← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 853

الأبواب والتراجم لصحيح البخاري

محمد زكريا الكاندهلوي

Полный текст (3 740 стр.). Показаны 2328–2367 · переход к 2333.

стр. 2328

ابن ثلاث وأربعين، وهو مقتضى ما روي عن ابن عباس أنه مكث بمكة ثلاث عشرة، ومات ابن ثلاث وستين، وفي رواية عنه: لبث بمكة ثلاث عشرة، وبعث لأربعين، ومات وهو ابن ثلاث وستين، وهذا موافق لقول الجمهور. والحاصل: أن كل من روي عنه من الصحابة ما يخالف المشهور - وهو ثلاث وستون - جاء عنه المشهور، وهم ابن عباس وعائشة وأنس، ولم يختلف على معاوية أنه عاش ثلاثًا وستين، وبه جزم سعيد بن المسيب والشعبي ومجاهد، وقال أحمد: هو الثبت عندنا، وقد جمع السهيلي بين القولين بوجه آخر، وهو أن من قال: مكث ثلاث عشرة عدّ من أول ما جاءه الملك بالنبوَّة، ومن قال: مكث عشرًا أخذ ما بعد فترة الوحي ومجيء الملك بـ ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾. ومن الشذوذ ما رواه عمر بن شبة أنه عاش إحدى أو اثنتين وستين، ولم يبلغ ثلاثًا وستين، وكذا رواه ابن عساكر أنه عاش اثنتين وستين ونصفًا، وهذا يصح على قول من قال: ولد في رمضان، وهو شاذ، انتهى مختصرًا، وتقدم شيء من ذلك في "باب مبعث النبي ﷺ ". (باب) بغير ترجمة، كذا للجميع بغير ترجمة، وقال بعد حديث الباب: ووجه إيراده ها هنا الإشارة إلى أن ذلك من آخر أحواله، وهو يناسب حديث عمرو بن الحارث في الباب الأول أنه لم يترك دينارًا ولا درهمًا، انتهى من "الفتح" (١). زاد العيني (٢): هو كالفصل لما قبله، انتهى.

стр. 2329

(٨٧ - باب بعث النبي ﷺ أسامة بن زيد. . .) إلخ إنما أخَّر المصنف هذه الترجمة لما جاء أنه كان تجهيز أسامة يوم السبت قبل موت النبي ﷺ بيومين، وكان ابتداء ذلك قبل مرض النبي ﷺ ، فندب الناس لغزو الروم في آخر صفر، ودعا أسامة فقال: "سر إلى موضع مقتل أبيك فأوطئهم الخيل، فقد وليتك هذا الجيش، وأغر صباحًا على أُبْنَى، وحرق عليهم، وأسرع المسير تسبق الخير، فإن ظفرك الله بهم فأقل اللبث فيهم"، فبدأ برسول الله ﷺ وجعه في اليوم الثالث، فعقد لأسامة لواء بيده، فأخذه أسامة فدفعه إلى بريدة وعسكر بالجرف، وكان ممن انتدب مع أسامة كبار المهاجرين والأنصار، منهم أبو بكر وعمر وأبو عبيدة وسعد وسعيد، فتكلم في ذلك قوم منهم عياش بن أبي ربيعة المخزومي، فردّ عليه عمر، وأخبر النبي ﷺ فخطب بما ذكر في هذا الحديث، ثم اشتد برسول الله ﷺ وجعه فقال: "أنفذوا بعث أسامة" فجهزه أبو بكر بعد أن استخلف، فسار عشرين ليلة إلى الجهة التي أمر بها، وقتل قاتل أبيه، ورجع بالجيش سالمًا وقد غنموا. وقد قصّ أصحاب المغازي قصةً مطولة فلخصتها، وكانت آخر سرية جهزها النبي ﷺ ، وأوّل شيء جهزه أبو بكر ﵁، وقد أنكر ابن تيمية في "كتاب الرد على ابن المطهر" أن يكون أبو بكر وعمر كانا في بعث أسامة، ومستند ما ذكره ما أخرجه الواقدي بأسانيده في المغازي، وذكره ابن سعد في أواخر الترجمة النبوية بغير إسناد، وذكره ابن إسحاق في السيرة المشهورة. . .، إلى آخر ما ذكر الحافظ، وعند الواقدي أيضًا: أن عدة ذلك الجيش كانت ثلاثة آلاف، فيهم سبعمائة من قريش، وفيه عن أبي هريرة: كانت عدة الجيش سبعمائة، انتهى من "الفتح" (١).

стр. 2330

(٨٨ - باب) بغير ترجمة، كذا للجميع بغير ترجمة، قال العلَّامة العيني (١): بعد ذكر الحديث: مطابقته للترجمة التي هي قوله: "باب وفاة النبي ﷺ " في قوله: "دفنا النبي ﷺ "، والبابان اللذان بعده متعلقان به، وليس لهما حكم الاستبداد، فافهم، كذا أفاد ﵀، ولم يتعرض له الحافظ ولا القسطلاني. (٨٩ - باب كم غزا النبي ﷺ -) ختم البخاري كتاب المغازي بنحو ما ابتدأه به، وقد تقدم الكلام في أول المغازي على حديث زيد بن أرقم، وزاد ها هنا عن أبي إسحاق حديث البراء، وكأن أبا إسحاق كان حريصًا على معرفة عدد غزوات النبي ﷺ ، وسأل زيد بن أرقم والبراء وغيرهما، انتهى من "الفتح" (٢). وقال العيني (٣): واختلف في عدد غزواته ﷺ فعن مكحول: أن رسول الله ﷺ غزا ثمان عشرة غزوة، وقاتل في ثمان (٤) غزوات: أولهن بدر، ثم أُحد، ثم الأحزاب، ثم قريظة، ثم بئر معونة، ثم غزوة بني المصطلق، ثم غزوة خيبر، ثم غزوة مكة، ثم حنين والطائف، قال ابن كثير: قوله: إن بئر معونة بعد بني قريظة فيه نظر، والصحيح أنها بعد أُحد، انتهى من "العيني". وفي "الفتح" (٥): قال موسى بن عقبة: "قاتل رسول الله ﷺ بنفسه في ثمان: بدرٍ ثم أحد ثم الأحزاب ثم المصطلق ثم خيبر ثم مكة ثم حنين ثم الطائف" قال الحافظ: وأهمل غزوة قريظة؛ لأنه ضمها إلى الأحزاب لكونها

стр. 2331

كانت في إثرها، وأفردها غيره لوقوعها منفردة بعد هزيمة الأحزاب، وكذا وقع لغيره عد الطائف وحنين واحدة لتقاربهما، انتهى. وفي هامش "اللامع" (١): قال القسطلاني في "المواهب" (٢): كان عدد مغازيه ﵊ التي خرج فيها بنفسه سبعًا وعشرين، كما قاله أئمة المغازي موسى بن عقبة وابن إسحاق وأبو معشر والواقدي وابن سعد، وجزم ابن الجوزي والدمياطي والعراقي وغيرهم، وقال ابن إسحاق في رواية البكائي عنه ستًا وعشرين، وجزم به في ديباجة "الاستيعاب" قائلًا: وهذا أكثر ما قيل، وقيل: خمسًا وعشرين، ولعبد الرزاق بسند صحيح عن ابن المسيب أربعًا وعشرين، وعند أبي يعلى بإسناد صحيح عن جابر أنها إحدى وعشرون، وروى الشيخان عن زيد بن أرقم أنها تسع عشرة، وفي "خلاصة السير" للمحب الطبري: جملة المشهور منها اثنتان وعشرون، انتهى مختصرًا بزيادة من الزرقاني (٣). وقال النووي (٤): قد اختلف أهل المغازي في عدد غزواته ﷺ وسراياه، فذكر ابن سعد وغيره عددهن مفصلات على ترتيبهن، فبلغت سبعًا وعشرين غزاة، وستًّا وخمسين سرية، قالوا: قاتل في تسع من غزواته وهي بدر، وأُحد، والمريسيع، والخندق، وقريظة، وخيبر، والفتح، وحنين، والطائف، هكذا عدّوا الفتح فيها، وهذا على قول من يقول: فتحت مكة عنوة، ولعل بريدة أراد بقوله: قاتل في ثمان إسقاط غزاة الفتح، ويكون مذهبه أنها فتحت صلحًا، كما قاله الشافعي وموافقوه، انتهى. قال الحافظ (٥) بعد ذكر حديث الباب: وأخرج مسلم أيضًا من وجه

стр. 2332

آخر عن عبد الله بن بريدة عن أبيه أنه غزا مع رسول الله ﷺ تسع عشرة غزوة، وقد تقدم في أول المغازي توجيه ذلك وعدد الغزوات، انتهى. قلت: لم أجد في أول المغازي ما أحاله الحافظ من التوجيه بين حديثي بريدة، نعم تكلم الحافظ هناك على حديث زيد بن أرقم، ومع ذلك ليس في روايتي بريدة تعارض بين عدد ست عشرة وتسع عشرة، وذلك لأن لفظ رواية مسلم عن عبد الله بن بريدة عن أبيه قال: "غزا رسول الله ﷺ تسع عشرة غزوة" الحديث، لا كما نقل الحافظ بلفظ: "أنه غزا مع رسول الله ﷺ تسع عشر غزوة"، ولفظ الرواية الثانية عند مسلم عنه: "أنه غزا مع رسول الله ﷺ ست عشرة غزوة" كما في حديث الباب، وعلى هذا لا تعارض بين روايتيه كما لا يخفى. (فائدة) قال الحافظ في آخر حديث الباب: حديث بريدة بن الحصيب: وهو أحد الأحاديث الأربعة التي أخرجها مسلم عن شيوخ أخرج البخاري تلك الأحاديث بعينها عن أولئك الشيوخ بواسطة، ووقع من هذا النمط للبخاري أكثر من مائتي حديث، وقد جردتها في جزء مفرد، انتهى. ثم البراعة عند الحافظ كما تقدم في "المقدمة" هو ما قاله، وفي آخر المغازي الوفاة النبوية وما يتعلق بها، وعند هذا العبد الضعيف في قوله: "قلت: كم غزا النبي ﷺ " الحديث فإن الغزوة والحرب من مظان الموت، والإمام البخاري عندي يذكّر الرجل وقارئ كتابه في آخر كل كتاب موته كما تقدم في بدء الكتاب. وهذا آخر الجزء الرابع من "الأبواب والتراجم لصحيح البخاري"، وقد بدئ تبييض هذا الجزء في الرابع عشر من أول الربيعين سنة خمس وتسعين بعد ألف وثلاثمائة بالمدينة المنورة - زادها الله تعظيمًا وتكريمًا - بين منبر النبي ﷺ وقبره الأطهر روضة من رياض الجنة بيدي الأعزين المكرمين ختني المولوي الحافظ الحاج محمد عاقل صدر المدرسين بمدرسة مظاهر علوم وختني الآخر المولوي الحافظ الحاج محمد سلمان من أكابر

