(١١ - باب قوله: ﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ. . .﴾ [التوبة: ٧٩]) إلخ
هذه الآية في صفات المنافقين، أي: لا يسلم أحد من عيبهم ولمزهم في جميع الأحوال حتى ولا المتصدقون لا يسلمون منهم، إن جاء أحد منهم بمال جزيل قالوا: هذا مُراءٍ، وإن جاء بشيء يسير قالوا: إن الله لغني عن صدقة هذا، انتهى من "العيني" (١).
(١٢ - باب قوله: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً﴾ الآية [التوبة: ٨٠])
أخبر الله تعالى في هذه الآية الكريمة أن هؤلاء المنافقين اللمَّازين ليسوا أهلًا للاستغفار، وأنه لو استغفر لهم ولو سبعين مرة فإن الله لا يغفر لهم، وذكر السبعين بالنصّ عليه لحسم مادة الاستغفار لهم؛ لأن العرب في أساليب كلامهم تذكر السبعين في مبالغة كلامهم، ولا يراد به التحديد ولا أن يكون ما زاد عليها بخلافها، قاله العيني (٢).
قوله: (لما توفي عبد الله بن أبي) إلخ، قال الحافظ (٣): ذكر الواقدي ثم الحاكم في "الإكليل" أنه مات بعد منصرفهم من تبوك وذلك في ذي القعدة سنة تسع، وكانت مدة مرضه عشرين يومًا ابتداؤها من ليال بقيت من شوال، قالوا: وكان قد تخلف هو ومن تبعه عن غزوة تبوك وفيهم نزلت: ﴿لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إلا خَبَالًا﴾ [التوبة: ٤٧]، وهذا يدفع قول ابن التِّين أن هذه القصَّة كانت في أول الإسلام قبل تقرير الأحكام، انتهى.
(١٣ - باب قوله: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا﴾ [التوبة: ٨٤])
قال الحافظ (٤): ظاهر الآية أنها نزلت في جميع المنافقين، لكن ورد
стр. 2469
ما يدل على أنها نزلت في عدد معين منهم، قال الواقدي: أنبأنا معمر عن الزهري قال: قال حذيفة: قال لي رسول الله ﷺ : "إني مسرٌّ إليك سرًّا فلا تذكره لأحد، إني نهيت أن أصلي على فلان وفلان" - رهط ذوي عدد من المنافقين - قال: فلذلك كان عمر إذا أراد أن يصلي على أحد استتبع حذيفة، فإن مشى معه وإلا لم يصل عليه، ومن طريق أخرى عن جبير بن مطعم: أنهم اثنا عشر رجلًا، وقد تقدم حديث حذيفة قريبًا أنه لم يبق منهم غير رجل واحد، ولعل الحكمة في اختصاص المذكورين بذلك أن الله علم أنهم يموتون على الكفر بخلاف من سواهم فإنهم تابوا.
ثم أورد المصنف حديث ابن عمر المذكور في الباب قبله من وجه آخر، وقوله فيه: "إنما خيرني الله أو أخبرني الله" كذا وقع بالشك والأول بمعجمة مفتوحة وتحتانية ثقيلة من التخيير، والثاني بموحدة من الإخبار، وقد أخرجه الإسماعيلي من الطريق الذي أخرجه البخاري من طريقه بلفظ: "إنما خيَّرني الله" بغير شك، وكذا في أكثر الروايات بلفظ التخيير، أي: بين الاستغفار وعدمه.
واستشكل فهم التخيير من الآية حتى أقدم جماعة من الأكابر على الطعن في صحة هذا الحديث مع كثرة طرقه واتفاق الشيخين وسائر الذين خرّجوا الصحيح على تصحيحه، وذلك ينادي على منكري صحته بعدم معرفة الحديث وقلة الاطلاع على طرقه، قال ابن المنيِّر: مفهوم الآية زلت فيه الأقدام حتى أنكر القاضي أبو بكر صحة الحديث وقال: لا يجوز أن يقبل هذا ولا يصح أن الرسول ﷺ قاله، وبنحوه قال أبو بكر الباقلاني، وقال إمام الحرمين في "مختصره": هذا الحديث غير مخرج في "الصحيح"، قال الغزالي في "المستصفى": الأظهر أن هذا الخبر غير صحيح، قال الداودي الشارح: هذا الحديث غير محفوظ، والسبب في إنكارهم صحته ما تقرر عندهم مما قدمناه وهو الذي فهمه عمر ﵁ من حمل "أو" على التسوية لما يقتضيه سياق القصَّة وحمل السبعين على المبالغة، قال ابن المنيِّر: ليس عند أهل البيان تردّد أن التخصيص بالعدد في هذا السياق غير مراد، انتهى.
стр. 2470
وأيضًا فشرط القول بمفهوم الصفة وكذا العدد عندهم مماثلة المنطوق للمسكوت وعدم فائدة آخرى وهنا للمبالغة فائدة واضحة، فأشكل قوله: "سأزيد على السبعين" مع أن حكم ما زاد عليها حكمها، وقد أجاب بعض المتأخرين عن ذلك بأنه إنما قال: "سأزيد على السبعين" استمالةً لقلوب عشيرته لا أنه أراد إن زاد على السبعين يغفر له، ويؤيده تردّدُه في ثاني حديثي الباب حيث قال: "لو أعلم أني إن زدت على السبعين يغفر له لزدت" لكن قدمنا أن الرواية ثبتت بقوله: "سأزيد" ووعده صادق ولا سيما وقد ثبت قوله: "لأزيدنّ" بصيغة المبالغة، وأجاب بعضهم باحتمال أن يكون فعل ذلك استصحابًا للحال؛ لأن جواز المغفرة بالزيادة كان ثابتًا قبل مجيء الآية فجاز أن يكون باقيًا على أصله في الجواز، وهذا جواب حسن، وقيل: إن الاستغفار يتنزل منزلة الدعاء إلى آخر ما بسط.
(١٤ - باب قوله: ﴿سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ إِذَا انْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ﴾ الآية [التوبة: ٩٥])
قال العلَّامة العيني (١): سقط في رواية الأصيلي لفظ "لكم" والصواب إثباتها، أخبر الله عن المنافقين بأنهم إذا رجعوا إلى المدينة يعتذرون ويحلفون بالله ﴿لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ﴾ فلا تُؤَنِّبُوهم ﴿فَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ﴾ احتقارًا لهم، ﴿إِنَّهُمْ رِجْسٌ﴾، أي: جبناء نجس بواطنهم واعتقاداتهم، ﴿وَمَأْوَاهُمْ﴾ في آخرتهم ﴿جَهَنَّمُ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ من الآثام والخطايا، انتهى.
(١٥ - باب قوله: ﴿يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْا عَنْهُمْ. . .﴾ [التوبة: ٩٦]) إلخ
قال العيني (٢): هكذا ثبت هذا الباب لأبي ذر وحده بغير حديث، وليس بمذكور أصلًا في رواية الباقين، انتهى.
стр. 2471
وكذا قال القسطلاني (١) والحافظ وزاد: قد أخرج ابن أبي حاتم عن مجاهد أن هذه الآية نزلت في المنافقين، انتهى.
قلت: وهذا مبني على نسخ الشروح فإن في نسختهم هذه الآية والآية الثانية وهي قوله: ﴿وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا. . .﴾ [التوبة: ١٠٢] إلخ، بابان مستقلان هكذا: "باب قوله: ﴿يَحْلِفُونَ لَكُمْ. . .﴾ " إلخ، ثم بعده متصلًا بغير ذكر حديث: "باب قوله: ﴿وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ. . .﴾ " إلخ، وليس في النسخ الهندية التي بأيدينا على الآية الثانية لفظة "باب" فصارت الآيتان ترجمة لباب واحد.
وقال الحافظ (٢): ذكر فيه طرفًا من حديث سمرة في المنام الطويل، وسيأتي بتمامه مع شرحه في التعبير، انتهى.
(١٦ - باب قوله: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ﴾ الآية [التوبة: ١١٣])
سقط لفظ الباب لغير أبي ذر، وذكر فيه حديث سعيد بن المسيب عن أبيه في قصَّة وفاة أبي طالب، وقد سبق شرحه في كتاب الجنائز، ويأتي الإلمام بشيء منه في تفسير القصص إن شاء الله تعالى، قاله الحافظ (٣).
وقال القسطلاني (٤) بعد ذكر حديث الباب: وقيل: إن سبب نزولها ما في "مسلم" و"مسند أحمد" و"سنن أبي داود" و"النسائي" و"ابن ماجه" عن أبي هريرة ﵁: أتى رسول الله ﷺ قبر أمه فبكى وأبكى من حوله، فقال رسول الله ﷺ : "استأذنت ربي في أن أستغفر لها فلم يأذن لي، واستأذنت أن أزور قبرها فأذن لي، فزوروا القبور فإنها تذكر الآخرة" قال في "الكشاف": وهذا أصح لأن موت أبي طالب كان قبل الهجرة وهذا آخر
стр. 2472
ما نزل بالمدينة، وتعقبه صاحب "التقريب" فيما حكاه الطيبي بأنه يجوز أن النبي ﷺ كان يستغفر لأبي طالب إلى حين نزولها، والتشديد مع الكفار إنما ظهر في هذه السورة، قال في "فتوح الغيب": وهذا هو الحق، ورواية نزولها في أبي طالب هي الصحيحة، انتهى.
(١٧ - باب قوله: ﴿لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ﴾ الآية [التوبة: ١١٧])
قال الحافظ (١): ذكر فيه طرفًا من حديث كعب الطويل في قصَّة توبته، وقد سبق شرحه مستوفى في كتاب المغازي، والقدر الذي اقتصر عليه هنا أيضًا في الوصايا، انتهى.
(١٨ - باب قوله: ﴿وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ﴾ الآية [التوبة: ١١٨])
هكذا في النسخ الهندية وليس في نسخ الشروح لفظ "باب"، قال العيني (٢): لم يذكر هنا لفظ "باب" والآية المذكورة بتمامها في رواية الأكثرين، وفي رواية أبي ذر إلى قوله: " ﴿بِمَا رَحُبَتْ﴾ الآية".
