وقال العلَّامة العيني (١): قال قتادة: هي مكية إلا ثمان آيات نزلن بالمدينة، وهي من قوله: ﴿وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ﴾ [الإسراء: ٧٣] إلى آخرهن، وسجدتها مدنية، وفي تفسير ابن مردويه من غير طريق عن ابن عباس: هي مكية، وقال السخاوي: نزلت بعد القصص وقبل سورة يونس ﵇، انتهى.
قوله: (إنهن من العتاق الأول) بكسر المهملة وتخفيف المثناة جمع عتيق وهو القديم، أو هو كل ما بلغ الغاية في الجودة. وبالثاني جزم جماعة في هذا الحديث، وبالأول جزم أبو الحسن بن فارس، قال القسطلاني (٢): والعرب تجعل كل شيء بلغ الغاية في الجودة عتيقًا، و"الأول" بضم الهمزة وفتح الواو المخففة، والأولية باعتبار حفظها، أو باعتبار نزولها؛ لأنها مكيات، ومراده تفضيل هذه السور لما يتضمن مفتتح كل منها بأمر غريب وقع في العالم خارق للعادة، وهو الإسراء، وقصَّة أصحاب الكهف، وقصَّة مريم، قاله الكرماني، انتهى.
قوله: (هن من تلادي) بكسر المثناة وتخفيف اللام، أي: مما حفظ قديمًا، والتلاد قديم الملك وهو بخلاف الطارف، ومراد ابن مسعود أنهن من أول ما تعلم من القرآن وأن لهن فضلًا لما فيهن من القصص وأخبار الأنبياء والأمم، وسيأتي الحديث في فضائل القرآن بأتم من هذا السياق، انتهى من "الفتح" (٣).
وزاد القسطلاني (٤): وفي حديث عائشة عند الإمام أحمد: كان رسول الله ﷺ يقرأ كل ليلة بني إِسرائيل والزمر، انتهى.
(٣ - باب قوله: ﴿أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [الإسراء: ١])
قال الحافظ (٥): لم يختلف القراء في ﴿أَسْرَى﴾ بخلاف قوله في قصَّة
стр. 2504
لوط: ﴿فَأَسْرِ﴾ فقرئت بالوجهين، وفيه تعقب على من قال من أهل اللغة: إن أسرى وسرى بمعنى واحد، قال السهيلي: السري من سريت إذا سرت ليلًا، يعني: فهو لازم، والإسراء يتعدى في المعنى لكن حذف مفعوله حتى ظن من ظن أنهما بمعنى واحد، وإنما معنى ﴿أَسْرَى بِعَبْدِهِ﴾ جعل البراق يسري به كما تقول: أمضيت كذا بمعنى جعلته يمضي، لكن حسن حذف المفعول لقوة الدلالة عليه أو الاستغناء عن ذكره؛ لأن المقصود بالذكر المصطفى لا الدابة التي صارت به، وأما قصَّة لوط فالمعنى سر بهم على ما يتحملون عليه من دابة ونحوها، هذا معنى القراءة بالقطع، ومعنى الوصل سر بهم ليلًا، ولم يأت مثل ذلك في الإسراء؛ لأنه لا يجوز أن يقال: سرى بعبده بوجه من الوجوه، انتهى.
والنفي الذي جزم به إنما هو من هذه الحيثية التي قصد فيها الإشارة إلى أنه سار ليلًا على البراق، وإلا فلو قال قائل: سرت بزيد بمعنى صاحبته لكان المعنى صحيحًا، انتهى.
وهكذا بسط الكلام العلَّامة القسطلاني في تحقيق هذا اللفظ وقال أيضًا (١): قوله: ﴿لَيْلًا﴾ بلفظ التنكير قال الزَّمخشري: ليفيد تقليل مدة الإسراء، وأنه أسري في بعض الليل من مكة إلى الشام مسيرة أربعين ليلة، فدل على أن التنكير دل على البعضية، ويشهد لذلك قراءة عبد الله وحذيفة: من الليل، أي: بعضه كقوله: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ﴾ [الإسراء: ٧٩]، انتهى.
(٤ - باب قوله: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ. . .﴾ [الإسراء: ٧٠]) إلخ
وهكذا في نسخة "الفتح" و"العيني"، وفي نسخة "القسطلاني": قوله: " ﴿كَرَّمْنَا﴾ وأكرمنا واحد" قال القسطلاني (٢): ولأبي ذر "باب قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ. . .﴾ " إلخ، انتهى.
стр. 2505
قلت: وإليه أشار العيني حيث قال (١): وليست في بعض النسخ هذه الترجمة، انتهى.
قوله: (كرمنا وأكرمنا واحد) أي: في الأصل وإلا فالتشديد أبلغ، قال أبو عبيدة: كرّمنا، أي: أكرمنا إلا أنه أشد مبالغة في الكرامة، انتهى.
وهي من كرم بضم الراء مثل شرف، وليس من الكرم الذي هو في المال، انتهى من "الفتح" (٢).
قوله: (﴿قَبِيلًا﴾ معاينة ومقابلة، وقيل: القابلة. . .) إلخ، قال أبو عبيدة: ﴿وَالْمَلَائِكَةِ قَبِيلًا﴾ [الإسراء: ٩٢] مجاز مقابلة، أي: معاينة، انتهى من "الفتح" (٣).
قلت: هو إشارة إلى قوله: ﴿أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ قَبِيلًا﴾ [الإسراء: ٩٢]، وفي "الجلالين" (٤): أي: مقابلة وعيانًا فنراهم، انتهى.
وفسّره البخاري بقوله: "معاينة ومقابلة" ثم قال البخاري "وقيل: القابلة" ويتوهم منه أن هذا أيضًا قول في تفسير الآية فكتب الشيخ قُدِّس سرُّه في "اللامع" (٥): وليس المراد أنه قيل ذلك في تفسير الآية بل المعنى أنه يقال لأجل هذا المعنى للقابلة قابلة أيضًا، انتهى.
قال العيني (٦): قوله: "وقيل القابلة" أراد أنه قيل للمرأة التي تتلقى الولد عند الولادة قابلة؛ لأنها مقابلتها، أي: مقابلة المرأة التي تولدها، وقوله: "تقبل ولدها" أي: تتلقاه عند الولادة، يقال: قبلت القابلة المرأة تقبلها قبالة بالكسر، أي: تلقته عند الولادة، وقال ابن التين: ضبطه بعضهم "بتقبل ولدها" بضم الموحدة وليس ببين، قلت: "تقبل" بالفتح هو البين لأنه من باب علم، وقد يظن أن "تقبل ولدها" من التقبيل وليس بظاهر، انتهى.
стр. 2506
(باب قوله: ﴿وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا. . .﴾ [الإسراء: ١٦]) إلخ
قوله: (كنا نقول للحي) أي: للقبيلة (إذا كثروا في الجاهلية أمر) بفتح الهمزة وكسر الميم "بنو فلان"، وقوله: (قال) أي: الحميدي عن سفيان (أمر) بكسر الميم كالأول كذا في فرعين لليونينية كالأصل، وقال الحافظ ابن حجر وغيره: إن الأولى بكسر الميم والثانية بفتحها وهما لغتان، وبالفتح قرأ الجمهور الآية، وقرأها ابن عباس بالكسر، ويعقوب بمد الهمزة وفتح الميم، ومجاهد بتشديد الميم من الإمارة، والحاصل أن سياق المؤلف لحديث ابن مسعود لينبه على أن معنى ﴿أَمَرْنَا﴾ في الآية: كثرنا مترفيها، وهي لغة حكاها أبو حاتم، ونقلها الواحدي عن أهل اللغة، وقال أبو عبيدة: من أنكرها لم يلتفت إليه لثبوتها في اللغة، انتهى من "القسطلاني" (١).
(٥ - باب قوله: ﴿ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا﴾ [الإسراء: ٣])
سقط الباب لغير أبي ذر، قاله القسطلاني (٢)، وذكر فيه حديث أبي هريرة في الشفاعة، وسيأتي شرحه في "الرقاق"، وأورده ها هنا لقوله: فيه: "يقولون: يا نوح أنت أول الرسل إلى أهل الأرض، وقد سماك الله عبدًا شكورًا" وقد صحح ابن حبَّان من حديث سلمان الفارسي: "كان نوح إذا طعم أو لبس حمد الله فسمي عبدًا شكورًا"، وله شاهد عند ابن مردويه من حديث معاذ بن أنس، انتهى من "الفتح" (٣).
وقال العيني (٤): وعن عمران بن سليم: "إنما سمي نوح ﵇ عبدًا شكورًا لأنه كان إذا أكل طعامًا قال: الحمد لله الذي أطعمني ولو شاء
стр. 2507
أجاعني، وإذا شرب شرابًا قال: الحمد لله الذي سقاني ولو شاء أظمأني، وإذا اكتسى قال: الحمد لله الذي كساني ولو شاء أعراني، وإذا احتذى قال: الحمد لله الذي حذاني ولو شاء أحفاني، وإذا قضى حاجته قال: الحمد لله الذي أخرج عني أذاه في عافية ولو شاء حبسه"، انتهى.
