← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 853

الأبواب والتراجم لصحيح البخاري

محمد زكريا الكاندهلوي

Полный текст (3 740 стр.). Показаны 2293–2332 · переход к 2298.

стр. 2293

عن أبي سعيد الخدري قال: "بعث رسول الله ﷺ علقمة بن مجزز على بعث أنا فيهم، حتى انتهينا إلى رأس غزاتنا - أو كنا ببعض الطريق - أذن لطائفة من الجيش وأمر عليهم عبد الله بن حذافة السهمي وكان من أصحاب بدر، وكانت فيه دعابة" الحديث، وذكر ابن سعد هذه القصة بنحو هذا السياق، وذكر أن سببها أنه بلغ النبي ﷺ : أن ناسًا من الحبشة تراآهم أهل جده، فبعث إليهم علقمة بن مجزز في ربيع الآخر في سنة تسع في ثلاثمائة، وانتهى إلى جزيرة في البحر فلما خاض البحر إليهم هربوا، فلما رجع تعجل بعض القوم إلى أهلهم فأمر عبد الله بن حذافة على من تعجل، زاد القسطلاني (١): قال البرماوي: ولعل هذا عذر للبخاري حيث جمع بينهما مع أنه في الحديث لم يسم واحدًا منهما، وترجمة البخاري لعلها تفسير للمبهم الذي في الحديث، انتهى. وذكر ابن إسحاق أن سبب هذه القصة أن وقاص بن مجزز كان قتل يوم ذي قرد، فأراد علقمة بن مجزز أن يأخذ بثأره فأرسله رسول الله ﷺ في هذه السرية. قلت: وهذا يخالف ما ذكره ابن سعد، إلا أن يجمع بأن يكون أمر بالأمرين، وأرخها ابن سعد في ربيع الآخر سنة تسع، فالله أعلم. وأما قوله: (ويقال: إنها سرية الأنصاري) فأشار بذلك إلى احتمال تعدد القصة، وهو الذي يظهر لي لاختلاف سياقهما واسم أميرهما، والسبب في أمره بدخولهم النار، ويحتمل الجمع بينهما بضرب من التأويل، ويبعده وصف عبد الله بن حذافة السهمي القرشي المهاجري بكونه أنصاريًا، وقد تقدم بيان نسب عبد الله بن حذافة في "كتاب العلم"، ويحتمل الحمل على المعنى الأعم، أي: أنه نصر رسول الله ﷺ في الجملة، وإلى التعدد جنح ابن القيم، وأما ابن الجوزي فقال: قوله: "من الأنصار" وهم من بعض الرواة وإنما هو سهمي.

стр. 2294

قلت: ويؤيده حديث ابن عباس عند أحمد في قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ الآية [النساء: ٥٩]، نزلت في عبد الله بن حذافة بن قيس بن عدي بعثه رسول الله ﷺ في سرية، وسيأتي في تفسير سورة النساء، وقد رواه شعبة عن زبيد اليامي عن سعد بن عبيدة فقال: "رجلًا" ولم يقل "من الأنصار"، ولم يسمه، أخرجه المصنف في "كتاب خبر الواحد". وأما علقمة بن مجزز فهو بضم أوله وجيم مفتوحة ومعجمتين الأولى مكسورة ثقيلة وحكي فتحها، والأول أصوب، وقال عياض (١): وقع لأكثر الرواة بسكون المهملة وكسر الراء المهملة، وعن القابسي بجيم ومعجمتين وهو الصواب، وهو ولد القائف الذي يأتي ذكره في النكاح في حديث عائشة في قوله في زيد بن حارثة وابنه أسامة "أن بعض هذه الأقدام لمن بعض"، فعلقمة صحابي ابن صحابي، انتهى. قلت: وسيأتي في التفسير عن ابن عباس أن قوله تعالى: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ نزلت في عبد الله بن حذافة إذ بعثه النبي ﷺ في سرية، وسيأتي هناك قصة هذه السرية على ما نقله ابن سعد، وسياقه يغاير سياق حديث علي حديث الباب، قال العلَّامة القسطلاني (٢): واختلاف السياقين يدل على التعدد إلى آخر ما قال. (٦٠ - باب بعث أبي موسى ومعاذ إلى اليمن) كأنه أشار بالتقييد بقوله: (قبل حجة الوداع) إلى ما وقع في بعض أحاديث الباب أنه رجع من اليمن، فلقي النبي ﷺ بمكة في حجة الوداع، لكن القبلية نسبية، وقد قدمت في الزكاة في الكلام على حديث معاذ متى كان بعثه إلى اليمن؟ وروى أحمد عن معاذ: "لما بعثه رسول الله ﷺ خرج

стр. 2295

يوصيه ومعاذ راكب" الحديث، وفي رواية عنه: "لما بعثني النبي ﷺ إلى اليمن قال: قد بعثتك إلى قوم رقيقة قلوبهم، فقاتل بمن أطاعك من عصاك"، وعند أهل المغازي أنها كانت في ربيع الآخر سنة تسع من الهجرة، انتهى (١). وقال في "كتاب الزكاة" (٢): وكان بعث معاذ ﵁ إلى اليمن سنة عشر قبل حج النبي ﷺ كما ذكره المصنف في أواخر المغازي، وقيل: كان ذلك في أواخر سنة تسع عند منصرفه ﷺ من تبوك، رواه الواقدي بإسناده إلى كعب بن مالك، وأخرجه ابن سعد في "الطبقات" عنه، ثم حكى ابن سعد أنه كان في ربيع الآخر سنة عشر، وقيل: بعثه عام الفتح سنة ثمان، واتفقوا على أنه لم يزل على اليمن إلى أن قدم في عهد أبي بكر، ثم توجه إلى الشام فمات بها، واختلف هل كان معاذ واليًا أو قاضيًا؟ فجزم ابن عبد البر بالثاني والغساني بالأول، انتهى. وقال الحافظ أيضًا (٣): (تنبيه): كان بعث أبي موسى إلى اليمن بعد الرجوع من غزوة تبوك؛ لأنه شهد غزوة تبوك مع النبي ﷺ كما سيأتي، انتهى من "الفتح". (٦١ - باب بعث علي بن أبي طالب وخالد بن الوليد إلى اليمن) قال الحافظ (٤): قد ذكر في آخر الباب حديث جابر "أن عليًّا قدم من اليمن فلاقى النبي ﷺ بمكة في حجة الوداع"، وقد تقدم الكلام عليه في كتاب الحج، (قلت: وأحال في كتاب الحج على كتاب المغازي)، وقد أخرج أحمد وأبو داود والترمذي عن علي قال: "بعثني النبي ﷺ إلى اليمن فقلت: يا رسول الله! أتبعثني إلى قوم أسنّ مني وأنا حديث السن لا أبصر

стр. 2296

القضاء؟ قال: فوضع يده على صدره، وقال: اللَّهم ثبت لسانه واهد قلبه، وقال: يا علي إذا جلس إليك الخصمان فلا تقض بينهما حتى تسمع من الآخر" فذكر الحديث. ثم قال الحافظ (١): وحديث البراء أول أحاديث الباب أورده البخاري مختصرًا، وقد أورده الإسماعيلي فزاد فيه: قال البراء: فكنت ممن عقب معه، فلما دنونا من القوم خرجوا إلينا، فصلى بنا علي وصفنا صفًا واحدًا، ثم تقدم بين أيدينا فقرأ عليهم كتاب رسول الله ﷺ فأسلمت همدان جميعًا، فكتب علي ﵁ إلى رسول الله ﷺ بإسلامهم فلما قرئ الكتاب خر ساجدًا، ثم رفع رأسه وقال: "السلام على همدان"، انتهى. وقال القسطلاني (٢): قوله: (بعثنا رسول الله ﷺ مع خالد بن الوليد إلى اليمن) أي: بعد رجوعهم من الطائف وقسمة الغنائم بالجعرانة، "ثم بعث عليًا بعد ذلك"، انتهى. وفي "تاريخ الخميس" (٣): في هذه السنة أرسل خالد بن الوليد قبل حجة الوداع في ربيع الأول سنة عشر، وفي "الإكليل": في ربيع الآخر، وفي "المنتقى": في ربيع الآخر أو جمادى الأولى إلى عبد المدان قبيلة بنجران، وأمره أن يدعوهم إلى الإسلام فأسلموا، كذا في "المواهب اللدنية" إلى آخر ما بسط في القصة، ثم ذكر: وفي رمضان هذه السنة بعث رسول الله ﷺ علي بن أبي طالب إلى اليمن، وعقد له لواءً، وعممه بيده، وفي رواية: وأرخى طرفها من قدّامه نحو ذراع، ومن خلفه قيد شبر، فخرج علي في ثلاثمائة فارس، ففرق أصحابه فأتوا بنهب وغنائم ونساء وأطفال ونعم وشاء وغير ذلك، ثم لقي جمعهم فدعاهم إلى الإسلام فأبوا ورموا بالنبل حتى حمل عليهم علي وأصحابه، فقتل منهم عشرين رجلًا فتفرقوا

стр. 2297

وانهزموا، فكفّ عن طلبهم، ثم دعاهم إلى الإسلام فأسرعوا وأجابوا، وبايعه نفر من رؤسائهم، ثم قفل فوافى النبي ﷺ بمكة قد قدمها للحج سنة عشر، قال كعب بن الأحبار: لما قدم علي اليمن لقيته - وكان كعب إذ ذاك باليمن - فقلت له: أخبرني عن صفة رسول الله ﷺ ، فجعل يخبرني عنها، وجعلت أتبسم فقال لي: ممن تبسم؟ قلت: مما يوافق ما عندنا في صفته إلى أن قال: وصدّقت برسول الله ﷺ وآمنت به، إلى آخر ما فيه. (٦٢ - باب غزوة ذي الخلصة) بفتح الخاء المعجمة واللام بعدها مهملة، وحكى ابن دريد فتح أوله وإسكان ثانيه، وحكى ابن هشام ضمها، وقيل: بفتح أوله وضم ثانيه والأول أشهر، والخلصة نبات له حب أحمر كخرز العقيق، وذو الخلصة اسم للبيت الذي كان فيه الصنم، وقيل: اسم البيت الخلصة واسم الصنم ذو الخلصة، وحكى المبرد أن موضع ذي الخلصة صار مسجدًا جامعًا لبلدة يقال لها: العبلات من أرض خثعم، ووهم من قال: إنه كان في بلاد فارس (١)، انتهى. وروى الحاكم في "الإكليل" من حديث البراء بن عازب قال: "قدم على النبي ﷺ مائة رجل من بجيلة وبني قشير مع جرير بن عبد الله، فسأله عن بني خثعم فأخبرهم أنهم أبوا أن يجيبوا إلى الإسلام، فاستعمله على عامة من كان معه، وندب معه ثلاثة مائة من الأنصار، وأمره أن يسير إلى خثعم فيدعوهم ثلاثة أيام، فإن أجابوا إلى الإسلام قبل منهم وهدم صنمهم ذا الخلصة، وإلا وضع فيهم السيف" (٢)، انتهى. قلت: ذكرها صاحب "مجمع البحار" (٣) في وقائع السنة العاشرة، ولم يذكرها صاحب "الخميس" ها هنا، واختار هو في ذكر وقائع هذه السنة

