← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 853

الأبواب والتراجم لصحيح البخاري

محمد زكريا الكاندهلوي

Полный текст (3 740 стр.). Показаны 2363–2402 · переход к 2368.

стр. 2363

وبسط في هامشه في شرح هذا المقام فارجع إليه لو شئت. (٣١ - باب قوله: ﴿وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ. . .﴾ [البقرة: ١٩٥]) إلخ قال القسطلاني (١): سقط لفظ "باب" لغير أبي ذر، انتهى. وقال الحافظ (٢): قوله: "التهلكة والهلاك واحد" هو تفسير أبي عبيدة، وزاد: والهلاك والهلك يعني بفتح الهاء وبضمها واللام ساكنة فيهما، وكل هذه مصادر هلك بلفظ الفعل الماضي، وقيل: التهلكة ما أمكن التحرز منه، والهلاك بخلافه، وقيل: التهلكة نفس الشيء المهلك، وقيل: ما تضر عاقبته، والمشهور الأول. وقوله: (نزلت في النفقة) أي: في ترك النفقة في سبيل الله ، وهذا الذي قاله حذيفة جاء مفسرًا في حديث أبي أيوب الذي أخرجه مسلم والنسائي وأبو داود والترمذي وغيرهم، ثم ذكره الحافظ، وروى ابن أبي حاتم أنها كانت نزلت في ناس كانوا يغزون بغير نفقة، فيلزم على قوله: اختلاف المأمورين، فالذين قيل لهم: ﴿أَنْفِقُوا﴾ ﴿وَأَحْسِنُوا﴾ أصحاب الأموال، والذين قيل لهم: ﴿وَلَا تُلْقُوا﴾ الغزاة بغير نفقة، ولا يخفى ما فيه. وجاء عن البراء بن عازب في الآية تأويل آخر أخرجه ابن جرير وغيره عنه بإسناد صحيح عن أبي إسحاق قال: قلت للبراء: أرأيت قول الله : ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ هو الرجل يحمل على الكتيبة فيها ألف؟ قال: لا، ولكنه الرجل يذنب فيلقي بيده فيقول: لا توبة لي. والأول أظهر لتصدير الآية بذكر النفقة فهو المعتمد في نزولها، وأما قصرها عليه ففيه نظر؛ لأن العبرة بعموم اللفظ، انتهى مختصرًا وملخصًا من "الفتح". ثم قال: وأما مسألة حمل الواحد على [العدد] الكثير من العدو

стр. 2364

فصرَّح الجمهور بأنه إن كان بفرط شجاعته وظنه أنه يرهب العدو بذلك أو يجرئ المسلمين عليهم أو نحو ذلك من المقاصد الصحيحة فهو حسن، ومتى كان مجرد تهور فممنوع، ولا سيما إن ترتب على ذلك وهن في المسلمين، والله أعلم، انتهى. (٣٢ - باب قوله: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ. . .﴾ [البقرة: ١٩٦]) إلخ ليس في نسخة "القسطلاني" لفظ "باب" وقال (١): ولأبي ذر: "باب قوله. . ." إلخ. قال الحافظ (٢): ذكر فيه حديث كعب بن عجرة في سبب نزول هذه الآية، وقد تقدم في كتاب الحج، انتهى. (٣٣ - باب قوله: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ﴾ [البقرة: ١٩٦]) وفي نسخة "القسطلاني" (٣): ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ. . .﴾ إلخ، بدون لفظ "باب"، قال: ولأبي ذر: "باب ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ. . .﴾ " إلخ. قال الحافظ (٤): قوله: "نزلت آية المتعة. . ." إلخ، يعني: متعة الحج، والمراد بالرجل في قوله: "قال رجل برأيه" هو عمر، انتهى. وقال القسطلاني: قيل: هو عثمان؛ لأنه كان يمنع التمتع، وقال أيضًا: زاد في نسخة: قال محمد، أي: البخاري يقال: إنه، أي: الرجل عمر لأنه كان ينهى عنها، وفي نفس الأمر لم يكن عمر ﵁ ينهى عنها محرّمًا لها إنما كان ينهى عنها ليكثر قصد الناس البيت حاجين ومعتمرين، قاله الحافظ عماد الدين ابن كثير في تفسيره، انتهى.

стр. 2365

(٣٤ - باب قوله: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٨]) سقط لفظ "باب" في نسخة "القسطلاني". قال الحافظ (١): ذكر فيه حديث ابن عباس، وقد تقدم في كتاب الحج. (٣٥ - باب قوله: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾ [البقرة: ١٩٩]) ذكر فيه حديث عائشة، وقد تقدم في كتاب الحج أيضًا، ثم ذكر فيه حديث ابن عباس، انتهى من "الفتح" (٢). قلت: وسياق الحديثين مختلف. قال الكرماني (٣) في حديث ابن عباس: فإن قلت: هذا السياق يدل على أن الإفاضة في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا﴾ من المزدلفة، والحديث السابق يعني حديث عائشة يدل على أنها من عرفات، قلت: لا منافاة إذ هذا تفسير ابن عباس والمراد من الناس الحمس، وذلك تفسير عائشة والمراد من الناس غير الحمس، انتهى من هامش "الهندية". وفيه أيضًا: قال القاضي ثناء الله في "المظهري" (٤): كانت العرب تقف بعرفة وكان قريش تقف دون ذلك بالمزدلفة فأنزل الله تعالى ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾ وهو قول أكثر المفسرين. وقيل: معنى الآية ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا﴾، يعني: بعد إفاضتكم من عرفات أفيضوا، ﴿مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾، يعني: من المزدلفة إلى منى، انتهى. قلت: قد عرفت أن الأول هو تفسير عائشة والثاني من تفسير ابن عباس، ثم أشكل عليَّ التَّفسير الأول بلفظة ﴿ثُمَّ﴾ لأنه مقدم على

стр. 2366

الوقوف بمشعر الحرام. . .، إلى آخر ما ذكر في توجيهه في الهامش. (٣٦ - باب قوله: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا. . .﴾ [البقرة: ٢٠١]) إلخ ليس في "قس" (١) لفظ "باب". قال العلَّامة العيني (٢): قال سعيد بن جبير عن ابن عباس: كان قوم من الأعراب يجيئون إلى الموقف فيقولون: اللَّهمَّ اجعله عام غيث وعام خصب وعام ولاد حسن، ولا يذكرون من أمر الآخرة شيئًا فأنزل الله تعالى فيهم: ﴿فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ﴾ أي: نصيب، وكان يجيء بعدهم آخرون من المؤمنين فيقولون: ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ فأنزل الله تعالى: ﴿أُولَئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾، وعن علي رضي الله تعالى عنه، الحسنة في الدنيا المرأة الصالحة وفي الآخرة الجنة، وعذاب النار المرأة السوء، انتهى. (٣٧ - باب قوله: ﴿وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ﴾ [البقرة: ٢٠٤]) ليس في "قس" (٣) لفظ "باب". ﴿أَلَدُّ﴾ أفعل تفضيل من اللدد وهو: شدة الخصومة، و ﴿الْخِصَامِ﴾ جمع خصم وزن كلب وكلاب، والمعنى: هو أشد المخاصمين مخاصمة، ويحتمل أن يكون مصدرًا، تقول: خاصم خصاما كقاتل قتالًا، والتقدير: وخاصمه أشد الخصام، أو هو أشد ذوي الخصام مخاصمة، وقيل: أفعل ها هنا ليست للتفضيل بل بمعنى الفاعل، أي: وهو لديد الخصام، أي: شديد المخاصمة فيكون من إضافة الصفة المشبهة، انتهى من "الفتح" (٤).

стр. 2367

(٣٨ - باب قوله: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ. . .﴾ [البقرة: ٢١٤]) إلخ كذا في النسخ "الهندية" "والعيني"، وفي نسخة "الفتح" و"القسطلاني" بغير لفظ "باب". ذكر فيه حديثي ابن عباس وعائشة في قوله: ﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ. . .﴾ إلخ، وتقدم شرحه من كلام الشيخ الكَنكَوهي قُدِّس سرُّه في باب قوله : ﴿لَقَدْ كَانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ. . .﴾ [يوسف: ٧] إلخ، من كتاب الأنبياء. قوله: (ذهب بها هناك)، قال القسطلاني (١): "ذهب بها"، أي: بهذه الآية ابن عباس، أي: فهم منها ما فهمه من آية البقرة من الاستبعاد والاستبطاء وتلا: ﴿حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ﴾ [البقرة: ٢١٤] لتناهي الشدة واستطالة المدة بحيث تقطعت حبال الصبر ﴿مَتَى نَصْرُ اللَّهِ﴾ استبطاء لتأخره فقيل لهم: ﴿أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾ إسعافًا لهم إلى طلبتهم من عاجل النصر. وهذه الآية كآية سورة يوسف في مجيء النصر بعد اليأس والاستبعاد، وفي ذلك إشارة إلى أن الوصول إلى الله تعالى والفوز بالكرامة عنده برفض اللذات ومكابدة الشدائد والرياضات. (٣٩ - باب قوله: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ. . .﴾ الآية [البقرة: ٢٢٣]) اختلف في معنى ﴿أَنَّى﴾ فقيل: كيف، وقيل: حيث، وقيل: متى، وبحسب هذا الاختلاف جاء الاختلاف في تأويل الآية، انتهى من "الفتح" (٢). وقال الحافظ في شرح الحديث: قوله: "يأتيها في" هكذا وقع في جميع النسخ، لم يذكر ما بعد الظرف وهو المجرور، ووقع في "الجمع بين