стр. 2333

المدرسين بالمدرسة المذكورة، وكانا يراجعان إلى وقت التبييض في المواضع المشكلة والتراجم الصعبة، فجزاهما الله تعالى عني وعن سائر الناظرين لهذا الجزء أحسن الجزاء، بارك الله في علومها، وأذاقهما من شراب حبه، وكان مجيئهما من الهند إلى البقعة الطاهرة لأجل هذا العمل، وذلك أن اشتغالهما في الهند بالتدريس وغيره كان حاجبًا عن تكميل هذا التبييض مسرعًا، ولذا تراخى تبييض الجزئين الأولين، فإنه كمل في عدة سنوات، ووقع فراغهما عن تبييض هذا الجزء بأقصر مدة، أعني: زهاء ثلاثة أشهر في السابع والعشرين من أولى الجمادين من السنة المذكورة، وما ذلك إلا بفضل الله وببركة تلك البقعة الطاهرة الطيبة. فالحمد لله أولًا وآخرًا، والصلاة والسلام على سيدنا وسيد المرسلين محمد وآله وصحبه أجمعين إلى يوم الدين. وأنا العبد الضعيف المفتقر إلى رحمة ربه العليا المدعو بمحمد زكريا سابع والعشرين من أولى الجمادين سنة خمس وتسعين بعد ألف وثلاثمائة. تم الجزء الرابع ويتلوه الجزء الخامس أوله "كتاب التفسير".

стр. 2334

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ نحمده ونصلي على رسوله الكريم ٦٥ - كتاب التَّفسير كذا في النسخ "الهندية" وكذا في نسخة "الفتح" لكن بتقديم البسملة على الكتاب، وفي نسخة "العيني" و"القسطلاني" بعد ذكر البسملة كتاب تفسير القرآن. قال الحافظ (١): التَّفسير تفعيل من الفسر وهو البيان تقول: فسرت الشيء بالتخفيف أَفْسُرُه فَسْرًا وفسّرته بالتشديد [أُفَسِّره] تفسيرًا إذا بيّنته، وقيل: هو مقلوب من سفر كجذب وجبذ تقول: سفر إذا كشف وجهه، ومنه أسفر الصبح إذا أضاء، واختلفوا في التَّفسير والتأويل قال أبو عبيدة وطائفة: هما بمعنى، وقيل: التَّفسير هو بيان المراد باللفظ، والتأويل هو بيان المراد بالمعنى، وقيل: في الفرق بينهما غير ذلك، انتهى. زاد القسطلاني (٢): قال أبو العباس الأزدي: النظر في القرآن من وجهين، الأول: من حيث هو منقول، وهي جملة التَّفسير وطريقه الرواية والنقل، والثاني: من حيث هو معقول وهي جملة التأويل، وطريقه الدراية والعقل، قال الله تعالى: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [الزخرف: ٣] فلا بد من معرفة اللسان العربي في فهم القرآن العربي، انتهى. وقال العيني (٣) تبعًا للكرماني: ومعناه الاصطلاحي هو: التكشيف عن مدلولات نظم القرآن، انتهى.

стр. 2335

قلت: ومما يجب التنبيه عليه أن مقصد الإمام البخاري ها هنا في كتاب التَّفسير أعم مما ذكر كما سيأتي أيضًا في كلام الشيخ الكَنكَوهي قُدِّس سرُّه في باب غير المغضوب عليهم. وقال صاحب "الفيض" (١): اعلم أن أول من خدم القرآن أئمة النحو، فللفرّاء تفسير في معاني القرآن وكذا للزجاج، وذكر الذهبي أن الفراء كان حافظ الحديث أيضًا، وقد أخذ ابن جرير الطبري في تفسيره عن أئمة النحو كثيرًا، ولذا جاء تفسيره عدم النظير، ولو كان البخاري أيضًا سار سَيْرَه لكان أحسن لكنه كان عنده "مجاز القرآن" لأبي عبيدة معمر بن المثنى فأخذ منه تفسير المفردات وذلك أيضًا بدون ترتيب وتهذيب، فصار كتابه أيضًا على وزان كتاب أبي عبيدة في سوء الترتيب [والركة] والإتيان بالأقوال المرجوحة، والانتقال من مادة إلى مادة، ومن سورة إلى سورة، فصعب على الطالبين فهمه، ومن لا يدري حقيقة الحال يظن أن المصنف أتى بها إشارةً إلى اختياره تلك الأقوال المرجوحة مع أنه رتب كتاب التَّفسير كله من كلام أبي عبيدة ولم يعرج إلى النقد أصلًا، وهذا الذي عَرا شَقِيّ القاديان حيث زعم أن البخاري أشار في تفسيره إلى أن التوفي بمعنى الموت؛ لأنه فسر قوله تعالى: ﴿مُتَوَفِّيكَ﴾ [آل عمران: ٥٥] بمميتك، وهذا الآخر لم يوفق، ليفهم أن الحال ليس كما زعم، ولكنه كان في "مجاز القرآن" فنقله بعينه كسائر التَّفسير، فإن كان ذلك مختارًا كان لأبي عبيدة لا للمصنف، ثم إنّ هذا غير أبي عبيد صاحب "كتاب الأموال" فإنه متقدم على معمر بن المثنى، وهو أبو عبيد قاسم بن سلام من تلامذة محمد بن الحسن أول من صنف في غريب الحديث. ثم إن المجاز في مصطلح القدماء ليس هو المجاز المعروف عندنا بل هو عبارة عن موارد استعمالات اللفظ، ومن ها هنا سمى أبو عبيدة

стр. 2336

تفسيره بمجاز القرآن، وهذا الذي يريده الزمخشري من قوله: ومن المجاز كذا، لا يريد به المجاز المعروف. ثم اعلم أن تفسير المصنف ليس على شاكلة تفسير المتأخرين في كشف المغلقات وتقرير المسائل بل قصد فيه إخراج حديث مناسب متعلق به ولو بوجه، والتَّفسير عند مسلم أقل بقليل، وأكثر منه عند الترمذي، وليس عند غيرهم من الصحاح الست، ولذا خصت باسم الجامع وإنما كثرت أحاديث التَّفسير عند الترمذي لخفة شرطه، أما البخاري فإن له مقاصد أخرى أيضًا مع عدم مبالاته بالتكرار فجاء تفسيره أبسط من هؤلاء كلهم، انتهى من "الفيض"، وتكلم فيه على معنى التَّفسير بالرأي أيضًا فارجع إليه لو شئت. وما أفاد من أنه ليس عند غيرهم من الصحاح الست هو كذلك على الظاهر، لكن ذكر الإمام أبو داود في "سننه" "كتاب الحروف" وهو أيضًا داخل في "كتاب التَّفسير" على دأب الإمام البخاري. وما أفاده أيضًا من أن الإمام البخاري قد أخذ في تفسيره هذا كثيرًا من كتاب أبي عبيدة هو كذلك، كما ستقف عليه في هذا الكتاب "كتاب التَّفسير"، وحكى الحافظ في موضع من كتاب التَّفسير أن الإمام البخاري كان عنده صحيفة في التَّفسير رواها أبو صالح بسنده عن ابن عباس، قد اعتمد عليها الإمام البخاري في صحيحه هذا كثيرًا، انتهى من "الفتح" (١). قوله: (الرحمن الرحيم اسمان من الرَّحمة. . .) إلخ، كتب الشيخ قُدِّس سرُّه في "اللامع" (٢) يعني: أن أصل معناهما ومادة اشتقاقهما واحد وإن كان الغالب في الفاعل استعماله من حيث الحدوث دون فعيل، ثم قد تستعمل كل منهما موضع الآخر بتجريده عن المعنى الزائد على أصل معنى قيام الفعل به، وإنما استعمل لفظ الفعيل في الصفات الخلقية لخلوها عن الحدوث بحسب أحوال المتصف به إذ لم يخل زمان من أزمانه إلا وهي قائمة به، انتهى.

стр. 2337

قال الحافظ (١): قوله: اسمان من الرَّحمة، أي: مشتقان من الرَّحمة، والرَّحمة لغةً الرقة والانعطاف، وعلى هذا فوصفه به تعالى مجاز عن إنعامه على عباده، وهي صفة فعل لا صفة ذات، وقيل: ليس الرحمن مشتقًا لقولهم: وما الرحمن؟ وأجيب بأنهم جهلوا الصفة والموصوف، ولهذا لم يقولوا: من الرحمن وقيل: هو علم بالغلبة لأنه جاء غير تابع لموصوف في قوله: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥]، ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمَنِ﴾، ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ﴾ [الإسراء: ١١٠] وغير ذلك، وتعقب بأنه لا يلزم من مجيئه غير تابع أن لا يكون صفة؛ لأن الموصوف إذا علم جاز حذفه وإبقاء صفته، انتهى. قوله: (الرحيم والراحم بمعنى واحد) تقدم في كلام الشيخ قُدِّس سرُّه وإن كان الغالب في الفاعل استعماله من حيث الحدوث دون فعيل، انتهى. قال القسطلاني (٢): قوله: "بمعنى واحد" هذا بالنظر إلى أصل المعنى وإلا فصيغة فعيل من صيغ المبالغة فمعناها زائد على معنى الفاعل، وقد ترد صيغة فعيل بمعنى الصفة المشبهة وفيها أيضًا زيادة لدلالتها على الثبوت بخلاف مجرد الفاعل فإنه يدل على الحدوث، ويحتمل أن يكون المراد أن فعيلًا بمعنى فاعل لا بمعنى مفعول؛ لأنه قد يرد بمعنى مفعول فاحترز عنه، انتهى. وبسط الحافظ (٣) الكلام على الفرق بينهما فقيل: الرحمن أبلغ لأنه يتناول جلائل النعم وأصولها، تقول: فلان غضبان إذا امتلأ غضبًا، وأردف بالرحيم ليكون كالتتمة ليتناول ما دق، وقيل: الرحيم أبلغ بما يقتضيه صيغة فعيل، والتحقيق أن جهة المبالغة فيهما مختلفة، انتهى مختصرًا.

