وقال ابن بطال: معنى هذه الآية أن الله تعالى أوحى إلى محمد ﷺ كما أوحى إلى سائر الأنبياء وحي رسالة لا وحي إلهام؛ لأن الوحي ينقسم إلى وجوه، انتهى.
(﴿إِلَى نُوحٍ. . .﴾ إلخ)، التشبيه بنوح لا يخرج غيره، كما أن تشبيه الأسود بالغراب لا يخرج تشبيهه بالفحم وغيره، أو التشبيه بأُولي العزم من الرسل، فإن ما قبل نوحٍ كانوا أنبياءَ، واختلف في كونهم رُسُلًا، أو التشبيه بكونه رسولًا إلى الكفار، فإِن الكفر قبل نوح لم يَشعْ كشيوعه في زمان نوح، كذا في "اللامع" (١)، أو لأنه أول رسول آذاه قومُه كما وقع مثلُه لنبينا ﷺ ، كذا في "القسطلاني" (٢)، أو لأنه أول الآباء بعد الطوفان، ذكره العيني (٣).
أو لأن الوحي إلى نوح ومن بعده كان في الأحكام الشرعية، وقبله كان في الأحكام المدنية، والوحي إليه ﷺ كان من قبيل الأول دون الثاني، فإنهم قالوا: إن العالم كله بمنزلة شخص كان إلى زمن نوح زمان الطفولية، ولذا كان الوحي من قبيل الزراعة والصناعة، وكان زمن نوح ومن بعده زمان الشباب والتكليف، وزمان إبراهيم ومن بعده زمان الكهولية، ولذا خلق في هذا الزمان الفلاسفة واليونانيون، كذا أفاده شيخ الإسلام مولانا حسين أحمد المدني نوَّر الله مرقده في "تقريره"، وقد سبق إليه شيخ الهند في "تراجمه" مختصرًا.
وفي "الفيض" (٤): خص نوحًا ﵇ بذكر دون آدم؛ لأن الوحي قبله كان في الأمور التكوينية، ولم يكن فيه كثير من أحكام الحلال والحرام، كما ذكره الشاه ولي الله في رسالته "تأويل الحديث". وذكر الشاه عبد العزيز ﵀: أنه لما هبط آدم ﵇ من الجنة أعطي بذورًا للزرع، وأكثر
стр. 264
أحكامه كان من هذا القبيل، ثم تغيرت شاكلته من زمن نوح، فنزلت الأحكام والشرائع، كما يعلم من التفاسير: أن الكفر إنما ظهر في السبط السادس من قابيل، وأول رسول بعثه الله لِزَهْقِه هو نوح ﵊، ولم يكن قبله كفرٌ، ومن هنا صار لقبه: "نبي الله"، فإنه أول نبي بُعِثَ لإزهاق الكفر، والناس كلهم الآن من نسلِه، فهو آدم الثاني، ومنه نشر العالم بعد لَفِّه، كذا ذكره المؤرخون، انتهى.
(﴿وَالنَّبِيِّينَ﴾) والجمع المحلّى باللام يفيد الاستغراق، فأشار إلى أن جميع أنواع الوحي إلى جميع الأنبياء يوحى إليك.
(حدثنا الحميدي) مصنِّفٌ مشهور: أبو بكر عبد الله بن الزبير المكي القرشي (١)، بدأ المصنف بروايته لكونه قرشيًا، وقال ﵊: "قَدِّموا قريشًا" (٢) فبدأ به، أو لكونه مكيًّا وبدأ الوحي في مكة. وثَنّى برواية مالك؛ لأنه مدني، وثنَّى الوحي في المدينة، كذا في "الفتح" (٣).
ومن المناسبات في أول سند هذا الكتاب وآخر السند منه: أنهما مشتملان على مادة الحمد، فبدؤه من الحميدي، وانتهاؤه إلى أحمد بن إشكاب، فكأن فيه إشارةً إلى كون الابتداء والانتهاء محمودَيْنِ، وإشارةً إلى حسن نية المصنف في الأول والآخر، وقد يكون إشارةً إلى المداومة على الحمد ما ورد في آخر الحديث من قوله: "سبحان الله وبحمده"، فالإِنسان يحمده تعالى إلى أن يكون منتهاه الجنة التي دعوى أهلها: الحمد لله رب العالمين.
стр. 265
(حدثنا سفيان) هو ابن عيينة المكي (١)، يقال: إن الإمام جمع في أول سنده جميع أنواع التحمل من التحديث والإخبار والعنعنة والسماع، كذا في "الفتح" (٢)، وليست العنعنة في نسخنا الهندية ولكنها موجودة في نسخة "الفتح" بين سفيان ويحيى بن سعيد الأنصاري، وبسط الكلام في مقدمة "الأوجز" (٣) على الفرق بين ألفاظ التحمل هذه الأربعة، وبيانِ الفرق بين مراتبها من أن الإخبار والتحديث والإنباء كلها سواء في المرتبة، أو فيها فرق في الأولوية؟ فارجع إليه إن شئت التفصيل، وسيأتي شيء من الكلام على ذلك في كتاب العلم في "باب قول المحدث: حدثنا وأخبرنا وأنبأنا. . ." إلخ.
(حدثنا يحيى بن سعيد الأنصاري) (٤): هكذا في النسخ الهندية، وقد عرفت أنها في نسخة "الفتح" بلفظ العنعنة: عن يحيى بن سعيد، ويقال: إن الحديث متواتر عنه، فروى عنه مائتان وخمسون، وقيل: أكثر من ثلاثمائة، وقيل: سبعمائة، قال الحافظ (٥): لكني تتبعته منذ سمعت هذا فلم يبلغ مائة، انتهى.
قلت: الحديث غريبٌ فردٌ باعتبار أوله، مشهور باعتبار آخره، وليس بمتواتر كما قيل، فإنه لم يَرْوِه غيرُ عمر ﵁، ولم يرو عنه إلا علقمةُ، ولم يرو عنه غيرُ التيمي، ولم يرو عنه غيرُ يحيى بن سعيد واشتهر عنه، كذا في العيني (٦).
قال الحافظ (٧): هذا الحديث متفق على صحته، أخرجه الأئمة
стр. 266
المشهورون إلا "الموطأ"، ووهم من زعم أنه في "الموطأ" مغترًا بتخريج الشيخين له، والنسائي من طريق مالك.
وقال أبو جعفر الطبري: قد يكون هذا الحديث على طريقة بعض الناس مردودًا لكونه فردًا؛ لأنه لا يروى عن عمر إلا من رواية علقمة، ولا عن علقمة إلا من رواية محمد بن إبراهيم، ولا عن محمد بن إبراهيم إلا من رواية يحيى بن سعيد، وهو كما قال، فإنه إنما اشتهر عن يحيى بن سعيد وتفرَّد به مَن فوقه، وبذلك جزم الترمذي والنسائي وجماعة.
وأطلق الخطابي نفي الخلاف بين أهل الحديث في أنه لا يُعْرَف إلا بهذا الإسناد، وهو كما قال، لكن بقيدين:
أحدهما: الصحة؛ لأنه ورد من طرق معلولة ذكرها الدارقطني وغيره.
قلت: بسط العيني (١) في طرقها وأسماء الصحابة الذين روي عنهم هذا الحديث.
وتعقب السيوطي كلام الحافظ، إذ قال في شرح "الموطأ" (٢): في رواية محمد بن الحسن عن مالك، أحاديث يسيرة زائدة على سائر الموطآت، منها حديث الأعمال بالنيات، انتهى، كذا في "السعاية"، وهو كذلك، فالحديث في آخر "الموطأ" لمحمد في باب النوادر.
وما قال الحافظ: وهم من زعم. . . إلخ، أراد به الحافظ ابن دحية.
قال الحافظ (٣): ثانيهما - أي: ثاني القيدين -: السياق؛ لأنه ورد في معناه عدة أحاديث صحَّتْ في مطلق النية، كحديث: "يُبْعَثُون على نياتهم"، وحديث: "ولكن جهادٌ ونية"، وحديث: "رُبَّ قتيل بين الصفين، الله أعلم بنيته"، وحديث: "من غزا وهو لا ينوي إلا عقالًا فله ما نوى"، ذكر الحافظ تخريج هذه الروايات، ثم قال: وغير ذلك مما يتعسَّر حصرُه.
وعُرِفَ بهذا التقرير غلطُ من زعم أن حديث عمر ﵁ متواتر، إلا إن
стр. 267
حُمِلَ على التواتر المعنوي فيُحتمل، نعم قد تواتر عن يحيى بن سعيد. . . إلى آخر ما بسطه.
وقد نقل المنذري في "الترغيب" (١) عن بعض المتأخرين تواتُرَه ثم ردَّه، وزعم أبو عبد الله الأُبيُّ أن ابن الصلاح ادعى تواتره، وهذا وهمٌ، فإن ابن الصلاح ادعى انحصار المتواتر في حديث: "من كذب عليّ متعمدًا" كما ذكره الحافظُ ابن حجر (٢)، وتلميذه السخاوي (٣). وقال النووي في "شرح مسلم" (٤): قال الأئمة: ليس هو متواترًا وإن كان مشهورًا عند الخاصة والعامة؛ لأنه فقد شرط التواتر في أوله، انتهى.
ومن العجائب أن الحديث الأول من جامع البخاري على القول المشهور غريب كما رأيتَ، والحديث الآخر من الكتاب وهو: "كلمتان حبيبتان إلى الرحمن"، الحديث أيضًا غريب. كما ذكر في آخر هامش "اللامع" (٥): أن الحديث تفرد به محمد بن فضيل وشيخه وشيخ شيخه وصحابيه كما في "الفتح" (٦)، فلا يتوحش من ينظر كثيرًا بين سطور "الهداية" في الفقه الحنفي لفظ "قلت: غريب"؛ لأن الغرابة لا تستلزم الضعف، وإن كان الغريب قد يستعمل بمعنى الشاذ أيضًا، فتنبه لذلك.
(على المنبر) وُضِعَ سنة سبع أو ثمان، ورجّحه في "البذل"، وفيه أقوال عديدة: من الثانية إلى التاسعة، بسطت في هامشي على "البذل" (٧) وأكثر منها في رسالتي "الوقائع والدهور"، يقال: إن عمر ﵁ لما ذكره في الخطبة كما يدل عليه لفظ "على المنبر" أقام الإمام البخاري الحديث مقام خطبة الكتاب.
قال العيني (٨) في بيان تعلق الحديث بالترجمة: الثالث: إنما أتى به على قصد الخطبة.