стр. 2368

الصحيحين" (١) للحميدي: "يأتيها في الفرج"، وهو من عنده بحسب ما فهمه، ثم وقفت على سلفه فيه وهو البرقاني فرأيت في نسخة الصغاني: "زاد البرقاني، يعني: الفرج" وليس مطابقًا لما في نفس الرواية عن ابن عمر لما سأذكره، وقد قال أبو بكر بن العربي في "سراج المريدين": أورد البخاري هذا الحديث في التَّفسير فقال: "يأتيها في" وترك بياضًا، والمسألة مشهورة، صنف فيها محمد بن سحنون جزءًا، وصنف فيها محمد بن شعبان كتابًا، وبيَّن أن حديث ابن عمر في إتيان المرأة في دبرها، انتهى. ثم ذكر الحافظ عدة روايات عن ابن عمر بطرق مختلفة فيه التصريح بأن الآية نزلت في إتيان النساء في أدبارهن. وتكلم على هذه الروايات القسطلاني أيضًا وقال (٢): ولم ينفرد ابن عمر بذلك بل رواه أيضًا أبو سعيد الخدري كما عند ابن جرير والطحاوي في "مشكله" بلفظ: إن رجلًا أصاب امرأته في دبرها فأنكر الناس عليه، فأنزل الله الآية، وقد نقل إباحة ذلك عن جماعة من السلف لهذا الحديث وظاهر الآية، ونسبه ابن شعبان لكثير من الصحابة والتابعين ولإمام الأئمة مالك في روايات كثيرة، قال أبو بكر الجصاص في "أحكام القرآن" له: المشهور عن مالك إباحته، وأصحابه ينفون هذه المقالة عنه لقبحها وشناعتها، وهي عنه أشهر من أن تندفع بنفيهم عنه، انتهى. لكن روى الخطيب عن مالك من طريق إسرائيل بن روح قال: سألت مالكًا عن ذلك فقال: ما أنتم قوم عرب هل يكون الحرث إلا موضع الزرع لا تعدو الفرج، قلت: يا أبا عبد الله إنهم يقولون: إنك تقول ذلك، قال: يكذبون علي يكذبون علي. فالظاهر أن أصحابه المتأخرين اعتمدوا على هذه القصَّة، ولعل مالكًا رجع عن قوله الأول، ولذا قال بعض المالكية: إن ناقل إباحته عن مالك كاذب مفتر، ومذهب الشافعي وأبي حنيفة وصاحبيه وأحمد

стр. 2369

والجمهور التحريم لورود النهي عن فعله وتعاطيه، وحملوا ما ورد عن ابن عمر على أنه يأتيها في قبلها من دبرها. . . إلى آخر ما بسط القسطلاني. وكتب الشيخ قُدِّس سرُّه في "اللامع" (١): قوله: "يأتيها في" ولم يذكر المجرور استهانةً وصونًا للسانه من أن يجري عليه شيء من هذا القبيل، ونسبه العلماء إلى ما هو خلاف الجمهور، فقالوا: إنه جوّز الإتيان في الدبر والظاهر على ذلك أنه أراد بالحرث المرأة مطلقًا لا موضع الوطء خاصًا كما اختاره الآخرون، فقالوا: ليس الدبر موضع الحرث فلم يجز إتيانها منه، فإذا أريدت بالحرث هي بتمامها لكونها محل نشوة الولد ومنبته كان المعنى: وأتوا نسوتكم من أين شئتم، هذا والصواب إرجاع كلامه إلى ما يوافق رأي الجمهور، فيقال: كلمة "في" ها هنا بمعنى من، أو يقال: المضاف المجرور هو الجانب، أي: ائتوها في أيّ جهاتها شئتم لا في أي صماخها شئتم، انتهى. (٤٠ - باب قوله: ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ. . .﴾ الآية [البقرة: ٢٣١]) اتفق أهل التَّفسير على أن المخاطب بذلك الأولياء، ذكره ابن جرير وغيره، وروى ابن المنذر عن ابن عباس: هي في الرجل يطلق امرأته فتقضي عدتها فيبدو له أن يراجعها وتريد المرأة ذلك فيمنعه وليها، انتهى من "الفتح" (٢). (٤١ - باب قوله: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا. . .﴾ [البقرة: ٢٣٤]) إلخ ليس في "قس" (٣) لفظ "باب". قال الحافظ (٤): " ﴿يَعْفُونَ﴾: يهبن. . ." إلخ، ثبت هذا ها هنا في

стр. 2370

نسخة الصغاني، وهو تفسير أبي عبيدة، قال (١): ﴿يَعْفُونَ﴾ يتركن، يهبن، وهو على رأي الحميدي خلافًا لمحمد بن كعب فإنه قال: المراد عفو الرجال، وهذه اللفظة ونظائرها مشتركة بين جمع المذكر والمؤنث، لكن في الرجال النون علامة الرفع، وفي النساء النون ضمير لهن، ووزن جمع المذكر يفعلون وجمع المؤنث يفعلن، انتهى. قوله: (قال: قد نسختها الآية الأخرى) كتب الشيخ قُدِّس سرُّه في "اللامع" (٢): هي التي عقد لها الباب وبذلك يصح إيراد الرواية فيه، انتهى. قوله: (كانت هذه العدة، تعتد عند. . .) إلخ، هذا البحث من مزالق الأقدام، والروايات في ذلك عن ابن عباس مختلفة، وكذا الفرق بين قول مجاهد وعطاء غامض كما بسط الكلام على ذلك في هامش "اللامع" من كلام الشرَّاح وغيره، ومن تقارير مولانا محمد حسن المكي المنقول عن شيخه الشيخ الكَنكَوهي وبسط الكلام عليه أيضًا في "اللامع" حيث كتب: حاصل كلامه هذا: أنه لا نسخ في شيء من الآيتين، وأن الأولى متقدمة في النزول على المتأخرة. وحاصله: أنه يجب على المرأة أن تعتد أربعة أشهر وعشرًا، ويجب على الورثة تمتيعهن إلى تمام الحول، فإن قصدت المرأة أن تخرج في تلك المدة الزائد على أربعة أشهر وعشر كان لها ذلك، والظاهر أن ذلك بيان منه لما كانت عليه النساء قبل نزول الميراث، وإذا نزلت آية الميراث لم يبق لها وجوب الإيصاء على الأزواج فسقط التمتيع، وعلى هذا فلا يكون بين كلام عطاء ومجاهد خلاف، فلا يلزم تناف وتضاد بين كلام ابن عباس لأنهما يأخذان منه وينقلان منه، وعلى هذا فمعنى قوله: فالعدة كما هي واجب عليها أن المرأة تتربص هذه المدة ولا تتزوج وإن كان لها أن تذهب حيث شاءت، وأما حاصل كلام عطاء فإن المرأة كانت مأمورة بالاعتداد في بيته، فإذا نزلت الآية ﴿وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ. . .﴾ إلخ، أبيح لهن الخروج قبل انقضاء

стр. 2371

مدة العدة وأمر الأزواج بالإيصاء وورثتهم بعدم الإخراج، ثم لما نزلت آية الميراث سقط عنهن ذلك، فلم يبق إلا التربص حيث ما كان مدة أربعة أشهر وعشرًا، وهذا مخالف لما ذهب إليه الجمهور من أن الآية الأولى ناسخة للثانية، انتهى. وذكر في هامش "اللامع": ثم لا يذهب عليك أن ها هنا ثلاث مسائل كلها خلافية، طالما يلتبس إحداها بالأخرى على نقلة المذاهب، الأولى: وجوب سكنى المتوفى عنها على الزوج يعني في ماله، والثانية: جواز خروجها عن بيت العدة ليلًا أو نهارًا لحوائجها، والثالثة: الاعتداد في بيتها الذي بلغها فيه نعيه سواء كانت السكنى عليها أو على زوجها، وبسط الكلام على تلك المسائل أشد البسط في "الأوجز" (١). أما مسألة المتوفى عنها زوجها في النفقة والسكنى، التي هي مسألة الباب ففي "الأوجز" (٢) قال النووي: المتوفى عنها زوجها لا نفقة لها بالإجماع، والأصح عندنا وجوب السكنى، ولو كانت حاملًا فالمشهور أنه لا نفقة لها كما لو كانت حائلًا، وقال بعض أصحابنا: تجب وهو غلط، انتهى. وقال الباجي المالكي: المتوفى عنها زوجها لا نفقة لها وإن كانت حاملًا، وقال الموفق: المعتدة من الوفاة إن كانت حائلًا فلا نفقة لها ولا سكنى، وإن كانت حاملًا ففيها روايتان: إحداهما: هذه، والثانية: لها السكنى والنفقة، وللشافعي في سكنى المتوفى عنها قولان، انتهى. وفي "البدائع": المعتدة عن وفاة لا نفقة لها ولا سكنى في مال الزوج سواء كانت حائلًا أو حاملًا، إلى أن قال: إذا مات الزوج انتقل ملك أمواله إلى الورثة فلا يجوز أن تجب النفقة والسكنى في مال الورثة، انتهى ملخصًا من "الأوجز" وهامش "اللامع". وسيأتي تفصيل الخلاف في المعتدات من المطلقة المبتوتة والرجعية

стр. 2372

والمتوفى عنها زوجها من حيث وجوب النفقة والسكنى في باب قصَّة فاطمة بنت قيس من كتاب العدة. قوله: (فقال عبد الرحمن: ولكن عمه كان لا يقول ذلك. . .) إلخ، بل يقول: تعتد بأبعد الأجلين، قال الحافظ (١): كذا نقل عبد الرحمن بن أبي ليلى عنه، يعني: عن عبد الله بن مسعود، والمشهور عنه أنه كان يقول خلاف ما نقله ابن أبي ليلى فلعله كان يقول ذلك ثم رجع أو وهم الناقل عنه، انتهى. وقال الحافظ (٢) في كتاب العدة: وقد ثبت عن ابن مسعود من عدة طرق أنه كان يوافق الجماعة حتى كان يقول من شاء لاعنته على ذلك، انتهى. وسيأتي شيء من الكلام على تلك المسألة في كتاب العدة. (٤٢ - باب قوله: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى. . .﴾ [البقرة: ٢٣٨]) قال الحافظ (٣): هي تأنيث الأوسط، الأعدل من كل شيء، وليس المراد به التوسط بين الشيئين بأن فعلى معناها التفضيل، ولا ينبني للتفضيل إلا ما يقبل الزيادة والنقص، والوسط بمعنى الخيار، والعدل يقبلهما، بخلاف المتوسط فلا يقبلهما فلا ينبني منه أفعل تفضيل، انتهى. قال القسطلاني (٤): قوله: ﴿وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾، أي: الوسطى بينها أو الفضلى منها من قولهم للأفضل الأوسط قاله الزمخشري، وتعقب بأن الذي يقتضيه الظاهر أن تكون الوسطى فعلى مؤنث الأوسط كالفضلى مؤنث الأفضل، وقال تعالى: ﴿قَالَ أَوْسَطُهُمْ﴾ أي: أفضلهم، ومنه يقال: فلان واسطة قومه، أي: أفضلهم وعينهم، وليست من الوسط الذي معناه المتوسط بين الشيئين، ثم ذكر ما تقدم من كلام الحافظ. ثم الصلاة