стр. 2338

(١) سورة الفاتحة (١ - باب ما جاء في فاتحة الكتاب. . .) إلخ قال الحافظ (١): أي: من الفضل أو من التَّفسير أو أعم من ذلك مع التقييد بشرطه في كل وجه، انتهى. وكذا قال العيني والقسطلاني (٢)، لكن العجب عن العلَّامة العيني أنه ذكر دأب الإمام البخاري في هذا الباب هذا، ثم أورد على البخاري في الباب الآتي فقال (٣): لا وجه لذكر لفظ "باب" هنا، ولا ذكره حديث الباب ها هنا مناسبًا؛ لأنه لا يتعلق بالتَّفسير، وإنما محله أن يذكر في فضل القرآن، انتهى. وأنت خبير بأن لا إيراد على البخاري بعد تسليم الأصل المذكور، قلت: وما قال الحافظ في شرح الترجمة هو كذلك، نبَّه عليه الشيخ قُدِّس سرُّه في "اللامع" (٤) أيضًا إذ كتب في الباب الآتي: ثم الذي ينبغي التنبه له أن التَّفسير عند هؤلاء الكرام أعم من أن يكون شرح كلمة أو تفصيل قصَّة مما يتعلق بالكلام أو بيان فضيلة أو بيان ما يقرأ بعد تمام سورة، ولا أقل من أن يكون لفظ القرآن واردًا في الحديث وكون الأمور المتقدمة من التَّفسير ظاهر، وإنما الخفاء في هذا الأخير. والنكتة فيه أن لفظ الحديث يفسر لفظ القرآن بحيث يعلم منه أن المراد في الموضعين واحد، وكثيرًا ما ينكشف معنى اللفظ بوقوعه في قصة وكلام، ولا يتضح مراده لو وقع هذا اللفظ في غير تلك القصَّة، فإذا لاحظ الرجل الآية والرواية معًا كانت له مكنة على تحصيل المعنى، والله تعالى أعلم، انتهى. قلت: أجاد الشيخ قُدِّس سرُّه في ذلك فإنه يزول منه كثير من الإيرادات الواردة على البخاري في ذكر الروايات الكثيرة التي لا تعلق لها بتفسير الآية.

стр. 2339

قوله: (مدينين محاسبين) كتب الشيخ في "اللامع" (١): هو من إطلاق أحد المساوقين على الآخر، فإن الحساب لا يكون إلا للجزاء، والجزاء لا يمكن بدون المحاسبة، انتهى. وذكر في هامشه توضيح ذلك وتأييد كلام الشيخ قُدِّس سرُّه، ثم ذكر المصنف فيه حديث أبي سعيد بن المعلى: كنت أصلي في المسجد فدعاني رسول الله ﷺ . . .، الحديث. قال القسطلاني (٢) تبعًا للحافظ: واستدل به على أن إجابته واجبة يعصي المرء بتركه. وهل تبطل الصلاة أم لا؟ صرَّح جماعة من أصحابنا الشافعية وغيرهم بعدم البطلان، وأنه حكم مختص به صلى الله تعالى عليه وسلم، فهو مثل خطاب المصلي له بقوله: السلام عليك أيها النبي، ومثله لا يبطل الصلاة. وفيه بحث، لاحتمال أن تكون إجابته واجبة سواء كان المخاطب في الصلاة أم لا، إما كونه يخرج بالإجابة من الصلاة أو لا يخرج؛ فليس في الحديث ما يستلزمه، فيحتمل أن تجب الإجابة ولو خرج المجيب من الصلاة، وإلى ذلك جنح بعض الشافعية، انتهى. ولم يتعرض لهذه المسألة ها هنا العلَّامة العيني. وفي "الأوجز" (٣): وهل تبطل الصلاة بهذه الإجابة أم لا؟ مختلف عند الفقهاء وصرَّح جماعة بأن الصلاة لا تبطل بذلك، وهو المعتمد عند الشافعية والمالكية، قاله الزرقاني (٤). قال الدردير: يجب على المصلي إجابة النبي صلى الله تعالى عليه وسلم إذا دعاه حال الصلاة، وهل تبطل؟ قولان، الأظهر عدم البطلان، انتهى. وكذا قال الدسوقي في موضع آخر أن المعتمد عدم البطلان، وبحث

стр. 2340

فيه الحافظ في "الفتح" (١) كما ذكر في "الأوجز"، فالظاهر أن الحافظ مال إلى الخروج عن الصلاة وإليه جنح بعض الشافعية، وصرَّح في "حاشية الإقناع" بعدم الفساد عندهم، وكذلك هو مختلف عندنا الحنفية، قال الطحطاوي على "مراقي الفلاح" (٢): يفترض على المصلي إجابة النبي صلى الله تعالى عليه وسلم واختلف في بطلانها حينئذ، كذا ذكره البدر العيني (٣)، انتهى. كذا في "البذل" (٤) انتهى من "الأوجز" والبسط فيه، وفيه أيضًا: ميل العلَّامة العيني إلى عدم الفساد وميل الطحاوي (٥) كما في "مشكله" إلى عدم الفساد. (٢ - باب ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ. . .﴾ إلخ) تقدم في الباب السابق إيراد العيني عليه، وأن الإيراد ليس بصحيح. قال الحافظ (٦): روى أحمد وابن حبان من حديث عدي بن حاتم: "أن النبي ﷺ قال: المغضوب عليهم: اليهود، ولا الضالين: النصارى" هكذا أورده مختصرًا، وهو عند الترمذي في حديث طويل، قال ابن أبي حاتم: لا أعلم بين المفسرين في ذلك اختلافًا، قال السهيلي: وشاهد ذلك قوله: تعالى في اليهود: ﴿فَبَاءُوا بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ [البقرة: ٩٠]، وفي النصارى: ﴿قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا﴾ [المائدة: ٧٧]، انتهى.

стр. 2341

(٢) سورة البقرة وهكذا في نسخة "العيني"، وفي نسخة "الفتح" و"القسطلاني" بزيادة البسملة قبل سورة البقرة. قال الحافظ (١): كذا لأبي ذر وسقطت البسملة لغيره، انتهى. وقال العلَّامة العيني (٢): السورة في اللغة واحد السور، وهي كل منزلة من البناء، ومنه سور القرآن؛ لأنها منزلة بعد منزلة مقطوعة عن الأخرى، والجمع سور بفتح الواو، قال الجوهري: ويجوز أن يجمع على سُوْرَات [وسُوَرَات] وهي مدنية في قول الجميع، وحكى الماوردي والقشيري إلا آية واحدة وهي قوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٨١] فإنَّها نزلت يوم النحر في حجة الوداع بمنى، وهي أول سورة نزلت بالمدينة في قول، وقيل لها: فسطاط القرآن، انتهى مختصرًا. قلت: وسيأتي الاختلاف في زمان نزول هذه الآية في آخر السورة. وقال الحافظ (٣): اتفقوا على أنها مدنيَّة وأنها أول سورة نزلت بها، وسيأتي قول عائشة: ما نزلت سورة البقرة والنساء إلا وأنا عنده ﷺ . ولم يدخل عليها إلا بالمدينة، انتهى. (١ - باب قول الله تعالى: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ. . .﴾ [البقرة: ٣١]) إلخ وقال القسطلاني (٤): وفي نسخة: باب تفسير سورة البقرة ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ. . .﴾ إلخ، انتهى. قال الحافظ (٥): واختلف في المراد بالأسماء فقيل: أسماء ذريته، وقيل: أسماء الملائكة، وقيل: أسماء الأجناس دون أنواعها، وقيل: أسماء كل ما في الأرض، وقيل: أسماء كل شيء حتى القصعة، انتهى.