стр. 2298

ترتيب الإمام البخاري، فذكر أولًا بعث أبي موسى ومعاذ بن جبل إلى اليمن، ثم بعث خالد بن الوليد، ثم بعث علي بن أبي طالب إلى اليمن، ثم بعث جرير بن عبد الله إلى ذي الكلاع، وسيأتي ذكر بعث جرير إلى ذي الكلاع في البخاري مع الكلام عليه. (٦٣ - باب غزوة ذات السلاسل. . .) إلخ بمهملتين، والمشهور أنها بفتح الأولى على لفظ جمع السلسلة، وضبطه كذلك أبو عبيد البكري (١)، قيل: سمي المكان بذلك لأنه كان به رمل بعضه على بعض كالسلسلة، وضبطها ابن الأثير بالضم، وقال: هو بمعنى السلسال، أي: السهل (٢) قيل: سميت ذات السلاسل؛ لأن المشركين ارتبط بعضهم إلى بعض مخافة أن يفروا، وقيل: لأن بها ماء يقال له: السلسل، وذكر ابن سعد أنها وراء وادي القرى وبينها وبين المدينة عشرة أيام، قال: وكانت في جمادى الآخرة سنة ثمان من الهجرة، وقيل: كانت سنة سبع، وبه جزم ابن أبي خالد في كتاب "صحيح التاريخ"، ونقل ابن عساكر الاتفاق على أنهما كانت بعد غزوة مؤتة إلا ابن إسحاق، فقال: قبلها، قلت: وهو قضية ما ذكر عن ابن سعد وابن أبي خالد (٣). قوله: (وهي غزوة لخم وجذام) وعند ابن إسحاق أنه ماء لبني جذام ولخم، أما لخم فبفتح اللام وسكون المعجمة: قبيلة كبيرة شهيرة ينسبون إلى لخم، واسمه مالك بن عدي بن الحارث بن مرة بن أدد، وأما جذام فبضم الجيم بعدها معجمة خفيفة: قبيلة كبيرة شهيرة أيضًا ينسبون إلى عمرو بن عدي وهم إخوة لخم على المشهور، وقيل: هم من ولد أسد بن خزيمة. وقوله: (بلاد بلِيّ) بفتح الموحدة وكسر اللام الخفيفة بعدها ياء النسب: قبيلة كبيرة ينسبون إلى بلي بن عمرو بن الحاف بن قضاعة، وأما

стр. 2299

عذرة فبضم العين المهملة وسكون الذال المعجمة: قبيلة كبيرة ينسبون إلى عذرة بن سعد هذيم بن زيد بن ليث بن سويد بن أسلم بضم اللام ابن الحاف ابن قضاعة، وأما بنوا القين فقبيلة كبيرة أيضًا ينسبون إلى القين بن حسر، ويقال: كان له عبد يسمى القين حضنه فنسب إليه. ذكر ابن سعد أن جمعًا من قضاعة تجمّعوا وأرادوا أن يدنوا من أطراف المدينة فدعا النبي ﷺ عمرو بن العاص فعقد له لواءً أبيض، وبعثه في ثلاثمائة من سراة المهاجرين والأنصار، ثم أمدّه بأبي عبيدة بن الجراح في مائتين، وأمره أن يلحق بعمرو وأن لا يختلفا، فأراد أبو عبيدة أن يؤم بهم فمنعه عمرو، وقال: إنما قدمت عليّ مددًا وأنا الأمير، فأطاع له أبو عبيدة فصلى بهم عمرو، وتقدم في التيمم: أنه احتلم في ليلة باردة فلم يغتسل وتيمم وصلى بهم، الحديث، وسار عمرو حتى وطئ بلاد بلي وعذرة، وكذا ذكر موسى بن عقبة نحو هذه القصة. وذكر ابن إسحاق أن أم عمرو بن العاص كانت من بلي، فبعث النبي ﷺ عمرًا يستنفر الناس إلى الإسلام ويستألفهم بذلك، وروى إسحاق بن راهويه والحاكم من حديث بريدة أن عمرو بن العاص أمرهم في تلك الغزوة أن لا يوقدوا نارًا، فأنكر ذلك عمر، فقال له أبو بكر: دعه فإن رسول الله ﷺ لم يبعثه علينا إلا لعلمه بالحرب، فسكت عنه، فهذا السبب أصح إسنادًا من الذي ذكره ابن إسحاق، لكن لا يمتنع الجمع إلى آخر ما ذكر الحافظ في "الفتح" (١). وقال أيضًا (٢): وفي الحديث جواز تأمير المفضول على الفاضل إذا امتاز المفضول بصفة تتعلق بتلك الولاية، ومنقبة لعمرو بن العاص لتأميره على جيش فيهم أبو بكر وعمر ﵄، وإن كان ذلك لا يقتضي أفضليته عليهم، لكن يقتضي أن له فضلًا في الجملة، وقد روينا في "فوائد

стр. 2300

أبي بكر بن أبي الهيثم" من حديث رافع الطائي، قال: "بعث النبي ﷺ جيشًا واستعمل عليهم عمرو بن العاص وفيهم أبو بكر"، قال: وهي الغزوة التي يفتخر بها أهل الشام، إلى أن قال الحافظ بعد ذكر رواية: وفيه إشعار بأن بعثه كان عقب إسلامه، وكان إسلامه في أثناء سنة سبع من الهجرة، انتهى. (٦٤ - باب ذهاب جرير إلى اليمن) ذكر الطبراني من طريق إبراهيم بن جرير عن أبيه قال: "بعثني النبي ﷺ إلى اليمن أقاتلهم وأدعوهم أن يقولوا لا إله إلا الله"، فالذي يظهر أن هذا البعث غير بعثه إلى هدم ذي الخلصة، ويحتمل أن يكون بعثه إلى الجهتين على الترتيب، ويؤيده ما وقع عند ابن حبان في حديث جرير: "أن النبي ﷺ قال له: يا جرير إنه لم يبق من طواغيت الجاهلية إلا بيت ذي الخلصة"، فإنه يشعر بتأخير هذه القصة جدًا، وسيأتي في حجة الوداع: أن جريرًا شهدها فكأن إرساله كان بعدها، فهدمها ثم توجه إلى اليمن، ولهذا لما رجع بلغته وفاة النبي ﷺ . قوله: (كنت ياليمن) في رواية أبي إسحاق عن جرير عند ابن عساكر: أن النبي ﷺ بعثه إلى ذي عمرو وذي الكلاع يدعوهما إلى الإسلام فأسلما، قال: وقال لي ذو الكلاع، أدخل على أم شرحبيل يعني: زوجته، وعند الواقدي في الردة بأسانيد متعددة نحو هذا. وذو الكلاع بفتح الكاف وتخفيف اللام، واسمه اسميفع بسكون المهملة وفتح الميم وسكون التحتانية وفتح الفاء وبعدها مهملة، ويقال: أيفع بن باكوراء، ويقال: ابن حوشب بن عمرو، وأما ذو عمرو فكان أحد ملوك اليمن وهو من حمير أيضًا، ولم أقف له على اسم غيره، ولا رأيت من أخباره أكثر مما ذكر في حديث الباب، وكانا عزما على التوجه إلى المدينة فلما بلغهما وفاة النبي ﷺ رجعا إلى اليمن، ثم هاجرا في زمن

стр. 2301

عمر، انتهى كله من "الفتح" (١). (٦٥ - باب غزوة سيف البحر. . .) إلخ هو بكسر المهملة وسكون التحتانية وآخره فاء، أي: ساحل البحر. قوله: (وهم يتلقون عيرًا لقريش. . .) إلخ، هو صريح ما في الرواية الثانية في الباب حيث قال فيها: "نرصد عير قريش"، وقد ذكر ابن سعد وغيره: أن النبي ﷺ بعثهم إلى حي من جهينة بالقبلية بفتح القاف والموحدة مما يلي ساحل البحر، بينهم وبين المدينة خمس ليال، وأنهم انصرفوا ولم يلقوا كيدًا، وأن ذلك كان في رجب سنة ثمان، وهذا لا يغاير ظاهره ما في الصحيح؛ لأنه يمكن الجمع بين كونهم يتلقون عيرًا لقريش ويقصدون حيًّا من جهينة، ويقوي هذا الجمع ما عند مسلم عن جابر قال: "بعث رسول الله ﷺ بعثًا إلى أرض جهينة" فذكر هذه القصة، لكن تلقى عير قريش ما يتصور أن يكون في الوقت الذي ذكره ابن سعد في رجب سنة ثمان؛ لأنهم كانوا حينئذ في الهدنة، بل مقتضى ما في الصحيح أن تكون هذه السرية في سنة ست أو قبلها قبل هدنة الحديبية، نعم يحتمل أن يكون تلقيهم للعير ليس لمحاربتهم بل لحفظهم من جهينة، ولهذا لم يقع في شيء من طرق الخبر أنهم قاتلوا أحدًا، بل فيه أنهم قاموا نصف شهر أو أكثر في مكان واحد، فالله أعلم. قوله: (وأَمَّر عليهم أبا عبيدة) في رواية أبي حمزة الخولاني في الأطعمة: فأمّر علينا قيس بن سعد بن عبادة على عهد رسول الله ﷺ ، والمحفوظ ما اتفقت عليه روايات الصحيحين أنه أبو عبيدة، وكأن أحد رواته ظن من صنيع قيس بن سعد في تلك الغزوة ما صنع من نحر الإبل التي اشتراها أنه كان أمير السرية، وليس كذلك، انتهى (٢).

