موسى؟ قالوا: العصا ويده، الحديث، إلى أن قال: فقالوا للنبي ﷺ : اجعل لنا الصفا ذهبًا" فنزلت هذه الآية، ورجاله ثقات إلا الحمّاني فإنه تكلم فيه، وقد خالفه الحسن بن موسى فرواه عن يعقوب عن جعفر عن سعيد مرسلًا وهو أشبه، وعلى تقدير كونه محفوظًا وصله ففيه إشكال من جهة أن هذه السورة مدنيّة وقريش من أهل مكة، قلت: ويحتمل أن يكون سؤالهم لذلك بعد أن هاجر النبي ﷺ إلى المدينة ولا سيما في زمن الهدنة، انتهى من "الفتح" (١).
١٨ - باب قوله: ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا﴾ الآية [آل عمران: ١٩١])
في موضع جَرِّ نعت لـ "أولي"، أو خبر مبتدأ محذوف، أي: هم الذين يذكرون الله حال كونهم قيامًا وقعودًا، أي: يداومون على الذكر بألسنتهم وقلوبهم؛ لأن الشخص لا يخلو عن هذه الأحوال، وقيل: يصلون على الهيئات الثلاث حسب طاقتهم، انتهى من "القسطلاني (٢)، وقد بسط القسطلاني في تفسير هذه الآيات المذكورة في هذا الباب والتي قبله فأجاد، فارجع إليه لو شئت.
(١٩ - باب قوله: ﴿رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ﴾ الآية [آل عمران: ١٩٢])
قال العلَّامة القسطلاني (٣): يعني: يتفكرون في خلق السماوات والأرض حال كونهم قائلين: ﴿رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ﴾، أي: أهنته وأذللته، أو أهلكته أو فضحته وأبلغت في إخزائه، والخزي ضرب من الاستخفاف أو انكسار يلحق الإنسان وهو الحياء المفرط، وقد
стр. 2399
تمسك المعتزلة بهذا على أن صاحب الكبيرة غير مؤمن؛ لأنه إذا دخل النار فقد أخزاه الله والمؤمن لا يخزى لقوله تعالى: ﴿يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ﴾ الآية [التحريم: ٨]، فوجب أن من يدخل النار لا يكون مؤمنًا، وأجيب بأن الخزي فسر بوجوه من المعاني فلم لا يجوز أن يراد في كل صورة معنى مثلًا في قوله تعالى: ﴿يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ. . .﴾ إلخ، أي: لا يهلكهم، وفي الأول يريد الإهانة، والحاصل أن لفظ الإخزاء مشترك بين الإهلاك والتخجيل، واللفظ المشترك لا يمكن حمله في طريق النفي والإثبات على معنييه جميعًا، وحينئذ يسقط الاستدلال به، انتهى.
قال الحافظ (١): ذكر المصنف فيه حديث ابن عباس المذكور وليس فيه إلا تغيير شيخ شيخه فقط، وسياق الرواية في هذا الباب أتم من تلك، انتهى.
(٢٠ - باب قوله: ﴿رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ﴾ الآية [آل عمران: ١٩٣])
ذكر فيه الحديث المذكور عن شيخ له آخر عن مالك، وساقه أيضًا بتمامه، انتهى من "الفتح" (٢).
قال القسطلاني (٣): قوله: ﴿مُنَادِيًا﴾ هو محمد ﷺ ، قال الله تعالى: ﴿وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ﴾ [الأحزاب: ٤٦]، وقيل: القرآن لقوله تعالى: ﴿يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ﴾ [الجن: ٢] فكأنه يدعو إلى نفسه، انتهى.
стр. 2400
(٤) سورة النساء
وفي نسخة "الفتح" و"العيني" بعده: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾، وقالا (١): لم تثبت البسملة إلا في رواية أبي ذر، انتهى.
قال العيني (٢): قال العوفي عن ابن عباس: نزلت سورة النساء بالمدينة، وكذا روى ابن مردويه عن عبد الله بن الزبير وزيد بن ثابت ﵄، وقال ابن النقيب: جمهور العلماء على أنها مدنيَّة وفيها آية واحدة نزلت بمكة عام الفتح في عثمان بن أبي طلحة وهي ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ الآية [النساء: ٥٨]، انتهى.
قوله: (قال ابن عباس: ﴿يَسْتَنْكِفَ﴾: يستكبر)، قال الحافظ (٣): وقع هذا في رواية المستملي والكشميهني حسب، وقد وصله ابن أبي حاتم بإسناد صحيح عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ﴾ [النساء: ١٧٢] قال: يستكبر وهو عجيب؛ فإن في الآية عطف الاستكبار على الاستنكاف فالظاهر أنه غيره، ويمكن أن يحمل على التوكيد، انتهى.
وقال القسطلاني (٤): يريد به تفسير قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ﴾ فالعطف للتفسير.
وقال ابن عباس أيضًا فيما وصله ابن أبي حاتم: "قوامًا قوامكم من معايشكم" بكسر القاف وبعدها واو والتلاوة بالياء التحتية إذ مراده ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا﴾ [النساء: ٥] قيل: لم يقصد المؤلف بها التلاوة بلا حذف الكلمة القرآنية وأشار إلى تفسيرها، وقد قال أبو عبيدة: قيامًا وقوامًا بمنزلة واحدة، تقول: هذا قوام أمرك وقيامه، أي: ما يقوم به أمرك، والأصل بالواو فأبدلوها بكسرة القاف، ونقل أنها بالواو قراءة ابن عمر ﵄، انتهى.
стр. 2401
وكتب الشيخ قُدِّس سرُّه في "اللامع" (١): "قوامكم: من معايشكم. . ." إلخ، وهذا تفسير لقوله: "قوامًا" الوارد في سورة الفرقان فإن معناه القصد من العيش وما يتعيش به، وإيراده ها هنا دون "تفسير قيامًا الوارد ها هنا إشارة إلى أن المراد بهما واحد، انتهى.
وفي هامشه: ما أفاده الشيخ قُدِّس سرُّه فهو محتمل ولكن الظاهر من كلام الشرَّاح أنه متعلق بآية سورة النساء. . .، إلى آخر ما بسط فيه من كلام الشرَّاح.
(١ - باب: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى﴾ الآية [النساء: ٣])
سقطت هذه الترجمة لغير أبي ذر.
ومعنى ﴿خِفْتُمْ﴾ ظننتم، ومعنى ﴿تُقْسِطُوا﴾ تعدلوا، وهو من أقسط، يقال: قسط إذا جاد، وأقسط إذا عدل، وقيل: الهمزة فيه للسلب، أي: أزال القسط، ورجحه ابن التين لقوله تعالى: ﴿ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٨٢] لأن أفعل في أبنية المبالغة لا تكون في المشهور إلا من الثلاثي، نعم حكى السيرافي في جواز التعجب بالرباعي، وحكى غيره أن أقسط من الأضداد، والله أعلم انتهى من "الفتح" (٢).
(٢ - باب قوله: ﴿وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء: ٦])
قال الحافظ (٣): قوله: " ﴿وَبِدَارًا﴾ مبادرة" هو تفسير أول الآية المترجم بها، وقال أبو عبيدة في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا﴾ [النساء: ٦] الإسراف الإفراط، وبدارًا مبادرة، وكأنه فسر المصدر بأشهر منه، يقال: بادرت بدارًا ومبادرة.
قوله: (﴿أَعْتَدْنَا﴾ أعددنا. . .) إلخ، كذا للأكثر وهو تفسير أبي عبيدة،
стр. 2402
ولأبي ذر عن الكشميهني: "اعتددنا افتعلنا" والأول هو الصواب، والمراد أن أعتدنا وأعددنا بمعنى واحد؛ لأن العتيد هو الشيء المعدّ.
(تنبيه): وقعت هذه الكلمة في هذا الموضع سهوًا من بعض نساخ الكتاب، ومحلها بعد هذا قبل "باب ﴿لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا﴾ [النساء: ١٩]، انتهى من "الفتح".
(٣ - باب قوله: ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى﴾ الآية [النساء: ٨])
سقط لفظ "باب" لغير أبي ذر، قاله الحافظ (١).
وبسط الكلام في تفسير هذه الآية وهل هي محكمة أو منسوخة.
تقدمت هذه الترجمة في كتاب الوصايا مع شيء من الكلام عليها.
قوله: (هي محكمة) كتب الشيخ في "اللامع" (٢): أي: إذا أريد أمر استجاب، انتهى.
(٤ - باب قوله: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ﴾ [النساء: ١١])
سقط لغير أبي ذر لفظ "باب" و" ﴿فِي أَوْلَادِكُمْ﴾ ".
والمراد بالوصية ها هنا بيان قسمة الميراث (٣)، انتهى.
قوله: (فنزلت ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ﴾ الآية) كتب الشيخ في "اللامع" (٤): يعني به آية الميراث ليشمل آية الكلالة الواقعة في آخر النساء، انتهى.
قلت: دفع به الشيخ قُدِّس سرُّه ما يرد على هذا الحديث.
قال الحافظ (٥): قوله: "فنزلت ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ﴾ " هكذا وقع في رواية
стр. 2403
ابن جريج، وقيل: إنه وهم في ذلك، وأن الصواب أن الآية التي نزلت في قصَّة جابر هذه الآية الأخيرة من النساء وهي: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ﴾ [النساء: ١٧٦] لأن جابرًا يومئذ لم يكن له ولد ولا والد، والكلالة من لا ولد له ولا والد، وقد أخرجه مسلم والنسائي عن ابن المنكدر: حتى نزلت [عليه] آية الميراث: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ﴾، ولمسلم أيضًا من طريق شعبة عن ابن المنكدر قال في آخر هذا الحديث: فنزلت آية الميراث، فقلت لمحمد بن المنكدر: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ﴾ قال: هكذا نزلت، وقد تفطن البخاري بذلك فترجم في أول الفرائض: قوله: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ﴾ [النساء: ١١] (زاد) إلى قوله: ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ﴾ [النساء: ١٢] ثم ساق حديث جابر المذكور وفي آخره: حتى نزلت آية الميراث، ولم يذكر الزيادة (أي: قوله: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ﴾) فأشعر البخاري بأن الزيادة عنده مدرجة من كلام ابن عيينة.