стр. 2342

(٢ - باب) بغير ترجمة، قال الحافظان ابن حجر والعيني (١): كذا لهم بغير ترجمة. وقوله: (قال مجاهد) إلى آخر ما أورده عنه من التفاسير سقط جميع ذلك للسرخسي. قوله: (﴿إِلَى شَيَاطِينِهِمْ. . .﴾) إلخ، وصله عبد بن حميد بسنده عن مجاهد في قوله: ﴿وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ﴾، انتهى من "الفتح". قوله: (﴿وَمَا خَلْفَهَا﴾) كتب الشيخ في "اللامع" (٢): يعني: أن لفظ الخلف قد يطلق على من سبق وليس بمراد ها هنا، انتهى. قوله: (يولُونكم) يعني بذلك: أن في كل من تلك الألفاظ معنى القرب، وإن خصَّ الاستعمالُ مكسورَ الواو بالإمارة ومفتوحَهُ بالربوية إلى غير ذلك، انتهى. وذكر في هامشه توضيح كلام الشيخ قُدِّس سرُّه وتأييده. (٣ - باب قوله تعالى: ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا. . .﴾ [البقرة: ٢٢]) سقط لفظ "باب" لأبي ذر، والأنداد جمع ند بكسر النون وهو: النظير، وروى ابن أبي حاتم من طريق أبي العالية قال: الند العدل، ومن طريق الضحاك عن ابن عباس قال: الأنداد والأشباه، انتهى من "الفتح" (٣). (٤ - باب قوله تعالى: ﴿وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ. . .﴾ [البقرة: ٥٧]) سقط لأبي ذر لفظ "باب". قوله: (وقال مجاهد: المن صمغة) أي: بفتح الصاد المهملة وسكون الميم ثم غين معجمة، وصله الفريابي بسنده عن مجاهد، وروى ابن أبي حاتم من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قال: كان المن ينزل على

стр. 2343

الشجر فيأكلون منه ما شاءوا، ومن طريق عكرمة قال: كان مثل الرُّب الغليظ، أي: بضم الراء بعدها موحدة. ومن طريق السدي قال: كان مثل الترنجبيل (١). وعن قتادة قال: كان المن يسقط عليهم سقوط الثلج أشد بياضًا من اللبن وأحلى من العسل. وهذه الأقوال كلها لا تَنافي فيها، ومن طريق وهب بن منبه قال: المنّ خبز الرقاق وهذا مغاير لجميع ما تقدم. وروى ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: السلوى طائر يشبه السماني، ومن طريق وهب بن منبه قال: هو السماني، وعنه أنه قال: هو طير سمين مثل الحمام، ومن طريق عكرمة قال: طير أكبر من عصفور، ثم ذكر المصنف حديث سعيد بن زيد في "الكمأة من المن"، ووقع في رواية ابن عيينة عن عبد الملك بن عمير في حديث الباب "من المن الذي أنزل على بني إسرائيل"، وبه تظهر مناسبة ذكره في التَّفسير، والرد على الخطابي (٢) حيث قال: لا وجه لإدخال هذا الحديث ها هنا. . .، إلى آخر ما قال في "الفتح" (٣). وكتب الشيخ في "اللامع" (٤): المن صمغة، أي: شبيهة بها في انجمادها على أغصان الشجر وإن لم يكن عين الصمغة، فإن الصمغة ما تخرج من نفس الشجر وليس الترنجبين بهذه المثابة، فإنه شيء يحصل بانجماد ما ينزل من الطل على شجرة مخصوصة لا توجد في ديارنا هذه، انتهى. وذكر في هامشه شرح قوله: "الكمأة من المن وماؤها شفاء للعين". (٥ - باب ﴿وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُوا مِنْهَا. . .﴾) إلخ ليس في بعض النسخ لفظ "باب". كتب الشيخ قُدِّس سرُّه في "اللامع" (٥): قوله: وقالوا: حطة حبة. . . إلخ،

стр. 2344

أي: قالوا: موضع حطة حبة في شعرة، وأما على ما في بعض النسخ "حنطة حبة" فلعلهم جمعوا بين اللفظين، أو يكون بعضهم قال: حنطة وبعض آخرون: حبة في شعيرة، ولا يخفى ما في تلك الكلمة من أثر الإهمال، انتهى. (٦ - قوله: ﴿مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ. . .﴾ الآية [البقرة: ٩٧]) هكذا في النسخ الهندية بغير لفظ "باب"، وكذا في نسخة العلَّامة "العيني" و"القسطلاني"، وفي نسخة "الفتح" بزيادة لفظ "باب". قال الحافظ (١): كذا لأبي ذر ولغيره قوله: ﴿مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ﴾، قيل: سبب عداوة اليهود لجبريل أنه أُمِر باستمرار النبوة فيهم فنقلها لغيرهم، وقيل: لكونه يطلع على أسرارهم. قال الحافظ: وأصح منهما ما سيأتي بعد قليل: لكونه الذي ينزل عليهم بالعذاب، انتهى. (٧ - قوله: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا. . .﴾ [البقرة: ١٠٦]) هكذا في النسخ الهندية بغير لفظ "باب"، وفي نسخ الشروح لفظ "الباب" موجود. قال الحافظ (٢): كذا لأبي ذر "نُنسِها" بضم أوله وكسر السين بغير همز، ولغيره "ننسأها" والأول قراءة الأكثر، واختارها أبو عبيد وعليه أكثر المفسرين، والثانية قراءة ابن كثير وأبي عمرو وطائفة، وسأذكر توجيهها، وفيها قراءات أخرى في الشواذ. وقال في شرح الحديث: قوله: "وقد قال الله تعالى"، هو مقول عمر محتجًا به على أُبي بن كعب ومشيرًا إلى أنه ربما قرأ ما نسخت تلاوته لكونه لم يبلغه النسخ، واحتج عمر لجواز وقوع ذلك بهذه الآية، وقد أخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: خطبنا عمر فقال: إن الله يقول: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا﴾، أي: نؤخرها، وهذا يرجح رواية من قرأ بفتح أوله وبالهمز، وأما بضم أوله

стр. 2345

فمن النسيان، وكذلك كان سعيد بن المسيب يقرأها فأنكر عليه سعد بن أبي وقاص، أخرجه النسائي، وكانت قراءة سعد (أو تنساها) بفتح المثناة خطابًا للنبي ﷺ ، واستدل بقوله تعالى: ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنْسَى﴾ [الأعلى: ٦]، وروى ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: "ربما نزل على النبي ﷺ الوحي بالليل ونسيه بالنهار، فنزلت"، واستدل بالآية المذكورة على وقوع النسخ خلافًا لمن شذ فمنعه، وتعقب بأنها قضية شرطية لا تستلزم الوقوع، وأجيب بأن السياق وسبب النزول كان في ذلك؛ لأنها نزلت جوابًا لمن أنكر ذلك، انتهى. (٨ - باب قوله: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ﴾ [البقرة: ١١٦]) قال الحافظ (١): كذا للجميع وهي قراءة الجمهور، وقرأ ابن عامر "قالوا" بحذف الواو، واتفقوا على أن الآية نزلت في من زعم أن لله ولدًا من يهود خيبر ونصارى نجران، ومن قال من مشركي العرب: الملائكة بنات الله، فرد الله تعالى عليهم. وقوله: "قال الله تعالى. . ." إلخ، هذا من الأحاديث القدسية، انتهى. (٩ - قوله: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ [البقرة: ١٢٥]) كذا بغير لفظ "باب" في النسخ "الهندية" وفي نسخ الشروح الثلاثة: "الفتح" و"العيني" و"القسطلاني" بزيادة لفظ "الباب". قال الحافظ (٢): الجمهور على كسر الخاء من قوله: ﴿وَاتَّخِذُوا﴾ بصيغة الأمر، وقرأ نافع وابن عامر بفتح الخاء بصيغة الخبر، والمراد من اتبع إبراهيم، وهو معطوف على قوله: ﴿جَعَلْنَا﴾ فالكلام جملة واحدة، وقيل: على ﴿وَإِذْ جَعَلْنَا﴾ فيحتاج إلى تقدير "إذ" ويكون الكلام جملتين، وقيل: على محذوف تقديره "فثابوا" أي: رجعوا واتخذوا، وتوجيه قراءة الجمهور أنه

стр. 2346

معطوف على ما تضمنه قوله: ﴿مَثَابَةً﴾ كأنه قال: ثوبوا واتخذوا، أو معمول لمحذوف، أي: وقلنا: اتخذوا، ويحتمل أن يكون الواو للاستئناف. وقال الحافظ (١) أيضًا في شرح ﴿مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ﴾: إن أثر قدميه في المقام كرقم الباني في البناء ليذكر به بعد موته، ولم تزل آثار قدميه حاضرة في المقام معروفة عند أهل الحرم. وفي "موطأ ابن وهب" بسنده عن أنس قال: رأيت المقام فيه أصابع إبراهيم وأخمص قدميه غير أنه أذهبه مسح الناس بأيديهم، وأخرج الطبري في "تفسيره" (٢) عن قتادة في هذه الآية: إنما أمروا أن يصلوا عنده ولم يؤمروا بمسحه، قال: ولقد ذكر لنا من رأى أثر عقبه وأصابعه فيها فما زالوا يمسحونه حتى اخلولق وانمحى، وكان المقام من عهد إبراهيم لزق البيت إلى أن أخَّره عمر ﵁ إلى المكان الذي هو فيه إلى الآن، أخرجه عبد الرزاق في "مصنفه" (٣) بسند صحيح عن عطاء وغيره، وأخرج البيهقي (٤) عن عائشة مثله بسند قوي ولفظه: "أن المقام كان في زمن النبي ﷺ وفي زمن أبي بكر ملتصقًا بالبيت ثم أخَّره عمر، وروي بسند ضعيف عن مجاهد: أن النبي ﷺ هو الذي حوَّله، والأول أصح، وأخرج ابن أبي حاتم بسند صحيح عن ابن عيينة قال: كان المقام في سقع البيت في عهد رسول الله ﷺ فحوَّله عمر ﵁، فجاء سيل فذهب به فرده عمر إليه، انتهى. قال الحافظ: ولم تنكر الصحابة فعل عمر ولا من جاء بعدهم فصار إجماعًا وكان عمر رأى أن إبقاءه يلزم منه التضييق على الطائفين أو على المصلين فوضعه في مكان يرتفع به الحرج، وتهيأ له ذلك لأنه الذي كان أشار باتخاذه مصلى، وأول من عمل عليه المقصورة الموجودة الآن، انتهى.

