(١٠ - باب قوله: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ﴾ الآية [المائدة: ٩٠])
سقط "باب قوله" لغير أبي ذر.
قوله: (وقال ابن عباس: الأزلام. . .) إلخ، وصله ابن أبي حاتم من طريق عطاء عن ابن عباس مثله.
قوله: (وقال غيره: الزُّلَم: القدح لا ريش له. . .) إلخ، قال أبو عبيدة: واحد الأزلام: زلَمٌ بفتحتين، وزُلَم بضم أوله وفتح ثانيه، لغتان، وهو القدح، أي: بكسر القاف وسكون الدال، انتهى من "الفتح" (١).
قوله: (قال: فما سألوا عنها ولا راجعوها. . .) إلخ، كتب الشيخ قُدِّس سرُّه في "اللامع" (٢): فيه دلالة على غاية امتثالهم لأوامر الشرع وانتهائهم عن نواهيه ﵃ أجمعين، انتهى.
وذكر في هامشه روايات كثيرة ووقائع عديدة في امتثال الصحابة ﵃ لأمره ﷺ ، فارجع إليه لو شئت.
(١١ - باب قوله: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا﴾ الآية [المائدة: ٩٣])
ذكر المصنف فيه حديث أنس: أن الخمر التي هريقت الفضيخ، وسيأتي شرحه في الأشربة.
وقوله: (فنزل تحريم الخمر فأمر مناديًا. . .) إلخ، الآمر بذلك هو النبي ﷺ ، والمنادي لم أر التصريح باسمه، والوقت الذي وقع ذلك فيه زعم الواحدي أنه عقب قول حمزة: إنما أنتم عبيد لأبي، وحديث جابر يردّ عليه، والذي يظهر أن تحريمها كان عام الفتح سنة ثمان، ثم ذكر الحافظ (٣) تأييد
стр. 2434
ذلك بعدة روايات من "مسند أحمد"، وسيأتي شيء من الكلام على زمان تحريم الخمر في مبدء "كتاب الأشربة".
(١٢ - باب قوله: ﴿لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ [المائدة: ١٠١])
سقط "باب قوله" لغير أبي ذر.
وقد تعلق بهذا النهي من كَرِه السؤال عما لم يقع، وقد أسنده الدارمي في مقدمة كتابه عن جماعة من الصحابة والتابعين، وقال ابن العربي: اعتقد قوم من الغافلين مَنعَ أسئلة النوازل حتى تقع تعلقًا بهذه الآية، وليس كذلك لأنها مصرحة بأن المنهي عنه ما تقع المساءة في جوابه، ومسائل النوازل ليست كذلك، وهو كما قال، إلا أنه أساء في قوله: الغافلين، على عادته كما نبَّه عليه القرطبي، وقد روى مسلم عن سعد بن أبي وقاص رفعه: "أعظم المسلمين بالمسلمين جرمًا من سأل عن شيء لم يحرم فحرم من أجل مسألته" وهذا يبين المراد من الآية، وليس مما أشار إليه ابن العربي في شيء، انتهى من "الفتح" (١).
وكتب الشيخ في "اللامع" (٢): قوله: "فغطى أصحاب رسول الله ﷺ وجوههم. . ." إلخ، خوفًا من أن يسخط الله عليهم بسخط رسوله، وقوله: "كان قوم يسألون. . ." إلخ، وكان سببه ما كان النبي ﷺ عليه من حسن الخلق ولين الجانب، وكان ذلك أول أمرهم، فلا ينافيه ما ورد من كونهم في مجلسه: كأن على رؤوسهم الطير، انتهى.
وفي هامشه: وفي "تقرير المكي": قوله: "استهزاء" ليس المراد به الاستهزاء حقيقة بل المراد به الكلام الذي كان استهزاء في حق النبي ﷺ (أي: بالنسبة إلى علو شأنه العظيم) بأن يقولوا: أخبرني يا رسول الله من مكاشفة أني ما أكلت اليوم؟ وما يطبخ في بيتي؟ أو من أبي؟ مع كونه
стр. 2435
عالمًا بأبيه! وهذا كان من غاية حلم النبي ﷺ واختلاطهم معه، لا من أجل سخريتهم به، انتهى.
(١٣ - باب قوله: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلَا سَائِبَةٍ. . .﴾ [المائدة: ١٠٣]) إلخ
أي: ما حرم، ولم يرد حقيقة الجعل؛ لأن الكل خلقه وتقديره، ولكن المراد بيان ابتداعهم ما صنعوه من ذلك.
قوله: (﴿وإِذْ قَالَ اللَّهُ﴾ يقول: قال الله. . .) إلخ، كذا ثبت هذا وما بعده ها هنا، وليس بخاص به، وهو على ما قدمنا من ترتيب بعض الرواة، وهذا الكلام ذكره أبو عبيدة في قوله تعالى: ﴿وإِذْ قَالَ اللَّهُ يَاعِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ﴾ [المائدة: ١١٠] قال: مجازه: يقول الله، و"إذ" من حروف الزوائد، وكذلك قوله: ﴿وإِذْ عَلَّمْتُكَ﴾ أي: وعلمتك، انتهى من "الفتح" (١).
وكتب الشيخ قُدِّس سرُّه في "اللامع" (٢): يعني أن المراد بقوله: ﴿وإِذْ قَالَ اللَّهُ﴾ قال الله، فلا يراد بقوله: "إذ" ها هنا معنًى وهو المراد بقوله: "وإذ ها هنا صلة" أي: متعلقة بما لم يذكر ها هنا، وهي مزيدة بحسب هذا الكلام وإن لم تكن مزيدة في أصل الكلام فإنها زائدة من جملة: "يقول الله" لأنها ظرف للفعل المحذوف، انتهى.
قوله: (المائدة وأصله مفعولة. . .) إلخ، قال ابن التين: هو قول أبي عبيدة، وقال غيره: هي من ماد يميد إذا تحرك، وقيل: من ماد يميد إذا أطعم، قال ابن التين: وقوله: (تطليقة بائنة) غير واضح إلا أن يريد أن الزوج أبان المرأة بها، وإلا فالظاهر أنها فرقت بين الزوجين، فهي فاعل على بابها، انتهى من "الفتح" (٣).
стр. 2436
وتقدم الكلام على تحقيق لفظ المائدة في أول السورة، وكتب الشيخ في "اللامع" (١): قوله: "تطليقة بائنة" فإن التطليقة ليست بائنة، وإنما هي مبانة بها، فكانت صيغة الفاعل بمعنى المفعول، فالتطليقة مبانة بها كما أن المائدة مميدة بها صاحبها، انتهى.
وقد أجاد الشيخ قُدِّس سرُّه فيما أفاده وإلا فعامة الشرَّاح قالوا: التمثيل غير واضح، ووافق الكرماني ما قاله الشيخ قُدِّس سرُّه، والبسط في هامش "اللامع" فارجع إليه.
قوله: (وقال ابن عباس: متوفيك مميتك) قال الحافظ (٢): هكذا ثبت ها هنا، وهذه اللفظة إنما هي في سورة آل عمران، فكأن بعض الرواة ظنها من سورة المائدة، فكتبها فيها، أو ذكرها المصنف هنا لمناسبة قوله في هذه السورة: ﴿فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ﴾ [المائدة: ١١٧]، وذكر هذين الوجهين العلَّامة العيني (٣) ونسب الوجه الثاني إلى الكرماني، ثم تعقب على القولين، فقال: هذا بعيد لا يخفى بعده، والذي قاله بعضهم أبعد منه، انتهى. ولم يجب هو بنفسه عن هذا الإشكال.
وكتب الشيخ قُدِّس سرُّه (٤): قوله: "متوفيك مميتك" وهذا بيان لأجله متى يكون، ولا ذكر فيه للتوفي قبل الرفع حتى يلزم خلاف المشهور من أنه رفع حيًّا، والأصل أن عيسى عليه وعلى نبينا صلوات الله وسلامه لما اشتد عليه أذى الأعداء وضاق به صدره أوحى الله إليه أني مميتك فكن على صبر حتى يحل أجلك، ثم أتبعه بمزيد مَنِّه فقال: ﴿وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾ [آل عمران: ٥٥] ليكون أبلغ في تحمل المشاق لقرب زمان الخلاص نسبة زمان الموت، ثم أتبعه بأخرى ﴿وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [آل عمران: ٥٥] حتى لا تصل إليك أدناسهم، فإن في الأول من التأخير في الخلاص ما ليس في الثاني،
стр. 2437
وكذلك في الثاني من تعجيل النصرة ما ليس في الثالث، ففي المراتب الثلاث ترق بعد ترق، وقد تمت عليها عدته المتعلقة بنفسه فأتبعه رابعًا ما تدل على إنعامه على من اتبعه لئلا تأخذ إياه شفقة عليهم، فقال: ﴿وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ. . .﴾ [آل عمران: ٥٥]، انتهى.
وذكر في هامشه الكلام عليه وعلى مسألة نزول عيسى ﵇.
(تنبيه): قال الشاه أنور الكشميري في رسالته "عقيدة الإسلام": إن المعروف في كتب الحديث: "لو كان موسى حيًّا لما وسعه إلا اتباعي" كما بسط طرقه الحافظ في كتاب الاعتصام في "باب قوله تعالى: ﴿لا تسألوا أهل الكتاب﴾ " إلخ، فما وقع في "تفسير ابن كثير" تحت قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ﴾ الآية [آل عمران: ٨١]، من زيادة عيسى في هذا الحديث غلط من الناسخ، انتهى من هامش "اللامع".
قوله: (البحيرة التي يمنع درّها للطواغيت) وهي الأصنام فلا يحلبها أحد من الناس، والبحيرة فعيلة بمعنى مفعولة، وهي التي بحرت أذنها، أي: خرمت، قال أبو عبيدة: جعلها قوم من الشاة خاصة إذا ولدت خمسة أبطن بحروا أذنها، أي: شقوها وتركت فلا يمسها أحد، وقال آخرون: بل البحيرة الناقة كذلك وخلوا عنها فلم تركب ولم يضربها فحل.