قوله: (أنت أول الرسل) كتب الشيخ في "اللامع" (١) أي: أولي العزم منهم، انتهى.
وفي هامشه: قال الحافظ: أما كونه أول الرسل فقد استشكل بأن آدم كان نبيًا وبالضرورة نعلم أنه كان على شريعة من العبادة، وأن أولاده أخذوا ذلك عنه، فعلى هذا فهو رسول إليهم فيكون هو أول رسول، ويحتمل أن تكون الأولية في قول أهل الموقف لنوح مقيدة بقولهم: إلى أهل الأرض: لأنه في زمن آدم لم يكن للأرض أهل أو لأن رسالة آدم إلى بنيه كانت كالتربية للأولاد، ويحتمل أن يكون المراد أنه رسول أرسل إلى بنيه وغيره من الأمم مع تفرقهم في عدة بلاد، وآدم إنما أرسل إلى بنيه فقط، وكانوا مجتمعين في بلدة واحدة، واستشكله بعضهم بإدريس ولا يرد؛ لأنه اختلف في كونه جدّ نوح، انتهى.
وبسط القاري الكلام على ذلك بما لا مزيد عليه، وذكر في جملة كلامه (٢): أما آدم وشيث فهما وإن كانا رسولين إلا أن آدم أرسل إلى بنيه ولم يكونوا كفارًا، وشيثًا كان خلفًا له فيهم بعده، بخلاف نوح فإنه مرسل إلى كفار أهل الأرض، وهذا أقرب من القول بأن آدم وإدريس لم يكونا رسولين، وقد يقال: إنه أول نبي بعثه الله بعد آدم على أن شيثًا كان خليفة له، فأوليته إضافية، أو أول نبي بعثه من أولي العزم، فالأولية حقيقية، وهذا أوفق الأقوال، وبه يزول الإشكال، انتهى.
ثم يشكل ها هنا أن الآية المترجم بها مقدمة على الآيتين في الترجمتين
стр. 2508
السابقتين، فكان حق هذه الترجمة التقدم عليهما، وقد تقدم مثل ذلك في سورة آل عمران أيضًا.
(٦ - باب قوله: ﴿وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا﴾ [الإسراء: ٥٥])
ذكر فيه حديث أبي هريرة: "خفف على داود القرآن"، ووقع في رواية لأبي ذر: "القراءة" والمراد بالقرآن مصدر القراءة لا القرآن المعهود لهذه الأمة، انتهى من "الفتح" (١).
وقال القسطلاني (٢) بعد ذكر الحديث: وفيه أن البركة قد تقع في الزمن اليسير حتى يقع فيه العمل الكثير، فمن ذلك أن بعضهم كان يقرأ أربع ختمات بالليل وأربعًا بالنهار، وقد أنبئتُ عن الشيخ أبي طاهر المقدسي أنه يقرأ في اليوم والليلة خمس عشرة ختمة، وهذا الرجل قد رأيته بحانوته بسوق القماش في الأرض المقدسة سنة سبع وستين وثمان مائة، وقرأت في "الإِرشاد": أن الشيخ نجم الدين الأصبهاني رأى رجلًا من اليمن بالطواف ختم في شوط أو في أسبوع، شك، وهذا لا سبيل إلى إدراكه إلا بالفيض الرباني والمدد الرحماني، انتهى.
(٧ - باب قوله: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلَا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلَا تَحْوِيلًا﴾ [الإسراء: ٥٦])
قال القسطلاني (٣): قوله: "كان ناس من الإنس يعبدون ناسًا من الجن" استشكله السفاقسي من حيث إن الناس ضد الجن، وأجيب بأنه على قول من قال: إنه من ناس إذا تحرك، وقال الجوهري في "صحاحه": والناس قد يكون من الإنس والجن، فهو صريح في استعمال ذلك، ولئن سلمنا أن الجن لا يسمون ناسًا فهذا يكون من المشاكلة، نحو ﴿تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا
стр. 2509
أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ﴾ [المائدة: ١١٦] على ما تقرر في علم البديع، انتهى.
(٨ - باب قوله: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ﴾ الآية [الإسراء: ٥٧])
ذكر فيه الحديث قبله من وجه آخر عن الأعمش مختصرًا، ومفعول ﴿يَدْعُونَ﴾ محذوف، تقديره: أولئك الذين يدعونهم آلهة يبتغون إلى ربهم الوسيلة، وقرأ ابن مسعود "تدعون" بالمثناة الفوقانية على أن الخطاب للكفار، وهو واضح، وقوله: ﴿أَيُّهُمْ أَقْرَبُ﴾ معناه: يبتغون من هو أقرب منهم إلى ربهم، انتهى من "الفتح" (١).
(٩ - باب قوله: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إلا فِتْنَةً لِلنَّاسِ﴾ [الإسراء: ٦٠])
سقط "باب" لغير أبي ذر.
قوله: (هي رؤيا عين أُريها) لم يصرِّح بالمرئي، وعند سعيد بن منصور من طريق أبي مالك قال: هو ما أري في طريقه إلى بيت المقدس، قلت: وقد بينت ذلك واضحًا في الكلام على حديث الإسراء في السيرة النبوية من هذا الكتاب.
وقوله: (ليلة أسري به) جاء فيه قول آخر، فروى ابن مردويه من طريق العوفي عن ابن عباس قال: أري أنه دخل مكة هو وأصحابه، فلما ردّه المشركون كان لبعض الناس بذلك فتنته، وجاء فيه قول آخر فروى ابن مردويه من حديث حسين بن علي رفعه: "إني أريت كأن بني أمية يتعاورون منبري هذا فقيل: هي دنيا تنالهم، ونزلت هذه الآية، وأخرجه ابن أبي حاتم من حديث عمرو بن العاص، ومن حديث يعلى بن مرة، وأسانيد الكل ضعيفة، واستدل به على إطلاق لفظ الرؤيا على ما يرى
стр. 2510
بالعين في اليقظة، وقد أنكره الحريري تبعًا لغيره، وقالوا: إنما يقال رؤيا في المنام، وأما التي في اليقظة فيقال رؤية، انتهى من "الفتح" (١).
(١٠ - باب قوله: ﴿إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ [الإسراء: ٧٨] قال مجاهد: صلاة الفجر)
وصله الطبري من طريق ابن أبي نجيح عنه، وزاد: "يجتمع فيها ملائكة الليل وملائكة النهار" ومن طريق العوفي عن ابن عباس نحوه، ثم ذكر فيه حديث أبي هريرة، وقد تقدم شرحه في صفة الصلاة، انتهى من "الفتح" (٢).
(١١ - باب قوله: ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ [الإسراء: ٧٩])
يحمده فيه الأولون والآخرون، والمشهور أنه مقام الشفاعة للناس ليريحهم الله من كرب ذلك اليوم وشدته، وفي المقام المحمود أقوال أخر تأتي إن شاء الله تعالى في "الرقاق"، انتهى من "القسطلاني" (٣).
(١٢ - باب قوله: ﴿وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ. . .﴾ [الإسراء: ٨١]) إلخ
قال الحافظ (٤): قوله: "يزهق يهلك" قال أبو عبيدة في قوله: ﴿وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ﴾ [التوبة: ٥٥] أي: تخرج وتموت وتهلك، ويقال: زهق ما عندك، أي: ذهب كله، وروى ابن أبي حاتم من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: ﴿إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا﴾ [الإسراء: ٨١] أي: ذاهبًا، انتهى.
стр. 2511
(١٣ - باب قوله: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ﴾ [الإسراء: ٨٥])
سقط لفظ "باب" لغير أبي ذر، قاله القسطلاني (١).
قوله: (في حرث) بفتح المهملة وسكون الراء بعدها مثلثة، ووقع في كتاب العلم من وجه آخر بخاء معجمة وموحدة، وضبطوه بفتح أوله وكسر ثانيه وبالعكس، والأولى أصوب فقد أخرجه مسلم من طريق مسروق عن ابن مسعود بلفظ: كان في نخل، وزاد في رواية "العلم" (٢): بالمدينة، ولابن مردويه من وجه آخر عن الأعمش: في حرث للأنصار، وهذا يدل على أن نزول الآية وقع بالمدينة، لكن روى الترمذي من طريق داود بن أبي هند عن عكرمة عن ابن عباس قال: قالت قريش لليهود: أعطونا شيئًا نسأل هذا الرجل، فقالوا: سلوه عن الروح، فسألوه فأنزل الله تعالى هذه الآية، ورجاله رجال مسلم، ويمكن الجمع بأن يتعدد النزول بحمل سكوته في المرة الثانية على توقع مزيد بيان في ذلك، إن ساغ هذا وإلا فما في "الصحيح" أصح.