стр. 2347

(١٠ - باب قوله: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ﴾ [البقرة: ١٢٧]) قوله: (﴿الْقَوَاعِدَ﴾ أساسه. . .) إلخ، قال أبو عبيدة في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ﴾، قال: قواعده أساسه، قال الفراء: القواعد أساس البيت، قال الطبري (١): اختلفوا في القواعد التي رفعها إبراهيم وإسماعيل أهما أحدثاها أم كانت قبلهما؟ ثم روى بسند صحيح عن ابن عباس قال: "كانت قواعد البيت قبل ذلك"، ومن طريق عطاء قال: قال آدم: أي رب لا أسمع أصوات الملائكة قال: ابنِ لي بيتًا ثم احفف به كما رأيت الملائكة تحف ببيتي الذي في السماء، فيزعم الناس أنه بناه من خمسة أجبل حتى بناه إبراهيم بعد (٢)، انتهى. قلت: وقد تقدم في آخر كتاب الأنبياء "باب بنيان الكعبة"، وتقدم هناك شيء من الكلام على بنائه. (١١ - باب قوله الله تعالى: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ. . .﴾ الآية [البقرة: ١٣٦]) سقط لفظ "باب" لغير أبي ذر. قال الحافظ (٣): قوله: "لا تصدقوا أهل الكتاب" أي: إذا كان ما يخبرونكم به محتملًا لئلا يكون في نفس الأمر صدقًا فتكذبوه، أو كذبًا فتصدقوه، ولم يرد النهي عن تكذيبهم في ما ورد شرعنا بخلافه، ولا عن تصديقهم فيما ورد شرعنا بوفائه، نبَّه على ذلك الشافعي ﵀، ويؤخذ من هذا الحديث التوقف عن الخوض في المشكلات والجزم فيها بما يقع في الظن، انتهى.

стр. 2348

(١٢ - باب ﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ﴾ الآية [البقرة: ١٤٢]) وسقط لفظ "باب" لغير أبي ذر. والسفهاء جمع سفيه وهو خفيف العقل، وأصله من قولهم: ثوب سفيه، أي: خفيف النسج، واختلف في المراد بالسفهاء فقال البراء كما في حديث الباب وابن عباس ومجاهد: هم اليهود، وأخرج ذلك الطبري عنهم بأسانيد صحيحة، وروي من طريق السدي قال: هم المنافقون، والمراد بالسفهاء: الكفار وأهل النفاق واليهود، أما الكفار فقالوا لما حولت القبلة: رجع محمد إلى قبلتنا وسيرجع إلى ديننا، فإنه علم أنّا على الحق، وأما أهل النفاق فقالوا: إن كان أولًا على الحق فالذي انتقل إليه باطل وكذلك بالعكس، وأما اليهود فقالوا: خالف قبلة الأنبياء، ولو كان نبيًا لما خالف، فلما كثرت أقاويل هؤلاء السفهاء أنزلت هذه الآيات من قوله تعالى: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي﴾ الآية، انتهى من "الفتح" (١). (١٣ - باب قوله: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا. . .﴾ [البقرة: ١٤٣]) سقط لفظ "باب" في نسخة "القسطلاني"، بل فيها: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ. . .﴾ إلخ. قال القسطلاني (٢): ولأبي ذر: باب قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ﴾، أي: وكما جعلناكم مهديين إلى الصراط المستقيم وجعلنا قبلتكم أفضل القبل ﴿جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ أي: خيارًا أو عدولًا، وجعل بمعنى صيَّر فيتعدى لاثنين، فالضمير مفعول أول وأمة ثانٍ، و ﴿وَسَطًا﴾ نعت وهو بالتحريك اسم لما بين الطرفين، ويطلق على خيار الشيء، وقيل: كل ما صلح فيه لفظٌ بيِّن يقال بالسكون وإلا فبالتحريك، وقيل: المفتوح في الأصل مصدر والساكن ظرف، انتهى.

стр. 2349

قال الحافظ (١): قوله: "والوسط العدل" هو مرفوع من نفس الخبر، وليس بمدرج من قول بعض الرواة كما وهم فيه بعضهم، انتهى. (١٤ - باب قوله: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا﴾ [البقرة: ١٤٣]) ليس في نسخة "القسطلاني" لفظ "باب"، قال القسطلاني (٢): قيل: القبلة مفعول أول والتي كنت عليها ثانٍ، فإن الجعل بمعنى التصيير، أي: الجهة التي كنت عليها وهي الكعبة، فإنه ﵊ كان يصلي إليها بمكة، ثم لما هاجر أمر بالصلاة إلى بيت المقدس تألفًا لليهود، أي: أن أصل أمرك أن تستقبل الكعبة وما جعلنا قبلتك بيت المقدس إلا لنعلم الآية، انتهى. (١٥ - باب قوله: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ﴾ [البقرة: ١٤٤]) قال الحافظ (٣): قوله: لم يبق ممن صلى القبلتين غيري. . . إلخ، في هذا إشارة إلى أن أنسًا آخر من مات ممن صلَّى إلى القبلتين، والظاهر أن أنسًا قال ذلك وبعض الصحابة ممن تأخر إسلامه موجود، ثم تأخر أنس إلى أن كان آخر من مات بالبصرة من أصحاب رسول الله ﷺ ، قاله علي بن المديني وغيره، بل قال ابن عبد البر (٤): هو آخر الصحابة موتًا مطلقًا لم يبق بعده غير أبي الطفيل، كذا قال، وفيه نظر، وقوله تعالى: ﴿فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا﴾ [البقرة: ١٤٤]، هي الكعبة، وروى الحاكم من حديث ابن عمر في قوله: ﴿فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً. . .﴾ إلخ، قال: نحو ميزاب الكعبة، وإنما قال ذلك؛ لأن تلك الجهة قبلة أهل المدينة، انتهى.

стр. 2350

(١٦ - باب قوله: ﴿وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ. . .﴾ [البقرة: ١٤٥]) إلخ ليس في نسخة "القسطلاني" لفظ "باب". قال الحافظ (١): ذكر فيه حديث ابن عمر المشار إليه قبل باب من وجه آخر، انتهى. وقال العلَّامة العيني (٢): مطابقة الآية تتأتى بالتعسف يوضحها من يمعن النظر فيه، انتهى. (١٧ - باب قوله: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ﴾ [البقرة: ١٤٦]) وليس لفظ "باب" في نسخة "القسطلاني"، وموجود في نسخة "العيني" و"الفتح". قال الحافظ (٣): ساق فيه حديث ابن عمر المذكور من وجه آخر، انتهى. قال القسطلاني (٤): قوله: ﴿يَعْرِفُونَهُ﴾ ﷺ بنعته وصفته ﴿كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ﴾ روي أن عمر سأل عبد الله بن سلام عن رسول الله ﷺ فقال: أنا أعلم به مني بابني، قال: ولم؟ قال: لأني لم أشك في محمد أنه نبي، فأما ولدي فلعل والدته خانت، زاد السمرقندي في روايته: أقر الله عينك يا عبد الله. وقيل: الضمير في ﴿يَعْرِفُونَهُ﴾ للقرآن، وقيل: لتحويل القبلة، وظاهر سياق الآية، ثم يقتضي اختياره، انتهى. قلت: وأشار القسطلاني به إلى أن الإمام البخاري كأنه اختار هذا القول، أي: إرجاع الضمير إلى تحويل القبلة.

стр. 2351

وكتب الشيخ في "اللامع" (١): قوله: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ. . .﴾ إلخ، يعني: أنهم عرفوا محمدًا ﷺ أنه النبي الموعود المنعوت في التوراة، وقد كان في نعته أنه يصلي إلى القبلة آخرًا ويصلي إلى بيت المقدس أول قدومه مدة كذا، فمن هذه الحيثية كان عرفانهم بمحمد ﷺ عرفانًا بأمر التحويل، ولا حاجة في تصحيح إيراد هذه الرواية في هذا الباب إلى إرجاع ضمير يعرفونه إلى التحويل، فإن المرام حاصل بدونه أيضًا، فإن عرفان محمد ﷺ بنعته عرفان لجميع ما هو من أحواله المختصة، سيما أمر التحويل، فإنه كان علامة مكتوبة، انتهى. ثم لا يذهب عليك أن الإمام البخاري بوَّب ها هنا بعدة أبواب، وذكر فيها عدة آيات متعلقة بتحويل القبلة وذكر في أكثرها حديثًا واحدًا، وهو حديث تحويل القبلة ولم يتعرض لوجه ذلك أحد من الشرَّاح، وهذا الصنيع مثل صنيعه في تفسير سورة المنافقون، وأجاد الشيخ قُدِّس سرُّه في تقريره هناك كما حكاه الشيخ المكي في تقريره إذ قال: اعلم أن هذه السورة نزلت دفعة واحدة في قصَّة ابن أُبي، فغرض البخاري من تعداد آياتها وتكرار تلك القصَّة فيها دفع احتمال نزول واحدة منها في غيرها، انتهى. وهذا التوجيه يتمشى ها هنا أيضًا، فلعل الإمام البخاري أشار ها هنا أيضًا بأن هذه الآيات كلها نزلت في قصَّة تحويل القبلة، ويؤيده ما تقدم في باب ﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ. . .﴾ إلخ، ما حكى الحافظ عن السدي أنه قال في سبب نزول هذه الآيات: أنزلت هذه الآيات من قوله تعالى: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ﴾ إلى قوله: ﴿فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي﴾ ثم رأيت الحافظين ابن حجر والعيني قد تعرضا لمثل هذا الإيراد والجواب في تفسير سورة مريم، فإن الإمام البخاري قد ترجم في تلك السورة بعدة آيات متعلقة بقصَّة العاص بن وائل وذكر في كل منها حديثًا واحدًا كما سيأتي هناك إن شاء الله تعالى.

стр. 2352

(١٨ - باب قوله تعالى: ﴿وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا﴾ [البقرة: ١٤٨]) ليس في نسخة "القسطلاني" ها هنا لفظ "باب"، وقال القسطلاني (١): وفي نسخة "باب ولكل من أهل الملل وجهة. . ." إلخ. قوله: (ستة عشر أو سبعة عشر شهرًا. . .) إلخ، تقدم الكلام على الاختلاف في مدة التحويل في كتاب الإيمان. (١٩ - باب ﴿وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ الآية [البقرة: ١٤٩]) هكذا في النسخ "الهندية" بزيادة لفظ "باب"، وليس هو في نسخة من نسخ الشروح الثلاثة. قوله: (شطره تلقاءه) قال الحافظ (٢): قال الفراء في قوله تعالى: ﴿فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ يريد نحوه، قال: وفي بعض القراءات، "تلقاءه" وروى الطبري من طريق أبي العالية قال: "شطر المسجد الحرام تلقاءه" ومن طريق قتادة نحوه، ثم ذكر المصنف حديث ابن عمر من طريق أخرى، انتهى. (٢٠ - باب ﴿وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ. . .﴾ الآية [البقرة: ١٥٠]) كذا بزيادة لفظ "باب" في النسخ "الهندية"، وفي نسخ الشروح بدونها ولم يتعرضوا ها هنا لاختلاف النسخ، ثم إن هذه الآية غير الآية الأولى، ولعل المصنف أشار باستقلال الترجمة إلى اختلافهم في أن هذا تأكيد أو مرتب على الأحوال المختلفة.