стр. 2302

قلت: وذكر الإمام مالك ﵀ هذه القصة في "موطئه" في الأطعمة من حديث جابر المذكور في هذا الباب، وبسط الكلام في "الأوجز" (١) في تعيين تلك الغزوة وتاريخها، وفيه: ذكر هذه الغزوة صاحب "الخميس" (٢) في سنة ثمان، فقال: وفي رجب هذه السنة كانت سرية أبي عبيدة إلى سيف البحر، وهي سرية الخبط، وكان فيها ثلثمائة من المهاجرين والأنصار، منهم عمر بن الخطاب وقيس بن سعد بن عبادة، انتهى. وذكرها ابن الجوزي في "التلقيح" (٣) بعد عمرة القضاء قبل فتح مكة، وذكرها صاحب "المجمع" (٤) في سنة ثمان، وإليه يظهر ميل البخاري، لكن مال الحافظ في موضع من "الفتح" (٥) إلى أنها في السنة الثانية إذ قال: زعم الواقدي أن هذه القصة كانت في رجب سنة ثمان، وهو عندي خطأ إلى آخر ما تقدم، ثم إلى أن قال: ثم ظهر لي الآن تقوية ذلك، أي: كونها في السنة الثانية بقول جابر في رواية مسلم: "إنهم خرجوا في غزوة بواط" فذكر فيها قصة الحوت نحو حديث الباب، وغزوة بواط كانت في السنة الثانية من الهجرة قبل وقعة بدر، وكان النبي ﷺ خرج في مائتين من أصحابه يعترض عيرًا لقريش، فبلغ بواطًا، وهي جبال الجهينة مما يلي الشام، بينها وبين المدينة أربعة برد، فلم يلق أحدًا فرجع، فكأنه أفرد أبا عبيدة فيمن معه يرصدون العير المذكور، ويؤيد تقدم أمرها ما ذكر فيها من القلة والجهد، والواقع أنهم في سنة ثمان اتسع حالهم بفتح خيبر وغيرها، والجهد المذكور في القصة يناسب ابتداء الأمر، فيترجح ما ذكرته، انتهى من "الفتح". قلت: والأوجه عندي أن يقال: إنهم خرجوا ابتداء لعير قريش، ثم أفرد ﷺ أبا عبيدة ومن معه بعثًا إلى جهينة، فتجتمع الروايتان، وما أيَّد به الحافظ كلامه من زمان العسرة، يشكل عليه أن غزوة تبوك كانت بعد فتح

стр. 2303

مكة بلا خلاف، وتسمى جيش العسرة، وللتوجيه مساغ، وما الزيلعي تبعًا لعبد الحق أنهما قصتان، وتعقب كلامه الحافظ في "الفتح" ومال إلى توحيدهما، انتهى من "الأوجز" (١)، وتقدم ذكر غزوة بواط في أول المغازي. (٦٦ - باب حج أبي بكر بالناس في سنة تسع) كذا في النسخ الهندية، وليس في نسخ الشروح الثلاثة لفظة "باب". قال الحافظ (٢): كذا جزم به، ونقل المحب الطبري عن "صحيح ابن حبان" أن فيه عن أبي هريرة: "لما قفل النبي ﷺ من حنين اعتمر من الجعرانة وأَمَّر أبا بكر في تلك الحجة"، قال المحب: إنما حج أبو بكر سنة تسع والجعرانة كانت سنة ثمان، قال: وإنما حجّ فيها عتاب بن أسيد، كذا قال، وكأنه تبع الماوردي فإنه قال: إن النبي ﷺ أَمَر عتابًا أن يحج بالناس عام الفتح، والذي جزم به الأزرقي في "أخبار مكة" خلافه فقال: لم يبلغنا أنه استعمل في تلك السنة على الحج أحدًا، وإنما ولى عتابًا إمرة مكة فحج المسلمون والمشركون جميعًا، وكان المسلمون مع عتاب لكونه الأمير. قلت: والحق أنه لم يختلف في ذلك، وإنما وقع الاختلاف في أي شهر حج أبو بكر ﵁، فذكر ابن سعد وغيره بإسناد صحيح عن مجاهد أن حجة أبي بكر وقعت في ذي القعدة، ووافقه عكرمة بن خالد فيما أخرجه الحاكم في "الإكليل"، ومن عدا هذين إما مصرح بأن حجة أبي بكر كانت في ذي الحجة - كالداودي وبه جزم من المفسرين الرماني والثعلبي والماوردي وتبعهم جماعة - وإما ساكت، والمعتمد ما قاله (٣) مجاهد وبه جزم الأزرقي، ويؤيده أن ابن إسحاق صرّح بأن النبي ﷺ أقام بعد أن رجع من تبوك رمضان وشوالًا وذا القعدة، ثم بعث أبا بكر أميرًا على الحج، فهو

стр. 2304

ظاهر في أن بعث أبي بكر كان بعد انسلاخ ذي القعدة، فيكون حجه في ذي الحجة على هذا، والله أعلم. وذكر الواقدي أنه خرج في تلك الحجة مع أبي بكر ثلاثمائة من الصحابة، وبعث معه رسول الله ﷺ عشرين بدنة، انتهى. وقال العلَّامة العيني (١): ولم يختلف في أن حجه كان في سنة تسع، ولكنهم اختلفوا في أي شهر حج أبو بكر، فذكر أقوالًا ثلاثة كما تقدم في كلام الحافظ من أنها في ذي القعدة أو في ذي الحجة، والقول الثالث السكوت، وتقدم شيء من الكلام عليه في هامش "اللامع" (٢) في أول بدء الخلق تحت قوله: "إن الزمان استدار كهيئته". قال الحافظ (٣): (تنبيه): وقع هنا ذكر حجة أبي بكر قبل الوفود، والواقع أن ابتداء الوفود كان بعد رجوع النبي ﷺ من الجعرانة في أواخر سنة ثمان وما بعدها، بل ذكر ابن إسحاق أن الوفود كانوا بعد غزوة تبوك، نعم اتفقوا على أن ذلك كله كان في سنة تسع، قال ابن هشام: حدثني أبو عبيدة قال: كانت سنة تسع تسمى سنة الوفود، وقد تقدم في غزوة الفتح في حديث عمرو بن سلمة: "كانت العرب تلوم بإسلامها الفتح" الحديث، فلما كان الفتح بادر كل قوم بإسلامهم، ولعل ذلك من تصرف الرواة كما قدمته غير مرة، وسيأتي نظير هذا في تقديم حجة الوداع على غزوة تبوك، وقد سرد محمد بن سعد في "الطبقات" الوفود، وتبعه الدمياطي في "السيرة" التي جمعها، وتبعه ابن سيد الناس، ومغلطاي، وشيخنا في نظم السيرة، ومجموع ما ذكروه يزيد على الستين، انتهى من "الفتح". (٦٧ - باب وفد بني تميم) وليس في نسخ الشروح لفظ "باب"، قال العلَّامة العيني: شرح البخاري من ها هنا في بيان الوفود ذكر ابن إسحاق أن أشراف بني تميم

стр. 2305

قدموا على النبي ﷺ ، منهم عطارد بن حاجب الدارمي والأقرع بن حابس الدارمي وقيس بن عاصم المنقري وغيرهم، وقال ابن إسحاق: عيينة بن حصن، وقد كان الأقرع وعيينة شهدا الفتح، ثم كانا مع بني تميم، فلما دخلوا المسجد نادوا رسول الله ﷺ من وراء حجرته، فنزل فيهم: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ﴾ [الحجرات: ٤] إلى قوله: ﴿غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [الحجرات: ٥] فأسلموا، وجوَّزهم رسول الله ﷺ كل رجل اثني عشرة أوقية ونشًا، وأعطى لعمر بن الأهتم خمس أواق لحداثة سنه، وكان هذا قبل الفتح، انتهى. وهكذا في "الفتح"، وقد مرَّ آنفًا الكلام على تعيين زمن الوفود وغير ذلك. (٦٨ - باب، قال ابن إسحاق: غزوة عيينة بن حصن. . .) إلخ قال العلَّامة العيني (١): بعد ذكر لفظ: "باب"، أي: هذا باب، ولا يعرّب إلا بهذا التقدير؛ لأن الإعراب لا يكون إلا بالعقد والتركيب، وهذا كالفصل لما قبله، انتهى. فكأنه جعله بابًا بغير ترجمة، ولم يتعرض له الحافظ والقسطلاني لذلك. قال الحافظ (٢): ذكر الواقدي أن سبب بعث عيينة أن بني تميم أغاروا على ناس من خزاعة، فبعث النبي ﷺ إليهم عيينة بن حصن في خمسين، ليس فيهم أنصاري ولا مهاجري، فأسر منهم أحد عشر رجلًا وإحدى عشرة امرأة وثلاثين صبيًا، فقدم رؤساؤهم بسبب ذلك، قال ابن سعد: كان ذلك في المحرم سنة تسع، انتهى.

стр. 2306

(٦٩ - باب وفد عبد القيس) هي قبيلة كبيرة يسكنون البحرين ينسبون إلى عبد القيس بن أفصى - بسكون الفاء بعدها مهملة بوزن أعمى - ابن دعمي - بضم ثم سكون المهملة وكسر الميم بعدها تحتانية ثقيلة - ابن جديلة - بالجيم وزن كبيرة - ابن أسد بن ربيعة بن نزار، والذي تبين لنا أنه كان لعبد القيس وفادتان: إحداهما: قبل الفتح، ولهذا قالوا للنبي ﷺ : "بيننا وبينك كفار مضر"، وكان ذلك قديمًا إما في سنة خمس أو قبلها، وكانت قريتهم بالبحرين أو قرية أقيمت فيها الجمعة بعد المدينة كما ثبت في آخر حديث في الباب، وكان عدد الوفد الأول ثلاثة عشر رجلًا، وفيها سألوا عن الإيمان وعن الأشربة، وكان فيهم الأشجع، وقال له النبي ﷺ : "إن فيك خصلتين يحبهما الله: الحلم والأناة" كما أخرج ذلك مسلم من حديث أبي سعيد. وثانيتهما: كانت في سنة الوفود، وكان عددهم حينئذ أربعين رجلًا كما في حديث أبي حيوة الصناحي الذي أخرجه ابن منده، وكان فيهم الجارود العبدي، وقد ذكر ابن إسحاق قصته، وأنه كان نصرانيًا فأسلم وحسن إسلامه، ويؤيد التعدد ما أخرجه ابن حبان من وجه آخر أن النبي ﷺ قال لهم: "ما لي أرى ألوانكم تغيرت" ففيه إشعار بأنه كان رآهم قبل التغير، انتهى كله من "الفتح" (١). قلت: وبسط الكلام على الوفادتين في هامش "اللامع" في أوائل كتاب الجمعة أشدّ البسط مع ترجيح الراجح فارجع إليه لو شئت. قوله في أول أحاديث الباب: (قدم وفد عبد القيس. . .) إلخ، قال القسطلاني (٢): أي: القدمة الثانية، وهكذا في بين سطور نسخ الهندية. والصواب عندي القدمة الأولى، كما تقدم عن "الفتح".