قوله: (فسألوه عن الروح) في رواية التوحيد: فقام رجل منهم فقال: يا أبا القاسم ما الروح؟ قال ابن التِّين: اختلف الناس في المراد بالروح المسؤول عنه في هذا الخبر على أقوال:
الأول: روح الإنسان، الثاني: روح الحيوان، الثالث: جبريل، الرابع: عيسى، الخامس: القرآن، السادس: الوحي، السابع: ملك يقوم وحده صفًا يوم القيامة، الثامن: ملك له أحد عشر ألف جناح ووجه، وقيل: ملك له سبعون ألف لسان، وقيل: له سبعون ألف وجه، في كل وجه سبعون ألف لسان، لكل لسان ألف لغة، يسبح الله تعالى، يخلق الله تعالى بكل تسبيحة ملكًا يطير مع الملائكة، وقيل: ملك رجلاه في الأرض
стр. 2512
السفلى ورأسه عند قائمة العرش، التاسع: خلق كخلق بني آدم يقال لهم الروح يأكلون ويشربون، لا ينزل ملك من السماء إلا نزل معه، وقيل: بل هم صنف من الملائكة يأكلون ويشربون، انتهى كلامه ملخصًا بزيادات من كلام غيره.
وهذا إنما اجتمع من كلام أهل التَّفسير في معنى لفظ الروح الوارد في القرآن لا خصوص هذه الآية، فمن الذي في القرآن: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ﴾ [الشعراء: ١٩٣] ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا﴾ [الشورى: ٥٢] ﴿يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ﴾ [غافر: ١٥] ﴿وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ﴾ [المجادلة: ٢٢] ﴿يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلَائِكَةُ صَفًّا﴾ [النبأ: ٣٨] ﴿تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا﴾ [القدر: ٤]: فالأول جبريل، والثاني القرآن، والثالث الوحي، والرابع القوة، والخامس والسادس محتمل لجبريل ولغيره، ووقع إطلاق روح الله على عيسى.
وقال القرطبي: الراجح أنهم سألوه عن روح الإنسان؛ لأن اليهود لا تعترف بأن عيسى روح الله، ولا تجهلون أن جبريل ملك وأن الملائكة أرواح، وقال الإمام فخر الدين الرازي: المختار أنهم سألوه عن الروح الذي هو سبب الحياة، وأن الجواب وقع على أحسن الوجوه، إلى آخر ما بسط الحافظ الكلام في تعريف الروح إلى أن قال: حتى قيل: إن الأقوال فيها بلغت مائة، انتهى (١).
وهذا الحديث سبق في كتاب العلم في "باب ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إلا قَلِيلًا﴾ " [الإسراء: ٨٥] وتقدم شيء من الكلام عليه هناك، وقد تكلم العلماء على مسألة الروح بتصانيف مستقلة، فيها رسالتان أحدهما للحافظ ابن القيم باسم "كتاب الروح" وهو مطبوع قديمًا، والرسالة الثانية للإمام الرازي وقد طبع قريبًا باسم "كتاب النفس والروح".
стр. 2513
(١٤ - باب قوله: ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا﴾ [الإسراء: ١١٠])
سقط "باب" لغير أبي ذر.
قوله: (مختف بمكة) يعني: في أول الإسلام، وفي رواية الطبري من وجه آخر عن ابن عباس: فكان إذا صلى بأصحابه وأسمع المشركين فآذوه، وفسرت رواية الباب الأذى بقوله: سبوا القرآن، وللطبري من وجه آخر عن سعيد بن جبير: فقالوا له: لا تجهر فتؤذي آلهتنا فنهجو إلهك، ومن طريق أخرى عن ابن عباس: كان النبي ﷺ إذا جهر بالقرآن وهو يصلي تفرق عنه أصحابه، وإذا خفض صوته لم يسمعه من يريد أن يسمع قرآنه فنزلت، انتهى من "الفتح" (١).
وقال الحافظ (٢) أيضًا تحت قوله: في الحديث الآتي: "أنزل ذلك في الدعاء": هكذا أطلقت عائشة وهو أعم من أن يكون ذلك داخل الصلاة أو خارجها، وقد أخرجه الطبري وغيره من طريق آخر فزاد في الحديث: في التشهد، وقد جاء عن ابن عباس نحو تأويل عائشة، أخرجه الطبري، ورجح النووي وغيره قول ابن عباس كما رجحه الطبري، لكن يحتمل الجمع بينهما بأنها نزلت في الدعاء داخل الصلاة، وجاء عن أهل التَّفسير في ذلك أقوال أخر ذكرها الحافظ، وفي آخر: وقيل: الآية في الدعاء وهي منسوخة، بقوله: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً﴾ [الأعراف: ٥٥]، انتهى ملخصًا.
(١٨) سورة الكهف
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
ثبتت البسملة للأكثرين إلا لأبي ذر فإنها لم تثبت، ذكر ابن مردويه أن ابن عباس وعبد الله بن الزبير رضي الله تعالى عنهم قالا: إنها مكية، وعن
стр. 2514
القرطبي عن ابن عباس: مكية إلا قوله: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ﴾ الآية [الكهف: ٢٨]، فإنها مدنية، وفي "مقامات التنزيل" فيها ثلاث آيات مدنيات: قوله: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ﴾، وقوله: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ﴾ [الكهف: ٨٣]، انتهى من "العيني" (١).
قال الحافظ (٢): كلها مكية، عليه الجمهور، وشذّ من قال خلاف ذلك، انتهى.
قوله: (﴿وَكَانَ لَهُ ثَمَرٌ﴾ [الكهف: ٣٤] ذهب وفضة) كتب الشيخ قُدِّس سرُّه في "اللامع" (٣): لأن الحجرين حاصل الثمار، انتهى.
وفي هامشه: وهو مؤدى كلام الراغب إذ قال: الثمر هو الثمار، وقيل: هو جمعه، ويكنى به عن المال المستفاد، وعلى ذلك حمل ابن عباس ﴿وَكَانَ لَهُ ثَمَرٌ﴾ قال: ثمر الله ماله، انتهى.
وقال أيضًا: الثمر اسم لكل ما يتطعم من أعمال الشجر، الواحدة ثمرة والجمع ثمار وثمرات، ثم بسط الآيات الدالة على هذا المعنى.
وحكى الحافظ في "الفتح" عن مجاهد قال: ما كان في القرآن ثمر بالضم فهو المال وما كان بالفتح فهو النبات، انتهى.
والحاصل: أنه قال عز اسمه في سورة الكهف، ﴿. . . وَفَجَّرْنَا خِلَالَهُمَا نَهَرًا (٣٣) وَكَانَ لَهُ ثَمَر﴾ [الكهف: ٣٣، ٣٤] قال صاحب "تفسير الجلالين": بفتح الثاء والميم، وبضمهما، وبضم الأول وسكون الثاني، وهو جمع ثمرة كشجرة وشجر، وخشبة وخشب، وبدنة وبدن، انتهى.
وفي "الجمل": القراءات الثلاثة سبعية، وقوله: وهو جمع ثمرة، أي: على كل واحد من الأوجه الثلاثة، فالمفرد لا يختلف حاله، انتهى.
وحاصل كلام الشرَّاح الاختلاف في المعنيين، قال الكرماني: قوله:
стр. 2515
﴿وَكَانَ لَهُ ثَمَرٌ﴾ أي: ذهب وفضة، وقيل: هو جمع الثمر، أي: الذي للشجر، انتهى.
قوله: (بعثناهم: أحييناهم) يعني: بذلك: أن البعث ها هنا ليس هو البعث بعد الموت، بل المراد إحياؤهم من منامهم الذي كانوا فيه، انتهى من "اللامع".
وقال الحافظ (١): هو قول أبي عبيدة، وروى عبد الرزاق من طريق عكرمة قال: كان أصحاب الكهف أولاد ملوك اعتزلوا قومهم في الكهف، فاختلفوا في بعث الروح والجسد، فقال قائل: يبعثان، وقال قائل: تبعث الروح فقط، وأما الجسد فتأكله الأرض فأماتهم الله ثم أحياهم، فذكر القصة.
(١ - باب قوله: ﴿وَكَانَ الْإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا﴾ [الكهف: ٥٤])
قال الحافظ (٢): ذكر فيه حديث علي مختصرًا، ولم يذكر مقصود الباب على عادته في التعمية، وقد تقدم شرحه مستوفى في صلاة الليل، وفيه ذكر الآية المذكورة، وقوله في آخره: "ألا تصليان؟ " زاد في نسخة الصغاني: "وذكر الحديث والآية إلى قوله: ﴿أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا﴾ "، انتهى.