وأما قوله: (فلا يحلبها أحد من الناس)، وهكذا أطلق نفي الحلب، وكلام أبي عبيدة يدلّ على أن المنفي إنما هو الشرب الخاص، قال أبو عبيدة: كانوا يحرمون وبرها ولحمها وظهرها ولبنها على النساء، ويحلون ذلك للرجال، وما ولدت فهو بمنزلتها، وإن ماتت اشترك الرجال والنساء في أكل لحمها.
قوله: (والسائبة كانوا يسيبونها. . .) إلخ، قال أبو عبيدة: كانت السائبة من جميع الأنعام وتكون من النذور للأصنام فتسيب فلا تحبس عن مرعى ولا عن ماء ولا يركبها أحد، قال: وقيل: السائبة لا تكون إلا من الإبل كان الرجل ينذر إن برئ من مرضه أو قدم من سفره لَيُسَيِّبَنّ بعيرًا.
قوله: (والوصيلة الناقة البكر. . .) إلخ، هكذا أورده متصلًا بالحديث
стр. 2438
المرفوع، وهو يوهم أنه من جملة المرفوع، وليس كذلك بل هو بقية تفسير سعيد بن المسيب، والمرفوع من الحديث إنما هو ذكر عمرو بن عامر فقط، وتفسير البحيرة وسائر الأربعة المذكورة في الآية عن سعيد بن المسيب.
قوله: (والحام: فحل الإبل. . .) إلخ، وكلام أبي عبيدة يدل على أن الحام إنما يكون من ولد السائبة، وقال أيضًا: كانوا إذا ضرب فحل من ولد البحيرة فهو عندهم حام. وقال أيضًا: الحام من فحول الإبل خاصة إذ أنتجوا منه عشرة أبطن، قالوا: قد حمى ظهره فأحموا ظهره ووبره وكل شيء منه فلم يركب ولم يطرق، انتهى مختصرًا من "الفتح" (١).
وذكر في هامش "اللامع" (٢) عن "تقرير مولانا محمد حسن المكي" في تعريف السائبة بحث فقهي فارجع إليه لو شئت.
(١٤ - باب قوله: ﴿وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي. . .﴾ [المائدة: ١١٧]) إلخ
كتب الشيخ في "اللامع" (٣): والتوفي ها هنا أعم من المذكور قبله والأولى فيه الحملُ على الرفع دون الموت، انتهى.
ذكر فيه حديث ابن عباس: "إنكم محشورون إلى الله حفاة" الحديث وسيأتي شرحه في الرقاق، والغرض منه: "فأقول كما قال العبد الصالح. . ." إلخ، وقوله: "أصيحابي" كذا للأكثر بالتصغير وللكشميهني بغير تصغير، قال الخطابي: فيه إشارة إلى قلة عدد من وقع لهم ذلك وإنما وقع لبعض جفاة العرب ولم يقع من أحد من الصحابة المشهورين، انتهى من "الفتح" (٤).
قلت: وسيأتي الكلام على قوله: "يا رب أصحابي. . ." إلخ، في كتاب الرقاق إن شاء الله تعالى.
стр. 2439
(١٥ - باب قوله: ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [المائدة: ١١٨])
قال الحافظ (١): ذكر فيه حديث ابن عباس المذكور قبل، أورده مختصرًا، انتهى.
وقال العلَّامة القسطلاني (٢): فإن قيل: كيف جاز أن يقول: ﴿وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ﴾ فتعرض بسؤاله العفو عنه ما علمه أنه تعالى قد حكم بأنه من يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة؟ وأجيب بأن هذا ليس بسؤال وإنما هو كلام على طريق إظهار قدرته تعالى على ما يريد وعلى مقتضى حكمه وحكمته، ولذا قال: ﴿فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ تنبيهًا على أنه لا امتناع لأحد من عزته ولا اعتراض في حكمه وحكمته، فإن عذّبتَ فعدلٌ وإن غفرت ففضلٌ، وعدم غفران الشرك مقتضى الوعيد فلا امتناع فيه لذاته، انتهى.
(٦) سورة الأنعام
هكذا في النسخ الهندية بغير بسملة، وزاد في نسخ الشروح الثلاثة بعدها البسملة وقالوا (٣): سقطت البسملة لغير أبي ذر.
وقال العيني (٤): ذكر ابن المنذر بإسناده عن ابن عباس قال: نزلت سورة الأنعام بمكة - شرّفها الله - ليلًا جملة وحولها سبعون ألف ملك يجأرون بالتسبيح، وعن مجاهد: نزل معها خمسمائة ملك يزفونها ويحفونها، وفي تفسير أبي محمد بن إسحاق البستي: خمسمائة ألف ملك، وروي عن ابن عباس ومجاهد وغيرهما: نزلت الأنعام بمكة إلا ثلاث آيات فإنها نزلت بالمدينة وهي من قوله تعالى: ﴿قُلْ تَعَالَوْا﴾ إلى
стр. 2440
قوله: ﴿تَتَّقُونَ﴾ ثم ذكر أقوالًا في تعيين بعض تلك الآيات إلى آخر ما ذكر في فضائل تلك السورة.
وقال القسطلاني (١): وعند ابن مردويه عن أنس مرفوعًا: نزلت سورة الأنعام معها موكب من الملائكة سد ما بين الخافقين لهم زجل بالتسبيح والأرض بهم ترتج ورسول الله ﷺ يقول: "سبحان الله الملك العظيم"، انتهى.
قوله: (وقال ابن عباس: ﴿فِتْنَتُهُمْ﴾ [الأنعام: ٢٣] معذرتهم) وفي نسخة "الفتح" (٢) قبله: ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ﴾ قال الحافظ: وصله ابن أبي حاتم من طريق ابن جريج عن عطاء عنه، وقال معمر عن قتادة: فتنتهم مقالتهم، قال: وسمعت من يقول: معذرتهم، أخرجه عبد الرزاق، انتهى.
وكتب الشيخ في "اللامع" (٣): قوله: "معذرتهم" بحذف المضاف، أي: معذرة فتنتهم، أي: جريرتهم التي ارتكبوها في الدنيا.
وقوله: (﴿وَلَلَبَسْنَا﴾ [الأنعام: ٩] لشبهنا) أي: لو أنزلنا ملكًا لأنزلناه بصورة إنسان إذ لا طاقة لهم برؤيته، مع أنه لو أنزل على هيئته وصورته لم يتأت الخلط والتباسط المتوقف عليه التعليم والتعلم، فإذا لم ينزل في صورته ونزل في صورة إنس عاد المحظور كما كان، وصار السؤال واردًا كما ورد على إرسال الإنس نفسه.
وقوله: (البسط الضرب) يعني: أن المراد بالبسط ها هنا الضرب.
وقوله: (سرمدًا دائمًا) الظاهر أن المصنف قصد بذلك دفع ما يرد على ظاهر آيتي الأنعام والقصص من توهم معارضة حيث قال في الأولى: ﴿وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا﴾ [الأنعام: ٩٦] وهو يقتضي اتصاف الليل بالسكون والقرار، وأيضًا فالليل كثيرًا ما يتصف بالسرمد فيقال: ليل سرمد، وصرَّح
стр. 2441
في الثانية بنقضها وعدم قرارها حيث قال: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا﴾ الآية [القصص: ٧١].
وحاصل الدفع: أن سرمدًا ها هنا وإن كان للدوام إلا أن السرمد في صفة الليل ليس بمعنى الدوام وإنما هو مجاز عن الطول، وكذلك السكن صفة لليل باعتبار ما فيه لا بحسب نفسه لأن كل ما فيه من الأناسي والدواب يسكن فيه فلو كان الليل ساكنًا بنفسه لسرمد الليل ولم ينقض وليس كذلك، والله أعلم، انتهى كله من "اللامع".
وفي هامشه: قال الحافظ (١): كذا وقع ها هنا وليس هذا في الأنعام وإنما هو في سورة القصص، قال أبو عبيدة في قوله تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا﴾، أي: دائمًا، قال: وكل شيء لا ينقطع فهو سرمد، وقال الكرماني: كأنه ذكرها ها هنا لمناسبة قوله تعالى في هذه السورة: ﴿وَجَاعل اللَّيْل سَكَنًا﴾، انتهى.
وتبع الكرماني في ذلك الحافظ والقسطلاني من أنه ذكره ها هنا لمناسبة آية سورة الأنعام وإلا فلا وجه لذكره ها هنا.
وأجاد الشيخ قُدِّس سرُّه في توجيه ذكره ها هنا بأنه أشار إلى دفع التعارض في الآيتين بأن السكون والقرار في الآية ليس بمعنى الدوام كما يتوهم من قولهم: ليل سرمد، بل هو مجاز عن الطول، انتهى من هامشه.
قوله: (الصور) بضم الصاد وفتح الواو في قوله: ﴿يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ﴾ [الأنعام: ٧٣] (جماعة صورة، كقوله: سورة وسور) قال ابن كثير: والصحيح أن المراد بالصور القرن الذي ينفخ فيه إسرافيل ﵇ للأحاديث الواردة فيه، انتهى من "القسطلاني" (٢)، قلت: وبه جزم المصنف في كتاب الرقاق إذ قال: باب نفخ الصور، قال مجاهد: الصور كهيئة البوق، انتهى.
قال الحافظ (٣): قال أبو عبيدة في قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ﴾:
стр. 2442
يقال: إنها جمع صورة ينفخ فيها روحها فتحيى، بمنزلة قولهم: سور المدينة واحدها سورة، انتهى.
والثابت في الحديث أن الصور قرن ينفخ فيه، وهو واحد لا اسم جمع، وحكى الفراء الوجهين وقال في الأول: فعلى هذا فالمراد النفخ في الموتى، وذكر الجوهري في "الصحاح" أن الحسن قرأها بفتح الواو، انتهى.
قوله: (رهبوت خير من رحموت. . .) إلخ، وكذلك قوله: "ترهب. . ." إلخ.
حاصله: أن مقام الخشية أعلى وأفضل من مقام الرجاء فإن الخاشي يتكلف من الأعمال المشاق ما لا يحتمله الراجي فأنذر أكثر من الإبشار، انتهى من "اللامع" (١).