стр. 2373

الوسطى قال القسطلاني (١): اختلف السلف والخلف في تعيينها، قال الترمذي والبغوي: أكثر علماء الصحابة وغيرهم أنها العصر. وقال الماوردي: إنه قول جمهور التابعين، وحكاه الدمياطي عن عمر وعلي وابن مسعود، ثم ذكر عدة أسماء وهو مذهب أحمد، قال ابن المنذر: إنه الصحيح عن أبي حنيفة وصاحبيه، واختاره ابن حبيب من المالكية لحديث علي مرفوعًا عند أحمد: "شغلونا عن الصلاة الوسطى صلاة العصر"، وكذا عند مسلم والنسائي وأبي داود كل بلفظ صلاة العصر. . .، إلى آخر ما بسط القسطلاني في تأييده من الروايات، ثم قال: وقيل: إنها الصبح رواه مالك في موطئه بلاغًا عن علي وابن عباس، وهو مذهب مالك ونص عليه الشافعي محتجًا بقوله تعالى: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ والقنوت عنده في صلاة الصبح، وقيل: هي واحدة من الخمس لا بعينها، وأبهمت فيهن كليلة القدر في الحول أو الشهر أو العشر، واختاره إمام الحرمين، قال ابن كثير: والمدار ومعترك النزاع في الصبح أو العصر، وقد بيَّنت السُّنَّة أنها العصر فتعين المصير إليها، وقد جزم الماوردي بأن مذهب الشافعي أنها العصر وإن كان قد نص في الجديد أنها الصبح لصحة الأحاديث أنها العصر لقوله: إذا صح الحديث، وقلت قولًا فأنا راجع عن قولي وقائل بذلك. لكن قد صمم جماعة من الشافعية أنها الصبح قولًا واحدًا، انتهى من "القسطلاني" مختصرًا. وبسط الكلام على تعينها في "البذل" (٢) وكذا في "الأوجز" (٣) وفيه اختلفوا في تعيينها على أكثر من عشرين قولًا، ثم ذكر فيه اثنين وعشرين قولًا حكاه العيني عن الدمياطي في كتاب "كشف المغطى عن الصلاة الوسطى" والمشهور منها ثلاثة أقوال:

стр. 2374

الأول: الصبح، وهو مذهب مالك والشافعي. والثاني: العصر، وبه قال أبو حنيفة وأحمد. والثالث: إنها الظهر، وبه قال زيد بن ثابت وعروة، انتهى. (٤٣ - باب قوله: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة: ٢٣٨] مطيعين) هو تفسير ابن مسعود أخرجه ابن أبي حاتم بإسناد صحيح، ونقله أيضًا عن ابن عباس وجماعة من التابعين، وذكر من وجه آخر عن ابن عباس قال: ﴿قَانِتِينَ﴾ أي: مصلين، وعن مجاهد قال: من القنوت الركوع والخشوع وطول القيام وغض البصر وخفض الجناح والرهبة لله. وأصح ما دل عليه حديث الباب - وهو حديث زيد بن أرقم - في أن المراد بالقنوت في الآية السكوت، والمراد به السكوت عن كلام الناس لا مطلق الصمت؛ لأن الصلاة لا صمت فيها بل جميعها قرآن وذكر، انتهى من "الفتح" (١). وفي "بذل المجهود" (٢) عن "مجمع البحار": القنوت يرد بمعنى طاعة وخشوع وصلاة ودعاء وعبادة وقيام وطول قيام وسكوت، فيصرف كل منها إلى ما يحتمله لفظ الحديث، انتهى. وقال ابن العربي في "شرح الترمذي" (٣): للقنوت عشر معان، انتهى. وكتب الشيخ قُدِّس سرُّه في "اللامع" (٤) قوله: "أي: مطيعين" وغاية الإطاعة أن ينتهي عن كل شيء مما يخالف الحضور، ومنه الكلام، فصح إيراد الرواية الدالة على وجوب السكوت في هذا الباب، انتهى.

стр. 2375

(٤٤ - باب قوله : ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا. . .﴾ إلخ، [البقرة: ٢٣٩]) ليس في "قس" (١) لفظ "باب". وقال: قوله: ﴿فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا﴾ نصب على الحال تقديره: فصلوا رجالًا. ورجالًا جمع راجل. كقائم وقيام، وأو للتقسيم أو الإباحة أو التخيير، انتهى. ذكر فيه حديث ابن عمر في صلاة الخوف، وتقدم الكلام على المسألة في أبواب صلاة الخوف، وتقدم هناك أيضًا لاختلاف في تفسير قوله: ﴿رِجَالًا﴾ كرسيه: علمه. قال الحافظ (٢): وصله سفيان الثوري في "تفسيره" في رواية أبي حذيفة عنه بإسناد صحيح، وأخرجه عبد بن حميد وابن أبي حاتم من وجه آخر عن سعيد بن جبير، فزاد فيه: عن ابن عباس، وأخرجه العقيلي من وجه آخر عن ابن عباس عن النبي ﷺ ، والموقوف أشبه، قال العقيلي: إن رفعه خطأ، ثم هذا التَّفسير غريب، وقد روي عن ابن عباس أن الكرسي موضع القدمين، وعن السدي أن الكرسي بين يدي العرش، وليس ذلك مغايرًا لما قبله، والله أعلم، انتهى. وكتب الشيخ قُدِّس سره في "اللامع" (٣): قوله: "كرسيه علمه" فسره به؛ لأن المقصود في الآية بيان سعة علمه ﵎، وإحاطة كرسيه بمعنى موضع الجلوس لا يقتضي إحاطة علمه بما أحاطه به كرسيه، فبيَّن أنه مجاز وأن المراد به علمه، والوجه في ذلك أن الجالس على شيء أقدر ما يكون عليه وأعلم بحاله من غيره، فيكون قادرًا على ما أحاطه به كرسيه وعالمًا به أيضًا، انتهى. وذكر في "هامشه" كلام الشرَّاح والمفسرين.

стр. 2376

(٤٥ - باب قوله: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا﴾ [البقرة: ٢٤٠]) ليس في "قس" لفظ "باب" وقال (١): سقطت الآية لغير أبي ذر فصار الحديث الآتي من الباب السابق. قال الحافظ: ذكر فيه حديث ابن الزبير مع عثمان، وقد تقدم قبل بابين، وسقطت الترجمة لغير أبي ذر فصار من الباب الذي قبله عندهم، انتهى من "الفتح" (٢). وزاد العيني (٣): وكان المناسب أن يذكر حديث هذا الباب بلا ترجمة عند الباب المترجم بهذه الآية، انتهى. قلت: ولا يخفى عليك أن هذه الآية غير الآية المذكورة في الترجمة السابقة، فإن المذكور سابقًا آية التربص، والمراد ها هنا آية الحول كما يدل عليه نسخة الحاشية، وكذا حديث الباب والآية الأولى منهما وإن كانت ناسخة وكان حقها أن تذكر بعد الآية المنسوخه، لكن قدمها رعاية لترتيب التلاوة، وأفاد صاحب "الخير الجاري" كما في هامش النسخة "الهندية" (٤): ولعل مقصود البخاري من ذكره ها هنا الإعلام بأن المنسوخ يكتب إذا لم ينسخ تلاوته كما ظن ابن الزبير، وكان المقصود من الباب السابق بيان عدة المتوفى عنها زوجها وما يتعلق به، وكان بيان كل منهما مقصودًا عنده فعقد لكل بابًا، وذكر حديث ابن أبي مليكة سابقًا لأجل بيان النسخ بالكريمة، وهذا صنعته في هذا الكتاب المستطاب، ولهذا إكتفى ها هنا بهذا الحديث وذكر ثمة ما فيه بيان العدة وأقوال السلف فيه، انتهى.

