← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 853

الأبواب والتراجم لصحيح البخاري

محمد زكريا الكاندهلوي

Полный текст (3 740 стр.). Показаны 2258–2297 · переход к 2263.

стр. 2258

بأمر النبي ﷺ له بذلك، ثم أرسل الله عليهم الريح فتفرقوا، وكفى الله المؤمنين القتال. قوله: (قال موسى بن عقبة: كانت في شوال سنة أربع) وتابع موسى على ذلك مالك، وأخرجه أحمد عن موسى بن داود عنه، وقال ابن إسحاق: كانت في شوال سنة خمس، وبذلك جزم غيره من أهل المغازي، ومال المصنف إلى قول موسى بن عقبة، وقوَّاه بما أخرجه أول أحاديث الباب من قول ابن عمر: أنه عرض يوم أُحد وهو ابن أربع عشرة، ويوم الخندق وهو ابن خمس عشرة، فيكون بينهما سنة واحدة، وأُحد كانت سنة ثلاث فيكون الخندق سنة أربع، ولا حجة فيه إذا ثبت أنها كانت سنة خمس لاحتمال أن يكون ابن عمر في أُحد كان في أول ما طعن في الرابعة عشر، وكان في الأحزاب قد استكمل الخمس عشرة، وبهذا أجاب البيهقي، ويؤيد قول ابن إسحاق أن أبا سفيان قال للمسلمين لما رجع من أُحد: موعدكم العام المقبل ببدر، فخرج النبي ﷺ من السنة المقبلة إلى بدر، فتأخر مجيء أبي سفيان تلك السنة للجدب الذي كان حينئذ، وقال لقومه: إنما يصلح الغزو في سنة الخصب، فرجعوا بعد أن وصلوا إلى عسفان أو دونها، ذكر ذلك ابن إسحاق وغيره من أهل المغازي. وقد بيَّن البيهقي (١) سبب هذا الاختلاف، وهو أن جماعة من السلف كانوا يعدون التاريخ من المحرم الذي وقع بعد الهجرة ويلغون الأشهر التي قبل ذلك إلى ربيع الأول، وعلى ذلك جرى يعقوب بن سفيان في "تاريخه"، فذكر أن غزوة بدر الكبرى كانت في السنة الأولى، وأن غزوة أُحد كانت في الثانية، وأن الخندق كانت في الرابعة، وهذا عمل صحيح على ذلك البناء، لكنه بناء واه مخالف لما عليه الجمهور من جعل التاريخ من المحرم سنة الهجرة، وعلى ذلك تكون بدر في الثانية وأُحد في الثالثة والخندق في

стр. 2259

الخامسة، وهو المعتمد، ثم ذكر المصنف في الباب سبعة عشر حديثًا، انتهى من "الفتح" (١). (٣٢ - باب مرجع النبي ﷺ من الأحزاب) أي: من الموضع الذي كان يقاتل فيه الأحزاب إلى منزله بالمدينة، قاله الحافظ (٢). وفي "تاريخ الخميس" (٣): وكان قد أقام بالخندق خمسة عشر يومًا، وقيل: أربعة وعشرين يومًا، وقيل: عشرين، وقيل: سبعة وعشرين، وقيل: قريبًا من شهر، قال ﷺ : "لن تغزوكم قريش بعد عامكم هذا"، وكان كذلك فهو معجزة، وانصرف ﵊ من غزوة الخندق يوم الأربعاء لسبع ليال بقين من ذي القعدة، كذا في "المواهب اللدنية"، انتهى. قوله: (ومخرجه إلى بني قريظة. . .) إلخ، قد تقدم السبب في ذلك، وهو ما وقع من بني قريظة من نقض عهده وممالأتهم لقريش وغطفان عليه، وتقدم نسب بني قريظة في غزوة بني النضير، وذكر عبد الملك بن يوسف في "كتاب الأنواء": أنهم كانوا يزعمون أنهم من ذرية شعيب نبي الله على نبينا وعليه الصلاة والسلام، وهو بمحتمل وإن شعيبًا كان من بني جذام القبيلة المشهورة وهو بعيد جدًّا، وتقدم أن توجه النبي ﷺ إليهم كان لسبع بقين من ذي القعدة، وأنه خرج إليهم في ثلاثة آلاف، وذكر ابن سعد أنه كان مع المسلمين ستة وثلاثون فرسًا، انتهى من "الفتح" (٤). (٣٣ - باب غزوة ذات الرقاع) قال الحافظ (٥): هذه الغزوة اختلف فيها متى كانت؟ واختلف في سبب تسميتها بذلك كما سيأتي، وقد جنح البخاري إلى أنها كانت بعد

стр. 2260

خيبر، واستدل لذلك في هذا الباب بأمور سيأتي الكلام عليها مفصلًا، ومع ذلك فذكرها قبل خيبر فلا أدري هل تعمد ذلك تسليمًا لأصحاب المغازي أنها كانت قبلها - كما سيأتي - أو أن ذلك من الرواة عنه، أو إشارة إلى احتمال أن تكون ذات الرقاع اسمًا لغزوتين مختلفتين كما أشار إليه البيهقي، على أن أصحاب المغازي مع جزمهم بأنها كانت قبل خيبر مختلفون في زمانها، فعند ابن إسحاق أنها بعد بني النضير وقبل الخندق سنة أربع، قال ابن إسحاق: أقام رسول الله ﷺ بعد غزوة بني النضير شهر ربيع وبعض جمادى يعني: من سنته، وغزا نجدًا يريد بني محارب وبني ثعلبة من غطفان حتى نزل نخلًا وهي غزوة ذات الرقاع. وعند ابن سعد وابن حبان، أنها كانت في المحرم سنة خمس، وأما أبو معشر فجزم بأنها كانت بعد بني قريظة والخندق، وهو موافق لصنيع المصنف، وقد تقدم أن غزوة قريظة كانت في ذي القعدة سنة خمس، فتكون ذات الرقاع في آخر السنة، وأول التي تليها، وأما موسى بن عقبة فجزم بتقديم وقوع غزوة ذات الرقاع، لكن تردد في وقتها، فقال: لا ندري كانت قبل بدر أو بعدها أو قبل أُحد أو بعدها، وهذا التردد لا حاصل له، بل الذي ينبغي الجزم به أنها بعد غزوة بني قريظة؛ لأنه تقدم أن صلاة الخوف في غزوة الخندق لم تكن شرعت، وقد ثبت وقوع صلاة الخوف في غزوة ذات الرقاع فدل على تأخرها بعد الخندق، وسأذكر بيان ذلك واضحًا. وفي هامش "اللامع" (١) عن العيني (٢): والحاصل أن غزوة ذات الرقاع عند ابن إسحاق كان بعد بني النضير وقبل الخندق سنة أربع، وعند ابن سعد وابن حبان أنها كانت في المحرم سنة خمس، ومال البخاري إلى أنها كانت بعد خيبر كما سيأتي، ومع هذا ذكرها قبل خيبر، والظاهر أن ذلك من الرواة، انتهى مختصرًا.

стр. 2261

قوله: (وهي غزوة محارب خصفة) كذا فيه، وهو متابع في ذلك لرواية مذكورة في أواخر الباب، وخصفة هو ابن قيس بن غيلان بن إلياس بن مضر، ومحارب هو ابن خصفة، والمحاربيون من قيس ينسبون إلى محارب بن خصفة هذا، وفي مضر محاربيون أيضًا لكونهم ينسبون إلى محارب بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر، وهم بطن من قريش، ولم يحرر الكرماني (١) هذا الموضع فإنه قال: قوله: "محارب" هي قبيلة من فهر، و"خصفة" هو ابن قيس بن غيلان. قال الحافظ: وفي شرح قول البخاري: "محارب خصفة" بهذا الكلام من الفساد ما لا يخفى، ويوضحه أن بني فهر لا ينسبون إلى قيس بوجه، نعم وفي العرنيين محارب بن صباح، وفي عبد القيس محارب بن عمرو، ذكر ذلك الدمياطي وغيره، فلهذه النكتة أضيفت محارب إلى خصفة لقصد التمييز عن غيرهم من المحاربين، كأنه قال: محارب الذين ينسبون إلى خصفة لا الذين ينسبون إلى فهر ولا غيرهم. قوله: (من بني ثعلبة بن غطفان) قال الحافظ (٢): كذا وقع فيه، وهو يقتضي أن ثعلبة جد لمحارب، وليس كذلك، ووقع في رواية القابسي: "خصفة بن ثعلبة" وهو أشدّ في الوهم، والصواب ما وقع عند ابن إسحاق غيره و"بني ثعلبة" بواو العطف، فإن غطفان هو ابن سعد بن قيس بن غيلان، فمحارب وغطفان ابنا عم، فكيف يكون الأعلى منسوبًا إلى الأدنى؟ وسيأتي في باب من حديث جابر بلفظ: "محارب وثعلبة" بواو العطف على الصواب، وفي قوله: "ثعلبة بن غطفان" بباء موحدة ونون نظر أيضًا، والأولى ما وقع عند ابن إسحاق: "وبني ثعلبة من غطفان" بميم ونون، فإنه ثعلبة بن سعد بن دينار بن معيص بن ريث بن غطفان، على أن لقوله: "ابن غطفان" وجهًا بأن يكون نسبه إلى جده الأعلى، انتهى من "الفتح".

стр. 2262

قلت: وهذا على نسخة "الفتح"، وفي النسخ الهندية على الصواب "من غطفان" بدل "بن غطفان"، وكتب الشيخ قُدِّس سرُّه في "اللامع" (١): ومقصود المصنف من إيراد الآثار المختلفة في الترجمة بيان ما في صلاة الخوف من الاختلاف: أين صلاها أولًا؟ والجمع بينهما أن تحمل على الصلاة المطلقة عن قيد الأولية، فإنه ﷺ صلى في جملة تلك الغزوات، انتهى. وقال الحافظ (٢): (تنبيه): جمهور أهل المغازي على أن غزوة ذات الرقاع هي غزوة محارب، كما جزم به ابن إسحاق، وعند الواقدي أنهما ثنتان، وتبعه القطب الحلبي في شرح "السيرة"، انتهى. قلت: وإلى مسلك الجمهور مال المصنف كما صرّح هو بنفسه في الترجمة. وأما سبب تسميتها بذات الرقاع فقال ابن هشام وغيره: سميت بذلك لأنهم رقعوا فيها راياتهم، وقيل: بشجر بذلك الموضع يقال له: ذات الرقاع، وقيل: بل الأرض التي كانوا نزلوا بها كانت ذات ألوان تشبه الرقاع، وقيل: لأن خيلهم كان بها سواد وبياض، قاله ابن حبان (٣)، وقال الواقدي: سميت بجبل هناك فيه بقع، وهذا لعله مستند ابن حبان، ويكون قد تصحف "جبل" بـ "خيل" وقد رجح السهيلي السبب الذي ذكره أبو موسى - وهو ما سيأتي في البخاري -، وكذلك النووي، ثم قال: يحتمل أن تكون سميت بالمجموع، وأغرب الداودي فقال: سميت ذات الرقاع لوقوع صلاة الخوف فيها، فسميت بذلك لترقيع الصلاة فيها، وذكر الحافظ الكلام على تعدد غزوة سميت بذات الرقاع كما قيل، فارجع إليه لو شئت (٤).