وهكذا قال القسطلاني (٣): حيث قال: كذا ساقه مختصرًا، ولم يذكر المقصود منه جريًا على عادته في التعمية وتشحيذ الأذهان، فأشار بطرفه إلى بقيته، وهو قول علي: فقلت: يا رسول الله! أنفسنا بيد الله، فإذا شاء أن يبعثنا بعثنا، فانصرف حين قلنا ذلك ولم يرجع إليّ شيئًا، ثم سمعته وهو مولٍّ يضرب فخذه وهو يقول: ﴿وَكَانَ الْإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا﴾. وهذا يدل
стр. 2516
على أن المراد بالإنسان الجنس، ففيه ردّ على من قال: المراد بالإنسان ها هنا الكافر لكن في الآية مع قوله: ﴿وَيُجَادِلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالْبَاطِلِ﴾ [الكهف: ٥٦] إشعار بالتخصيص لأن ذلك صفة ذم ولا يستحقه إلا من هو له أهل وهم الكفار، وهذا الحديث قد مر في التهجد من أواخر كتاب الصلاة، انتهى.
قوله: (سرادقها مثل السرادق) كتب الشيخ في "اللامع" (١): يعني بذلك: أن إطلاق السرادق ها هنا مجاز عن السور والجدار لجامع الإحاطة؛ لأن السرادق إذا حمل على حقيقته لم يمنع عن أن ينفذ الحر منه، وأيضًا فإن الروايات مصرّحة بأن عرض أسوار الجحيم وسائر طبقاتها أكثر أن يعبر عنها بالسرادق، انتهى.
وقال الحافظ (٢): وهو قول أبي عبيدة لكنه تصرف فيه، قال أبو عبيدة في قوله: ﴿أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا﴾ [الكهف: ٢٩]: كسرادق الفسطاط وهي الحجرة التي تطوف بالفسطاط، قال الشاعر:
سرادق المجد عليك ممدود
وروى الطبري من طريق ابن عباس بإسناد منقطع قال: سرادقها حائط من نار، انتهى.
وقال الراغب: بيت مسردق مجعول على هيئة السرادق، انتهى من هامش "اللامع".
قوله: (قِبلًا وقُبلًا وقَبلًا استئنافًا) قال الحافظ (٣): قال أبو عبيدة في قوله: ﴿أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ قُبُلًا﴾ [الكهف: ٥٥] أي: أوّلًا، فإن فتحوا أولها فالمعنى استئنافًا، وغفل ابن التِّين، فقال: لا أعرف للاستئناف ها هنا معنى وإنما هو استقبالًا وهو يعود على "قبلًا" بفتح القاف، انتهى. والمؤتنف
стр. 2517
قريب من المقبل فلا معنى لادعاء: تغييره (١)، انتهى.
قلت: وقد تقدم الكلام عليه مبسوطًا في سورة الأنعام تحت قول البخاري: "قبلًا جمع قبيل، أي: ضروب للعذاب".
(٢ - باب قوله: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ لَا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ﴾ الآية [الكهف: ٦٠])
قال العيني (٢): موسى هو ابن عمران، ﴿لِفَتَاهُ﴾ أي: لصاحبه يوشع بن نون، قيل: كان معه في سفره، وقيل: فتاه عبده ومملوكه، قوله: (﴿لَا أَبْرَحُ﴾) أي: لا أزال أسير ﴿حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ﴾ بحر فارس والروم مما يلي المشرق، وعن محمد بن كعب: بطنجه، وعن أُبي بن كعب: بإِفريقية، وقيل: هما بحر الأردن وقلزم، وعن ابن المبارك: قال بعضهم: بحر أرمينية، وعن السدي: هما الكر والرش حيث يصبان في البحر، (﴿أَوْ أَمْضِيَ حُقُبًا﴾) أي: زمانًا طويلًا، وعن قتادة: الحقب الزمان، وعن ابن عباس: الحقب الدهر، وعن عبد الله بن عمرو بن العاص أنه ثمانون سنة، وعن مجاهد: سبعون سنة، انتهى.
قال الحافظ (٣): اختلف في مكان مجمع البحرين ثم ذكر عدة أقوال نحو ما تقدم عن العيني، ثم قال: وهذا اختلاف شديد، وأغرب من ذلك ما نقله القرطبي عن ابن عباس قال: المراد بمجمع البحرين اجتماع موسى والخضر لأنهما بحرا علم، وهذا غير ثابت ولا يقتضيه اللفظ، وإنما يحسن أن يذكر في مناسبة اجتماعهما بهذا المكان المخصوص كما قال السهيلي: اجتمع البحران بمجمع البحرين، ثم ذكر المصنف قصة موسى والخضر، انتهى مختصرًا.
стр. 2518
(٣ - باب قوله: ﴿فَلَمَّا بَلَغَا مَجْمَعَ بَيْنِهِمَا نَسِيَا حُوتَهُمَا﴾ [الكهف: ٦١])
ووقع في رواية الأصيلي: " ﴿فَلَمَّا بَلَغَا مَجْمَعَ بَيْنِهِمَا﴾ " والأول هو الموافق للتلاوة.
قوله: (﴿سَرَبًا﴾ مذهبًا. . .) إلخ، قال أبو عبيدة في قوله تعالى: ﴿فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ سَرَبًا﴾ [الكهف: ٦١] أي: مسلكًا ومذهبًا يسرب فيه، وفي آية أخرى: ﴿وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ﴾ [الرعد: ١٠] أي: سالك في سربه، أي: مذهبه، ومنه: أصبح فلان آمنًا في سربه، ومنه: انسرب فلان إذا مضى، انتهى من "الفتح" (١).
قوله: (قال: ذكر الناس يومًا) كتب الشيخ في "اللامع" (٢): قائل "قال" هو النبي ﷺ أو الراوي، ثم المراد بقول موسى في جواب السائل: "هل في الأرض أحد أعلم؟ لا" هو نفي وجود الأعلم في ظنه لا بحسب نفس الأمر، فلا يكون ذلك مخالفًا لما ورد في سائر الروايات أنه سأله: هل تعلم أحدًا أعلم؟ فإن السؤال والجواب كليهما بحسب اعتقاد المجيب وعلمه سواء صرَّح بعلمه أو لا، فلا فرق بين قوله: هل تعلم أحدًا أعلم منك؟ وبين قوله: هل أحدًا أعلم علم منك؟ وكذلك بين جوابيهما، انتهى.
وفي هامشه: تقدم الكلام على ذلك مبسوطًا في كتاب العلم في "باب ما يستحب للعالم إذا سئل: أي الناس أعلم؟ " وفي كتاب الأنبياء في "باب حديث الخضر مع موسى ﵉"، وميل الشيخ قُدِّس سرُّه في تلك المواضع الثلاثة، إلى نفي الوجود برأسه لا نفي وجود العلم كما يظهر من التأمل في كلامه، وما أفاده الشيخ من الاحتمالين في مرجع ضمير "قال" محتملان، والظاهر من سياق الروايات هو الأول، وفيه احتمال ثالث وهو أن يكون المرجع موسى ﵇، وقوله: "ذكر الناس" جملة حالية بحذف الواو ومقول
стр. 2519
"قال" ما سيأتي من قوله: لا، ويؤيده ما تقدم من السياق في كتاب الشروط بلفظ: "قال: قال رسول الله ﷺ : قال موسى رسول الله" الحديث، انتهى.
قوله: (ثم ذبحه بالسكين) ولا يخالف هذا سائر الروايات الأخر التي صرَّح فيها بأنه اقتلعه؛ إذ يمكن أن يكون قطعه قليلًا ثم اقتلعه ليتفصم ما بقي منه متعلقًا بجسده، انتهى.
وفي هامشه: وبذلك جمع عامة الشرَّاح بين تلك الروايات المختلفة فقد قال العيني (١): فإن قلت: قال أولًا: فقتله ثم قال: فذبحه، وفي رواية سفيان: فاقتلعه بيده" قلت: لا منافاة بينهما لأنه لعله قطع بعضه بالسكين، ثم قلع الباقي، والقتل يشملهما، انتهى.
قوله: (لو شئت لاتخذت) كتب الشيخ في "اللامع" (٢): ولا يتوهم أن موسى كيف قصد أخذ الأجر على هذا الفعل القليل وهو إشارة باليد وأنه لو أخذ منهم شيئًا عليه لما أغناهم فكانوا ثلاثة لقلته؛ لأنا نقول: إنه ﵊ قصد بذلك أنك لو شئت لكلمت بهم في إجارة إقامة الجدار وتسويتها، ولا شك أنهم إذا استأجروه لإقامته لجعلوا له على عمله هذا قدرًا معلومًا من الأجر معتدًا به، فإذا استقر الأمر أقام بالإشارة فحسب ليكون ذلك سببًا لغدائهم وطعامهم، لا يقال إن موسى لم يصبر على الجوع وتبادر إلى الأسباب واستغنى عنه الخضر وكان موسى أفضل منه من غير شك؛ لأنا نقول التوكل هو ترك الاعتماد لا ترك الأسباب، فإن موسى وإن نظر إلى الأسباب إلا أنه لم يعتمد عليه، فكان توكل موسى أكثر من توكل الخضر لتركه الأسباب أصلًا، وكان توكل موسى مع مباشرة الأسباب، وهذا أعلى مراتبه، وأيضًا فإن الخضر لكشفه كان ينظر إلى مطعمه وموضع غدائه أين هو؟ فلم يفزع إليه، وكان موسى نبي الله لا ينظر إليه فكان أمره
стр. 2520
خفيًّا عليه فأمره بمباشرة الأسباب لتحصيله اعتمادًا على الله تعالى في ذلك كله، انتهى.