وقد اضطرب فيه، ففي رواية عنه عند ابن خزيمة: حتى نزلت آية الميراث: ﴿إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ﴾ [النساء: ١٧٦] وقال مرة: حتى نزلت آية الكلالة، وفي رواية عنه عند الترمذي وغيره بلفظ: حتى نزلت ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ فمراد البخاري بقوله في الترجمة "في كتاب الفرائض": إلى قوله: ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ﴾ الإشارة إلى أن مراد جابا من آية الميراث قوله: ﴿وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً﴾ [النساء: ١٢] (كما هو يناسب حال جابر) وأما الآية الأخرى وهي قوله: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ﴾ فسيأتي في آخر تفسير هذه السورة أنها من آخر ما نزل، فكأن الكلالة لما كانت مجملة في آية المواريث استفتوا منها.
ولم ينفرد ابن جريج بتعيين الآية المذكورة (أي: بقوله: فنزلت ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ﴾) فقد ذكرها ابن عيينة أيضًا وقد أخرجه البخاري أيضًا عن ابن المديني وعن الجعفي مثل رواية قتيبة بدون الزيادة (أي: قوله: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ﴾) وهو المحفوظ، وكذا أخرجه مسلم
стр. 2404
أيضًا عن ابن المنكدر بلفظ: حتى نزلت آية الميراث، فالحاصل أن المحفوظ عن ابن المنكدر أنه قال: آية الميراث أو آية الفرائض.
والظاهر أنها ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ﴾ كما صرَّح به في رواية ابن جريج ومن تابعه، وأما من قال: إنها ﴿يَسْتَفْتُونَكَ﴾ فعمدته أن جابرًا لم يكن له حينئذ ولد وإنما كان يورث كلالة فكان المناسب لقصته نزول ﴿يَسْتَفْتُونَكَ﴾ لكن ليس ذلك بلازم؛ لأن الكلالة اختلف في تفسيرها فقيل: هي اسم المال الموروث، وقيل: اسم الميت، وقيل: اسم الإرث، فلما لم يتعين تفسيرها لمن لا ولد له ولا والد لم يصح الاستدلال؛ لأن ﴿يَسْتَفْتُونَكَ﴾ نزلت في آخر الأمر، وآية المواريث نزلت قبل ذلك بمدة في ورثة سعد بن الربيع، وكان قتل يوم أُحد فخلف ابنتين وأمهما وأخاه، فأخذ الأخ المال فنزلت، وبه احتج من قال: إنها لم تنزل في قصَّة جابر، وإنما نزلت في قصَّة ابنتي سعد بن الربيع، وليس ذلك بلازم؛ إذ لا مانع أن تنزل في الأمرين معًا، فقد ظهر أن ابن جريج لم يهم، انتهى ما في "الفتح" (١) بإيضاح واختصار.
قلت: ومحصل الكل أن رواية البخاري هذه صحيحة لا وهم فيها كما قيل، لكن يشكل عليه أنه لا يناسب حال جابر ﵁ فإنه كان كلالة، والجواب إما أولًا: فلأنه اختلف في تفسير الكلالة كما تقدم، وثانيًا: أن المراد به آية الميراث بتمامها إلى قوله: ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ﴾ كما ذكره البخاري في الفرائض، وهو يتضمن آية الكلالة أيضًا، وتقدمت الإشارة إليه في كلام الشيخ من "اللامع"، وسيأتي الكلام على الكلالة قريبًا أيضًا، في آخر تفسير سورة النساء.
(٥ - باب قوله: ﴿وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ﴾ [النساء: ١٢])
سقط لفظ "باب" لغير أبي ذر، وثبت قوله: "قوله" للمستملي فقط.
قوله: (كان المال للولد) يشير إلى ما كانوا عليه قبل، وقد روى الطبري من وجه آخر عن ابن عباس: أنها لما نزلت قالوا: يا رسول الله أن نعطي
стр. 2405
الجارية الصغيرة نصف الميراث وهي لا تركب الفرس ولا تدفع العدو؛ قال: وكانوا في الجاهلية لا يعطون الميراث إلا لمن قاتل القوم.
قوله: (فنسخ الله من ذلك ما أحبّ) هذا يدلّ على أن الأمر الأول استمر على نزول الآية، وفيه ردّ على من أنكر النسخ، ولم ينقل ذلك عن أحد من المسلمين إلا عن أبي مسلم الأصبهاني صاحب "التَّفسير" فإنه أنكر النسخ مطلقًا، وردّ عليه بالإجماع على أن شريعة الإسلام ناسخة لجميع الشرائع، وأجيب عنه بأنه يرى أن الشرائع الماضية مستقرة الحكم إلى ظهور هذه الشريعة، قال: فسمي ذلك تخصيصًا لا نسخًا، ولهذا قال ابن السمعاني: إن كان أبو مسلم لا يعترف بوقوع الأشياء التي نسخت في هذه الشريعة فهو مكابر، وإن قال: لا أسميه نسخًا كان الخلاف لفظيًا، انتهى من "الفتح" (١).
(٦ - باب قوله: ﴿لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا﴾ الآية [النساء: ١٩])
سقط "باب" وما بعد ﴿كَرْهًا﴾ لغير أبي ذر.
وقوله: ﴿كَرْهًا﴾ مصدر في موضع الحال، قرأها حمزة والكسائي بالضم والباقون بالفتح.
قوله: (﴿حُوبًا﴾: إثمًا) محل هذه التفاسير من قوله: ﴿حُوبًا﴾ إلى آخرها في أول السورة، وكأنه من بعض نساخ الكتاب كما قدمناه غير مرة، وليس هذا خاصًا بهذا الموضع ففي التَّفسير في غالب السور أشباه هذا، انتهى كله من "الفتح" (٢).
(٧ - باب قوله: ﴿وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ﴾ الآية [النساء: ٣٣])
كتب الشيخ قُدِّس سرُّه في "اللامع" (٣): قوله: "أولياء ورثة" يعني: أن
стр. 2406
للمولى معان شتى منها الوارث ومنها مولى اليمين، انتهى.
وفي هامشه: وهو كما أفاده الشيخ أن للمولى معان كثيرة، منها ما ذكره الإمام البخاري عدة معاني.
قال الحافظ: ومما لم يذكره، أي: البخاري وذكره غيره من أهل اللغة: المولى: المحب والجار والناصر والصهر والتابع والولي والموازي، وذكروا أيضًا: العم والعبد وابن الأخ والشريك والنديم، ويلتحق بهم معلِّم القرآن جاء فيه حديث مرفوع: "من علّم عبدًا آية من كتاب الله فهو مولاه" الحديث أخرجه الطبراني من حديث أبي أُمامة، ونحوه قول شعبة: من كتبت عنه حديثًا فأنا له عبد، انتهى مختصرًا.
(٨ - باب قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾ [النساء: ٤٠] يعني: زنة ذرة)
هو تفسير أبي عبيدة قال في قوله تعالى: ﴿مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾ أي: زنة ذرة، ويقال: هذا مثقال هذا، أي: وزنه، وهو مفعال من الثقل، والذرّة النملة الصغيرة، ويقال: واحدة الهباء، والذرة يقال: زنتها ربع ورقة نخالة، وورقة النخالة وزن ربع خردلة، وزنة الخردلة ربع سمسمة، ويقال: الذرة لا وزن لها، وإنّ شخصًا ترك رغيفًا حتى علاه الذر فوزنه فلم يزد شيئًا، حكاه الثعلبي.
ثم ذكر المصنف حديث أبي سعيد في الشفاعة وسيأتي في كتاب الرقاق مع حديث أبي هريرة المذكور هناك وهو بطوله في معناه، وقد وقع ذكرهما بتمامهما متواليين في كتاب التوحيد، انتهى من "الفتح" (١).
وكتب الشيخ في "اللامع" (٢): دلالة الرواية على الترجمة في قوله: "بَرّ وفاجر" فإنه لو لم يعتبر من الإيمان قليله لزم الظلم، وأيضًا فإن البر وقع منكَّرًا، وأدنى المؤمنين بارّ أيضًا فلزم اعتباره من جملة الأبرار: إذ لو لم
стр. 2407
يدخل فيهم لزم أن يكون بعض أفراد البر غير مجزي على ما عمله، والحال أن الله لا يظلم مثقال ذرة، انتهى.
وفي هامشه: أجاد الشيخ قُدِّس سرُّه في مناسبة الحديث بالترجمة.
وقال العيني (١): مطابقته للترجمة من حيث إن المفهوم من معناه أن الله تعالى يحكم يوم القيامة بين عباده المؤمنين والكافرين بعدله العظيم ولا يظلم أحدًا منهم مثقال ذرة، ولم أر أحدًا من الشرَّاح ذكر وجه المطابقة ولا أنصف في شرح هذا الحديث، انتهى.
ثم ذكر شيئًا من شرح ألفاظ الحديث، والأوجه عند هذا العبد الضعيف: أن المناسبة بما ورد في بعض طرق هذا الحديث من قوله تعالى: "أخرجوا من كان في قلبه مثقال حبة من خردل من إيمان"، وقد تقدم هذا الجزء من الحديث في "كتاب الإيمان" في "باب تفاضل أهل الإيمان"، فقد أخرج المصنف هذا الحديث في "كتاب الإيمان" مختصرًا بهذه الزيادة، وسيأتي الحديث بطوله بهذه الزيادة في "كتاب التوحيد"، وفيه أيضًا: فقال أبو سعيد: فإن لم تصدقوني فاقرأوا: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾ [النساء: ٤٠] الحديث.
قوله: (وغُبّرات أهل الكتاب. . .) إلخ، بضم الغين المعجمة وتشديد الموحدة، وفي رواية مسلم: "وغُبّر" وكلاهما جمع غابر، أو الغبرات جمع غبّر، وغبّر جمع غابر، ويجمع أيضًا على أغبار، وغبر الشيء بقيته، وجاء بسكون الموحدة، انتهى من "الفتح" (٢).