стр. 268
وقال محمد بن إسماعيل التيمي: لما كان الكتاب معقودًا على أخبار النبي ﵇ طلب المصنف تصديره بأول شأن الرسالة وهو الوحي، ولم ير أن يقدِّم عليه شيئًا لا خطبةً ولا غيرَها، بل أورد حديث: "إنما الأعمال بالنيات" بدل الخطبة.
وقال بعضهم: ولهذه النكتة اختار سياق هذه الطريق؛ لأنها تضمنت أن عمر بن الخطاب ﵁ خطب بهذا الحديث على المنبر، فلما صلح أن يدخل في خطبة المنابر كان صالحًا أن يدخل في خطبة الدفاتر. ولكن تَعَقَّبَ على هذا التوجيه العينيُّ، فارجع إليه لو شئت.
وأيضًا ورد أنه ﵇ خطب به حين قدم المدينة مهاجرًا، فناسب إيراده في بدء الوحي؛ لأن الأحوال التي كانت قبل الهجرة كانت كالمقدِّمة لها.
(سمعته يقول) أي: حال كونه يقول؛ لأن "سمعت" لا يتعدى إلى مفعولين، واختار الفارسي أن ما بعد "سمعت" إن كان مما يُسْمَعُ، كسمعتُ القرآن، تَعَدَّت إلى مفعول واحد، وإلا كما هنا تَعَدَّتْ إلى مفعولين، فجملة "يقول" على هذا مفعولٌ ثانٍ، انتهى مختصرًا من "القسطلاني" (١).
وقال القاري في "المرقاة" (٢): الأول قول الجمهور، انتهى.
(إنما الأعمال بالنيات): كذا ها هنا بمقابلة الجمع بالجمع، يعني كل عمل بنيته، وقال بعضهم: كأنه أشار إلى أن النية أيضًا تتنوع كما تتنوع الأعمال، كمن قصد بعمله وَجْهَ الله ، أو تحصيلَ موعوده، أو الاتقاءَ لوعيده، ووقع في معظم الروايات بإفراد النية.
ووجهه: أن النية فعل القلب وهو واحد، ولأن النية ترجع إلى الإخلاص وهو واحد، كذا في "الفتح" (٣)، ثم أورد على الإمام عدمُ المناسبة من بين الحديث والترجمة.
стр. 269
ووُجِّهَ بوجوه:
فقيل: الحديث بمنزلة الخطبة كما تقدم، وقيل: لمجرد تصحيح نية القارئ، وقيل: تنبيه على أن المصنف راعى في الكتاب حسن نيته.
وأورد على الثلاثة المذكورة أنه كان حقه أن يقدم على الترجمة.
وأجيب: بأنه أَخَّرَ الحديث عن الوحي تنبيهًا على أن المنويَّ المذكورَ في الحديث هو الذي يعتبر عند الشارح، ومداره على الوحي، ووُجِّهَ اهتمامًا بشأن الآية.
وقيل: من الناسخين، وتعقب: بأن النُّسَخ متوافرة على ذلك.
ووُجِّهَ: بأن الحديث أيضًا من الوحي، وتعقب: بأن الباب بدء الوحي، فالأوجه في الجواب أن الترجمة بمدلول التزاميٍّ عظمة الوحي، وثبت بالوحي لخلوص نيته ﷺ كما مرّ في الأصل الحادي والعشرين من الأصول السبعين.
وأجاد في "اللامع" (١) في بيان المناسبة، وبسط الكلام عليها.
وحاصلها: أن بعض الأعمال كثيرًا ما يترتب عليها بعض الفواضل، ويدلُّك عليه قولُه ﵊: "أسلمتَ على ما أسلفتَ من خير" (٢).
وعلى هذا فالحديث بيان لبدء الوحي، أن السبب في بدء الوحي إليه ما جُبِلَ عليه النبي ﷺ من إخلاص النية وخلوص النصيحة لله ربِّ العالمين، ولسائر خليقته، والتوجيه المذكور فيه مبني على أن لفظة "كيف" كما يسأل بها عن كيفية الشيء وصفته، فكذلك هي مسؤولة بها سببُ وجود الأمر وحدوثه، يقال: كيف جئتَ؟ والمقصود ليس هو استفسار كيفية مجيئه بل سبب إتيانه. . . إلى آخر ما بسط في "اللامع" (٣).
стр. 270
وفي الحديث مسألة شهيرة خلافية وهي: الصحة أو الإثابة، ويؤيدنا: أن إزالة النجاسة عن الثوب مثلًا لا تحتاج إِلى النية في الطهارة، وله نظائر تُنْظَر من "القسطلاني" (١)، فكذا الحدث لا يحتاج إلى إزالته إلى النية عندنا بخلاف غيرنا كما هي مبسوطة في كتب الفقه.
وكتب الشيخ في "البذل" (٢): لفظ "إنما" للحصر، فالتقدير: إنما الأعمال تعتبر إذا كانت بنية، ولا تعتبر إذا كانت بلا نية، ولا يمكن ها هنا نفس الأعمال لثبوتها حِسًّا وصورةً من غير اقتران النية بها، فلا بد من إضمار شيء يتوجه إليه النفي، ويتعلق به الجار، فقيل: التقدير: صحيحة أو تصح، كما هو رأي الشافعي وأتباعه، وقيل: كاملة أو تكمل، على رأي أبي حنيفة وأصحابه.
والأظهر أن المقدَّر: معتبرة أو تعتبر، ليشمل الأعمال كلَّها، سواء كانت عباداتٍ مستقلاتٍ كالصلاة والزكاة، فإن النية تعتبر لصحَّتها إجماعًا، أو شروطًا في الطاعات كالطهارة وستر العورة، فإنها تعتبر لحصول ثوابها اتفاقًا لعدم توقف الشروط على النية في الصحة، خلافًا للشافعي في الطهارة، فعليه بيان الفرق، أو أمورًا مباحة، فإنها قد تنقلب بالنيات حسناتٍ، كما أنها قد تنقلب سيئات بلا خلاف، غاية ما في الباب أن متعلق الصحَّة والكمال يعرف من الخارج ولا محظور فيه.
قال القاري (٣): واستثني بعضُ الأعمال من هذا العموم كصريح الطلاق والعتاق؛ لأن تعيين الشارع هذه الألفاظَ لأجل هذه المعاني بمنزلة النية، ولا يخفى أن هذه إنما هو بالنسبة إلى الصحة والجواز، وأما بالنسبة إلى الثواب فلا بد من تصحيح النية، انتهى.
стр. 271
والحديث المذكور أحد الأحاديث الأربعة التي انتخبها الإمام أبو داود (١) من خمسمائة ألف، وهذا أحدها.
والثاني: "لا يكون المؤمن مؤمنًا حتى يرضى لأخيه ما يرضى لنفسه".
والثالث: "من حسن إسلام المرء تركُه ما لا يعنيه".
والرابع: "الحلال بيِّن والحرام بيِّن، وبينهما أمور مشتبهة" الحديث، وقد روي بألفاظ مختلفة، انتهى.
وسبقه الإمام أبو حنيفة إذ انتخب من خمسمائة ألف، وزاد على الأربعة المذكورة حديثًا خامسًا، وهو: "المسلم من سَلِمَ المسلمون" الحديث، ولعل الإمام أبا حنيفة زاده اهتمامًا لشأنه، والإمام أبو داود حذفه لدخوله في الحديث الثاني: "لا يكون المؤمن مؤمنًا" الحديث، وبسط الكلام على ذلك في "الأوجز" (٢).
وفيه قال شيخ مشايخنا الشاه عبد العزيز الدهلوي في "البستان" (٣) بعد قول أبي داود: هو كذلك، فإن الأول يكفي لتصحيح العبادات، والثاني لمعرفة الحقوق، والثالث لمحافظة الأوقات، والرابع لرفع الشك والتردد من اختلاف العلماء وغيره، انتهى.
وقال الإمامان الشافعي وأحمد بن حنبل: حديث النيات ثُلُث العلم، قاله النووي في "شرح البخاري" (٤).
وقال المتأخرون: مدار الإسلام على حديث واحد وهو حديث جرير: "الدين النصيحة".
كما بسط الكلام عليه في هامش "اللامع" (٥) في آخر كتاب الإيمان، وفيه: قال الحافظ (٦): هذا من الأحاديث التي قيل فيها: إنها أحد أرباع
стр. 272
الدين، وممن عدَّه فيها الإمامُ محمدُ بنُ أسلم الطوسي، وقال النووي: بل هو وحده محصل لغرض الدين كله؛ لأنه منحصر في الأمور التي ذكرها، انتهى.
(وإنما لكل امرئ ما نوى): جنح القرطبي إلى أنها مؤكِّدة للجملة الأولى، وقال غيره: بل تفيد غير ما أفادته الأولى، كما بسط الحافظ في "الفتح" (١) أشد البسط.
والأوجه عند هذا العبد الضعيف: أن الجملة الأولى: بيان لمدار الثواب على العبادة، فلا يحصل إلا بالنية، والجملة الثانية: تعميم لكثرة النية في عمل واحد، كما بسطه الشيخ قطب الدين في "مظاهرِ حق" (٢) على "المشكاة" بالأردية أشد البسط أيضًا: أن الرجل مثلًا إذا نوى في دخول المسجد الاعتكافَ، والتجنبَ عن المعاصي، وانتظارَ الصلاة، والتبتلَ إلى الله ﵎، وتحصيلَ العلم، ومجالسةَ الصالحين، ولقاءَ المسلمين، وغيرَ ذلك من الأمور الكثيرة، فيحصل له ثواب كل ما نوى، انتهى.
وما يَرِدُ عليه أن من صام رمضان نفلًا يقع فرضًا، بسط في جوابه القسطلاني (٣) وقال: لا يرد على دعوى الحصر نحوُ صوم رمضان بنية قضاء أو نذر، حيث لم يقع له ما نوى؛ لعدم قابلية المحل. . . إلى آخر ما بسطه.
(فمن كانت هجرته إلى دنيا. . .) إلخ، واختلف في أن حَذْفَ الجملة الأولى وهي قوله ﷺ : "فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله" من البخاري أو من شيخه الحميدي؟ وقد روي عن الحميدي بكلتا الجملتين كما بسطه الحافظ (٤)، انتهى.
والدنيا مشتق من الدنو بمعنى القرب والدناءة.
стр. 273
واختلفوا في حقيقة الدنيا كما بسطه أهل السلوك، وقالوا: إن الدنيا غفلة عن الله ﵎، لا المال والأهل والمتاع.
قال العارف الرومي:
جيست دنيا از خدا غافل بودن … نى قماش ونقره وفرزند وزن
قال النووي (١): ذكر الإمام البخاري الحديث المذكور في سبعة مواضع من "صحيحه"، فذكره هنا، ثم في "الإيمان"، وفي "النكاح"، و"العتق "، و"الهجرة"، و"ترك الحِيَل"، و"النذور"، انتهى.