وبسط في هامشه الكلام على معنى التوكل وعلى مراتبه، وفيه أيضًا: كتب شيخ مشايخنا الشاه ولي الله الدهلوي في رسالته "الدر الثمين" التي ذكر فيها المنامات النبوية ﷺ فقال: سألته ﷺ عن التسبب وتركه أيهما أحسن لي؟ ففاض منه على روحي فيض برد بسببه قلبي عن الأسباب والأولاد، ثم انكشف الأمر بعد ساعة فرأيت الطبيعة تركن إلى الأسباب، ورأيت الروح تركن إلى التفويض، انتهى.
وبه جزم الشيخ الكَنكَوهي قُدِّس سرُّه في "الكوكب الدري" (١) فقال تحت حديث: "اعقلها وتوكل": فأعلى مراتب التوكل أن يباشر الأسباب ولا يعتمد عليها، ثم أن لا يباشر الأسباب، ثم لا شيء بعد ذلك وهو أن يباشر الأسباب ويتوكل عليها، انتهى.
(٤ - باب قوله: ﴿فَلَمَّا جَاوَزَا قَالَ لِفَتَاهُ آتِنَا غَدَاءَنَا﴾ الآية [الكهف: ٦٢])
ذكر فيه الحديث المذكور في الباب السابق من طريق آخر، قال العيني (٢): وهو طريق آخر في الحديث المذكور قبله، وهو عن قتيبة عن سفيان إلى آخره، وفيه بعض اختلاف في المتن ببعض زيادة وبعض نقصان، وقال أيضًا (٣): وهذا الحديث أخرجه البخاري في أكثر من عشر مواضع، انتهى.
قلت: وأول ما جاء ذكره في كتاب العلم، وقال الحافظ (٤): ساق المصنف فيه قصة موسى عن قتيبة عن سفيان، وقد نبَّهت على ما فيه
стр. 2521
من فائدة زائدة في الذي قبله، وقوله: "عن عمرو بن دينار" تقدم قبل بباب من رواية الحميدي عن سفيان: حدثنا عمرو بن دينار، وروى الترمذي من طريق علي ابن المديني قال: حججت حجة وليس لي همة إلا أن أسمع من سفيان الخبر في هذا الحديث حتى سمعته، يقول: حدثنا عمرو، وكان قبل ذلك يقوله بالعنعنة، انتهى.
قوله: (﴿رُحْمًا﴾ [الكهف: ٨١] من الرحم. . .) إلخ، هو من كلام أبي عبيدة ووقع عنده مفرقًا وقد تقدم في الحديث الذي قبله، وحاصل كلامه: أن رحمًا من الرحم التي هي القرابة، وهي أبلغ من الرحمة التي هي رقة القلب: لأنها تستلزمها غالبًا من غير عكس، وقوله: "ويظن" مبني للمجهول، وقوله: "مشتق من الرحمة" أي: التي اشتق منها الرحيم، وقوله: "أم رحم" بضم الراء والسكون وذلك لتنزل الرحمة بها، ففيه تقوية لما اختاره من أن الرحم من القرابة لا من الرقة، انتهى من "الفتح" (١).
وكتب الشيخ في "اللامع" (٢): قوله: " ﴿رُحْمًا﴾ من الرحم. . ." إلخ، توجيهان نبَّه على أولهما بقوله: "من الرحم. . ." إلخ، وعلى الثاني بقوله: "يظن. . ." إلخ، وحاصل الأول أن الرحم مشتق من الرحم ككتف وهي أبلغ من الرحمة، والثاني أن الرحيم مشتق من الرحمة والرُحم من الرحيم، فلما كان بناء الرحيم دالًّا على نوع مبالغة والرُحم دال على المبالغة أيضًا ناسب اشتقاق الرحم من الرحيم لا من الرحمة لخلو الرحمة عن الدلالة على المبالغة وتضمن الرحم ذلك، ولا يضر لزوم الاشتقاق من المشتق؛ لأن الاشتقاق أن تجد بين اللفظين تناسبًا في الحروف الأصلية إلى آخر ما قالوا، انتهى.
وبسط في هامشه في تأييد كلام الشيخ قُدِّس سرُّه وتوضيحه.
стр. 2522
(٥ - باب قوله: ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا﴾ [الكهف: ١٠٣])
قال الحافظ (١): قوله: (هم الحرورية) بفتح المهملة وضم الراء نسبة إلى حروراء وهي القرية التي كان ابتداء خروج الخوارج على علي ﵁ منها، ولابن مردويه من طريق حصين بن مصعب: لما خرجت الحرورية قلت لأبي: أهؤلاء الذين أنزل الله فيهم؟ وله من طريق قاسم بن أبي بَزَّة عن أبي الطفيل عن علي في هذه الآية قال: أظن أن بعضهم الحرورية، وللحاكم من وجه آخر عن أبي الطفيل قال: قال علي: منهم أصحاب النهروان وذلك قبل أن يخرجوا، وأصله عند عبد الرزاق بلفظ: قام ابن الكواء إلى علي فقال: ما الأخسرين أعمالًا؟ قال: ويلك منهم أهل حروراء، ولعل هذا هو السبب في سؤال مصعب أباه عن ذلك، وليس الذي قاله علي ﵁ ببعيد؛ لأن اللفظ يتناوله وإن كان السبب مخصوصًا، انتهى.
قوله: (وكان سعد يسميهم الفاسقين) والصواب الخاسرين، ووقع على الصواب كذلك عند الحاكم، ووجه خسرانهم أنهم تعبدوا على غير أصل فابتدعوا فخسروا الأعمار والأعمال، وعن علي: أنهم كفره أهل الكتاب كان أوائلهم على حق فأشركوا بربهم وابتدعوا في دينهم، وقيل: هم الصابئون، وقيل: المنافقون بأعمالهم المخالفون باعتقادهم، وهذه الأقوال كلها تقتضي التخصيص بغير مخصص، والذي يقتضيه التحقيق أنها عامة، فأما قول علي: أنهم الحرورية، فمعناه أن الآية تشملهم كما تشمل أهل الكتابين وغيرهم، لا أنها نزلت في هؤلاء على الخصوص لأنها مكية قبل خطاب أهل الكتاب ووجود الحرورية، وإنما هي عامة في كل من دان بدين غير الإسلام، انتهى من "القسطلاني" (٢).
стр. 2523
(٦ - باب: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ﴾ الآية [الكهف: ١٠٥])
تقدم من حديث سعد بن أبي وقاص في الذي قبله بيان أنها نزلت في الأخسرين أعمالًا، وقوله - في الحديث -: "وقال: اقرؤوا. . ." إلخ، القائل يحتمل أن يكون الصحابي أو هو مرفوع من بقية الحديث، انتهى من "الفتح" (١).
(١٩) [سورة] كهيعص
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
وهكذا في نسخة "القسطلاني"، وفي نسخة "الفتح" بتقديم البسملة وبزيادة لفظ "سورة".
قال الحافظ (٢): سقطت البسملة لغير أبي ذر وهي له بعد الترجمة، وروى الحاكم بسنده عن ابن عباس قال: الكاف من كريم، والهاء من هادي، والياء من حكيم، والعين من عليم، والصاد من صادق، ومن وجه آخر عن سعيد نحوه لكن قال: يمين بدل حكيم، وعزيز بدل عليم، وللطبري من وجه آخر عن سعيد نحوه لكن قال: الكاف من كبير، وروى الطبري من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قال: ﴿كهيعص﴾ قسم أقسم الله به وهو من أسمائه، ومن طريق فاطمة بنت علي قالت: كان علي يقول: يا كهيعص اغفر لي، وقال عبد الرزاق عن قتادة: هي اسم من أسماء القرآن، انتهى.
وزاد القسطلاني (٣): سأل رجل محمد بن علي المرتضى عن تفسيرها فقال: لو أخبرتك بتفسيرها لمشيت على الماء لا يواري قدميك، انتهى.
стр. 2524
زاد العلامة العيني (١): وقيل: اسم الله الأعظم، وقيل: اسم السورة، وعن الكلبي: هو ثناء أثنى الله به على نفسه، وقال أيضًا (٢): قال الثعلبي: مكية كلها، وقال مقاتل: مكية كلها إلا سجدتها فإنها مدنية، وعن القرطبي عنه: نزلت بعد المهاجرة إلى أرض الحبشة، انتهى.