وكتب الشيخ قُدِّس سرُّه في "اللامع" (٣): وإنما يبقون هؤلاء مع إشراكهم بالله كالكفرة الأخر للادّعاء الظاهر منهم بعلاقة بالله، فإنهم لم يعبدوا عيسى أو عزيرًا إلا لاعتقادهم أنه ابن الله فكانت عبادتهم لهما عبادة الله في زعمهم الفاسد، انتهى.
стр. 2408
وفي هامشه: قال العلَّامة السندي: قوله: "فلا يبقى من كان يعبد غير الله" أي: بخلاف من كان يعبد نحو عزير وعيسى على نبينا وعليهما الصلاة والسلام ضرورة أن نحو الأصنام في النار، فمن كانوا يعبدونها عند اتباعهم يلحقون بهم في النار بخلاف نحو عزير وعيسى، انتهى.
(٩ - باب قوله: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ﴾ الآية [النساء: ٤١])
قال الحافظ (١): وقع في الباب تفاسير لا تتعلق بالآية وقد قدّمتُ الاعتذار عن ذلك، انتهى.
(١٠ - باب قوله: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ﴾ الآية [النساء: ٤٣])
قال الحافظ (٢): هذا القدر مشترك في آيتي النساء والمائدة، وإيراد المصنف له في تفسير سورة النساء يشعر بأن آية النساء نزلت في قصَّة عائشة، وقد سبق ما فيه من كتاب التيمم، انتهى.
قوله: (وقال عكرمة: الجبت بلسان الحبشة الشيطان. . .) إلخ، قال الحافظ (٣): وصله عبد بن حميد بإسناد صحيح عنه، وروى الطبري من طريق قتادة مثله بغير ذكر الحبشة، ومن طريق العوفي عن ابن عباس قال: الجبت الأصنام، والطواغيت الذين كانوا يعبرون عن الأصنام بالكذب، قال: وزعم رجال أن الجبت الكاهن، والطاغوت رجل من اليهود يدعى كعب بن الأشرف، وعن ابن عباس أيضًا قال: الجبت حيي بن أخطب، والطاغوت كعب بن الأشرف، واختار الطبري أن المراد بالجبت والطاغوت جنس
стр. 2409
من كان يعبد من دون الله سواء كان صنمًا أو شيطانًا جنيًّا أو آدميًا فيدخل فيه الساحر والكاهن، والله أعلم.
وأما قول عكرمة: إن "الجبت بلسان الحبشة الشيطان" فقد وافقه سعيد بن جبير على ذلك لكن عبَّر عنه بالساحر، وهذا مصير منهما إلى وقوع المعرَّب في القرآن، وهي مسألة اختلف فيها، فبالغ الشافعي وأبو عبيدة اللغوي وغيرهما في إنكار ذلك، فحملوا ما ورد من ذلك على توارد اللغتين، وأجاز ذلك جماعة واختاره ابن الحاجب، واحتج له بوقوع أسماء الأعلام فيه كـ "إبراهيم" فلا مانع من وقوع أسماء الأجناس، وقد وقع في "صحيح البخاري" جملة من هذا، وتتبع القاضي تاج الدين السبكي ما وقع في القرآن من ذلك ونظمه في أبيات ذكرها في "شرحه على المختصر" وقد تتبعت بعده زيادة كثيرة على ذلك تقرب من عدة ما أورد، ونظمتها أيضًا، وليس جميع ما أورد هو متفقًا على أنه من ذلك، لكن اكتفى بإيراد ما نقل في الجملة فتبعته في ذلك وقد رأيت إيراد الجميع للفائدة.
ثم ذكر الحافظ تلك الأبيات ثم قال: وأنا معترف أنني لم أستوعب ما يستدرك عليه فقد ظفرت بعد نظمي هذا بأشياء، وقد عزمت أني إذا أتيت على آخر شرح هذا التَّفسير إن شاء الله تعالى ألحق ما وقفت عليه من زيادة في ذلك منظومًا، انتهى من "الفتح".
(١١ - باب قوله: ﴿وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٥٩] ذوي الأمر)
هكذا في النسخة "الهندية" وكذا في نسخة "القسطلاني" لكن بدون لفظ "باب"، وفي نسخة "الفتح" و"العيني": "باب ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ. . .﴾ " إلخ.
قال الحافظ (١): وهو تفسير أبي عبيدة، قال ذلك في هذه الآية وزاد:
стр. 2410
والدليل على ذلك أن واحدها "ذو" أي: واحد "أولي" لأنها لا واحد لها من لفظها، انتهى.
وكتب الشيخ قُدِّس سرُّه في "اللامع" (١): دفع به توهم الاشتراك فإن كلمة "أولي" كما هي بمعنى الجمع للفظة "ذو" فكذلك هي مستعملة لجمع "الذي"، قال: ألست ابن الأولي سعدوا وسادوا، انتهى.
قوله: (نزلت في عبد الله بن حذافة. . .) إلخ، قال الحافظ (٢): كذا ذكره مختصرًا، والمعنى نزلت في قصَّة عبد الله بن حذافة، أي: المقصود منها في قصته قوله: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ﴾ الآية [النساء: ٥٩]، انتهى.
قال القسطلاني (٣): قوله: "إذ بعثه النبي ﷺ في سرية" وكانت فيه دعابة، أي: لعب، فنزلوا ببعض الطريق وأوقدوا نارًا يصطلون عليها فقال: عزمت عليكم إلا تواثبتم في هذه النار، فلما همّ بعضهم بذلك قال: اجلسوا إنما كنت أمزح، فذكروا ذلك للنبي ﷺ فقال: "من أمركم بمعصية فلا تطيعوه" رواه ابن سعد، وبوّب عليه البخاري فقال: سرية عبد الله بن حذافة السهمي وعلقمة بن مجزز المدلجي، ثم روى عن علي قال: بعث النبي ﷺ سرية واستعمل رجلًا من الأنصار وأمرهم أن يطيعوه، فغضب فقال: أليس قد أمركم النبي ﷺ [أن تطيعوني]؟ قالوا: بلى، قال: فاجمعوا لي حطبًا. . .، إلى آخر ما تقدم. واختلاف السياقين يدل على التعدد لا سيما وعبد الله بن حذافة مهاجري قرشي، والذي في حديث علي أنصاري، انتهى.
ثم إنهم اختلفوا في تفسير "أولي الأمر" المذكور في الآية المترجم بها فقال القسطلاني (٤): وهم الخلفاء الراشدون ومن سلك طريقهم في رعاية العدل، ويدرج فيهم القضاة وأمراء السرية، أمر الله تعالى الناس بطاعتهم
стр. 2411
بعد ما أمرهم بالعدل تنبيهًا على أن وجوب طاعتهم عا داموا على الحق، وقيل: علماء الشرع لقوله تعالى: ﴿وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ [النساء: ٨٣]، انتهى.
وقال العلَّامة العيني (١): في تفسيره أحد عشر قولًا: الأول: الأمراء، قاله ابن عباس وأبو هريرة والسدي. الثاني: أبو بكر وعمر ﵄، قاله عكرمة. الثالث: جميع الصحابة، قاله مجاهد. الرابع: الخلفاء الأربعة، قاله أبو بكر الوراق فيما قاله الثعلبي. الخامس: المهاجرون والأنصار، قاله عطاء. السادس: الصحابة والتابعون. السابع: أرباب العقل الذين يسوسون أمر الناس، قاله ابن كيسان. الثامن: العلماء والفقهاء، قاله الحسن وأبو العاليه. التاسع: أمراء السرايا، قاله ميمون بن مهران ومقاتل والكلبي. العاشر: أهل العلم والقرآن، قاله مجاهد، واختاره مالك. الحادي عشر: عام في كل من ولي أمر شيء، وهو الصحيح، وإليه مال البخاري بقوله: ذوي الأمر، انتهى.
(١٢ - باب قوله: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ [النساء: ٦٥])
سقط لفظ "باب" لغير أبي ذر.
ذكر فيه قصَّة الزبير مع الأنصاري الذي خاصمه في شراج الحرة، وقد تقدم في "كتاب الشرب" مع الكلام عليه.
(١٣ - باب قوله: ﴿فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ الآية [النساء: ٦٩])
ذكر فيه حديث عائشة وقد تقدم في "الوفاة النبوية".
стр. 2412
(١٤ - باب قوله: ﴿وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ الآية [النساء: ٧٥])
والأظهر أن "المستضعفين" مجرور بالعطف على اسم الله، أي: وفي سبيل المستضعفين، أو على سبيل الله، أي: وفي خلاص المستضعفين، وجوز الزمخشري، أن يكون منصوبًا على الاختصاص.
قوله: (تلووا ألسنتكم بالشهادة) وصله الطبري عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا﴾ [النساء: ١٣٥] قال: تلووا ألسنتكم بشهادة أو تعرضوا عنها، وعن قتادة أنه قال: أن تدخل في شهادتك ما يبطلها أو تعرض عنها فلا تشهدها، وقرأ حمزة وابن عامر: ﴿وَإِنْ تَلْوُوا﴾ بواو واحدة ساكنة، ويكون على هذا من الولاية، وصوّب أبو عبيدة قراءة الباقين وقال: وليس للولاية ها هنا معنى، وأجاب الفراء بأنها بمعنى الليّ كقراءة الجماعة إلا أن الواو المضمومة قلبت همزة ثم سهلت، وقال الفارسي: إنها على بابها من الولاية، والمراد: وإن وليتم إقامة الشهادة، انتهى (١).
(١٥ - باب قوله: ﴿فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ﴾ الآية [النساء: ٨٨])
(قال ابن عباس: بددهم) وصله الطبري بسنده عن ابن عباس، وبسند آخر عنه قال: "أوقعهم"، وفي رواية قال: "أهلكهم"، وهو تفسير باللازم؛ لأن الركس: الرجوع، فكأنه ردّهم إلى حكمهم الأول، انتهى (٢).
(باب قوله: ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ. . .﴾ [النساء: ٨٣] أفشوه) إلخ
قال الحافظ (٣): وصله ابن المنذر عن ابن عباس في قوله: ﴿أَذَاعُوا بِهِ﴾ أي: أفشوه.
стр. 2413
قوله: (﴿يَسْتَنْبِطُونَهُ﴾ يستخرجونه) قاله أبو عبيدة.