стр. 2353

فقد قال العلَّامة القسطلاني تبعًا للعيني (١): هذا أمر ثالث منه تعالى باستقبال الكعبة، واختلف في حكمة التكرار فقيل: تأكيد لأنه أول ناسخ وقع في الإسلام على ما نص عليه ابن عباس وغيره، والنسخ من مظان الفتنة والشبهة، فبالحري أن يؤكد أمرها ويعاد ذكرها مرة بعد أخرى، وقيل: إنه منزل على أحوال، فالأول: لمن هو مشاهد للكعبة، والثاني: لمن هو في مكة غائبًا عن مشاهدة الكعبة، والثالث: لمن هو في غيرها من البلدان، أو الأول: لمن بمكة، والثاني: لمن هو بغيرها من البلدان، والثالث: لمن خرج في الأسفار، انتهى. (٢١ - باب قوله: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ. . .﴾ [البقرة: ١٥٨]) إلخ سقط لفظ "باب" في نسخة "القسطلاني". قال الحافظ (٢): قوله: " ﴿شَعَائِرِ﴾ علامات. . ." إلخ، هو قول أبي عبيدة (٣)، قوله: "وقال ابن عباس: الصفوان. . ." إلخ، وصله الطبري من طريق علي بن أبي طلحة عنه، قوله: "الحجارة الملس. . ." إلخ، هو كلام أبي عبيدة (٤) أيضًا، قال: الصفوان: جمع، ويقال للواحدة: صفوانة في معنى: الصفا، والصفا للجميع، وهي الحجارة الملس التي لا تنبت شيئًا أبدًا من الأرضين والرؤوس، وواحد الصفا صفاة، وقيل: الصفا اسم جنس يفرق بينه وبين مفرده بالتاء وقيل: مفرد يجمع على فعول وأفعال كقفا وأقفاء، فيقال فيه: صفا وأصفاء، ويجوز كسر صاد صفا أيضًا، ثم ساق حديث عائشة في سبب نزول هذه الآية، وقد تقدم في كتاب الحج، انتهى. وأجاد الشيخ قُدِّس سرُّه في "اللامع" (٥) في حل هذا المقام بما يناسب

стр. 2354

جودة طبعه فللّه دره إذ كتب: قوله: "الصفوان الحجر" الظاهر أنه أراد بالحجر الجنس، فلا خلاف بين التَّفسيرين لهذا القدر، وأما قيد الملاسة فلعل ابن عباس قصد بالتَّفسير تعيين الجنس لا النوع، فلا يكون الخلاف فيه أيضًا، ويرد على تفسيره بالجمع أن العائد إليه في الآية ضمير المفرد حيث قال: ﴿كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ﴾، والجواب: أنه اسم جنس يطلق على المفرد والجمع، نعم يتقيد بالمفرد بزيادة التاء فيه، فلا يخالف قول ابن عباس وقول الآخر في ما بينهما ولا للآية. فحاصل كلامهما: أنه يطلق على المفرد والجمع كليهما ويتخصص بالمفرد بزيادة التاء. ثم قوله: "بمعنى الصفاء"، متعلق بالصفوان لا الصفوانة؛ لأنه مصرّح بكونه جمعًا وليس الصفوانة جمعًا حتى يكون الصفا بمعناه، فيكون بمعنى الصفوان؛ لأنه بمعنى الجمع في صحة إطلاقه على المفرد والجمع؛ كالصفاء فإنه اسم جنس أيضًا يتقيد بالمفرد بزيادة تاء الوحدة، انتهى. (٢٢ - باب قوله: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا. . .﴾ الآية [البقرة: ١٦٥]) قال القسطلاني (١): سقط لفظ "باب قوله" لأبي ذر، انتهى. قد تقدم تفسير الأنداد بالأضداد لأبي عبيدة وهو تفسير باللازم، انتهى من "الفتح" (٢) بزيادة. (٢٣ - باب ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ﴾ الآية [البقرة: ١٧٨]) ليس في نسخة "القسطلاني" لفظ "باب". قال العلَّامة القسطلاني (٣): روى ابن أبي حاتم في سبب نزول هذه

стр. 2355

الآية أن حيين من العرب اقتتلوا في الجاهلية قبل الإسلام بقليل، وكان بينهم قتل وجراحات حتى قتلوا العبيد والنساء، فلم يأخذ بعضهم من بعض حتى أسلموا، وكان أحد الحيين يتطاول على الآخر في العدة والأموال فحلفوا أن لا يرضوا حتى يقتل الحر منكم بالعبد والذكر بالأنثى، فنزلت، واستدل بها المالكية والشافعية على أنه لا يقتل الحر بالعبد، لكن قال البيضاوي (١): لا دلالة فيها على أنه لا يقتل الحر بالعبد والذكر بالأنثى كما لا تدل على عكسه، فإن المفهوم إنما يعتبر حيث لم يظهر للتخصيص غرض سوى اختصاص الحكم، وقد بيَّنا ما كان الغرض، وإنما منع مالك والشافعي قتل الحر بالعبد سواء كان عبده أو عبد غيره لحديث: "لا يقتل حر بعبد"، رواه الدارقطني (٢). وقال الحنفية: آية البقرة منسوخة بآية المائدة ﴿النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ فالقصاص ثابت بين العبد والحر والذكر والأنثى، ويستدلون بقوله ﵊: "المسلمون تتكافأ دماؤهم" وبأن التفاضل غير معتبر في الأنفس بدليل أن جماعة لو قتلوا واحدًا قُتِلوا به. أجيب بأن دعوى النسخ بآية المائدة غير سائغة لأنه حكاية ما في التوراة فلا ينسخ ما في القرآن، وعن الحسن وغيره: لا يقتل الرجل بالمرأة بهذه الآية، وخالفهم الجمهور وهو مذهب الأئمة الأربعة فقالوا: يقتل الذكر بالأنثى والأنثى بالذكر بالإجماع، وحينئذ فما نقله في الكشاف عن الشافعي ومالك أنه لا يقتل الذكر بالأنثى لا عمل عليه، انتهى. وكتب الشيخ في "اللامع" (٣): قوله: "كان في بني إسرائيل القصاص. . ." إلخ، ولا ينافيه ما ثبت أن يهود كانت الدية شائعة بينهم؛ لأن ذلك كان منهم تغييرًا لحكم الكتاب، انتهى. وذكر في هامشه الروايات وكلام المفسرين في تأييد كلام الشيخ قُدِّس

стр. 2356

سرُّه، وقال القسطلاني (١): وأهل التوراة كتب عليهم القصاص فقط وحرم عليهم العفو وأخذ الدية، وأهل الإنجيل العفو، وحرم عليهم القصاص والدية، وخيرت هذه الأمة المحمدية بين الثلاثة: القصاص والدية والعفو، تيسيرًا عليهم وتوسعة، انتهى. (٢٤ - باب ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ. . .﴾ [البقرة: ١٨٣] إلخ) أما قوله: ﴿كُتِبَ﴾ فمعناه فرض، والمراد بالمكتوب فيه اللوح المحفوظ، وأما قوله: ﴿كَمَا﴾ فاختلف في التشبيه الذي دلَّت عليه الكاف هل هو على الحقيقة فيكون صيام رمضان قد كتب على الذين من قبلنا، أو المراد مطلق الصيام دون وقته وقدره؛ فيه قولان. . . إلى آخر ما بسط الحافظ (٢) وقد تقدم في كتاب الصيام الكلام على التشبيه فارجع إليه. (٢٥ - باب قوله: ﴿أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا. . .﴾ [البقرة: ١٨٤]) إلخ قال القسطلاني (٣): سقط لفظ "باب" لغير أبي ذر، انتهى. وقال الحافظ (٤): قوله: "قال عطاء: يفطر من المرض كله. . ." إلخ، وصله عبد الرزاق (٥) عن ابن جريج قال: قلت لعطاء: من أي وجع أفطر في رمضان؛ قال: من المرض كله، قلت: يصوم فإذا غلب عليه أفطر؟ قال: نعم. وللبخاري في هذه الأثر قصة مع شيخه إسحاق بن راهويه ذكرتها في ترجمة البخاري من "تغليق التعليق" (٦)، وقد اختلف السلف في

стр. 2357

الحد الذي إذا وجده المكلف جاز له الفطر، والذي عليه الجمهور أنه المرض الذي يبيح له التيمم مع وجود الماء، وهو ما إذا خاف على نفسه لو تمادى على الصوم أو على عضو من أعضائه أو زيادة في المرض الذي بدأ به أو تماديه، انتهى من هامش "اللامع" (١)، وذكر فيه أيضًا القصَّة التي أحالها الحافظ، وكذا ذكر فيه الأقوال في مسألة الإفطار للمرض فارجع إليه لو شئت. وكتب الشيخ في "اللامع" (٢): قوله: "يفطر من المرض كله" إن حمل قول عطاء هذا على أنه لا يتوقف جواز الفطر على خوف الهلاك أو المشقة الشديدة، بل على أنه يجوز الإفطار في كل مرض أضر به الصوم أعم من أن يؤدي إلى الهلاك، وكانت المشقة فيه شديدة أم لا، كان غير مستبعد، ولا يخالف حينئذ قوله قول الجمهور، انتهى. قلت: وظاهر كلام البخاري والشرَّاح عامة أنهم فرقوا بين قول عطاء والجمهور، لكن ما تقدم عن "الفتح" من رواية عبد الرزاق من قول ابن جريج يشير إلى ما أفاده الشيخ. قوله: (وقال الحسن وإبراهيم في المرضع والحامل إذا خافتا على أنفسهما أو ولدهما: تفطران ثم تقضيان) هذه المسألة خلافية ففي "بذل المجهود" (٣) تحت قوله: "إن ابن عباس قال: أثبتت للحبلى والمرضع": اختلفت الروايات في الحبلى والمرضع، ففي رواية عن ابن عباس: "للحبلى والمرضع إذا خافتا أفطرتا وأطعمتا مكان كل يوم مسكينًا، ولا قضاء عليهما"، وفي رواية عن ابن عباس أنه كان يقرأ: (وعلى الذين يطوّقونه) مشددة، قال: يكلفونه ولا يطيقونه، ويقول: ليست بمنسوخة، هو الشيخ الكبير الهرم والكبيرة الهرمة يطعمون لكل يوم مسكينًا ولا يقضون. . .، إلى