стр. 2307

(٧٠ - باب وفد بني حنيفة وحديث ثمامة بن أثال) أما حنيفة فهو ابن لجيم - بجيم - ابن صعب بن علي بن بكر بن وائل، وهي قبيلة كبيرة شهيرة ينزلون اليمامة بين مكة واليمن، وكان وفد بني حنيفة كما ذكره ابن إسحاق وغيره في سنة تسع، وذكر الواقدي أنهم كانوا سبعة عشر رجلًا فيهم مسيلمة، وأما ثمامة بن أثال فأبوه بضم الهمزة وبمثلثة خفيفة ابن النعمان بن مسلمة الحنفي، وهو من فضلاء الصحابة، وكانت قصته قبل وفد بني حنيفة بزمان، فإن قصته صريحة في أنها كانت قبل فتح مكة كما سنبينه، وكأن البخاري ذكرها ها هنا استطرادًا. قوله: (بعث النبي ﷺ خيلًا قبل نجد) أي: بعث فرسان خيل إلى جهة نجد، وزعم سيف في "كتاب الزهد" له أن الذي أخذ ثمامة وأسره هو عباس بن عبد المطلب، وفيه نظر؛ لأن العباس إنما قدم على رسول الله ﷺ في زمان فتح مكة، وقصة ثمامة تقتضي أنها كانت قبل ذلك بحيث اعتمر ثمامة، ثم رجع إلى بلاده، ثم منعهم أن يميروا أهل مكة، ثم شكا أهل مكة إلى النبي ﷺ ذلك، ثم بعث يشفع فيهم عند ثمامة، انتهى من "الفتح" (١). قلت: وذكر صاحب "الخميس" (٢) في وقائع السنة السادسة، فقال: وفي محرم هذه السنة لعشر خلون منه كانت سرية محمد بن مسلمة إلى القرطاء بطن من أبي بكر بن كلاب، روي أنه بعث رسول الله ﷺ محمد بن مسلمة في ثلاثين راكبًا على جماعة من بني بكر بن كلاب بموضع يقال له: الضرية بفتح الضاد المعجمة وكسر الراء وتشديد التحتانية قرية على سبع مراحل بطريق خارج البصرة إلى مكة، وأمره أن يغير عليهم بغتة، وكان محمد يسير بالليل ويختفي بالنهار حتى أغار عليهم فجاءة، وهم عارون غافلون، وهرب سائرهم، وعند الدمياطي قتل نفرًا منهم، وهرب سائرهم،

стр. 2308

وأصاب منهم خمسين بعيرًا وثلاثة آلاف شاة وساقها، وقدم المدينة لليلة بقيت من المحرم، فقسمها النبي ﷺ بين أصحابه بعد إخراج الخمس، وكانت غيبته في تلك السرية تسع عشرة ليلة، وكان معه ثمامة بن أثال الحنفي سيد اليمامة أسيرًا فربط بسارية من سواري المسجد، انتهى. قلت: ولذا ذكر البخاري هذا الحديث في "باب ربط الأسير في المسجد" مختصرًا. قال العلَّامة العيني (١): مطابقته للجزء الثاني من الترجمة ظاهرة، وقال بعد ذكر الحديث الثاني: مطابقته للجزء الأول من الترجمة؛ لأن مسيلمة قدم في وفد بني حنيفة، قال ابن إسحاق: ادعى مسيلمة النبوَّة سنة عشر، وقدم مع قومه، إلى آخر ما ذكر. قوله: (وقدمها في بشر كثير. . .) إلخ، قال الواقدي: كان معه من قومه سبعة عشر نفسًا، وقال الحافظ (٢) بحثًا على قصة قدومه: يحتمل أن يكون مسيلمة قدم مرتين إلى آخر ما ذكر فارجع إليه. (٧١ - باب قصة الأسود العنسي) بسكون النون، وحكى ابن التِّين جواز فتحها، ولم أر له في ذلك سلفًا، ثم قال بعد ذكر حديث الباب: أما مسيلمة فقد ذكرت خبره، وأما العنسي وفيروز فكان من قصة أن العنسي وهو الأسود واسمه عبهلة بن كعب، وكان يقال له أيضًا: ذو الخمار بالخاء المعجمة؛ لأن كان يخمر وجهه، وقيل: هو اسم شيطانه، وكان الأسود وقد خرج بصنعاء وادعى النبوَّة وغلب على عامل صنعاء المهاجر بن أبي أمية، ويقال له: إنه مر به فلما حازاه عشر الحمار فادعى أنه سجد له، ولم يقم الحمار حتى قال له شيئًا فقام، وروى البيهقي في "الدلائل": خرج الأسود الكذاب وهو من بني عنس

стр. 2309

- يعني: بسكون النون - وكان معه شيطانان، يقال لأحدهما: سحيق بمهملتين وقاف مصغر، والآخر شقيق بمعجمة وقافين مصغر، وكانا يخبرانه بكل شيء يحدث من أمور الناس، وكان باذان عامل النبي ﷺ بصنعاء فمات، فجاء شيطان الأسود فأخبره فخرج في قومه حتى ملك صنعاء وتزوج المرزبانة زوجة باذان، فذكر القصة في مواعدتها دادويه وفيروز وغيرهما حتى دخلوا على الأسود ليلًا، وقد سقته المرزبانة الخمر صرفًا حتى سكر، وكان على بابه ألف حارس فنقب فيروز ومن معه الجدار حتى دخلوا فقتله فيروز واحتز رأسه، وأخرجوا المرأة وما أحبوا من متاع البيت، وأرسلوا الخبر إلى المدينة فوافى بذلك عند وفاة النبي ﷺ ، قال أبو الأسود: عن عروة: أصيب الأسود قبل وفاة النبي ﷺ بيوم وليلة، فأتاه الوحي فأخبر به أصحابه، ثم جاء الخبر إلى أبي بكر ﵁، وقيل: وصل الخبر بذلك صبيحة دفن النبي ﷺ ، انتهى (١). (٧٢ - باب قصة أهل نجران) بفتح النون وسكون الجيم بلد كبير على سبع مراحل من مكة إلى جهة اليمن يشتمل على ثلاثة وسبعين قرية مسيرة يوم للراكب السريع، كذا في زيادات يونس بن بكير بإسناد له في المغازي، وذكر ابن إسحاق أنهم وفدوا على رسول الله ﷺ بمكة وهم حينئذ عشرون رجلًا لكن أعاد ذكرهم في الوفود بالمدينة فكأنهم قدموا مرتين، وقال ابن سعد: كان النبي ﷺ كتب إليهم فخرج إليه وفدهم في أربعة عشر رجلًا من أشرافهم، وعند ابن إسحاق أيضًا من حديث كرز بن علقمة، أنهم كانوا أربعة وعشرين رجلًا وسرد أسماءهم، انتهى من "الفتح" (٢).

стр. 2310

(٧٣ - باب قصة عمان والبحرين) أما البحرين فبلد عبد القيس بين البصرة وعُمان، وأما عُمان فبضم المهملة وتخفيف الميم، قال عياض (١) هي فرضة بلاد اليمن، لم يزد في تعريفها على ذلك، وقال الرشاطي: عُمان في اليمن سميت بعُمان بن سبأ، ينسب إليه الجلندي رئيس أهل عُمان، ذكر وثيمة أن عمرو بن العاص قدم عليه من عند النبي ﷺ فصدقه، وذكر غيره أن الذي آمن على يد عمرو بن العاص ولدا الجلندي عياذ وجيفر، وكان ذلك بعد خيبر، ذكره أبو عمرو، انتهى. وروى الطبراني من حديث المسور بن المخرمة قال: "بعث رسول الله ﷺ رسله إلى الملوك" فذكر الحديث، وفيه: "وبعث عمرو بن العاص إلى جيفر وعياذ ابني الجلندي ملك عُمان"، فرجعوا جميعًا قبل وفاة رسول الله ﷺ إلا عمرًا فإنه توفي وعمرو بالبحرين. وفي هذا إشعار بقرب عُمان من البحرين، وبقرب البعث إلى الملوك من وفاته ﷺ ، فلعلها كانت بعد حنين فتصحفت، ولعل المصنف أشار بالترجمة إلى هذا الحديث لقوله في حديث الباب: "فلم يقدم مال البحرين حتى قبض رسول الله ﷺ ". (تنبيهان): بعمل الشام بلدة يقال لها: عمَّان لكنها بفتح العين وتشديد الميم، وليست مرادة ها هنا قطعًا، وإنما وقع اختلاف الرواة فيما وقع في صفة الحوض النبوي كما سيأتي في مكانه حيث جاء في بعض طرقه ذكر عمان، وجيفر مثل جعفر: إلا أن بدل العين تحتانية، وعياذ بفتح المهملة وتشديد التحتانية وآخره ذال معجمة، والجلندي بضم الجيم وفتح اللام وسكون النون والقصر، انتهى من "الفتح" (٢).

стр. 2311

(٧٤ - باب قدوم الأشعريين وأهل اليمن) هو من عطف العام على الخاص؛ لأن الأشعريين من أهل اليمن، ومع ذلك ظهر لي أن في المراد بأهل اليمن خصوصًا آخر، وهو ما سأذكره من قصة نافع بن زيد الحميري أنه قدم وافدًا في نفر من حمير، وبالله التوفيق. ثم قال: كان قدوم أبي موسى عند فتح خيبر لما قدم جعفر بن أبي طالب، وقيل: إنه قدم عليه بمكة قبل الهجرة ثم كان ممن هاجر إلى الحبشة الهجرة الأولى، ثم قدم الثانية صحبة جعفر، والصحيح أنه خرج طالبًا المدينة في سفينة فألقتهم الريح إلى الحبشة، فاجتمعوا هناك بجعفر ثم قدموا صحبته، وعلى هذا فإنما ذكره البخاري ها هنا ليجمع ما وقع على شرطه من البعوث والسرايا والوفود، ولو تباينت تواريخهم، ومن ثم ذكر غزوة سيف البحر مع أبي عبيدة بن الجراح، وكانت قبل فتح مكة بمدة، وكنت أظن قوله: "وأهل اليمن" بعد الأشعريين من عطف العام على الخاص، ثم ظهر لي أن لهذا العام خصوصًا أيضًا، وأن المراد بهم بعض أهل اليمن وهم وفد حمير، فوجدت في "كتاب الصحابة" لابن شاهين من طريق إياس بن عمير الحميري: أنه قدم وافدًا على رسول الله ﷺ في نفر من حمير فقالوا: أتيناك لنتفقه في الدين، الحديث، وقد ذكرت فوائده في أول بدء الخلق. وحاصله: أن الترجمة مشتملة على طائفتين، وليس المراد اجتماعهما في الوفادة، فإن قدوم الأشعريين كان مع أبي موسى في سنة سبع عند فتح خيبر، وقدوم وفد حمير في سنة تسع وهي سنة الوفود، ولأجل هذا اجتمعوا مع بني تميم، وقد عقد محمد بن سعد في الترجمة النبوية من الطبقات للوفود بابًا، وذكر فيه القبائل من مضر ثم من ربيعة ثم من اليمن، وكاد يستوعب ذلك بتلخيص حسن، وكلامه أجمع ما يوجد في ذلك مع أنه ذكر وفد حمير، ولم يقع له قصة نافع بن زيد التي ذكرتها،

стр. 2312

انتهى كله من "الفتح" (١). (٧٥ - باب قصة دوس والطفيل بن عمرو الدوسي) بفتح الدال المهملة وسكون الواو، ابن عدنان بن عبد الله بن زهران بن كعب بن الحارث بن كعب بن مالك بن نصر بن الأزد، وقوله: "الطفيل بن عمرو" أي: قصة الطفيل بن عمرو بن طريف بن العاص بن ثعلبة بن سليم بن فهم بن غنم بن دوس، وله حكاية عجيبة غريبة طويت ذكرها مخافة التطويل، انتهى من "العيني" (٢). وقال الحافظ (٣): كان يقال له (أي: للطفيل): ذو النور - آخره راء - لأنه لما أتى النبي ﷺ وأسلم بعثه إلى قومه فقال: اجعل لي آية، فقال: "اللَّهم نور له"، فسطع نور بين عينيه، فقال: يا رب أخاف أن يقولوا: إنه مثلة، فتحول إلى طرف سوطه، وكان يضيء في الليلة المظلمة، ذكره هشام بن الكلبي في قصة طويلة، وفيها أنه دعا قومه إلى الإسلام فأسلم أبوه ولم تسلم أمه، وأجابه أبو هريرة وحده. قلت: وهذا يدل على تقدم إسلامه، وقد جزم ابن أبي حاتم بأنه قدم مع أبي هريرة بخيبر، وكأنها قدمته الثانية، انتهى. (٧٦ - باب قصة وفد طيئ) وحديث عدي بن حاتم، أي: ابن عبد الله بن سعد بن الحشرج - بوزن جعفر - ابن امرئ القيس بن عدي الطائي، منسوب إلى طيئ - بفتح المهملة وتشديد التحتانية المكسورة بعدها همزة - ابن أدد ابن زيد بن يشجب بن عريب بن زيد بن كهلان بن سبأ يقال: كان اسمه جلهمة فسمي طيئًا؛ لأنه أول من طوى بئرًا، ويقال: أول من طوى المناهل، وأخرج مسلم