وقوله: (﴿إلا إِنَاثًا﴾ الموات. . .) إلخ، قاله أبو عبيدة في قوله تعالى: ﴿إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إلا إِنَاثًا﴾ [النساء: ١١٧] والمراد بالموات ضد الحيوان، وقال غيره: قيل لها إناث لأنهم سموها مناة واللات والعزى وإساف ونائلة ونحو ذلك، وعن الحسن البصري: لم يكن حي من أحياء العرب إلا ولهم صنم يعبدونه يسمى أنثى بني فلان، وسيأتي في الصافات حكاية عنهم أنهم كانوا يقولون: الملائكة بنات الله، تعالى الله عن ذلك. وفي رواية عبد الله بن أحمد في مسند أبيه عن أُبي بن كعب في هذه الآية، قال: مع كل صنم جنِّية، ورواته ثقات، ومن هذا الوجه أخرجه ابن أبي حاتم، انتهى.
وقال القسطلاني (١): قال الحسن: كل شيء لا روح فيه كالحجر والخشبة هي إناث، وقد كانوا يسمون أصنامهم بأسماء الإناث، انتهى.
وكتب الشيخ قُدِّس سرُّه في "اللامع" (٢): قوله: يعني الموات إطلاق الإناث على الأحجار تشبيه في عدم الغناء وكثرة العناء مع ملاحظة التأنيث في الأسماء، انتهى.
وفي "تقرير المكي": قوله: "الموات" يعني: المراد بالإناث الموات وهي اللات ومناة والعزى وأمثالها، انتهى.
قال الحافظ (٣): ثم إن المصنف ذكر في هذا الباب آثارًا ولم يذكر فيه حديثًا، وقد وقع عند مسلم من حديث عمر في سبب نزولها: أن النبي ﷺ لما هجر نساءه وشاع أنه طلقهن وأن عمر جاءه فقال: أطلقت نساءك؟ قال: "لا"، قال: فقمت على باب المسجد فناديت بأعلى صوتي: لم يطلق نساءه فنزلت هذه الآية، فكنت أنا استنبطت ذلك الأمر، وأصل هذه القصَّة عند
стр. 2414
البخاري أيضًا لكن بدون هذه الزيادة فليست على شرطه فكأنه أشار إليها بهذه الترجمة، انتهى.
ويشكل ها هنا أن الآية المترجم بها في هذا الباب مقدمة على الآية المترجم بها في الباب السابق ولم يتعرض له الشرَّاح ولم أجد فيه اختلاف النسخ أيضًا، فيمكن أن يكون ذلك من تصرف النساخ وإن لم يذكر الشرَّاح ها هنا اختلاف النسخ أيضًا، والله تعالى أعلم، وتقدم نظيره في تفسير سورة آل عمران أيضًا.
(١٦ - باب قوله: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ﴾ [النساء: ٩٣])
قال الحافظ (١): يقال: نزلت في مقيس بن ضبابة وكان أسلم هو وأخوه هشام، فقتل هشامًا رجل من الأنصار غيلة فلم يعرف، فأرسل إليهم النبي ﷺ رجلًا يأمرهم أن يدفعوا إلى مقيس دية أخيه ففعلوا، فأخذ الدية وقتل الرسول ولحق بمكة مرتدًا، فنزلت فيه، وهو ممن أهدر النبي ﷺ دمه يوم الفتح، أخرجه ابن أبي حاتم من طريق سعيد بن جبير.
وقوله: (هي آخر ما نزل) أي: في شأن قتل المؤمن عمدًا بالنسبة لآية الفرقان، وسيأتي مزيد فيه هناك، انتهى من "الفتح".
قوله: (﴿فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ﴾) ولعله ذهب إلى نوع تخفيف في عذابه فرقًا بينه وبين الكافر فإن الكفر أعظم الجنايات، وعلى هذا فالعظمة في قوله: ﴿وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا﴾ عظمة في نفسه لا بنسبة من سواه من الكفرة، أو يكون العظم بحسب اعتبار من دخلها من فساق المؤمنين أول مرة وإن لم يكونوا خالدين وهو خالد فيها (أي: على رأي ابن عباس)، انتهى.
стр. 2415
وفي هامشه: نبَّه الشيخ قُدِّس سرُّه على ذلك لأن قوله: ﴿وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا﴾ يوهم أن جزاءه يزيد على الكفرة أيضًا؛ لأن الخلود وهو جزاء الكفرة علم من قوله: ﴿خَالِدًا﴾، انتهى (١).
وسيأتي تمام الكلام عليه بالبسط في سورة الفرقان إن شاء الله تعالى.
(١٧ - باب قوله: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا﴾ [النساء: ٩٤])
قال الحافظ (٢): قوله: "السّلَم والسِّلْم والسلام واحد" الأول: بفتحتين، والثاني: بكسر ثم سكون، فالأول قراءة نافع وابن عامر وحمزة، والثاني قراءة رويت عن عاصم بن أبي النجود، والثالث: قراءة الباقين، وروي عن عاصم الجحدري بفتح ثم سكون. فأما الثالث فمن التحيَّة، وأما ما عداه فهو من الانقياد.
وقوله: (فقتلوه وأخذوا غنيمته) زاد في رواية سماك: وقالوا: ما سلّم علينا إلا ليتعوذ منا، وأتوا بغنمه النبيَّ ﷺ ؛ فنزلت. وروى البزار عن سعيد بن جبير عن ابن عباس في سبب نزول هذه الآية قصَّة أخرى قال: "بعث رسول الله ﷺ سرية فيها المقداد، فلما أتوا القوم وجدوهم قد تفرقوا وبقي رجل له مال كثير فقال: أشهد أن لا إله إلا الله، فقتله المقداد، فقال له النبي ﷺ : كيف لك بلا إله إلا الله غدًا!! وأنزل الله هذه الآية". وهذه القصة يمكن الجمع بينها وبين التي قبلها، ويستفاد منها تسمية القاتل، وأما المقتول فروى الثعلبي من طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس أن اسم المقتول مرداس بن نهيك من أهل فدك. . .، إلى آخر ما بسط الحافظ من الروايات المختلفة في سبب نزولها، وكذا في اسم القاتل والمقتول.
стр. 2416
(١٨ - باب: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [النساء: ٩٥])
قال القسطلاني (١): كذا في الفرع وأصله، وغيرهما بإسقاط ﴿غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾ وثبت ذلك في بعضها، ولأبي ذر: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ الآية، وسقط ما بعد ذلك، انتهى.
قال الحافظ (٢): واختلفت القراءة في ﴿غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾ فقرأ ابن كثير وأبو عمرو وعاصم بالرفع على البدل من ﴿الْقَاعِدُونَ﴾، وقرأ الأعمش بالجر على الصفة للمؤمنين، وقرأ الباقون بالنصب على الاستثناء، انتهى.
ولم يتعرض الحافظ ولا العلَّامة العيني لعدم ذكر البخاري لفظ ﴿غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾ في الترجمة، ولعل النكتة في حذفه الإشارة إلى تأخر نزوله كما في حديث الباب.
(١٩ - باب قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ﴾ [النساء: ٩٧])
هكذا في النسخ "الهندية" و"العيني"، و"القسطلاني" (٣) بزيادة لفظ "باب"، قال القسطلاني: سقط لفظ الباب من أكثر النسخ وثبت في بعضها، انتهى.
وليس لفظ "باب" في نسخة "الفتح" وقال (٤): ليس عند الجميع لفظ "باب".
وقوله: (قطع على أهل المدينة بعث. . .) إلخ، المعنى أنهم ألزموا بإخراج جيش لقتال أهل الشام، وكان ذلك في خلافة عبد الله بن الزبير على مكة، انتهى من "الفتح".
стр. 2417
قال القسطلاني (١): وغرض عكرمة أن الله ذمّ من كثّر سواد المشركين مع أنهم كانوا لا يريدون بقلوبهم موافقتهم فكذلك أنت لا تكثر سواد هذا الجيش وإن كنت لا تريد موافقتهم؛ لأنهم لا يقاتلون في سبيل الله، انتهى.
قال الحافظ بعد ذكر حديث الباب (٢): هكذا جاء في سبب نزولها، وعن ابن عباس عند ابن المنذر والطبري: كان قوم من أهل مكة قد أسلموا وكانوا يخفون الإسلام، فأخرجهم المشركون معهم يوم بدر فأصيب بعضهم، فقال المسلمون: هؤلاء كانوا مسلمين فأكرهوا فاستغفروا لهم، فنزلت، فكتبوا بها إلى من بقي بمكة منهم وأنهم لا عذر لهم، فخرجوا فلحقهم المشركون ففتنوهم فرجعوا، فنزلت: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ﴾ [العنكبوت: ١٠] فكتب إليهم المسلمون بذلك فحزنوا فنزلت: ﴿ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا فُتِنُوا﴾ الآية [النحل: ١١٠]، فكتبوا إليهم بذلك فخرجوا فلحقوهم فنجا من نجا وقتل من قتل، انتهى.
(٢٠ - باب قوله: ﴿إلا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ﴾ الآية [النساء: ٩٨])
ليس لفظ "باب" في نسخ الشروح الثلاثة، قال العلَّامة القسطلاني (٣): وفي بعض النسخ "باب" بالتنوين، أي في قوله تعالى: ﴿إلا الْمُسْتَضْعَفِينَ﴾ استثناء من قوله: ﴿فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [النساء: ٩٧]، فيكون الاستثناء متصلًا كأنه قيل: فأولئك في جهنم إلا المستضعفين، والصحيح أنه منقطع لأن الضمير في ﴿مَأْوَاهُمْ﴾ عائد على ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ﴾ [النساء: ٩٧] وهؤلاء المتوفون إما كفارًا أو عصاة بالتخلف وهم قادرون على الهجرة فلم يندرج فيهم المستضعفون فكان منقطعًا، انتهى.
стр. 2418
(٢١ - باب قوله: ﴿فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ﴾)
وفي نسخة "الفتح" و"القسطلاني" و"العيني": "باب قوله: ﴿فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ﴾ الآية [النساء: ٩٩] ".