وفي "تقرير المكي": قوله: "الملك" يريد أن الواو والتاء مزيدتان للمبالغة كما في رهبوت ورحموت، ثم أورد ما كان ها هنا من المثل المشهور فقال: "رهبوت خير من رحموت" ثم فسر هذا المثل بقوله: "وتقول: تُرهَب. . ." إلخ، يريد أن الرهبوت والرحموت مصدران مجهولان وحاصل معناه: إنك أن ترهب وتؤدب في أمر خير كتعلم الدين مثلًا أولى لك من أن ترحم فتترك عنه، انتهى.
وبسط في هامش "اللامع" الكلام في الرجاء والخوف وأيهما أفضل من كلام الغزالي في "إحياء العلوم" وشرحه وغيره، فارجع إليه لو شئت (٢).
(١ - باب قوله: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إلا هُوَ﴾ [الأنعام: ٥٩])
المفاتح جمع مفتح بكسر الميم: الآلة التي يفتح بها، مثل منجل ومناجل، وهي لغة قليلة في الآلة، والمشهور مفتاح بإثبات الألف وجمعه
стр. 2443
مفاتيح بإثبات الياء، وقد قرئ بها في الشواذ، وقيل: بل هو جمع مفتح بفتح الميم وهو المكان، ويؤيده تفسير السدي فيما رواه الطبري قال: ﴿مَفَاتِحُ الْغَيْبِ﴾: خزائن الغيب، وجوّز الواحدي أنه جمع مفتح بفتح الميم على أنه مصدر بمعنى الفتح، أي: وعنده فتوح الغيب، أي: يفتح الغيب على من يشاء من عباده، ولا يخفى بعد هذا التأويل للحديث المذكور في الباب أن مفاتح الغيب لا يعلمها أحد إلا الله ، انتهى من "الفتح" (١).
(٢ - باب قوله: ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ﴾ الآية [الأنعام: ٦٥])
قال الحافظ (٢): قوله: " ﴿يَلْبِسَكُمْ﴾ يخلطكم. . ." إلخ، هو من كلام أبي عبيدة في الموضعين.
قوله: (﴿شِيَعًا﴾ فرقًا) هو كلام أبي عبيدة أيضًا، زاد: واحدها شيعة، وللطبري عن ابن عباس في قوله: ﴿شِيَعًا﴾ قال: الأهواء المختلفة، انتهى.
وقد بسط الحافظ الكلام على شرح حديث الباب أشد البسط، وقال في آخره: إذا جمعت الخصال المستعاذ منها من هذه الأحاديث التي سقتها بلغت نحو العشرة، انتهى.
(٣ - باب قوله: ﴿وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ [الأنعام: ٨٢])
ذكر فيه حديث عبد الله بن مسعود وقد تقدم شرحه في كتاب الإيمان.
(٤ - باب قوله: ﴿وَيُونُسَ وَلُوطًا وَكُلًّا فَضَّلْنَا عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ [الأنعام: ٨٦])
أي: عالمي زمانهم، وتمسك به من قال: إن الأنبياء أفضل من الملائكة لدخولهم في عموم الجمع المحلي، قاله القسطلاني (٣).
стр. 2444
ذكر المصنف فيه حديثي ابن عباس وأبي هريرة: "ما ينبغي لأحد أن يقول: أنا خير من يونس بن متى" وتقدم شرحه في آخر سورة النساء.
(٥ - باب قوله: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ [الأنعام: ٩٠])
قال القسطلاني (١): وفي هذه الآية دلالة على فضل نبينا ﷺ على سائر الأنبياء لأنه سبحانه أمره بالاقتداء بهداهم ولا بد من امتثاله لذلك الأمر، فوجب أن يجتمع فيه جميع فضائلهم وأخلاقهم المتفرقة، فثبت بهذا أنه ﷺ أفضل الأنبياء، وتقديم قوله: ﴿فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ يفيد حصر الأمر في هذا الاقتداء وأنه لا هدى غيره، والمراد أصول الدين وهو الذي يستحق أن يسمى بالهدى المطلق فإنه لا يقبل النسخ، وكذا في مكارم الأخلاق والصفات الحميدة المشهورة عن كل واحد من هؤلاء الأنبياء، ولو أمر بالاقتداء في مشروع تلك الأديان لم يكن ديننا ناسخًا وكان يجب محافظة كتبهم ومراجعتها عند الحاجة، وبطلان اللازم بالاتفاق يدل على بطلان الملزوم، انتهى.
(٦ - باب قوله: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ﴾ [الأنعام: ١٤٦])
قال الحافظ (٢): قوله: " ﴿الْحَوَايَا﴾ المبعر" في رواية أبي الوقت "المباعر" وصله ابن جرير عن ابن عباس، والحوايا جمع حوية وهي ما تحوى واجتمع واستدار من البطن، وهي نبات اللبن وهي المباعر وفيها الأمعاء، ثم ذكر المصنف حديث جابر: "قاتل الله اليهود حرمت عليهم شحومها" الحديث وقد تقدم شرحه في أواخر كتاب البيوع.
стр. 2445
(٧ - باب قوله: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ﴾ [الأنعام: ١٥١])
كتب الشيخ قُدِّس سرُّه (١): قوله: "وكيل: حفيظ محيط. . ." إلخ، يعني: الوكالة ها هنا ليست بمعناه، بل المراد بها الحفظ والإحاطة، وهما وصفان لازمان للوكيل عادة لتمكنه من التصرف فيما وكل عليه.
وقوله: (قبلًا جمع قبيل، والمعنى أنه ضروب للعذاب) يعني: أن العذاب أصناف وضروب، انتهى.
وفي هامشه: بسط الشرَّاح في معنى قوله: "قبلًا"، وفي ضبط هذا اللفظ، قال الحافظ (٢) بعد ما بسط الكلام على الأقاويل فيه: ولم أر من فسّره بأصناف العذاب فليحرر، انتهى.
وحكى القسطلاني قول الحافظ هذا ولم يزد عليه بشيء.
وقال العيني (٣): قوله: "ضروب للعذاب" أشار به إلى قوله تعالى: ﴿وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا﴾ [الأنعام: ١١١] ثم قال: قبلًا جمع قبيل.
قوله: "والمعنى" أشار به إلى أن معنى قبيل ضروب، يعني: أنواع للعذاب، كل ضرب، أي: كل نوع من تلك الضروب قبيل، أي: نوع، انتهى.
وهذا التَّفسير من منتقدات الشيخ قُدِّس سرُّه كما تقدم في مقدمة "اللامع".
والأوجه عند هذا العبد الضعيف: أن ذكر هذا التَّفسير ها هنا ليس في محله، بل هو تفسير لما سيأتي في سورة الكهف في قوله تعالى: وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَى وَيَسْتَغْفِرُوا رَبَّهُمْ إلا أَنْ تَأْتِيَهُمْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ قُبُلًا﴾ [الكهف: ٥٥]، وفي "تفسير الجلالين" (٤): قوله: "قبلًا" مقابلة وعيانًا، وهو القتل يوم بدر، وفي قراءة بضمتين جمع قبيل، أي: أنواعًا، انتهى.
стр. 2446
لكن فيه أن الإمام البخاري فسر قبلًا لذي في سورة الكهف بقوله: "استئنافًا"، نعم أخرج السيوطي في "الدر" (١) عن مجاهد أنه قرأ: ﴿أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ قُبُلًا﴾ أي: قبائل، قال العيني في الكهف (٢): من قرأ بضمتين أراد أصناف العذاب، انتهى.
قال البغوي في "المعالم": قرأ أبو جعفر وأهل الكوفة "قبلًا" بضم القاف والباء جمع قبيل، أي: أصناف العذاب نوعًا نوعًا، انتهى.
فالظاهر عندي: أن التَّفسير كان لقبلًا الذي في الكهف، وذكره ها هنا من سهو الناسخ، انتهى.
(٩ - باب قوله: ﴿هَلُمَّ شُهَدَاءَكُمُ. . .﴾ [الأنعام: ١٥٠]) إلخ
هكذا في النسخ الهندية و"القسطلاني"، وفي نسخة "الفتح": "باب قوله: ﴿قُلْ هَلُمَّ. . .﴾ " إلخ، ولم يذكر المصنف في هذا الباب حديثًا، ولم يتعرض له الحافظ وغيره، وليس هذا الباب في نسخة "العيني"، بل ذكر في نسخة "العيني": "قوله: ﴿هَلُمَّ شُهَدَاءَكُمُ. . .﴾ " إلخ تحت الباب الآتي، ولم يتعرض هو ولا غيره لاختلاف النسخ أيضًا، وعلى ما في نسخة "العيني" لا مناسبة بين حديث الباب وبين هذه الآية كما لا يخفى.
قال الحافظ (٣): قوله: "هم للواحد والاثنين والجمع" هو كلام أبي عبيدة بزيادة: والذكر والأنثى سواء، وأهل نجد يقولون للواحد: هلم، وللمرأة: هلمي، وللاثنين: هُلمّا، وللقوم: هلمّوا، وللنساء: هلممن، يجعلونها من هلممت، وعلى الأول فهو اسم فعل معناه طلب الإحضار، وشهداءكم مفعول به، انتهى من "الفتح".
стр. 2447
(١٠ - باب: ﴿لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا﴾ [الأنعام: ١٥٨])
هكذا في النسخ الهندية ونسخة "الفتح"، وفي نسخة "العيني": "باب قوله تعالى: ﴿لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا﴾.
قال الحافظ (١): ذكر فيه حديث أبي هريرة في طلوع الشمس من المغرب، وسيأتي شرحه في "كتاب الرقاق" إن شاء الله.
(٧) سورة الأعراف
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
هكذا في النسخ الهندية والعيني والحافظ، وليس في نسخة القسطلاني البسملة، قالوا (٢): لم توجد البسملة إلا في رواية أبي ذر.
قال القسطلاني (٣): هي مكية إلا ثمان آيات من قوله تعالى: ﴿وَاسْأَلْهُمْ﴾ [الأعراف: ١٦٣] إلى قوله: ﴿وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ﴾ الآية [الأعراف: ١٧١]، انتهى.