стр. 2313

من وجه آخر عن عدي بن حاتم قال: أتيت عمر فقال: إن أول صدقة بيّضت وجه رسول الله ﷺ ووجوه أصحابه صدقة طيئ جئت بها إلى النبي ﷺ " وقال الحافظ بعد ذكر الحديث: روى الترمذي من وجه آخر عن عدي بن حاتم قال: "أتيت النبي ﷺ في المسجد فقال: هذا عدي بن حاتم، وكان النبي ﷺ قبل ذلك يقول: إني لأرجو الله أن يجعل يده في يدي"، انتهى (١). (٧٧ - باب حجة الوداع) بكسر الحاء المهملة وبفتحها، وبكسر الواو وبفتحها، ذكر جابر في حديثه الطويل في صفتها كما أخرجه مسلم وغيره "أن النبي ﷺ مكث تسع سنين - أي: منذ قدم المدينة - لم يحج، ثم أذَّن في الناس في العاشرة أن النبي ﷺ حاج، فقدم المدينة بشر كثير كلهم يلتمس أن يأتم برسول الله ﷺ " الحديث، وعند الترمذي من حديث جابر: "أنه ﷺ حجّ قبل أن يهاجر ثلاث حجج"، وعن ابن عباس مثله أخرجه ابن ماجه والحاكم. قلت: وهو مبني على عدد وفود الأنصار إلى العقبة بمنى بعد الحج، فإنهم قدموا أولًا فتواعدوا، ثم قدموا ثانيًا فبايعوا البيعة الأولى، ثم قدموا ثالثًا فبايعوا البيعة الثانية كما تقدم بيانه أول الهجرة، وهذا لا يقتضي نفي الحج قبل ذلك، وقد أخرج الحاكم بسند صحيح إلى الثوري: "أن النبي ﷺ حجّ قبل أن يهاجر حِججا". وفي حديث ابن عباس أن خروجه من المدينة كان لخمس بقين من ذي القعدة أخرجه المصنف في الحج، وأخرجه هو ومسلم من حديث عائشة مثله، وجزم ابن حزم بأن خروجه كان يوم الخميس، وفيه نظر؛ لأن أول

стр. 2314

ذي الحجة كان يوم الخميس قطعًا لما ثبت وتواتر أن وقوفه بعرفة كان يوم الجمعة، فتعين أن أول الشهر يوم الخميس فلا يصح أن يكون خروجه يوم الخميس، بل ظاهر الخبر أن يكون يوم الجمعة، لكن ثبت في الصحيحين عن أنس: "صلينا الظهر مع النبي ﷺ بالمدينة أربعًا والعصر بذي الحليفة ركعتين" فدلّ على أن خروجهم لم يكن يوم الجمعة، فما بقي إلا أن يكون خروجهم يوم السبت، ويحمل قول من قال: "لخمس بقين" أي: إن كان الشهر ثلاثين، فاتفق أن جاء تسعًا وعشرين، فيكون يوم الخميس أول ذي الحجة بعد مضي أربع ليال لا خمس، وبهذا تتفق الأخبار، هكذا جمع الحافظ عماد الدين ابن كثير بين الروايات. وكان دخوله ﷺ مكة صبح رابعة كما ثبت في حديث عائشة، وذلك يوم الأحد، وهذا يؤيد أن خروجه من المدينة كان يوم السبت كما تقدم، فيكون مكثه في الطريق ثمان ليال، وهي المسافة الوسطى. ثم ذكر المصنف في الباب سبعة عشر حديثًا تقدم غالبها في كتاب الحج، انتهى (١). قلت: واختار ابن القيم أيضًا في "زاد المعاد" (٢) خروجه ﷺ من المدينة يوم السبت وهو الراجح عندي كما حققته في "جزء حجة الوداع" لهذا العبد الضعيف، وتقدم تعريفه في كتاب الحج، وذكرت فيه أن هذه الحجة كما تسمى بحجة الوداع تسمى بحجة الإسلام، وبحجة البلاغ، وبحجة التمام أيضًا، وفيه أيضًا حكى صاحب "الخميس" (٣) عن ابن عباس ﵄: أنه كره أن تسمى بحجة الوداع، قلت: لكن تسميته بحجة الوداع هو الأشهر من بين أساميه كما قال العلَّامة العيني، ووقع هذه التسمية في عدة أحاديث صحيحة، فكان ما ذهب إليه ابن عباس مذهبًا تفرد به.

стр. 2315

ثم لا يذهب عليك أن الشرَّاح استشكلوا ذكر حجة الوداع ها هنا قبل غزوة تبوك، وجعلوا ذلك من تصرف النساخ، كما سيأتي هناك، وفي "الفيض" (١): ولم يظهر لي وجه تقديمها على غزوة تبوك مع كونها في السنة التاسعة وتلك في العاشرة، انتهى. والأوجه عند هذا العبد الضعيف: أن المصنف ﵀ قصد بذكر ها هنا بعد الفراغ من بيان الوفود الإشارة إلى أن سلسلة الوفود انجرت إلى حجة الوداع، ولذا لم يذكر بعدها وفدًا كما ترى، وأما كونها بعد غزوة تبوك فكان معروفًا بين العام والخاص فلم يلتفت إلى ذلك، والله تعالى أعلم. ثم إن المصنف ذكر تحت هذا الباب حديث ابن عمر سادس أحاديث الباب، قال القسطلاني (٢) تبعًا للحافظ: قد استشكل دخول هذا الحديث في باب حجة الوداع؛ لأن فيه التصريح بأن القصة كانت عام الفتح، وعام الفتح كان سنة ثمان وحجة الوداع، كانت سنة عشر، انتهى. والعجب من العلَّامة العيني إذ قال (٣): مطابقته للترجمة في قوله: "عام الفتح"؛ لأن حجة الإسلام كانت فيه، وهو حجة الوداع، انتهى ولم أتحصل ما قال. وكتب الشيخ قُدِّس سرُّه في "اللامع" (٤) بعد ذكر الإشكال: والجواب: أنه إثبات لما اختلفوا فيه من دخوله في البيت يوم حجة الوداع فمن مثبت لذلك وناف له، فأورد هذا الحديث تنبيهًا على أنه إذا دخل البيت يوم الفتح، ولم يكن سفره هذا لقصد زيارة البيت، بل للجهاد والغزو، فأولى أن يكون دخله في الحج لوقوع سفره هذا للبيت خاصة، انتهى.

стр. 2316

قلت: وهذا يقال له: الإثبات بالأولوية، وهو أصل مطرد من أصول التراجم. (٧٨ - باب غزوة تبوك وهي غزوة العسرة) هكذا أورد المصنف هذه الترجمة بعد حجة الوداع، وهو خطأ، وما أظن ذلك إلا من النساخ، فإن غزوة تبوك كانت في شهر رجب من سنة تسع قبل حجة الوداع بلا خلاف، وعند ابن عائذ من حديث ابن عباس أنها كانت بعد الطائف بستة أشهر، وليس مخالفًا لقول من قال: في رجب إذا حذفنا الكسور؛ لأنه ﷺ قد دخل المدينة من رجوعه من الطائف في ذي الحجة. وتبوك مكان معروف هو نصف طريق المدينة إلى دمشق، ويقال: بين المدينة وبينها أربع عشرة مرحلة، وذكرها في "المحكم" في الثلاثي الصحيح، وكلام ابن قتيبة يقتضي أنها من المعتل فإنه قال: جاءها النبي ﷺ وهم يبوكون مكان مائها بقدح فقال: ما زلتم تبوكونها، فسميت حينئذ تبوك. قوله: (وهي غزوة العسرة) بمهملتين الأولى مضمومة، بعدها سكون مأخوذ من قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ﴾ [التوبة: ١١٧] وهي غزوة تبوك، وفي حديث ابن عباس: "قيل لعمر: حدثنا عن شأن ساعة العسرة، قال: خرجنا إلى تبوك في قيظ شديد فأصابنا عطش" الحديث، أخرجه ابن خزيمة، وفي "تفسير عبد الرزاق": عن معمر عن ابن عقيل قال: "خرجوا في قلة من الظَّهر، وفي حر شديد حتى كانوا ينحرون البعير فيشربون ما في كرشه من الماء، فكان ذلك عسرة من الماء وفي الظَّهر وفي النفقة، فسميت غزوة العسرة". وتبوك المشهور فيها عدم الصرف للتأنيث والعلمية، ومن صرفها أراد الموضع، ووقعت تسميتها بذلك في الأحاديث الصحيحة، ثم ذكر الحافظ عدة روايات من حديث مسلم وأحمد وغيرهما.

стр. 2317

وكان السبب فيها ما ذكره ابن سعد وشيخه وغيره قالوا: بلغ المسلمين من الأنباط الذين يقدمون بالزيت من الشام إلى المدينة أن الروم جمعت جوعًا، وأجلبت معهم لخم وجذام وغيرهم من منتصرة العرب، وجاءت مقدمتهم إلى البلقاء، فندب النبي ﷺ إلى الخروج، وأعلمهم بجهة غزوهم، وروى الطبراني من حديث عمران بن حصين قال: "كانت نصارى العرب كتبت إلى هرقل: أن هذا الرجل الذي خرج يدعي النبوَّة هلك وأصابتهم سنون فهلكت أموالهم، فبعث رجلًا من عظمائهم يقال له: قباذ، وجهز معه أربعين ألفًا، فبلغ النبي ﷺ ذلك ولم يكن للناس قوة، وكان عثمان قد جهز عيرًا إلى الشام، فقال: يا رسول الله ﷺ ! هذه مائتا بعير بأقتابها وأحلاسها، ومائتا أوقية، قال: فسمعته يقول: لا يضر عثمان ما عمل بعدها"، وأخرجه الترمذي والحاكم من حديث عبد الرحمن بن حباب نحوه. وذكر أبو سعيد في "شرف المصطفى" والبيهقي في "الدلائل": أن اليهود قالوا: يا أبا القاسم إن كنت صادقًا فالحق بالشام فإنها أرض المحشر وأرض الأنبياء، فغزا تبوك لا يريد إلا الشام، فلما بلغ تبوك أنزل الله تعالى الآيات من سورة بني إسرائيل: ﴿وَإِنْ كَادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الْأَرْضِ لِيُخْرِجُوكَ مِنْهَا﴾ الآية [الإسراء: ٧٦]، انتهى. وإسناده حسن مع كونه مرسلًا، انتهى (١). وفي "تاريخ الخميس" (٢): وفي رجب هذه السنة لستة أشهر وخمسة أيام خلت منها وقعت غزوة تبوك، وهي غزوة العسرة، وتعرف بالفاضحة لافتضاح المنافقين فيها، وكانت يوم الخميس في رجب سنة تسع من الهجرة بلا خلاف، ولم يقع في هذه الغزوة قتال، ولكن فتحوا في هذا السفر دومة الجندل، وكانت الروم والشام من أعظم أعداء المسلمين وأهيبهم عندهم، وكان رسول الله ﷺ إذا غزا غزوة ورّى بغيرها إلا غزوة تبوك، فإنه أخبر

