأُحد كانت سنة ثلاث فيكون الخندق سنة أربع، ولا حجة فيه إذا ثبت أنها كانت سنة خمس لاحتمال أن يكون ابن عمر في أُحد كان في أول ما طعن في الرابعة عشر، وكان في الأحزاب قد استكمل الخمس عشرة، وبهذا أجاب البيهقي، ويؤيد قول ابن إسحاق أن أبا سفيان قال للمسلمين لما رجع من أُحد: موعدكم العام المقبل ببدر، فخرج النبي ﷺ من السنة المقبلة إلى بدر، فتأخر مجيء أبي سفيان تلك السنة للجدب الذي كان حينئذ، وقال لقومه: إنما يصلح الغزو في سنة الخصب، فرجعوا بعد أن وصلوا إلى عسفان أو دونها، ذكر ذلك ابن إسحاق وغيره من أهل المغازي. وقد بيَّن البيهقي (١) سبب هذا الاختلاف، وهو أن جماعة من السلف كانوا يعدون التاريخ من المحرم الذي وقع بعد الهجرة ويلغون الأشهر التي قبل ذلك إلى ربيع الأول، وعلى ذلك جرى يعقوب بن سفيان في "تاريخه"، فذكر أن غزوة بدر الكبرى كانت في السنة الأولى، وأن غزوة أُحد كانت في الثانية، وأن الخندق كانت في الرابعة، وهذا عمل صحيح على ذلك البناء، لكنه بناء واه مخالف لما عليه الجمهور من جعل التاريخ من المحرم سنة الهجرة، وعلى ذلك تكون بدر في الثانية وأُحد في الثالثة والخندق في

стр. 2259

الخامسة، وهو المعتمد، ثم ذكر المصنف في الباب سبعة عشر حديثًا، انتهى من "الفتح" (١). (٣٢ - باب مرجع النبي ﷺ من الأحزاب) أي: من الموضع الذي كان يقاتل فيه الأحزاب إلى منزله بالمدينة، قاله الحافظ (٢). وفي "تاريخ الخميس" (٣): وكان قد أقام بالخندق خمسة عشر يومًا، وقيل: أربعة وعشرين يومًا، وقيل: عشرين، وقيل: سبعة وعشرين، وقيل: قريبًا من شهر، قال ﷺ : "لن تغزوكم قريش بعد عامكم هذا"، وكان كذلك فهو معجزة، وانصرف ﵊ من غزوة الخندق يوم الأربعاء لسبع ليال بقين من ذي القعدة، كذا في "المواهب اللدنية"، انتهى. قوله: (ومخرجه إلى بني قريظة. . .) إلخ، قد تقدم السبب في ذلك، وهو ما وقع من بني قريظة من نقض عهده وممالأتهم لقريش وغطفان عليه، وتقدم نسب بني قريظة في غزوة بني النضير، وذكر عبد الملك بن يوسف في "كتاب الأنواء": أنهم كانوا يزعمون أنهم من ذرية شعيب نبي الله على نبينا وعليه الصلاة والسلام، وهو بمحتمل وإن شعيبًا كان من بني جذام القبيلة المشهورة وهو بعيد جدًّا، وتقدم أن توجه النبي ﷺ إليهم كان لسبع بقين من ذي القعدة، وأنه خرج إليهم في ثلاثة آلاف، وذكر ابن سعد أنه كان مع المسلمين ستة وثلاثون فرسًا، انتهى من "الفتح" (٤). (٣٣ - باب غزوة ذات الرقاع) قال الحافظ (٥): هذه الغزوة اختلف فيها متى كانت؟ واختلف في سبب تسميتها بذلك كما سيأتي، وقد جنح البخاري إلى أنها كانت بعد

стр. 2260

خيبر، واستدل لذلك في هذا الباب بأمور سيأتي الكلام عليها مفصلًا، ومع ذلك فذكرها قبل خيبر فلا أدري هل تعمد ذلك تسليمًا لأصحاب المغازي أنها كانت قبلها - كما سيأتي - أو أن ذلك من الرواة عنه، أو إشارة إلى احتمال أن تكون ذات الرقاع اسمًا لغزوتين مختلفتين كما أشار إليه البيهقي، على أن أصحاب المغازي مع جزمهم بأنها كانت قبل خيبر مختلفون في زمانها، فعند ابن إسحاق أنها بعد بني النضير وقبل الخندق سنة أربع، قال ابن إسحاق: أقام رسول الله ﷺ بعد غزوة بني النضير شهر ربيع وبعض جمادى يعني: من سنته، وغزا نجدًا يريد بني محارب وبني ثعلبة من غطفان حتى نزل نخلًا وهي غزوة ذات الرقاع. وعند ابن سعد وابن حبان، أنها كانت في المحرم سنة خمس، وأما أبو معشر فجزم بأنها كانت بعد بني قريظة والخندق، وهو موافق لصنيع المصنف، وقد تقدم أن غزوة قريظة كانت في ذي القعدة سنة خمس، فتكون ذات الرقاع في آخر السنة، وأول التي تليها، وأما موسى بن عقبة فجزم بتقديم وقوع غزوة ذات الرقاع، لكن تردد في وقتها، فقال: لا ندري كانت قبل بدر أو بعدها أو قبل أُحد أو بعدها، وهذا التردد لا حاصل له، بل الذي ينبغي الجزم به أنها بعد غزوة بني قريظة؛ لأنه تقدم أن صلاة الخوف في غزوة الخندق لم تكن شرعت، وقد ثبت وقوع صلاة الخوف في غزوة ذات الرقاع فدل على تأخرها بعد الخندق، وسأذكر بيان ذلك واضحًا. وفي هامش "اللامع" (١) عن العيني (٢): والحاصل أن غزوة ذات الرقاع عند ابن إسحاق كان بعد بني النضير وقبل الخندق سنة أربع، وعند ابن سعد وابن حبان أنها كانت في المحرم سنة خمس، ومال البخاري إلى أنها كانت بعد خيبر كما سيأتي، ومع هذا ذكرها قبل خيبر، والظاهر أن ذلك من الرواة، انتهى مختصرًا.