قوله: (﴿وَعَلَى الثَّلَاثَةِ﴾) أي: وتاب الله على الثلاثة وهم كعب بن مالك ومرارة بن الربيع وهلال بن أمية، قوله: ﴿خُلِّفُوا﴾ أي: عن الغزو، وقرئ: خلفوا - بفتح الخاء واللام المخففة - أي: خلفوا الغازين بالمدينة وفسدوا، من الخالفة وخلوف الفم، وقرأ جعفر الصادق: خالفوا، وقرأ الأعمش: وعلى الثلاثة المخلفين، انتهى.
قلت: وما فسر به العيني قوله: ﴿خُلِّفُوا﴾ قد تقدم في "باب حديث كعب": أن كعب بن مالك ﵁ كان ينكر هذا التَّفسير إذ قال في آخر القصَّة: فبذلك قال الله: ﴿وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا﴾ وليس الذي ذكر الله
стр. 2473
مما خلفنا عن الغزو، وإنما هو تخليفه إيانا وإرجاؤه أمرنا عمن حلف له. . . إلخ.
(١٩ - باب قوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ [التوبة: ١١٩])
قال العلَّامة العيني (١): وهذه الآية عقيب قوله: ﴿وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا﴾ الآية، ولما جرى على هؤلاء الثلاثة من الضيق والكرب وهجر المسلمين إياهم نحوًا من خمسين ليلة فصبروا على ذلك واستكانوا لأمر الله، فرّج الله عنهم بسبب صدقهم جميع ذلك وتاب عليهم، وكان عاقبة صدقهم وتقواهم نجاة لهم وخيرًا، وأعقب ذلك بقوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ الآية، انتهى.
(٢٠ - باب قوله: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَاعَنِتُّمْ﴾ الآية [التوبة: ١٢٨])
قال العلَّامة العيني (٢): كذا ثبت إلى آخر الآية في رواية الأكثرين، وفي رواية أبي ذر إلى قوله: " ﴿مَاعَنِتُّمْ﴾ " وقد منّ الله تعالى بهذه الآية على المؤمنين بما أرسل إليهم رسولًا من أنفسهم، أي: من جنسهم وعلى لغتهم، كما قال سيدنا إبراهيم ﵊: ﴿رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ﴾ [البقرة: ١٢٩] وقرئ: من أنفَسكم، من النفاسة، أي: من أشرفكم وأفضلكم، قيل: هي قراءة رسول الله ﷺ .
قوله: (﴿عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَاعَنِتُّمْ﴾) أي: يعز عليه ما يشق عليكم، فلهذا جاء في الحديث: "بعث بالحنيفية السمحة" وعنتم من العنت وهو المشقة، وقال ابن الأنباري: أصله التشديد، وقيل: الإثم، وقيل: الضلال، وقيل: الهلاك، وجمعت هذه الآية ست صفات لسيدنا رسول الله صلى الله تعالى
стр. 2474
عليه وسلم: الرسالة، والنفاسة، والعزة، وحرصه على إيصال الخيرات إلى أمته في الدنيا والآخرة، والرأفة، والرَّحمة، قال الحسين بن الفضل: لم يجمع الله لنبي من الأنبياء اسمين من أسمائه إلا لسيدنا رسول الله ﷺ حيث قال: ﴿. . . بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة: ١٢٨] وقال : ﴿إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة: ١٤٣].
قوله: (وقال أبو ثابت: حدثنا إبراهيم وقال: مع خزيمة أو أبي خزيمة. . .) إلخ، قال الحافظ (١): مراده أن أصحاب إبراهيم بن سعد اختلفوا فقال بعضهم: مع أبي خزيمة، وقال بعضهم: مع خزيمة، وشكّ بعضهم، والتحقيق أن آية التوبة مع أبي خزيمة وآية الأحزاب مع خزيمة، وستكون لنا عودة إلى تحقيق هذا في تفسير سورة الأحزاب، وقال أيضًا: مما ننبه عليه أن آية التوبة وجدها زيد بن ثابت لما جمع القرآن في عهد أبي بكر، وآية الأحزاب وجدها لما نسخ المصاحف في عهد عثمان، وسيأتي بيان ذلك واضحًا في فضائل القرآن، انتهى.
(١٠) سورة يونس
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
قال العيني (٢): وفي رواية أبي ذر البسملة بعد قوله: "سورة يونس"، انتهى.
وهو كذلك في النسخ الهندية، وفي نسخ الشروح بتقديم البسملة على السورة.
قال العيني (٣): قال أبو العباس في "مقامات التنزيل": هي مكية وفيها آية ذكر الكلبي أنها مدنية: ﴿لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾ الآية
стр. 2475
[يونس: ٦٤]، وما بلغنا أن فيها مدنيًّا غير هذه الآية، وفي تفسير ابن النقيب عن الكلبي: مكية إلا قوله: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ لَا يُؤْمِنُ بِهِ﴾ فإنها نزلت بالمدينة، وقال مقاتل: كلها مكية غير آيتين: ﴿فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ﴾ [يونس: ٩٤] إلى قوله: ﴿فَتَكُونَ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [يونس: ٩٥] هاتان الآيتان مدنيتان.
(قال ابن عباس: ﴿فَاخْتَلَطَ﴾ فنبت بالماء. . .) إلخ، في بعض النسخ: "باب، وقال ابن عباس. . ." إلخ، وأشار به إلى قوله: ﴿إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ﴾ [يونس: ٢٤] وهذا التعليق وصله ابن جرير من طريق ابن جريج عن عطاء عن ابن عباس في قوله: ﴿إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ﴾ فنبت بالماء كل لون مما يأكل الناس؛ كالحنطة والشعير وسائر حبوب الأرض، انتهى من "العيني".
وكتب الشيخ قُدِّس سرُّه في "اللامع" (١): قوله: "فنبت بالماء" لما كان ظاهر قوله: ﴿فَاخْتَلَطَ﴾ إلى آخر الآية يقتضي وجود النبات قبل ذلك حتى يوجد الاختلاط افتقر إلى تفسيره فقال: المراد به النبت إلا أنه لما كان أسرع كان كأنه نبت حين نزل الماء فاختلط الماء بالنبات.
قوله: (يقال: ﴿تِلْكَ آيَاتُ﴾ يعني: هذه) يعني: أن لفظة "تلك" موضوعة للإشارة إلى البعيد، وليس كذلك ها هنا إذ الإشارة إلى نفس هذه الآيات القرآنية لا آيات الكتب السماوية الأخر حتى يتحقق معنى البعد، "ومثله" في وضع اللفظة موضع أخرى قوله تعالى: (﴿حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ﴾) [يونس: ٢٢] فالتشبيه إنما هو في وضع الكلمة مقام أخرى.
قوله: (﴿أَحْسَنُوا الْحُسْنَى﴾ [يونس: ٢٦]) لما كانت الزيادة تتوقف على تعيين مقدار نفس الأجر المترتب على الإحسان احتيج إلى تعيين ما في جزاء الحسنى لتصح الزيادة عليه فقال: "مثلها حسنى" أي: للمحسنين أجر
стр. 2476
الحسنى مثل الحسنى وزيادة عليه، فقوله: "حسنى" بعد قوله: "مثلها" إما بيان للضمير المجرور أو تمييز عن نسبة المثل إلى ضميره، انتهى.
(٢ - باب قوله: ﴿وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ﴾ الآية [يونس: ٩٠])
سقط لفظ "باب" في نسخة "القسطلاني"، قال الحافظان (١): سقط للأكثر لفظ "باب"، انتهى. وهو موجود في نسختهما.
قوله: (﴿نُنْجِيكَ﴾ [يونس: ٩٢] نلقيك على نجوة) بسكون النون وتخفيف الجيم وهي قراءة يعقوب، وفي نسخة ﴿نُنَجِّيكَ﴾ بتشديد الجيم، "وهو" أي: النجوة "النشز" بفتح النون والمعجمة آخره زاي وهو "المكان المرتفع"، وقرأ ابن السميفع "ننحيك" بالحاء المهملة المشددة، أي: نلقيك بناحية مما يلي البحر ليراك بنو إسرائيل، قال كعب: رماه إلى الساحل كأنه ثور، وروى ابن أبي حاتم من طريق الضحاك عن ابن عباس قال: لما خرج موسى ﵇ وأصحابه قال من تخلف من قومِ فرعون: ما غرق فرعون وقومه ولكنهم في خزائن البحر يتصيدون، فأوحى الله تعالى إلى البحر أن الفظ فرعون عريانًا فلفظه عريانًا أصلع أخينس قصيرًا، ومن طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد: ﴿بِبَدَنِكَ﴾ [يونس: ٩٢] قال: بجسدك، ومن طريق أبي صخر المدني قال: البدن الدرع الذي كان عليه، قيل: وكانت له درع من ذهب يعرف بها، وكان في أنفسهم أن فرعون أعظم شأنًا من أن يغرق، انتهى من "القسطلاني" (٢).
وقوله: (في خزائن البحر) كذا في النسخة التي بأيدينا، والذي في "الفتح" (٣) و"العيني": "جزائر" بالجيم والزاي.
стр. 2477
ومطابقة الحديث بالترجمة بما في بعض طرقه: ذاك يوم نجى الله فيه موسى ﵇ وأغرق فرعون، قاله الحافظ (١).
(فائدة): في "الفيض" (٢): اعلم أن إيمان اليأس غير معتبر، وفسره الجمهور بالإيمان عند الدخول في مقدمات النزع، أو الإيمان عند مشاهدة عذاب الاستئصال، ولما كان فرعون قد أدركه الغرق فشاهد عذاب الاستئصال فإيمانه إيمان يأس وذلك غير معتبر، أما إنه قد كان دخل في النزع أو لا؟ فالله تعالى أعلم به، وكيفما كان إيمانه غير معتبر عند الجمهور، وقال الشيخ الأكبر: إن إيمانه معتبر كما في "الفتوحات" و"الفصوص".
قلت: ولعل إيمان اليأس عنده مفسَّر بالإيمان عند الدخول في مقدمات النزع فقط، فمن شاهد عذاب الاستئصال وآمن لا يكون إيمانه إيمان يأس عنده، وإذ لا دليل على دخوله في مقدمات النزع بل كلماته قد تشعر بخلافه، فإذن ينبغي أن يعتبر إيمانه على اصطلاحه، ولكن ذبّ عنه الشيخ الشعراني وهو من أكبر معتقديه فقال: إن كثيرًا من عبارات "الفتوحات" مدسوسة وتلك المسألة أيضًا منها؛ لأن نسخة "الفتوحات" لابن السويكين موجودة عندي وليس فيها ما نسبوا إليه، وقد أبدى الشيخ عبد الحق في الشرح الفارسي تعارضًا بين كلامي الشيخ الأكبر، وحرر الدَّوَّاني رسالة في حمايته وردّ عليه علي القاري في رسالة سماها: "فرّ العون من مدعي إيمان فرعون"، انتهى من "الفيض". وبسط محشيه أيضًا الكلام عليه ونقل كلام الشيخ الأكبر من "الفتوحات".