стр. 2318

الناس بها وأظهر ليتأهبوا لها الأهبة، ويستعدوا لبعد السفر وشدة الزمان، وفي "المنتقى": استخلف على المدينة سباع بن عرفطة الغفاري، وقيل: محمد بن مسلمة، انتهى. وقال الدمياطي: استخلاف محمد بن مسلمة هو أثبت عندنا ممن قال استخلف غيره، وفي "المواهب اللدنية": أمر رسول الله ﷺ بكل بطن من الأنصار والقبائل من العرب أن يتخذوا لواء وراية، وكان معه ثلاثون ألفًا، وعند أبي زرعة سبعون ألفًا، وفي رواية عنه أيضًا أربعون ألفًا، وكانت الخيل عشرة آلاف فرس، وفي كل منزل نزله اتخذ مسجدًا، وجميعها معروفة إلى مسجد تبوك، انتهى مختصرًا. وقال الحافظ (١): في شرح قوله: "ولا يجمعهم كتاب حافظ" المذكور في حديث الباب: وللحاكم في "الإكليل" من حديث معاذ: "خرجنا مع رسول الله ﷺ إلى غزوة تبوك زيادة على ثلاثين ألفًا"، وبهذه العدة جزم ابن إسحاق، وأورده الواقدي بسند آخر موصول وزاد: "أنه كان معهم عشرة آلاف فرس"، وقد نقل عن أبي زرعة أنهم كانوا أربعين ألفًا، ولا تخالف رواية "الإكليل" "أكثر من ثلاثين ألفًا" لاحتمال أن يكون من قال: أربعين ألفًا جبر الكسر، انتهى. (٧٩ - باب حديث كعب بن مالك) قال العيني (٢): هو كعب بن مالك بن أبي كعب الأنصاري السلمي ينتهي نسبه إلى الخزرج، يكنى أبا عبد الله، شهد العقبة الثانية، واختلف في شهوده بدرًا، وشهد أُحدًا والمشاهد كلها حاشا تبوك، فإنه تخلَّف عنها، وكان أحد الشعراء في الجاهلية، وتوفي في خلافة معاوية سنة خمسين، وقيل: ثلاث وخمسين، وهو ابن سبع وسبعين، وكان قد عمي

стр. 2319

في آخر عمره، ويعد في المدنيِّين، روى عنه جماعة من التابعين. قال الحافظ (١): في فوائد الحديث: قال ابن التِّين: فيه أن كعب بن مالك من المهاجرين الأولين الذين صلَّوا إلى القبلتين، كذا قال، وليس كعب من المهاجرين، إنما هو من السابقين من الأنصار. وقال العيني (٢): قوله: (﴿وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا﴾ الآية [التوبة: ١١٨]) وهم كعب بن مالك المذكور، وهلال بن أمية، ومرارة بن الربيع، أما هلال هو ابن أمية الأنصاري الواقفي من بني واقف ابن امرئ القيس بن مالك بن الأوس، وأما مرارة فبضم الميم وتخفيف الرائين، ابن الربيع، يقال: ابن ربيعة العمري نسبة إلى بني عمرو بن عوف بن مالك بن الأوس، وقال الكرماني: وفي بعض الروايات العامري، وأنكره العلماء وقالوا: صوابه العمري، انتهى من كلام العيني وقال أيضًا: إنهما شهدا بدرًا. وقال القسطلاني (٣): في شرح قوله: (فذكروا لي رجلين صالحين قد شهدا بدرًا. . .) إلخ، قد استشكل بأن أهل السير لم يذكروا واحدًا منهما فيمن شهد بدرًا، ولا يعرف ذلك في غير هذا الحديث، وممن جزم بأنهما شهدا بدرًا الأثرم وهو ظاهر صنيع البخاري، وتعقب الأثرم ابن الجوزي ونسبه إلى الغلط، لكن قال الحافظ ابن حجر: إنه لم يصب قال: واستدل بعض المتأخرين بكونهما لم يشهدا بدرًا بما وقع في قصة حاطب: وأن النبي ﷺ لم يهجره ولا عاقبه مع كونه جس عليه، بل قال لعمر لما همّ بقتله: "وما يدريك لعل الله اطلع على أهل بدر" الحديث، قال: وأين ذنب التخلف من ذنب الجس؟ قال في "الفتح": وليس ما استدل به بواضح؟ لأنه يقتضي أن البدري عنده إذا جنى جناية ولو كبرت لا يعاقب عليها، وليس

стр. 2320

كذلك، فهذا عمر مع كونه المخاطب بقصة حاطب قد جلد قدامة بن مظعون الحدّ لما شرب الخمر وهو بدري، وإنما لم يعاقب ﷺ حاطبًا ولا هجره؛ لأنه قبل عذره في أنه إنما كاتب قريشًا خشية على أهله وولده بخلاف تخلف كعب وصاحبيه فإنهم لم يكن لهم عذر أصلًا، انتهى. وبسط الحافظ (١) الكلام فيما يستفاد من الحديث، فذكر فوائد كثيرة وقال العيني (٢): فوائد الحديث المذكور أكثر من خمسين فائدة، وقال أيضًا: وقد أخرج المؤلف حديث غزوة تبوك وتوبة الله على كعب بن مالك في عشرة مواضع مطولًا ومختصرًا، إلى آخر ما قال. (٨٠ - باب نزول النبي ﷺ الحجر) بكسر المهملة وسكون الجيم، وهي منازل ثمود بين المدينة والشام عند وادي القرى، زعم بعضهم أنه مرَّ به ولم ينزل، ويرده التصريح في حديث ابن عمر بأنه "لما نزل الحجر أمرهم أن لا يشربوا"، انتهى من "الفتح" (٣) بزيادة من "العيني". وقال العيني (٤) بعد ذكر الحديث: مطابقته للترجمة تؤخذ من قوله: "حتى أجاز الوادي"؛ لأن فيه معنى النزول إلى الوادي والصعود منه، ولو قال في الترجمة: باب مرور النبي ﷺ بالحجر لكان أصوب وأقرب، انتهى. (٨١ - باب) بغير ترجمة، قال العيني (٥): كذا بلا ترجمة، وهو كالفصل لما تقدم؛ لأن أحاديثه تتعلق ببقية قصة تبوك، والباب الذي قبله أيضًا يتعلق بتبوك

стр. 2321

فافهم، انتهى، وهكذا في "الفتح" (١) مختصرًا. (٨٢ - باب كتاب النبي ﷺ إلى كسرى وقيصر) مناسبة هذا الباب بما قبله من حيث إنه ﷺ كتب إليهما إذ كان هو ﷺ في تبوك كما سيأتي بيانه، وكسرى هو ابن برويز بن هرمز بن أنوشروان، وهو كسرى الكبير، وقيل: إن الذي بعث إليه النبي ﷺ هو أنوشروان، وفيه نظر لما سيأتي أن النبي ﷺ أخبر أن زربان ابنه يقتله، والذي قتله ابنه هو كسرى ابن برويز بن هرمز، وكسرى بفتح الكاف وكسرها لقب كل من تملك الفرس، ومعناه بالعربية المظفري، وأما قيصر فهو هرقل، وقد تقدم شأنه في أول الكتاب، انتهى (٢). وتقدم في هامش "اللامع" (٣): أن هرقل بكسر الهاء وفتح الراء وسكون القاف على المشهور، ويقال أيضًا: بكسر الهاء والقاف وسكون الراء، قال الكرماني (٤): اسم علم له فهو غير منصرف للعلمية والعجمة، وهو صاحب حروب الشام، ملك إحدى وثلاثين سنة، وفي ملكه مات النبي ﷺ ، ولقبه قيصر، وكذا كل من ملك الروم يقال له: قيصر، كما أن ملك فارس يسمى: كسرى. قال العيني (٥): وكان هرقل أول من ضرب الدينار، وأحدث البيعة، قال الحافظ (٦) واستمر هرقل على نصرانية، وآثر ملكه على الإيمان، ومما يقويه أنه حارب المسلمين في غزوة مؤتة، وروى ابن حبان في "صحيحه" عن أنس: أن النبي ﷺ كتب إليه أيضًا من تبوك يدعوه، وأنه قارب الإجابة، ولم يجب، فدلّ ظاهره على استمراره على الكفر، ويحتمل أنه كان يضمر الإيمان ويفعل هذه المعاصي مراعاة لملكه وخوفًا من أن يقتله قومه،

стр. 2322

إلا أن في "مسند أحمد": أنه كتب من تبوك إلى النبي ﷺ : إني مسلم، فقال النبي ﷺ : "كذب، بل هو على نصرانيته"، انتهى من هامش "اللامع" مختصرًا. وقال الحافظ (١): جزم ابن سعد بأن بعث عبد الله بن حذافة إلى كسرى كان في سنة سبع في زمن الهدنة، وهو عند الواقدي من حديث الشفاء بنت عبد الله بلفظ: "منصرفه من الحديبية"، وصنيع البخاري يقتضي أنه كان في سنة تسع، فإنه ذكره بعد غزوة تبوك، وذكر في آخر الباب حديث السائب أنه تلقى النبي ﷺ لما رجع من تبوك إشارة إلى ما ذكرت، وقد ذكر أهل المغازي أنه ﷺ لما كان بتبوك كتب إلى قيصر وغيره، وهي غير المرة التي كتب إليه مع دحية، فإنها كانت في زمن الهدنة كما صرّح به في الخبر، وذلك سنة سبع، ثم ذكر الحافظ من رواية الطبراني أسماء الملوك الذين كتب إليهم النبي ﷺ وأسماء من بعث إليهم من الصحابة ﵃ أجمعين. (٨٣ - باب مرض النبي ﷺ ووفاته. . .) إلخ قال الحافظ (٢): وذكر في الباب أيضًا ما يدلّ على جنس مرضه كما سيأتي، وأما ابتداءه فكان في بيت ميمونة كما سيأتي، ووقع في "السيرة" لأبي معشر: في بيت زينب بنت جحش، وفي "السيرة" لسليمان التيمي: في بيت ريحانة، والأول هو المعتمد، وذكر الخطابي (٣): أنه ابتدأ به يوم الاثنين، وقيل: يوم السبت، وقال الحاكم أبو أحمد: يوم الأربعاء. واختلف في مدة مرضه فالأكثر على أنها ثلاثة عشر يومًا، وقيل: بزيادة يوم، وقيل: بنقصه، والقولان في "الروضة"، وصدّر بالثاني، وقيل: عشرة أيام، وبه جزم سليمان التيمي في مغازيه، وأخرجه البيهقي بإسناد صحيح،