قلت: ذكر الإمام الحديث في ستة مواضع بكلتا الجملتين، وحذف الأولى في الموضع الأول، وأورد عليه حبيبي المولوي بدر عالم المهاجر المدني المرحوم لَمّا حضرتُ المدينةَ المنورةَ في سنة ثلاث وثمانين، وقال: كان حق المؤلف أن يذكر الحديث في أول موضعه بتمامه ويختصر فيما بعدُ، وقال: لم أظفر على جوابٍ شافٍ لهذا، فوقع في نفسي على سؤاله أن دفع المضرة لمَّا كان أهمَّ من جلب المنفعة، وكان هذا موضع البداية، فلعل المصنف ﵀ أراد أن يُنَبِّهَ الطالبين على التحرز عن فساد النية في أول كتابه.
وقد قال الحافظ (٢): فالجواب ما قاله أبو محمد علي بن أحمد بن سعيد الحافظ في أجوبة له على "البخاري": إن أحسن ما يجاب به هنا أن يقال: لعل البخاري قصد أن يجعل لكتابه صدرًا يستفتح به على ما ذهب إليه كثير من الناس من استفتاح كتبهم بالخطب المتضمنة لمعاني ما ذهبوا إليه من التأليف، فكأنه ابتدأ كتابه بنية ردّ علمها إلى الله تعالى، فإن علم منه أنه أراد الدنيا أو عَرَّضَ إلى شيء من معانيها فسيجزيه بنيته، ونكب عن أحد وجهَي التقسيم مجانبة للتزكية التي لا يناسب ذكرها في ذلك المقام، انتهى ملخصًا.
وحاصله: أن الجملة المحذوفة تشعر بالقربة المحضة، والجملة المبقاة
стр. 274
تحتمل التردد بين أن يكون ما قصده يحصل القربة أو لا، فلما كان المصنف كالمخبر عن حال نفسه في تصنيفه هذا بعبارة هذا الحديث حَذَفَ الجملة المشعرة بالقربة المحضة فرارًا من التزكية، وأبقى الجملة المترددة المحتملة تفويضًا للأمر إلى ربه المطلع على سريرته المجازي بمقتضى نيته، انتهى.
وقد اشتُهر أن سبب هذا الحديث قصة مهاجر أم قيس، المروية في "المعجم الكبير" (١) للطبراني بإِسنادٍ رجالُه ثقات: عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه قال: "كان فينا رجل خطب امرأة يقال لها أم قيس، فأبَتْ أن تتزوَّجه حتى يهاجِرَ، فهاجَرَ فتزوَّجها، فكنا نسميه مهاجِرَ أم قيس".
ولم يقف ابن رجب على من خَرّجه فقال: ذكره كثير من المتأخرين في كتبهم، ولم نر له أصلًا بإسناد صحيح، هكذا قال القسطلاني (٢)، لكن ذكر ابن رجب في "شرح الأربعين" حديث مهاجر أم قيس، ثم قال: رواه وكيع في كتابه، وقد اشتهر أن قصة مهاجر أم قيس هي كانت سبب قول النبي ﷺ : "من كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة ينكحها"، وذكر ذلك كثير من المتأخرين في كتبهم، ولم نر لذلك أصلًا يصح، انتهى.
ومال إليه الحافظ إذ قال بعد ذكر حديث أم قيس: لكن ليس فيه أن حديث الأعمال سيق بسبب ذلك، ولم أر في شيء من الطرق ما يقتضي التصريح بذلك (٣)، انتهى.
واسم المرأه: قَيْلَة، وأما الرجل فلم يسمِّه أحد ممن صَنَّفَ في الصحابة، وهذا السبب وإن كان خاصَّ المورد، ولكن العبرة بعموم اللفظ، والتنصيص على المرأة من باب التنصيص على الخاص بعد العام للاهتمام، قاله النووي في "شرح البخاري" (٤).
стр. 275
(أم المؤمنين) تغليبًا، وتدخل فيه النساء، ولكن صح عن عائشة ﵂: "أنا أمُّ رجالكم لا أمُّ نسائكم"، وهي باعتبار الشرافة والكرامة وتحريم نكاحهن لا في جواز الخلوة وتحريم نكاح بناتهن، كذا في "القسطلاني" (١)، لا يقال: إن الآية: ﴿وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ﴾ [الأحزاب: ٦] قطعية، فلم تتناول جميع الأحكام؛ لأن الآية الأخرى: ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ [الأحزاب: ٥٣] تدل على إيجاب الحجاب، فالجمع بين الآيتين يدل على ما تقدم.
وقال ابن العربي في "أحكام القرآن" (٢): اختلف الناس هل هن أمَّهات الرجال والنساء، أم هنَّ أمَّهات الرجال خاصة؟
فقيل: ذلك عام في الرجال والنساء، وقيل: خاص للرجال؛ لأن المقصود بذلك إِنزالُهن منزلةَ أمهاتهم في الحرمة حيث يتوقع الحِلّ، والحِلّ غير متوقع بين النساء، فلا يحجب بينهن بحرمة.
وقد روي أن امرأة قالت لعائشة: يا أماه، فقالت: لستُ لكِ بأمٍّ، إنما أنا أم رجالكم، وهو الصحيح، انتهى.
وفي "الطحاوي" (٣) عن حكّام الرازي قال: قال أبو حنيفة: كان الناس لعائشة محرمًا، انتهى. (٤)
(كيف يأتيك الوحي) أجاب ﵊ بالصورتين فقط، وقد قالوا: يأتي الوحي بسبعة أوجه أو أكثر، كما تقدم، وأجاب عنه في "اللامع" (٥) بأن الاقتصار على ذكر القسمين اقتصار على معظم أنواعه، أو يكون ذكر الأقسام الباقية أيضًا، ولكنه لم يذكرها بعض الرواة، وهذا مبني على
стр. 276
أن السؤال عن كل أقسام الوحي، ولكن الظاهر أن مسألته كانت عمَّا يوحى عليه من الكيفية التي تنزَّل عليه الوحي من الله في أكثر أحيانه وغالب أزمانه.
والجواب إذ ذاك يمكن إيراده على ثلاثة أوجه: بيان كيفية الوحي لنفسه، أو الموحي وهو الملَك، أو الموحى إليه وهو الرسول ﷺ ، إلى آخر ما بسط في "اللامع" (١).
(وأحيانًا يأتيني مثلُ صلصلة الجرس) أصله صوت وقْع الحديد بعضه على بعض، ثم أُطلق على كل صوت له طنين، وفي مصداقه ستة أقوال:
١ - صوته تعالى القديم، واختاره مولانا السيد أنور شاه في "الفيض" (٢).
٢ - تخليق الصوت من الله في الموحى به بكمال قدرته، كذا في "الأوجز" (٣).
٣ - الصوت الأصلي للملَك.
٤ - صوت أجنحة جبرئيل.
٥ - وحكي عن شيخ الإسلام المدني ﵀، أنه صوت مجيء جبرئيل، كما يسمع صوت قطار سكة الحديد - رين إنجن - من المسافة البعيدة بنحو خمسة أميال بل أكثر من ذلك.
قلت: وأورد عليه بعض الطلبة أنه لوكان كذلك لكان ينبغي أن يكون محسوسًا للكل، ويرد هذا الإيراد على الأجنحة أيضًا، ويمكن التفصِّي عنه بأن إحساسه من باب الكشف، كما ورد أن جبرئيل يبسط أجنحته ليلة القدر، ولا يكشف هذا إلا لأهل الكشف ولا يظهر لغير أهله، كما لا يسمع الأصم الصوت.
стр. 277
٦ - ومال شيخ المشايخ الشاه ولي الله الدهلوي في "تراجمه" أنه أثر تعطل الحواس، إذ قال: أعلم أن من تعطلت حاسة من حواسه يظهر له في تلك الحاسة ما لا يتميز فيه، مثل من تعطلت حاسته البصرية يرى ألوانًا مختلفة متكثرة، ومن تعطلت حاسته السمعية يسمع أصواتًا ممتزجة مختلفة غير متميزة، فقوله: "مثل صلصلة الجرس"، عبارة عن تعطل حاسة السمع عن مسموعات عالم الشهادة، لكي يتفرغ لحفظ ما أوحي عليه، ويعيه كما هو حقه، فتدبر.
وأشكل عليه أن صوت الجرس مذموم لصحة النهي عنه كما في "مسلم" و"أبي داود"، فكيف يشبه به ما فعله الملك مع أن الملائكة تنفر عنه؟
وأجيب: بأنه لا يلزم من التشبيه تساوي المشبَّه والمشبَّه به في جميع الصفات، كمن شَبَّه رجلًا بالأسد فيكون التشبيه في شجاعته لا في نتن رائحة الفم، فذكر ما ألِفَ السامعون سماعه تقريبًا لأفهامهم كما قيل في توجيه العتمة.
فإن قيل: قد روي عن عمر عند أبي داود: "كنا نسمع عنده مثل دَويِّ النحل" (١)، وها هنا كصلصلة الجرس وبينهما تفاوت، أجيب: بأن ذلك بالنسبة إلى الصحابة، وهذا بالنسبة إلى النبي ﷺ ، كذا أفاده الشراح.
والأوجه عندي أنه ليس بحقيقة، بل تقريب وتشبيه، فلا يخالف أيضًا ما ورد: "إذا قضى الله في السماء أمرًا ضربَتْ الملائكةُ بأجنحتها خضعانًا لقوله كأنها سلسلة على صفوان"، انتهى مختصرًا من "الأوجز" (٢).
(وهو أشده عليّ) لكون الصوت لم يفهم، أو لانقطاعه إلى عالم
стр. 278
الملكوت كما يعتري للذاكرين إذا أثّر الذكرُ فيهم، وذكر في هامش "اللامع" (١) في بيان شدة ما يعتري النبيَّ ﷺ من التعب والكرب حتى يتفصَّد جبينه عرقًا، وقد قال عزّ اسمه: ﴿إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا﴾ [المزمل: ٥].
(فيفصم) فيه ثلاث روايات: أشهرها: فتح التحتية وكسر المهملة، والثانية: بضم أوله وكسر الثالثة، والثالثة: بضم أوله وفتح الصاد على البناء للمجهول، يقال: أفصم المطر إذا أقلع، كما في "الأوجز" (٢).
(الملك رجلًا) نصب على المصدرية، أي: تَمَثُّلَ رجلٍ، أو حال، ورجح العيني (٣) نصبه بنزع الخافض، والملَك مشتق من الألوكة بمعنى الرسالة، هذا قول سيبويه والجمهور، وأصله: لاك، وقيل: أصله الملك بفتح ثم سكون، وهو الأخذ بالقوة، وقيل: مخفف من مالك، والبسط في هامش "اللامع" (٤).