стр. 2377

(٤٦ - باب قوله: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى﴾ الآية [البقرة: ٢٦٠]) ليس في "قس" لفظ "باب". قال الحافظ (١): قوله: " ﴿فَصُرْهُنَّ﴾: قطعهن. . ." إلخ، ثبت هذا لأبي ذر وحده، وقد أخرجه ابن أبي حاتم من وجهين عن ابن عباس ومن وجه آخر عن ابن عباس قال: ﴿فَصُرْهُنَّ﴾ أي: أوثقهن، ثم اذبحهن. وقد اختلف نقلة القراءات في ضبط هذه اللفظة عن ابن عباس فقيل: بكسر أوله كقراءة حمزة، وقيل: بضمه كقراءة الجمهور، وقيل: بتشديد الراء مع ضم أوله وكسره، من: صره يصره إذا جمعه، ونقل أبو البقاء تثليث الراء في هذه القراءة وهي شاذة، قال عياض: تفسير صرهن بقطعهن غريب، والمعروف أن معناها أملهن، يقال: صاره يصيره ويصوره إذا أماله، وقال ابن التين: صرهن بضم الصاد معناها ضمهن، وبكسرها قطعهن، قلت: ونقل أبو علي الفارسي أنهما بمعنى واحد، وذكر صاحب "المغرب" أن هذه اللفظة بالسريانية، وقيل: بالنبطية لكن المنقول أولًا يدل على أنها بالعربية، والعلم عند الله تعالى، انتهى مختصرًا. (٤٧ - باب قوله: ﴿أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ. . .﴾ [البقرة: ٢٦٦]) إلخ قال الحافظ (٢) بعد ذكر حديث الباب: وأخرج ابن المنذر هذا الحديث من وجه آخر عن ابن أبي مليكة، وعنده بعد قوله: "أي عمل؟ " قال ابن عباس: شيء ألقي في روعي، فقال: صدقت يا ابن أخي. ولابن جرير من وجه آخر عن ابن أبي مليكة: "عنى بها العمل، ابن آدم أفقر ما يكون إلى جنته إذا كبر سنه وكثر عياله، وابن آدم أفقر ما يكون إلى

стр. 2378

عمله يوم يبعث، صدقت يا ابن أخي"، وفي الحديث قوة فهم ابن عباس، وقرب منزلته من عمر ﵁، وتحريض العالم تلميذه على القول بحضرة من هو أسن منه إذا عرف فيه الأهلية لما فيه من تنشيطه وبسط نفسه وترغيبه في العلم، انتهى. قوله: (الله أعلم. فغضب عمر. . .) إلخ، وأجاد الشيخ قُدِّس سرُّه في "اللامع" (١) إذ كتب: والفرق بين عمر والنبي ﷺ حيث كان لا يغضب حين كانوا يذكرون له هذه الكلمة أنه ﷺ كان معلمًا بعث للتعليم، ولا شك أن الله تعالى ورسوله أعلم كما قالوا؛ فكان لا يضر ذلك في التعليم الذي هو مبعوث له بخلاف مقالتهم هذه لعمر فإنه كان يمتحنهم، والتبس الأمر حين أجابوا بذلك فإنه يصح من العالم والجاهل كليهما، فلم يتبين من عَلِمَ منهم ممن لم يعلم. وقوله: "قال ابن عباس: ضربت مثلًا لعلم. . ." إلخ، بتنوين التنكير، أي: لعملٍ أيه كان ولا أدري ما هو، انتهى. وذكر في هامشه ما يؤيد كلام الشيخ قُدِّس سرُّه، فارجع إليه. (٤٨ - باب قول الله تعالى: ﴿لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا﴾ [البقرة: ٢٧٣] يقال: ألحف عليّ. . .) إلخ ليس في "قس" لفظ "باب". قال الحافظ: هو تفسير أبي عبيدة قال في قوله تعالى: ﴿. . . وَلَا يَسْأَلْكُمْ أَمْوَالَكُمْ (٣٦) إِنْ يَسْأَلْكُمُوهَا فَيُحْفِكُمْ تَبْخَلُوا﴾ [محمد: ٣٦، ٣٧] يقال: أحفاني بالمسألة وألحف عليّ وألحّ علي بمعنى واحد، واشتقاق ألحف من اللحاف لأنه يشتمل على وجوه الطلب في المسألة كاشتمال اللحاف في التغطية، انتهى من "الفتح" (٢).

стр. 2379

(٤٩ - باب قول الله: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٥]) ليس في "قس" لفظ "باب". قال الحافظ: المس الجنون هو تفسير الفراء، قال في قوله تعالى: ﴿لَا يَقُومُونَ إلا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ﴾ [البقرة: ٢٧٥]، أي: لا يقوم في الآخرة، قال: والمس الجنون، والعرب تقول: ممسوس، أي: مجنون، انتهى. وقال أبو عبيدة: المس اللمم من الجن، وروى ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: آكل الربا يبعث يوم القيامة مجنونًا، انتهى من "الفتح" (١). (٥٠ - باب قوله: ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٦] قال أبو عبد الله: يذهبه) سقط لفظ "باب" في نسخة "قس". وقال الحافظ (٢): قوله: "يذهبه. . ." إلخ، هو تفسير أبي عبيدة، وأخرج أحمد وابن ماجه وصححه الحاكم من حديث ابن مسعود رفعه: "أن الربا وإن كثر فإن عاقبته إلى قلة" ثم ذكر المصنف حديث عائشة المذكور قبله من وجه آخر، ومراده الإشارة إلى أن هذه الآية من جملة الآيات التي ذكرتها عائشة، انتهى. وكتب الشيخ قُدِّس سرُّه في "اللامع" (٣): قوله: "يذهبه" وأراد بذلك أن المراد بالمحق أعلى مراتبه، انتهى. وفي هامشه: نبَّه الشيخ قُدِّس سرُّه بذلك على أن أصل معنى المحق النقص كما في اللغة، فتفسيره بيذهبه للإشارة إلى كماله. . .، إلى آخر ما فيه.

стр. 2380

(٥١ - باب قوله: ﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [البقرة: ٢٧٩] فاعلموا) وفي نسخة "القسطلاني" (١): ﴿فَأْذَنُوا. . .﴾ إلخ، وقال: وفي نسخة "باب ﴿فَأْذَنُوا﴾ "، انتهى. وقال الحافظ (٢): قوله: "فاعلموا" هو تفسير ﴿فَأْذَنُوا﴾ على القراءة المشهورة بإسكان الهمزة وفتح الذال، قال أبو عبيدة: معنى قوله: ﴿فَأْذَنُوا﴾: أيقنوا، وقرأ حمزة وأبو بكر عن عاصم: (فآذنوا) بالمد وكسر الذال، أي: آذنوا غيركم وأعلموهم، والأول أوضح في مراد السياق، انتهى من "الفتح". (٥٢ - باب قوله: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ [البقرة: ٢٨٠]) هكذا في النسخ "الهندية" وليس في نسخ الشروح الثلاثة. وكتب الشيخ في "اللامع" (٣): مناسبته بالرواية الواردة فيه من حيث إن المأمور به وهو الإنظار والتصدق فكيف بمن يأخذ زيادة على أصل ماله، انتهى. قلت: أجاد الشيخ قُدِّس سرُّه في بيان مناسبة الحديث بالترجمة، وقال القسطلاني (٤): في هذا الباب: اقتضى صنيع المؤلف في هذه التراجم أن المراد بالآيات آيات الربا كلها إلى آية الدين، انتهى. وهكذا قال الحافظ (٥) في باب: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾، وقال العلَّامة العيني (٦): قال الإسماعيلي: لا وجه لدخول هذه الآية - أي:

стр. 2381

﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ. . .﴾ إلخ -، في هذا الباب، وأجيب بأن هذه الآية متعلقة بآيات الربا فلذلك ذكرها معها، انتهى. وفي هامش النسخة الهندية (١): وأشار المصنف بإيراد الحديث الواحد في هذه التراجم إلى أن المراد بالآيات آيات الربا كلها إلى آخر آية الدين، قال في "الخير الجاري" ما حاصله: إن مطابقة أحاديث هذه الأبواب بتراجمها المشتملة على الآيات من حيث بيان زمان قراءتها ومكانها وبيان حرمة تجارة الخمر عند ذلك، انتهى. (٥٣ - باب قوله: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ﴾ الآية [البقرة: ٢٨١]) قرأ الجمهور بضم التاء من ﴿تُرْجَعُونَ﴾ مبنيًا للمجهول، وقرأ أبو عمرو وحده بفتحها مبنيًا للفاعل، قاله الحافظ (٢). وقال بعد ذكر الحديث: كذا ترجم المصنف بقوله: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ﴾ وأخرج هذا الحديث بهذا اللفظ، ولعله أراد أن يجمع بين قولي ابن عباس فإنه جاء عنه ذلك من هذا الوجه، وجاء عنه من وجه آخر: آخر آية نزلت على النبي ﷺ : ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ﴾ أخرج الطبري من طرق عنه، وزاد عن ابن جريج قال: يقولون: إنه مكث بعدها تسع ليالٍ، ونحوه لابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير، وروى عن غيره أقل من ذلك وأكثر، فقيل: إحدى وعشرين، وقيل: سبعًا، وطريق الجمع بين هذين القولين (المحكيين عن ابن عباس) أن هذه الآية هي ختام الآيات المنزلة في الربا، إذ هي معطوفة عليهن، وأما ما سيأتي في آخر سورة النساء من حديث البراء: آخر سورة نزلت براءة، وآخر آية نزلت: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ﴾ [النساء: ١٧٦] فيجمع بينه وبين قول ابن عباس بأن الآيتين نزلتا

стр. 2382

جميعًا فيصدق أن كلًّا منهما آخر بالنسبة لما عداهما، ويحتمل أن تكون الآخرية في آية النساء مقيَّدة بما يتعلق بالمواريث مثلًا بخلاف آية البقرة، ويحتمل عكسه، والأول أرجح. . .، إلى آخر ما قال في "الفتح". وقال أيضًا: المراد بالآخرية في الربا تأخر نزول الآيات المتعلقة به من سورة البقرة، وأما حكم تحريم الربا فنزوله سابق لذلك بمدة طويلة على ما يدل عليه قوله تعالى في آل عمران في أثناء قصَّة أحد: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً﴾ [آل عمران: ١٣٠]، انتهى. (٥٤ - باب قوله: ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ. . .﴾ [البقرة: ٢٨٤]) إلخ كتب الشيخ قُدِّس سرُّه في "اللامع" (١): قوله: "قد نسخت ﴿وَإِنْ تُبْدُوا. . .﴾ " إلخ، أراد بالنسخ التخفيف فإن النسخ إنما هو في الأحكام وها هنا ليس كذلك، فالمراد أنه خفف عن الأمة، انتهى. وفي هامشه: قال الحافظ (٢): المراد بقوله: "نسختها" أي: أزالت ما تضمنته من الشدة وبيَّنت أنه وإن وقعت المحاسبة به لكنها لا تقع المؤاخذة به، أشار إلى ذلك الطبري فرارًا من إثبات دخول النسخ في الأخبار، وأجيب بأنه وإن كان خبرًا لكنه يتضمن حكمًا، ومهما كان من الأخبار يتضمن الأحكام أمكن دخول النسخ فيه كسائر الأحكام، وإنما الذي لا يدخله النسخ من الأخبار ما كان خبرًا محضًا لا يتضمن حكمًا؛ كالإخبار عما مضى من أحاديث الأمم ونحو ذلك. ويحتمل أن يكون المراد بالنسخ في الحديث التخصيص فإن المتقدمين يطلقون لفظ النسخ عليه كثيرًا، والمراد بالمحاسبة بما يخفي الإنسان ما يصمم عليه ويشرع فيه دون ما يخطر له ولا يستمر عليه، والله أعلم انتهى.