стр. 2478
(١١) سورة هود
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
قالوا: سقطت البسملة لغير أبي ذر.
قال العلَّامة العيني (١): قال أبو العباس في "المقامات": فيها آية مدنية، وقال بعضهم: آيتان، قال السدي: قال ابن عباس: سورة هود مكية غير قوله: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ﴾ الآية [هود: ١١٤]، وقال القرطبي عن ابن عباس: هي مكية مطلقًا، وبه قال الحسن وعكرمة ومجاهد وغيرهم إلى آخر ما ذكر من الاختلاف.
(١ - باب: ﴿أَلَا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ﴾ الآية [هود: ٥])
ليس في نسخة "العيني" و"القسطلاني" لفظ "باب" وهو موجود في نسخة "الفتح" وقال (٢): سقط الباب للأكثر.
قوله: (﴿يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ﴾ شك وامتراء في الحق) كتب الشيخ قُدِّس سرُّه في "اللامع" (٣): ولا يريد بذلك تفسير الثني بل المراد التنبه على علة فعلهم هذا حيث كانت باعثة لهم على ارتكابه فإنهم لما ارتابوا في علمه تعالى وشكوا فيه كان شكهم ذلك سببًا لثنيهم صدورهم ليستخفوا منه، فالمراد بالحق علمه الثابت المحيط لكل شيء، انتهى.
وفي هامشه: قال الكرماني: قوله: ﴿يَثْنُونَ﴾ من الثني وهو الشك في الحق والازورار عنه، انتهى.
وقال العيني (٤): من الثني ويعبّر به عن الشك في الحق والإعراض عنه، قال الزمخشري: يزورّون عن الحق وينحرفون عنه؛ لأن من أقبل على الشيء استقبله بصدره، ومن ازورّ عنه وانحرف ثنى عنه صدره وطوى عنه كشحه، انتهى.
стр. 2479
وقال صاحب "الجمل" (١): قوله: ﴿لِيَسْتَخْفُوا مِنْهُ﴾ متعلق بيثنون، والمعنى: أنهم يفعلون ثني الصدور لهذه العلة، انتهى.
وذكر الشيخ قُدِّس سرُّه في "اللامع" (٢): ثم إن الظاهر من الروايتين أن نزول الآية في المؤمنين والكافرين، ولا يخفى أن الباعث للمؤمنين على ما ذكر في الرواية هو شدة الخشية، فلا يرد أنهم كيف جهلوا من صفات الله تعالى ما لا يجهله المؤمن، وأيضًا فإن ذلك كان شأن بعضهم لا كلهم، انتهى.
وذكر في "هامشه" القولين في سبب نزوله من كلام المفسرين.
قوله: (أنه سمع ابن عباس يقرأ: ألا إنهم يَثْنَوني صُدُورَهُمْ. . .) إلخ، يعني: بفتح أوله بتحتانية، وفي رواية بفوقانية، وسكون المثلثة وفتح النون وسكون الواو وكسر النون بعدها ياء على وزن تفعوعل، وهو بناء مبالغة كاعشوشب، لكن جعل الفعل للصدور، وحكى أهل القراءات عن ابن عباس في هذه الكلمة قراءات أخرى وهي "يثنوِنَّ" بفتح أوله وسكون المثلثة وفتح النون وكسر الواو وتشديد النون من الثني بالمثلثة والنون، وهو ما هشّ وضعف من النبات، وقراءة ثالثة عنه أيضًا بوزن يرعوي، وغلّطها أبو حاتم السجستاني، قلت: وفي الشواذ قراءات أخرى ليس هذا موضع بسْطها، انتهى مختصرًا من "الفتح" (٣).
(٢ - باب قوله: ﴿وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ﴾ [هود: ٧])
قبل خلق السماوات والأرض، وعن ابن عباس: وكان الماء على متن الريح، انتهى من "القسطلاني" (٤).
قوله: (هو تأكيد التجبر) يعني: أن إيراد المترادفين لإفادة التوكيد، انتهى من "اللامع" (٥).
стр. 2480
وفي هامشه: ما أفاده الشيخ قُدِّس سرُّه أوجه مما قاله الشرَّاح، فقد قال العيني: أشار بأن هذه الألفاظ الثلاثة معناها واحد وهو تأكيد التجبر، ووجه الأولوية أنه لا يبقى على هذا فائدة التكرار، وعلى ما أفاده الشيخ تظهر فائدته وهو التأكيد، انتهى.
وكتب الشيخ في "اللامع" (١): قوله: "والظهري ها هنا. . ." إلخ، أي: حيث يستعمل في معنى العون والمدد، وليس إشارة إلى ما في الآية؛ لأنه ليس فيها بالمعنى الذي ذكره بعد قوله "ها هنا"، انتهى.
وبسط في "هامشه" توضيح ذلك فارجع إليه لو شئت، وفيه أيضًا: أورد الشرَّاح على لفظة "ها هنا" على الإمام البخاري فقد قال العيني: إن أراد بقوله: "ها هنا" تفسير الظهري الذي في القرآن فلا يصح ذلك؛ لأن تفسير الظهري هو الذي ذكره أولًا، انتهى.
وفي "التيسير": لفظ "ها هنا" موهم أست كه ظهري در تفسير آية بإير معنى أست وإير باتفاق أهل علم باطل ونا درست أست، انتهى.
وقال القسطلاني: حذف "ها هنا" كما لأبي ذر أوجه، انتهى.
قلت: وما أفاده الشيخ قُدِّس سرُّه غاية توجيه الكلام لتصحيح كلام البخاري، وفي "تقرير المكي": والظهري ها هنا، أي: في كلامنا لا في الآية المذكورة، إلى آخر ما قال.
وكتب الشيخ قُدِّس سرُّه (٢): قوله: "مجريها ومرسيها" الظاهر: أن ها هنا نسختين وقع بينهما خلط من النساخ، إحداهما: مُجْرِيْهَا ومُرْسِيْهَا: من فعل به، والثانية: مُجراها ومُرساها، من فعل به، فكتب الناسخ متعلق الأول بالثاني وهذا هو الظاهر من بعض حواشي الكتاب، ولا يبعد أن يقال في توجيه العبارة المكتوبة ها هنا أن المراد بقوله: "فعل به" على زنة المجهول هو الفعل المتعدي لا المجهول، ولما كان الأصل في الأفعال هو
стр. 2481
التعدية صح إرادته بإطلاق المتعدي، ودلالة المجهول على المتعدي ظاهرة فكان المعنى إن قرئ أيضًا مُجريها ومرسيها على زنة الفاعل من الفعل المتعدي وهو الإفعال، ولا يخفى ما فيه من التكلف المستغنى عنه غير أنه أيسر من التغليط، انتهى.
وفي هامشه: اعلم أولًا أن الإمام البخاري أشار بذلك إلى تفسير قوله تعالى: ﴿وَقَالَ ارْكَبُوا فِيهَا بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا﴾ [هود: ٤١]، واختلط كلام الشرَّاح في شرح هذا الكلام، وما أفاده الشيخ قُدِّس سرُّه من تصحيح العبارة واضح جدًّا إلى آخر ما بسط فيه من كلام الشرَّاح.
(٤ - باب قوله: ﴿وَيَقُولُ الْأَشْهَادُ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا﴾ الآية [هود: ١٨])
قال العيني (١): وليس في معظم النسخ لفظ "باب"، انتهى.
قوله: (واحد الأشهاد شاهد). . . إلخ، قال الحافظ (٢): هو كلام أبي عبيدة، واختلف في المراد بهم هنا، فقيل: الأنبياء، وقيل: الملائكة، أخرجه عبد بن حميد عن مجاهد، وعن زيد بن أسلم: الأنبياء والملائكة والمؤمنون، وهذا أعم، وعن قتادة فيما أخرجه عبد الرزاق: الخلائق، وهذا أعم من الجميع.
(٥ - باب قوله: ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى. . .﴾ الآية [هود: ١٠٢])
قال الحافظ (٣) ﵀: الكاف في ذلك لتشبيه الأخذ المستقبل بالأخذ الماضي، وأتى باللفظ الماضي موضع المضارعة على قراءة طلحة بن مصرف، وأخذ بفتحتين في الأول كالثاني مبالغة في تحققه، انتهى.
стр. 2482
(٦ - باب قوله: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ. . .﴾ [هود: ١١٤]) إلخ
واختلف في المراد بطرفي النهار، فقيل: الصبح والمغرب، وقيل: الصبح والعصر، وعن مالك وابن حبيب: الصبح طرف والظهر والعصر طرف، انتهى من "الفتح" (١).
قوله: (أن رجلًا أصاب من امرأة قبلة. . .) إلخ، ذكر الحافظ في "الفتح" ها هنا عدة روايات في سبب نزول هذه الآية، وكذا ذكر الاختلاف في اسم هذا الرجل فارجع إليه لو شئت (٢).
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
(١٢) سورة يوسف
هكذا في النسخ الهندية بتقديم البسملة، وفي نسخ الشروح الثلاثة بتأخير البسملة عن السورة.
قال أبو العباس في "مقامات التنزيل": سورة يوسف مكية كلها، وما بلغنا فيها اختلاف، وفي تفسير ابن النقيب عن ابن عباس وقتادة: نزلت بمكة إلا أربع آيات فإنهن نزلن بالمدينة: ثلاث آيات من أولها، والرابعة: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آيَاتٌ لِلسَّائِلِينَ﴾ [يوسف: ٧]، وسبب نزولها سؤال اليهود عن أمر يعقوب ويوسف ﵉، انتهى من "العيني" (٣).
قوله: (قال فضيل عن حصين عن مجاهد: متكًا) بضم الميم وسكون الفوقية وتنوين الكاف من غير همز، وهي قراءة ابن عباس وغيره، "الأترج" بضم الهمزة وسكون الفوقية وضم الراء وتشديد الجيم، ولأبي ذر "الأترنج" بزيادة نون بعد الراء وتخفيف الجيم، لغتان.