(وإن جبينه ليتفصد عرقًا) يشكل عليه ما سيأتي من قوله: "زَمِّلوني" ذكر في هامش "اللامع" (٥) الجمع بينهما، والأحسن أن يقال: إن قولها: "ليتفصد عرقًا": حالة عامة كانت في أكثر أحوال النزول، كما هو ظاهر من الأحاديث الواردة في أحوال نزول الوحي من أنه ﷺ كانت تأخذه الشدةُ وقت النزول حتى لو كان على بعير لبرك لشدة الثقل، وأوحي إليه مرة وفخذه على فخذ زيد بن ثابت فثقل على زيد حتى قال زيد: خفتُ أن ترضّ فخذي، وكانت تأخذه البرحاء في اليوم الشاتي حتى إِنه ليتحدر منه مثلُ الجمان، وغير ذلك من الروايات الكثيرة.
وأما قوله ﷺ : "زملوني" فكان في أول الأمر، فإنه ﷺ كانت تأخذه الحمى في أول أمره فيحتاج إلى التزمُّل والتلفُّف، ثم لما اعتادت نفسه
стр. 279
الشريفة ذهبت عنه تلك الهيبة التي كانت تأخذه الحمَّى بسببها، وأما الشدة فبقيت في أكثر أحوال النزول، والمناسبة بالترجمة بأن هذه الحالة الواردة في الحديث مبدأ لكل وحي يكون مثل هذا النوع.
(وكان يخلو بحراء) وهو مأخذ الصوفية في التجرُّد، ولعلَّهم خصُّوه بالأربعينية لقصة موسى ﵇ ﴿وَوَاعَدْنَا مُوسَى﴾ الآية [الأعراف: ١٤٢]، ولحديث النطفة والعَلَقة والمضغة، فإن التغير فيها في الأربعينات، فعُلم أن له دخلًا خاصًّا في تغير الأحوال، وبسط القسطلاني (١) في تخصيص جبل حراء للتعبد، قال السهيلي في "الروض" (٢): وهو الجبل الذي نادى رسول الله ﷺ حين قال له ثبير وهو على ظهره: اهبط عني فإني أخاف أن تُقْتَلَ على ظهري فأعذَّب، فناداه حراء: إليَّ إليَّ يا رسول الله ﷺ ، انتهى.
(فيتحنث) من التحنُّث، وهو إلقاء الحنث، فإن التفعُّل تأتي لسلب المأخذ، وقيل: هو بمعنى يتحنَّف، أي: يتبع الحنيفية وهي دين إبراهيم، والفاء تبدل ثاءً في كثير من كلامه، وقد وقع في رواية ابن هشام في "السيرة" يتحنَّف بالفاء، كذا في "الفتح" و"القسطلاني" (٣).
قال ابن هشام (٤): تقول العرب: التَّحَنُّث والتَّحَنُف، يريدون الحنيفية، فيبدلون الفاء بالثاء، كما قالوا: جَدَفَ وجَدثَ، يريدون القبر، انتهى.
(وهو التعبد) تفسير للتحنث من أحد الرواة وهو الزهري، كما جزم به الطيبي فسَّره به مجازًا، و"الليالي" ظرف ليتحنث لا التعبد، وذكرُ الليالي يتناول الأيامَ بالأَولى، فإن البارزين إلى الفلوات يرجعون إلى بيوتهم في الليالي، فلو قال: أيامًا، لأوهم الرجوع إلى البيت في الليل، ويشكل أن العبادة لم تُشرع بعدُ، فالجواب أنهم اختلفوا في كيفية تعبُّده بناءً على أنه هل كان متعبدًا بشرع سابق أو لا؟ ففيه ثلاثة أقوال:
стр. 280
الأول: أنه لم يكن متعبدًا بشرع سابق، قال في "الدر المختار" تبعًا لصاحب "البحر": وهو المختار عندنا، قال ابن عابدين (١): نسبه في "التقرير الأكملي" إلى محققي أصحابنا، قال: لأنه ﵊ قبل الرسالة في مقام النبوة لم يكن من أمة نبي قط، انتهى.
قلت: وعزاه القاضي عياض، والحافظ ابن حجر، وعمر بن نجيم في "النهر الفائق" (٢) إلى الجمهور.
قال القاضي عياض في "الشفاء" (٣): واحتجوا بأنه لو كان كذلك لَنُقِل، ولَمَا أمكن كتمُه وسترُه في العادة، إذ كان من مهم أمره، وأولى ما اهْتُبِلَ به من سيرته، ولفخر به أهل تلك الشريعة، وَلاحْتجوا به عليه، ولم يُؤْثَرْ شيء من ذلك جملةً.
والقول الثاني: الوقف، ذهب إليه إمام الحرمين، والغزالي، وابن الأنباري، وغيرهم، واختاره السبكي.
والقول الثالث: أنه كان متعبّدًا بشرع سابق، قال ابن بدران الحنبلي في "المدخل": كان نبينا ﷺ قبل البعثة متعبّدًا في الفروع بشرع مَن قبله عند القاضي والحلواني، وأومأ إليه أحمد، واختاره ابن الحاجب والبيضاوي وابن الهمام.
ثم اختلفوا في تعيينه، فقيل: آدم، وقيل: نوح، وقيل: إبراهيم، واختاره ابن عقيل والمجد ابن تيمية، وقيل: موسى، وقيل: عيسى، وقيل: بجميع الشرائع، حكاه بعض شراح "المحصول" عن المالكية، قال ابن الهمام (٤): والمختار أنه متعبد بما ثبت أنه شرع إذ ذاك، إلا أن يثبتا متضادين فبالأخير لعدم معلومية طريقه فيما ركن إليه، انتهى.
стр. 281
وعلى القول الأول بماذا كان يتعبد؟ قيل: بما يُلقى إليه من أنوار المعرفة، وقيل: بما يحصل له من الرؤيا، وقيل: بالتفكر، وقيل: باجتناب رؤية ما كان يقع من قومه.
(حتى بلغ مني الجهد): برفع الدال على الفاعلية، أي: بلغ الجهد مبلغه، وبالنصب على المفعولية، أي: بلغ الغطُّ مني جهدَه، أي: غايته، أو بلغ جبرئيل جهدَه وقوتَه.
وأشكل بأن البشر لا يطيق غاية جهد الملك، ويزيد هذا الإشكال في قصة صك موسى ﵇ وَجْهَ عزرائيل ﵇ حتى فُقئت عينه، وقد ذكر على هذا الحديث الكلام في "اللامع" (١) وهامشه في "كتاب الجنائز" مفصَّلًا حتى أنكر بعض الجهلة هذا الحديث، فارجع إليه لو شئت التفصيل.
والجواب عن أصل الإشكال: بأن من تزيَّا بزيِّ غيره فإنه تنتقل إليه جميع ميزات ذلك الشيء، لذا ترى أن الجن عندما يكونون في زي الثعابين والعقارب فإنهم يموتون بضربة أو ضربتين فقط، كما تشهد عليه الوقائع الكثيرة، مع أنها لو كانت في زيها الأصلي لما استطاع أحدٌ الوقوفَ لها البتة، فكذلك لما كان جبرئيل ﵊ في زيِّ رجلٍ فجهدُه لا يتعدى جهدَ الرجال المعتاد، وتحمُّلُ النبي ﷺ كان أكثرَ من ذلك، فلا إشكال مطلقًا، ولذا لا يشكل فقء عين عزرائيل ﵇ بصك موسى ﵊، لكن قال القاري (٢): لا يلزم من تشكُّلِ الملَك بصورة الآدمي وتبدُّلِه عن أصل هيئته الملَكية سلبُ القوة عنه ونفي الغلبة منه، فإن الأمر المعنوي لا يتغير بتغير الهيكل الصوري، انتهى.
وقال الحافظ (٣): ما المانع أن يكون قَوّاه الله على ذلك ويكون
стр. 282
من جملة معجزاته، ثم رجَّح الحافظ رواية الرفع فقال: والترجيح هنا متعين لاتحاد القصة، ورواية الرفع لا إشكال فيها، وهي التي ثبتت عن الأكثر فترجَّحَتْ، وإن كان للأخرى توجيه، وقد رجَّح شيخُنا البُلقينيُّ بأن فاعل "بلغ" هو الغط، والتقدير: بلغ مني الغطُّ جهدَه، أي: غايته، فيرجع الرفع والنصب إلى معنى واحد، وهو أولى، انتهى.
ثم التثليث إشارة إلى أن المؤدِّب لا يزيد الضربَ على ثلاثة مرَّات، حكاه السُّهيلي (١) عن شريح القاضي التابعي، وقيل: الغطة الأولى للتخلي عن الدنيا، والثانية للتفرغ لما يوحى إليه، والثالثة للمؤانسة، كذا في "القسطلاني" (٢).
والأوجه عندي أن الأولى لحصول النسبة الإلقائية، والثانية لحصول النسبة الإصلاحية، والثالثة: لحصول النسبة الاتحادية، فالتوجه عند العارفين أربعة أنحاء: انعكاسي، وإلقائي، وإصلاحي، واتحادي، وتفصيل هذه التوجهات الأربعة في هامش "اللامع" (٣) بذيل هذا الحديث جدير بأن يُنْظَر.
ولم يحتَجْ ﷺ إلى الأولى؛ لأنها حصلت بمجرد لقاء جبرئيل ﵇ لصفاء قلبه ﷺ بالخلوة في حِراء ستة أشهر، ولا يقال: إِنه يلزم منه فضل جبرئيل ﵇ على رسول الله ﷺ ؛ لأنه أمر ابتدائي، وأول أحواله ﷺ ، ثم ترقَّى النبي ﷺ بعد ذلك كل يوم حتى سبق على جبرئيل بمراحل، إلى أن قال جبرئيل:
اكَر يك سر موـ> برتر برم … فروغِ تجلي بسوزد برم
فلما ارتقى ﷺ إلى هذه المرتبة العليَّة قبل الهجرة بكثير، فما ظنك فيما ارتقى ﵊ بعد ذلك.
وقد يقال: إنهم ذكروا ثلاث عوالم: الأول: عالم الناسوت، والثاني: عالم الملكوت، والثالث: عالم اللاهوت.