стр. 2383

(٥٥ - باب قوله: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ﴾ [البقرة: ٢٨٥]) قال الحافظ: أي: إلى آخر السورة. قوله: "وقال ابن عباس: إصرًا عهدًا" وصله الطبري من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله: ﴿وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا﴾ [البقرة: ٢٨٦]، أي: عهدًا، وأصل الإصر الشيء الثقيل، ويطلق على الشديد، وتفسيره بالعهد تفسير باللازم؛ لأن الوفاء بالعهد شديد، انتهى. (٣) سورة آل عمران هكذا في النسخ "الهندية" و"القسطلاني" بغير بسملة، وفي نسخة "الفتح" و"العيني" بزيادة: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾. قال الحافظ (١): كذا لأبي ذر، ولم أر البسملة لغيره. قوله: (تقاة وتقية) بوزن مطية (واحدة) وفي نسخة: "واحد"، أي: كلاهما مصدر بمعنى واحد، وبالثانية قرأ يعقوب، والتاء بدل من الواو؛ لأن أصل تقاة وقية مصدر على فعلة من الوقاية، وأراد المؤلف قوله تعالى: ﴿إلا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً﴾ [آل عمران: ٢٨] المسبوق بقوله تعالى: ﴿لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ﴾ [آل عمران: ٢٨] أي: اتخاذهم أولياء ﴿فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إلا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً﴾ أي: إلا أن تخافوا من جهتهم ما يجب اتقاؤه، والاستثناء مفرغ من المفعول من أجله، أي: لا يتخذ المؤمن الكافر وليًا لشيء من الأشياء إلا للتقية ظاهرًا، فيكون مواليه في الظاهر ومعاديه في الباطن، انتهى. كله من "القسطلاني" (٢). قوله: (والمسوم الذي له سيماء بعلامة) كتب الشيخ في "اللامع" (٣):

стр. 2384

ولا تكون العلامة بحسب العادة إلا للحصان المطهَّم فلا فصل بين التَّفسيرين، انتهى. قوله: (يخرج منها الحي) كتب الشيخ في "اللامع" (١): والخروج ها هنا عبارة عن كون بعد كونٍ فإن نشأة الخلق في المضغة والسقط والجنين وراء نشأة النطفة مع كونها أصلًا لتلك الأطوار المختلفة فكأنها هي المخرج. (١ - باب: ﴿مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ﴾ [آل عمران: ٧] وقال مجاهد: الحلال والحرام. . .) إلخ كذا في النسخ "الهندية" "والقسطلاني"، وليس في نسخة "الفتح" "والعيني" لفظ "باب". قال الحافظ (٢): ثبت عند أبي ذر عن شيخه قبل قوله: ﴿مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ﴾ باب بغير ترجمة، وقال أيضًا (٣) بعد ذكر قول مجاهد من قوله: "الحلال والحرام" إلى قوله: " ﴿زَادَهُمْ هُدًى﴾ ": هكذا وقع فيه وفيه تغيير، وبتحريره يستقيم الكلام، وقد أخرجه عبد بن حميد بسنده إلى مجاهد قال في قوله تعالى: ﴿مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ﴾ قال: ما فيه من الحلال والحرام وما سوى ذلك منه متشابه يصدق بعضه بعضًا، هو مثل قوله: ﴿وَمَا يُضِلُّ بِهِ إلا الْفَاسِقِينَ﴾ [البقرة: ٢٦]. . .، إلى آخر ما ذكره، انتهى. وكتب الشيخ في "اللامع" (٤): قوله: يصدق بعضه بعضًا، والضمير عائد إلى المتشابهات باعتبار كونها قرآنًا، ثم التقابل بين المتشابهات والمحكمات بحسب هذا التَّفسير غير ظاهر؛ لأن المحكمات نفسها تصدق بعضها بعضًا فدخلت في المتشابهات، إلا أن يقال: أريد بها ها هنا بقرينة

стр. 2385

المقابلة ما لا تصدق بعضها بعضًا، فاللفظ وإن كان عامًا لكن المراد بها خاص، وصار المعنى: منه آيات هي متفردة في بيان معانيها لا تصدقها الآيات الأخر، ومنها ما هي متصادقة، فالأولى المحكمات والثانية المتشابهات. بقي ها هنا شيء وهو أنه قال الله تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إلا اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٧] والتقرير المتقدم يقتضي علم كل من أهل العلم بالمتشابه؛ لأنه داخل في جملة المحكمات بحسب هذا التَّفسير والتقسيم، والجواب أن المراد بما تشابه غير المراد بالمتشبهات، واختصاص الربّ ﵎ بالعلم دون العلماء في الأول دون الثاني، فالمتشابهات بهذا المعنى يعلمها العلماء والذي تشابه منه لا يعلمه إلا الله. وقوله: (﴿ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ﴾) المشتبهات فسر الفتنة بالمشتبهات بمعنى الأمور الملتبسة الغير الظاهرة والمعنى أن أصحاب الزيغ يتبعون ما تشابه من القرآن ليبتغوا بذلك طريقًا إلى إثارة الفتنة في اعتقادات العوام وإظهار الشبهات الزائغة للأنام، انتهى. وقال السندي: حاصل ما ذكره في تفسيره أنها متناسبات يشبه بعضها بعضًا في المعنى بحيث يصير كل منها كالمصدق لصاحبه، ولا يخفى أن هذا المعنى غير مناسب لما بعده وأن المناسب به أن يفسر بالمشتبهات التي يشتبه ويلتبس معانيها بحيث لا تكاد تفهم، انتهى. (٣ - باب قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ. . .﴾ [آل عمران: ٧٧] لا خير. . .) إلخ قال أبو عبيدة في قوله: ﴿مِنْ خَلَاقٍ﴾ أي: نصيب من خير. قوله: (أليم مؤلم. . .) إلخ، هو كلام أبي عبيدة أيضًا، ثم ذكر حديث ابن مسعود: "من حلف يمين صبر" وفيه قول الأشعث في هذه الآية أنها

стр. 2386

نزلت فيه وفي خصمه حين تحاكما في البئر، وحديث عبد الله بن أبي أوفى أنها نزلت في رجل أقام سلعة في السوق. . . إلخ، وقد تقدما جميعًا في الشهادات، وأنه لا منافاة بينهما، ويحمل على أن النزول كان بالسببين جميعًا، ولفظ الآية أعم من ذلك، ولهذا وقع في صدر حديث ابن مسعود ما يقتضي ذلك، وذكر الطبري من طريق عكرمة أن الآية نزلت في حيي بن أخطب وكعب بن الأشرف وغيرهما من اليهود الذين كتموا ما أنزل الله في التوراة من شأن النبي ﷺ وقالوا وحلفوا أنه من عند الله، وقصّ الكلبي في "تفسيره" في ذلك قصَّة طويلة وهي محتملة أيضًا لكن المعتمد في ذلك ما ثبت في "الصحيح"، انتهى من "الفتح" (١). قوله: (كانتا تخرزان في البيت أو في الحجرة) وفي نسخة "الفتح": في بيت وفي الحجرة، قال الحافظ (٢): كذا للأكثر بواو العطف، وللأصيلي وحده: "في بيت أو في الحجرة" بأو، والأول هو الصواب، ثم ذكر شرحه وسبب وقوع الخطإ فيه فارجع إليه. (٤ - باب قوله: ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ. . .﴾ الآية [آل عمران: ٦٤]) قال الحافظ (٣): قوله: " ﴿سَوَاءٍ﴾: قصدًا" كذا لأبي ذر بالنصب، ولغيره بالجر فيهما، وهو أظهر على الحكاية؛ لأنه يفسر قوله: ﴿إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ﴾، وقد قرئ في الشواذ بالنصب وهي قراءة الحسن البصري، أي: استوت سواء، والقصد بفتح القاف وسكون المهملة: الوسط المعتدل، قال أبو عبيدة في قوله: ﴿إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ﴾ أي: عدل. وعن أبي العالية أن المراد بالكلمة لا إله إلا الله، وعلى ذلك

стр. 2387

يدل سياق الآية. ثم ذكر المصنف حديث أبي سفيان في قصَّة هرقل بطوله، انتهى. وشرح الحافظ ها هنا الحديث بطوله مفصلًا وقال (١): وقد شرحته في بدء الوحي، وأحلت بقية شرحه على الجهاد فلم يقدر إيراده هناك فأوردته ها هنا، انتهى. قلت: وكثيرًا ما يقع هكذا للحافظ قُدِّس سرُّه كما لا يخفى على ناظر شرحه. ثم هذه الآية المترجم بها في هذا الباب مقدمة على الآية المترجم بها في الباب السابق، ولم يتعرض لهذا التقديم والتأخير الشرَّاح ولا لاختلاف النسخ فيمكن أن يقال: إنه مبني على تصرف النساخ، وسيأتي نظيره في تفسير سورة النساء أيضًا. (٥ - باب قوله: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران: ٩٢]) ذكر المصنف فيه حديث أنس في قصة بيرحاء، وقد مضى في كتاب الزكاة في "باب الزكاة على الأقارب". قوله: (وأنا أقرب إليه. . .) إلخ، وقد تقدم في كتاب الوصايا: "وكانا أقرب إليه مني"، وتقدم الجمع بينهما هناك فلا حاجة إلى إعادته. (٦ - باب قوله: ﴿قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا﴾ الآية [آل عمران: ٩٣]) ذكر فيه حديث ابن عمر في قصَّة اليهوديين، وقد سبق مختصرًا في "الجنائز" ويأتي في "الحدود"، وقوله: "يحني عليها" بفتح حرف المضارع