قال العلَّامة العيني (٤): قال أبو العباس في كتابه في "مقامات التنزيل": هي مكية، وفيها اختلاف، وذكر الكلبي أن فيها خمس عشر آية مدنيات من قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ﴾ [الأعراف: ١٥٢] إلى قوله: ﴿وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ﴾ [الأعراف: ١٥٧]، ومن قوله: ﴿وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْر﴾ [الأعراف: ١٦٣] إلى قوله: ﴿وَدَرَسُوا مَا فِيهِ﴾ [الأعراف: ١٦٩] قال: ولم يبلغنا هذا عن غير الكلبي، وفيها آية أخرى ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ﴾ الآية [الأعراف: ٢٠٤]، ذكر جماعة أنها نزلت في الخطبة يوم الجمعة، والجمعة إنما كانت بالمدينة، انتهى.
стр. 2448
قال الحافظ (١): اختلف في المراد بالأعراف في قوله تعالى: ﴿وَعَلَى الْأَعْرَافِ رِجَالٌ﴾ [الأعراف: ٤٦] فقال: (بياض في الأصل) (٢)، وعن أبي مجلز: هم ملائكة وكلوا بالصور ليميزوا المؤمن من الكافر، واستشكل بأن الملائكة ليسوا ذكورًا ولا إناثًا فلا يقال لهم: رجال، وأجيب بأنه مثل قوله في حق الجن: كانوا ﴿يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ﴾ [الجن: ٦] كذا ذكره القرطبي في "التذكرة"، وليس بواضح؛ لأن الجن يتوالدون، ولا يمتنع أن يقال فيهم الذكور والإناث بخلاف الملائكة، انتهى.
قوله: (وقال ابن عباس: ورياشًا المال) قال العيني (٣): ليس في كثير منِ النسخ لفظ "باب"، وأشار بقوله: "رياشا" إلى ما في قوله تعالى: ﴿قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا﴾ قرأ الجمهور: ﴿وَرِيشًا﴾ وقرأ الحسن وابن عباس ومجاهد وغيرهم (ورياشا) وهي قراءة النبي ﷺ رواها عنه عثمان، ثم إن البخاري فسَّره بالمال.
وقال ابن الأعرابي: الريش الأكل والرياش المال المستفاد، وقال ابن دريد: الريش: الجمال، وقيل: هو اللباس، وقال قطرب: الريش والرياش واحد مثل حل وحلال وحرم وحرام، وعن ابن عباس: الرياش: اللباس والعيش والنعيم، وقال الثعلبي: الرياش في كلام العرب: الأثاث وما ظهر من المتاع والثياب والفرش وغيرها، انتهى.
стр. 2449
قوله: (الفتاح: القاضي) كذا وقع هنا، والفتاح لم يقع في هذه السورة، وإنما هو في سورة سبأ، وكأنه ذكره هنا توطئةً لتفسير قوله في هذه السورة: ﴿رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ﴾ [الأعراف: ٨٩]، ولعله وقع فيه تقديم وتأخير من النساخ، فقد قال أبو عبيدة في قوله: ﴿افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا﴾ أي: احكم بيننا، والفتاح القاضي، انتهى كلامه. ومنه ينقل البخاري كثيرًا، انتهى من "الفتح" (١).
قوله: (خيفة: خوفًا) وإيراد "خفية" تنبيه على فرق بينهما، انتهى من "اللامع" (٢).
قلت: ما أفاده الشيخ قُدِّس سرُّه ظاهر، وتوضيح المقام أن الإمام البخاري أشار بهاتين الكلمتين إلى الآيتين المختلفتين من سورة الأعراف، وأشار بقوله: "خيفة" إلى ما في آخر سورة الأعراف من قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ﴾ [الأعراف: ٢٠٥] وأشار بقوله: "خُفية" إلى ما في أوائل هذه السورة من قوله تعالى: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ [الأعراف: ٥٥].
قال الحافظ (٣): قال أبو عبيدة في قوله: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً﴾ أي: خوفًا، وذهبت الواو لكسرة الخاء، وقال ابن جريج في قوله تعالى: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً﴾ أي: سرًّا، وقوله: "من الإخفاء" فيه تجوز، والمعروف في عرف أهل الصرف من الخفاء؛ لأن المزيد مشتق من الثلاثي، ويوجه الذي هنا بأنه أراد انتظام الصفتين من معنى واحدٍ، انتهى من هامش "اللامع" مختصرًا وملخصًا.
стр. 2450
(١ - باب قول الله : ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ. . .﴾ [الأعراف: ٣٣]) إلخ
حكى ابن جرير أن أهل التأويل اختلفوا في المراد بالفواحش، فمنهم من حملها على العموم، وساق ذلك عن قتادة قال: المراد سر الفواحش وعلانيته، ومنهم من حملها على نوع خاص، وساق عن ابن عباس قال: كانوا في الجاهلية لا يرون بالزنا بأسًا في السر ويستقبحونه في العلانية، فحرم الله الزنا في السر والعلانية، وعن مجاهد: ما ظهر نكاح الأمهات، وما بطن الزنا، ثم اختار ابن جرير القول الأول وقال: ليس ما روي عن ابن عباس وغيره بمدفوع، ولكن الأولى الحمل على العموم، والله أعلم انتهى من "الفتح" (١).
(٢ - باب قوله: ﴿وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ﴾ الآية [الأعراف: ١٤٣])
كتب الشيخ في "اللامع" (٢): قوله: "قال ابن عباس: ﴿أَرِنِي﴾: أعطني" فسَّره به لعدم ذكر المفعول، وقلما يحذف مفعول مثل تلك الأفعال بخلاف الإعطاء فإن مفعوله يقدر كثيرًا، انتهى.
وفي هامشه: قال القسطلاني: أي: أرني نفسك أنظر إليك، فثاني مفعولي أرني محذوف والرؤية عين النظر، لكن المعنى اجعلني متمكنًا من رؤيتك بأن تتجلى لي فأنظر إليك وأراك، انتهى.
قلت: وإنما احتاجوا إلى تفسير قوله: ﴿أَرِنِي﴾ بقولهم: أعطني أو مكنني، لدفع إيراد اتحاد الشرط والجزاء.
стр. 2451
(باب قوله: ﴿الْمَنَّ وَالسَّلْوَى﴾ [الأعراف: ١٦٠])
ليس في نسخ الشروح الثلاثة لفظ "باب"، ولم يتعرض الحافظان لاختلاف النسخ، وقال القسطلاني (١): وفي نسخة: "باب المن والسلوى"، انتهى.
قال العيني (٢): وليس في الحديث ذكر السلوى، وإنما ذكره رعاية للفظ القرآن، وفي بعض النسخ: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى﴾ [الأعراف: ١٦٠] وقد مرَّ تفسير ذلك في سورة البقرة.
(٣ - باب قوله: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ﴾ الآية [الأعراف: ١٥٨])
كتب الشيخ قُدِّس سرُّه (٣): قوله: "غامر: سابق بالخير" ليس المعنى أنه وارد في الرواية بهذا المعنى، بل الغرض منه أنه قد يأتي بهذا المعنى أيضًا ولا يبعد حمله في الرواية على هذا المعنى، انتهى.
قلت: أراد الشيخ قُدِّس سرُّه بذلك أنه مستغرب كما قاله الحافظ، وهو من منتقدات شيخنا ومرشدنا الشيخ مولانا خليل أحمد قُدِّس سرُّه، وتقدم البسط في ذلك في مقدمة "اللامع"، وقوله: لا يبعد حمله في الرواية. . . إلخ، يؤيده ما قال الكرماني والعيني من أن غامر بالغين المعجمة من باب المفاعلة، أي: سبق بالخير أو وقع في أمر أو زاحم وخاصم إلى آخر ما بسطا في معانيه، وذكر بعض تلك المعاني في هامش "اللامع" من كلام أهل اللغة فارجع إليه لو شئت.
стр. 2452
(باب قوله: ﴿وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا﴾ [الأعراف: ١٤٣] فيه أبو سعيد وأبو هريرة. . .) إلخ
هكذا في النسخ الهندية، وليس هذا كله في نسخة من نسخ الشروح الثلاثة، وليس في النسخة المصرية التي عليها حاشية السندي، ولم يتعرضوا له أيضًا.
(٤ - باب قوله: ﴿وَقُولُوا حِطَّةٌ﴾ [الأعراف: ١٦١])
قال الحافظ (١): وعن قتادة في قوله: ﴿وَقُولُوا حِطَّةٌ﴾ قال الحسن: أي: احطط عنا خطايانا، وهذا يليق بقراءة من قرأ حطة بالنصب، وهي قراءة إبراهيم بن أبي عبلة، وقرأ الجمهور بالرفع على أنه خبر لمبتدإ محذوف، أي: مسألتنا حطة، وقيل: أمروا أن يقولوا على هذه الكيفية فالرفع على الحكاية وهي في محل نصب بالقول وإنما منع النصب حركة الحكاية، وقيل: رفعت لتعطي معنى الثبات كقوله: سلام، واختلف في معنى هذه الكلمة فقيل: هي اسم للهيئة من الحط كالجلسة، وقيل: هي التوبة، وقيل: لا يدرى معناها وإنما تعبدوا بها، وروى ابن أبي حاتم عن ابن عباس وغيره قال: قيل لهم: قولوا مغفرة.
ثم قال الحافظ في آخر حديث الباب: ويستنبط منه أن الأقوال المنصوصة إذا تعبد بلفظها لا يجوز تغييرها ولو وافق المعنى، وليست هذه مسألة الرواية بالمعنى بل هي متفرعة منها، وينبغي أن يكون ذلك قيدًا في الجواز أعني يزاد في الشرط أن لا يقع التعبد بلفظه ولا بد منه، ومن أطلق فكلامه محمول عليه، انتهى.
وكتب الشيخ في "اللامع" (٢): قوله: ﴿وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا﴾ [الأعراف: ١٦١] المراد بالباب باب المسجد الذي كان معهم من الثوب
стр. 2453
فأمروا أن يدخل كل واحد منهم هذا المسجد بعد السجود على بابه ليدل ذلك على الانحناء والانقياد لأمر الله تعالى، انتهى.
وبسط في "هامشه" الأقوال في مصداق الباب وفيه عن "المدارك": ﴿وَادْخُلُوا الْبَابَ﴾ أي: باب القرية أو باب القبة التي كانوا يصلون إليها، انتهى.