стр. 2483
قوله: (كل شيء قطع بالسكين) كالأترج وغيره من الفواكه، قيل: وهو من متك بمعنى بتك الشيء، أي: قطعه، فعلى هذا يحتمل أن يكون الميم بدلًا من الباء وهو بدل مطرد في لغة قوم، ويحتمل أن تكون مادة أخرى وافقت هذه، انتهى كله من "القسطلاني" (١).
قوله: (وقال بعضهم: واحدها شدّ) قال أبو عبيدة: الأشدّ جمع لا واحد له من لفظه، وحكى الطبري أنه واحد لا نظير له في الآحاد، وقال سيبويه: واحدها شدة، وكذا قال الكسائي لكن بلا هاء، انتهى من "الفتح" (٢).
قوله: (والمتكأ) بتشديد الفوقية وبعد الكاف همزة على قراءة الجمهور، اسم مفعول: (ما اتكأت عليه لشراب. . .) إلخ، أي: لأجل شراب، (وأبطل) قول (الذي قال): إن المتكأ هو (الأترج)، ولأبي ذر (الأترنج، وليس في كلام العرب الأترج) أي: ليس مفسّرًا في كلامهم به، وهذا أخذه من كلام أبي عبيدة ولفظه: وزعم قوم أنه الترنج وهذا أبطل باطل في الأرض، انتهى من "القسطلاني" (٣).
قلت: وكذا قال الشيخ قُدَّس سرُّه في "اللامع" (٤) إذ كتب: قوله: "وليس في كلام العرب. . ." إلخ، أي: المتكأ بمعنى الأترج؛ لأن الكلام فيه لا في الأترنج إلى آخر ما قال.
وبسط في هامشه الكلام في شرح هذا المقام من كلام الشرَّاح ومن "تقرير المكي"، وفي "الفتح" (٥): وأما المتكأ فقال أبو عبيدة: "أعتدت" أي: أعتدت لهن متكأ، أي: نمرقًا يتكأ عليه، وزعم قوم أنه الترنج، وهذا أبطل باطل في الأرض، ولكن عسى أن يكون مع المتكأ ترنج يأكلونه، ويقال: ألقي له متكأ يجلس عليه، انتهى.
стр. 2484
وقوله: (ليس في كلام العرب الأترج) يريد أنه ليس في كلام العرب تفسير المتكأ بالأترج، لكن ما نفاه المؤلف ﵀ تبعًا لأبي عبيدة قد أثبته غيره، وقد روى عبد بن حميد عن ابن عباس أنه كان يقرأها مُتكًا مخففة، ويقال: هو الأترج، وقد حكاه الفراء وتبعه الأخفش وأبو حنيفة الدينوري وغيرهم كصاحب "المحكم" و"الجامع" و"الصحاح"، قال الجوهري: وعن الأخفش: المتكأ: الأترج.
(تنبيه): مُتكًا بضم أوله وسكون ثانيه وبالتنوين على المفعولية هو الذي فسّره مجاهد وغيره بالأترج أو غيره وهي قراءة، وأما القراءة المشهورة - أي: بالتشديد وبالهمز في آخره - فهو ما يتكأ عليه من وسادة وغيرها كما جرت به عادة الأكابر عند الضيافة، وبهذا التقرير لا يكون بين النقلين تعارض، وروى عبد بن حميد عن مجاهد قال: من قرأها مثقّلة قال: الطعام، ومن قرأها مخففة قال: الأترج، انتهى.
قوله: (فلما احتج عليهم) بضم التاء، أي: على القائلين بأنه الأترج (بأنه المتكاء) بالتشديد والهمزة (من نمارق) يعني: وسائد (فروا إلى شر منه فقالوا: إنما هو المتك ساكنة التاء) مخففة وساكنة، (وإنما المتك) المخفف (طرف البظر) بفتح الموحدة وسكون المعجمة وهو موضع الختان من المرأة، (ومن ذلك) اللفظ (قيل لها) أي: للمرأة (متكاء وابن المتكاء) بفتح الميم والتخفيف والمد فيهما وهي التي لم تختن، ويقال: البظراء أيضًا، (فإن كان ثم) بفتح المثلثة، أي: هناك إلخ، وقد علم مما مر أن المتك المخفف يكون بمعنى الأترج وبمعنى طرف البظر، وأن المشدد هو ما يتكأ عليه من وسادة وحينئذ فلا تعارض بين النقلين كما لا يخفى، انتهى من "القسطلاني" (١).
قال الحافظ (٢): ثم لا مانع أن يكون المتكأ مشتركًا بين الأترج وطرف البظر، والبظر موضع الختان من المرأة، انتهى.
стр. 2485
وفي هامش "اللامع" (١): عن"تقرير المكي": قوله: "فلما احتج" يعني: فلما صاروا محجوجين وثبت عليهم أنه المتكأ الذي يكون من النمارق لا الأترنج فرّوا إلى شر من الأول فقالوا: المتك ها هنا بمعنى طرف البظر، وقد وجد المتك بمعنى طرف البظر في كلام العرب، قال قُدِّس سرُّه: ويمكن إصلاح هذا بأن يقال: المراد بالمتك ما يستقر عليه المتك، يعني: طرف البظر وهو المتكأ بعينه، فكان مجازًا من قبيل ذكر الحال وإرادة المحل، وكان مآل القراءتين إلى معنى واحد وهذا جيد، انتهى.
وفي "الفيض" (٢) قوله: "فروا إلى شر منه" أي: إنما عدل هؤلاء إلى توجيهه فأخذوه من المتك بمعنى طرف البظر ليكون قريبًا من معناه المشهور، أي: ما اتكأت عليه لشراب أو لطعام فوقعوا في شر من الأول وأقبح منه، وقوله: "فإن كان ثم أترنج فإنه بعد المتكأ" يعني: أن أكله لا يكون إلا بعد الجلوس، انتهى.
(١ - باب قوله: ﴿وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلَى آلِ يَعْقُوبَ. . .﴾ [يوسف: ٦]) إلخ
قال الحافظ (٣): ذكر فيه حديث ابن عمر: "الكريم بن الكريم" الحديث، وأخرج الحاكم مثله من حديث أبي هريرة وهو دال على فضيلة خاصة وقعت ليوسف ﵇ لم يشركه فيها أحد، ومعنى قوله: "أكرم الناس" أي: من جهة النسب ولا يلزم من ذلك أن يكون أفضل من غيره مطلقًا، انتهى.
стр. 2486
(٢ - باب قوله: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آيَاتٌ لِلسَّائِلِينَ﴾ [يوسف: ٧])
ذكر ابن جرير وغيره أسماء إخوة يوسف وهم: روبيل، وشمعون، ولاوي ويهوذا، وريالون، ويشجر، ودان، ونيال، وجاد، وآشر، وبنيامين، وأكبرهم أولهم، انتهى من "الفتح" (١).
وذكر القسطلاني (٢) هذه الأسماء مع شيء من الاختلاف في بعض الأسماء، وقال أيضًا: ولم يقم دليل على نبوة إخوة يوسف، وذكر بعضهم أنه أوحي إليهم بعد ذلك، ولم يذكر لذلك مستندًا سوى قوله تعالى: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ﴾ [البقرة: ١٣٦]، وهذا لا ينهض دليلًا لأن بطون بني إِسرائيل يقال لهم: الأسباط، كما يقال للعرب: قبائل، وللعجم: شعوب، بل ظاهر ما في هذه السورة من أحوالهم وأفعالهم يدل على أنهم لم يكونوا أنبياء على ما لا يخفى، انتهى.
قلت: وقد تقدمت هذه الترجمة بعينها في "كتاب الأنبياء"، وقد تقدم الكلام عليه هناك من ذكر أسماء إخوة يوسف وغيره.
(٣ - باب قوله: ﴿قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ﴾ [يوسف: ١٨])
قوله: (﴿سَوَّلَتْ﴾: زينت) قال أبو عبيدة في قوله: ﴿بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ﴾: أي: زينت وحسنت، قاله الحافظ (٣).
стр. 2487
(٤ - باب قوله: ﴿وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَنْ نَفْسِهِ. . .﴾ [يوسف: ٢٣]) إلخ
اسم هذه المرأة في المشهور زليخا، وقيل: راعيل، واسم سيدها العزيز قطفير بكسر أوله، وقيل: بهمزة بدل القاف، انتهى من "الفتح" (١).
قوله: (﴿هَيْتَ لَكَ﴾) كتب الشيخ في "اللامع" (٢) قرأه ابن مسعود بضم التاء والآخرون بفتحها، وعليه مدار اعتراض أبي وائل، وكذلك اختلف ابن مسعود مع الجمهور في قوله: ﴿بَلْ عَجِبْتَ﴾ [الصافات: ١٢] ولذلك أورده المؤلف ها هنا تنظيرًا للاختلاف، انتهى.
وفي هامشه: اختلفت الروايات عن ابن مسعود في قراءته بالضم أو الفتح، كما ذكرها الحافظان ابن الحجر والعيني، وقد بسط القسطلاني الكلام في قراءات لفظ ﴿هَيْتَ﴾ فذكر تسع قراءات، أربعة منها شاذة وخمسة معروفة، وهي: هِيْتَ، هَيْتُ، هِئْتَ، هِئْتُ، هَيْتَ، وفي "الجلالين": ﴿وَقَالَت هَيْتَ لَكَ﴾ واللام للتبيين، قال صاحب "الجمل" بعد ذكر اختلاف القراءات في هذا اللفظ: فالقراءات السبعية سبعة وهذه كلها لغات في هذه الكلمة، وهي في كلها اسم فعل بمعنى هلمّ، أي: أقبل وتعال، انتهى.
قوله: (وعن ابن مسعود: ﴿بَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخَرُونَ﴾) [الصافات: ١٢] قال الحافظ (٣): هكذا وقع في هذا الموضع معطوفًا على الإسناد الذي قبله، وقد وصله الحاكم في "المستدرك" من طريق جرير عن الأعمش بهذا، وقد أشكلت مناسبة إيراد هذه الآية في هذا الموضع فإنها من سورة والصافات وليس في هذه السورة من معناها شيء، لكن أورد البخاري في الباب حديث عبد الله بن مسعود: أن قريشًا لما أبطئوا. . . إلخ، ولا تظهر مناسبته
стр. 2488
أيضًا للترجمة المذكورة وهي قوله: "باب قوله: ﴿وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَنْ نَفْسِهِ﴾ " ثم حكى الحافظ عن أبي الأصبغ عيسى بن سهل مناسبة نادرة وهي مذكورة في "الفتح" فارجع إليه لو شئت.