стр. 2263

(٣٤ - باب غزوة بني المصطلق من خزاعة. . .) إلخ قال الحافظ (١): هكذا وقع ههنا، وذكر ما يتعلق بها، ثم أورد حديث أبي سعيد في العزل، ثم قال بعد ذلك: "حدثني محمود" يعني: ابن غيلان "حدثنا عبد الرزاق" فذكر حديث جابر في غزوة نجد، وفيه قصة الأعرابي، وهذا محله في غزوة ذات الرقاع، وقد وقع في رواية أبي ذر عن المستملي: "في غزوة ذات الرقاع" وهو أنسب، ثم ذكر بعد هذه ترجمة وهي غزوة أنمار، وذكر فيها حديث جابر رأيت النبي ﷺ في غزوة أنمار يصلي على راحلته، وهذا الحديث قد تقدم في "باب قصر الصلاة"، وكان محل هذا قبل غزوة بني المصطلق؛ لأنه عقّبه بترجمة حديث الإفك، والإفك كان في غزوة بني المصطلق، فلا معنى لإدخال غزوة أنمار بينهما، بل غزوة أنمار إنما يشبه أن تكون هي غزوة محارب وبني ثعلبة، لما تقدم من قول أبي عبيد: إن الماء لبني أشجع وأنمار وغيرهما من قيس، والذي يظهر أن التقديم والتأخير في ذلك من النساخ، انتهى. قوله: (غزوة بني المصطلق) أما المصطلق فهو لقب، واسمه جذيمة بن سعد بن عمرو بن ربيعة بن حارثة، بطن من بني خزاعة، وقد تقدم بيان نسب خزاعة في أوائل السيرة النبوية، وأما المريسيع فهو ماء لبني خزاعة، بينه وبين الفرع مسيرة يوم، وقد روى الطبراني من حديث سفيان بن وبرة قال: كنا مع النبي ﷺ في غزوة المريسيع غزوة بني المصطلق. قوله: (قال ابن إسحاق: وذلك سنة ست) كذا هو في مغازي ابن إسحاق (٢) رواية يونس بن بكير وغيره عنه، وقال في شعبان، وبه جزم خليفة والطبري، وروى البيهقي من طريق قتادة وعروة وغيرهما أنها كانت في شعبان سنة خمس، وكذا ذكرها أبو معشر قبل الخندق.

стр. 2264

قوله: (وقال موسى بن عقبة: سنة أربع) كذا ذكره البخاري، وكأنه سبق قلم أراد أن يكتب سنة خمس فكتب سنة أربع، والذي في مغازي موسى بن عقبة (١) من عدة طرق أخرجها الحاكم وأبو سعيد النيسابوري والبيهقي في "الدلائل" وغيرهم سنة خمس، ولفظه عن موسى بن عقبة عن ابن شهاب: ثم قاتل رسول الله ﷺ بني المصطلق وبني لحيان في شعبان سنة خمس، ويؤيده ما أخرجه البخاري في الجهاد عن ابن عمر: أنه غزا مع النبي ﷺ بني المصطلق في شعبان سنة أربع، ولم يؤذن له في القتال؛ لأنه إنما أذن له فيه في الخندق، كما تقدم، وهي بعد شعبان سواء قلنا: إنها كانت سنة خمس أو سنة أربع، وقال الحاكم في "الإكليل": قول عروة وغيره: إنها كانت في سنة خمس أشبه من قول ابن إسحاق، ثم رجح الحافظ كونها سنة خمس إذ قال: ويؤيده ما ثبت في حديث الإفك أن سعد بن معاذ تنازع هو وسعد بن عبادة في أصحاب الإفك، فلو كان المريسيع في شعبان سنة ست مع كون الإفك كان فيها لكان ما وقع في الصحيح من ذكر سعد بن معاذ غلطًا؛ لأن سعد بن معاذ مات أيام قريظة، وكانت سنة خمس على الصحيح كما تقدم تقريره، وإن كانت كما قيل سنة أربع فهي أشدّ، فيظهر أن المريسيع كانت سنة خمس في شعبان لتكون قد وقعت قبل الخندق؛ لأن الخندق كانت في شوال من سنة خمس أيضًا، فتكون بعدها، فيكون سعد بن معاذ موجودًا في المريسيع، ورمي بعد ذلك بسهم في الخندق، ومات من جراحته في قريظة، ويؤيده أيضًا أن حديث الإفك كان سنة خمس، إذ الحديث فيه التصريح بأن القصة وقعت بعد نزول الحجاب، والحجاب كان في ذي القعدة سنة أربع عند جماعة، فيكون المريسيع بعد ذلك، فيترجح أنها سنة خمس، أما قول الواقدي: إن الحجاب كان في ذي القعدة سنة خمس فمردود قد جزم خليفة وأبو عبيد وغير واحد بأنه كان سنة ثلاث، فحصلنا في الحجاب ثلاثة أقوال: أشهرها

стр. 2265

سنة أربع، والله أعلم (١). وبسط الكلام على ذلك في هامش "اللامع" (٢) في "باب خروج النساء إلى البراز" من كتاب الوضوء" تحت قوله: "فأنزل الله الحجاب" وذكر فيه الكلام في تعيين آية الحجاب، فارجع إليه لو شئت. قوله: (كان حديث الإفك في غزوة المريسيع) وبهذا قال ابن إسحاق وغير واحد من أهل المغازي أن قصة الإفك كانت في رجوعهم من غزوة المريسيع، انتهى كله من "الفتح" (٣). (٣٣ - باب غزوة أنمار) [¬*] تقدم بعض ما يتعلق به في أول الباب السابق، وتقدم أيضًا من كلام الحافظ أن محل هذا الباب قبل غزوة بني المصطلق وغير ذلك. قال الحافظ (٤): ولم يذكر أهل المغازي غزوة أنمار، وذكر مغلطاي أنها غزوة "أَمِر" بفتح الهمزة وكسر الميم، فقد ذكر ابن إسحاق أنها كانت في صفر، وعند ابن سعد "قدم قادم بحلب فأخبر أن أنمار وثعلبة قد جمعوا لهم، فخرج لعشر خلون من المحرم فأتى محلهم بذات الرقاع"، وقيل: إن غزوة أنمار وقعت في أثناء غزوة بني المصطلق لما روى أبو الزبير عن جابر: أرسلني رسول الله ﷺ وهو منطلق إلى بني مصطلق فأتيته وهو يصلي على بعير، الحديث، ويؤيده رواية الليث عن القاسم بن محمد: أن النبي ﷺ صلى في غزوة بني أنمار صلاة الخوف، ويحتمل أن رواية جابر لصلاته ﷺ تعددت، انتهى. قلت: وما حكى الحافظ مما قيل: إن غزوة أنمار وقعت في أثناء غزوة بني المصطلق لعله لهذا ذكرها البخاري بين هذين البابين.

стр. 2266

وقال القسطلاني (١): غزوة أنمار وقد يقال: غزوة بني أنمار وهي قبيلة، ولم يزد القسطلاني في شرح الترجمة على هذا، وقال بعد ذكر حديث الباب: هذا الحديث قد مرَّ في "باب صلاة التطوع على الدواب" وفي "باب ينزل للمكتوبة"، وليس فيه ذكر قصة أنمار فلا معنى لذكره ها هنا على ما لا يخفى، انتهى. قلت: قد أخرج مالك في "موطئه" حديث جابر هذا: أنه قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ في غزوة بني أنمار، قال جابر: فبينا أنا نازل تحت شجرة إذا رسول الله ﷺ قال فقلت: يا رسول الله ﷺ علم إلى الظل الحديث، وبسطت في شرحه الكلام على مصداق هذه الغزوة في "الأوجز" (٢)، وفيه: وفيما ألفته في "الوقائع والدهور" في السنة الثالثة من الهجرة: قال الطبري: لما رجع رسول الله ﷺ من غزوة السويق أقام بالمدينة بقية ذي الحجة والمحرم، ثم غزا نجدًا يريد غطفان وهي غزوة ذي أَمِر، فأقام بنجد الصفر كله، ثم رجع ولم يلق كيدًا، وفي "الخميس" (٣): سماها الحاكم غزوة أنمار، وهكذا في "المجمع" (٤)، وقال صاحب "المحلى": غزوة بني أنمار، يعني: أنمار بن يعيض، وهم قبائل في العرب، وتلك الغزوة اشتهرت بذات الرقاع، وكانت قبل الخندق بعد النضير إلى آخر ما قال. وقال الزرقاني (٥): غزوة بني أنمار بناحية نجد في سنة ثلاث من الهجرة، وهي غزوة غطفان، وتعرف بذي أَمِر، وسببها أن جمعًا من بني ثعلبة ومحارب تجمعوا يريدون أن يصيبوا من أطراف رسول الله ﷺ ، فخرج إليهم، فلما سمعوا بذلك هربوا في رؤوس الجبال فرقًا ممن نصر بالرعب، فرجع ولم يلق حربًا، وفي "البداية والنهاية" (٦): في السنة الثالثة في أولها

стр. 2267

كانت غزوة نجد، ويقال لها: غزوة ذي أَمِر، فذكر القصة، وفي "طبقات ابن سعد": غزوة رسول الله ﷺ غطفان إلى نجد، وهي غزوة ذي أَمِر في شهر ربيع الأول على رأس خمس وعشرين شهرًا من مهاجرة رسول الله ﷺ فذكر القصة، انتهى. (٣٤ - باب حديث الإفك) قد تقدم وجه مناسبة إيراده ها هنا من أن قصة الإفك كانت في غزوة المريسيع، قوله: (والإفك) بكسر الهمزة وفتحها مع سكون الفاء فيهما (بمنزلة النجس) بكسر النون وسكون الجيم (والنجس) بفتحها، انتهى من "القسطلاني" (١). وقال العيني (٢): أشار بهما إلى أنهما لغتان: الأولى: الإفك بكسر الهمزة وسكون الفاء كالنجس بكسر النون وسكون الجيم، والثانية: الأَفَك بفتح الهمزة والفاء معًا كالنجس بفتحتين، والأولى هي اللغة المشهورة، وقوله: "بمنزلة النجس" أي: في الضبط وكونهما لغتين، انتهى وهذا هو الصواب، وما قال القسطلاني في ضبط الإفك بسكون الفاء فيهما فيه نظر كما لا يخفى. قوله: (يقال: إفكهم وأفكهم) قال الحافظ (٣): أي: في قوله تعالى: ﴿بَلْ ضَلُّوا عَنْهُمْ وَذَلِكَ إِفْكُهُمْ وَمَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ [الأحقاف: ٢٨] فقرئ في المشهور بكسر الهمزة وسكون الفاء وبضم الكاف، وأما بالفتحات فقرئ بالشاذ، وهو عن عكرمة وغيره بثلاث فتحات فعلًا ماضيًا، أي: صرفهم، ثم ذكر المصنف حديث الإفك بطوله من طريق صالح بن كيسان عن ابن شهاب، وقد تقدم بطوله في الشهادات من طريق فليح عن ابن شهاب، وسيأتي في التفسير أيضًا، وذكر المصنف بعد سياقه قصة الإفك أحاديث تتعلق بها، انتهى.