стр. 2358

آخر ما ذكر من الروايات المختلفة عن ابن عباس إلى أن قال: قال في "بداية المجتهد" (١): وأما باقي هذا الصنف وهو المرضع والحامل والشيخ الكبير فإن فيه مسألتين مشهورتين: إحداهما: الحامل والمرضع إذا أفطرتا ماذا عليهما؟ وهذه المسألة للعلماء فيها أربعة مذاهب: أحدها: إنهما يطعمان ولا قضاء عليهما، وهو مروي عن ابن عمر وابن عباس، والقول الثاني: إنهما يقضيان فقط ولا إطعام عليهما، وهو مقابل الأول، وبه قال أبو حنيفة وأصحابه، والثالث: إنهما يقضيان ويطعمان، وبه قال الشافعي: والقول الرابع: إن الحامل تقضي ولا تطعم. وأما الشيخ الكبير والعجوز اللذان لا يقدران على الصيام فإنهم أجمعوا على أن لهما أن يفطرا، واختلفوا فيما عليهما إذا أفطرا، فقال قوم: عليهما إطعام، وقال قوم: ليس عليهما إطعام، وبالأول قال الشافعي وأبو حنيفة، وبالثاني قال مالك، انتهى. مختصرًا. قلت: والقول الرابع المذكور في كلام ابن رشد هو المشهور من أقوال مالك، والقول الثاني عنه لمالك في ذلك عليهما القضاء مع الإطعام، والقول الثالث له إنهما يطعمان ولا قضاء عليهما كما في "الأوجز" (٢). وأما مذهب الحنابلة في ذلك ففي "الأوجز" (٣) عن "الروض" (٤): إن أفطرت حامل أو مرضع خوفًا على أنفسهما فقط أو مع الولد قضتاه فقط من غير فدية؛ لأنهما بمنزلة المريض الخائف على نفسه، وإن أفطرتا خوفًا على ولديهما فقط قضتا وأطعمتا لكل يوم مسكينًا ما يجزئ في كفارة، انتهى. وقال إسحاق على ما حكاه الترمذي: يفطران ويطعمان ولا قضاء عليهما، وإن شاءتا قضتا ولا إطعام عليهما، انتهى.

стр. 2359

وقال القاري (١): المرضع والحبلى يقضيان ولا فدية عليهما عندنا. . .، إلى آخر ما بسط في "الأوجز". (٢٦ - باب قوله: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْه﴾ الآية [البقرة: ١٨٥]) وسقط لفظ "باب" في نسخة "القسطلاني" ذكر فيه حديث ابن عمر أنه قرأ "فدية طعام" بالإضافة، و"مساكين" بلفظ الجمع وهي قراءة نافع وابن ذكوان، والباقون بتنوين "فدية" وتوحيد "مسكين"، و"طعام" بالرفع على البدلية، وأما الإضافة فهي من إضافة الشيء إلى نفسه، والمقصود به البيان مثل خاتم حديد وثوب حرير؛ لأن الفدية تكون طعامًا وغيره، ومن جمع "مساكين" فلمقابلة الجمع بالجمع، ومن أفرد، فمعناه: فعلى كل واحد ممن يطيق الصوم، ويستفاد من الإفراد أن الحكم لكل يوم يفطر فيه إطعام مسكين، ولا يفهم ذلك من الجمع، والمراد بالطعام الإطعام (٢). قوله: (قال: هي منسوخة) هو صريح في دعوى النسخ ورجحه ابن المنذر من جهة قوله: ﴿وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ قال: لأنها لو كانت في الشيخ الكبير الذي لا يطيق الصيام لم يناسب أن يقال له: ﴿وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ مع أنه لا يطيق الصيام (٣)، انتهى. قلت: وتقدم الكلام على نسخة في "باب ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ. . .﴾ " إلخ، من كتاب الصوم، وكتب الشيخ قُدِّس سرُّه في "اللامع" (٤): والمدار على اختلاف التأويل فمن ذهب في تفسير الآية إلى أن معناه الاستطاعة ذهب إلى النسخ، والذي فسرها بعدم الاستطاعة ذهب إلى بقائها على حكمها، انتهى.

стр. 2360

وبسط في هامشه الكلام عليه، وكذا بسط فيه درجات فرضية الصوم. (٢٧ - باب قوله: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ. . .﴾ الآية [البقرة: ١٨٧]) ليس لفظ "الباب" في نسخة "القسطلاني". قال الحافظ (١): قوله: "لما نزل صوم رمضان كانوا لا يقربون النساء. . ." إلخ، قد تقدم في كتاب الصيام من حديث البراء أيضًا: إنهم كانوا لا يأكلون ولا يشربون إذا ناموا، وأن الآية نزلت في ذلك، وبيَّنت هناك أن الآية نزلت في الأمرين معًا، وظاهر سياق حديث الباب أن الجماع كان ممنوعًا في جميع الليل والنهار بخلاف الأكل والشرب فكانا مأذونًا فيه ليلًا ما لم يحصل النوم، لكن بقية الأحاديث الواردة بهذا المعنى تدل على عدم الفرق كما سأذكرها بعد، ويحمل قوله: "كانوا لا يقربون النساء" على الغالب جمعًا بين الأخبار. ثم ذكر الحافظ بعد ذلك ما يدل على عدم الفرق وهو ما رواه أحمد وأبو داود (٢) وعن معاذ بن جبل قال: "أحيل الصيام ثلاثة أحوال"، فذكر الحديث إلى أن قال: "وكانوا يأكلون ويشربون ويأتون النساء ما لم يناموا، فإذا ناموا امتنعوا" الحديث، وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم من طريق عبد الله بن كعب بن مالك عن أبيه قال: "كان الناس في رمضان إذا صام الرجل فأمسى فنام حرم عليه الطعام والشراب والنساء حتى يفطر من الغد، فرجع عمر من عند النبي ﷺ وقد سمر عنده، فأراد امرأته فقالت: إني قد نمت قال: ما نمت، ووقع عليها، وصنع كعب مثل ذلك فنزلت" أي: قوله: ﴿عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ﴾ الآية [البقرة: ١٨٧]، انتهى.

стр. 2361

وكتب الشيخ في "اللامع" (١): قوله: "لا يقربون النساء رمضان كله" أي: بعد النوم، وكان في تشديد هذا الحكم عليهم بمرة واحدة إظهار امتثالهم لمن خلفهم فإن افتقارهم إلى النساء وشدة مشقتهم كان قد أخرجهم عن حيطة الاختيار، ومع ذلك قالوا: سمعنا وأطعنا، وسلموا أمرهم لله تعالى، انتهى. (٢٨ - باب قوله: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ. . .﴾ [البقرة: ١٨٧]) إلخ قال القسطلاني (٢): سقط التبويب وتاليه لغير أبي ذر، انتهى. العاكف: المقيم، ثبت هذا التَّفسير في رواية المستملي وحده، وهو تفسير أبي عبيدة (٣) قال في قوله تعالى: ﴿سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ﴾ [الحج: ٢٥] أي: المقيم والذي لا يقيم، ثم ذكر حديث عدي بن حاتم من وجهين في تفسير الخيط الأبيض والأسود، وحديث سهل بن سعد في ذلك وقد تقدما في الصيام، انتهى من "الفتح" (٤). (٢٩ - باب قوله: ﴿وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى﴾ [البقرة: ١٨٩] الآية [البقرة: ١٨٩]) ليس في نسخة "القسطلاني" لفظ "باب". وقال الحافظ (٥): كذا لأبي ذر، وساق في رواية كريمة إلى آخرها، ثم ذكر حديث البراء في سبب نزولها، وقد تقدم شرحه في كتاب الحج، انتهى من "الفتح".

стр. 2362

قلت: وقد تقدم الكلام عليه في باب قوله تعالى: ﴿وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا﴾ [البقرة: ١٨٩]، من كتاب الحج. (٣٠ - باب قوله: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ. . .﴾ [البقرة: ١٩٣]) إلخ وفي نسخة "القسطلاني" (١): ﴿وَقَاتِلُوهُمْ. . .﴾ إلخ، بدون لفظ "باب". قال الحافظ (٢): قوله: "أتاه رجلان. . ." إلخ، تقدم في مناقب عثمان أن اسم أحدهما العلاء بن عرار وهو بمهملات، واسم الآخر حبان السلمي صاحب الدثينة، أخرج سعيد بن منصور من طريقه ما يدل على ذلك، وسيأتي في تفسير سورة الأنفال أن رجلًا اسمه حكيم سأل ابن عمر عن شيء من ذلك، ويأتي شرح الحديث هناك. وقوله: "في فتنة ابن الزبير" في رواية سعيد بن منصور أن ذلك عام نزول الحجاج بابن الزبير، فيكون المراد بفتنة ابن الزبير ما وقع في آخر أمره، وكان نزول الحجاج وهو ابن يوسف الثقفي من قبل عبد الملك بن مروان جهزه لقتال عبد الله بن الزبير وهو بمكة في أواخر سنة ثلاث وسبعين، وقتل عبد الله بن الزبير في أواخر تلك السنة، ومات عبد الله بن عمر في أول سنة أربع وسبعين، انتهى. قوله: (فما يمنعك أن تخرج. . .) إلخ، كتب الشيخ في "اللامع" (٣): أي: فتقاتل أقوامًا بغوا وعتوا، وإنما لم يخرج ابن عمر؛ لأنه لم ير طاقة، والفتنة في الآية أريد بها الشرك، وفي كلام ابن عمر أريد بها ما يشابهها من مقاتلة المسلمين وإفساد ذات بينهم. وقوله: ﴿فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾ ولكنه لم ير للمصالحة سبيلًا فلم يقع بينهما، وأما قوله: ﴿فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي﴾، فكانت المقاتلة لا تتيسر إلا بعدة وعدد ولم يكن لهم شيء من ذلك حتى يقاتلوا فلم يبق إلا السكوت والاستسلام، انتهى.