قوله: (وقال ابن عباس: ﴿أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ﴾ [مريم: ٣٨] الله يقوله: وهم اليوم. . .) إلخ، قال الحافظ (٣): وصله ابن أبي حاتم عن ابن عباس، وعند عبد الرزاق عن قتادة: ﴿أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ﴾ يعني: يوم القيامة، زاد الطبري من وجه آخر عن قتادة: سمعوا حين لا ينفعهم السمع وأبصروا حين لا ينفعهم البصر، انتهى.
قلت: وحاصله: أن قوله تعالى: ﴿أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ﴾ إنما هو باعتبار الآخرة لا الدنيا ثم أوضحه بقوله: "وهم اليوم لا يسمعون. . ." إلخ.
وكتب الشيخ قُدِّس سرُّه في "اللامع" (٤): قوله: "الله يقوله" أي: في الآخرة "وهم اليوم" في الدنيا "لا يسمعون ولا يبصرون"، ثم فسره بقوله: "في ضلال مبين" ثم أراد تفسير قوله: ﴿أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ﴾ فقال: "الكفار يومئذ" أي: يوم القيامة، وقوله: "عتيًّا بكيًّا جماعة باك" أي: وعاتٍ لكنه تركه لأنه علم بالمقايسة على البكي، انتهى.
وفي هامشه: اعلم أولًا أن الإمام البخاري أشار بهذين اللفظين "عتيًا وبكيًا" إلى الآيتين من هذه السورة، فأشار بقوله: "عتيًا"، إلى قوله : ﴿أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمَنِ عِتِيًّا﴾ [مريم: ٦٩]، وبقوله: "بكيًّا" إلى قوله: ﴿خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا﴾ [مريم: ٥٨]، وثانيًا أن قوله: "عتيًا" لا يوجد إلا في النسخ "الهندية" ولا ذكر له في الشروح الأربعة، وثالثًا ما أفاد الشيخ من قوله: أنه جمع عات هو أحد القولين في تفسيره، قال الراغب: قيل: العتي ها هنا مصدر وقيل: هو جمع عات، انتهى.
стр. 2525
لكن المعروف في تفسيره هو الأول إلى آخر ما في هامش "اللامع" (١).
(١ - باب قوله: ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ﴾ [مريم: ٣٩])
ذكر فيه حديث أبي سعيد في ذبح الموت وسيأتي في الرقاق مشروحًا.
وقوله: فيه (فيشرئبون) بمعجمة وراء مفتوحة ثم همزة مكسورة ثم موحدة ثقيلة مضمومة، أي: يمدون أعناقهم ينظرون، وقوله: "أملح" قال القرطبي: الحكمة في ذلك أن يجمع بين صفتي أهل الجنة والنار: السواد والبياض، قوله: "ثم قرأ ﴿وَأَنْذِرْهُمْ﴾ الآية" في رواية سعيد بن منصور في آخر الحديث: ثم قرأ رسول الله ﷺ ، فيستفاد منه انتفاء الإدراج، وكذا في رواية الترمذي، انتهى ملخصًا من "الفتح" (٢).
وقال القسطلاني (٣) في شرح الحديث: قوله: "فيذبح" وفي باب صفة الجنة والنار من كتاب الرقاق: "جيء بالموت حتى يجعل بين الجنة والنار ثم يذبح" وعند ابن ماجه: "فيذبح على الصراط" وعند الترمذي في باب خلود أهل الجنة: "فيضجع فيذبح ذبحًا على السور الذي بين أهل الجنة وأهل النار" وفي تفسير إسماعيل بن أبي زياد الشامي أحد الضعفاء في آخر حديث السور الطويل: أن الذابح له جبريل ﵇، كما نقله عنه الحافظ ابن حجر، وذكر صاحب "خلع النعلين" فيما نقله في "التذكرة": أن الذابح له يحيى بن زكريا بين يدي النبي ﷺ ، وقال قوم: المذبوح متولي الموت وكلهم يعرفه لأنه الذي تولى قبض أرواحهم في الدنيا.
فإن قلت: ما الحكمة في مجيء الموت في صورة الكبش دون غيره؟ أجيب بأن ذلك إشارة إلى حصول الفداء لهم به كما فدى ولد الخليل ﵉
стр. 2526
للكبش، وفي "الأملح" إشارة إلى صفتي أهل الجنة والنار، انتهى.
وقال العيني (١): فإن قلت: الموت عرض ينافي الحياة أو هو عدم الحياة فكيف يذبح؟ قلت: يجعله الله مجسمًا حيوانًا مثل الكبش، أو المقصود منه التمثيل، وعن ابن عباس: أن الموت والحياة جسمان فالموت في هيئة كبش لا يمر بشيء ولا يجد ريحه شيء إلا مات، وخلق الحياة على صورة فرس أنثى بلقاء وهي التي كان جبرئيل والأنبياء عليهم الصلاة والسلام يركبونها، خطوها مد البصر، فوق الحمار دون البغل، لا يمر بشيء ولا يجد ريحها إلا حيي، وهو الذي أخذ السامري من أثرها فألقاه على العجل، انتهى.
(٢ - باب قوله: ﴿وَمَا نَتَنَزَّلُ إلا بِأَمْرِ رَبِّكَ﴾ [مريم: ٦٤])
قال الحافظ (٢): قوله: "ما يمنعك أن تزورنا" روى الطبري وابن مردويه عن ابن عباس قال: احتبس جبرئيل عن النبي ﷺ ، وروى عبد بن حميد وابن أبي حاتم من طريق عكرمة قال: أبطأ جبريل في النزول أربعين يومًا فقال له النبي ﷺ : "يا جبريل ما نزلت حتى اشتقت إليك قال: أنا كنت أشوق إليك ولكني مأمور، وأوحى الله إلى جبريل: قل له: ﴿وَمَا نَتَنَزَّلُ إلا بِأَمْرِ رَبِّكَ﴾ " وروى ابن مردويه في سبب ذلك عن أنس قال: "سئل النبي ﷺ أي البقاع أحبّ إلى الله وأيها أبغض إلى الله؟ قال: ما أدري حتى أسأل فنزل جبريل وكان قد أبطأ عليه" الحديث، وعند ابن إسحاق من وجه آخر عن ابن عباس: أن قريشًا لما سألوا عن أصحاب الكهف فمكث النبي ﷺ خمس عشرة ليلة لا يحدث الله له في ذلك وحيًا، فلما نزل جبريل قال له: "أبطأت" فذكره، وحكى ابن التِّين للداودي في هذا الموضع كلامًا في استشكال نزول الوحي في القضايا الحادثة مع أن القرآن قديم، وجوابه واضح فلم أتشاغل به هنا لكن ألممت به في كتاب التوحيد، انتهى.
стр. 2527
(٣ - باب قوله: ﴿أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا وَقَالَ لَأُوتَيَنَّ مَالًا وَوَلَدًا﴾ [مريم: ٧٧]
قراءة الأكثر بفتحتين، والكوفيين سوى عاصم بضم ثم سكون، قال الطبري: لعلهم أرادوا التفرقة بين الواحد والجمع لكن قراءة الفتح أشمل وهي أعجب إليّ.
قوله: (فقلت لا حتى تموت. . .) إلخ، مفهومه أنه يكفر حينئذ لكنه لم يرد ذلك لأن الكفر حينئذ لا يتصور فإنه قال: لا أكفر أبدًا، والنكتة في تعبيره بالبعث تعيير العاص بأنه لا يؤمن به، وبهذا التقرير يندفع إيراد من استشكل قوله هذا فقال: علّق الكفر ومن علّق الكفر كفر، وأجاب بأنه خاطب العاص بما يعتقده فعلّق على ما يستحيل بزعمه، والتقرير الأول يغني عن هذا الجواب، قاله الحافظ (١).
(٤ - باب قوله: ﴿أَطَّلَعَ الْغَيْبَ أَمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا﴾ [مريم: ٧٨]) قال: موثقًا)
قال ابن عباس: أنظر في اللوح المحفوظ؟ يعني العاص بن وائل، وقال مجاهد: أعلم علم الغيب حتى يعلم أفي الجنة هو أم لا؟ قوله: ﴿أَطَّلَعَ﴾ من اطلع الجبل إذا ارتقى على أعلاه.
قوله: (﴿عَهْدًا﴾) أي: أم قال: لا إله إلا الله؟ وعن قتادة: عمل صالحًا قدمه؟ وعن الكلبي: عهد إليه أنه يدخله الجنة؟ وفسر البخاري ﴿عَهْدًا﴾ بقوله: "موثقًا" وكذا أخرجه ابن أبي حاتم عن أبيه عن محمد بن كثير شيخ البخاري فيه، وليس في رواية أبي ذر قوله: "موثقًا" وأصله من الوثاق وهو حبل يشد به الأسير والدابة، وقال الجوهري: الموثق الميثاق، انتهى من "العيني" (٢).