стр. 2261

قوله: (وهي غزوة محارب خصفة) كذا فيه، وهو متابع في ذلك لرواية مذكورة في أواخر الباب، وخصفة هو ابن قيس بن غيلان بن إلياس بن مضر، ومحارب هو ابن خصفة، والمحاربيون من قيس ينسبون إلى محارب بن خصفة هذا، وفي مضر محاربيون أيضًا لكونهم ينسبون إلى محارب بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر، وهم بطن من قريش، ولم يحرر الكرماني (١) هذا الموضع فإنه قال: قوله: "محارب" هي قبيلة من فهر، و"خصفة" هو ابن قيس بن غيلان. قال الحافظ: وفي شرح قول البخاري: "محارب خصفة" بهذا الكلام من الفساد ما لا يخفى، ويوضحه أن بني فهر لا ينسبون إلى قيس بوجه، نعم وفي العرنيين محارب بن صباح، وفي عبد القيس محارب بن عمرو، ذكر ذلك الدمياطي وغيره، فلهذه النكتة أضيفت محارب إلى خصفة لقصد التمييز عن غيرهم من المحاربين، كأنه قال: محارب الذين ينسبون إلى خصفة لا الذين ينسبون إلى فهر ولا غيرهم. قوله: (من بني ثعلبة بن غطفان) قال الحافظ (٢): كذا وقع فيه، وهو يقتضي أن ثعلبة جد لمحارب، وليس كذلك، ووقع في رواية القابسي: "خصفة بن ثعلبة" وهو أشدّ في الوهم، والصواب ما وقع عند ابن إسحاق غيره و"بني ثعلبة" بواو العطف، فإن غطفان هو ابن سعد بن قيس بن غيلان، فمحارب وغطفان ابنا عم، فكيف يكون الأعلى منسوبًا إلى الأدنى؟ وسيأتي في باب من حديث جابر بلفظ: "محارب وثعلبة" بواو العطف على الصواب، وفي قوله: "ثعلبة بن غطفان" بباء موحدة ونون نظر أيضًا، والأولى ما وقع عند ابن إسحاق: "وبني ثعلبة من غطفان" بميم ونون، فإنه ثعلبة بن سعد بن دينار بن معيص بن ريث بن غطفان، على أن لقوله: "ابن غطفان" وجهًا بأن يكون نسبه إلى جده الأعلى، انتهى من "الفتح".

стр. 2262

قلت: وهذا على نسخة "الفتح"، وفي النسخ الهندية على الصواب "من غطفان" بدل "بن غطفان"، وكتب الشيخ قُدِّس سرُّه في "اللامع" (١): ومقصود المصنف من إيراد الآثار المختلفة في الترجمة بيان ما في صلاة الخوف من الاختلاف: أين صلاها أولًا؟ والجمع بينهما أن تحمل على الصلاة المطلقة عن قيد الأولية، فإنه ﷺ صلى في جملة تلك الغزوات، انتهى. وقال الحافظ (٢): (تنبيه): جمهور أهل المغازي على أن غزوة ذات الرقاع هي غزوة محارب، كما جزم به ابن إسحاق، وعند الواقدي أنهما ثنتان، وتبعه القطب الحلبي في شرح "السيرة"، انتهى. قلت: وإلى مسلك الجمهور مال المصنف كما صرّح هو بنفسه في الترجمة. وأما سبب تسميتها بذات الرقاع فقال ابن هشام وغيره: سميت بذلك لأنهم رقعوا فيها راياتهم، وقيل: بشجر بذلك الموضع يقال له: ذات الرقاع، وقيل: بل الأرض التي كانوا نزلوا بها كانت ذات ألوان تشبه الرقاع، وقيل: لأن خيلهم كان بها سواد وبياض، قاله ابن حبان (٣)، وقال الواقدي: سميت بجبل هناك فيه بقع، وهذا لعله مستند ابن حبان، ويكون قد تصحف "جبل" بـ "خيل" وقد رجح السهيلي السبب الذي ذكره أبو موسى - وهو ما سيأتي في البخاري -، وكذلك النووي، ثم قال: يحتمل أن تكون سميت بالمجموع، وأغرب الداودي فقال: سميت ذات الرقاع لوقوع صلاة الخوف فيها، فسميت بذلك لترقيع الصلاة فيها، وذكر الحافظ الكلام على تعدد غزوة سميت بذات الرقاع كما قيل، فارجع إليه لو شئت (٤).
следующие страницы →