(٥ - باب قوله: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ﴾ [الأعراف: ١٩٩])
وصله عبد الرزاق من طريق هشام بن عروة عن أبيه بهذا، وكذا أخرجه الطبري من طريق السدي وقتادة.
ثم قال الحافظ (١): وإلى ما ذهب إليه ابن الزبير من تفسير الآية ذهب مجاهد، وخالف في ذلك ابن عباس فروى ابن جرير عنه قال: ﴿خُذِ الْعَفْوَ﴾ يعني: خذ ما عفا لك من أموالهم، أي: ما فضل، وكان ذلك قبل فرض الزكاة، وبذلك قال السدي وزاد: نسختها آية الزكاة، وبنحوه قال الضحاك وعطاء وأبو عبيدة، ورجح ابن جرير الأول واحتج له، وروي عن جعفر الصادق، وقال: ليس في القرآن آية أجمع لمكارم الأخلاق منها، ووجهوه بأن الأخلاق ثلاثة بحسب القوى الإنسانية: عقلية وشهوية وغضبية، فالعقلية الحكمة ومنها الأمر بالمعروف، والشهوية العفة ومنها أخذ العفو، والغضبية الشجاعة ومنها الإعراض عن الجاهلين، وروى الطبري وابن مردويه من حديث جابر وغيره: "لما نزلت: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ﴾ سأل جبريل فقال: لا أعلم حتى أسأله، ثم رجع فقال: إن ربك يأمرك أن تصل من قطعك، وتعطي من حرمك، وتعفو عمن ظلمك"، انتهى.
стр. 2454
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
(٨) سورة الأنفال
هكذا في النسخ الهندية بتقديم البسملة على "سورة الأنفال"، وفي نسخ الشروح الثلاثة بعكسها.
قال العلَّامة العيني (١): وهي مدنية إلا خمس آيات فإنها مكية وهي قوله: ﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ﴾ [الأنفال: ٢٢] إلى آخر الآيتين، وقوله: ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [الأنفال: ٣٠] إلى قوله: ﴿بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾، وفيها آية أخرى اختلف فيها وهي قوله: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ﴾ الآية [الأنفال: ٣٣]، وقال الحصار في كتابه "الناسخ والمنسوخ": مدنية باتفاق، وحكى القرطبي عن ابن عباس: مدنية إلا سبع آيات من قوله: ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ إلى آخر سبع آيات، وقال السخاوي: نزلت قبل آل عمران وبعد البقرة، انتهى.
قوله: (﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ﴾ [الأنفال: ١]. . .) إلخ، كذا في النسخ الهندية بغير لفظ "باب" وكذا في نسخة "الفتح" و"القسطلاني"، وأما في نسخة "العيني" فبزيادة لفظ "باب" وقال (٢): وليس في كثير من النسخ لفظ "باب"، انتهى.
وقال القسطلاني (٣): قوله تعالى: (﴿يَسْأَلُونَكَ﴾) من حضر بدرًا (﴿عَنِ الْأَنْفَالِ﴾) أي: عن حكمها لاختلاف وقع بينهم فيها، يأتي ذكره إن شاء الله تعالى، (﴿قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ﴾) يقسمها ﷺ على ما يأمره الله تعالى، (﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ﴾) في الاختلاف، (﴿وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ﴾) أي: الحال التي بينكم إصلاحًا يحصل به الألفة والاتفاق وذلك بالمواساة والمساعدة في الغنائم.
(قال ابن عباس) فيما وصله ابن أبي حاتم من طريق علي بن أبي طلحة
стр. 2455
عنه: (الأنفال) هي (المغانم) كانت لرسول الله ﷺ خالصة ليس لأحد فيها شيء، وقيل: سميت الغنائم أنفالًا لأن المسلمين فُضِّلوا بها على سائر الأمم الذين لم تحلّ لهم، وسمي التطوع نافلة لزيادته على الفرض، وفي الاصطلاح: ما شرطه الإمام لمن يباشر خطرًا كتقدم طليعة وكشرط السلب للقاتل، انتهى.
قال الحافظ (١): وروى أبو داود والنسائي عن ابن عباس قال: لما كان يوم بدر قال رسول الله ﷺ : "من صنع كذا فله كذا" الحديث فنزلت: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ﴾، انتهى.
وكتب الشيخ في "اللامع" (٢): قوله: "الأنفال المغانم" احتاج إلى تفسيره لما اشتهر استعمال النفل فيما يعطيه الإمام زيادة على السهم وهو غير مراد ها هنا، وذكر العطية في ترجمة النافلة استطراد وتنبيه على المعنى اللغوي.
قوله: (﴿وَتَصْدِيَةً﴾ [الأنفال: ٣٥] الصفير) فالفرق بين المكاء والتصدية بحسب هذا التَّفسير أن المكاء هو الصفير بإدخال الأصبع في الفم والتصدية بدونه، انتهى.
وفي هامشه: أجاد الشيخ قُدِّس سرُّه في بيان الفرق بينهما ونبَّه بقوله على هذا التَّفسير: أن ذلك بيان لما اختاره البخاري، وإلا فالمفسرون مختلفون في ذلك كما سيأتي، وزاد في "تقرير المكي" بعد ما ذكر الفرق المذكور بين المكاء والتصدية: وكلاهما صوت الفم، وعامة المفسرين على أن التصدية ضرب الأكف، انتهى. وقال القسطلاني (٣): وعن ابن عمر مما رواه ابن جرير: المكاء الصفير، والتصدية التصفيق، وعن ابن عباس مما رواه ابن أبي حاتم: كانت قريش تطوف بالبيت عراة تصفر وتصفق، انتهى.
стр. 2456
(١ - باب: ﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ﴾ [الأنفال: ٢٢])
سقط لفظ "باب" في نسخ الشروح الثلاثة وكذا في النسخة المصرية التي عليها حاشية السندي، ذكر فيه حديث مجاهد عن ابن عباس: هم نفر من بني عبد الدار، وفي رواية الإسماعيلي: نزلت في نفر، زاد ابن جرير: لا يتبعون الحق، ثم أورد عن مجاهد في قوله: " ﴿لَا يَعْقِلُونَ﴾ لا يتبعون الحق"، انتهى من "الفتح" (١).
وقال العلَّامة القسطلاني (٢): قوله: "هم نفر من بني عبد الدار" من قريش وكانوا يحملون اللواء يوم أُحد حتى قُتلوا، وأسماؤهم في السير، قاله في "المقدمة"، وهؤلاء شر البرية لأن كل دابة مما سواهم مطيعة لله فيما خلقت له، وهؤلاء خلقوا للعبادة فكفروا، وهذا يعم كل مشرك من حيث الظاهر وإن كان السبب خاصًا كما لا يخفى، انتهى.
(٢ - باب قوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ﴾ الآية [الأنفال: ٢٤])
سقط لفظ "باب" في نسخ الشروح، قال العلَّامة القسطلاني (٣): الاستجابة هي الطاعة والامتثال، والدعوة البعث والتحريض، ووحّد الضمير ولم يُثَنِّه لأن استجابة الرسول كاستجابة الباري جل وعلا، وإنما يذكر أحدهما مع الآخر للتوكيد.
(﴿لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾) من علوم الديانات والشرائع لأن العلم حياة كما أن الجهل موت، (﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ﴾) أي: يحول بينه وبين الكفر إن أراد سعادته، وبينه وبين الإيمان إن قدّر شقاوته، والمراد
стр. 2457
الحثّ على المبادرة على إخلاص القلب وتصفيته قبل أن يحول الله بينه وبينه بالموت، وفيه تنبيه على اطلاعه تعالى على مكنوناته، انتهى.
قوله: (﴿اسْتَجِيبُوا﴾: أجيبوا. . .) إلخ، تقدم الكلام عليه في سورة آل عمران في قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ﴾.
(٣ - باب قوله: ﴿وَإِذْ قَالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ﴾ الآية [الأنفال: ٣٢])
قال القسطلاني (١): قوله: "قال ابن عيينة" سفيان في تفسيره رواية سعيد بن عبد الرحمن المخزومي: "ما سمى الله تعالى مطرًا في القرآن إلا عذابًا" أورد عليه قوله تعالى: ﴿إِنْ كَانَ بِكُمْ أَذًى مِنْ مَطَرٍ﴾ [النساء: ١٠٢] فإن المراد به المطر قطعًا، ونسبة الأذى إليه بالبلل والوحل الحاصل منه لا يخرجه عن كونه مطرًا، انتهى من "القسطلاني".
(٤ - باب قوله: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ﴾ الآية [الأنفال: ٣٣])
قال العلَّامة العيني (٢): وذكر هذا الباب مع ذكر هذا الحديث ترجمة ليس لها زيادة فائدة، لأن الآية بعينها مذكورة فيما قبلها وكذا الحديث بعينه مذكور بالإسناد المذكور بعينه، غير أن شيخه هناك أحمد بن النضر وشيخه ها هنا أخوه محمد بن النضر، وإنما وضع الباب للترجمة وذكر الحديث بعينه ليعلم أنه روى هذا الحديث عن شيخين وهما أخوان، وبدون هذا كان يعلم ما قصده، انتهى.
قال العلَّامة القسطلاني (٣): ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ [الأنفال: ٣٣] في موضع الحال ومعناه نفي الاستغفار عنهم، أي: ولو كانوا
стр. 2458
ممن يؤمن ويستغفر من الكفر لَمَا عذبهم ولكنهم لا يؤمنون ولا يستغفرون، أو ما كان الله معذبهم وفيهم من يستغفر، وهم المسلمون بين أظهرهم ممن تخلف من المستضعفين، أو من أولادهم من يستغفر، أو يريد إسلام بعضهم، أو استغفار الكفار إذ كانوا يقولون بعد التلبية: غفرانك، وفيه أن الاستغفار أمان من العذاب، انتهى.
(٥ - باب قوله: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ. . .﴾ [الأنفال: ٣٩]) إلخ
سقط "باب" لغير أبي ذر.