стр. 2323

وكانت وفاته ﷺ يوم الاثنين بلا خلاف من ربيع الأول، وكاد يكون إجماعًا، لكن في حديث ابن مسعود عند البزار في حادي عشر رمضان، ثم عند ابن إسحاق والجمهور أنها في الثاني عشر منه، وعند موسى بن عقبة والليث والخوارزمي وابن زبر: مات لهلال ربيع الأول، وعند أبي مخنف والكلبي في ثانيه، ورجحه السهيلي، وعلى القولين يتنزل ما نقله الرافعي أنه عاش بعد حجته ثمانين يومًا، وقيل: أحدًا وثمانين، وأما على ما جزم به في "الروضة" فيكون عاش بعد حجته تسعين يومًا أو أحدًا وتسعين. وقد استشكل ذلك السهيلي ومن تبعه - أعني: كونه مات يوم الاثنين ثاني عشر شهر ربيع الأول -، وذلك أنهم اتفقوا على أن ذا الحجة كان أوله يوم الخميس، فمهما فرضت الشهور الثلاثة توام أو نواقص أو بعضها لم يصح، وهو ظاهر لمن تأمله، وأجاب البارزي ثم ابن كثير باحتمال وقوع الأشهر الثلاثة كوامل، وكان أهل مكة والمدينة اختلفوا في رؤية هلال ذي الحجة فرآه أهل مكة ليلة الخميس ولم يره أهل المدينة إلا ليلة الجمعة، فحصلت الوقفة برؤية أهل مكة، ثم رجعوا إلى المدينة فأرّخوا برؤية أهلها فكان أول ذي الحجة الجمعة وآخره السبت، وأول المحرم الأحد وآخره الاثنين، وأول صفر الثلاثاء وآخره الأربعاء، وأول ربيع الأول الخميس فيكون ثاني عشره الاثنين، وهذا الجواب بعيد من حيث إنه يلزم توالي أربعة أشهر كوامل. . .، إلى آخر ما بسط الحافظ أشد البسط. قوله: (فقال: ائتوني اكتب لكم كتابًا) قال الحافظ (١): هو تعيين الخليفة بعده، وسيأتي شيء من ذلك في "كتاب الأحكام" في "باب الاستخلاف" منه، انتهى. وقد تقدم شيء من الكلام عليه في "كتاب العلم"، وبسط الكلام عليه أيضًا في "اللامع" (٢) في "كتاب العلم" إذ كتب الشيخ قُدِّس سرُّه على قول

стр. 2324

عمر: (إن النبي ﷺ قد غلبه الوجع. . .) إلخ: إنما حسن ذلك من عمر لما علم أنه يكتب الخلافة لأبي بكر ونحن متفقون عليه، فلا حاجة إلى تصديعه. . .، إلى آخر ما تقدم، وتقدم هناك في هامشه: هذا هو الظاهر فيما أراد النبي ﷺ كتابته. قال الحافظ (١): اختلف في المراد بالكتاب، قيل: كان أراد أن يكتب كتابًا ينصّ فيه على الأحكام ليرتفع الاختلاف، وقيل: بل أراد أن ينصّ على أسامي الخلفاء بعده حتى لا يقع بينهم الاختلاف، قاله سفيان بن عيينة، ويؤيده أنه ﷺ قال في أوائل مرضه وهو عند عائشة: "ادعي لي أباك حتى أكتب كتابًا، فإني أخاف أن يتمنى متمن، ويقول قائل، ويأبى الله والمؤمنون إلا أبا بكر" أخرجه مسلم، وللبخاري معناه، قال الحافظ: والأول أظهر لقول عمر: حسبنا كتاب الله، أي: كافينا مع أنه يشمل الوجه الثاني؛ لأنه بعض أفراده، انتهى. قلت: الأظهر هو الثاني لموافقة قوله ﷺ : "حتى أكتب كتابًا"، انتهى من هامش "اللامع". قوله: (استأذن أزواجه أن يمرض في بيتي. . .) إلخ، قال الحافظ (٢): وفي رواية عن عائشة عند أحمد: "أنه ﷺ قال لنسائه: إني لا أستطيع أن أدور بيوتكن، فإذا شئتن أذنتن لي"، وسيأتي بعد قليل عن عائشة أنه "كان يقول: أين أنا غدًا؟ يريد يوم عائشة"، وكان أول ما بدأ مرضه في بيت ميمونة، انتهى. قلت: وأتذكر من إفادات مولانا الشيخ فضل رحمان كَنج مراد آبادي قُدِّس سرُّه: أن التمريض في بيت عائشة لعله لأجل أن الوحي لا يأتي في لحاف أحد غيرها.

стр. 2325

قوله: (في يومي. . .) إلخ، كتب الشيخ في "اللامع" (١): أي: لو كان ثمة نوبة بحسب عادته لكان اليوم يوم نوبتي، انتهى. وفي هامشه: كما هو نص الرواية المتقدمة قريبًا قالت عائشة: "فمات في اليوم الذي كان يدور عليّ فيه في بيتي"، وفي هامش النسخة الهندية: قوله: "في يومي" أي: يوم نوبتي بحساب الدور المتقدم المعهود، قال في "جامع الأصول" (٢): كان ابتداء مرض النبي ﷺ من صداع عرض له، وهو في بيت عائشة، ثم اشتد به وهو في بيت ميمونة، ثم استأذن نساءه أن يمرّض في بيت عائشة، فأذِنَّ له، وكان مدة مرضه اثني عشر يومًا، ومات يوم الاثنين ضحى من ربيع الأول، فقيل: لليلتين خلتا منه، وقيل: لاثنتي عشرة خلت منه، وهو الأكثر، هكذا في "المرقاة" (٣)، انتهى. وهكذا حكى القاري كلام "جامع الأصول" في "جمع الوسائل" (٤)، ولم يتعرض فيها عن إشكال، وهو أن مدة مرضه ﷺ لما كانت اثني عشر يومًا، وكان بدء المرض في بيت عائشة فكيف رجعت النوبة إليها بعد اثني عشر يومًا؛ لأنه ﷺ توفي عن تسع نسوة، منها يومان لعائشة، ولم يتعرض لهذا الإشكال أحد من الشرَّاح، ويمكن التقصي عنه باختيار قول آخر، فإن الروايات في مدة مرضه ووفاته ﷺ مختلفة. . .، إلى آخر ما بسط في هامش "اللامع"، وفيه: روى البيهقي في "دلائل النبوَّة" بإسناد صحيح إلى سليمان التيمي: "أن رسول الله مرض لاثنتين وعشرين ليلة من صفر، وكان أول يوم مرض فيه يوم السبت، وكانت وفاته اليوم العاشر يوم الاثنين لليلتين خلتا من شهر ربيع الأول"، انتهى. وإذا كان مدة مرضه ﷺ عشرة أيام فترجع النوبة إلى عائشة بلا مرية، انتهى من هامش "اللامع".

стр. 2326

(٨٤ - باب آخر ما تكلم النبي ﷺ -) قال العيني (١): أي: عند طلوع روحه الكريم، انتهى. وقال الحافظ (٢): ذكر فيه حديث عائشة، وقد شرح في الحديث السابع من الباب الذي قبله، انتهى. وقال (٣) في الباب الذي قبله: قوله: ﴿مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ " [النساء: ٦٩]: في رواية المطلب عن عائشة عند أحمد: فقال: "مع الرفيق الأعلى، ﴿مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ﴾ إلي قوله: ﴿رَفِيقًا﴾ [النساء: ٦٩]، وفي رواية عند النسائي وصححه ابن حبان فقال: "أسأل الله الرفيق الأعلى الأسعد، مع جبريل وميكائيل وإسرافيل"، وظاهره أن الرفيق: المكان الذي تحصل المرافقة فيه مع المذكورين، وهذه الأحاديث ترد على من زعم أن "الرفيق" تغيير من الراوي وأن الصواب "الرقيع" بالفاف والعين المهملة، وهو من أسماء السماء، وقال الجوهري: الرفيق الأعلى: الجنة، وقيل: بل الرفيق ها هنا اسم جنس يشمل الواحد وما فوقه، والمراد الأنبياء ومن ذكر في الآية، ونكتة الإتيان بهذه الكلمة بالإفراد الإشارة إلى أن أهل الجنة يدخلونها على قلب رجل واحد، نبّه عليه السهيلي، وزعم بعض المغاربة أنه يحتمل أن يراد بالرفيق الأعلى الله ؛ لأنه من أسمائه كما أخرج أبو داود من حديث عبد الله بن مغفل رفعه: "إن الله رفيق يحب الرفق" كذا اقتصر عليه، والحديث عند مسلم عن عائشة فعزوه إليه أولى. قال السهيلي: الحكمة في اختتام كلام المصطفى بهذه الكلمة كونها تتضمن التوحيد والذكر بالقلب حتى يستفاد منه الرخصة لغيره أنه لا يشترط أن يكون الذكر باللسان؛ لأن بعض الناس قد يمنعه من النطق مانع فلا يضره إذا كان قلبه عامرًا بالذكر، انتهى ملخصًا.

стр. 2327

ثم قال الحافظ (١) ها هنا في هذا الباب: وكأن عائشة أشارت إلى ما أشاعته الرافضة أن النبي ﷺ أوصى إلى علي بالخلافة وأن يوفي ديونه، وقد أخرج العقيلي وغيره في "الضعفاء" عن سلمان أنه قال: قلت: "يا رسول الله! إن الله لم يبعث نبيًا إلا بيّن له من يلي بعده فهل بيَّن لك؟ قال: نعم، علي بن أبي طالب"، ومن طريق آخر عنه: قلت: "يا رسول الله، من وصيك؟ قال: وصيي وموضع سري وخليفتي على أهلي وخير من أخلفه بعدي علي بن أبي طالب" (كرم الله وجهه)، ومن طريق آخر: "لكل نبي وصي وأن عليًا وصيي وولدي"، وفي رواية عن أبي ذر رفعه: "أنا خاتم النبيين وعلي خاتم الأوصياء"، أوردها وغيرها ابن الجوزي في "الموضوعات"، انتهى ويأتي في "كتاب الدعوات" "باب دعاء النبي ﷺ : اللهم الرفيق الأعلى". (٨٥ - باب وفاة النبي ﷺ -) قال الحافظ (٢): أي: في أي السنين وقعت؟ وكذا قال العيني (٣) وزاد: وفي بعض النسخ: "باب وفاة النبي ﷺ ومتى توفي؟ وابن كم؟ "، انتهى من "العيني". قلت: وبهذا اندفع توهم تكرار الترجمة بما تقدم من باب مرضه ﷺ ووفاته كما لا يخفى. قال الحافظ (٤): قوله: (لبث بمكة عشر سنين. . .) إلخ، هذا يخالف المروي عن عائشة عقبه أنه عاش ثلاثًا وستين، إلا أن يحمل على إلغاء الكسر، وأكثر ما قيل في عمره أنه خمس وستون سنة، أخرجه مسلم وأحمد عن ابن عباس، وهو مغاير لحديث الباب؛ لأن مقتضاه أن يكون عاش ستين إلا أن يحمل على إلغاء الكسر، أو على قول من قال: إنه بعث