стр. 2388

وسكون الحاء المهملة وكسر النون بعدها تحتية، أي: يميل وينعطف، وفي نسخة يجنؤ بفتح أوله وسكون الجيم وبعد النون المفتوحة همزة مضمومة، أي: أكب، انتهى من "القسطلاني" (١). وقال أيضًا: وفي هذه القصَّة من حديث جابر عند أبي داود في "سننه": أنه شهد عنده ﷺ أربعة أنهم رأوا ذكره في فرجها مثل الميل في المكحلة. قال النووي: فإن صح هذا فإن كان الشهود مسلمين فظاهر، وإن كانوا كفارًا فلا اعتبار بشهادتهم، ويتعين أنهما أقرا بالزنا فلذا حكم ﵊ برجمهما. وفي هذا الحديث من الفوائد: وجوب حد الزنا على الكافر، وبه قال الشافعي وأحمد وأبو حنيفة والجمهور، خلافًا لمالك حيث قال: لا حد عليه، وأنه ليس من شرط الإحصان المقتضي للرجم الإسلام، وهو مذهب الشافعي وأحمد خلافًا لمالك وأبي حنيفة حيث قالا: لا يرجم الذمي؛ لأن من شرط الإحصان الإسلام، وأن أنكحة الكفار صحيحة وإلا لما ثبت إحصانهم، وأنهم مخاطبون بالفروع خلافًا للحنفية، انتهى. وفي "الفيض" (٢): ثم إن في الحديث معركة للقوم وهي أن الإسلام شرط لإحصان الرجم عند إمامنا فكيف رجم النبي ﷺ اليهودي واليهودية مع كونهما كافرين؟ وذهب الشافعي إلى أن الكافر أيضًا يرجم، وفيه تفصيل عند المالكية، وبالجملة الحديث وارد على الحنفية. ثم إن ابن أبي شيبة أفرد كتابًا سماه "كتاب الرد على أبي حنيفة" وعدّد فيه مسائل الحنفية التي تناقض الأحاديث عنده، وبلغ عددها زهاء مائة وأربعة، وبدأ كتابه بهذا الحديث، وقد أجاب العلَّامة القاسم بن قطلوبغا عن كتابه ولكنه مفقود لا يوجد، ثم إن الطحاوي أجاب عن حديث الباب وأصاب.

стр. 2389

وحاصله: أن شرط الإحصان في شرعنا نزل بعد هذه القضية، فالقضايا التي كانت قبلها لا ترد علينا، وكان رجمه إذ ذاك بحكم التوراة ولم يكن فيه شرط الإحصان، قلت: ويعلم من "فتح الباري" أن النبي ﷺ كان يعمل بشريعة التوراة فيما لم ينزل فيه شرعه قبل الفتح، ثم خالف بعده إلى آخر ما قال. (٧ - باب قوله: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران: ١١٠]) قال الحافظ (١): ذكر فيه حديث أبي هريرة ﵁ في تفسيرها غير مرفوع، وقد تقدم في أواخر الجهاد من وجه آخر مرفوعًا، وهو يرد قول من تعقب البخاري فقال: هذا موقوف لا معنى لإدخاله في المسند. وقوله: (خير الناس للناس. . .) إلخ، كتب الشيخ قُدِّس سرُّه في "اللامع" (٢): فيه إشارة إلى أن "للناس" متعلق بقوله: ﴿خَيْرَ﴾ لا بقوله: ﴿أُخْرِجَتْ﴾ والمعنى: أنتم خير الأمم في حق الناس لا أنكم خير من أخرجت للناس من الأمم، انتهى. وفي هامشه: قال البغوي: وقال قوم: قوله: ﴿لِلنَّاسِ﴾ صلة قوله: ﴿خَيْرَ أُمَّةٍ﴾ أي: أنتم خير أمة للناس، وقيل: قوله: ﴿لِلنَّاسِ﴾ صلة قوله: ﴿أُخْرِجَتْ﴾ معناه: ما أخرج الله للناس أمة خيرًا من أمة محمد ﷺ ، انتهى. وقال الحافظ (٣): قوله: "خير الناس. . ." إلخ، أي: خير بعض الناس لبعضهم، أي: أنفعهم لهم، وإنما كان ذلك لكونهم كانوا سببًا في إسلامهم، وبهذا التقرير يندفع تعقب من زعم بأن التَّفسير المذكور ليس بصحيح، وروى ابن أبي حاتم من طريق السدّي قال: قال عمر: لو شاء الله تعالى لقال: أنتم خير أمة، وكنا كلنا، ولكن قال: كنتم، فهي خاصة

стр. 2390

لأصحاب محمد ومن صنع مثل صنيعهم، وهذا منقطع، وروى عبد الرزاق وأحمد وغيرهما من حديث ابن عباس بإسناد جيد قال: هم الذين هاجروا مع النبي ﷺ ، وهذا أخص من الذي قبله. وللطبراني عن عكرمة، قال: نزلت في ابن مسعود وسالم مولى أبي حذيفة وأُبيّ بن كعب ومعاذ بن جبل، وهذا موقوف فيه انقطاع، وهو أخص مما قبله. وجاء في سبب هذا الحديث ما أخرجه الطبري وابن أبي حاتم من طريق عكرمة قال: كان من قبلكم لا يأمن هذا في بلاد هذا ولا هذا في بلاد هذا، فلما كنتم أنتم أمن فيكم الأحمر والأسود. ومن وجه آخر عنه قال: لم تكن أمة دخل فيها من أصناف الناس مثل هذه الأمة، وعن أُبي بن كعب قال: لم تكن أمة أكثر استجابة في الإسلام من هذه الأمة، أخرجه الطبري بإسناد حسن عنه، وهذا كله يقتضي حملها على عموم الأمة، وبه جزم الفراء واستشهد بقوله: ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ﴾ [الأنفال: ٢٦]، وقوله: ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ كُنْتُمْ قَلِيلًا﴾ [الأعراف: ٨٦] قال: وحذف كان في مثل هذا وإظهارها سواء، وقال غيره: المراد بقوله: ﴿كُنْتُمْ﴾ في اللوح المحفوظ أو في علم الله، ورجح الطبري أيضًا حمل الآية على عموم الأمة، وأيّد ذلك بحديث بهز بن حكيم عن أبيه عن جده: سمعت رسول الله ﷺ يقول في هذه الآية ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ قال: "أنتم متمون سبعين أمة أنتم خيرها وأكرمها على الله" وهو حديث حسن صحيح أخرجه الترمذي وابن ماجه والحاكم وصححه، وفي حديث علي عند أحمد بإسناد حسن أن النبي ﷺ قال: "وجعلت أمتي خير الأمم"، انتهى من "الفتح". (٨ - باب قوله: ﴿إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلَا﴾ [آل عمران: ١٢٢]) تقدمت هذه الترجمة في المغازي مع شرحه.

стр. 2391

(٩ - باب قوله: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ [آل عمران: ١٢٨]) قال الحافظ (١): سقط "باب" لغير أبي ذر، وتقدم هذا الباب أيضًا في المغازي وتقدم هناك شرحه. (١٠ - باب قوله: ﴿وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ﴾ [آل عمران: ١٥٣] وهو تأنيث آخركم) قال الحافظ (٢): كذا وقع فيه، وهو تابع لأبي عبيدة فإنه قال: ﴿أُخْرَاكُمْ﴾: آخركم، وفيه نظر لأن أخرى تأنيث آخر بفتح الخاء لا كسرها، وقد حكى الفراء أن من العرب من يقول: في أخراتكم بزيادة المثناة، وهكذا قال العيني (٣). وفي شرح القسطلاني (٤): وتعقبه في "المصابيح" فقال: نظر البخاري أدق من هذا، وذلك أنه لو جعل أخرى ها هنا تأنيثًا لآخر بفتح الخاء لم يكن فيه دلالة على التأخر الوجودي وذلك لأنه أميتت دلالته على هذا المعنى بحسب العرف، وصار إنما يدل على الوجهين بالمغايرة فقط، تقول: مررت برجل حسن ورجل آخر، أي: مغاير للأول وليس المراد تأخره في الوجود عن السابق، والمراد في الآية الدلالة على التأخر فلذلك قال: "تأنيث آخركم" بكسر الخاء لتصير أخرى دالة على التأخر كما في ﴿وَقَالَتْ أُولَاهُمْ لِأُخْرَاهُمْ﴾ [الأعراف: ٣٩] أي: المتقدمة للمتأخرة، واستعماله في هذا المعنى موجود في كلامهم بل هو الأصل، انتهى. وسيأتي توجيه هذا الإيراد في كلام الشيخ قُدِّس سرُّه أيضًا قريبًا، قلت: وتقدم التبويب بصدر هذه الآية أعني ﴿إِذْ تُصْعِدُونَ وَلَا تَلْوُونَ عَلَى

стр. 2392

أَحَدٍ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ﴾ الآية [آل عمران: ١٥٣]، في المغازي، وتقدم أيضًا هناك شرحه. قوله: (وقال ابن عباس: ﴿إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ. . .﴾ [التوبة: ٥٢]) إلخ، قال الحافظ (١): كذا وقع هذا التعليق بهذه الصورة ومحله في سورة براءة ولعله أورده ها هنا للإشارة إلى أن إحدى الحسنيين وقعت في أُحد وهى الشهادة، انتهى. وكذا أورد العلَّامة العيني (٢) في ذكر هذا القول ها هنا ولم يذكر الجواب كما أجاب الحافظ. وكتب الشيخ قُدِّس سرُّه (٣): إيراده ها هنا تنظير على ما ذكره من أن الأخرى تأنيث الآخر بالكسر لا الآخر بالفتح حتى يكون اسم تفضيل، والوجه في ذلك أن كونه اسم تفضيل يقتضي أن يكون له مفضل عليه مع أنه ليس تفضيله على شيء آخر مقصودًا، أما في قوله: ﴿أُخْرَاكُمْ﴾ فلأنه ﷺ لم يكن في آخر الآخر حتى يصدق عليه اسم التفضيل، وأما في الحسنى فلأن المقصود بيان حسن الشهادة والفتح في نفسهما لا باعتبار فضيلتهما على غيرهما، وعلى هذا فليس ذكر إحدى الحسنيين في غير موضعه، انتهى. (١١ - باب قوله: ﴿أَمَنَةً نُعَاسًا﴾ [آل عمران: ١٥٤]) أي: أنزل الله عليكم بسبب ما أصابكم من الغم الأمن حتى أخذ بكم النعاس، قاله القسطلاني (٤). وقال الحافظ (٥): ذكر فيه حديث أبي طلحة في النعاس يوم أُحد وقد تقدم في المغازي (٦) من وجه آخر عن قتادة، انتهى.