стр. 283
فيقال: إن النبي ﷺ وإن كانت النبوة كامنة فيه، ففي حديث أبي هريرة عند الترمذي وغيره: "قالوا: يا رسول الله! متى وجبت لك النبوة؟ قال: وآدم بين الروح والجسد" (١)، وقد ورد في هذا المعنى أحاديث كثيرة ذكرها السيوطي في "الخصائص" (٢)، ولكن كان النبي ﷺ قبل إتيان جبرئيل إليه في عالم الناسوت متصفًا بصفات الإنسان، فلما أتاه جبرئيل وغطّه ذهبت عنه ما هو من صفات الناسوت، ودخل في عالم الملكوت الذي هو عالم الملائكة الذي من لوازمه التجرُّدُ والانقطاعُ عن ملابسات الناس، والانخلاعُ عن لوازم البشرية، وبعد ذلك ترقَّى النبي ﷺ حتى وصل إلى عالم اللاهوت الذي هو كناية عن حضرة الربوبية، فحصل ما حصل مما لا يأتي في البيان، والله أعلم.
(﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ الآية) لا يقال: فيه تكليف بما لا يطاق؛ لأنه ليس تكليف بل تلقين، كما يقول المعلِّم لتلميذه، ظنه النبي ﷺ تكليفًا فقال: "ما أنا بقارئ"، وقيل: كان في يد جبرئيل ﵇ ثوب حرير مكتوب عليه هذه الآيات، فالجواب إِذًا: أنه لم يكن داخلًا فيما لا يطاق، لكنه ﷺ ظنه كذلك هضمًا لنفسه، كذا في بعض تقارير شيخ الإسلام المدني، وقصة ثوب حرير إنما وقعت في مرسل عُبيد بن عمير الليثي عند ابن إسحاق وهو منام، كما ذكره ابن إسحاق مفصَّلًا، كما في "الفتح" (٣) وغيره.
ثم مسألة تكليف ما لا يطاق خلافية: جَوَّزَتْه الأشاعرة، ومنعته الحنفية والمعتزلة، كما في "المسايرة" (٤) وشروحها. وفي "البداية" (٥) بهذه الآيات لطائف ذكرها الشرَّاح، ثم اختلف في أول ما نزل، والجمهور على أنه خمس آيات من ﴿اقْرَأْ﴾ إلى قوله: ﴿مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾.
стр. 284
وورد عن علي ﵁: أول ما نزل سورة الفاتحة، وقيل: أول ما نزل ﴿الْمُدَّثِّرُ﴾، والجمع أن هذه الآيات أول ما نزل مطلقًا، ثم الفاتحة، ثم المدثر باعتبار تواتر النزول، فإنه فتر الوحي قبلها ثلاث سنين، كذا في "التفسير العزيزي"، وبسط الكلام على ذلك في هامش "اللامع" (١) في "كتاب التفسير" أشد البسط، والقول الأول صحَّحه القاضي ابن العربي، والقاضي عياض، وابن كثير، وابن القيم (٢)، وقال النووي (٣): هذا هو الصواب الذي عليه الجماهير من السلف والخلف، انتهى.
ولا يذهب عليك أنه استدل بهذا الحديث على أن البسملة ليست من السورة، وهي مسألة مشهورة أجملَ الكلام عليها في "الأوجز" (٤)، وبسط في هامش "اللامع" (٥).
وحاصل المذاهب أربعة أقوال:
الأول: أنها ليست من القرآن، وهو قول مالك، ورواية عن أحمد وطائفة من الحنفية.
والثاني: أنها آية من كل سورة أو بعض آية، وهو المشهور عن الشافعي.
والثالث: أنها آية من الفاتحة دون غيرها، وهو رواية عن الشافعي وأحمد.
والرابع: أنها آية مستقلة من القرآن ليست من السور، وهو قول ابن المبارك وداود، وهو المنصوص عن أحمد، وقال أبو بكر الرازي: هو مقتضى أبي حنيفة.
стр. 285
(فرجع بها): أي: بالآيات المذكورة المحفوظة، أو بالكيفية المذكورة.
(يرجف): لثقل القراءة، أو لغط جبرئيل ﵇، أو لاتحاد الروح بالملكية، ولا يشكل عليه أن الاتحاد سبب التقوية لا الاضطراب؛ لأن الانتقال عن حالة معهودة وإن كان بسبب ما يقوي الطبع قد يفضي إلى مثل ذلك، كمن استعمل مسكًا كثيرًا، فإنه قد يُفضي إلى حالة سُكْرية وإن كان مقوّيًا غايةَ التقوية.
(زَمِّلوني زَمِّلوني): قال ذلك لشدة ما لحقه من هول الأمر، والعادة جارية بسكون الرعدة بالتلفف، وذكر في "الأرواح الثلاثة": أنه سئل العارف الكبير الحاجّ إمداد الله المهاجر المكي نَوَّرَ الله مرقده عن وجه التلفُّف والتزمُّل، هل خاف النبي ﷺ جبرئيل ﵇؟
فقال: لا، بل لما شاهد النبي ﷺ جبرئيل وانكشفت عليه حقيقةُ نفسه فهابها، ولم يستطع أن يتحمَّلها لعظمتها وكبرها، فإن الحقيقة تختفي في غير الجنس، فإذا ورد أحد من أبناء جنسه تنكشف عليه حقيقته، كما اشتهر أن رجلًا اقتنى جرو أسد، فكان يصبح ويمسي في أغنامه، ويروح ويسرح، كأنه فرد منها حتى شَبّ ولم يعلم نفسه ما هو، حتى إنه رأى يومًا صورته في الماء، فعلم أنه ليس من جنس الأغنام، بل هو شيء آخر ذو هيكل مهيبٌ بسلٌ شجاعٌ، فلما تحقق ذلك دخل في الأغنام فافترس هذه، وأكل أخرى، وجرح تلك، وقتل أخرى، حتى وقع الصياح والعويل فيهن، وفررن وانتشرن.
وكما أن رجلًا جميلًا ذا بهاء وسناء كأن وجهَه قطعةُ قمر، لو كان في بعض الجزائر التي يسكنها ذوو الأشكال البشعة القبيحة والوجوه الدميمة لما ظهر منه الدلال والغنج، وما هو من شؤون المحبوبين الحسان، حتى إذا ورد عنده رجل مثله في الحسن والجمال، وأظهر التدلل والتشكل والتغنج، فيظهر عليه حقيقة نفسه، ويظهر حينئذ شؤون المحبوبية.
стр. 286
فالنبي ﷺ كان في جُهّال مكة مثل ذلك الأسد والرجل الجميل اللذَيْن لم يعرفا أنفسهما، ولم تنكشف عليه حقيقة نفسه، فلما رأى من هو من أبناء جنسه وهو جبرئيل، فإنه غُذي بلُبان العلم، ورُبِّي به، ولذا كانت سفارة الوحي إليه، كما أن الأنبياء - عليهم الصلاة والسلام - غُذُّوا بلُبان العلم، ورُبُّوا بتلك الصفة، فظهرت صورته، وله حقيقة في جبرئيل، وكانت في غاية العظمة والكمال، فلم يستطع أن يتحمَّلها، فخاف نفسه الشريفة، لا أنه خاف جبرئيل.
قال مولانا أمير شاه خان - رحمه الله تعالى - ناقل ذلك: وكان مولانا محمود حسن الديوبندي المعروف بشيخ الهند يسمعه منه كرَّات ومرَّات، ويلتذ ويتمايل من الفرح والسرور.
قال حكيم الأمة مولانا أشرف علي التهانوي قُدِّس سرُّه في حاشية "الأرواح الثلاثة" ما حاصله: أن هذا التوجيه للحديث على ذوق الصوفية، وليس في النصوص ما يدفعه.
وأما توهم مصادمته لقوله ﷺ : "لقد خشيت على نفسي"، فمدفوع بأنه ليس معناه: خشيتُ جبرئيلَ، بل معناه: خشيتُ أن لا أتحمل أعباء الرسالة، فإنه يحتاج إلى قوة بليغة خاصة، وقد كانت تلك القوة مغلوبة في ذلك الوقت.
وأما قول خديجة ﵂: "ووالله لا يخزيك الله أبدًا، إنك تَصِلُ الرحمَ. . ." إلخ، فاستدلال عقلي على أنه ﷺ يُعطى من الله الكريم قوةً على تحمل ذلك، فإن هذه القوة ثمرة لتأييد الحق، وهذه الأوصاف جالبة لتأييد الحق.
وأما ذهابها بالنبي ﷺ إلى ورقة، فكان لطلب تأييد هذا الاستدلال العقلي بالدليل النقلي.
وأما ذكر ورقةَ سيدَنا موسى ﵊ فكان تنظيرًا منه لحصول التحمل في مثل ذلك، لا أن النبي ﷺ كان شاكًّا في نبوته، ثم
стр. 287
إن الله تعالى قدَّر بحكمته البالغة طريقًا لحصول الصبر والتحمُّل بأن حبس الوحي أيامًا ففتر، واشتاقت نفسه الشريفة للوحي حتى إنه اغتمَّ بسبب الفترة غمًّا شديدًا، وذهب إلى شواهق الجبال لكي يُلقي نفسَه، ولكن تبدَّى له جبرئيل قائلًا إنك رسول الله حقًّا، فاطمئنت نفسُه، وسكن جأشُه، فلما اشتاق واشتد شوقُه وإن عليه تحملُ أعباء الرسالة، فإن الشيء يسهل تحملُه بعد اشتياق النفس إليه.
وقد ذكر العارف الرومي في "المثنوي المعنوي" توجيهًا نحوه لنحو تلك القصة، وهي أن النبي ﷺ سأل جبرئيل أن يريه صورته الأصلية، فقال له جبرئيل: إنك لا تقدر على النظر إليّ في تلك الحال، فلما أَصَرّ عليه المصطفى ﷺ تَبَدَّى له جبرئيل له ستمائة جناح، قد سَدّ الأفق، فخرّ رسول الله ﷺ مغشيًّا عليه، فنزل جبرئيل واحتضنه حتى سكن النبي ﷺ .
قال العارف الرومي ما حاصله: إن المتأثر إنما كان جسم النبي ﷺ لا حقيقته وروحه، بل الحقيقة المحمدية لا يقدر جبرئيل أن يتحمَّلها، ولذلك لما تقدم النبي ﷺ ليلة الإسراء فوق السِّدرة، وقال لجبرئيل: تَقَدَّمْ، فاعتذر إليه جبرئيل قائلًا: إنه لو تقدم مقدار شعرة لَذَابَ واحترق، والله ﵎ أعلم، انتهى معرّبًا وملخصًا.
(لقد خشيت. . .) إلخ، اختلفوا في الخشية على اثني عشر قولًا، بسطت في "اللامع" (١) وهامشه، وهي: الجنون، والهاجس، والموت، والمرض، ودوامه، والعجز عن التحمُّل، والعجز عن رؤية الملَك، وعدم الصبر على الأذى، وخوف القتل، ومفارقة الوطن، وتكذيبهم، وتعييرهم.