стр. 2268

وفي "الفيض" (١): (فائدة): والحكمة الإلهية في إجراء تلك القصة في بيت النبوَّة بيان صبر النبي ﷺ ، وثباته على أحكام الشرع وعدم مجاوزته عن الحدود، فإن سعدًا لما سأل النبي ﷺ عن رجل يرى على امرأته رجلًا، ولم يجد عليه بيِّنة: كيف يفعل؟ قال له: إنه يأتي ببينة أو يُحدُّ حدّ القذف، فقال له سعد: ولكن والله أضربه بالسيف غير مصفح، فقال النبي ﷺ : انظروا إلى غيرة سعد، وأنا أغير منه، والله أغير مني، ثم نزل اللعان، فكشف الله سبحانه أنه لم يقله لسعد فقط، بل لما ابتلي به ترقب الوحي بنفسه أيضًا، ولم يعجل في أمره ولا احتال لدرئه، ثم إني أجد أنه ما من نبي إلا وقد ابتلي من جهة النساء أيضًا، إلى آخر ما ذكر. قوله: (ما كشفت من كنف أنثى قط) كتب الشيخ في "اللامع" (٢): يعني: في حرام، انتهى. قلت: وهكذا أفاد الشيخ قُدِّس سرُّه في "الكوكب الدري (٣) إذ قال: أي: في الحرام لا في الجاهلية ولا في الإسلام، وبسط في "هامشه" الكلام عليه. قال الكرماني (٤): وهو كناية عن عدم الجماع، ويروى أنه كان حصورًا، وأن معه مثل الهدبة، انتهى. ويشكل على ذلك ما في أبي داود وفي قصة امرأة صفوان بن معطل هذا من حديث أبي سعيد الخدري: أنها شكت إلى رسول الله ﷺ أن زوجها يفطرها إذا صامت، وأجاب عنه صفوان بأني رجل شاب لا أصبر، قال البزار: هذا الحديث منكر، ولعل الأعمش أخذه من غير ثقة فدلسه، فصار ظاهر سنده الصحة، وليس للحديث عندي، أصل، وردّه الحافظ، وذكر للحديث متابعة جيدة تؤذن بأن للحديث أصلًا، ثم قال: والجمع

стр. 2269

بينهما على ما ذكره القرطبي: أن مراده بقوله: "ما كشفت" أي: بزنا. قال الحافظ (١): وفيه نظر، لأن في رواية سعيد بن هلال عن هشام في قصة الإفك قال: والله ما أصبت امرأة قط حلالًا ولا حرامًا، فالذي يظهر أن مراده بالنفي المذكور ما قبل هذه القصة، ولا مانع أن يتزوج بعد ذلك، انتهى. قوله: (حدثني مسروق قال: حدثتني أم رومان. . .) إلخ، قال القسطلاني (٢): اعترض الخطيب، وتبعه جماعة على هذا الحديث بأن مسروقًا لم يسمع من أم رومان؛ لأنها توفيت في زمنه ﷺ وسن مسروق إذ ذاك كان ست سنين، فالظاهر أنه مرسل، وأجاب الحافظ في "المقدمة": بأن الواقعة في البخاري هو الصواب؛ لأن راوي وفاة أم رومان في سنة ست علي بن زيد بن جدعان، وهو ضعيف كما نبّه عليه البخاري في "تاريخه الأوسط" و"الصغير"، وحديث مسروق أصح إسنادًا، وقد جزم إبراهيم الحربي الحافظ بأن مسروقًا إنما سمع من أم رومان في خلافة عمر، وقال أبو نعيم الأصبهاني: عاشت أم رومان بعد النبي ﷺ دهرًا، وقال أيضًا في موضع آخر (٣): قيل: إن أم رومان توفيت في زمنه ﷺ أربع أو خمس أو ست، ومسروق لم يدركها، لأنه لم يقدم من اليمن إلا بعد وفاته ﷺ في خلافة أبي بكر وعمر، وهذا ما ذكره الواقدي، وما في الصحيح أصح، وقد جزم إبراهيم الحربي بأن مسروقًا سمع من أم رومان وله خمس عشرة سنة، فيكون سماعه في خلافة عمر؛ لأن مولد مسروق كان في سنة الهجرة، انتهى. (٣٥ - باب غزوة الحديبية. . .) إلخ قال الحافظ (٤): في رواية أبي ذر عن الكشميهني: "عمرة" بدل غزوة،

стр. 2270

والحديبية بالتثقيل والتخفيف لغتان، وأنكر كثير من أهل اللغة التخفيف، وقال أبو عبيد البكري (١): أهل العراق يثقلون وأهل الحجاز يخففون، انتهى. وقال القسطلاني (٢): في "القاموس": الحديبية: بئر قرب مكة حرسها الله تعالى، انتهى. قوله: (وقول الله تعالى: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ. . .﴾ [الفتح: ١٨]) إلخ، يشير إلى أنها نزلت في قصة الحديبية، وكان توجهه ﷺ من المدينة يوم الاثنين مستهل ذي القعدة سنة ست، فخرج قاصدًا إلى العمرة، فصدّه المشركون عن الوصول إلى البيت، ووقعت بينهم المصالحة على أن يدخل مكة في العام المقبل، وجاء عن هشام بن عروة عن أبيه: أنه خرج في رمضان واعتمر في شوال، وشذّ بذلك، ومضى في الحج قول عائشة: "ما اعتمر إلا في ذي القعدة"، قال الحافظ: ذكر المصنف فيه ثلاثين حديثًا، انتهى من "الفتح" (٣). قوله: (ألفًا وثلاث مائة. . .) إلخ، كتب الشيخ قُدِّس سرُّه في "اللامع" (٤): ثم تلاحق بهم آخرون، فصاروا أربعمائة، ثم آخرون فصاروا خمسة مائة، انتهى. وفي هامشه: ذكر الحافظ في "الفتح" الروايات المختلفة في عددهم، ففي رواية أربع عشرة مائة، وفي رواية ألفًا وأربعمائة أو أكثر، وفي رواية خمس عشر مائة، وفي أخرى ألفًا وثلاث مائة، ثم قال (٥): والجمع بين هذا اختلاف أنهم كانوا أكثر من ألف وأربعمائة، فمن قال: ألفًا وخمس مائة جبر الكسر، ومن قال: ألفًا وأربعمائة ألغاه، ويؤيده ما في رواية

стр. 2271

البراء: ألفًا وأربعمائة أو أكثر، واعتمد على هذا الجمع النووي، وأما البيهقي فمال إلى الترجيح، وقال: إن رواية من قال: ألف وأربعمائة أصح، ووقع عند ابن سعد عن معقل بن يسار زهاء ألف وأربعمائة، وهو ظاهر في عدم التحديد، وأما قول عبد الله بن أبي أوفى: ألفًا وثلثمائة فيمكن حمله على ما اطلع هو عليه، واطلع غيره على زيادة، والزيادة من الثقة مقبولة، ثم ذكر التوجيه الذي ذكره الشيخ في "اللامع" إلى آخر ما بسط في هامش "اللامع". (فإن يأتونا كان الله قد قطع عينًا من المشركين) كتب الشيخ في "اللامع" (١): أي: جماعة من المشركين، فإن الكفار لما رجعوا إلى أهليهم لم يبق مع أهل مكة منهم أحد، فتقل جماعتهم، ويمكن أن يكون المعنى أنهم إذا رجعوا إليهم لم تحتج إلى بعث جاسوس إلى مكة ليعلم لنا علم من اجتمع فيها من الكفار، إذ لا يبقى هناك غير قريش فلا يحتاج إلى بعث جاسوس، لحصول العلم بأنه ليس فيها أحد ممن سواهم، غير أن أبا بكر لم يوافق هذا الرأي لما فيه من رفض العمرة، وقد خرجوا لها، واشتهر فيما بينهم أنه خرج لها، فلو اشتغل بالقتال لكان فيه نوع تعزير، انتهى. وفي هامشه: قوله: "أي: جماعة" اختلف الشرَّاح في شرح هذا اللفظ على معان عديدة تأتي قريبًا بعضها أبعد من بعض، وهذا الذي اختاره الشيخ في معناه: أي جماعة هو الأوجه، بل هو المتيقن عند هذا العبد الضعيف إلى آخر ما بسط في هامش "اللامع" أشد البسط. قوله: (عند رجل من الأنصار) كتب الشيخ في "اللامع" (٢): وكان في ناحية من العسكر هناك وطلب منه عمر فرسه لقتال، إذ كانوا يظنون أن القتال كائن لا محالة، ولا ينافيه ما في الحديث الآتي: "أن عمر أرسل ابنه لينظر ما شأن الناس أحدقوا برسول الله ﷺ "، وذلك لأنه يمكن أن يكون

стр. 2272

أمر بهما، فقال له: اذهب وائتني بخبر القوم وبفرسه، فذكر كل من الرواة أمرًا ولم يذكرهما، انتهى. وفي هامشه: وإلى هذا التوجيه مال الحافظ (١) إذ قال: في الحديث الآتي قوله: "قد أحدقوا. . ." إلخ، وهذا السبب الذي ها هنا في أن ابن عمر بايع قبل أبيه غير السبب الذي قبله، ويمكن الجمع بينهما بأنه بعثه يحضر له الفرس، ورأى الناس مجتمعين فقال له: انظر ما شأنه؟ فبدأ بكشف حاله فوجدهم يبايعون، فبايع وتوجّه إلى الفرس، فأحضرها وأعاد حينئذ الجواب على أبيه، انتهى مختصرًا، وتبعه القسطلاني (٢) في ذلك ولم يزد شيئًا. وقال العيني (٣): فإن قلت: السبب الذي ها هنا غير السبب الذي قبله؟ قلت: هذا السؤال فيه تعسف فلا يرد أصلًا، وذلك أن ابن عمر تكررت منه المبايعة، وتوحدت في الحديث السابق، وقد تكلف الشارحون بما ليس بطائل. وقال الكرماني (٤): فإن قلت: المستفاد مما تقدم في آخر هجرة النبي ﷺ أن هذه القصة كانت عند قدوم عمر وعبد الله المدينة، ومن ها هنا أنه في الحديبية؟ قلت: هذه غيرها، وهذه البيعة المكررة وقعت فيهما، وذلك التحديث كان في الهجرة، وهذا في الإسلام، وبهذا قال ثمه إذا قيل: إنه هاجر قبل أبيه يغضب، وها هنا قال: يتحدثون أن ابن عمر أسلم قبل عمر إلى آخر ما بسط في هامش "اللامع" وفيه: وقد عرفت مما سبق أن الروايات في ذلك ثلاثة: الأولى ما تقدم في الهجرة، والاثنتان في هذا الباب من إرساله ليأتي الفرس ومن إرساله ليرى الناس محدقين. وكتب الشيخ في "اللامع" (٥): قوله: (فهي التي يتحدث الناس. . .)