قال الحافظ (١): كذا لأبي ذر ولغيره: ﴿فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ﴾ كذا وقع عند أبي نعيم في "المستخرج" وهو خطأ من النساخ بدليل وقوعه على الصواب في رواية أبي ذر: ﴿فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ﴾ الآية، وهي التلاوة، ووقع في "تنقيح الزركشي" ها هنا: ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا﴾ [النساء: ٩٩] قال: وهو خطأ أيضًا، قال الحافظ: لكن لم أقف عليه في رواية، انتهى.
(٢٢ - باب قوله تعالى: ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كَانَ بِكُمْ أَذًى مِنْ مَطَرٍ﴾ الآية [النساء: ١٠٢])
كذا لأبي ذر وسقط لغيره "باب" وزادوا: ﴿أَوْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ﴾، انتهى من "الفتح" (٢).
قوله: (قال عبد الرحمن: وكان جريحًا) وفي نسخة "الفتح" بزيادة الواو، قال الحافظ (٣): في رواية: "كان" بغير واو، كذا وقع عنده مختصرًا، ومقول ابن عباس ما ذكر عن عبد الرحمن، وقوله: "كان جريحًا" أي: فنزلت الآية فيه، وقال الكرماني: يحتمل هذا، ويحتمل أن التقدير: قال ابن عباس: وعبد الرحمن بن عوف يقول: من كان جريحًا فحكمه كذلك، فكان عطف الجريح على المريض إلحاقًا به على سبيل القياس، أو لأن الجرح نوع من المرض فيكون كله مقول عبد الرحمن وهو مروي عن ابن عباس.
قلت: وسياق ما أورده غير البخاري يدفع هذا الاحتمال، فقد وقع
стр. 2419
عند أبي نعيم في "المستخرج" من طريق إبراهيم بن سعيد عن حجاج بن محمد قال: كان عبد الرحمن بن عوف جريحًا، وهو ظاهر في أن فاعل "قال" هو ابن عباس، وأنه لا رواية لابن عباس في هذا عن عبد الرحمن، انتهى من "الفتح".
(٢٣ - باب قوله: ﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ﴾ [النساء: ١٢٧])
كذا لأبي ذر، وله عن غير المستملي "باب يستفتونك" (بغير واو) وسقط لغيره "باب"، وقوله: ﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ﴾ أي: يطلبون الفتيا أو الفتوى وهما بمعنى واحد، أي: جواب السؤال عن الحادثة التي تشكل على السائل، وهي مشتقة من الفتي، ومنه الفتى وهو الشاب القوي.
ثم ذكر حديث عائشة في قصَّة الرجل يكون عنده اليتيمة، وروى ابن أبي حاتم من طريق السدي قال: كان لجابر بنت عم دميمة ولها مال ورثته عن أبيها، وكان جابر يرغب عن نكاحها، ولا ينكحها خشية أن يذهب الزوج بمالها، فسأل النبي ﷺ عن ذلك فنزلت، انتهى من "الفتح" (١).
(٢٤ - باب قوله: ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا﴾ [النساء: ١٢٨])
وفي نسخ الشروح الثلاثة بغير لفظ "باب"، قال الحافظان (٢) ابن حجر والعيني: كذا وقع لجميع الرواة بغير ذكر لفظ "باب"، زاد العيني: ووقع في بعض النسخ، فالظاهر أنه من بعض النساخ.
قوله: (وقال ابن عباس: ﴿شِقَاقَ﴾: تفاسد) أشار به إلى قوله تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا﴾ [النساء: ٣٥] وصله ابن أبي حاتم، وقال غيره:
стр. 2420
الشقاق: العداوة لأن كلًا من المتعاديين في شق خلاف شق صاحبه، انتهى من "الفتح" (١).
وزاد القسطلاني (٢): ومحل ذكر هذه الآية قبلُ على ما لا يخفى، انتهى.
قلت: وذلك أن قوله تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا﴾ مقدم في التلاوة على الآية المترجم بها لكن هذا الإيراد في غير محله فإن الإمام البخاري ذكر هذه الآية بل أشار إليها بمناسبة الآية المترجم بها ولم يجعلها ترجمة برأسها حتى يرد عليه ما أورده، ومن دأبه المعروف أنه كثيرًا ما يشير إلى تفسير الآيات الأخر بمناسبة الترجمة، والعجب منه أنه أورد على هذا ولم يورد على ما هو جدير بالإيراد، وهو باب قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ﴾ الآية [آل عمران: ٧٧]، وقوله: باب ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ﴾ الآية [آل عمران: ٦٤]، كما تقدم فإن الإمام البخاري خالف في هذين البابين ترتيب التلاوة.
(٢٥ - باب قوله: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ﴾ الآية [النساء: ١٤٥])
كذا لأبي ذر وسقط لغيره "باب".
قوله: (وقال ابن عباس: أسفل النار) وصله ابن أبي حاتم عنه قال: الدرك الأسفل أسفل النار، قال العلماء: عذاب المنافق أشد من عذاب الكافر لاستهزائهم بالدين، انتهى (٣).
كتب الشيخ في "اللامع" (٤): قوله: "قال ابن عباس. . ." إلخ، دفع بذلك ما يتوهم بكلمة "من" في قوله تعالى: ﴿فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّار﴾
стр. 2421
أن مقامهم خارج من النار؛ كقولك: هذا أسفل منه، فبين بهذا التَّفسير أن كلمة "من" ليست صلة في اسم التفضيل بل هي بيانية، فلا يلزم كون الدرك الأسفل سوى النار وأدون منه، وفي الآية إشارة إليه حيث أورد الأسفل معرفًا، واسم التفضيل بعد تعريفه باللام لا يحتاج إلى صلة فلا يكون مقام المنافقين أدون من النار خارجًا منها، انتهى.
قوله: (نفقًا سربًا) وصله ابن أبي حاتم بسنده عن ابن عباس، وهذه الكلمة ليست من سورة النساء وإنما هي من سورة الأنعام، ولعل مناسبة ذكرها ها هنا للإشارة إلى اشتقاق النفاق؛ لأن النفاق إظهار غير ما يبطن، كذا وجّهه الكرماني، وليس ببعيد مما قالوه في اشتقاق النفاق أنه من النافقاء وهو جُحر اليربوع، وقيل: هو من النفق وهو السرب حكاه في "النهاية"، انتهى من "الفتح" (١).
وهكذا أفاد الشيخ قُدِّس سرُّه في "اللامع" (٢) أنه أشار بذلك إلى وجه اشتقاقه منه. . .، إلى آخر ما ذكر فيه وفي هامشه في تأييد كلامه فارجع إليه.
قوله: (عجبت من ضحكه) قال الحافظ (٣): أي: من اقتصاره على ذلك، وقد عرف ما قلت، أي: فهم مرادي وعرف أنه الحق، انتهى.
وكتب الشيخ في "اللامع" (٤): قوله: "عجبت من ضحكه. . ." إلخ، حيث اكتفى بالضحك ولم يبين لكم ما أردته بكلامي مع أنه قد فهمه، وكان مراده بذلك تحذيرهم من أن يأمنوا من النفاق بأن النفاق قد نزل على قوم كانوا في قرن هو خير من قرنكم وإن لم يكونوا أخيارًا مدة نفاقهم، فإذا وقع النفاق في خير القرون ففي قرنكم هذا هو أولى بالوقوع، فلتكونوا منه على حذر ولا تأمنوا، ولتشتغلوا بتوبة واستغفار، انتهى.
стр. 2422
(٢٦ - باب قوله: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ﴾ إلى قوله: ﴿وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ﴾ [النساء: ١٦٣])
سقط لفظ "باب" لغير أبي ذر.
قوله: (ما ينبغي لأحد) في رواية: "لعبد"، (أن يقول: أنا خير) يحتمل أن يكون المراد أن العبد القائل هو الذي لا ينبغي له أن يقول ذلك، ويحتمل أن يكون المراد بقوله: أنا رسول الله ﷺ ، وقاله تواضعًا، ودلّ حديث أبي هريرة ثاني حديثي الباب على أن الاحتمال الأول أولى، انتهى من "الفتح" (١).
(٢٧ - باب قوله: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ﴾ [النساء: ١٧٦])
سقط "باب" لغير أبي ذر.
والمراد بقوله: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ﴾ أي: عن مواريث الكلالة، وحذف لدلالة السياق عليه في قوله: ﴿قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ﴾، انتهى من "الفتح" (٢).
قوله: (والكلالة من لم يرثه أب أو ابن) قال الحافظ (٣): هو قول أبي بكر الصديق، أخرجه ابن أبي شيبة عنه، وجمهور العلماء من الصحابة والتابعين ومن بعدهم، وروي عن عمرو بن شرحبيل وهو من كبار التابعين أنه قال: ما رأيتهم إلا تواطئوا على ذلك.
قوله: (وهو مصدر من تكلله النسب) هو قول أبي عبيدة، قال في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً﴾ [النساء: ١٢] قال: وهو مصدر من تكلله النسب، أي: تعطف النسب عليه، وزاد غيره: كأنه أخذ طرفيه من جهة الولد والوالد وليس له منهما أحد، وهو قول البصريين قالوا: هو مأخوذ من الإكليل كأن الورثة أحاطوا به وليس له أب ولا ابن، وقيل: هو
стр. 2423
من كَلّ يكِلّ يقال: كلّت الرحم إذا تباعدت وطال انتسابها، وقيل: الكلالة من سوى الولد، وزاد الداودي: وولد الولد، وقيل: من سوى الوالد، وقيل: هم الإخوة، وقيل: من الأم، وقال الأزهري: سمي الميت الذي لا والد له ولا ولد كلالة، وسمي الوارث كلالة، وسمي الإرث كلالة، وعن عطاء: الكلالة هي المال، وقيل: الفريضة، وقيل: الورثة والمال، وقيل: بنوا العم ونحوهم، وقيل: العصبات وإن بعدوا، وقيل غير ذلك، ولكثرة الاختلاف فيها صح عن عمر أنه قال: لم أقل في الكلالة شيئًا، انتهى من "الفتح" (١).
وكتب الشيخ في "اللامع" (٢): قوله: من تكلله النسب، أي: أعياه وأعجزه حيث لم يبق له ولد ولا والد، انتهى.