وأوجه الأقوال: الثالث: الموت، أو السادس، ورجَّح شيخ المشايخ القطب الكَنكَوهي السادسَ، وكذا رجَّحه النووي في "شرح مسلم" (٢)، وهي خشية عدم تحمل أعباء النبوة.
стр. 288
وحاصل قول العلامة السندي (١): أنه ﵊ لم يَخْشَ، بل قال ذلك القول لانعطاف رأفة خديجة ﵂ عليه ﷺ لتكون مُعينة له من أول الأمر، مخافة أن تنكر ذلك، ورجَّحه شيخ الإسلام المدني ﵀.
(فقالت خديجة: كلا والله. . .) إلخ، أفاد شيخ الهند ﵀ في "تراجمه": أن الحديث ظاهر في بداية الوحي عند الشرَّاح، وهو الظاهر، والأوجه عندي - أي: عند شيخ الهند - أن مقصود الرواية بيان هذه الأوصاف الجليلة التي تدل على أنه ﷺ كان بخلقته جامعًا للمَلَكات الفاضلة، والأخلاق الحميدة، والأفعال الحسنة التي هي مبدأ الوحي ومنشأ النبوة.
قلت: والأوجه عندي أن هذه الصفات التي ذكرتها خديجة ﵍ في النبي ﷺ هي التي ذكرها ابن الدغنة في أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه عند مهاجرته إلى الحبشة، وهي أصرح دليل على حصول النسبة الاتحادية لأبي بكر مع النبي ﷺ ، فكان قلبه على قلبه ﷺ سواء، وهي كانت موجبة لاتصال خلافته بالنبي ﷺ ، كما ذكر شيء من ذلك في هامش "اللامع" (٢) في كتاب الشروط في عمرة الحديبية عند قول أبي بكر: "فاستَمْسِكْ بغَرْزِه"، والبسط منه في "جزء عمرات النبي" ﷺ (٣) تحت هذا القول.
(وتكسب المعدوم) الكسب قد يتعدى إلى مفعول كقوله: كسبت المال، وقد يتعدى إلى مفعولين كما في: كسبت غيري المال، وهذا من قبيل الثاني، وروي من الإفعال فلا إشكال، وفي هامش "الهندية" عن الكرماني والعيني (٤): قوله: "تكسب" بفتح التاء، وهو المشهور الصحيح في الرواية، والمعروف في اللغة، ورُوي بضمها.
стр. 289
وفي معنى المضموم قولان: أصحهما: أن معناه تكسب غيرك المعدوم، أي: تعطيه له تبرعًا، ثانيهما: تعطي الناس ما لا يجدونه عند غيرك من معدومات الفوائد ومكارم الأخلاق، يقال: كسبت مالًا وأكسبت غيري. وفي معنى المفتوح قولان: أصحهما: أن معناه كمعنى المضموم، ويقال: كسبت الرجل مالًا وأكسبته مالًا، والأول أفصح وأشهر، والثاني: أن معناه تكسب المال، وتصيب منه ما يعجز غيرك عن تحصيله، ثم تجود به وتنفقه في وجوه المكارم.
وقيل: المعدوم عبارة عن الرجل المحتاج العاجز عن الكسب، [وسماه معدومًا] لكونه كالمعدوم الميت حيث لم يتصرف في المعيشة، انتهى.
(على نوائب الحق) قال القسطلاني (١): النوائب تكون في الخير والباطل، ولذا قيده بالحق، أو إِشارة إلى النوائب السماوية، فإن الإعانة فيها تكون مشكلة، ومن يعين فيها يكون في نوائب الدنيا أشدَّ إعانة.
(ابن عم خديجة) بالنصب بدلًا عن "ورقة"، ويجب كتابة ألف ابن، كذا في "القسطلاني" (٢)، وقوله: "ابن عم" هكذا في "التفسير" في رواية أبي ذر الهروي، وفي رواية غيره: "يا عم" بحذف الابن، وكذا في مسلم: "أَيْ عم" بحذف لفظ ابن، وجمع بينهما النووي (٣) بالتعدد، واستبعده الحافظ ابن حجر (٤) لاتحاد مخرج الحديث، ومال إلى أن الرواية بحذف الابن وهم، وقال الزرقاني في "شرح المواهب" (٥): عندي أنها قالت: "ابن عم" على حذف حرف النداء فتصحَّفَتْ ابن بأَيْ، انتهى.
قلت: وهذا إنما يتمشى في رواية مسلم بلفظ: "أي عم"، وأما رواية البخاري فبلفظ: "يا عم"، والله أعلم.
стр. 290
(وكان يكتب الكتاب) بيان لمهارته وغاية اطلاعاته على مُرادات الكتب، حتى إنه كان يترجمها، إلى آخر ما بسط في "اللامع" (١) وهامشه، ولا يذهب عليك أن في متن النسخة الهندية: "وكان يكتب الكتاب العبراني، فيكتب الإنجيل بالعبرانية"، وفي نسخة الحاشية بدل "بالعبرانية": "بالعربية"، وهو كذلك في كتاب التفسير، ولا تعارض بين النسختين؛ لأنه كان يقدر على اللسانين.
(الناموس) بمعنى الجاسوس، وفرَّق بعضهم بأن الأول صاحب سر الخير، والثاني: صاحب سر الشر، كما بسط في هامش "اللامع" (٢)، قال البخاري في "كتاب الأنبياء" (٣): الناموس صاحب السر الذي يُطْلِعُه بما يَسْتُرُه عن غيره، انتهى.
(نزل الله على موسى) ولم يقل: على عيسى، مع كونه نصرانيًّا؛ لأن كتاب موسى ﵇ مشتمل على الأحكام الكثيرة ككتاب نبينا، بخلاف كتاب عيسى ﵇ فإنه أمثال وعِبَرٌ، أو لأن نبوة موسى مسلَّمة عند اليهود والنصارى معًا، بخلاف نبوة عيسى ﵇ فإنه ينكرها كثير من اليهود، كذا في "القسطلاني" (٤).
ويشكل عليه: أن ورقة لم يكن نبيًّا، فكيف عَلِمَ بهذه الأمور؟
ويمكن التفصِّي عنه: بأنه عَلِمَ مِنَ الكتب السابقة، وهذا ظاهر في أنه أقرّ بنبوته ﵊ ولكنه مات قبل الدعوة، فيكون مثل بحيرا، لكن في إثبات صحبته نظر، ثم ذكر (٥) الروايات الدالة على إسلامه، وأنه أول مؤمن، وهكذا ذكر الاختلاف العيني (٦)، وبسط الروايات في إِسلامه مع الكلام عليه، وذكره الحافظ في القسم الأول من "الإصابة" (٧)،
стр. 291
وقال الحافظ (١): خرج ورقة وزيد بن عمرو بن نفيل إلى الشام لما كَرِهَا عبادةَ الأوثان فتنصَّرَ ورقةُ، وسيأتي ذكر زيد في "المناقب"، انتهى.
(بمثل ما جئت به) عبَّره بالماضي للتيقن.
(توفي ورقة) بمكة بعد البعث بقليل، ولا يصح ما قال الواقدي: إنه خرج إلى الشام، فلما بلغه أنه ﵊ أُمِرَ بالقتال رجع لينصره، حتى إذا كان ببلاد لخم وجذام أخذوه فقتلوه، كذا في "القسطلاني" (٢).
(وفتر الوحي) واختلف في مدة الفترة على أربعة أقوال؛ فقيل: سنتان، وقيل: ونصف، وقيل: ثلاث سنين، واختار الحافظ ابن حجر (٣) أنها كانت أيامًا، ثم الذي نزل بعد الفترة "المدثر" كما في "الصحيحين"، ووقع عند ابن إسحاق أنه "الضحى" وفيه نظر، فإنها نزلت بعد فترة أخرى كانت ليلتين أو ثلاثًا، كما هو مصرَّح في تفسير البخاري وغيره، وإنما فتر مدة كذا ليتدبر في مقتضى الآيات المنزلة مع ما في التأخير من الازدياد بالأشواق، وفي التتابع من تواتر الكَلَف عليه، فلو تتابع من أول الأمر ربما أدَّى إلى هلاكه، كما بسط في "اللامع" (٤) وهامشه.
(قال ابن شهاب): أخبرني عروة بما سبق (وأخبرني أبو سلمة) بما سيأتي فهو عطف على "أخبرني" المقدم.
(تابعه عبد الله بن يوسف): الضمير يرجع إلى يحيى بن بكير، أي: عبد الله بن يوسف وأبو صالح تابعا يحيى بن بكير في الرواية عن الليث، فرواه عن الليث ثلاثة: يحيى، وعبد الله، وأبو صالح، قوله: "وتابعه هلال"، أي: تابع عقيلَ بنَ خالد هلالُ بنُ رَدّاد عن ابن شهاب، فالأولى: متابعة تامة، والثانية: ناقصة، والمتابعة إن كانت في أول السند تسمَّى: تامة وهي أقوى، وإن كانت في أثناء السند تسمَّى: ناقصة.
стр. 292
قال النووي: ومما يحتاج إليه المعتني بـ "صحيح البخاري":
فائدة ننبه عليها: وهي أنه تارةً يقول: تابعه مالك عن أيوب، وتارة يقول: تابعه مالك، ولا يزيد، فإذا قال: مالك عن أيوب فظاهر، وأما إذا اقتصر على: تابعه مالك، فلا يُعْرَف لمن المتابعة إلا من يَعْرِف طبقات الرواة ومراتبهم.
وقال الكرماني (١): فعلى هذا لا يعلم أن عبد الله يروي عن الليث أو غيره.
قلت: الطريقة في هذا أن تنظر طبقة المتابِع بكسر الباء، فتجعله متابِعًا لمن هو في طبقته بحيث يكون صالحًا لذلك، كذا في "العيني" (٢)، انتهى من هامش "الهندية"، وبسط النووي في شرح هذا الموضع أنواع المتابعة.
(وكان مما يحرِّك شفتيه) والحروف كلها ليست بشفوية، فكان حقه: مما يحرك لسانه، من قبيل إرادة الكل بذكر البعض، أو من باب الاكتفاء، والأوجه عندي: أن تحريكهما ظاهر بخلاف تحريك اللسان، وسيأتي في "التفسير" (٣): "وكان مما يحرك به لسانه وشفتيه" بذكرهما معًا، فلا إشكال إِذَنْ.