стр. 2273

إلخ، ووجه ذلك أن المتبادر من البيعة كانت هي البيعة للإسلام، فمن سمع - ممن لم يعلم بإسلام عمر أنه أسلم بمكة - لفظ (١) البيعة أن ابن عمر بايع قبل أبيه حملها على الإسلام، وأما من كان يعرف القضية وإسلام عمر وابنه فقد عرف ما كان واقعًا، انتهى. (٣٦ - باب قصة عكل وعرينة) قال العيني (٢): هما قبيلتان، وقد مرَّ تفسيرهما في "كتاب الطهارة" في "باب أبوال الإبل" قال الحافظ (٣): ذكر ابن إسحاق انها كانت بعد غزوة ذي قرد، انتهى. وقال الحافظ (٤): "كتاب الطهارة": روي أبو عوانة والطبري عن أنس قال: كانوا أربعة من عرينة، وثلاثة من عكل، ولا يخالف هذا ما عند المصنف في الجهاد، وفي الديات: أن رهطًا من عكل ثمانية لاحتمال أن يكون الثامن من غير القبيلتين، وزعم ابن التِّين تبعًا للداودي أن عرينة هم عكل، وهو غلط بل هما قبيلتان متغايرتان عكل من عدنان وعرينة من قحطان، وعكل قبيلة من تيم الرباب وعرينة حي من قزاعة، وهي من بجيلة، والمراد ها هنا الثاني، وذكر ابن إسحاق في المغازي أن قدومهم كان بعد غزوة ذي قرد، وكانت في جمادى الآخرة سنة ست، وذكرها المصنف بعد الحديبية، وكانت في ذي القعدة منها، وذكر الواقدي أنها كانت في شوال منها، وتبعه ابن سعد وابن حبان وغيرهما. وقوله: (فبعث في آثارهم) وفي حديث سلمة بن الأكوع: "خيلًا من المسلمين، أميرهم كرز بن جابر الفهري" وكذا ذكره ابن إسحاق والأكثرون، وهو بضم الكاف وسكون الراء بعدها زاي، ولمسلم عن أنس: "إنهم شباب من الأنصار، قريب من عشرين رجلًا" وفي "مغازي الواقدي":

стр. 2274

أن السرية كانت عشرين رجلًا، ولم يقل من الأنصار، بل سمى منهم جماعة من المهاجرين إلى آخر ما ذكره. قوله: (وقال شعبة وأبان وحماد. . .) إلخ، قال الحافظ (١): وقع من قوله: "وقال شعبة" إلى آخر الباب عند أبي ذر بين غزوة ذي قرد وبين غزوة خيبر، وعليه جرى الإسماعيلي، ووقع عند الباقين تاليًا لحديث العرنيين الذي قبله وهو الراجح، ولعل الفصل وقع من تغيير بعض الرواة، ويحتمل أن يكون البخاري تعمد ذلك إشارة منه إلى أن قصة العرنيين متحدة مع غزوة ذي قرد، كما يشير إليه كلام بعض أهل المغازي، وإن كان الراجح خلافه، والله أعلم. (٣٧ - باب غزوة ذات القرد) بفتح القاف والراء، وحكي الضم فيهما، وحكي ضم أوله وفتح ثانيه، قال الحازمي: الأول ضبط أصحاب الحديث، والضم عن أهل اللغة، وقال البلاذري: الصواب الأول، وهؤلاء على نحو بريد مما يلي بلاد غطفان، وقيل: على مسافة يوم. قوله: (قبل خيبر بثلاث) كذا جزم به، ومستنده في ذلك حديث إياس ابن سلمة بن الأكوع عن أبيه فإنه قال في آخر الحديث الطويل الذي أخرجه مسلم من طريقه: "قال: فرجعنا، أي: من الغزوة إلى المدينة، فوالله ما لبثنا بالمدينة إلا ثلاث ليال حتى خرجنا إلى خيبر"، وأما ابن سعد فقال: كانت غزوة ذي قرد في ربيع الأول سنة ست قبل الحديبية، وقيل: في جمادى الأولى، وعن ابن إسحاق: في شعبان منها، فإنه قال: كانت بنو لحيان في شعبان سنة ست، فلما رجع النبي ﷺ إلى المدينة فلم يقم بها إلا ليالي حتى أغار عيينة بن حصن على لقاحه، قال القرطبي شارح مسلم في الكلام

стр. 2275

على حديث سلمة بن الأكوع: لا يختلف أهل السير أن غزوة ذي قرد كانت قبل الحديبية، فيكون ما وقع في حديث سلمة من وهم بعض الرواة، ثم حكى الحافظ عن القرطبي الجمع بين هذين القولين المختلفين، لكن لم يرض به وقال: فعلى هذا ما في الصحيح من التاريخ لغزوة ذي قرد أصحّ مما ذكره أهل السير، ويحتمل في طريق الجمع أن تكون إغارة عيينة بن حصن على اللقاح وقعت مرتين: الأولى: التي ذكرها ابن إسحاق، وهي قبل الحديبية، والثانية: بعد الحديبية قبل الخروج إلى خيبر، وكان رأس الذين أغاروا عبد الرحمن بن عيينة كما في سياق سلمة عند مسلم، ويؤيده أن الحاكم ذكر في "الإكليل": أن الخروج إلى ذي قرد تكرر، ففي الأولى خرج إليها زيد بن حارثة قبل أُحد، وفي الثانية خرج إليها النبي ﷺ في ربيع الآخر سنة خمس، والثالثة هذه المختلف فيها، انتهى. فإذا ثبت هذا قوي هذا الجمع الذي ذكرت، والله تعالى أعلم، انتهى (١). (٣٨ - باب غزوة خيبر) قال الحافظ (٢): بمعجمة وتحتانية وموحدة بوزن جعفر، وهي مدينة كبيرة ذات حصون ومزارع على ثمانية برد من المدينة إلى جهة الشام، ذكر أبو عبيد البكري: أنها سميت باسم رجل من العماليق نزلها، قال ابن إسحاق: خرج النبي ﷺ في بقية المحرم سنة سبع فأقام يحاصرها بضع عشرة ليلة إلى أن فتحها في صفر، قال ابن إسحاق: انصرف رسول الله ﷺ من الحديبية فنزلت عليه سورة الفتح فيما بين مكة والمدينة، فأعطاه الله فيها خيبر، بقوله: ﴿وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغَانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَهَا فَعَجَّلَ لَكُمْ هَذِهِ﴾ [الفتح: ٢٠]، يعني: خيبر، فقدم المدينة في ذي الحجة فأقام بها حتى سار إلى خيبر في المحرم، وحكى ابن التِّين عن ابن الحصار: أنها كانت في

стр. 2276

آخر سنة ست، وهذا منقول عن مالك، وبه جزم ابن حزم، وهذه الأقوال متقاربة، والراجح منها ما ذكره ابن إسحاق، ويمكن الجمع بأن من أطلق سنة ست بناه على أن ابتداء السنة من شهر الهجرة الحقيقي وهو ربيع الأول، وذكر الواقدي أنها كانت في صفر، وذكر ابن سعد أنها كانت في جمادى الأولى، وقيل: في ربيع الأول، وأغرب من ذلك ما أخرجه ابن سعد: أنه ﷺ خرج إلى خيبر لثمان عشرة من رمضان، ثم ذكر المصنف في الباب ثلاثين حديثًا، انتهى مختصرًا من "الفتح". (فقال المسلمون: إحدى أمهات المؤمنين أو ما ملكت يمينه. . .) إلخ، كتب الشيخ قُدِّس سرُّه في "اللامع" (١) وكان هذا التردد ممن لم يحضر النكاح والوليمة، وأما من حضرهما أو أحدهما فقد عرف الأمر، ويمكن أن يكون هذا التردد قبل الوليمة والنكاح، ففي العبارة تقديم وتأخير، انتهى. قوله: (ومنهم حكيم إذا لقي الخيل - أو قال: العدو - وقال لهم: إن أصحابي يأمرونكم أن تنظروهم) كتب الشيخ في "اللامع" (٢) في كلامه هذا منقبة ظاهرة لحكيم حيث يقبل على العدو قبل أصحابه، ويبادرهم إليه ثم يحثهم على المقاتلة، انتهى. ذكر في هامشه كلام الشرَّاح في شرحه، وفيه أيضًا: قلت: والأوجه عند هذا العبد الضعيف: أن المراد بالخيل أيضًا خيل العدو، والمعنى أنه يهدد خيل المشركين ولا يخاف منهم مع كونه منفردًا، وهذا من كمال شجاعته، انتهى. قوله: (بلى والذي نفسي بيده) كتب الشيخ في "اللامع" (٣): كلمة بلى ها هنا بمعنى لا، ولعله استعمل ها هنا استعمال أصحاب الهند كلمة "ها" بمد الصوت وتغير اللهجة، انتهى.