стр. 2528
وقال أيضًا (١): بعد ذكر حديث الباب: هذا طريق آخر في الحديث المذكور وقد أخرج هذا الحديث من أربع طرق وترجم لكل حديث آية من الآيات الأربعة المذكورة إشارة إلى أن هذه الآيات كلها في قصة العاص بن وائل، وذكر في كل ترجمة ما يطابقها من الحديث، انتهى.
قلت: وتقدم نظير هذا الإيراد والجواب في تفسير سورة البقرة في تراجم متعلقة بتحويل القبلة.
(٥ - باب قوله: ﴿كَلَّا سَنَكْتُبُ مَا يَقُولُ وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ الْعَذَابِ مَدًّا﴾ [مريم: ٧٩])
ساق في الحديث المذكور من رواية شعبة عن الأعمش.
(٦ - باب قوله: ﴿وَنَرِثُهُ مَا يَقُولُ وَيَأْتِينَا فَرْدًا﴾ [مريم: ٨٠])
قال الحافظ (٢): ساق فيه الحديث المذكور من رواية وكيع وسياقه أتم كسياق أبي معاوية، ويؤخذ من هذا السياق الجوابُ عن إيراد المصنف الآياتِ المذكورةَ في هذه الأبواب مع أن القصة واحدة، وكأنه أشار إلى أنها كلها نزلت في هذه القصة بدليل هذه الرواية وما وافقها، انتهى.
قلت: وتقدم هذا المعنى واضحًا من كلام العيني في الباب السابق.
(٢٠) طه
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
وفي نسخة "الفتح": "سورة طه"، وأما في نسخة "العيني" ففيها: "باب سورة طه" وفي نسخة "القسطلاني" كما في "الهندية"، والبسملة مؤخرة في جميع النسخ الموجودة وسقطت لغير أبي ذر كما قالوا.
قال العلامة العيني (٣): قال مقاتل: هذه السورة مكية كلها، وكذا ذكره
стр. 2529
ابن عباس وابن الزبير رضي الله تعالى عنهم فيما ذكره ابن مردويه، وفي "مقامات التنزيل": مكية كلها لم يعرف فيها اختلاف إلا ما ذكر عن الكلبي أنه قال: ﴿وَمِنْ آنَاءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ وَأَطْرَافَ النَّهَارِ لَعَلَّكَ تَرْضَى﴾ [طه: ١٣٠] نزلت بالمدينة وهي في أوقات الصلاة، انتهى.
قوله: (قال ابن جبير: بالنبطية طه: يا رجل. . .) إلخ، كذا في النسخة "الهندية"، وفي نسخة "العيني" و"القسطلاني": "قال ابن جبير والضحاك. . ." إلخ، وفي نسخة "الفتح" بدله: "قال عكرمة والضحاك. . ." إلخ.
قال الحافظ (١): كذا لأبي ذر والنسفي، ولغيرهما: "قال ابن جبير" - أي: سعيد -، وأما قول الضحاك فوصله الطبري في قوله: طه، قال: يا رجل بالنبطية، وأخرجه عبد بن حميد من وجه آخر قال: قال رجل من بني مازن: ما يخفى عليّ من القرآن شيء، فقال له الضحاك: ما طه؟ قال: اسم من أسماء الله تعالى، قال: إنما هو بالنبطية: يا رجل، وأما قول سعيد بن جبير فرويناه في "الجعديات" للبغوي.
وفي "القسطلاني" (٢): "بالنبطية طه" معناه "يا رجل" ولأبي ذر: "أي: طه يا رجل" بسكون الهاء والمراد النبي ﷺ ، قال ابن الأنباري: ولغة قريش وافقت تلك اللغة في هذا؛ لأن الله تعالى لم يخاطب نبيَّه ﷺ بلسان غير قريش، وعن الخليل: من قرأ طه موقوفًا فهو يا رجل، ومن قرأ طه بحرفين من الهجاء فقيل: معناه اطمئن، وقيل: طأ الأرض، والهاء كناية عنها، وقال ابن عطية الضمير في طه للأرض وخففت الهمزة فصارت ألفًا ساكنة، وقرأ الحسن طَهْ بسكون الهاء من غير ألف بعد الطاء على أن الأصل طاء بالهمز أمر من وطئ يطأ، ثم أبدلت الهمزة هاء كإبدالهم في هرقت ونحوه، أو على إبدال الهمزة ألفًا كأنه أخذه من وطِئَ يطأ بالبدل ثم حذف الألف
стр. 2530
حملًا للأمر على المجزوم وتناسبًا لأصل الهمزة، ثم ألحق هاء السكت وأجري الوصل مجرى الوقف، وفي حديث أنس عند عبد بن حميد: كان النبي ﷺ إذا صلى قام على رجل ورفع الأخرى فأنزل الله: ﴿طه﴾ أي: طأ الأرض، انتهى.
قوله: (﴿أَلْقَى﴾ [طه: ٨٧] صنع) كتب الشيخ في "اللامع" (١): إنما عبَّر عنه بالإلقاء لأن الصائغ يلقي الذهب والفضة بعد إذابته في المصيغة، وقوله: " ﴿عِوَجًا﴾ [طه: ١٠٧]: واديًا" فسره به؛ لأن الوادي وهو مسيل الماء لا يخلو عن العوج، انتهى.
(١ - باب قوله: ﴿وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي﴾ [طه: ٤١])
وقع في رواية أبي أحمد الجرجاني: "واصطفيتك" وهو تصحيف ولعلها ذكرت على سبيل التفسير، وذكر في الباب حديث أبي هريرة في محاجة موسى وآدم ﵉ وسيأتي شرحه في كتاب القدر، انتهى من "الفتح" (٢).
قوله: (واليم البحر) قال العيني (٣): إنما أورد هذا في آخر الحديث إشارة إلى تفسير ما وقع في كتاب الله تعالى من قوله: ﴿فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ﴾ [طه: ٣٩] وفسّر بأن المراد من اليم هو البحر، وقال الثعلبي: اليم نهر النيل، قيل: وموضع ذكر هذا في الباب الآتي وذكره هنا ليس بموجه، قلت: المراد باليم في الباب الآتي هو بحر القلزم، والذي ذكره هنا هو النيل أطلق عليه البحر لتبحره أيام الزيادة، والله أعلم، انتهى.
(٢ - باب قوله: ﴿أَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي﴾ الآية [طه: ٧٧])
هكذا في النسخة "الهندية" و"العيني" و"القسطلاني"، وفي نسخة "الفتح": "باب قوله: ﴿وَلَقَدْ أَوْحَيْنَا﴾. . ." إلخ.
стр. 2531
قال الحافظ (١): وقع عند غير أبي ذر: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى﴾ وهو خلاف التلاوة، انتهى.
(٣ - باب قوله: ﴿فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى﴾ [طه: ١١٧])
سقط "باب قوله" لغير أبي ذر، قاله القسطلاني (٢). ذكر فيه حديث أبي هريرة في محاجة موسى وآدم ﵉ وسيأتي في القدر إن شاء الله تعالى، من "الفتح" (٣).
قوله: (﴿فَتَشْقَى﴾) قال القسطلاني (٤): أسند إلى آدم الشقاء وحده دون حواء بعد اشتراكهما في الخروج، لأن في ضمن شقاء الرجل وهو قيم أهله شقاءهم فاختصر الكلام بإسناده إليه دونها، أو لأن المراد بالشقاء التعب في طلب المعاش الذي هو وظيفة الرجال، انتهى.
(٢١) سورة الأنبياء
هكذا في النسخ الهندية بغير بسملة، وفي نسخ الشروح بزيادة البسملة، قالوا (٥): سقطت البسملة لغير أبي ذر.
قال العيني (٦): قال ابن مردويه: عن عبد الله بن الزبير وعبد الله بن عباس ﵃: أنها نزلت بمكة، وكذا قال مقاتل، وفي "مقامات التنزيل": اختلفوا في آية منها وهي قوله: ﴿أَفَلَا يَرَوْنَ أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا﴾ [الأنبياء: ٤٤]، وعن السخاوي: أنها نزلت بعد سورة إبراهيم وقبل سورة الفتح، انتهى.
قال الحافظ (٧): ذكر فيه حديث ابن مسعود قال: بني إسرائيل
стр. 2532
والكهف. . . إلخ، وقد تقدم شرحه مستوفى في تفسير سبحان، وزاد في هذه الرواية ما لم يذكره في تلك، وحاصله: أنه ذكر خمس سور متوالية، ومقتضى ذلك أنهن نزلن بمكة، لكن اختلف في بعض آيات منهن، أما في سبحان فقوله: ﴿وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا﴾ [الإسراء: ٣٣]، وقوله: ﴿وَإِنْ كَادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ﴾ - إلى - ﴿تَحْوِيلًا﴾ [الإسراء: ٧٦] وقوله: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى تِسْعَ آيَاتٍ﴾ الآية [الإسراء: ١٠١]، وقوله: ﴿وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ﴾ الآية [الإسراء: ٨٠]، وفي الكهف قوله: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ﴾ الآية [الكهف: ٢٨]، وقيل: من أولها إلى ﴿أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [الكهف: ٧]، في مريم: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إلا وَارِدُهَا﴾ الآية [مريم: ٧١]، وفي طه: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا﴾ الآية [طه: ١٣٠]، وفي الأنبياء: ﴿أَفَلَا يَرَوْنَ أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُهَا﴾ الآية [الأنبياء: ٤٤]، قيل في جميع ذلك: إنه مدني، ولا يثبت شيء من ذلك، والجمهور على أن الجميع مكيات، وشذّ من قال خلاف ذلك، انتهى.