(قال ابن عباس: فأنا أحركهما. . .) يشكل أن مولد ابن عباس قبل الهجرة بثلاث سنين، والآية في بدء النزول كما يدل عليه تبويب البخاري، ولذا لم يقل ابن عباس لفظ: كما رأيت، كما قاله سعيد بن جبير، ويحتمل أنه أخبره النبي ﷺ أو أحد من الصحابة، كذا في "القسطلاني" (٤)، والأوجه عندي: أنه يستحب للمعلم أن يمثل للمتعلم بالفعل، ويريه الصورة بفعله إذا كان فيه زيادة بيان على الوصف بالقول، انتهى.
стр. 293
(لا تحرك به لسانك) لا منافاة بينه وبين ما تقدم من قول ابن عباس ﵁: "كان يحرك شفتيه" كما بسطه القسطلاني تبعًا "للفتح" والكرماني والعيني، والأوجه عند هذا العبد الضعيف أن الثاني بيان لنهي قراءته ﷺ مع جبرئيل ﵇، والقراءة تكون باللسان، والأول كان بيانًا لرؤية القراءة، والرؤية مما يتعلق بالشفتين كما تقدم.
(جمعه لك في صدرك) وعند الفلاسفة الحافظة في الدماغ، وعند المتكلمين والأصوليين منبع الكل القلب، كذا أفاده شيخ الإسلام المدني في بعض تقاريره، وفي "إزالة الخفاء" (١): أن جمعه في الصدر تفقه من ابن عباس ﵄.
والوجه عندي: أنه إشارة إلى جمع القرآن في المصاحف، انتهى.
ويؤيده ما أخرجه الطبري (٢) عن قتادة أن معنى ﴿جَمْعَهُ﴾ تأليفه.
(﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾) وفسَّره غير ابن عباس ببيان ما أشكل من معانيه، وكان ﵇ يسأل جبرئيل عما أشكل عليه في أثناء القراءة فقال ذلك، وفي لفظ ﴿ثُمَّ﴾ دليل للجمهور على جواز تأخير البيان عن وقت الخطاب، وتُعقب بأن المراد تمام القرآن للضمير، وليس كله بمجمل، فالمراد الظهور، ثم تعقب عليه بأن قوله: ﴿بَيَانَهُ﴾ جنس مضاف، فيعم جميع أصنافه من إظهاره وتبيين أحكامه وما يتعلق بها من تخصيص وتقييد ونسخ وغير ذلك، وهذه المسألة خلافية شهيرة بسطها أصحاب الأصول.
وفي "التحرير" وشرحه "التقرير" (٣): أنه يجوز تأخير البيان عن وقت الخطاب إلى الحاجة عند الجمهور، منهم أصحابنا والمالكية وأكثر الشافعية، واختاره الرازي وابن الحاجب، وعن الحنابلة، وعبد الجبار الجبائي وابنه، وبعض الشافعية كأبي إسحاق المروزي، والقاضي أبي حامد منعه، انتهى، كذا في "القسطلاني".
стр. 294
والحاصل: أن الأول: جمعه في صدرك، والثاني: تلاوته، والثالث: توضيحه، كذا في "القسطلاني" وابن كثير (١).
والمناسبة بجزء الترجمة وهو الوحي ظاهر، وبالبدء؛ لأن حاله هذا كان في البدء قبل نزول هذه الاية، وعلى أصل شيخ الهند كونه عزَّ اسمه محافظًا للفظه وبيانه ظاهر في عظمته، وكتب حضرة شيخ الهند في "تراجمه" ما تعريبه: أنه يستفاد من الحديث عدة أمور مهمة، منها: إتيان جبرئيل ﵇ بالوحي عليه، وكون الشدة عليه ﷺ عند نزول الوحي، حتى إنه ﵊ كان يقرأ بنفسه مع جبرئيل ﵇ للشدة المذكورة، وبذل جهده ﷺ لضبط الوحي، وقد تكفل البارئ عَزّ اسمه بفضله ورحمته جمعه وقرآنه، فقال: ﴿إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ﴾ [القيامة: ١٧]، فسهل الأمر وارتفع خوف السهو والخطأ والنسيان عنه ﷺ ، فحصل بذلك الاطمئنان له ﵊، وعلم بأن الذات القدسية المبدأ للوحي هي المتكفلة بحفظه، فحصل الاعتماد الكلي على الوحي، انتهى.
قلت: قال عزّ اسمه: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩].
(﴿إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ﴾)، أي: في صدرك (﴿وَقُرْآنَهُ﴾)، أي: قراءتك إياه وجريانه على لسانك.
(﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ﴾)، أي: عليك بقراءة جبرئيل ﵇ (﴿فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾)، أي: استمع قراءته.
(ح) فيه ستة أقوال على ما تفحَّصت وبسطت في مقدمة "الأوجز" (٢)، مرجعها إلى قولين: الأول: أنه خاء معجمة، والآخر: أنه حاء مهملة.
وعلى الأول احتمالان: أحدهما: إشارة إلى آخر الحديث، فهو مخفف من "إلخ"، وثانيهما: إشارة إلى قوله بسند آخر.
стр. 295
وعلى الآخر فأربعة أقوال: الأول: أنه رمز الصحة يكتب دقيقًا لئلا يلتبس بالعبارة، ودفعًا لما يتوهم أن حديث هذا الإسناد سقط، والثاني: أنه مأخوذ من التحويل، والثالث: من الحائل، والرابع: إشارة إلى قولهم: الحديث.
والمعروف عند المحدثين أنه إذا انتهى القارئ إلى هذا الموقع يقول: ح بفتح الحاء المهملة، ويستمرّ في قراءة ما بعدها، انتهى مختصرًا.
قال الحافظ (١) في "باب ظلم دون ظلم": هكذا وقع في النسخ صورة "ح"، فإن كان من أصل التصنيف فهي مهملة مأخوذ من التحويل على المختار، و [إن] كانت مزيدة من بعض الرواة فيحتمل أن تكون مهملة كذلك أو معجمة مأخوذة من البخاري؛ لأنها رمزه، أي: قال البخاري: وحدثني، انتهى.
قلت: ما أفاده الحافظ يختص بما وقع في "البخاري": "ومعمر نحوه"، والحاصل: أن عبد الله بن المبارك حدَّث عنه عبَّدان عن يونس وحده، وحدَّث [عنه] بشر عن يونس ومعمر معًا، أمَّا باللفظ: فعن يونس، وأما بالمعنى: فعن معمر، يعني: أن في لفظ "نحوه" إشارة إلى اختلاف بينهما في اللفظ، وهذا على ما هو المعروف عند أهل الأصول أنهم يقولون: "مثله" إذا اتفق الحديثان في اللفظ و"نحوه" إذا اتفقا في المعنى، إلى آخر ما بسط في هامش "اللامع" (٢).
(أجود الناس) ولا ينافي هذا فقره ﵊؛ لأن فقره كان لشدة جوده، ولا يأتيه شيء إلا يجود به.
(وكان أجود ما يكون) حال كونه "في رمضان" برفع "أجود" اسم "كان" و"ما" مصدرية، أي: أجود أكوانه، و"في رمضان" سدّ مسدَّ الخبر، أو "أجود" مبتدأ مضاف إلى المصدر، و"في رمضان" خبره، والجملة خبر
стр. 296
"كان"، واسمه الضمير إليه ﷺ ، أو بنصب "أجود" خبر "كان" واسمه الضمير إليه ﷺ ، كذا في "القسطلاني" (١).
قال الطيبي (٢): فيه تخصيص بعد تخصيص للترقي، الأول: جوده على سائر الناس، الثاني: جوده في رمضان على جوده في غيره، الثالث: جوده عند لقاء جبرئيل.
(فيدارسه القرآن) والحكمة فيه ليكون سُنَّةً في عرض القرآن على من هو أحفظ منه، كذا في "القسطلاني" (٣)، واختلف في أنه كان يدارس كل القرآن أو حسب ما نزل، والأوجه عندي الثاني، والبسط في هامش "اللامع" (٤)، ثم الترجمة بعظمة الوحي من المدارسة واضح.
وأما على ظاهر الترجمة من البدء فلا يبعد أن يكون إشارة إلى البدء الزماني بأنه كان في رمضان، إذ يقولون بأن أول نزول جبرئيل في غار حراء كان في السابع عشر من رمضان، ولا يذهب عليك أن للكلام الإلهي مناسبة خاصة بشهر رمضان، ولذا يقولون: إن صحف إبراهيم ﵇ نزلت في غرة رمضان، أو في الثالث منه، وأعطي داود ﵇ الزبورَ في الثامن عشر أو الثاني عشر من رمضان، وأعطي موسى ﵇ التوراةَ في السادس منه، وأعطي عيسى ﵇ الإنجيلَ في الثاني عشر أو في الثالث عشر، كما ذكرتُ في رسالتي "فضائلِ رمضان" باللسان الأردي.
قال الحافظ (٥): أخرج أحمد والبيهقي في "الشعب" عن واثلة بن الأسقع ﵁ أن النبي ﷺ قال: "أنزلت التوراة لِسِتٍّ مضين من رمضان، والإنجيل لثلاث عشرة خلت منه، والزبور لثمان عشرة خلت منه، والقرآن لأربع وعشرين خلت من شهر رمضان"، وهكذا نقله السيوطي
стр. 297
في "الإتقان" (١) عن الحافظ، وزاد: وفي رواية: "وصحف إبراهيم لأول ليلة".
قال السيوطي: لكن يشكل على هذا ما اشتهر من أنه ﷺ بُعِث في شهر ربيع، ويجاب عن هذا بما ذكروه أنه نبِّئ أولًا بالرؤيا في شهر مولده، ثم كانت مدتها ستة أشهر، ثم أوحي إليه في اليقظة، ذكره البيهقي وغيره، انتهى.
وفي "تراجم شيخ الهند": أن حديث ابن عباس في مدارسته ﷺ مع جبرئيل في شهر رمضان الذي هو أفضل الشهور يظهر منه اختصاص واضح بالوحي برمضان، ويناسب قوله تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾ [البقرة: ١٨٥]، فكأن المصنف أشار به إلى البدء الزماني للوحي وأنه في رمضان، كما قد ورد ذلك في بعض الروايات التي ليست على شرط المؤلف.
وعلم من قوله: "كان أجود بالخير، وكان أجود ما يكون في رمضان" أن كمالاته ﷺ كانت تتزايد كثيرًا عند نزول الوحي حتى تتعدى منافعها إلى غيره، ويظهر من جميع هذه الأمور عظمة الوحي وبركته، انتهى.
(من الريح المرسلة) قال في "اللامع" (٢): والفضيلة عليها في أنها لا تبقي ولا تذر شيئًا أتت عليه، فكذلك كان النبي ﷺ لا يبقي شيئًا مما هو في ملكه.