قوله: (عن ابن عمر: أن رجلًا جاءه) تقدم في تفسير سورة البقرة ما أخرج سعيد بن منصور من أن السائل هو حيان صاحب الدثنية، وروى أبو بكر النجاد في "فوائده" أنه الهيثم بن حنش، وقيل: نافع بن الأزرق، ولعل السائلين عن ذلك جماعة أو تعددت القصَّة، قاله الحافظ (١)، وقال أيضًا: والحاصل أن السائل كان يرى قتال من خالف الإمام الذي يعتقد طاعته، وكان ابن عمر يرى ترك القتال فيما يتعلق بالملك، وسيأتي مزيد لذلك في كتاب الفتن، انتهى.
وكتب الشيخ قُدِّس سرُّه في "اللامع" (٢): قوله: "أغتر بهذه. . ." إلخ، وهذا تسليم منه لما ادعاه الرجل، وحاصل جوابه أن القتل إن كان جائزًا كما زعمت فذاك، وإن لم يكن جائزًا كان دوام العذاب لازمًا، فدرء المفسدة أولى من جلب المصلحة، فإن الأمر إذا دار بين حرمة ووجوب كان الترك هو الواجب.
وقوله: (﴿حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ [الأنفال: ٣٩]) وليس هذا تخصيصًا للآية بموردها حتى يتوهم أن العبرة لعموم اللفظ فكيف خصص ابن عمر تلك
стр. 2459
الآية بقتال المشركين فقط؟ بل المقصود أن مورد الآية ما لم يلتبس فيه وجه القتال فهو واضح لا خفاء فيه، فلا يقاس عليه ما هو ملتبس الحقيقة فإن قتال ابن الزبير ومن قاتله لم يدر أيهما على الحق وإن كانت القرينة ترجح حقية ابن الزبير، فلا يقاس مظنون الخيرية على متيقنها، انتهى.
(٦ - باب قول الله: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ﴾ [الأنفال: ٦٥])
سقط "باب" عند غير أبي ذر.
قوله: (وأرى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مثل هذا) أي: أنه عنده في حكم الجهاد لجامع ما بينهما من إعلاء كلمة الحق وإخماد كلمة الباطل، انتهى من "الفتح" (١).
وكتب الشيخ قُدِّس سرُّه في "اللامع" (٢): أي: إذا كان الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر نصف المخالفين أو أكثر منهم وجب الأمر والنهي، وإن أقل منه لم يجب، وإن كان الأفضل هو الإتيان بهما، انتهى.
قلت: وقوله: وإن كان الأفضل هو الإتيان بهما، فيه تفاصيل بسطت في محلها.
وبسط الكلام على ذلك الغزالي في "الإحياء" (٣) وذكر منه شيء من ذلك في هامش "اللامع" فارجع إليه لو شئت.
(٧ - باب قوله: ﴿الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا﴾ الآية [الأنفال: ٦٦])
قال الحافظ (٤) بعد ذكر حديث الباب: واستدل بهذا الحديث على
стр. 2460
وجوب ثبات الواحد المسلم إذا قاوم رجلين من الكفار، وتحريم الفرار عليه منهما، سواء طلباه أو طلبهما، سواء وقع ذلك وهو واقف في الصف مع العسكر أو لم يكن هناك عسكر، وهذا هو ظاهر تفسير ابن عباس، ورجحه ابن الصباع من الشافعية، وهو المعتمد؛ لوجود نص الشافعي عليه في الرسالة الجديدة رواية الربيع، لكن المنفرد لو طلباه وهو على غير أهبة جاز له التولي عنهما جزمًا، وإن طلبهما فهل يحرم؟ وجهان: أصحهما عند المتأخرين: لا، لكن ظاهر هذه الآثار المتضافرة عن ابن عباس يأباه وهو ترجمان القرآن وأعرف الناس بالمراد، لكن يحتمل أن يكون ما أطلقه إنما هو في صورة ما إذا قاوم الواحد المسلم من جملة الصف في عسكر المسلمين اثنين من الكفار، أما المنفرد وحده بغير العسكر فلا؛ لأن الجهاد إنما عهد بالجماعة دون الشخص المنفرد، وهذا فيه نظر فقد أرسل النبي ﷺ بعض أصحابه سرية وحده، وقد استوعب الطبري وابن مردويه طرق هذا الحديث عن ابن عباس، وفي غالبها التصريح بمنع تولي الواحد عن الاثنين، انتهى من "الفتح".
وقال العلَّامة العيني (١): ثم هذا في حقنا، وأما سيدنا رسول الله ﷺ فيجب عليه مصابرة العدد الكثير لأنه موعود بالنصر كامل القوة، انتهى.
(٩) سورة براءة
قال الحافظ (٢): هي سورة التوبة، وهي أشهر أسمائها، ولها أسماء أخرى تزيد على العشرة، واختلف في ترك البسملة أولها، فقيل: لأنها نزلت بالسيف والبسملة أمان، وقيل: لأنهم لما جمعوا القرآن شكوا هل هي والأنفال واحدة أو ثنتان؟ ففصلوا بينهما بسطر لا كتابة فيه ولم يكتبوا فيه البسملة، وروى ذلك ابن عباس عن عثمان وهو المعتمد، وأخرجه أحمد والحاكم وبعض أصحاب السنن، انتهى.
стр. 2461
وقال العلَّامة العيني (١): قال أبو الحسن بن الحصار: هي مدنية باتفاق، وقال مقاتل: إلا آيتين من آخرها ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ﴾ [التوبة: ١٢٨] إلى آخرها، فإنهما نزلتا بمكة، وقيل: فيها اختلاف في أربع عشرة آية، ولها ثلاثة عشر اسمًا، اثنان مشهوران: براءة والتوبة، ثم ذكر العيني بقية الأسماء، وكذا بسط الكلام على ترك البسملة في أولها.
قوله: (أهوى: ألقاه في هوّة) كتب الشيخ قُدِّس سرُّه في "اللامع" (٢): وليس هذا اللفظ ها هنا في هذه السورة، فإيراده تأييد لما ترجم به.
قوله: (والمؤتفكات) حيث كان المراد هو السقوط والانقلاب كما هو مصرَّح في قوله تعالى: ﴿وَالْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوَى﴾ [النجم: ٥٣] انتهى.
وفي هامشه: أجاد الشيخ قُدِّس سرُّه في توجيه ذكر هذه اللفظة التي في سورة النجم في تفسير سورة براءة، وما أفاده أوجه مما قاله الشرَّاح، وتوضيح ذلك أن الإمام البخاري قال أوّلًا: ﴿وَالْمُؤْتَفِكَاتُ﴾ [التوبة: ٧٠] ائتكفت: انقلبت به الأرض، والمؤتفكات وارد في سورة براءة، ثم ذكر بعده متصلًا قوله: " ﴿أَهْوَى﴾ ألقاه في هوة".
قال الحافظ (٣) تبعًا للكرماني: قوله: "أهوى ألقاه. . ." إلخ، هذه اللفظة لم تقع في سورة براءة، وإنما هي في سورة النجم ذكرها المصنف ها هنا استطرادًا من قوله: ﴿وَالْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوَى﴾، انتهى.
وحاصل ما أفاده الشيخ أن الإمام البخاري ذكر أولًا قوله: ﴿وَالْمُؤْتَفِكَاتُ﴾ وهو وارد في سورة براءة في قوله: ﴿أَلَمْ يَأْتِهِمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَقَوْمِ إِبْرَاهِيمَ وَأَصْحَابِ مَدْيَنَ وَالْمُؤْتَفِكَاتِ﴾ الآية [التوبة: ٧٠]، قال صاحب "الجمل" (٤): أي: المنقلبات التي جعل الله عاليها سافلها، ويقال: أفكه إذا قلبه، وبابه ضرب، ولما كان ذكر قوم لوط
стр. 2462
في سورة النجم بلفظ أوضح منه ذكرها توضيحًا لقوله الأول، وفي "الجلالين" (١): قوله: ﴿وَالْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوَى﴾ وهي قرى قوم لوط، وقوله: ﴿أَهْوَى﴾ أي: أسقطها بعد رفعها إلى السماء مقلوبة إلى الأرض، انتهى.
وهكذا فسر عامة المفسرين لفظة أهوى بالإسقاط بعد الرفع، وفسره البخاري بقوله: "ألقاه في هوة" قال العيني (٢): الهوة بضم الهاء وتشديد الواو وهو المكان العميق، انتهى.
وتفسير البخاري بإلقائها إلى هوة ظاهر؛ لأن الأرض لما رفعت صار محلها هوة ثم إذا أسقطت في هذا المحل أسقطت في هوة وغار، انتهى.
قوله: (وإن كان جمع الذكور) كتب الشيخ في "اللامع" (٣): أشار بذلك إلى أن الخوالف على هذا التقدير شاذ، انتهى.
وبسط توضيحه في هامش "اللامع" أشد البسط، فارجع إليه لو شئت.
(١ - باب قوله: ﴿بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ﴾ الآية [التوبة: ١])
قال الحافظ (٤): قوله: " ﴿أُذُنٌ﴾ يصدّق" وصله ابن أبي حاتم في قوله: ﴿وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ﴾ [التوبة: ٦١] يعني: أنه يسمع من كل أحد، قال الله: ﴿قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ﴾ يعني: يصدّق بالله، وظهر أن "يصدق" تفسير "يؤمن" لا تفسير "أذن" كما يفهمه صنيع المصنف حيث اختصره، انتهى.
(٢ - باب قوله: ﴿فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ﴾ [التوبة: ٢])
قوله: ﴿فَسِيحُوا﴾: سيروا) هو كلام أبي عبيدة بزيادة، قال في قوله تعالى: ﴿فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ﴾ قال: سيروا وأقبلوا وأدبروا، انتهى
стр. 2463
من "الفتح" (١).
(٣ - باب قوله: ﴿وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ. . .﴾ [التوبة: ٣]) إلخ
أورد فيه حديث أبي هريرة المذكور في الباب قبله من وجهين.