وفي هامشه: قال القسطلاني: قيل: الكلالة في الأصل مصدر بمعنى الكلال، وهو ذهاب القوة من الإعياء، انتهى.
وفي "الفيض" (٣): الكلالة في اللغة التعب، والمراد منه المورث الذي ليس له وارث من أصوله وفروعه، أو الوارث الذي يكون على تلك الشاكلة فلا يكون له غير الحواشي، انتهى.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
قال العلَّامة العيني (٤): لم تذكر البسملة في رواية أبي ذر، ولقد أحسن من ذكرها.
(٥) سورة المائدة
وهكذا في نسخة "الفتح" (٥). وفي نسخة "العيني" و"القسطلاني": "باب تفسير سورة المائدة"، قال العلَّامة العيني (٦): أي: بيان تفسير بعض
стр. 2424
شيء من سورة المائدة، وهي على وزن فاعلة بمعنى مفعولة، أي: ميد بها صاحبها، وقال الجوهري: مادهم يميدهم لغة في مارهم من الميرة، ومنه المائدة، وهي خوان عليه طعام، فإذا لم يكن عليه طعام فليس بمائدة وإنما هو خوان، وقال أبو عبيدة: مائدة فاعلة بمعنى مفعولة مثل ﴿عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ﴾ [الحاقة: ٢١] بمعنى مرضية، انتهى.
قلت: وسيأتي في البخاري تفسير لفظ المائدة في "باب قوله: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلَا سَائِبَةٍ. . .﴾ [المائدة: ١٠٣] إلخ.
وقال القسطلاني (١): وهي مدنية إلا ﴿الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ﴾ [المائدة: ٣] فبعرفة عشيتها، قال في "الينبوع": ومن نسب هذه السورة إلى عرفة فقد سها، بل نزلت بالمدينة سوى الآيات من أولها فإنهن نزلن في حجة الوداع وهو على راحلته بعرفة بعد العصر، انتهى.
وقد روى الإمام أحمد عن أسماء بنت يزيد قالت: "إني لآخذة بزمام العضباء ناقة رسول الله ﷺ إذ نزلت عليه المائدة كلها، وكادت من ثقلها تدق عضد الناقة". وعن ابن عمر: "آخر سورة أنزلت المائدة والفتح"، قال الترمذي: حسن غريب، انتهى.
وقال العيني (٢): قال عطاء بن مسلم: نزلت سورة المائدة ثم سورة التوبة، وقال أبو العباس في "مقامات التنزيل": هي آخر ما نزل، وفيها اختلاف في ست آيات. . .، إلى آخر ما ذكر.
قوله: (﴿وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ [المائدة: ١]) يريد قوله تعالى: ﴿غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾، "واحدها حرام" هو قول أبي عبيدة، وزاد: حرام بمعنى محرم، وقرأ الجمهور بضم الراء، ويحيى بن وثاب بإسكانها، وهي لغة كرسل ورسل، انتهى من "الفتح" (٣) بزيادة.
стр. 2425
وكتب الشيخ في "اللامع" (١): قوله: واحدها حرام: أي: لا حرمة، انتهى.
وفي هامشه: نبَّه بذلك على دفع توهم أنها جمع حرمة، وفي "المجمع": في حديث أشهر الحج: "وحرم الحج" بضم الحاء والراء كأنها تريد الأوقات والمواضع، وعند الأصيلي بفتح راء جمع حرمة، أي: ممنوعات الشرع ومحرماته، انتهى.
والحاصل: أن الحرم بضمتين واحدها حرام، وأما الحرم بضم ففتح واحدها حرمة، انتهى من هامش "اللامع".
قوله: (جعل الله لكم. . . .) إلخ، كتب الشيخ: يعني أن "كتب" ليس ها هنا بمعنى فرض بل بمعنى التقدير والتعيين. وقوله: " ﴿تَبُوءَ﴾: تحمل" يعني: أنَّ "تبوء" ها هنا ليست بمعنى: جعل الشيء وطنًا، كما في قوله: ﴿تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ﴾ [الحشر: ٩] بل بمعنى الحمل، والنكتة في تعبيره بلفظ دون لفظ آخر مما فيه معنى الحمل الإشارة إلى أنه باجترام هذه الكبيرة يقتحم فيها، فكأنه محاط بها إحاطة المكان بالمتمكن، انتهى من "اللامع" (٢).
قال الحافظ (٣): قال أبو عبيدة في قوله تعالى: ﴿إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ﴾ [المائدة: ٢٩] أي: تحمل إثمي وإثمك، قال: وله تفسير آخر: تبؤ، أي: تقر، وليس مرادًا ها هنا، انتهى.
قوله: (وقال غيره: الإغراء التسليط) قال العلَّامة القسطلاني (٤): قيل: هو غير السدّي أو غير من فسّر السابق، وسقط للنسفي: و"قال غيره" فلا إشكال، والإغراء المذكور في قوله تعالى: ﴿فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ﴾ [المائدة: ١٤] هو "التسليط" وقيل: أغرينا: ألقينا. " ﴿أُجُورَهُنَّ﴾ " يريد: ﴿إِذَا
стр. 2426
آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾: "مهورهن" وهذا تفسير أبي عبيدة، انتهى من "القسطلاني".
وكتب الشيخ قُدِّس سرُّه (١): قوله: " ﴿أُجُورَهُنَّ﴾ مهورهن" فسّره به لما في حمله على ظاهره من توهم جواز المتعة، ولعل الوجه في تعبير المهر بالأجر التحضيض على أدائها؛ لأنه عوض عن البضعة فكان حبسها كحبس أجرة الأجير، ولا شك في كونه معيوبًا، انتهى.
وفي هامشه: قال ابن الجوزي في "تفسيره": وقد تكلم قوم من مفسري القرآن فقالوا: المراد بهذه الآية نكاح المتعة ثم نسخت بما روي عن النبي ﷺ : أنه نهى عن متعة النساء، وهذا تكلف لا يحتاج إليه، وفيه أيضًا: وقال ابن جرير الطبري: أولى التأويلين في ذلك بالصواب تأويل من تأوَّله: فما نكحتموه منهن فجامعتموهن فآتوهن أجورهن، فقوله تعالى: ﴿فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [النساء: ٢٤] يعني: مهورهن.
قوله: (﴿وَمَنْ أَحْيَاهَا﴾ يعني. . .) إلخ، كتب الشيخ في "اللامع" (٢): لما كان الإحياء صفة خاصة بالرب ﵎ وجب حمله على المجاز، فاحتاج إلى بيان معناه، انتهى.
وذكر في هامشه أقوال المفسرين في تفسير هذه الآية، وقد ترجم المصنف، في كتاب الديات "باب قول الله : ﴿وَمَنْ أَحْيَاهَا﴾ [المائدة: ٣٢]، قال ابن عباس: من حرم قتلها".
(٢ - باب قوله: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [المائدة: ٣])
سقط "باب" لغير أبي ذر، قاله الحافظ (٣).
قوله: (فقال عمر: إني لأعلم حيث أنزلت وأين أنزلت) قال في "المغني" (٤): وحيث للمكان اتفاقًا، وقال الأخفش: قد ترد للزمان، و"أين"
стр. 2427
قال في "الصحاح" (١): إذا قلت: أين زيد، فإنما تسأل عن مكانه، فتكون "حيث" ها هنا للزمان و"أين" للمكان فلا تكرار.
قوله: (وأشك كان يوم الجمعة أم لا؟) سبق في "الإيمان" من وجه آخر عن قيس بن مسلم الجزم بأنه كان يوم الجمعة، وهذا الحديث قد مر في "كتاب الإيمان"، انتهى من "القسطلاني" (٢).
قال الحافظ (٣): فإن قيل: كيف طابق الجواب السؤال لأنه قال: لاتخذناه عيدًا، وأجاب عمر ﵁ بمعرفة الوقت والمكان ولم يقل: جعلناه عيدًا؟ والجواب عن هذا: أنها نزلت في أخريات نهار عرفة ويوم العيد إنما يتحقق بأوله، وقد قال الفقهاء: إن رؤية الهلال بعد الزوال للقابلة، قاله هكذا بعض من تقدم، وعندي أن هذه الرواية اكتفى فيها بالإشارة وإلا فرواية إسحاق عن قبيصة التي قدّمناها قد نصّت على المراد، ولفظه: نزلت يوم جمعة يوم عرفة، وكلاهما بحمد الله لنا عيد، ولفظ الطبري والطبراني: وهما لنا عيدان، وكذا عند الترمذي من حديث ابن عباس: أن يهوديًّا سأله عن ذلك فقال: نزلت في يوم عيدين: يوم جمعة ويوم عرفة، انتهى.
وقال العيني (٤): قال المفسرون: هذه أكبر نعم الله على هذه الأمة حيث أكمل لهم دينهم فلا يحتاجون إلى دين غيره، ولا إلى نبي غير نبيهم، ولهذا جعله الله خاتم الأنبياء وبعثه إلى الإنس والجن، فلا حلال إلا ما أحله الله ولا حرام إلا ما حرمه الله، ولا دين إلا ما شرعه، وكل شيء أخبر به فهو حق وصدق لا كذب فيه ولا خلف، وعن ابن عباس: ﴿أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ هو الإسلام، والمراد باليوم يوم عرفة، وعن السدي: لم ينزل بعدها حلال ولا حرام، انتهى.
قلت: وقد تقدم الحديث في "باب زيادة الإيمان ونقصانه" من كتاب الإيمان، وتقدم هناك شيء من الكلام عليه.
стр. 2428
(٣ - باب قوله: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا. . .﴾ [المائدة: ٦]) إلخ
قال الحافظ (١): قوله: " ﴿فَتَيَمَّمُوا﴾ تعمدوا. . ." إلخ، قال أبو عبيدة في قوله تعالى: ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا﴾ أي: فتعمدوا، وقال في قوله تعالى: ﴿وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ﴾ [المائدة: ٢]: ولا عامدين، ويقال: أممت، وبعضهم يقول: تيممت، قال الشاعر:
إني كذاك إذا ما ساءَني بلد … يممت صدر بعيري غيره بلدا
ثم قال الحافظ: قرأ الجمهور ﴿وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ﴾ بإثبات النون، وقرأ الأعمش بحذف النون مضافًا كقوله: ﴿مُحِلِّي الصَّيْدِ﴾ [المائدة: ١].