وقال القسطلاني تبعًا للعيني (١): ووجه المناسبة بين الحديث والترجمة في قوله: فجاء أبو سفيان فقال: يا محمد جئت تأمر بصلة الرحم وإن قومك قد هلكوا فادع الله فدعا، ففيه أنه عفا عن قومه كما عفا يوسف ﵇ عن امرأة العزيز، انتهى.
وهذا ملخص ما في "الفتح" (٢)، وتقدم وجه مناسبة إيراد الآية ها هنا فىِ كلام الشيخ قُدِّس سرُّه، وبه جزم الكرماني (٣) إذ قال: قوله: " ﴿بَلْ عَجِبْتُ﴾ " بالضم، كان شريح القاضي يقرأ بالفتح ويقول: إن الله تعالى لا يعجب من شيء وإنما يعجب من لا يعلم، فقال إبراهيم النخعي: إن شريحًا يعجبه علمه، وإن عبد الله بن مسعود كان يقرأ بالضم، فإن قلت: هذه سورة الصافات فلم ذكرها ها هنا؟ قلت: لبيان أن ابن مسعود يقرئه مضمومًا كما يقرأ هيت مضمومًا، انتهى.
قال الحافظ (٤) بعد ذكر قول الكرماني: وهي مناسبة لا بأس بها إلا أن الذي تقدم عن ابن سهل أدق، والله أعلم.
(٥ - باب قوله: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُ الرَّسُولُ قَالَ ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ﴾ الآية [يوسف: ٥٠])
قوله: (حاش وحاشا: تنزيه واستثناء) قال الحافظ (٥): قال أبو عبيدة في قوله: "حاش لله": الشين مفتوحة بغير ياء، وبعضهم يدخلها في آخره، ومعناه التنزيه والاستثناء عن الشر، تقول: حاشيته، أي: استثنيته، وقد قرأ
стр. 2489
الجمهور بحذف الألف بعد الشين، وأبو عمرو بإشباعها في الوصل، وفي حذف الألف بعد الحاء لغة وقرأ بها الأعمش، واختلف في أنها حرف أو اسم أو فعل، وشرح ذلك يطول، والذي يظهر أن من حذفها رجّح فعليتها بخلاف من نفاها، ويؤيد فعليتها قول النابغة.
ولا أحاشي من الأقوام من أحد
فإن تصرف الكلمة من الماضي إلى المستقبل دليل فعليتها، واقتضى كلامه أن إثبات الألف وحذفها سواء لغة، وقيل: إن حذف الألف الأخيرة لغة أهل الحجاز دون غيرهم، انتهى.
ذكر المصنف في الباب حديث أبي هريرة مرفوعًا: "يرحم الله لوطًا لقد كان يأوي إلى ركن شديد" الحديث، وقد تقدم شرحه في ترجمتي إبراهيم ولوط ﵉ في كتاب الأنبياء.
(٦ - باب قوله: ﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ﴾ [يوسف: ١١٠])
تقدم الكلام عليه في "باب قول الله : ﴿لَقَدْ كَانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آيَاتٌ لِلسَّائِلِينَ (٧)﴾ " من كتاب الأنبياء.
وبسط الكلام عليه أيضًا في "اللامع" (١) وهامشه فيما تقدم من الباب المذكور فارجع إليه لو شئت التفصيل.
قال القسطلاني (٢): قوله: "قالت: معاذ الله لم تكن الرسل تظن ذلك بربها" وهذا ظاهره أنها أنكرت قراءة التخفيف بناء على أن الضَّمير للرسل ولعلها لم تبلغها فقد ثبتت متواترة في قراءة الكوفيين في آخرين، ووجهت بأن الضمير في ﴿وَظَنُّوا﴾ عائد إلى المرسل إليهم لتقدمهم في قوله: ﴿كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ [يوسف: ١٠٩] والضميران في "أنهم" و"كذبوا" على الرسل، أي: وظن المرسل إليهم أن الرسل قد كذبوا، أي: كذبهم
стр. 2490
من أرسلوا إليه بالوحي وبنصرهم عليهم، أو أن الضمائر كلها ترجع إلى المرسل إليهم، أي: ظن المرسل إليهم أن الرسل قد كذبوهم في ما ادعوا من النبوة وفيما يوعدون به من لم يؤمن من العقاب، أو كذبهم المرسل إليهم بوعد الإيمان، وقول الكرماني: لم تنكر عائشة القراءة وإنما أنكرت التأويل، خلاف الظاهر، قال عروة: "فما هذه الآية؟ قالت: هم أتباع الرسل" إلى آخره، فالضمائر كلها على قراءة التشديد عائدة على الرسل، أي: وظن الرسل أنهم قد كذبهم أممهم فيما جاءوا به لطول البلاء عليهم، والظن هنا بمعنى اليقين، أو على حقيقته وهو رجحان أحد الطرفين، انتهى.
(١٣) سورة الرعد
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
هكذا في نسخ الشروح بتأخير البسملة عن السورة، قال العيني (١): لم تثبت البسملة إلا في رواية أبي ذر وحده، قيل: إن هذه السورة مكية، وقيل: مدنية، وقيل: فيها مكي ومدني، انتهى.
قوله: (﴿مُعَقِّبَاتٌ﴾ [الرعد: ١١] ملائكة حفظة. . .) إلخ، وفي نسخة "الفتح" (٢) "يقال: معقبات. . ." إلخ، قال الحافظ: سقط لفظ "يقال" من رواية غير أبي ذر وهو أولى، فإنه كلام أبي عبيدة قال في قوله تعالى: ﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ﴾ أي: ملائكة تعقب بعد ملائكة، حفظة بالليل تعقب بعد حفظة النهار، وحفظة النهار تعقب بعد حفظة الليل، وروى الطبري عن ابن عباس في هذه الآية أنه قال: ملائكة يحفظونه من بين يديه ومن خلفه فإذا جاء قدره خلوا عنه، وعنه في قوله: ﴿مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾ [الرعد: ١١] يقول: بإذن الله، فالمعقبات هن من أمر الله وهي الملائكة، ومن طريق إبراهيم النخعي قال: يحفظونه من الجن، ومن طريق كعب الأحبار قال:
стр. 2491
لولا أن الله وكّل بكم ملائكة يذبّون عنكم في مطعمكم ومشربكم وعوراتكم لَتُخُطِّفْتُمْ، وأخرج الطبري من طريق كنانة العدوي: أن عثمان سأل النبي ﷺ عن عدد الملائكة الموكّلة بالآدمي فقال: "لكل آدمي عشرة بالليل وعشرة بالنهار: واحد عن يمينه، وآخر عن شماله، واثنان من بين يديه ومن خلفه، واثنان على جنبيه، وآخر قابض على ناصيته، فإن تواضع رفعه، وإن تكبر وضعه، واثنان على شفتيه ليس يحفظان عليه إلا الصلاة على محمد ﷺ ، والعاشر يحرسه من الحية أن تدخل فاه، يعني: إذا نام"، وجاء في تأويل ذلك قول آخر رجحه ابن جرير، فأخرج بإسناد صحيح عن ابن عباس في قوله: ﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ﴾ قال: ذلك ملك من ملوك الدنيا له حرس ومن دونه حرس، ومن طريق عكرمة في قوله: ﴿مُعَقِّبَاتٌ﴾ قال: المراكب، انتهى.
قوله: (فكذلك يميز الحق من الباطل) كتب الشيخ في "اللامع" (١): فيكون للباطل غوغاء كغليان القدر ثم ينفى كأنه لم يكن شيئًا مذكورًا، انتهى.
قال العيني (٢): ومعنى قول البخاري: "فكذلك" أي: فكما مَيَّز الله الزبد الذي يبقى من الذي لا يبقى ولا ينتفع به مَيَّزَ الحق الذي يبقى ويستمر من الباطل الذي لا أصل له ولا يبقى، انتهى.
وفي "الفتح" (٣): وهي ثلاثة أمثال ضربها الله في مثل واحد يقول: كما اضمحل هذا الزبد وصار لا ينتفع به كذلك يضمحل الباطل من أهله، وكما مكث هذا الماء في الأرض فأمرعت وأخرجت نباتها كذلك يبقى الحق لأهله، ونظيره بقاء خالص الذهب والفضة إذا دخل النار وذهب خبثه وبقي صفوه كذلك يبقى الحق لأهله ويذهب الباطل، انتهى.
стр. 2492
(١ - باب قول الله: ﴿يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثَى. . .﴾ [الرعد: ٨]) إلخ
قوله: (غيض نقص) قال أبو عبيدة في قوله: ﴿وَغِيضَ الْمَاءُ﴾ أي: ذهب وقلّ، وهذا تفسير سورة هود، وإنما ذكره ها هنا لتفسير قوله: ﴿تَغِيضُ الْأَرْحَامُ﴾ فإنها من هذه المادة، وروى عبد بن حميد عن مجاهد في قوله: ﴿اللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثَى وَمَا تَغِيضُ الْأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ﴾ قال: إذا حاضت المرأة وهي حامل كان نقصانًا من الولد، فإن زادت على تسعة أشهر كان تمامًا لما نقص من ولدها، ثم روي من طريق منصور عن الحسن قال: الغيض ما دون تسعة أشهر، والزيادة ما زادت عليها يعني في الوضع، انتهى من "الفتح" (١).
وثم ذكر المصنف حديث ابن عمر في مفاتح الغيب، وقد تقدم الكلام عليه في سورة الأنعام.
(١٤) سورة إبراهيم
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
هكذا في نسخ الشروح.
قال الحافظ (٢): سقطت البسملة لغير أبي ذر، انتهى.
(باب قال ابن عباس: هاد داع. . .) إلخ
وهكذا في نسخة "القسطلاني" وليس في نسخة "الفتح" و"العيني" لفظ "باب"، قال القسطلاني (٣): سقط "باب" لغير أبي ذر، انتهى.