قال الحافظ (٢) تحت شرح حديث الباب: وروى سعيد بن منصور والترمذي والنسائي من طريق أبي إسحاق عن زيد بن يُثَيْعٍ قال: "سألت عليًا بأي شيء بُعِثتَ؟ قال: بأنه لا يدخل الجنّة إلا نفس مؤمنة، ولا يطوف بالبيت عريان، ولا يجتمع مسلم مع مشرك في الحج بعد عامهم هذا، ومن كان له عهد فعهده إلى مدته، ومن لم يكن له عهد فأربعة أشهر" واستدل بهذا الكلام الأخير على أن قوله تعالى: ﴿فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ﴾ يختص بمن لم يكن له عهد مؤقت أو لم يكن له عهد أصلًا، وأما من له عهد مؤقت فهو إلى مدته إلى آخر ما بسط.
قوله: (﴿يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ﴾)، قال القسطلاني (٣): يوم عرفة، كذا روي عن علي وعمر فيما رواه ابن جرير، وعن ابن عباس ومجاهد فيما رواه ابن أبي حاتم، وروي مرسلًا عن مخرمة أن رسول الله ﷺ خطب يوم عرفة فقال: "هذا يوم الحج الأكبر" وقيل: إنه يوم النحر، وروي عن ابن عمر: وقف رسول الله ﷺ يوم النحر عند الجمرات في حجة الوداع، فقال: "هذا يوم الحج الأكبر" وبه قال كثيرون؛ لأن أعمال المناسك تتم فيه، والجمهور أن الحج الأصغر العمرة، وقيل: الأصغر يوم عرفة والأكبر يوم النحر، وقيل: حجة الوداع هي الأكبر لما وقع فيها من إعزاز الإسلام وإذلال الكفر، انتهى.
стр. 2464
(٤ - باب قوله: ﴿إلا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ٤])
ليس في نسخ الشروح لفظ "باب"، قال القسطلاني (١): وهذا استثناء من "المشركين" والتقدير: براءة من الله إلى المشركين إلا من الذين لم ينقضوا، وسقط هذا لأبي ذر، انتهى.
قلت: وكذا ليس هو بمذكور في نسخة "الفتح" بل ذكر فيها حديث الباب بغير ترجمة.
(٥ - باب قوله: ﴿فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَا أَيْمَانَ لَهُمْ﴾ [التوبة: ١٢])
قرأ الجمهور بفتح الهمزة من أيمان، أي: لا عهود لهم، وعن الحسن البصري بكسر الهمزة وهي قراءة شاذة، وقد روى الطبري من طريق عمار بن ياسر وغيره في قوله: ﴿إِنَّهُمْ لَا أَيْمَانَ لَهُمْ﴾ [التوبة: ١٢]: لا عهد لهم، وهذا يؤيد قراءة الجمهور، انتهى من "الفتح" (٢).
(٦ - باب قوله: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ﴾ الآية [التوبة: ٣٤])
قال الحافظ (٣): كذا أورده (حديث أبي هريرة) مختصرًا وهو عند أبي نعيم في "المستخرج" من وجه آخر عن أبي اليمان وزاد: "يفر منه صاحبه ويطلبه: أنا كنزك، فلا يزال به حتى يلقمه إصبعه" وتقدم في كتاب الزكاة مع شرح الحديث، ثم ذكر حديث أبي ذر في قصته مع معاوية في تأويل قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ﴾ الآية، وقد تقدم في الزكاة أيضًا، انتهى من "الفتح" مختصرًا.
стр. 2465
(٧ - باب قوله : ﴿يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ﴾ الآية [التوبة: ٣٥])
قال العلَّامة العيني (١): وليس في كثير من النسخ لفظ "باب"، انتهى.
(٨ - باب قوله: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا﴾ الآية [التوبة: ٣٦])
ليس في بعض النسخ لفظ "باب"، قاله العيني (٢).
قوله: (إن الزمان قد استدار كهيئته) قال الحافظ (٣): تقدم الكلام عليه في أوائل بدء الخلق، وأن المراد بالزمان السنة، وقوله: "كهيئته" أي: استدار استدارة مثل حالته، ولفظ الزمان يطلق على قليل الوقت وكثيره، والمراد باستدارته وقوع تاسع ذي الحجة في الوقت الذي حلت فيه الشمس برج الحمل حيث يستوي الليل والنهار، انتهى.
وكتب الشيخ قُدِّس سرُّه (٤) في أوائل بدء الخلق: قوله: (استدار كهيئته) أي: صار كما كان في الأول فلا يتطرق إليه تغيير وتبديل كما كانت العرب تفعله، وإلا فالزمان كان على هيئته، غير أن العرب لما كانت تغيره وتصرف الشهور عن أوقاتها عدّ ذلك تغيرًا، انتهى. وبسط في "هامشه" الكلام على شرح الحديث.
(٩ - باب قوله: ﴿ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ﴾ [التوبة: ٤٠])
كتب الشيخ قُدِّس سرُّه في "اللامع" (٥): قوله: "لو أن أحدهم رفع قدمه رآنا. . ." إلخ، أراد بالرفع رؤيته إلى قدمه لما أن العادة أن القدم
стр. 2466
لا ترفع إلا بعد النظر إلى موضعه الذي يرفع منه ويوضع فيه، سيّما في مثل تلك الجبال:
قدِّرْ لرجلك قبل الخطو موضعه … فمن علا زَلَقًا عن غِرَّةٍ زَلَجا
قوله: (حين وقع بينه وبين ابن الزبير) أي: حين وقع بين ابن عباس وبين عبد الله بن الزبير ﵃ وذلك بسبب البيعة، وملخص ذلك أن معاوية ﵁ لما مات امتنع ابن الزبير من البيعة ليزيد بن معاوية وأصرّ على ذلك، ولما بلغه خبر موت يزيد بن معاوية دعا ابن الزبير إلى نفسه فبويع بالخلافة، وأطاعه أهل الحجاز ومصر وعراق وخراسان وكثير من أهل الشام، ثم جرت أمور حتى آلت الخلافة إلى عبد الملك، وذلك كله في سنة أربع وستين، وكان محمد بن علي بن أبي طالب المعروف بابن الحنفية وعبد الله بن عباس مقيمين بمكة منذ قتل الحسين ﵁، فدعاهما ابن الزبير إلى البيعة له فامتنعا وقالا: لا نبايع حتى يجتمع الناس على خليفة، وتبعهما على ذلك جماعة فشدد عليهم ابن الزبير وحصرهم، فبلغ الخبر المختارَ ابنَ أبي عبيد وكان قد غلب على الكوفة وكان فر منه من كان من قِبَلِ ابن الزبير، فجهز إليهم جيشًا فأخرجوهما واستأذنوهما في قتال ابن الزبير، فامتنعا وخرجا إلى الطائف فأقاما بها حتى مات ابن عباس في سنة ثمان وستين، ورحل ابن الحنفية بعده إلى جهة رضوى جبل منبع فأقام هناك، ثم أراد دخول الشام فتوجه إلى نحو أيلة، فمات في آخر سنة ثلاث أول سنة أربع وسبعين، وذلك عقيب قتل ابن الزبير على الصحيح، انتهى.
كتب الشيخ في "اللامع" (١): قوله: (قلت: أبوه الزبير وأمه أسماء. . .) إلخ، أي: كنت أقول ذلك لنفسي وأعده أهلًا للخلافة، وهذه مقولة ابن عباس، انتهى.
وفي هامشه: وهو كذلك كما سيأتي قريبًا في حديث محمد بن عبيد
стр. 2467
عن ابن أبي مليكة: دخلنا على ابن عباس فقال: ألا تعجبون لابن الزبير قام في أمره هذا؟ فقلت: لأحاسبن نفسي له ما حاسبتها لأبي بكر ولا لعمر، انتهى.
وقول الشيخ: وهذه مقولة ابن عباس، أشار بذلك إلى الرد على القسطلاني إذ قال: قال ابن أبي مليكة: "قلت" أي: لابن عباس كالمنكر عليه امتناعه من مبايعة ابن الزبير معدّدًا شرفه واستحقاقه للخلافة: "أبوه الزبير" وهذا الكلام وإن أخذه القسطلاني عن العيني إذ قال: قوله: "قلت: أبوه الزبير" القائل هو ابن أبي مليكة يعدِّد بهذا إلى آخره شرف ابن الزبير واستحقاقه الخلافة إلخ، لكنه غير صحيح أصلًا والعجب منهما أنهما جزما في المناقب بكونه مقولة ابن عباس، فقد تقدم في كتاب المناقب في مناقب الزبير تعليقًا: قال ابن عباس: هو حواريّ رسول الله ﷺ ، قال فيه الحافظ: هو طرف من حديث سيأتي في تفسير براءة من طريق ابن أبي مليكة عن ابن عباس، وهكذا قال العيني والقسطلاني، فهؤلاء كلهم جازمون بأنه مقولة ابن عباس لا ابن أبي مليكة وهو نص لفظ البخاري، انتهى من هامشه.
قوله: (فقلت لسفيان: إسناده. . .) إلخ، كتب الشيخ قُدِّس سرُّه في "اللامع": إنما سأله إسناده لأنه كان أورده بالعنعنة، انتهى.
قلت: وبه جزم الكرماني.
(١٠ - باب قوله: ﴿وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ. . .﴾ [التوبة: ٦٠]) إلخ
قال الحافظ (١): ذكر فيه حديث أبي سعيد: بعث إلى النبي ﷺ بشيء فقسمه بين أربعة، أورده مختصرًا جدًا، وأبهم الباعث والمبعوث وتسمية الأربعة والرجل القائل، وقد تقدم بيان جميع ذلك في غزوة حنين من المغازي، انتهى.
стр. 2468
(١١ - باب قوله: ﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ. . .﴾ [التوبة: ٧٩]) إلخ
هذه الآية في صفات المنافقين، أي: لا يسلم أحد من عيبهم ولمزهم في جميع الأحوال حتى ولا المتصدقون لا يسلمون منهم، إن جاء أحد منهم بمال جزيل قالوا: هذا مُراءٍ، وإن جاء بشيء يسير قالوا: إن الله لغني عن صدقة هذا، انتهى من "العيني" (١).
(١٢ - باب قوله: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً﴾ الآية [التوبة: ٨٠])
أخبر الله تعالى في هذه الآية الكريمة أن هؤلاء المنافقين اللمَّازين ليسوا أهلًا للاستغفار، وأنه لو استغفر لهم ولو سبعين مرة فإن الله لا يغفر لهم، وذكر السبعين بالنصّ عليه لحسم مادة الاستغفار لهم؛ لأن العرب في أساليب كلامهم تذكر السبعين في مبالغة كلامهم، ولا يراد به التحديد ولا أن يكون ما زاد عليها بخلافها، قاله العيني (٢).