стр. 2277

قلت: قد أجاد الشيخ قُدِّس سرُّه في توجيهه، وحمل الشرَّاح على التصحيف، وفي نسخة "الفتح" و"العيني" بدله "بل"، قال الحافظ (١): وفي رواية الكشميهني: "بلى" وهو تصحيف، انتهى. ولا يبعد عندي أن يقال: إن لفظ: "بلى" على معناه الأصلي، وهو تقرير منه ﷺ على شهادته، فإن المعصية لا تنافي الشهادة فإنه ﷺ قرر أولًا شهادته، ثم بيَّن عقوبة معصية أيضًا، قال ابن عابدين (٢): من غرق في قطع الطريق فهو شهيد، وعليه إثم معصيته، وكل من مات بسبب معصية فليس بشهيد، وإن مات في معصية بسبب من أسباب الشهادة فله أجر شهادته، وعليه إثم معصيته، وكذلك أو قاتل على فرس مغصوب، أو كان قوم في معصية، فوقع عليهم البيت، فلهم الشهادة وعليهم إثم المعصية، انتهى. (٣٩ - باب استعمال النبي ﷺ على أهل خيبر) قال الحافظ (٣) وغيره: أي: بعد فتحها لتنمية الثمار، وحديث الباب مر في البيوع في "باب إذا أراد بيع تمر بتمر خير منه" انتهى. (٤٠ - باب معاملة النبي ﷺ أهل خيبر) ذكر فيه حديث ابن عمر مختصرًا، وقد تقدم في المزارعة. (٤١ - باب الشاة التي سمت للنبي ﷺ . . .) إلخ أي: جعل فيها السم، والسم مثلث السين، قوله: "رواه عروة عن عائشة" لعله يشير إلى الحديث الذي ذكره في الوفاة النبوية، انتهى من "الفتح" (٤).

стр. 2278

(٤٢ - باب غزوة زيد بن حارثة) مولى النبي ﷺ ووالد أسامة بن زيد، والغرض من قوله: (ذكر فيه حديث ابن عمر في بعث أسامة. . .) إلخ، قوله: فقد طعنتم في إمارة أبيه من قبله، انتهى من "الفتح" (١). وقال القسطلاني (٢) في شرح الحديث: قوله: (أمَّر أسامة على قوم) من كبار المهاجرين والأنصار، فيهم أبو بكر وعمر وأبو عبيدة وسعد وسعيد وقتادة بن النعمان وغيرهم ﵃ (فطعنوا في إمارته) أي: بعضهم، وكان أشدهم في ذلك عياش بن أبي ربيعة فقال: يستعمل هذا الغلام على المهاجرين، فكثرت المقالة في ذلك، فسمع عمر بن الخطاب بعض ذلك فردَّه على من تكلم، وأخبر بذلك النبي ﷺ فغضب غضبًا شديدًا فخطب، وقال: "إن تطعنوا" إلى آخر الحديث، وقد بعث ﷺ زيد بن حارثة في عدة سرايا، قال سلمة بن الأكوع فيما رواه أبو مسلم الكجي: غزوت مع زيد بن حارثة سبع غزوات يؤمره علينا، الحديث، ثم ذكرها القسطلاني، وكذا الحافظ في "الفتح" (٣) قال: والسابعة: إلى ناس من بين فزارة، وكان خرج قبلها في تجارة فخرج عليه ناس من بني فزارة، فأخذوا ما معه وضربوه، فجهزه النبي ﷺ إليهم فأوقع بهم، وقتل أم قِرْفة بكسر القاف وسكون الراء بعدها فاء، وهي فاطمة بنت ربيعة بن بدر زوج مالك بن حذيفة بن بدر عم عيينة بن حصن وكانت معظمة فيهم، فيقال: ربطها في ذنب فرسين وأجراهما فتقطعت، وأسر بنتها وكانت جميلة، ولعل هذه السرية الأخيرة مراد المصنف، وقد ذكر مسلم طرفًا منها من حديث سلمة بن الأكوع، انتهى. وكتب الشيخ قُدِّس سرُّه في "اللامع" (٤): قوله: (باب غزوة

стр. 2279

زيد بن حارثة. . .) إلخ، وهذه الغزوة غير الغزوة التي اشتهرت لغزوة مؤتة لتصريحه بها فيما بعد باسم على حدة، انتهى وستأتي غزوة مؤتة قريبًا. (٤٣ - باب عمرة القضاء) قال الحافظ (١): كذا للأكثر، وللمستملي وحده: "غزوة القضاء"، والأول أولى، ووجهوا كونها غزوة بأن موسى بن عقبة ذكر في المغازي عن ابن شهاب: أنه ﷺ خرج مستعدًا بالسلاح والمقاتلة خشية أن يقع من قريش غدر فبلغهم ذلك ففزعوا، فلقيه مكرز فأخبره أنه باق على شرطه وأن لا يدخل مكة بسلاح إلا السيوف في أغمادها، وإنما خرج في تلك الهيئة احتياطًا فوثق بذلك، وأخَّر النبي ﷺ السلاح مع طائفة من أصحابه خارج الحرم حتى رجع، ولا يلزم من إطلاق الغزوة وقوع المقاتلة، وقال ابن الأثير: أدخل البخاري عمرة القضاء في المغازي لكونها كانت مسببة عن غزوة الحديبية. واختلف في سبب تسميتها عمرة القضاء؟ قال السهيلي: لأنه قاضى فيها قريشًا، لا لأنها قضاء عن العمرة التي صدّ عنها؛ لأنها لم تكن فسدت حتى يجب قضاؤها بل كانت عمرة تامة، كما تقدم في "كتاب الحج"، وقال آخرون: بل كانت قضاء عن العمرة الأولى، وعدت عمرة الحديبية في العمر لثبوت الأجر فيها لا؛ لأنها كملت إلى آخر ما في "الفتح"، وفيه: فتحصل من أسمائها أربعة: القضاء، والقضية، والقصاص، والصلح. وقال ابن إسحاق خرج النبي ﷺ في ذي القعدة معتمرًا عمرة القضاء، وكذلك ذكر موسى بن عقبة عن ابن شهاب، انتهى من "الفتح". قلت: وبسط الكلام على قصة عمرة القضاء، وما يتعلق بها من المباحث الحديثية والفقهية، وكذا على بقية عمره صلى الله تعالى عليه

стр. 2280

وعلى آله وسلم تسليمًا كثيرًا كثيرًا في جزء مفرد سميته "جزء عمرات النبي ﷺ " وهو ملحق في آخر "جزء حجة الوداع" (١)، وهو أيضًا مما منّ الله تعالى علي بتأليفه، فارجع إليه لو شئت التفصيل. (٤٤ - باب غزوة مؤتة من أرض الشام) بضم الميم وسكون الواو بغير همز لأكثر الرواة، وبه جزم المبرد، ومنهم من همزها، وبه جزم ثعلب والجوهري وابن فارس، وحكى صاحب "الواعي" الوجهين، وأما الموتة التي وردت الاستعاذة منها وفسرت بالجنون فهي بغير همز. قوله: (من أرض الشام) قال ابن إسحاق: هي بالقرب من البلقاء، وقال غيره: هي على مرحلتين من بيت المقدس، ويقال: إن السبب فيها أن شرحبيل بن عمرو الغسَّاني - وهو من أمراء قيصر على الشام - قتل رسولًا أرسله النبي ﷺ إلى صاحب بصرى، واسم الرسول الحارث بن عمير، فجهز إليهم النبي ﷺ عسكرًا في ثلاثة آلاف، وفي "مغازي أبي الأسود": عن عروة: "بعث رسول الله ﷺ الجيش إلى مؤتة في جمادى من سنة ثمان"، وكذا قال ابن إسحاق وموسى بن عقبة وغيرهما من أهل المغازي، لا يختلفون في ذلك، إلا ما ذكر خليفة في "تاريخه" أنها كانت سنة سبع، انتهى من "الفتح" (٢). (٤٥ - باب بعث النبي ﷺ أسامة بن زيد إلى الحرقات) بضم الحاء والراء المهملتين وفتح القاف وبعد الألف فوقية، نسبة إلى الحرقة، واسمه جهيش بن عامر بن ثعلبة بن مودعة بن جهينة، وسمي

стр. 2281

الحرقة؛ لأنه حرّق قومًا بالقتل فبالغ في ذلك، والجمع فيه باعتبار بطون تلك القبيلة، انتهى من "القسطلاني" (١). قال العيني (٢): قوله: "الحرقات" بضم الحاء المهملة وفتح الراء وبالقاف، وهي قبيلة من جهينة، والظاهر أنه جمع حرقة، انتهى. وكذا في "الفتح" (٣): "الحرقات" بضم المهملة وفتح الراء. قوله: (بعثنا رسول ﷺ إلى الحرقة) قال الحافظ (٤): ليس في هذا ما يدل على أنه كان أمير الجيش كما هو ظاهر الترجمة، وقد ذكر أهل المغازي سرية غالب بن عبد الله الليثي إلى الميفعة بتحتانية ساكنة وفاء مفتوحة، وهي وراء بطن نخل، وذلك في رمضان سنة سبع، وقالوا: إن أسامة قتل الرجل في هذه السرية، فإن ثبت أن أسامة كان أمير الجيش فالذي صنعه البخاري هو الصواب؛ لأنه ما أمّر إلا بعد قتل أبيه في غزوة مؤتة، وذلك في رجب سنة ثمان، وإن لم يثبت أنه كان أميرها رجح ما قال أهل المغازي، انتهى. قوله: (حتى تمنيت أني لم أكن أسلمت قبل ذلك اليوم) كتب الشيخ ﵀ في "اللامع" (٥): وكثيرًا ما ينظر إلى أمور هي مقاصد بالذات، ولا ينظر إلى ما لا يلزم فيها من المفاسد، فكأن أسامة تمنى إذ ذاك براءته من هذه الجناية مع عظم أمرها وهول ما يعقبها كيف حصلت، ولم ينظر إلى ما لزم فيه من التلبث بالكفر مدة كذا، انتهى. وذكر في هامشه كلام الشرَّاح، وفيه أيضًا: ونظير ذلك التمني الدعاء بالشهادة فإنه يستلزم طلب نصر الكافر على المسلم كما تقدم تقريره مفصلًا في "كتاب الجهاد"، فإنهم قالوا: إن القصد الأصلي فيه حصول

стр. 2282

الدرجة العليا لحصول الشهادة، وليس طلب نصر الكافر هناك مقصودًا، انتهى. (٤٦ - باب غزوة الفتح) وما بعث حاطب بن أبي بلتعة إلى أهل مكة، قال الحافظ (١): أي: فتح مكة شرفها الله تعالى، وسقط لفظ: "باب" من نسخة الصغاني، وكان سبب ذلك أن قريشًا نقضوا العهد الذي وقع في الحديبية، فبلغ ذلك النبي ﷺ ، قال ابن إسحاق: حدثني الزهري، عن عروة، عن المسور بن مخرمة: أنه كان في الشرط: من أحبّ أن يدخل في عقد رسول الله ﷺ وعهده فليدخل، ومن أحبّ أن يدخل في عقد قريش وعهدهم فليدخل، فدخلت بنو بكر بن عبد مناة بن كنانة في عهد قريش، ودخلت خزاعة في عهد رسول الله ﷺ ، قال ابن إسحاق: وكان بين بني بكر وخزاعة حروب وقتلى في الجاهلية، فتشاغلوا عن ذلك لما ظهر الإسلام، فلما كانت الهدنة خرج نوفل بن معاوية الديلي من بني بكر في بني الديل حتى بيت خزاعة على ماء لهم يقال له: الوتير، فأصاب منهم رجلًا يقال له: منبه، واستيقظت لهم خزاعة، فاقتتلوا إلى أن دخلوا الحرم ولم يتركوا القتال، وأمدت قريش بني بكر بالسلاح، وقاتل بعضهم معهم ليلًا في خفية، فلما انقضت الحرب خرج عمرو بن سالم الخزاعي حتى قدم على رسول الله ﷺ وهو جالس في المسجد، فأنشد أشعارًا فيه بيان نقض قريش العهد، ذكرها الحافظ، قال ابن إسحاق: فقال له رسول الله ﷺ : "نصرت يا عمرو بن سالم" فكان ما هاج فتح مكة، انتهى. قوله: (وما بعث حاطب. . .) إلخ، قال العيني (٢): هذا عطف على قوله: "غزوة الفتح" والتقدير: وفي بيان ما بعث به حاطب بن أبي بلتعة إلى أهل مكة. . . إلخ، والمبعوث منه الكتاب، وصورته: أما بعد يا معشر قريش،