стр. 2328

ابن ثلاث وأربعين، وهو مقتضى ما روي عن ابن عباس أنه مكث بمكة ثلاث عشرة، ومات ابن ثلاث وستين، وفي رواية عنه: لبث بمكة ثلاث عشرة، وبعث لأربعين، ومات وهو ابن ثلاث وستين، وهذا موافق لقول الجمهور. والحاصل: أن كل من روي عنه من الصحابة ما يخالف المشهور - وهو ثلاث وستون - جاء عنه المشهور، وهم ابن عباس وعائشة وأنس، ولم يختلف على معاوية أنه عاش ثلاثًا وستين، وبه جزم سعيد بن المسيب والشعبي ومجاهد، وقال أحمد: هو الثبت عندنا، وقد جمع السهيلي بين القولين بوجه آخر، وهو أن من قال: مكث ثلاث عشرة عدّ من أول ما جاءه الملك بالنبوَّة، ومن قال: مكث عشرًا أخذ ما بعد فترة الوحي ومجيء الملك بـ ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾. ومن الشذوذ ما رواه عمر بن شبة أنه عاش إحدى أو اثنتين وستين، ولم يبلغ ثلاثًا وستين، وكذا رواه ابن عساكر أنه عاش اثنتين وستين ونصفًا، وهذا يصح على قول من قال: ولد في رمضان، وهو شاذ، انتهى مختصرًا، وتقدم شيء من ذلك في "باب مبعث النبي ﷺ ". (باب) بغير ترجمة، كذا للجميع بغير ترجمة، وقال بعد حديث الباب: ووجه إيراده ها هنا الإشارة إلى أن ذلك من آخر أحواله، وهو يناسب حديث عمرو بن الحارث في الباب الأول أنه لم يترك دينارًا ولا درهمًا، انتهى من "الفتح" (١). زاد العيني (٢): هو كالفصل لما قبله، انتهى.

стр. 2329

(٨٧ - باب بعث النبي ﷺ أسامة بن زيد. . .) إلخ إنما أخَّر المصنف هذه الترجمة لما جاء أنه كان تجهيز أسامة يوم السبت قبل موت النبي ﷺ بيومين، وكان ابتداء ذلك قبل مرض النبي ﷺ ، فندب الناس لغزو الروم في آخر صفر، ودعا أسامة فقال: "سر إلى موضع مقتل أبيك فأوطئهم الخيل، فقد وليتك هذا الجيش، وأغر صباحًا على أُبْنَى، وحرق عليهم، وأسرع المسير تسبق الخير، فإن ظفرك الله بهم فأقل اللبث فيهم"، فبدأ برسول الله ﷺ وجعه في اليوم الثالث، فعقد لأسامة لواء بيده، فأخذه أسامة فدفعه إلى بريدة وعسكر بالجرف، وكان ممن انتدب مع أسامة كبار المهاجرين والأنصار، منهم أبو بكر وعمر وأبو عبيدة وسعد وسعيد، فتكلم في ذلك قوم منهم عياش بن أبي ربيعة المخزومي، فردّ عليه عمر، وأخبر النبي ﷺ فخطب بما ذكر في هذا الحديث، ثم اشتد برسول الله ﷺ وجعه فقال: "أنفذوا بعث أسامة" فجهزه أبو بكر بعد أن استخلف، فسار عشرين ليلة إلى الجهة التي أمر بها، وقتل قاتل أبيه، ورجع بالجيش سالمًا وقد غنموا. وقد قصّ أصحاب المغازي قصةً مطولة فلخصتها، وكانت آخر سرية جهزها النبي ﷺ ، وأوّل شيء جهزه أبو بكر ﵁، وقد أنكر ابن تيمية في "كتاب الرد على ابن المطهر" أن يكون أبو بكر وعمر كانا في بعث أسامة، ومستند ما ذكره ما أخرجه الواقدي بأسانيده في المغازي، وذكره ابن سعد في أواخر الترجمة النبوية بغير إسناد، وذكره ابن إسحاق في السيرة المشهورة. . .، إلى آخر ما ذكر الحافظ، وعند الواقدي أيضًا: أن عدة ذلك الجيش كانت ثلاثة آلاف، فيهم سبعمائة من قريش، وفيه عن أبي هريرة: كانت عدة الجيش سبعمائة، انتهى من "الفتح" (١).

стр. 2330

(٨٨ - باب) بغير ترجمة، كذا للجميع بغير ترجمة، قال العلَّامة العيني (١): بعد ذكر الحديث: مطابقته للترجمة التي هي قوله: "باب وفاة النبي ﷺ " في قوله: "دفنا النبي ﷺ "، والبابان اللذان بعده متعلقان به، وليس لهما حكم الاستبداد، فافهم، كذا أفاد ﵀، ولم يتعرض له الحافظ ولا القسطلاني. (٨٩ - باب كم غزا النبي ﷺ -) ختم البخاري كتاب المغازي بنحو ما ابتدأه به، وقد تقدم الكلام في أول المغازي على حديث زيد بن أرقم، وزاد ها هنا عن أبي إسحاق حديث البراء، وكأن أبا إسحاق كان حريصًا على معرفة عدد غزوات النبي ﷺ ، وسأل زيد بن أرقم والبراء وغيرهما، انتهى من "الفتح" (٢). وقال العيني (٣): واختلف في عدد غزواته ﷺ فعن مكحول: أن رسول الله ﷺ غزا ثمان عشرة غزوة، وقاتل في ثمان (٤) غزوات: أولهن بدر، ثم أُحد، ثم الأحزاب، ثم قريظة، ثم بئر معونة، ثم غزوة بني المصطلق، ثم غزوة خيبر، ثم غزوة مكة، ثم حنين والطائف، قال ابن كثير: قوله: إن بئر معونة بعد بني قريظة فيه نظر، والصحيح أنها بعد أُحد، انتهى من "العيني". وفي "الفتح" (٥): قال موسى بن عقبة: "قاتل رسول الله ﷺ بنفسه في ثمان: بدرٍ ثم أحد ثم الأحزاب ثم المصطلق ثم خيبر ثم مكة ثم حنين ثم الطائف" قال الحافظ: وأهمل غزوة قريظة؛ لأنه ضمها إلى الأحزاب لكونها

стр. 2331

كانت في إثرها، وأفردها غيره لوقوعها منفردة بعد هزيمة الأحزاب، وكذا وقع لغيره عد الطائف وحنين واحدة لتقاربهما، انتهى. وفي هامش "اللامع" (١): قال القسطلاني في "المواهب" (٢): كان عدد مغازيه ﵊ التي خرج فيها بنفسه سبعًا وعشرين، كما قاله أئمة المغازي موسى بن عقبة وابن إسحاق وأبو معشر والواقدي وابن سعد، وجزم ابن الجوزي والدمياطي والعراقي وغيرهم، وقال ابن إسحاق في رواية البكائي عنه ستًا وعشرين، وجزم به في ديباجة "الاستيعاب" قائلًا: وهذا أكثر ما قيل، وقيل: خمسًا وعشرين، ولعبد الرزاق بسند صحيح عن ابن المسيب أربعًا وعشرين، وعند أبي يعلى بإسناد صحيح عن جابر أنها إحدى وعشرون، وروى الشيخان عن زيد بن أرقم أنها تسع عشرة، وفي "خلاصة السير" للمحب الطبري: جملة المشهور منها اثنتان وعشرون، انتهى مختصرًا بزيادة من الزرقاني (٣). وقال النووي (٤): قد اختلف أهل المغازي في عدد غزواته ﷺ وسراياه، فذكر ابن سعد وغيره عددهن مفصلات على ترتيبهن، فبلغت سبعًا وعشرين غزاة، وستًّا وخمسين سرية، قالوا: قاتل في تسع من غزواته وهي بدر، وأُحد، والمريسيع، والخندق، وقريظة، وخيبر، والفتح، وحنين، والطائف، هكذا عدّوا الفتح فيها، وهذا على قول من يقول: فتحت مكة عنوة، ولعل بريدة أراد بقوله: قاتل في ثمان إسقاط غزاة الفتح، ويكون مذهبه أنها فتحت صلحًا، كما قاله الشافعي وموافقوه، انتهى. قال الحافظ (٥) بعد ذكر حديث الباب: وأخرج مسلم أيضًا من وجه

стр. 2332

آخر عن عبد الله بن بريدة عن أبيه أنه غزا مع رسول الله ﷺ تسع عشرة غزوة، وقد تقدم في أول المغازي توجيه ذلك وعدد الغزوات، انتهى. قلت: لم أجد في أول المغازي ما أحاله الحافظ من التوجيه بين حديثي بريدة، نعم تكلم الحافظ هناك على حديث زيد بن أرقم، ومع ذلك ليس في روايتي بريدة تعارض بين عدد ست عشرة وتسع عشرة، وذلك لأن لفظ رواية مسلم عن عبد الله بن بريدة عن أبيه قال: "غزا رسول الله ﷺ تسع عشرة غزوة" الحديث، لا كما نقل الحافظ بلفظ: "أنه غزا مع رسول الله ﷺ تسع عشر غزوة"، ولفظ الرواية الثانية عند مسلم عنه: "أنه غزا مع رسول الله ﷺ ست عشرة غزوة" كما في حديث الباب، وعلى هذا لا تعارض بين روايتيه كما لا يخفى. (فائدة) قال الحافظ في آخر حديث الباب: حديث بريدة بن الحصيب: وهو أحد الأحاديث الأربعة التي أخرجها مسلم عن شيوخ أخرج البخاري تلك الأحاديث بعينها عن أولئك الشيوخ بواسطة، ووقع من هذا النمط للبخاري أكثر من مائتي حديث، وقد جردتها في جزء مفرد، انتهى. ثم البراعة عند الحافظ كما تقدم في "المقدمة" هو ما قاله، وفي آخر المغازي الوفاة النبوية وما يتعلق بها، وعند هذا العبد الضعيف في قوله: "قلت: كم غزا النبي ﷺ " الحديث فإن الغزوة والحرب من مظان الموت، والإمام البخاري عندي يذكّر الرجل وقارئ كتابه في آخر كل كتاب موته كما تقدم في بدء الكتاب. وهذا آخر الجزء الرابع من "الأبواب والتراجم لصحيح البخاري"، وقد بدئ تبييض هذا الجزء في الرابع عشر من أول الربيعين سنة خمس وتسعين بعد ألف وثلاثمائة بالمدينة المنورة - زادها الله تعظيمًا وتكريمًا - بين منبر النبي ﷺ وقبره الأطهر روضة من رياض الجنة بيدي الأعزين المكرمين ختني المولوي الحافظ الحاج محمد عاقل صدر المدرسين بمدرسة مظاهر علوم وختني الآخر المولوي الحافظ الحاج محمد سلمان من أكابر
следующие страницы →