قال الحافظ (٤): كذا في جميع النسخ، وهذه الكلمة إنما وقعت في
стр. 2493
السورة التي قبلها في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ﴾ [الرعد: ٧] والظاهر: أن ذكر هذا ها هنا من بعض النساخ، واختلف أهل التأويل في تفسيرها بعد اتفاقهم على أن المراد بالمنذر محمد ﷺ ، فروى الطبري من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله: ﴿وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ﴾ وأي داعٍ، ومن طريق قتادة مثله، ومن طريق العوفي عن ابن عباس قال: الهادي الله، وهذا بمعنى الذي قبله كأنه لحظ قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [يونس: ٢٥] ومن طريق أبي العالية قال: الهادي القائد، ومن طريق مجاهد أيضًا قال: الهادي محمد، وهذا أخص من الجميع، والمراد بالقوم على هذا الخصوص، أي: هذه الأمة، والمستغرب ما أخرجه الطبري بإسناد حسن عن ابن عباس قال: لما نزلت هذه الآية وضع رسول ﷺ يده على صدره وقال: "أنا المنذر" وأومأ إلى علي وقال: "أنت الهادي بك يهتدي المهتدون بعدي" فإن ثبت هذا فالمراد بالقوم أخص من الذي قبله، أي: بني هاشم مثلًا، انتهى.
(١ - باب قوله: ﴿كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ﴾ الآية [إبراهيم: ٢٤])
قال الحافظ (١): كذا لأبي ذر، وساق غيره إلى ﴿حِينٍ﴾، وسقط عندهم "باب قوله"، انتهى.
ثم ذكر المصنف فيه حديث ابن عمر، وقد تقدم في كتاب العلم، وتقدم هناك شيء من الكلام عليه.
(٢ - باب: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ﴾ [إبراهيم: ٢٧])
كلمة التوحيد: لا إله إلا الله؛ لأنها رسخت في القلب بالدليل، أي: يُديمهم الله عليها كما اطمأنت إليها نفوسهم في الدنيا، والجمهور على أنها
стр. 2494
نزلت في سؤال المكلفين في القبر فَيُلقِّن الله المؤمنَ كلمةَ الحق عند السؤال فلا يزلّ، وسقط "باب" لغير أبي ذر، انتهى "قسطلاني" (١).
وقال أيضًا في شرح الحديث: وإنما حصل لهم الثبات في القبر بسبب مواظبتهم في الدنيا على هذا القول، ولا يخفى أن كل شيء كانت المواظبة عليه أكثر كان رسوخه في القلب أتم ثبتنا الله بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة بمنّه وكرمه، هذا الحديث قد سبق في "باب ما جاء في عذاب القبر" من الجنائز، انتهى.
(٣ - باب قوله: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا﴾ [إبراهيم: ٢٨] ألم تعلم كقوله: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ. . .﴾) إلخ
قال القسطلاني (٢): لفظ "باب" ساقط لغير أبي ذر، انتهى.
قال الحافظ (٣): هذا قول أبي عبيدة، قوله: (البوار: الهلاك. . .) إلخ، هو كلام أبي عبيدة أيضًا، ثم ذكر حديث ابن عباس فيمن نزلت فيه الآية مختصرًا، وقد تقدم مستوفى في غزوة بدر، وروى الطبري من طريق أخرى عن ابن عباس: أنه سأل عمر عن هذه الآية فقال: من هم؟ قال: هم الأفجران من بني مخزوم وبني أمية أخوالي وأعمامك، فأما أخوالي فاستأصلهم الله يوم بدر، وأما أعمامك فأملى الله لهم إلى حين، ومن طريق علي قال: هم الأفجران بنو أمية وبنو المغيرة، فأما بنو المغيرة فقطع الله دابرهم يوم بدر، وأما بنو أمية فمتعوا إلى حين، وهو عند عبد الرزاق أيضًا والنسائي وصححه الحاكم قلت: والمراد بعضهم لا جميع بني أمية وبني مخزوم، فإن بني مخزوم لم يستأصلو يوم بدر، بل المراد بعضهم كأبي جهل من بني مخزوم، وأبي سفيان من بني أمية، انتهى من "الفتح".
стр. 2495
زاد القسطلاني (١): وعنده (الطبري) أيضًا من وجه آخر ضعيف عن ابن عباس: هم جبلة بن الأيهم والذين اتبعوه من العرب فلحقوا بالروم، قال الحافظ ابن كثير: والمشهور الصحيح عن ابن عباس هو القول الأول، وإن كان المعنى يعم جميع الكفار، فإن الله تعالى بعث محمدًا ﷺ رحمةً للعالمين ونعمة للناس، انتهى.
(١٥) سورة الحجر
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
وهكذا في نسخة "العيني"، وفي نسخة "الفتح": "تفسير سورة الحجر"، قال الحافظ (٢): كذا لأبي ذر عن المستملي، وله عن غيره بدون لفظ "تفسير"، وسقطت البسملة للباقين، انتهى.
قال العلَّامة العيني (٣): قال الطبري: هي مكية بإجماع المفسرين، ويرد عليه بقول الكلبي: إن فيها آيةً مدنيةً، وقال السخاوي: نزلت بعد يوسف وقبل الأنعام، انتهى.
قوله: (قال مجاهد ﴿صِرَاطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ﴾ [الحجر: ٤١]) معناه (الحق يرجع إلى الله وعليه طريقه) لا يعرج على شيء، وقال الأخفش: عليّ الدلالة على الصراط المستقيم، وقال غيرهما: أي: من مرّ عليه مرّ عليّ، أي: على رضواني وكرامتي، وقيل: "عليّ" بمعنى إليّ، وهذا إشارة إلى الإخلاص المفهوم من المخلصين، وقيل: إلى انتفاء تزيينه وإغوائه، انتهى من "القسطلاني" (٤).
стр. 2496
(١ - باب قوله: ﴿إلا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ مُبِينٌ﴾ [الحجر: ١٨])
ليس لفظة "باب" في نسخة "القسطلاني"، وهو موجود في نسختي الحافظين، قال الحافظ (١): ذكر فيه حديث أبي هريرة في قصَّة مسترقي السمع أورده أولًا معنعنًا ثم ساقه بالإسناد بعينه مصرِّحًا فيه بالتحديث وبالسماع في جميعه، وذكر فيه اختلاف القراءة في ﴿فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ﴾ [سبأ: ٢٣]، وسيأتي شرحه في تفسير سورة سبأ، انتهى.
قال العيني (٢): قوله: ﴿إِلَّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ﴾ الآية [الحجر: ١٨] وأوله ﴿وَحَفِظْنَاهَا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ (١٧) إلا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ﴾ الآية [الحجر: ١٧، ١٨] قوله: ﴿وَحَفِظْنَاهَا﴾ أي: السماع بالشهب، وقوله: ﴿إلا مَنِ اسْتَرَقَ. . .﴾ إلخ، استثناء منقطع، أي: لكن من استرق السمع، وعن ابن عباس: أنهم كانوا لا يحجبون عن السماوات فلما ولد عيسى ﵊ منعوا من ثلاث سماوات، فلما ولد نبينا محمد ﷺ منعوا من السماوات أجمع، فما منهم من أحد يريد استراق السمع إلا رُمي بشهاب مبين، أي: بنارٍ بيِّن، والشهاب في اللغة: النار الساطعة، انتهى.
(٢ - باب قوله: ﴿وَلَقَدْ كَذَّبَ أَصْحَابُ الْحِجْرِ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الحجر: ٨٠])
قال القسطلاني (٣): سقط قوله: "باب" لغير أبي ذر.
قوله: (﴿كَذَّبَ أَصْحَابُ الْحِجْرِ﴾) وادي ثمود بين المدينة والشام (﴿الْمُرْسَلِينَ﴾) صالحًا، ومن كذب واحدًا من المرسلين، فكأنما كذب الجميع، أو صالحًا ومن معه من المؤمنين.
стр. 2497
قوله: (أن يصيبكم مثل ما أصابهم من العذاب) لأن من دخل عليهم ولم يبك اعتبارًا بأحوالهم فقد شابههم في الأعمال، ودلّ على قساوة قلبه، فلا يأمن أن يجره ذلك إلى العمل بمثل أعمالهم، فيصيبه بمثل ما أصابهم، وهذا الحديث قد مر في "باب الصلاة في مواضع الخسف" من كتاب الصلاة، انتهى.
(٣ - باب قوله: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ﴾ [الحجر: ٨٧])
قال القسطلاني (١): (﴿الْمَثَانِي﴾) صيغة جمع واحده مثناة، والمثناة كل شيء يثنى، من قولك: ثنيت الشيء ثنيًا، أي: عطفته وضممت إليه آخر، والمراد سبع من الآيات أو من السور أو من الفوائد، ليس في اللفظ ما يعين أحدها، (﴿وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ﴾) من عطف العام على الخاص إذ المراد بالسبع إما الفاتحة أو السور الطوال، أو من عطف بعض الصفات على بعض، أو الواو مقحمة، انتهى.
وقال بعد ذكر الحديث: وفيه وجوب إجابته ﵊، ونص جماعة من الأصحاب على عدم بطلان الصلاة، وفيه بحث سبق في البقرة، انتهى.
قلت: وتقدمت هذه المسألة مع بيان مذاهب الأئمة الأربعة في "باب ما جاء في فاتحة الكتاب".
وقال الحافظ (٢): قال الخطابي: وفي الحديث رد على ابن سيرين حيث قال: الفاتحة لا يقال لها أم القرآن، وإنما يقال لها فاتحة الكتاب، ويقول: أم الكتاب هو اللوح المحفوظ، قال: وأم الشيء أصله، وسميت الفاتحة أم القرآن لأنها أصل القرآن، وقيل: لأنها مقدمة كأنها تؤمه.
стр. 2498
قوله: (هي السبع المثاني والقرآن العظيم) هو معطوف على قوله: "أم القرآن" وهو مبتدأ وخبره محذوف، أو خبر مبتدأ محذوف تقديره: والقرآن العظيم ما عداها، وليس هو معطوفًا على قوله: "السبع المثاني" لأن الفاتحة ليست هي القرآن العظيم، وإنما جاز إطلاق القرآن عليها؛ لأنها من القرآن لكنها ليست هي القرآن كله، ثم وجدت في تفسير ابن أبي حاتم عن أبي هريرة، بلفظ: والقرآن العظيم الذي أعطيتموه، أي: هو الذي أعطيتموه، فيكون هذا هو الخبر، انتهى.