(إن هرقل) بكسر الهاء وفتح الراء وسكون القاف على المشهور، ويقال أيضًا بكسر الهاء والقاف وسكون الراء، اسم عَلَم له فهو غير منصرف للعَلَمية والعجمية، وهو صاحب حروب الشام، ملك إحدى وثلاثين سنة، وفي ملكه مات النبي ﷺ ولقبه قيصر، وكذا كل من ملك الروم يقال له: قيصر، كما أن ملك فارس يسمَّى بكسرى، وملك الحبشة بالنجاشي، وملك
стр. 298
الترك: خاقان، وملك القبط بفرعون، وملك مصر بالعزيز، وملك حِمْير بتُبَّع، انتهى، كذا في هامش "اللامع" (١) عن الكرماني، وزاد العيني (٢) ألقابًا أُخَرَ كثيرة لسلاطين الأقطار.
واختلف في إسلام هرقل، فالجمهور على أنه آثر المُلْكَ على الإيمان، وقد غزا مؤتة سنة ثمان من الهجرة، وكتب إليه النبي ﷺ من تبوك ولم يسلم، وذهب بعضهم منهم صاحب "الاستيعاب" أنه أسلم ولم يظهره للخوف على نفسه، والبسط في هامش "اللامع" (٣).
وهل هو الذي فتح عليه في زمن عمر ﵁، فقيل: نعم، وقيل: بل هو حفيده.
وذكر البخاري هذا الحديث مطولًا في ثلاثة مواضع: ها هنا، وفي كتاب الجهاد في "باب دعاء النبي ﷺ إلى الإسلام والنبوة"، وفي التفسير في تفسير قوله تعالى: ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ﴾ الآية [آل عمران: ٦٤]، وذكره في عشرة مواضع مختصرًا، صفحاته في المطبوعات الهندية (٤) هي: ١٣ و ٣٦٨ و ٣٩٣ و ٤١١ و ٤١٨ و ٤٥٠ و ٨٨٤ و ٩٢٦ و ١٠٦٨ و ١١٢٥.
ومناسبة حديث هرقل بالباب على ما قاله القسطلاني (٥): لما فرغ عن بدء الوحي شرع في أوصاف الموحى إليه، وقال أيضًا: فإن قصة [هرقل] متضمِّنة كيفية حاله ﷺ في ابتداء الأمر.
قال الحافظ (٦): فإن قيل: ما مناسبة حديث أبي سفيان في قصة هرقل ببدء الوحي؟
стр. 299
فالجواب: أنها تضمَّنت كيفية حال الناس مع النبي ﷺ في ذلك الابتداء، ولأن الآية المكتوبة إلى هرقل للدعاء إلى الإسلام ملتئمة مع الآية التي في الترجمة، وهي قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ﴾ الآية [النساء: ١٦٣]، وقال تعالى: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا﴾ [الشورى: ١٣]، فبان أنه أوحي إليهم كلهم أن أقيموا الدين، وهو معنى قوله تعالى: ﴿سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ﴾ الآية [آل عمران: ٦٤]، انتهى.
وقيل: إن الأسئلة العشرة من هرقل كلها تناسب بدءَ الوحي، وقيل: هذه الأوصاف المذكورة في الأسئلة تدل على عظمته صلى الله تعالى عليه وآله وسلم المشعرة لعظمة الوحي الذي أرسل إليه.
(في ركب) كانوا ثلاثين رجلًا، كما في "الإكليل" للحاكم، وعند ابن السكن: نحو من عشرين، وعند ابن أبي شيبة بسند صحيح إلى ابن المسيب أن المغيرة بن شعبة كان منهم، وتُعقب بأن إسلامه عام الخندق فيبعد أن يكون حاضرًا ويسكت، كذا في "القسطلاني" (١).
قلت: ولا استعباد عندي؛ فإن المخاطب كان أبا سفيان ولم يتكلم بكذب، بل يمكن أن يكون خوفه عن الكذب متأثرًا عن وجود المغيرة؛ فإن أبا سفيان خاف على نفسه أن يأثر المغيرة عنه الكذب.
(وهم بإيلياء)، أي: هرقل وجماعته، وإِيلياء بتخفيف المثناة الثانية ممدودًا ومقصورًا، وبتشديد الياء مقصورًا فقط، وفي ضبطه أقوال، هو بيت المقدس، كذا في "القسطلاني" (٢)، فإن إيل في العبرانية: الله، وياء بمعنى البيت.
وبسط الشيخ قُدِّس سرُّه في "اللامع" (٣) في ترتيب هذه الوقائع، فقال: وكان هرقل نذر إن رَدّ الله عليه مُلْكَه من كسرى أن يأتي إيلياء، فردّ الله عليه
стр. 300
ملكه فأتاه، فبينا هو ناظرٌ ذات ليلة إذ رأى ما يذكر في الرواية (من ظهور ملك الختان)، واتفق أن بعث إليه مَلِك غسان برجل، فكتب هرقل إلى صاحب رومية، ولم يأت إليه جوابه، إذ وصل إليه كتاب رسول الله ﷺ فتحقق بعثته ﷺ عنده، وهذه الثلاث وقعت له بإيلياء، فَكَرَّ راجعًا إلى ملكه، حتى إذا وصل حمص - وهو دار السلطنة - بلغه جواب صاحب الرومية، فجمع هناك حواشيه، هكذا ينبغي ترتيب الوقائع، انتهى.
(فقال أبو سفيان: أنا أقربهم) لأن عبد مناف الأب الرابع له وللنبي ﷺ ، كذا في "القسطلاني" و"الفتح" (١)، فإنه صخر بن أمية بن عبد شمس بن [عبد] مناف، وهو ﷺ ابن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف، قال الحافظ - وسبقه القاضي عياض وغيره -: إنما خص هرقل الأقرب لأنه أحرى بالاطلاع على أموره ظاهرًا وباطنًا أكثر من غيره، ولأن الأبعد لا يؤمن أن يقدح في نسبه بخلاف الأقرب، انتهى.
(ثم كان أول ما سألني) بنصب اللام، وبه جاءت الرواية، خبر كان واسمه ضمير الشأن، ويحتمل أن يكون "أول ما سألني" اسم مؤخر، كذا في "القسطلاني" وغيره.
(كيف نسبه فيكم؟) كذا وقع السؤال والجواب عن النسب في "الجهاد"، ووقع في "التفسير" السؤال والجواب عن الحسب، فقال: "كيف حسبه فيكم؟ قال: قلت: هو فينا ذو حسب"، وهو غير النسب، فإنه الوجه الذي يحصل به الإدلاء من جهة الآباء، والحسب ما يعده المرء من مفاخر آبائه، ولم أر الحافظ تعرض عن الجواب.
والذي يترجح عندي السؤال عن النسب، فإن معمرًا هو الذي ذكر السؤال عن الحسب عند البخاري ومسلم، وأما شعيب بن أبي حمزة ها هنا،
стр. 301
وصالح في "الجهاد" فقالا عن الزهري: "كيف نسبه؟ "، والاثنان أولى بالحفظ من واحد، مع أن معمرًا قد ينفرد عن الزهري ببعض الألفاظ، ولعله عبَّر النسب بالحسب على جهة الرواية بالمعنى، فإن النسب الشريف يستلزم الحسب غالبًا، وقد قال النووي (١): معنى قوله: "كيف حسبه فيكم؟ "، أي: نسبه.
وها هنا إشكال آخر ذكره الحافظ فقال (٢): واستشكل الجواب؛ لأنه لم يزد على ما في السؤال؛ لأن السؤال تضمَّن أن له نسبًا أو حسبًا، والجواب كذلك، وأجيب بأن التنوين يدل على التعظيم كأنه قال: هو فينا ذو نسب كبير، أو حسب رفيع، انتهى.
(أحد قط) بتشديد الطاء لا يستعمل إلا في النفي، واستعماله ها هنا في الإثبات نادر، وقيل: إن الاستفهام يتضمن النفي، أي: هل قاله أحد أو لم يقل أحد قط، كذا في "القسطلاني" (٣).
(بل ضعفاؤهم) وتخصيص الشرف ها هنا باعتبار النخوة، لئلا يخرج (٤) نحو العمرين وحمزة وغيرهم، وتعقبه "العيني" (٥) بأن العمرين وحمزة ﵃ كانوا من أهل النخوة، فقول أبي سفيان يبني على الغالب، كذا في "القسطلاني".
(سخطة لدينه) يخرج منه من ارتد لِحَظِّ نفسه كعُبيد الله بن جحش، كذا في "القسطلاني" (٦)، وبسط الشيخ الكلام عليه في "اللامع" (٧).
стр. 302
(ولم تمكنني كلمة أن أدخل فيها شيئًا)، أي: أنتقصه به، على أن التنقيص هنا أمر نسبي؛ لأن من يقطع بعدم عذره أرفع رتبة ممن يجوز وقوع ذلك منه في الجملة، وقد كان معروفًا عندهم بالاستقراء من عادته أنه لا يعدر (١)، انتهى.
(سجال) بالكسر جمع سَجل، وهو الدلو الكبير، أي: نوبةً ونوبةً.
(ينال منا وننال منه)، أي: يصيب منَّا ونصيب منه، قال البلقيني (٢): فيه أيضًا دسيسة؛ لأنه لم ينل منه قط، [و] غاية ما فيه قتل بعض الصحابة في أُحد، وتعقبه الحافظ (٣) بأن الوقائع قبل ذلك ثلاثة: بدر وأُحد والخندق، وأصاب المسلمون في الأول وعكسه في الثاني، وأصيب قليل من الفريقين في الثالث، فصحَّ قول أبي سفيان، انتهى.
(يطلب ملك أبيه) بالإفراد ها هنا، وسيأتي في التفسير "ملك آبائه"، فإِفراد الأب ها هنا على الجنسية، أو لكون من يطلب ملك أبيه أَعْذَر، كذا في "القسطلاني" (٤).
(وهم أتباع الرسل) يؤيده قوله تعالى: ﴿قَالُوا أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ﴾ [الشعراء: ١١١]، كذا في "القسطلاني".
(وكذلك الرسل لا تغدر) لأنها لا تطلب حظ الدنيا الذي لا يبالي طالبه بالغدر، بخلاف من طلب الآخرة ولم يعرج [هرقل] على الدسيسة التي دسَّها أبو سفيان، قاله الحافظ (٥)، وترك ها هنا السؤال العاشر وجوابه، وسيأتي في الجهاد في "باب دعاء النبي ﷺ إلى الإسلام والنبوة"، كذا في "القسطلاني" (٦).
قلت: وهو السؤال عن القتال وهو التاسع فيما مرَّ، وذكره بلفظ