стр. 2363

وبسط في هامشه في شرح هذا المقام فارجع إليه لو شئت. (٣١ - باب قوله: ﴿وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ. . .﴾ [البقرة: ١٩٥]) إلخ قال القسطلاني (١): سقط لفظ "باب" لغير أبي ذر، انتهى. وقال الحافظ (٢): قوله: "التهلكة والهلاك واحد" هو تفسير أبي عبيدة، وزاد: والهلاك والهلك يعني بفتح الهاء وبضمها واللام ساكنة فيهما، وكل هذه مصادر هلك بلفظ الفعل الماضي، وقيل: التهلكة ما أمكن التحرز منه، والهلاك بخلافه، وقيل: التهلكة نفس الشيء المهلك، وقيل: ما تضر عاقبته، والمشهور الأول. وقوله: (نزلت في النفقة) أي: في ترك النفقة في سبيل الله ، وهذا الذي قاله حذيفة جاء مفسرًا في حديث أبي أيوب الذي أخرجه مسلم والنسائي وأبو داود والترمذي وغيرهم، ثم ذكره الحافظ، وروى ابن أبي حاتم أنها كانت نزلت في ناس كانوا يغزون بغير نفقة، فيلزم على قوله: اختلاف المأمورين، فالذين قيل لهم: ﴿أَنْفِقُوا﴾ ﴿وَأَحْسِنُوا﴾ أصحاب الأموال، والذين قيل لهم: ﴿وَلَا تُلْقُوا﴾ الغزاة بغير نفقة، ولا يخفى ما فيه. وجاء عن البراء بن عازب في الآية تأويل آخر أخرجه ابن جرير وغيره عنه بإسناد صحيح عن أبي إسحاق قال: قلت للبراء: أرأيت قول الله : ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ هو الرجل يحمل على الكتيبة فيها ألف؟ قال: لا، ولكنه الرجل يذنب فيلقي بيده فيقول: لا توبة لي. والأول أظهر لتصدير الآية بذكر النفقة فهو المعتمد في نزولها، وأما قصرها عليه ففيه نظر؛ لأن العبرة بعموم اللفظ، انتهى مختصرًا وملخصًا من "الفتح". ثم قال: وأما مسألة حمل الواحد على [العدد] الكثير من العدو

стр. 2364

فصرَّح الجمهور بأنه إن كان بفرط شجاعته وظنه أنه يرهب العدو بذلك أو يجرئ المسلمين عليهم أو نحو ذلك من المقاصد الصحيحة فهو حسن، ومتى كان مجرد تهور فممنوع، ولا سيما إن ترتب على ذلك وهن في المسلمين، والله أعلم، انتهى. (٣٢ - باب قوله: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ. . .﴾ [البقرة: ١٩٦]) إلخ ليس في نسخة "القسطلاني" لفظ "باب" وقال (١): ولأبي ذر: "باب قوله. . ." إلخ. قال الحافظ (٢): ذكر فيه حديث كعب بن عجرة في سبب نزول هذه الآية، وقد تقدم في كتاب الحج، انتهى. (٣٣ - باب قوله: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ﴾ [البقرة: ١٩٦]) وفي نسخة "القسطلاني" (٣): ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ. . .﴾ إلخ، بدون لفظ "باب"، قال: ولأبي ذر: "باب ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ. . .﴾ " إلخ. قال الحافظ (٤): قوله: "نزلت آية المتعة. . ." إلخ، يعني: متعة الحج، والمراد بالرجل في قوله: "قال رجل برأيه" هو عمر، انتهى. وقال القسطلاني: قيل: هو عثمان؛ لأنه كان يمنع التمتع، وقال أيضًا: زاد في نسخة: قال محمد، أي: البخاري يقال: إنه، أي: الرجل عمر لأنه كان ينهى عنها، وفي نفس الأمر لم يكن عمر ﵁ ينهى عنها محرّمًا لها إنما كان ينهى عنها ليكثر قصد الناس البيت حاجين ومعتمرين، قاله الحافظ عماد الدين ابن كثير في تفسيره، انتهى.

стр. 2365

(٣٤ - باب قوله: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٨]) سقط لفظ "باب" في نسخة "القسطلاني". قال الحافظ (١): ذكر فيه حديث ابن عباس، وقد تقدم في كتاب الحج. (٣٥ - باب قوله: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾ [البقرة: ١٩٩]) ذكر فيه حديث عائشة، وقد تقدم في كتاب الحج أيضًا، ثم ذكر فيه حديث ابن عباس، انتهى من "الفتح" (٢). قلت: وسياق الحديثين مختلف. قال الكرماني (٣) في حديث ابن عباس: فإن قلت: هذا السياق يدل على أن الإفاضة في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا﴾ من المزدلفة، والحديث السابق يعني حديث عائشة يدل على أنها من عرفات، قلت: لا منافاة إذ هذا تفسير ابن عباس والمراد من الناس الحمس، وذلك تفسير عائشة والمراد من الناس غير الحمس، انتهى من هامش "الهندية". وفيه أيضًا: قال القاضي ثناء الله في "المظهري" (٤): كانت العرب تقف بعرفة وكان قريش تقف دون ذلك بالمزدلفة فأنزل الله تعالى ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾ وهو قول أكثر المفسرين. وقيل: معنى الآية ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا﴾، يعني: بعد إفاضتكم من عرفات أفيضوا، ﴿مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾، يعني: من المزدلفة إلى منى، انتهى. قلت: قد عرفت أن الأول هو تفسير عائشة والثاني من تفسير ابن عباس، ثم أشكل عليَّ التَّفسير الأول بلفظة ﴿ثُمَّ﴾ لأنه مقدم على

стр. 2366

الوقوف بمشعر الحرام. . .، إلى آخر ما ذكر في توجيهه في الهامش. (٣٦ - باب قوله: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا. . .﴾ [البقرة: ٢٠١]) إلخ ليس في "قس" (١) لفظ "باب". قال العلَّامة العيني (٢): قال سعيد بن جبير عن ابن عباس: كان قوم من الأعراب يجيئون إلى الموقف فيقولون: اللَّهمَّ اجعله عام غيث وعام خصب وعام ولاد حسن، ولا يذكرون من أمر الآخرة شيئًا فأنزل الله تعالى فيهم: ﴿فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ﴾ أي: نصيب، وكان يجيء بعدهم آخرون من المؤمنين فيقولون: ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ فأنزل الله تعالى: ﴿أُولَئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾، وعن علي رضي الله تعالى عنه، الحسنة في الدنيا المرأة الصالحة وفي الآخرة الجنة، وعذاب النار المرأة السوء، انتهى. (٣٧ - باب قوله: ﴿وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ﴾ [البقرة: ٢٠٤]) ليس في "قس" (٣) لفظ "باب". ﴿أَلَدُّ﴾ أفعل تفضيل من اللدد وهو: شدة الخصومة، و ﴿الْخِصَامِ﴾ جمع خصم وزن كلب وكلاب، والمعنى: هو أشد المخاصمين مخاصمة، ويحتمل أن يكون مصدرًا، تقول: خاصم خصاما كقاتل قتالًا، والتقدير: وخاصمه أشد الخصام، أو هو أشد ذوي الخصام مخاصمة، وقيل: أفعل ها هنا ليست للتفضيل بل بمعنى الفاعل، أي: وهو لديد الخصام، أي: شديد المخاصمة فيكون من إضافة الصفة المشبهة، انتهى من "الفتح" (٤).

стр. 2367

(٣٨ - باب قوله: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ. . .﴾ [البقرة: ٢١٤]) إلخ كذا في النسخ "الهندية" "والعيني"، وفي نسخة "الفتح" و"القسطلاني" بغير لفظ "باب". ذكر فيه حديثي ابن عباس وعائشة في قوله: ﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ. . .﴾ إلخ، وتقدم شرحه من كلام الشيخ الكَنكَوهي قُدِّس سرُّه في باب قوله : ﴿لَقَدْ كَانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ. . .﴾ [يوسف: ٧] إلخ، من كتاب الأنبياء. قوله: (ذهب بها هناك)، قال القسطلاني (١): "ذهب بها"، أي: بهذه الآية ابن عباس، أي: فهم منها ما فهمه من آية البقرة من الاستبعاد والاستبطاء وتلا: ﴿حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ﴾ [البقرة: ٢١٤] لتناهي الشدة واستطالة المدة بحيث تقطعت حبال الصبر ﴿مَتَى نَصْرُ اللَّهِ﴾ استبطاء لتأخره فقيل لهم: ﴿أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾ إسعافًا لهم إلى طلبتهم من عاجل النصر. وهذه الآية كآية سورة يوسف في مجيء النصر بعد اليأس والاستبعاد، وفي ذلك إشارة إلى أن الوصول إلى الله تعالى والفوز بالكرامة عنده برفض اللذات ومكابدة الشدائد والرياضات. (٣٩ - باب قوله: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ. . .﴾ الآية [البقرة: ٢٢٣]) اختلف في معنى ﴿أَنَّى﴾ فقيل: كيف، وقيل: حيث، وقيل: متى، وبحسب هذا الاختلاف جاء الاختلاف في تأويل الآية، انتهى من "الفتح" (٢). وقال الحافظ في شرح الحديث: قوله: "يأتيها في" هكذا وقع في جميع النسخ، لم يذكر ما بعد الظرف وهو المجرور، ووقع في "الجمع بين
следующие страницы →