(٤ - باب قوله: ﴿الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ﴾ [الحجر: ٩١])
كذا في نسخة "الفتح" و"العيني"، وفي نسخة "القسطلاني" بدون لفظ "باب".
قال الحافظ (١): قيل: إن ﴿عِضِينَ﴾ جمع عضو فروى الطبري من طريق الضحاك قال في قوله: ﴿جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ﴾ أي: جعلوه أعضاء كأعضاء الجزور، وقيل: هي جمع عضة وأصلها عضهة فحذفت الهاء كما حذفت من الشفة وأصلها شفهة، وجمعت بعد الحذف على عضين مثل برة وبرين وكرة وكرين إلى آخر ما بسط في تفسيره.
(٥ - باب قوله: ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ [الحجر: ٩٩] قال سالم: اليقين الموت)
قال القسطلاني (٢): سقط "باب قوله" لغير أبي ذر كقوله: "اليقين" من قوله: "اليقين: الموت"، انتهى.
قوله: (قال سالم: اليقين. . .) إلخ، وصله الفريابي وعبد بن حميد وأخرجه الطبري، من طرق عن مجاهد وقتادة وغيرهما مثله، واستشهد
стр. 2499
الطبري لذلك بحديث أم العلاء في قصَّة عثمان بن مظعون: أما هو فقد جاءه اليقين، وإني لأرجو له الخير، وقد تقدم في الجنائز مشروحًا.
وقد اعترض بعض الشرَّاح على البخاري لكونه لم يخرج هنا هذا الحديث، وقال: كان ذكره أليق من هذا، قال: ولأن اليقين ليس من أسماء الموت، قلت: لا يلزم البخاري ذلك وقد أخرج النسائي حديث بعجة عن أبي هريرة رفعه: "خير ما عاش الناس به رجل ممسك بعنان فرسه" الحديث وفي آخره: "حتى يأتيه اليقين ليس هو من الناس إلا في خير" فهذا شاهد جيد لقوله: سالم، ومنه قوله تعالى: ﴿وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ (٤٦) حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ﴾ [المدثر: ٤٦، ٤٧] وإطلاق اليقين على الموت مجاز لأن الموت لا يشك فيه، انتهى من "الفتح" (١).
وقال القسطلاني (٢): قوله: "اليقين: الموت" لأنه أمر متيقن وهو مروي عن ابن عباس أيضًا، وروى جبير بن نفير مرسلًا أن النبي ﷺ قال: "ما أوحي إليّ أن أجمع المال وأكون من التاجرين، ولكن أوحي إليّ أن سَبِّح بحمد ربك، وكن من الساجدين، واعبد ربك حتى يأتيك اليقين" رواه البغوي في "شرح السُّنَّة"، انتهى.
(١٦) سورة النحل
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
وهكذا في نسخة "العيني" بتأخير البسملة عن "سورة النحل"، وفي نسخة "الفتح" و"القسطلاني" بتقديم البسملة، وقالوا (٣): سقطت البسملة لغير أبي ذر.
قال العلَّامة العيني (٤): روى همام عن قتادة أنها مدنية، وروى سعيد
стр. 2500
عنه: أولها مكي إلى قوله : ﴿وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا﴾ [النحل: ٤١] ومن هنا إلى آخرها مدني، وقال السدي: مكية إلا آيتين: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ [النحل: ١٢٦] وقال القرطبي: قال ابن عباس: هي مكية إلا ثلاث آيات نزلت بعد قتل حمزة رضي الله تعالى عنه: ﴿وَلَا تَشْتَرُوا بِعَهْدِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ [النحل: ٩٥] الآيات، وقال السخاوي: نزلت بعد الكهف وقبل سورة نوح ﵇، انتهى.
قوله: (﴿رُوحُ الْقُدُسِ﴾) [النحل: ١٠٢] جبريل، (﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ﴾) [الشعراء: ١٩٣]، قال الحافظ (١): أما قوله: ﴿رُوحُ الْقُدُسِ﴾ جبريل، فأخرجه ابن أبي حاتم بإسناد رجاله ثقات عن عبد الله بن مسعود، وروى الطبري من طريق محمد بن كعب القرظي قال: روح القدس جبريل، وكذا جزم به أبو عبيدة وغيره واحد، وأما قوله: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ﴾ فذكره استشهادًا لصحة هذا التأويل؛ فإن المراد به جبريل اتفاقًا، وكأنه أشار إلى ردِّ ما رواه الضحاك عن ابن عباس قال: روح القدس: الاسم الذي كان عيسى يحيي به الموتى، أخرجه ابن أبي حاتم وإسناده ضعيف.
قوله: (وقال غيره: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ [النحل: ٩٨] هذا مقدم ومؤخر. . .) إلخ، المراد بالغير أبو عبيدة فإن هذا كلامه بعينه، وقرره غيره فقال: إذا وصله بين الكلامين والتقدير: فإذا أخذت في القراءة فاستعذ، وقيل: هو على أصله لكن فيه إضمار، أي: إذا أردت القراءة؛ لأن الفعل يوجد عند القصد من غير فاصل، وقد أخذ بظاهر الآية ابن سيرين، ونقل عن أبي هريرة وعن مالك وهو مذهب حمزة الزيات فكانوا يستعيذون بعد القراءة، وبه قال داود الظاهري، انتهى.
وكتب الشيخ قُدِّس سرُّه في "اللامع" (٢): قوله: " ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ. . .﴾ " إلخ، فيه تقديم وتأخير، يعني: بحسب الظاهر وليس ترتيب
стр. 2501
القراءة والاستعاذة على حسب ما ذكر في الآية، بل الاستعاذة مقدمة على القراءة، وعلى هذا فلا تنافي بين تأويله وتأويل الجمهور: أن المراد بالقراءة إِرادتها، بل معناهما واحد؛ لأن كلام المؤلف غير آب عنه، انتهى.
وفي هامشه عن حاشية "الجمل": ووجه ما قال الجمهور: إن تقديم الاستعاذة على القراءة لتذهب الوسوسة عنه، أولى من تأخيرها عن وقت الحاجة إليها، ووجه مقابله أن القارئ يستحق ثوابًا عظيمًا وربما حصلت الوسوسة في قلبه فالاستعاذة بعد القراءة تدفع الوساوس، انتهى.
قوله: (﴿شَاكِلَتِهِ﴾ ناحيته) قال الحافظ (١): كذا وقع ها هنا وإنما هو في السورة التي تليها وقد أعاده فيها، ووقع في رواية أبي ذر عن الحموي "نيته" بدل "ناحيته" وسيأتي الكلام عليها هناك، وقال فيما سيأتي (٢) قوله: " ﴿شَاكِلَتِهِ﴾ ناحيته" وصله الطبري عن ابن عباس وعن مجاهد قال: على طبيعته وعلى حدته، وعن قتادة قال: يقول على ناحيته وعلى ما ينوي، وقال أبو عبيدة: ﴿قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ﴾ [الإسراء: ٨٤]؛ أي: على ناحيته وخلقته، ومنها قوله: هذا من شكل هذا، انتهى.
وكتب الشيخ قُدِّس سرُّه في "اللامع" (٣): وليس هذا اللفظ من تلك السورة، ولعل الوجه في إيراده ها هنا التنبيه على أن قصده في القراءة لا ينبغي أن يكون إلا لله، وعلى هذا فالمناسب في ترجمة الشاكلة ها هنا هي النية، وفيما سيأتي الناحية ليفيد فائدة بعد فائدة، والمناسب على هذا الوجه ها هنا نسخة "نيته" لا "ناحيته" فافهم، انتهى.
وبسط في هامشه الكلام في شرح هذا اللفظ من الشروح ومن كلام أهل اللغة.
قوله: (السكر ما حرم من ثمرتها) كتب الشيخ في "اللامع" (٤): ولا يبعد
стр. 2502
أن يقال: إن الامتنان بما لم يسكر منها ولا شك في جواز القدر الذي لا يسكر منها فصح الامتنان، أو يقال: إن الآية مكية وتحريم المحرمات منها مدني فصح الامتنان وقت إنزال الآية، انتهى.
وذكر في هامشه كلام الشرَّاح وفيه أيضًا: وفي "الجلالين": وهذا قبل تحريمها، وفي "الجمل": قوله: وهذا. . . إلخ، أي: الامتنان بأخذ السكر منها المقتضي لحله إذ الامتنان بالشي يقتضي حله، وفي "الكرخي": وهذا قبل تحريمها جزم به اعتمادًا على قولهم في السورة: إنها مكية إلا ثلاث آيات من آخرها والمائدة مدنية وتحريم الخمر فيها وهي آخر القرآن نزولًا، كما ثبت في الحديث، انتهى.
(١ - باب قوله: ﴿وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ﴾ [النحل: ٧٠])
قال الحافظ (١): ذكر فيه حديث أنس في الدعاء بالاستعاذة من ذلك وغيره، وسيأتي شرحه في الدعوات، وروى ابن أبي حاتم من طريق السدي قال: أرذل العمر هو الخرف، وروى ابن مردويه من حديث أنس أنه مائة سنة، انتهى.
وقال العيني (٢): قال قتادة: تسعون سنة، وعن علي: خمس وسبعون، وعن عكرمة: من قرأ القرآن لم يردّ إلى أرذل العمر، انتهى.
(١٧) سورة بني إسرائيل
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
وهكذا في نسخة "الفتح" و"العيني" وسقطت البسملة في نسخة "القسطلاني" وقال (٣): وزاد أبو ذر: "بسم الله الرحمن الرحيم" وسقطت لغيره، انتهى.
стр. 2503
وقال العلَّامة العيني (١): قال قتادة: هي مكية إلا ثمان آيات نزلن بالمدينة، وهي من قوله: ﴿وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ﴾ [الإسراء: ٧٣] إلى آخرهن، وسجدتها مدنية، وفي تفسير ابن مردويه من غير طريق عن ابن عباس: هي مكية، وقال السخاوي: نزلت بعد القصص وقبل سورة يونس ﵇، انتهى.