стр. 2393

قلت: قد تقدم الكلام عليه في باب قوله تعالى: ﴿إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلَا﴾ [آل عمران: ١٢٢] وقد ترجم البخاري في المغازي أيضًا بباب ﴿ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعَاسًا﴾ [آل عمران: ١٥٤] وذكر هناك أيضًا حديث أبي طلحة. (١٢ - باب قوله: ﴿الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ﴾ [آل عمران: ١٧٢]) تقدمت هذه الترجمة في المغازي وتقدم هناك أيضًا بيان سبب نزوله. قال الحافظ ﵀ (١): لم يسق البخاري في هذا الباب حديثًا وكأنه بيض له، واللائق به حديث عائشة أنها قالت لعروة في هذه الآية: يا ابن أختي كان أبواك منهم: الزبير وأبو بكر، وقد تقدم في المغازي. قوله: (القرح الجراح) هو تفسير أبي عبيدة، وكذا أخرجه ابن جرير من طريق سعيد بن جبير مثله، وروى سعيد بن منصور عن ابن مسعود: أنه قرأ "القرح" بالضم، قلت: وهي قراءة أهل الكوفة، وذكر أبو عبيدة عن عائشة أنها قالت: أقرأها بالفتح لا بالضم، قال الأخفش: القرح بالضم وبالفتح المصدر، فالضم لغة أهل الحجاز والفتح لغة غيرهم؛ كالضعف والضعف، وحكى الفراء أنه بالضم الجرح وبالفتح ألمه، انتهى من "الفتح" (٢). قوله: (استجابوا: أجابوا)، قال الحافظ (٣): هو قول أبي عبيدة، قال في قوله تعالى: ﴿فَاسْتَجَابَ لَهُمْ﴾ أي: أجابهم، تقول العرب: استجبتك، أي: أجبتك، وقال في قوله تعالى: ﴿وَيَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ أي: يجيب الذين آمنوا، وهذه في سورة الشورى، وإنما أوردها المصنف استشهادًا للآية الأخرى، انتهى.

стр. 2394

وكتب الشيخ في "اللامع" (١): يعني: أن السين ليست للطلب وإنما عدل إليه ليكون أدلّ على المبادرة إلى امتثال ما أمروا، فكأنهم طلبوا ذلك من نفوسهم وكان ذلك ناشئ من قلوبهم لا دخل فيه لقول أحد، انتهى. قلت: وقد أبدع الشيخ قُدِّس سرُّه في بيان النكتة في هذا العدول ولم يتعرض لذلك الشرَّاح. (١٣ - باب ﴿إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ﴾ الآية [آل عمران: ١٧٣]) وهكذا في نسخة "العيني"، وهو رواية أبي ذر، وفي نسخة "الفتح" (٢): باب قوله: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ. . .﴾ [آل عمران: ١٧٣] إلخ. قوله: (حين قالوا: ﴿إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ﴾)، قال الحافظ: فيه إشارة إلى ما أخرجه ابن إسحاق مطولًا في هذه القصَّة، وأن أبا سفيان رجع بقريش بعد أن توجه من أحد فلقيه معبد الخزاعي فأخبره أنه رأى النبي ﷺ في جمع كثير وقد اجتمع معه من كان تخلف عن أُحد وندموا، فثنى ذلك أبا سفيان وأصحابه فرجعوا، وأرسل أبو سفيان ناسًا فأخبروا النبي ﷺ أن أبا سفيان وأصحابه يقصدونهم، فقال: "حسبنا الله ونعم الوكيل" ورواه الطبري من طريق مجاهد: أن ذلك كان من أبي سفيان في العام المقبل بعد أُحد، وهي غزوة بدر الموعد، انتهى مختصرًا من "الفتح". (١٤ - باب قوله: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ الآية [آل عمران: ١٨٠]) كذا في النسخ الهندية ونسخة "العيني" تحسبن بالتاء، وفي نسخة "الفتح" و"القسطلاني" بالياء آخر الحروف، قال القسطلاني (٣): قرئ بالياء

стр. 2395

والتاء، وعلى التقديرين المضاف محذوف، أي: بخل الذين، إذا كان الحسبان للنبي ﷺ ، أو لكل أحد تقديره: بخل الذين يبخلون، وإذا كان الفاعل "الذين" فالتقدير: بخلهم هو خيرًا لهم، انتهى. قال الحافظ (١): قال الواحدي: أجمع المفسرون على أنها نزلت في مانعي الزكاة، وفي صحة هذا القول نظر فقد قيل: إنها نزلت في اليهود الذين كتموا صفة محمد ﷺ ، قاله ابن جريج، واختاره الزجاج، وقيل: فيمن يبخل بالنفقة في الجهاد، وقيل: على العيال وذي الرحم المحتاج، نعم الأول هو الراجح وإليه أشار البخاري. قوله: (﴿سَيُطَوَّقُونَ﴾ كقولك: طوقته بطوق) قال أبو عبيدة في قوله تعالى: ﴿سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [آل عمران: ١٨٠]، أي: يلزمون كقولك: طوقته بالطوق، وروى عبد الرزاق وغيره من إبراهيم النخعي في هذه الآية قال: بطوق من النار، وتقدم في أوائل كتاب الزكاة الاختلاف في التطويق المذكور هل يكون حسيًا أو معنويًا إلى آخر ما في "الفتح". (١٥ - باب قوله: ﴿وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ. . .﴾ [آل عمران: ١٨٦]) إلخ ذكر عبد الرزاق عن معمر عن الزهري عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك: أنها نزلت في كعب بن الأشرف فيما كان يهجو به النبي ﷺ وأصحابه من الشعر، وقد تقدم في المغازي خبره، وفيه شرح حديث "من لكعب بن الأشرف؟ فإنه آذى الله ورسوله". وروى ابن أبي حاتم وابن المنذر بإسناد حسن عن ابن عباس: أنها نزلت فيما كان بين أبي بكر وبين فنحاص اليهودي في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاء﴾ [آل عمران: ١٨١] تعالى الله عن قوله، فغضب أبو بكر فنزلت، انتهى من "الفتح" (٢).

стр. 2396

(١٦ - باب قوله: ﴿لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا﴾ الآية [آل عمران: ١٨٨]) قال الحافظ (١): سقط لفظ "باب" لأبي ذر. قوله: (إن رجالًا من المنافقين. . .) إلخ، قال الحافظ (٢): هكذا ذكره أبو سعيد الخدري في سبب نزول الآية، وأن المراد من كان يعتذر عن التخلف من المنافقين، وفي حديث ابن عباس الذي بعده أن المراد من أجاب من اليهود بغير ما سئل عنه وكتموا ما عندهم من ذلك، ويمكن الجمع بأن تكون الآية نزلت في الفريقين معًا، وبهذا أجاب القرطبي وغيره، وحكى الفراء أنها نزلت في قول اليهود: نحن أهل الكتاب الأول والصلاة والطاعة، ومع ذلك لا يقرّون بمحمد فنزلت: ﴿وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا﴾ [آل عمران: ١٨٨] وروي عن جماعة من التابعين نحو ذلك، ورجحه الطبري، ولا مانع أن تكون نزلت في كل ذلك، أو نزلت في أشياء خاصة، وعمومها يتناول كل من أتى بحسنة ففرح بها فرح إعجاب وأحب أن يحمده الناس ويثنوا عليه بما ليس فيه، والله تعالى أعلم. قوله: (فقال ابن عباس: وما لكم ولهذه. . .) إلخ، كتب الشيخ قُدِّس سرُّه في "اللامع" (٣) حاصل كلامه: أن هذا ليس على عمومه الظاهر كما توهمه السائل بل الذي تناولته الآية هو الذي يكون على حسبه لا أزيد منه ولا أنقص، وليس فرح المسلم بما عمله من الخير وكذلك حبه الحمد على ما لم يفعله مساويًا لما فعلته اليهود من حبّ الحمد على ما ارتكبوه من الكتمان وهو حرام عليهم، وكذلك فرح المسلم بما أتاه ليس مماثلًا لفرح اليهود بما أتوا به من الأخبار لغير ما كان في كتابهم ثم فرحوا بذلك، فإن أتى آتٍ من المسلمين بمثل ما أتوا به فارتكب حرامًا ثم ودّ أن يحمد

стр. 2397

عليه، أو افترى افتراءً ثم فرح بفعلته فإنه يؤاخذ على ذلك من غير ريبة. وحاصل كلامه: أن مصداق الآية: من فعل مثل فعلهم، وبين الفعلين الذي ذكره السائل والذي نزلت فيه الآية بون بعيد، فلا يلزم تخصيص النص بمورده، ولا مؤاخذة كل امرئ كما توهمه مروان، انتهى. وذكر في هامش "اللامع" كلام الحافظ ابن كثير ﵀ في تفسير هذه الآية بالبسط. وقال الحافظ (١): قوله: "وإنما دعا النبي ﷺ يهودًا فسألهم عن شيء" في رواية حجاج بن محمد: إنما نزلت هذه الآية في أهل الكتاب. قوله: (ثم قرأ ابن عباس: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ. . .﴾) إلخ، فيه إشارة إلى أن الذين أخبر الله عنهم في الآية المسؤول عنها هم المذكورون في الآية التي قبلها، وأن الله ذمهم بكتمان العلم الذي أمرهم أن لا يكتموه وتوعدهم بالعذاب على ذلك. (تنبيه): الشيء الذي سأل النبي ﷺ عنه اليهود لم أره مفسرًا، وقد قيل: إنه سألهم عن صفته عندهم بأمر واضح فأخبروه عنه بأمر مجمل، وروى عبد الرزاق من طريق سعيد بن جبير في قوله: ﴿لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ﴾ [آل عمران: ١٨٧] قال: محمد وفي قوله: ﴿يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا﴾ قال: بكتمانهم محمدًا، وفي قوله: ﴿أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا﴾ قال: قولهم: نحن على دين إبراهيم، انتهى كله من "الفتح" (٢). (١٧ - باب قوله: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ. . .﴾ [آل عمران: ١٩٠]) إلخ ورد في سبب نزول هذه الآية ما أخرجه ابن أبي حاتم والطبراني عن سعيد بن جبير عن ابن عباس: أتت قريش اليهود، فقالوا: بما جاء به