(٤ - باب قول الله: ﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا﴾ الآية [المائدة: ٢٤])
أغرب الداودي فقال: مرادهم بقولهم: ﴿وَرَبُّكَ﴾ أخوه هارون لأنه كان أكبر منه سنًّا، وتعقبه ابن التين بأنه خلاف قول أهل التَّفسير كلهم، انتهى (٢).
(٥ - باب قوله: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ. . .﴾ [المائدة: ٣٣]) إلخ
قال الحافظ (٣) ﵀: تحت قوله: "المحاربة لله: الكفر به": هذا قول سعيد بن جبير والحسن وصله ابن أبي حاتم عنهما، وفسره الجمهور ها هنا بالذي يقطع الطريق على الناس مسلمًا أو كافرًا، وقيل: نزلت في النفر العرنيين وقد تقدم في مكانه، انتهى.
стр. 2429
قوله: (أنه كان جالسًا خلف عمر بن عبد العزيز. . .) إلخ، وكان قد أبرز سريره للناس ثم أذن لهم فدخلوا، "فذكروا" القسامة لما استشارهم عمر فيها، "وذكروا" له شأنها "فقالوا" نقول: فيها القود، "وقالوا: قد أقادت بها الخلفاء" قبلك، وفي المغازي: فقالوا: حق قضى بها رسول الله ﷺ وقضت بها الخلفاء قبلك، "فالتفت" عمر ﵀. "ما تقول يا أبا قلابة" زاد في الديات: فقلت: يا أمير المؤمنين، عندك رؤوس الأجناد وأشراف العرب أرأيت لو أن خمسين منهم شهدوا على رجل محصن بدمشق أنه قد زنى ولم يروه أكنت ترجمه؟ قال: لا، قلت: أرأيت لو أن خمسين منهم شهدوا على رجل بحمص أنه سرق أكنت تقطعه ولم يروه؟ قال: لا، انتهى من "القسطلاني" (١).
قلت: وبما شرح الحديث العلَّامة القسطلاني ستأتي القصَّة كذلك عند البخاري في كتاب الديات.
وكتب الشيخ قُدِّس سرُّه في "اللامع" (٢): قوله: "ما تقول يا أبا قلابة. . ." إلخ، حاصله: أن أبا قلابة حصر الأسباب المجوزة للقتل في ثلاثة وليست القسامة منها فلم يجز القتل فيها، ثم أورد عنبسة على حصره ذلك حديث العرنيين حيث قتلوا ولم يكن فيهم شيء من هذه الثلاثة، فأراد عنبسة بذلك إثبات أنه ليس جواز القتل مقصورًا على هذه الثلاثة كما يدل عليه حديث العرنيين، فأجاب عنه أبو قلابة بأنهم ليسوا خارجين من هذه الثلاثة، فلا إيراد بالحديث على الحصر، ثم إن قول عنبسة: "سبحان الله" كان تعجبًا منه وتصديقًا لكلامه ولكن هذه الكلمة قد تستعمل في الإنكار، فلذلك سأل عنه أبو قلابة هل تتهمني؟ فقال: لا، فكان ذلك تسليمًا منه لما ادعاه أبو قلابة من ترك القتل بالقسامة وهو المذهب، انتهى.
وفي هامشه: أجاد الشيخ قُدِّس سرُّه في توضيح معنى الحديث، وفي
стр. 2430
"تقرير المكي": قوله: "قادت بها الخلفاء" قلنا: لم يثبت أن النبي ﷺ أو أحد من الخلفاء قاد بالقسامة إلا أن عبد الملك كان قد قاد بالقسامة، فلذلك احتاج عمر بن عبد العزيز إلى المشورة فيه، وأما قول الشيخ قُدِّس سرُّه: وهو المذهب، فالمراد مذهب الحنفية وهو المشهور من مذهب الشافعية بخلاف الإمامين: مالك وأحمد فإنهما قائلان بالقود بالقسامة في بعض الصور، كما بسط المذاهب في "الأوجز" (١).
ولا يذهب عليك أن المعروف عند شراح الحديث أن أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى لم يكن قائلًا بالقسامة، قالوا: وإليه ميل البخاري، وليس بصحيح عند هذا العبد الضعيف، والصواب عندي أنهما أنكرا القود بالقسامة لا الحكم بالقسامة أصلًا كما هو مذهبنا الحنفية، وسيأتي البسط في ذلك في "باب القسامة" من كتاب الديات إن شاء الله ﵎.
(٦ - باب قوله: ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ [المائدة: ٤٥])
سقط لفظ "باب" لغير أبي ذر.
قوله: (﴿قِصَاصٌ﴾) أي: ذات قصاص فيما يمكن أن يقتص منه، وهذا تعميم بعد التخصيص؛ لأن الله تعالى ذكر النفس والعين والأنف والأذن فخص الأربعة بالذكر ثم قال: ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ على سبيل العموم فيما يمكن أن يقتص منه كاليد والرجل، وأما ما لا يمكن ككسر في عظم أو جراحة في بطن يخاف منها التلف فلا قصاص فيه بل فيه الأرش والحكومة، انتهى من "القسطلاني" (٢).
وحديث الباب قد سبق في "باب الصلح في الدية" من كتاب الصلح، وتقدم شيء من الكلام عليه هناك.
стр. 2431
(٧ - باب قوله: ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾ [المائدة: ٦٧])
ذكر فيه طرفًا من حديث عائشة، وسيأتي بتمامه مع كمال شرحه في كتات التوحيد إن شاء الله تعالى، انتهى من "الفتح" (١).
(٨ - باب قوله: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾ الآية [المائدة: ٨٩])
سقط "باب قوله" لغير أبي ذر، وفسرت عائشة لغو اليمين بما يجري على لسان المكلف من غير قصد، وقيل: هو الحلف على غلبة الظن، وقيل: في الغضب، وقيل: في المعصية، وفيه خلاف آخر سيأتي بيانه في الأيمان والنذور، انتهى من "الفتح" (٢).
قوله: (أنزلت هذه الآية في قول الرجل: لا والله. . .) إلخ، كتب الشيخ قُدِّس سرُّه في "اللامع" (٣): وهذا اجتهاد منها لا أنه حديث مرفوع، انتهى.
قلت: هو كذلك كما أوضحته في هامشه، وفيه أيضًا: لا يقال: إن الحديث مرفوع في "سنن أبي داود"، وذلك لأن الإمام أبا داود أشار إلى ترجيح الوقف.
(٩ - باب قوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ. . .﴾ [المائدة: ٨٧]) إلخ
سقط "باب قوله" لغير أبي ذر، قاله الحافظ (٤).
قوله: (ثم قرأ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا. . .﴾) إلخ، كتب الشيخ قُدِّس سرُّه في "اللامع" (٥): ولا يبعد إرجاع الآية إلى النهي عن الاختصاء، انتهى.
стр. 2432
قلت: ما أفاده الشيخ قُدِّس سرُّه وجيه، وبه جزم الشيخ في كتاب النكاح إذ قال: دلالة الآية على حرمة التبتل والاختصاء ظاهرة، وإليه يظهر ميل أكثر المفسرين، وإن كان يحتمل إرجاع الضمير إلى المتعة لقربها في الحديث.
وبسط في هامش "اللامع" الكلام في سبب نزول هذه الآية من كلام المفسرين، وفيه: قال الحافظ (١): قوله: "ثم قرأ" في رواية مسلم: "ثم قرأ علينا عبد الله" وظاهر استشهاد ابن مسعود بهذه الآية ها هنا يشعر بأنه كان يرى بجواز المتعة، فقال القرطبي: لعله لم يكن حينئذ بلغه الناسخ ثم بلغه فرجع بعدُ.
قال الحافظ: يؤيده ما ذكره الإسماعيلي أنه وقع في رواية أبي معاوية عن إسماعيل بن أبي خالد: ففعله ثم ترك ذلك، وفي رواية: ثم جاء تحريمها بعدُ، وفي رواية: ثم نسخ، انتهى مختصرًا.
وقال القرطبي: الخصاء في غير بني آدم ممنوع في الحيوان إلا لمنفعة حاصلة في ذلك كتطييب اللحم أو قطع ضرر عنه، وقال النووي: يحرم خصاء الحيوان غير المأكول مطلقًا، وأما المأكول فيجوز في صغيره دون كبيره، انتهى.
وفي "الدر المختار": وجاز خصاء البهائم حتى الهرة، وأما خصاء الآدمي فحرام، قيل: والفرس، وقيدوه بالمنفعة وإلا فحرام، وإنزاء الحمير على الخيل كعكسه، "قهستاني". قال ابن عابدين: قوله: قيدوه، أي: جواز خصاء البهائم بالمنفعة وهي إرادة سمنها أو منعها عن العضّ بخلاف بني آدم فإنه يراد به المعاصي فيحرم، أفاده الأتقاني عن الطحاوي، انتهى (٢). وسيأتي في كتاب النكاح التبويبُ بقوله: ما يكره من التبتل والخصاء.
стр. 2433
(١٠ - باب قوله: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ﴾ الآية [المائدة: ٩٠])
سقط "باب قوله" لغير أبي ذر.
قوله: (وقال ابن عباس: الأزلام. . .) إلخ، وصله ابن أبي حاتم من طريق عطاء عن ابن عباس مثله.
قوله: (وقال غيره: الزُّلَم: القدح لا ريش له. . .) إلخ، قال أبو عبيدة: واحد الأزلام: زلَمٌ بفتحتين، وزُلَم بضم أوله وفتح ثانيه، لغتان، وهو القدح، أي: بكسر القاف وسكون الدال، انتهى من "الفتح" (١).
قوله: (قال: فما سألوا عنها ولا راجعوها. . .) إلخ، كتب الشيخ قُدِّس سرُّه في "اللامع" (٢): فيه دلالة على غاية امتثالهم لأوامر الشرع وانتهائهم عن نواهيه ﵃ أجمعين، انتهى.