قوله: (إنهن من العتاق الأول) بكسر المهملة وتخفيف المثناة جمع عتيق وهو القديم، أو هو كل ما بلغ الغاية في الجودة. وبالثاني جزم جماعة في هذا الحديث، وبالأول جزم أبو الحسن بن فارس، قال القسطلاني (٢): والعرب تجعل كل شيء بلغ الغاية في الجودة عتيقًا، و"الأول" بضم الهمزة وفتح الواو المخففة، والأولية باعتبار حفظها، أو باعتبار نزولها؛ لأنها مكيات، ومراده تفضيل هذه السور لما يتضمن مفتتح كل منها بأمر غريب وقع في العالم خارق للعادة، وهو الإسراء، وقصَّة أصحاب الكهف، وقصَّة مريم، قاله الكرماني، انتهى.
قوله: (هن من تلادي) بكسر المثناة وتخفيف اللام، أي: مما حفظ قديمًا، والتلاد قديم الملك وهو بخلاف الطارف، ومراد ابن مسعود أنهن من أول ما تعلم من القرآن وأن لهن فضلًا لما فيهن من القصص وأخبار الأنبياء والأمم، وسيأتي الحديث في فضائل القرآن بأتم من هذا السياق، انتهى من "الفتح" (٣).
وزاد القسطلاني (٤): وفي حديث عائشة عند الإمام أحمد: كان رسول الله ﷺ يقرأ كل ليلة بني إِسرائيل والزمر، انتهى.
(٣ - باب قوله: ﴿أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [الإسراء: ١])
قال الحافظ (٥): لم يختلف القراء في ﴿أَسْرَى﴾ بخلاف قوله في قصَّة
стр. 2504
لوط: ﴿فَأَسْرِ﴾ فقرئت بالوجهين، وفيه تعقب على من قال من أهل اللغة: إن أسرى وسرى بمعنى واحد، قال السهيلي: السري من سريت إذا سرت ليلًا، يعني: فهو لازم، والإسراء يتعدى في المعنى لكن حذف مفعوله حتى ظن من ظن أنهما بمعنى واحد، وإنما معنى ﴿أَسْرَى بِعَبْدِهِ﴾ جعل البراق يسري به كما تقول: أمضيت كذا بمعنى جعلته يمضي، لكن حسن حذف المفعول لقوة الدلالة عليه أو الاستغناء عن ذكره؛ لأن المقصود بالذكر المصطفى لا الدابة التي صارت به، وأما قصَّة لوط فالمعنى سر بهم على ما يتحملون عليه من دابة ونحوها، هذا معنى القراءة بالقطع، ومعنى الوصل سر بهم ليلًا، ولم يأت مثل ذلك في الإسراء؛ لأنه لا يجوز أن يقال: سرى بعبده بوجه من الوجوه، انتهى.
والنفي الذي جزم به إنما هو من هذه الحيثية التي قصد فيها الإشارة إلى أنه سار ليلًا على البراق، وإلا فلو قال قائل: سرت بزيد بمعنى صاحبته لكان المعنى صحيحًا، انتهى.
وهكذا بسط الكلام العلَّامة القسطلاني في تحقيق هذا اللفظ وقال أيضًا (١): قوله: ﴿لَيْلًا﴾ بلفظ التنكير قال الزَّمخشري: ليفيد تقليل مدة الإسراء، وأنه أسري في بعض الليل من مكة إلى الشام مسيرة أربعين ليلة، فدل على أن التنكير دل على البعضية، ويشهد لذلك قراءة عبد الله وحذيفة: من الليل، أي: بعضه كقوله: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ﴾ [الإسراء: ٧٩]، انتهى.
(٤ - باب قوله: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ. . .﴾ [الإسراء: ٧٠]) إلخ
وهكذا في نسخة "الفتح" و"العيني"، وفي نسخة "القسطلاني": قوله: " ﴿كَرَّمْنَا﴾ وأكرمنا واحد" قال القسطلاني (٢): ولأبي ذر "باب قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ. . .﴾ " إلخ، انتهى.
стр. 2505
قلت: وإليه أشار العيني حيث قال (١): وليست في بعض النسخ هذه الترجمة، انتهى.
قوله: (كرمنا وأكرمنا واحد) أي: في الأصل وإلا فالتشديد أبلغ، قال أبو عبيدة: كرّمنا، أي: أكرمنا إلا أنه أشد مبالغة في الكرامة، انتهى.
وهي من كرم بضم الراء مثل شرف، وليس من الكرم الذي هو في المال، انتهى من "الفتح" (٢).
قوله: (﴿قَبِيلًا﴾ معاينة ومقابلة، وقيل: القابلة. . .) إلخ، قال أبو عبيدة: ﴿وَالْمَلَائِكَةِ قَبِيلًا﴾ [الإسراء: ٩٢] مجاز مقابلة، أي: معاينة، انتهى من "الفتح" (٣).
قلت: هو إشارة إلى قوله: ﴿أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ قَبِيلًا﴾ [الإسراء: ٩٢]، وفي "الجلالين" (٤): أي: مقابلة وعيانًا فنراهم، انتهى.
وفسّره البخاري بقوله: "معاينة ومقابلة" ثم قال البخاري "وقيل: القابلة" ويتوهم منه أن هذا أيضًا قول في تفسير الآية فكتب الشيخ قُدِّس سرُّه في "اللامع" (٥): وليس المراد أنه قيل ذلك في تفسير الآية بل المعنى أنه يقال لأجل هذا المعنى للقابلة قابلة أيضًا، انتهى.
قال العيني (٦): قوله: "وقيل القابلة" أراد أنه قيل للمرأة التي تتلقى الولد عند الولادة قابلة؛ لأنها مقابلتها، أي: مقابلة المرأة التي تولدها، وقوله: "تقبل ولدها" أي: تتلقاه عند الولادة، يقال: قبلت القابلة المرأة تقبلها قبالة بالكسر، أي: تلقته عند الولادة، وقال ابن التين: ضبطه بعضهم "بتقبل ولدها" بضم الموحدة وليس ببين، قلت: "تقبل" بالفتح هو البين لأنه من باب علم، وقد يظن أن "تقبل ولدها" من التقبيل وليس بظاهر، انتهى.
стр. 2506
(باب قوله: ﴿وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا. . .﴾ [الإسراء: ١٦]) إلخ
قوله: (كنا نقول للحي) أي: للقبيلة (إذا كثروا في الجاهلية أمر) بفتح الهمزة وكسر الميم "بنو فلان"، وقوله: (قال) أي: الحميدي عن سفيان (أمر) بكسر الميم كالأول كذا في فرعين لليونينية كالأصل، وقال الحافظ ابن حجر وغيره: إن الأولى بكسر الميم والثانية بفتحها وهما لغتان، وبالفتح قرأ الجمهور الآية، وقرأها ابن عباس بالكسر، ويعقوب بمد الهمزة وفتح الميم، ومجاهد بتشديد الميم من الإمارة، والحاصل أن سياق المؤلف لحديث ابن مسعود لينبه على أن معنى ﴿أَمَرْنَا﴾ في الآية: كثرنا مترفيها، وهي لغة حكاها أبو حاتم، ونقلها الواحدي عن أهل اللغة، وقال أبو عبيدة: من أنكرها لم يلتفت إليه لثبوتها في اللغة، انتهى من "القسطلاني" (١).
(٥ - باب قوله: ﴿ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا﴾ [الإسراء: ٣])
سقط الباب لغير أبي ذر، قاله القسطلاني (٢)، وذكر فيه حديث أبي هريرة في الشفاعة، وسيأتي شرحه في "الرقاق"، وأورده ها هنا لقوله: فيه: "يقولون: يا نوح أنت أول الرسل إلى أهل الأرض، وقد سماك الله عبدًا شكورًا" وقد صحح ابن حبَّان من حديث سلمان الفارسي: "كان نوح إذا طعم أو لبس حمد الله فسمي عبدًا شكورًا"، وله شاهد عند ابن مردويه من حديث معاذ بن أنس، انتهى من "الفتح" (٣).
وقال العيني (٤): وعن عمران بن سليم: "إنما سمي نوح ﵇ عبدًا شكورًا لأنه كان إذا أكل طعامًا قال: الحمد لله الذي أطعمني ولو شاء
стр. 2507
أجاعني، وإذا شرب شرابًا قال: الحمد لله الذي سقاني ولو شاء أظمأني، وإذا اكتسى قال: الحمد لله الذي كساني ولو شاء أعراني، وإذا احتذى قال: الحمد لله الذي حذاني ولو شاء أحفاني، وإذا قضى حاجته قال: الحمد لله الذي أخرج عني أذاه في عافية ولو شاء حبسه"، انتهى.
قوله: (أنت أول الرسل) كتب الشيخ في "اللامع" (١) أي: أولي العزم منهم، انتهى.
وفي هامشه: قال الحافظ: أما كونه أول الرسل فقد استشكل بأن آدم كان نبيًا وبالضرورة نعلم أنه كان على شريعة من العبادة، وأن أولاده أخذوا ذلك عنه، فعلى هذا فهو رسول إليهم فيكون هو أول رسول، ويحتمل أن تكون الأولية في قول أهل الموقف لنوح مقيدة بقولهم: إلى أهل الأرض: لأنه في زمن آدم لم يكن للأرض أهل أو لأن رسالة آدم إلى بنيه كانت كالتربية للأولاد، ويحتمل أن يكون المراد أنه رسول أرسل إلى بنيه وغيره من الأمم مع تفرقهم في عدة بلاد، وآدم إنما أرسل إلى بنيه فقط، وكانوا مجتمعين في بلدة واحدة، واستشكله بعضهم بإدريس ولا يرد؛ لأنه اختلف في كونه جدّ نوح، انتهى.
وبسط القاري الكلام على ذلك بما لا مزيد عليه، وذكر في جملة كلامه (٢): أما آدم وشيث فهما وإن كانا رسولين إلا أن آدم أرسل إلى بنيه ولم يكونوا كفارًا، وشيثًا كان خلفًا له فيهم بعده، بخلاف نوح فإنه مرسل إلى كفار أهل الأرض، وهذا أقرب من القول بأن آدم وإدريس لم يكونا رسولين، وقد يقال: إنه أول نبي بعثه الله بعد آدم على أن شيثًا كان خليفة له، فأوليته إضافية، أو أول نبي بعثه من أولي العزم، فالأولية حقيقية، وهذا أوفق الأقوال، وبه يزول الإشكال، انتهى.
ثم يشكل ها هنا أن الآية المترجم بها مقدمة على الآيتين في الترجمتين