стр. 2398

موسى؟ قالوا: العصا ويده، الحديث، إلى أن قال: فقالوا للنبي ﷺ : اجعل لنا الصفا ذهبًا" فنزلت هذه الآية، ورجاله ثقات إلا الحمّاني فإنه تكلم فيه، وقد خالفه الحسن بن موسى فرواه عن يعقوب عن جعفر عن سعيد مرسلًا وهو أشبه، وعلى تقدير كونه محفوظًا وصله ففيه إشكال من جهة أن هذه السورة مدنيّة وقريش من أهل مكة، قلت: ويحتمل أن يكون سؤالهم لذلك بعد أن هاجر النبي ﷺ إلى المدينة ولا سيما في زمن الهدنة، انتهى من "الفتح" (١). ١٨ - باب قوله: ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا﴾ الآية [آل عمران: ١٩١]) في موضع جَرِّ نعت لـ "أولي"، أو خبر مبتدأ محذوف، أي: هم الذين يذكرون الله حال كونهم قيامًا وقعودًا، أي: يداومون على الذكر بألسنتهم وقلوبهم؛ لأن الشخص لا يخلو عن هذه الأحوال، وقيل: يصلون على الهيئات الثلاث حسب طاقتهم، انتهى من "القسطلاني (٢)، وقد بسط القسطلاني في تفسير هذه الآيات المذكورة في هذا الباب والتي قبله فأجاد، فارجع إليه لو شئت. (١٩ - باب قوله: ﴿رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ﴾ الآية [آل عمران: ١٩٢]) قال العلَّامة القسطلاني (٣): يعني: يتفكرون في خلق السماوات والأرض حال كونهم قائلين: ﴿رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ﴾، أي: أهنته وأذللته، أو أهلكته أو فضحته وأبلغت في إخزائه، والخزي ضرب من الاستخفاف أو انكسار يلحق الإنسان وهو الحياء المفرط، وقد

стр. 2399

تمسك المعتزلة بهذا على أن صاحب الكبيرة غير مؤمن؛ لأنه إذا دخل النار فقد أخزاه الله والمؤمن لا يخزى لقوله تعالى: ﴿يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ﴾ الآية [التحريم: ٨]، فوجب أن من يدخل النار لا يكون مؤمنًا، وأجيب بأن الخزي فسر بوجوه من المعاني فلم لا يجوز أن يراد في كل صورة معنى مثلًا في قوله تعالى: ﴿يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ. . .﴾ إلخ، أي: لا يهلكهم، وفي الأول يريد الإهانة، والحاصل أن لفظ الإخزاء مشترك بين الإهلاك والتخجيل، واللفظ المشترك لا يمكن حمله في طريق النفي والإثبات على معنييه جميعًا، وحينئذ يسقط الاستدلال به، انتهى. قال الحافظ (١): ذكر المصنف فيه حديث ابن عباس المذكور وليس فيه إلا تغيير شيخ شيخه فقط، وسياق الرواية في هذا الباب أتم من تلك، انتهى. (٢٠ - باب قوله: ﴿رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ﴾ الآية [آل عمران: ١٩٣]) ذكر فيه الحديث المذكور عن شيخ له آخر عن مالك، وساقه أيضًا بتمامه، انتهى من "الفتح" (٢). قال القسطلاني (٣): قوله: ﴿مُنَادِيًا﴾ هو محمد ﷺ ، قال الله تعالى: ﴿وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ﴾ [الأحزاب: ٤٦]، وقيل: القرآن لقوله تعالى: ﴿يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ﴾ [الجن: ٢] فكأنه يدعو إلى نفسه، انتهى.

стр. 2400

(٤) سورة النساء وفي نسخة "الفتح" و"العيني" بعده: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾، وقالا (١): لم تثبت البسملة إلا في رواية أبي ذر، انتهى. قال العيني (٢): قال العوفي عن ابن عباس: نزلت سورة النساء بالمدينة، وكذا روى ابن مردويه عن عبد الله بن الزبير وزيد بن ثابت ﵄، وقال ابن النقيب: جمهور العلماء على أنها مدنيَّة وفيها آية واحدة نزلت بمكة عام الفتح في عثمان بن أبي طلحة وهي ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ الآية [النساء: ٥٨]، انتهى. قوله: (قال ابن عباس: ﴿يَسْتَنْكِفَ﴾: يستكبر)، قال الحافظ (٣): وقع هذا في رواية المستملي والكشميهني حسب، وقد وصله ابن أبي حاتم بإسناد صحيح عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ﴾ [النساء: ١٧٢] قال: يستكبر وهو عجيب؛ فإن في الآية عطف الاستكبار على الاستنكاف فالظاهر أنه غيره، ويمكن أن يحمل على التوكيد، انتهى. وقال القسطلاني (٤): يريد به تفسير قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ﴾ فالعطف للتفسير. وقال ابن عباس أيضًا فيما وصله ابن أبي حاتم: "قوامًا قوامكم من معايشكم" بكسر القاف وبعدها واو والتلاوة بالياء التحتية إذ مراده ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا﴾ [النساء: ٥] قيل: لم يقصد المؤلف بها التلاوة بلا حذف الكلمة القرآنية وأشار إلى تفسيرها، وقد قال أبو عبيدة: قيامًا وقوامًا بمنزلة واحدة، تقول: هذا قوام أمرك وقيامه، أي: ما يقوم به أمرك، والأصل بالواو فأبدلوها بكسرة القاف، ونقل أنها بالواو قراءة ابن عمر ﵄، انتهى.

стр. 2401

وكتب الشيخ قُدِّس سرُّه في "اللامع" (١): "قوامكم: من معايشكم. . ." إلخ، وهذا تفسير لقوله: "قوامًا" الوارد في سورة الفرقان فإن معناه القصد من العيش وما يتعيش به، وإيراده ها هنا دون "تفسير قيامًا الوارد ها هنا إشارة إلى أن المراد بهما واحد، انتهى. وفي هامشه: ما أفاده الشيخ قُدِّس سرُّه فهو محتمل ولكن الظاهر من كلام الشرَّاح أنه متعلق بآية سورة النساء. . .، إلى آخر ما بسط فيه من كلام الشرَّاح. (١ - باب: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى﴾ الآية [النساء: ٣]) سقطت هذه الترجمة لغير أبي ذر. ومعنى ﴿خِفْتُمْ﴾ ظننتم، ومعنى ﴿تُقْسِطُوا﴾ تعدلوا، وهو من أقسط، يقال: قسط إذا جاد، وأقسط إذا عدل، وقيل: الهمزة فيه للسلب، أي: أزال القسط، ورجحه ابن التين لقوله تعالى: ﴿ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٨٢] لأن أفعل في أبنية المبالغة لا تكون في المشهور إلا من الثلاثي، نعم حكى السيرافي في جواز التعجب بالرباعي، وحكى غيره أن أقسط من الأضداد، والله أعلم انتهى من "الفتح" (٢). (٢ - باب قوله: ﴿وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء: ٦]) قال الحافظ (٣): قوله: " ﴿وَبِدَارًا﴾ مبادرة" هو تفسير أول الآية المترجم بها، وقال أبو عبيدة في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا﴾ [النساء: ٦] الإسراف الإفراط، وبدارًا مبادرة، وكأنه فسر المصدر بأشهر منه، يقال: بادرت بدارًا ومبادرة. قوله: (﴿أَعْتَدْنَا﴾ أعددنا. . .) إلخ، كذا للأكثر وهو تفسير أبي عبيدة،

стр. 2402

ولأبي ذر عن الكشميهني: "اعتددنا افتعلنا" والأول هو الصواب، والمراد أن أعتدنا وأعددنا بمعنى واحد؛ لأن العتيد هو الشيء المعدّ. (تنبيه): وقعت هذه الكلمة في هذا الموضع سهوًا من بعض نساخ الكتاب، ومحلها بعد هذا قبل "باب ﴿لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا﴾ [النساء: ١٩]، انتهى من "الفتح". (٣ - باب قوله: ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى﴾ الآية [النساء: ٨]) سقط لفظ "باب" لغير أبي ذر، قاله الحافظ (١). وبسط الكلام في تفسير هذه الآية وهل هي محكمة أو منسوخة. تقدمت هذه الترجمة في كتاب الوصايا مع شيء من الكلام عليها. قوله: (هي محكمة) كتب الشيخ في "اللامع" (٢): أي: إذا أريد أمر استجاب، انتهى. (٤ - باب قوله: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ﴾ [النساء: ١١]) سقط لغير أبي ذر لفظ "باب" و" ﴿فِي أَوْلَادِكُمْ﴾ ". والمراد بالوصية ها هنا بيان قسمة الميراث (٣)، انتهى. قوله: (فنزلت ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ﴾ الآية) كتب الشيخ في "اللامع" (٤): يعني به آية الميراث ليشمل آية الكلالة الواقعة في آخر النساء، انتهى. قلت: دفع به الشيخ قُدِّس سرُّه ما يرد على هذا الحديث. قال الحافظ (٥): قوله: "فنزلت ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ﴾ " هكذا وقع في رواية
следующие страницы →