стр. 2283

فإن رسول الله ﷺ جاءكم بجيش كالليل، يسير كالسيل، فوالله لو جاءكم وحده نصره الله عليكم، وأنجز له وعده، فانظروا لأنفسكم، والسلام، انتهى. قال الحافظ (١): فلما أجمع رسول الله ﷺ المسير إلى مكة، كتب حاطب بن أبي بلتعة إلى قريش يخبرهم بذلك، ثم أعطاه امرأة من مزينة، وعند ابن أبي شيبة: ثم قال النبي ﷺ لعائشة: "جهزيني ولا تُعلمي بذلك أحدًا"، فدخل عليها أبو بكر فأنكر بعض شأنها فقال: ما هذا؟ فقالت له: فقال: والله ما انقضت الهدنة بيننا، فذكر ذلك للنبي ﷺ ، فذكر له أنهم أول من غدر، ثم أمر بالطرق فحبست، فعمي على أهل مكة لا يأتيهم خبر، انتهى. قلت: ومقصود المصنف بهذه الترجمة بيان التهيؤ له، فلا يتوهم التكرار بالترجمة الآتية. (٤٧ - باب غزوة الفتح في رمضان) أي: بيان أن غزوة يوم فتح مكة كانت في شهر رمضان سنة ثمان من الهجرة، وكان خروجه ﷺ من المدينة يوم الأربعاء لعشر ليال خلون من رمضان، وروى ابن إسحاق عن الزهري أنه ﷺ استعمل على المدينة أبا رهم الغفاري، انتهى من "العيني" (٢). وفي حديث الباب: "أنه ﷺ خرج من المدينة ومعه عشرة آلاف" وعند ابن إسحاق في اثني عشر ألفًا من المهاجرين والأنصار وأسلم وغفار ومزينة وجهينة وسليم، وجمع بين الروايتين بأن عشرة آلاف من نفس المدينة، ثم تلاحق به ألفان، قاله القسطلاني (٣). وقال الحافظ (٤): أخرج البيهقي من طريق ابن أبي حفصة عن الزهري

стр. 2284

بهذا الإسناد وقال: "صبّح رسول الله ﷺ مكة لثلاث عشرة خلت من رمضان"، وروى أحمد بإسناد صحيح عن أبي سعيد قال: "خرجنا مع النبي ﷺ عام الفتح لليلتين خلتا من شهر رمضان"، ويعطي هذا أنه أقام في الطريق اثني عشر يومًا، وأما ما قال الواقدي: إنه خرج لعشر خلون من رمضان فليس بقوي لمخالفته ما هو أصح منه، وفي تعيين هذا التاريخ أقوال أخرى: منها عند مسلم "لست عشرة"، ولأحمد: "لثماني عشرة"، وفي أخرى: "لثنتي عشرة"، والجمع بين هاتين بحمل إحداهما على ما مضى والأخرى على ما بقي، والذي في المغازي: دخل لتسع عشرة مضت، وهو محمول على الاختلاف في أول الشهر، ووقع في أخرى بالشك في تسع عشرة أو سبع عشرة، وروى يعقوب بن سفيان من رواية ابن إسحاق عن جماعة من مشايخه أن الفتح كان في عشر بقين من رمضان، فإن ثبت حمل على أن مراده أنه وقع في العشر الأوسط قبل أن يدخل العشر الأخير، انتهى. وفي "تاريخ الخميس" (١): وفي عشرين من رمضان هذه السنة يوم الجمعة، وقيل: في سادس عشر منه وقعت غزوة فتح مكة، انتهى. (٤٨ - باب أين ركز النبي ﷺ الراية. . .) إلخ أي: بيان المكان الذي ركزت في راية النبي ﷺ بأمره، قاله الحافظ (٢). وقال العيني (٣): بعد ذكر الحديث: ومطابقته بالترجمة في قوله: "وأمر رسول الله ﷺ أن تركز رايته بالحجون" وهو بفتح المهملة وضم الجيم الخفيفة مكان معروف بالقرب من مقبرة مكة، انتهى.

стр. 2285

(٤٩ - باب دخول النبي ﷺ من أعلى مكة) قال الحافظ (١): أي: حين فتحها، وقد روى الحاكم في "الإكليل" من طريق جعفر بن سليمان عن ثابت عن أنس قال: "دخل رسول الله ﷺ مكة يوم الفتح وذقنه على رحله متخشعًا"، انتهى. (٥٠ - باب منزل النبي ﷺ يوم الفتح) أي: المكان الذي نزل فيه، وقد تقدم قريبًا في الكلام على الحديث الثالث أنه نزل بالمحصب، وهنا أنه في بيت أم هاني، وكذا في "الإكليل": وكان النبي ﷺ نازلًا عليها يوم الفتح، ولا مغايرة بينهما؛ لأنه لم يقم في بيت أم هاني، وإنما نزل به حتى اغتسل وصلى، ثم رجع إلى حيث ضربت خيمته عند شعب أبي طالب، وهو المكان الذي حصرت فيه قريش المسلمين، وروى الواقدي من حديث جابر: أن النبي ﷺ قال: "منزلنا إذا فتح الله تعالى علينا مكة في الخيف حيث تقاسموا على الكفر وجاه شعب أبي طالب حيث حصرونا"، انتهى (٢). (٥١ - باب) (بغير ترجمة)، ذكر فيه الأحاديث المتفرقة التي فيها ذكر فتح مكة، قال الحافظ (٣): كذا في الأصول بغير ترجمة، وكأنه بيض له فلم يتفق له وقوع ما يناسبه، انتهى. وقال العلَّامة العيني (٤): هو كالفصل لما قبله، انتهى. وقد ذكر فيه أربعة أحاديث: الأول: حديث عائشة أورده مختصرًا، ووجه دخوله ها هنا ما سيأتي في التفسير بلفظ "ما صلى النبي ﷺ صلاة بعد أن نزلت عليه ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ إلا يقول فيها" فذكر

стр. 2286

الحديث، انتهى من "الفتح" (١). (٥٢ - باب مقام النبي ﷺ بمكة زمن الفتح) بفتح ميم مقام الأولى في الفرع، وفي غيره بضمها، أي: الإقامة، والمراد وصفه بأنه أقام، انتهى (٢). قلت: والأولى بضم الميم، وهو الذي ذكره العيني، واقتصر عليه، فإن المقصود ها هنا بيان الإقامة، أي: مدتها، وأما المقام بفتح الميم فهو ظرف يرادف المنزل، وقد تقدم "باب منزله ﷺ " وإلا لزم التكرار. قال الحافظ (٣): ذكر فيه حديث أنس: "أقمنا مع النبي ﷺ عشرًا"، وحديث ابن عباس وفيه: "أقام بمكة تسعة عشر يومًا"، وفي الرواية الثانية عنه: "أقمنا في سفر"، ولم يذكر المكان، فظاهر هذين الحديثين التعارض، والذي أعتقده أن حديث أنس إنما هو في حجة الوداع، فإنها هي السفرة التي أقام فيها بمكة عشرًا، وأما حديث ابن عباس فهو في الفتح، وقد قدمت ذلك بأدلته في "باب قصر الصلاة"، وأوردت هناك التصريح بأن حديث أنس إنما هو في حجة الوداع، ولعل البخاري أدخل في هذا الباب إشارة إلى ما ذكرت، ولم يفصح بذلك تشحيذًا للأذهان، ومدة إقامتهم في سفر الفتح حتى رجعوا إلى المدينة أكثر من ثمانين يومًا، انتهى. وفي هامش الهندية (٤): لعل البخاري أدخله في هذا الباب إشارة إلى أنه لا تعارض بين حديث أنس وحديث ابن عباس؛ لأن الإقامتين مختلفتان في سفرين، انتهى.

стр. 2287

(باب) (بغير ترجمة)، كذا في الأصول بغير ترجمة، وسقط من رواية النسفي فصارت أحاديثه من جملة الباب الذي قبله، ومناسبتها له غير ظاهرة، ولعله كان قد بيض له ليكتب له ترجمة فلم يتفق، والمناسب لترجمته من شهد الفتح، انتهى من "الفتح" (١). (٥٤ - باب قول الله تعالى: ﴿وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ﴾ [التوبة: ٢٥] إلخ قال الحافظ (٢): وقع في رواية النسفي: "باب غزوة حنين، وقول الله . . ." إلخ، وحنين - مهملة ونون مصغر - وادٍ إلى جنب ذي المجاز قريب من الطائف، بينه وبين مكة بضعة عشر ميلًا من جهة عرفات، قال أبو عبيد البكري (٣): سمي باسم حنين بن قابثة، قال أهل المغازي: خرج النبي ﷺ إلى حنين لست خلت من شوال، وقيل: لليلتين بقيتا من رمضان، وجمع بعضهم بأنه بدأ بالخروج في أواخر رمضان وسار سادس شوال، وكان وصوله إليها في عاشره، وكان السبب في ذلك أن مالك بن عوف النضري جمع القبائل من هوازن ووافقه على ذلك الثقفيون، وقصدوا محاربة المسلمين، فبلغ ذلك النبي ﷺ فخرج إليهم. قال عمر بن شبة في "كتاب مكة" بسنده عن عروة: أنه كتب إلى الوليد: أما بعد فإنك كتبت إليّ تسألني عن قصة الفتح، فذكر له وقتها، فأقام عامئذ بمكة نصف شهر، ولم يزد على ذلك حتى أتاه أن هوازن وثقيفًا قد نزلوا حنينًا يريدون قتال رسول الله ﷺ ، وكانوا قد جمعوا إليه ورئيسهم عوف بن مالك، ولأبي داود بإسناد حسن من حديث سهل بن الحنظلية:

стр. 2288

أنهم ساروا مع النبي ﷺ إلى حنين فأطنبوا السير، فجاء رجل فقال: إني انطلقت من بين أيديكم حتى طلعت جبل كذا وكذا، فإذا أنا بهوازن عن بكرة أبيهم بظعنهم ونعمهم وشائهم قد اجتمعوا إلى حنين، فتبسم رسول الله ﷺ وقال: "تلك غنيمة المسلمين غدًا إن شاء الله تعالى"، وعند ابن إسحاق من حديث جابر ما يدلّ على أن هذا الرجل هو عبد الله بن حدرد الأسلمي، انتهى من "الفتح". وقال القسطلاني (١): وكان المسلمون اثني عشر ألفًا، وهوازن وثقيف أربعة آلاف، وقد روى يونس بن بكير في "زيادات المغازي" قال: قال رجل يوم حنين: لن نغلب اليوم من قلة، فشق ذلك على النبي ﷺ فكانت الهزيمة، وقال في فتوح الغيب هذا من حيث الظاهر ليس كلمة إعجاب لكنها كناية عنها، فكأنه قال: ما أكثر عددنا فذلك قوله تعالى: ﴿إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ﴾ الآية، انتهى. (٥٥ - باب غزوة أوطاس) قال عياض (٢): هو واد في دار هوازن، وهو موضع حرب حنين، انتهى. وهذا الذي قاله ذهب إليه بعض أهل السير، والراجح أن وادي أوطاس غير وادي حنين ويوضح ذلك ما ذكره ابن إسحاق أن الوقعة كانت في وادي حنين، وأن هوازن لما انهزموا صارت طائفة منهم إلى الطائف، وطائفة إلى بجيلة، وطائفة إلى أوطاس، فأرسل النبي ﷺ عسكرًا مقدمهم أبو عامر الأشعري إلى من مضى إلى أوطاس - كما يدلّ عليه حديث الباب -، ثم توجه هو وعساكره إلى الطائف، وقال أبو عبيد البكري (٣):

стр. 2289

أوطاس وادٍ في ديار هوازن، وهناك عسكروهم (١) وثقيف ثم التقوا بحنين، انتهى من "الفتح" (٢). وفي "تاريخ الخميس" (٣): وفي شوال هذه السنة كانت سرية أبي عامر الأشعري إلى أوطاس، وهو عمّ أبي موسى الأشعري، وقال ابن إسحاق: ابن عمه، والأول أشهر، وأوطاس: وادٍ معروفٌ في ديار هوازن بين حنين والطائف، انتهى. (٥٦ - باب غزوة الطائف. . .) إلخ هو بلد كبير مشهور، كثير الأعناب والنخيل، على ثلاث مراحل أو اثنتين من مكة من جهة المشرق، قيل: أصلها أن جبرئيل ﵇ اقتلع الجنة التي كانت لأصحاب الصريم فسار بها إلى مكة، فطاف بها حول البيت، ثم أنزلها حيث الطائف فسمي الموضع بها، وكانت أولًا بنواحي صنعاء، واسم الأرض "وج" بتشديد الجيم، سميت برجل وهو ابن عبد الجن من العمالقة، وهو أول من نزل بها، وسار النبي ﷺ إليها بعد منصرفه من حنين، وحبس الغنائم بالجعرانة، وكان مالك بن عوف النضري قائد هوازن لما انهزم دخل الطائف، وكان له حصن يلية، وهي بكسر اللام وتخفيف التحتانية على أميال من الطائف، فمر به النبي ﷺ وهو سائر إلى الطائف فأمر بهدمه، انتهى من "الفتح" (٤). وفي "تاريخ الخميس" (٥): قيل: إنه لما دعا إبراهيم ﵇ لأهل مكة أن يرزقوا من الثمرات نقل الله تعالى بقعة الطائف من الشام، فوضعها هناك رزقًا للحرم، قال أصحاب السير: لما فتح رسول الله ﷺ حنينًا لعشر

стр. 2290

أو لأحد عشر من شوال وهو من أشهر السنة الثامنة من الهجرة خرج إلى الطائف يريد جمعًا من هوازن وثقيف قد هربوا من معركة حنين، وتحصنوا بحصن الطائف، وقدم خالد بن الوليد في ألف رجل على مقدمته طليعة، ومر في طريقه بقبر أبي رغال وهو أبو ثقيف فيما يقال، فاستخرج منه غصنًا من ذهب، وقد كان فل ثقيف لما قدموا الطائف دخلوا حصنهم، وهو حصن الطائف، درموه، وأدخلوا فيه من الزاد وغيره من جميع ما يصلحهم لسنة، ثم رتبوا عليه من المجانيق وأدخلوا فيه الرماة، وأغلقوا عليهم أبواب مدينتهم وتهيئوا للقتال، انتهى. قوله: (في شوال سنة ثمان. . .) إلخ، كذا ذكره في مغازيه، وهو قول جمهور أهل المغازي، وقيل: بل وصل إليها في أول ذي القعدة، انتهى من "الفتح" (١). قوله: (فلم ينل منهم شيئًا) قال الحافظ (٢): في مرسل ابن الزبير عند ابن أبي شيبة قال: "لما حاصر النبي ﷺ الطائف قال أصحابه: يا رسول الله! أحرقتنا نبال ثقيف فادع الله عليهم، فقال: اللهم اهد ثقيفًا"، وقال الحافظ أيضًا: ذكر أنس في حديثه عند مسلم أن مدة حصارهم كانت أربعين يومًا، وعند أهل السير اختلاف، قيل: عشرين يومًا، وقيل: بضع عشرة، وقيل: ثمانية عشر، وقيل: خمسة عشر، انتهى. قوله: (أو كأنهم وجدوا. . .) إلخ، كتب الشيخ في "اللامع" (٣): والفرق أن الأول بزيادة الفاء على أول كلام دون الثاني، وهذا الفرق غير يسير في مذهب أهل الحديث، فكان مما يجب التنبيه عليه وتعيين الفرق بحسب المعنى، كما وقع من الشرَّاح تعسف، فإن الفرق المعنوي لا يكون موجبًا للترديد وإعادة الكلام، كما هو مشاهد في كثير من التأويلات المختلفة في معنى الحديث، انتهى.

стр. 2291

وذكر في "هامشه" كلام الشرَّاح، فارجع إليه لو شئت. (٥٧ - باب السرية التي قبل نجد) قال الحافظ (١): "قبل" بكسر القاف وفتح الموحدة، أي: في جهة نجد، هكذا ذكرها بعد غزوة الطائف، والذي ذكره أهل المغازي أنها كانت قبل التوجه لفتح مكة، فقال ابن سعد: كانت في شعبان سنة ثمان، وذكر غيره أنها كانت قبل مؤتة [ومؤتة]، كانت في جمادى كما تقدم من السنة، وقيل: كانت في رمضان، قالوا: وكان أبو قتادة أميرها، وكانوا خمسة وعشرين، وغنموا من غطفان بأرض محارب مائتي بعير وألفي شاة، انتهى. (فائدة) إلى ها هنا انتهت سلسلة تراجم الغزوات، فقد كانت التراجم السابقة من أول كتاب المغازي أكثرها في الغزوات إلا قلائل منها مثل: "باب غزوة زيد بن حارثة" و"باب بعثه ﷺ أسامة إلى الحرقات"، و"باب غزوة مؤتة" فإنها سرايا لا الغزوات على اصطلاح الجمهور، وقد تقدم أن المصنف لم يفرق بين الغزوة والسرية من حيث الإطلاق، فأطلق إحداهما على الأخرى على خلاف اصطلاح الجماهير، ومن ها هنا جل التراجم الآتية من قبيل السرايا سوى غزوة تبوك آخر الغزوات، ولذا ذكرها المصنف أخيرًا في ختام المغازي. أما تعريف السرية فهو ما قال الحافظ: "السرية" بفتح المهملة وكسر الراء وتشديد التحتانية: هي التي تخرج بالليل، و"السارية" التي تخرج بالنهار، وقيل: سميت بذلك؛ لأنها تخفي ذهابها، وهذا يقتضي أنها أخذت من السر، ولا يصح لاختلاف المادة، وهي قطعة من الجيش تخرج منه وتعود إليه، وهي من مائة إلى خمس مائة، فما زاد على خمسمائة يقال له: "منسر" بالنون والمهملة، فإن زاد على الثمان مائة سميت "جيشًا"، وما بينهما

стр. 2292

يسمى "هبطة"، فإن زاد على أربعة آلاف يسمى "جحفلًا"، فإن زاد "فجيش جرار"، و"الخميس" الجيش العظيم، وما افترق من السرية يسمى "بعثًا"، فالعشرة فما بعدها تسمى "حفيرة"، والأربعون "عصبة" وإلى ثلاثمائة "مقنب" بقاف ونون ثم موحدة، فإن زاد سمي "جمرة" بالجيم، و"الكتيبة" ما اجتمع ولم ينتشر، انتهى. قلت: وقد تقدم ما قال الزرقاني (١): قد جرت عادة المحدثين وأهل السير واصطلاحاتهم غالبًا أن يسموا كل عسكر حضره النبي ﷺ بنفسه الكريمة "غزوة"، وما لم يحضره بل أرسل بعضًا من أصحابه إلى العدو "سرية" و"بعثًا"، انتهى. (٥٨ - باب بعث النبي ﷺ خالد بن الوليد إلى بني جذيمة) بفتح الجيم وكسر المعجمة ثم تحتانية ساكنة، أي: ابن عامر بن عبد مناة بن كنانة، ووهم الكرماني (٢) فظنّ أنه من بني جذيمة بن عوف بن بكر بن عوف قبيلة من عبد قيس، وهذا البعث كان عقب فتح مكة في شوال قبل الخروج إلى حنين عند جميع أهل المغازي، وكانوا بأسفل مكة من ناحية يلملم، قال ابن سعد: بعث النبي ﷺ إليهم خالد بن الوليد في ثلاثمائة وخمسين من المهاجرين والأنصار داعيا إلى الإسلام لا مقاتلًا، انتهى من "الفتح" (٣). (٥٩ - باب سرية عبد الله بن حذافة السهمي. . .) إلخ قال الحافظ (٤): كذا ترجم، وأشار بأصل الترجمة إلى ما رواه أحمد وابن ماجه وصححه ابن خزيمة وابن حبان والحاكم من طريق عمر بن الحكم