وذكر في هامشه روايات كثيرة ووقائع عديدة في امتثال الصحابة ﵃ لأمره ﷺ ، فارجع إليه لو شئت.
(١١ - باب قوله: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا﴾ الآية [المائدة: ٩٣])
ذكر المصنف فيه حديث أنس: أن الخمر التي هريقت الفضيخ، وسيأتي شرحه في الأشربة.
وقوله: (فنزل تحريم الخمر فأمر مناديًا. . .) إلخ، الآمر بذلك هو النبي ﷺ ، والمنادي لم أر التصريح باسمه، والوقت الذي وقع ذلك فيه زعم الواحدي أنه عقب قول حمزة: إنما أنتم عبيد لأبي، وحديث جابر يردّ عليه، والذي يظهر أن تحريمها كان عام الفتح سنة ثمان، ثم ذكر الحافظ (٣) تأييد
стр. 2434
ذلك بعدة روايات من "مسند أحمد"، وسيأتي شيء من الكلام على زمان تحريم الخمر في مبدء "كتاب الأشربة".
(١٢ - باب قوله: ﴿لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ [المائدة: ١٠١])
سقط "باب قوله" لغير أبي ذر.
وقد تعلق بهذا النهي من كَرِه السؤال عما لم يقع، وقد أسنده الدارمي في مقدمة كتابه عن جماعة من الصحابة والتابعين، وقال ابن العربي: اعتقد قوم من الغافلين مَنعَ أسئلة النوازل حتى تقع تعلقًا بهذه الآية، وليس كذلك لأنها مصرحة بأن المنهي عنه ما تقع المساءة في جوابه، ومسائل النوازل ليست كذلك، وهو كما قال، إلا أنه أساء في قوله: الغافلين، على عادته كما نبَّه عليه القرطبي، وقد روى مسلم عن سعد بن أبي وقاص رفعه: "أعظم المسلمين بالمسلمين جرمًا من سأل عن شيء لم يحرم فحرم من أجل مسألته" وهذا يبين المراد من الآية، وليس مما أشار إليه ابن العربي في شيء، انتهى من "الفتح" (١).
وكتب الشيخ في "اللامع" (٢): قوله: "فغطى أصحاب رسول الله ﷺ وجوههم. . ." إلخ، خوفًا من أن يسخط الله عليهم بسخط رسوله، وقوله: "كان قوم يسألون. . ." إلخ، وكان سببه ما كان النبي ﷺ عليه من حسن الخلق ولين الجانب، وكان ذلك أول أمرهم، فلا ينافيه ما ورد من كونهم في مجلسه: كأن على رؤوسهم الطير، انتهى.
وفي هامشه: وفي "تقرير المكي": قوله: "استهزاء" ليس المراد به الاستهزاء حقيقة بل المراد به الكلام الذي كان استهزاء في حق النبي ﷺ (أي: بالنسبة إلى علو شأنه العظيم) بأن يقولوا: أخبرني يا رسول الله من مكاشفة أني ما أكلت اليوم؟ وما يطبخ في بيتي؟ أو من أبي؟ مع كونه
стр. 2435
عالمًا بأبيه! وهذا كان من غاية حلم النبي ﷺ واختلاطهم معه، لا من أجل سخريتهم به، انتهى.
(١٣ - باب قوله: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلَا سَائِبَةٍ. . .﴾ [المائدة: ١٠٣]) إلخ
أي: ما حرم، ولم يرد حقيقة الجعل؛ لأن الكل خلقه وتقديره، ولكن المراد بيان ابتداعهم ما صنعوه من ذلك.
قوله: (﴿وإِذْ قَالَ اللَّهُ﴾ يقول: قال الله. . .) إلخ، كذا ثبت هذا وما بعده ها هنا، وليس بخاص به، وهو على ما قدمنا من ترتيب بعض الرواة، وهذا الكلام ذكره أبو عبيدة في قوله تعالى: ﴿وإِذْ قَالَ اللَّهُ يَاعِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ﴾ [المائدة: ١١٠] قال: مجازه: يقول الله، و"إذ" من حروف الزوائد، وكذلك قوله: ﴿وإِذْ عَلَّمْتُكَ﴾ أي: وعلمتك، انتهى من "الفتح" (١).
وكتب الشيخ قُدِّس سرُّه في "اللامع" (٢): يعني أن المراد بقوله: ﴿وإِذْ قَالَ اللَّهُ﴾ قال الله، فلا يراد بقوله: "إذ" ها هنا معنًى وهو المراد بقوله: "وإذ ها هنا صلة" أي: متعلقة بما لم يذكر ها هنا، وهي مزيدة بحسب هذا الكلام وإن لم تكن مزيدة في أصل الكلام فإنها زائدة من جملة: "يقول الله" لأنها ظرف للفعل المحذوف، انتهى.
قوله: (المائدة وأصله مفعولة. . .) إلخ، قال ابن التين: هو قول أبي عبيدة، وقال غيره: هي من ماد يميد إذا تحرك، وقيل: من ماد يميد إذا أطعم، قال ابن التين: وقوله: (تطليقة بائنة) غير واضح إلا أن يريد أن الزوج أبان المرأة بها، وإلا فالظاهر أنها فرقت بين الزوجين، فهي فاعل على بابها، انتهى من "الفتح" (٣).
стр. 2436
وتقدم الكلام على تحقيق لفظ المائدة في أول السورة، وكتب الشيخ في "اللامع" (١): قوله: "تطليقة بائنة" فإن التطليقة ليست بائنة، وإنما هي مبانة بها، فكانت صيغة الفاعل بمعنى المفعول، فالتطليقة مبانة بها كما أن المائدة مميدة بها صاحبها، انتهى.
وقد أجاد الشيخ قُدِّس سرُّه فيما أفاده وإلا فعامة الشرَّاح قالوا: التمثيل غير واضح، ووافق الكرماني ما قاله الشيخ قُدِّس سرُّه، والبسط في هامش "اللامع" فارجع إليه.
قوله: (وقال ابن عباس: متوفيك مميتك) قال الحافظ (٢): هكذا ثبت ها هنا، وهذه اللفظة إنما هي في سورة آل عمران، فكأن بعض الرواة ظنها من سورة المائدة، فكتبها فيها، أو ذكرها المصنف هنا لمناسبة قوله في هذه السورة: ﴿فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ﴾ [المائدة: ١١٧]، وذكر هذين الوجهين العلَّامة العيني (٣) ونسب الوجه الثاني إلى الكرماني، ثم تعقب على القولين، فقال: هذا بعيد لا يخفى بعده، والذي قاله بعضهم أبعد منه، انتهى. ولم يجب هو بنفسه عن هذا الإشكال.
وكتب الشيخ قُدِّس سرُّه (٤): قوله: "متوفيك مميتك" وهذا بيان لأجله متى يكون، ولا ذكر فيه للتوفي قبل الرفع حتى يلزم خلاف المشهور من أنه رفع حيًّا، والأصل أن عيسى عليه وعلى نبينا صلوات الله وسلامه لما اشتد عليه أذى الأعداء وضاق به صدره أوحى الله إليه أني مميتك فكن على صبر حتى يحل أجلك، ثم أتبعه بمزيد مَنِّه فقال: ﴿وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾ [آل عمران: ٥٥] ليكون أبلغ في تحمل المشاق لقرب زمان الخلاص نسبة زمان الموت، ثم أتبعه بأخرى ﴿وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [آل عمران: ٥٥] حتى لا تصل إليك أدناسهم، فإن في الأول من التأخير في الخلاص ما ليس في الثاني،
стр. 2437
وكذلك في الثاني من تعجيل النصرة ما ليس في الثالث، ففي المراتب الثلاث ترق بعد ترق، وقد تمت عليها عدته المتعلقة بنفسه فأتبعه رابعًا ما تدل على إنعامه على من اتبعه لئلا تأخذ إياه شفقة عليهم، فقال: ﴿وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ. . .﴾ [آل عمران: ٥٥]، انتهى.
وذكر في هامشه الكلام عليه وعلى مسألة نزول عيسى ﵇.
(تنبيه): قال الشاه أنور الكشميري في رسالته "عقيدة الإسلام": إن المعروف في كتب الحديث: "لو كان موسى حيًّا لما وسعه إلا اتباعي" كما بسط طرقه الحافظ في كتاب الاعتصام في "باب قوله تعالى: ﴿لا تسألوا أهل الكتاب﴾ " إلخ، فما وقع في "تفسير ابن كثير" تحت قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ﴾ الآية [آل عمران: ٨١]، من زيادة عيسى في هذا الحديث غلط من الناسخ، انتهى من هامش "اللامع".
قوله: (البحيرة التي يمنع درّها للطواغيت) وهي الأصنام فلا يحلبها أحد من الناس، والبحيرة فعيلة بمعنى مفعولة، وهي التي بحرت أذنها، أي: خرمت، قال أبو عبيدة: جعلها قوم من الشاة خاصة إذا ولدت خمسة أبطن بحروا أذنها، أي: شقوها وتركت فلا يمسها أحد، وقال آخرون: بل البحيرة الناقة كذلك وخلوا عنها فلم تركب ولم يضربها فحل.
وأما قوله: (فلا يحلبها أحد من الناس)، وهكذا أطلق نفي الحلب، وكلام أبي عبيدة يدلّ على أن المنفي إنما هو الشرب الخاص، قال أبو عبيدة: كانوا يحرمون وبرها ولحمها وظهرها ولبنها على النساء، ويحلون ذلك للرجال، وما ولدت فهو بمنزلتها، وإن ماتت اشترك الرجال والنساء في أكل لحمها.
قوله: (والسائبة كانوا يسيبونها. . .) إلخ، قال أبو عبيدة: كانت السائبة من جميع الأنعام وتكون من النذور للأصنام فتسيب فلا تحبس عن مرعى ولا عن ماء ولا يركبها أحد، قال: وقيل: السائبة لا تكون إلا من الإبل كان الرجل ينذر إن برئ من مرضه أو قدم من سفره لَيُسَيِّبَنّ بعيرًا.
قوله: (والوصيلة الناقة البكر. . .) إلخ، هكذا أورده متصلًا بالحديث