قوله: (لما توفي عبد الله بن أبي) إلخ، قال الحافظ (٣): ذكر الواقدي ثم الحاكم في "الإكليل" أنه مات بعد منصرفهم من تبوك وذلك في ذي القعدة سنة تسع، وكانت مدة مرضه عشرين يومًا ابتداؤها من ليال بقيت من شوال، قالوا: وكان قد تخلف هو ومن تبعه عن غزوة تبوك وفيهم نزلت: ﴿لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إلا خَبَالًا﴾ [التوبة: ٤٧]، وهذا يدفع قول ابن التِّين أن هذه القصَّة كانت في أول الإسلام قبل تقرير الأحكام، انتهى.
(١٣ - باب قوله: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا﴾ [التوبة: ٨٤])
قال الحافظ (٤): ظاهر الآية أنها نزلت في جميع المنافقين، لكن ورد
стр. 2469
ما يدل على أنها نزلت في عدد معين منهم، قال الواقدي: أنبأنا معمر عن الزهري قال: قال حذيفة: قال لي رسول الله ﷺ : "إني مسرٌّ إليك سرًّا فلا تذكره لأحد، إني نهيت أن أصلي على فلان وفلان" - رهط ذوي عدد من المنافقين - قال: فلذلك كان عمر إذا أراد أن يصلي على أحد استتبع حذيفة، فإن مشى معه وإلا لم يصل عليه، ومن طريق أخرى عن جبير بن مطعم: أنهم اثنا عشر رجلًا، وقد تقدم حديث حذيفة قريبًا أنه لم يبق منهم غير رجل واحد، ولعل الحكمة في اختصاص المذكورين بذلك أن الله علم أنهم يموتون على الكفر بخلاف من سواهم فإنهم تابوا.
ثم أورد المصنف حديث ابن عمر المذكور في الباب قبله من وجه آخر، وقوله فيه: "إنما خيرني الله أو أخبرني الله" كذا وقع بالشك والأول بمعجمة مفتوحة وتحتانية ثقيلة من التخيير، والثاني بموحدة من الإخبار، وقد أخرجه الإسماعيلي من الطريق الذي أخرجه البخاري من طريقه بلفظ: "إنما خيَّرني الله" بغير شك، وكذا في أكثر الروايات بلفظ التخيير، أي: بين الاستغفار وعدمه.
واستشكل فهم التخيير من الآية حتى أقدم جماعة من الأكابر على الطعن في صحة هذا الحديث مع كثرة طرقه واتفاق الشيخين وسائر الذين خرّجوا الصحيح على تصحيحه، وذلك ينادي على منكري صحته بعدم معرفة الحديث وقلة الاطلاع على طرقه، قال ابن المنيِّر: مفهوم الآية زلت فيه الأقدام حتى أنكر القاضي أبو بكر صحة الحديث وقال: لا يجوز أن يقبل هذا ولا يصح أن الرسول ﷺ قاله، وبنحوه قال أبو بكر الباقلاني، وقال إمام الحرمين في "مختصره": هذا الحديث غير مخرج في "الصحيح"، قال الغزالي في "المستصفى": الأظهر أن هذا الخبر غير صحيح، قال الداودي الشارح: هذا الحديث غير محفوظ، والسبب في إنكارهم صحته ما تقرر عندهم مما قدمناه وهو الذي فهمه عمر ﵁ من حمل "أو" على التسوية لما يقتضيه سياق القصَّة وحمل السبعين على المبالغة، قال ابن المنيِّر: ليس عند أهل البيان تردّد أن التخصيص بالعدد في هذا السياق غير مراد، انتهى.
стр. 2470
وأيضًا فشرط القول بمفهوم الصفة وكذا العدد عندهم مماثلة المنطوق للمسكوت وعدم فائدة آخرى وهنا للمبالغة فائدة واضحة، فأشكل قوله: "سأزيد على السبعين" مع أن حكم ما زاد عليها حكمها، وقد أجاب بعض المتأخرين عن ذلك بأنه إنما قال: "سأزيد على السبعين" استمالةً لقلوب عشيرته لا أنه أراد إن زاد على السبعين يغفر له، ويؤيده تردّدُه في ثاني حديثي الباب حيث قال: "لو أعلم أني إن زدت على السبعين يغفر له لزدت" لكن قدمنا أن الرواية ثبتت بقوله: "سأزيد" ووعده صادق ولا سيما وقد ثبت قوله: "لأزيدنّ" بصيغة المبالغة، وأجاب بعضهم باحتمال أن يكون فعل ذلك استصحابًا للحال؛ لأن جواز المغفرة بالزيادة كان ثابتًا قبل مجيء الآية فجاز أن يكون باقيًا على أصله في الجواز، وهذا جواب حسن، وقيل: إن الاستغفار يتنزل منزلة الدعاء إلى آخر ما بسط.
(١٤ - باب قوله: ﴿سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ إِذَا انْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ﴾ الآية [التوبة: ٩٥])
قال العلَّامة العيني (١): سقط في رواية الأصيلي لفظ "لكم" والصواب إثباتها، أخبر الله عن المنافقين بأنهم إذا رجعوا إلى المدينة يعتذرون ويحلفون بالله ﴿لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ﴾ فلا تُؤَنِّبُوهم ﴿فَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ﴾ احتقارًا لهم، ﴿إِنَّهُمْ رِجْسٌ﴾، أي: جبناء نجس بواطنهم واعتقاداتهم، ﴿وَمَأْوَاهُمْ﴾ في آخرتهم ﴿جَهَنَّمُ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ من الآثام والخطايا، انتهى.
(١٥ - باب قوله: ﴿يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْا عَنْهُمْ. . .﴾ [التوبة: ٩٦]) إلخ
قال العيني (٢): هكذا ثبت هذا الباب لأبي ذر وحده بغير حديث، وليس بمذكور أصلًا في رواية الباقين، انتهى.
стр. 2471
وكذا قال القسطلاني (١) والحافظ وزاد: قد أخرج ابن أبي حاتم عن مجاهد أن هذه الآية نزلت في المنافقين، انتهى.
قلت: وهذا مبني على نسخ الشروح فإن في نسختهم هذه الآية والآية الثانية وهي قوله: ﴿وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا. . .﴾ [التوبة: ١٠٢] إلخ، بابان مستقلان هكذا: "باب قوله: ﴿يَحْلِفُونَ لَكُمْ. . .﴾ " إلخ، ثم بعده متصلًا بغير ذكر حديث: "باب قوله: ﴿وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ. . .﴾ " إلخ، وليس في النسخ الهندية التي بأيدينا على الآية الثانية لفظة "باب" فصارت الآيتان ترجمة لباب واحد.
وقال الحافظ (٢): ذكر فيه طرفًا من حديث سمرة في المنام الطويل، وسيأتي بتمامه مع شرحه في التعبير، انتهى.
(١٦ - باب قوله: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ﴾ الآية [التوبة: ١١٣])
سقط لفظ الباب لغير أبي ذر، وذكر فيه حديث سعيد بن المسيب عن أبيه في قصَّة وفاة أبي طالب، وقد سبق شرحه في كتاب الجنائز، ويأتي الإلمام بشيء منه في تفسير القصص إن شاء الله تعالى، قاله الحافظ (٣).
وقال القسطلاني (٤) بعد ذكر حديث الباب: وقيل: إن سبب نزولها ما في "مسلم" و"مسند أحمد" و"سنن أبي داود" و"النسائي" و"ابن ماجه" عن أبي هريرة ﵁: أتى رسول الله ﷺ قبر أمه فبكى وأبكى من حوله، فقال رسول الله ﷺ : "استأذنت ربي في أن أستغفر لها فلم يأذن لي، واستأذنت أن أزور قبرها فأذن لي، فزوروا القبور فإنها تذكر الآخرة" قال في "الكشاف": وهذا أصح لأن موت أبي طالب كان قبل الهجرة وهذا آخر
стр. 2472
ما نزل بالمدينة، وتعقبه صاحب "التقريب" فيما حكاه الطيبي بأنه يجوز أن النبي ﷺ كان يستغفر لأبي طالب إلى حين نزولها، والتشديد مع الكفار إنما ظهر في هذه السورة، قال في "فتوح الغيب": وهذا هو الحق، ورواية نزولها في أبي طالب هي الصحيحة، انتهى.
(١٧ - باب قوله: ﴿لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ﴾ الآية [التوبة: ١١٧])
قال الحافظ (١): ذكر فيه طرفًا من حديث كعب الطويل في قصَّة توبته، وقد سبق شرحه مستوفى في كتاب المغازي، والقدر الذي اقتصر عليه هنا أيضًا في الوصايا، انتهى.
(١٨ - باب قوله: ﴿وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ﴾ الآية [التوبة: ١١٨])
هكذا في النسخ الهندية وليس في نسخ الشروح لفظ "باب"، قال العيني (٢): لم يذكر هنا لفظ "باب" والآية المذكورة بتمامها في رواية الأكثرين، وفي رواية أبي ذر إلى قوله: " ﴿بِمَا رَحُبَتْ﴾ الآية".
قوله: (﴿وَعَلَى الثَّلَاثَةِ﴾) أي: وتاب الله على الثلاثة وهم كعب بن مالك ومرارة بن الربيع وهلال بن أمية، قوله: ﴿خُلِّفُوا﴾ أي: عن الغزو، وقرئ: خلفوا - بفتح الخاء واللام المخففة - أي: خلفوا الغازين بالمدينة وفسدوا، من الخالفة وخلوف الفم، وقرأ جعفر الصادق: خالفوا، وقرأ الأعمش: وعلى الثلاثة المخلفين، انتهى.
قلت: وما فسر به العيني قوله: ﴿خُلِّفُوا﴾ قد تقدم في "باب حديث كعب": أن كعب بن مالك ﵁ كان ينكر هذا التَّفسير إذ قال في آخر القصَّة: فبذلك قال الله: ﴿وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا﴾ وليس الذي ذكر الله