стр. 2293

عن أبي سعيد الخدري قال: "بعث رسول الله ﷺ علقمة بن مجزز على بعث أنا فيهم، حتى انتهينا إلى رأس غزاتنا - أو كنا ببعض الطريق - أذن لطائفة من الجيش وأمر عليهم عبد الله بن حذافة السهمي وكان من أصحاب بدر، وكانت فيه دعابة" الحديث، وذكر ابن سعد هذه القصة بنحو هذا السياق، وذكر أن سببها أنه بلغ النبي ﷺ : أن ناسًا من الحبشة تراآهم أهل جده، فبعث إليهم علقمة بن مجزز في ربيع الآخر في سنة تسع في ثلاثمائة، وانتهى إلى جزيرة في البحر فلما خاض البحر إليهم هربوا، فلما رجع تعجل بعض القوم إلى أهلهم فأمر عبد الله بن حذافة على من تعجل، زاد القسطلاني (١): قال البرماوي: ولعل هذا عذر للبخاري حيث جمع بينهما مع أنه في الحديث لم يسم واحدًا منهما، وترجمة البخاري لعلها تفسير للمبهم الذي في الحديث، انتهى. وذكر ابن إسحاق أن سبب هذه القصة أن وقاص بن مجزز كان قتل يوم ذي قرد، فأراد علقمة بن مجزز أن يأخذ بثأره فأرسله رسول الله ﷺ في هذه السرية. قلت: وهذا يخالف ما ذكره ابن سعد، إلا أن يجمع بأن يكون أمر بالأمرين، وأرخها ابن سعد في ربيع الآخر سنة تسع، فالله أعلم. وأما قوله: (ويقال: إنها سرية الأنصاري) فأشار بذلك إلى احتمال تعدد القصة، وهو الذي يظهر لي لاختلاف سياقهما واسم أميرهما، والسبب في أمره بدخولهم النار، ويحتمل الجمع بينهما بضرب من التأويل، ويبعده وصف عبد الله بن حذافة السهمي القرشي المهاجري بكونه أنصاريًا، وقد تقدم بيان نسب عبد الله بن حذافة في "كتاب العلم"، ويحتمل الحمل على المعنى الأعم، أي: أنه نصر رسول الله ﷺ في الجملة، وإلى التعدد جنح ابن القيم، وأما ابن الجوزي فقال: قوله: "من الأنصار" وهم من بعض الرواة وإنما هو سهمي.

стр. 2294

قلت: ويؤيده حديث ابن عباس عند أحمد في قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ الآية [النساء: ٥٩]، نزلت في عبد الله بن حذافة بن قيس بن عدي بعثه رسول الله ﷺ في سرية، وسيأتي في تفسير سورة النساء، وقد رواه شعبة عن زبيد اليامي عن سعد بن عبيدة فقال: "رجلًا" ولم يقل "من الأنصار"، ولم يسمه، أخرجه المصنف في "كتاب خبر الواحد". وأما علقمة بن مجزز فهو بضم أوله وجيم مفتوحة ومعجمتين الأولى مكسورة ثقيلة وحكي فتحها، والأول أصوب، وقال عياض (١): وقع لأكثر الرواة بسكون المهملة وكسر الراء المهملة، وعن القابسي بجيم ومعجمتين وهو الصواب، وهو ولد القائف الذي يأتي ذكره في النكاح في حديث عائشة في قوله في زيد بن حارثة وابنه أسامة "أن بعض هذه الأقدام لمن بعض"، فعلقمة صحابي ابن صحابي، انتهى. قلت: وسيأتي في التفسير عن ابن عباس أن قوله تعالى: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ نزلت في عبد الله بن حذافة إذ بعثه النبي ﷺ في سرية، وسيأتي هناك قصة هذه السرية على ما نقله ابن سعد، وسياقه يغاير سياق حديث علي حديث الباب، قال العلَّامة القسطلاني (٢): واختلاف السياقين يدل على التعدد إلى آخر ما قال. (٦٠ - باب بعث أبي موسى ومعاذ إلى اليمن) كأنه أشار بالتقييد بقوله: (قبل حجة الوداع) إلى ما وقع في بعض أحاديث الباب أنه رجع من اليمن، فلقي النبي ﷺ بمكة في حجة الوداع، لكن القبلية نسبية، وقد قدمت في الزكاة في الكلام على حديث معاذ متى كان بعثه إلى اليمن؟ وروى أحمد عن معاذ: "لما بعثه رسول الله ﷺ خرج

стр. 2295

يوصيه ومعاذ راكب" الحديث، وفي رواية عنه: "لما بعثني النبي ﷺ إلى اليمن قال: قد بعثتك إلى قوم رقيقة قلوبهم، فقاتل بمن أطاعك من عصاك"، وعند أهل المغازي أنها كانت في ربيع الآخر سنة تسع من الهجرة، انتهى (١). وقال في "كتاب الزكاة" (٢): وكان بعث معاذ ﵁ إلى اليمن سنة عشر قبل حج النبي ﷺ كما ذكره المصنف في أواخر المغازي، وقيل: كان ذلك في أواخر سنة تسع عند منصرفه ﷺ من تبوك، رواه الواقدي بإسناده إلى كعب بن مالك، وأخرجه ابن سعد في "الطبقات" عنه، ثم حكى ابن سعد أنه كان في ربيع الآخر سنة عشر، وقيل: بعثه عام الفتح سنة ثمان، واتفقوا على أنه لم يزل على اليمن إلى أن قدم في عهد أبي بكر، ثم توجه إلى الشام فمات بها، واختلف هل كان معاذ واليًا أو قاضيًا؟ فجزم ابن عبد البر بالثاني والغساني بالأول، انتهى. وقال الحافظ أيضًا (٣): (تنبيه): كان بعث أبي موسى إلى اليمن بعد الرجوع من غزوة تبوك؛ لأنه شهد غزوة تبوك مع النبي ﷺ كما سيأتي، انتهى من "الفتح". (٦١ - باب بعث علي بن أبي طالب وخالد بن الوليد إلى اليمن) قال الحافظ (٤): قد ذكر في آخر الباب حديث جابر "أن عليًّا قدم من اليمن فلاقى النبي ﷺ بمكة في حجة الوداع"، وقد تقدم الكلام عليه في كتاب الحج، (قلت: وأحال في كتاب الحج على كتاب المغازي)، وقد أخرج أحمد وأبو داود والترمذي عن علي قال: "بعثني النبي ﷺ إلى اليمن فقلت: يا رسول الله! أتبعثني إلى قوم أسنّ مني وأنا حديث السن لا أبصر

стр. 2296

القضاء؟ قال: فوضع يده على صدره، وقال: اللَّهم ثبت لسانه واهد قلبه، وقال: يا علي إذا جلس إليك الخصمان فلا تقض بينهما حتى تسمع من الآخر" فذكر الحديث. ثم قال الحافظ (١): وحديث البراء أول أحاديث الباب أورده البخاري مختصرًا، وقد أورده الإسماعيلي فزاد فيه: قال البراء: فكنت ممن عقب معه، فلما دنونا من القوم خرجوا إلينا، فصلى بنا علي وصفنا صفًا واحدًا، ثم تقدم بين أيدينا فقرأ عليهم كتاب رسول الله ﷺ فأسلمت همدان جميعًا، فكتب علي ﵁ إلى رسول الله ﷺ بإسلامهم فلما قرئ الكتاب خر ساجدًا، ثم رفع رأسه وقال: "السلام على همدان"، انتهى. وقال القسطلاني (٢): قوله: (بعثنا رسول الله ﷺ مع خالد بن الوليد إلى اليمن) أي: بعد رجوعهم من الطائف وقسمة الغنائم بالجعرانة، "ثم بعث عليًا بعد ذلك"، انتهى. وفي "تاريخ الخميس" (٣): في هذه السنة أرسل خالد بن الوليد قبل حجة الوداع في ربيع الأول سنة عشر، وفي "الإكليل": في ربيع الآخر، وفي "المنتقى": في ربيع الآخر أو جمادى الأولى إلى عبد المدان قبيلة بنجران، وأمره أن يدعوهم إلى الإسلام فأسلموا، كذا في "المواهب اللدنية" إلى آخر ما بسط في القصة، ثم ذكر: وفي رمضان هذه السنة بعث رسول الله ﷺ علي بن أبي طالب إلى اليمن، وعقد له لواءً، وعممه بيده، وفي رواية: وأرخى طرفها من قدّامه نحو ذراع، ومن خلفه قيد شبر، فخرج علي في ثلاثمائة فارس، ففرق أصحابه فأتوا بنهب وغنائم ونساء وأطفال ونعم وشاء وغير ذلك، ثم لقي جمعهم فدعاهم إلى الإسلام فأبوا ورموا بالنبل حتى حمل عليهم علي وأصحابه، فقتل منهم عشرين رجلًا فتفرقوا

стр. 2297

وانهزموا، فكفّ عن طلبهم، ثم دعاهم إلى الإسلام فأسرعوا وأجابوا، وبايعه نفر من رؤسائهم، ثم قفل فوافى النبي ﷺ بمكة قد قدمها للحج سنة عشر، قال كعب بن الأحبار: لما قدم علي اليمن لقيته - وكان كعب إذ ذاك باليمن - فقلت له: أخبرني عن صفة رسول الله ﷺ ، فجعل يخبرني عنها، وجعلت أتبسم فقال لي: ممن تبسم؟ قلت: مما يوافق ما عندنا في صفته إلى أن قال: وصدّقت برسول الله ﷺ وآمنت به، إلى آخر ما فيه. (٦٢ - باب غزوة ذي الخلصة) بفتح الخاء المعجمة واللام بعدها مهملة، وحكى ابن دريد فتح أوله وإسكان ثانيه، وحكى ابن هشام ضمها، وقيل: بفتح أوله وضم ثانيه والأول أشهر، والخلصة نبات له حب أحمر كخرز العقيق، وذو الخلصة اسم للبيت الذي كان فيه الصنم، وقيل: اسم البيت الخلصة واسم الصنم ذو الخلصة، وحكى المبرد أن موضع ذي الخلصة صار مسجدًا جامعًا لبلدة يقال لها: العبلات من أرض خثعم، ووهم من قال: إنه كان في بلاد فارس (١)، انتهى. وروى الحاكم في "الإكليل" من حديث البراء بن عازب قال: "قدم على النبي ﷺ مائة رجل من بجيلة وبني قشير مع جرير بن عبد الله، فسأله عن بني خثعم فأخبرهم أنهم أبوا أن يجيبوا إلى الإسلام، فاستعمله على عامة من كان معه، وندب معه ثلاثة مائة من الأنصار، وأمره أن يسير إلى خثعم فيدعوهم ثلاثة أيام، فإن أجابوا إلى الإسلام قبل منهم وهدم صنمهم ذا الخلصة، وإلا وضع فيهم السيف" (٢)، انتهى. قلت: ذكرها صاحب "مجمع البحار" (٣) في وقائع السنة العاشرة، ولم يذكرها صاحب "الخميس" ها هنا، واختار هو في ذكر وقائع هذه السنة
следующие страницы →