(١ - باب قوله: ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ﴾ [الأنبياء: ١٠٤])
هكذا في النسخة الهندية، وليس في نسخ الشروح لفظة "باب".
وذكر المصنف فيه حديث ابن عباس: "إنكم محشورون إلى الله حفاة عراة" الحديث، وتقدم في آخر سورة المائدة، وسيأتي أيضًا في "كتاب الرقاق"، انتهى من "الفتح" (١).
(٢٢) سورة الحج
سقطت البسملة في النسخ الهندية، وبإثباتها في نسخ الشروح، قال العيني (٢): ذكر ابن مردويه عن ابن عباس وابن الزبير ﵃ أنهما قالا: نزلت سورة الحج بالمدينة، وقال مقاتل: بعضها مكي أيضًا، وعن قتادة: أنها
стр. 2533
مكية، وعنه: مدنية غير أربع آيات، وعن عطاء: إلا ثلاث آيات منها قوله: ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ﴾ [الحج: ١٩] وقال هبة بن سلامة: هي من أعاجيب سور القرآن لأن فيها مكيًا ومدنيًا وسفريًا وحضريًا وحربيًا وسلميًا وليليًا ونهاريًا وناسخًا ومنسوخًا، انتهى.
قوله: (ويقال: أمنيته قراءته. . .) إلخ، قال الحافظ (١): هو قول الفراء قال: التمني التلاوة، قال: وقوله: ﴿لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إلا أَمَانِيَّ﴾ [البقرة: ٧٨] قال: الأماني أن يفتعل الأحاديث وكانت أحاديث يسمعونها من كبرائهم وليست من كتاب الله، قال الفراء: والتمني أيضًا حديث النفس، قال أبو جعفر النحاس في كتاب "معاني القرآن" له بعد أن ساق رواية علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في تأويل الآية: هذا من أحسن ما قيل في تأويل الآية وأعلاه وأجله، ثم أسند عن أحمد بن حنبل قال: بمصر صحيفة في التفسير رواها علي بن أبي طلحة لو رحل رجل فيها إلى مصر قاصدًا ما كان كثيرًا، انتهى.
وهذه النسخة كانت عند أبي صالح كاتب الليث رواها عن معاوية بن صالح عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس، وهي عند البخاري عن أبي صالح، وقد اعتمد عليها في صحيحه هذا كثيرًا على ما بيناه في أماكنه، وهي عند الطبري وابن أبي حاتم وابن المنذر بوسائط بينهم وبين أبي صالح، انتهى.
وعلى تأويل ابن عباس هذا يحمل ما جاء عن سعيد بن جبير، وقد أخرجه ابن أبي حاتم والطبري وابن المنذر من طرق عن شعبة عن أبي بشر عنه قال: "قرأ رسول الله ﷺ بمكة ﴿وَالنَّجْمِ﴾ فلما بلغ: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى (١٩) وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى﴾ [النجم: ١٩، ٢٠] ألقى الشيطان على لسانه: تلك الغرانيق العلى وإن شفاعتهن لترتجى، فقال المشركون: ما ذكر آلهتنا
стр. 2534
بخير قبل اليوم فسجد وسجدوا، فنزلت هذه الآية" إلى آخر ما بسط الحافظ الكلامَ في تحقيق هذه القصة إثباتًا ونفيًا، وعلى تقدير ثبوتها في ذكر توجيهاته أشد البسط، وقد تقدم شيء من الكلام عليه في أبواب سجود القرآن.
وقال الكرماني: وما قيل: إن ذلك بسبب إلقاء الشيطان في أثناء قراءة رسول الله ﷺ لا صحة له عقلًا ولا نقلًا، انتهى.
قال الحافظ (١): بعد نقل الكلام الكرماني: هذا ومن تأمل ما أوردته من ذلك عرف وجه الصواب في هذه المسألة بحمد الله تعالى، انتهى.
قلت: ومال القسطلاني أيضًا تبعًا للحافظ إلى صحة القصة إذ قال (٢): والظاهر أن سبب سجودهم ما أخرجه ابن أبي حاتم والطبري وابن المنذر من طرق عن شعبة عن أبي بشر عن ابن جبير عن ابن عباس، ثم قال بعد ذكر هذه القصة، وقد روي من طرق ضعيفة ومنقطعة لكن كثرة الطرق تدل على أن لها أصلًا، مع أن لها طريقين مرسلين رجالهما على شرط الصحيح، وحينئذ فيتعين تأويل ما ذكر، وأحسن ما قيل: إن الشيطان قال ذلك محاكيًا نغمة النبي ﷺ عند ما سكت ﷺ بحيث سمعه من دنا إليه فظنها من قوله ﷺ وأشاعها، ويؤيده تفسير ابن عباس ﴿تَمَنَّى﴾ [الحج: ٥٢] بـ "تلا"، انتهى.
(١ - باب قوله: ﴿وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى﴾ [الحج: ٢])
سقط الباب والترجمة لغير أبي ذر وقدّم عندهم الطريق الموصول على التعاليق، وعكس ذلك في رواية أبي ذر، وسيأتي شرح الحديث الموصول في كتاب الرقاق إن شاء الله تعالى، انتهى من "الفتح" (٣).
قوله: (ومنكم واحد. . .) إلخ، كتب الشيخ قُدِّس سرُّه في "اللامع" (٤):
стр. 2535
خطاب لجماعة الصحابة والمقصود تسليتهم، فلا يلزم كون يأجوج ومأجوج أكثر من كل أمة النبي ﷺ حتى يتوهم أنهم مع وسعتهم وكثرتهم بتلك المنزلة كيف وسعتهم أرضهم، انتهى.
وفي هامشه: ما أفاده الشيخ قُدِّس سرُّه ظاهر في بادئ النظر فإنه كما أفاده يستلزم منه أن تكون أرضهم أضعاف مضاعف أراضي الدنيا ولكن الظاهر من روايات الحديث كونهم أضعاف مضاعف أمة النبي ﷺ بل أكثر من جميع الأمم، ثم ذكر الروايات في كثرتهم في هامش "اللامع" فارجع إليه لو شئت.
(٢ - باب قوله: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ﴾ [الحج: ١١])
شك سقط لفظ "شك" لغير أبي ذر، وأراد بذلك تفسير قوله: ﴿حَرْفٍ﴾ وهو تفسير مجاهد أخرجه ابن أبي حاتم من طريقه، وقال أبو عبيدة: كل شاك في شيء فهو على حرف لا يثبت ولا يدوم، انتهى من "الفتح" (١).
(٣ - باب قوله: ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ﴾ [الحج: ١٩])
قال العلامة العيني (٢): وليس في بعض النسخ لفظ "باب"، والخصمان تثنية خصم ويطلق على الواحد وغيره، ويقال: الخصم اسم شبيه بالمصدر فلذلك قال: ﴿اخْتَصَمُوا﴾ والخصم من تقع له المخاصمة، وحديث الباب قد مرّ في "باب قتل أبي جهل" من كتاب المغازي، انتهى.
وقال أيضًا: فإن قلت: روى الطبري من طرق العوفي عن ابن عباس أنها نزلت في أهل الكتاب والمسلمين، ومن طريق الحسن قال: هم الكفار والمؤمنون، ومن طريق مجاهد: هو اختصام المؤمن والكافر في البعث،
стр. 2536
قلت: الآية إذا نزلت في سبب من الأسباب لا يمتنع أن تكون عامة في نظير ذلك السبب، والله أعلم، انتهى.
(٢٣) سورة المؤمنين
ليست البسملة في النسخة الهندية وموجودة في نسخ الشروح، و"سورة المؤمنين" هكذا في نسخة "العيني" و"القسطلاني"، وفي نسخة "الفتح": "سورة المؤمنون".
قال القسطلاني (١): بالياء وفي نسخة "سورة المؤمنون" بالواو، وهي مكية، انتهى.
وهكذا في "العيني" إذ قال (٢): قال أبو العباس: مكية كلها، انتهى.
قوله: (وقال ابن عيينة) سفيان مما وصله في تفسيره من رواية سعيد بن عبد الرحمن المخزومي عنه في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعَ طَرَائِقَ﴾ [المؤمنون: ١٧] أي: (سبع سماوات) سميت طرائق لتطارقها وهو أن بعضها فوق بعض، يقال: طارق النعل إذا أطبق نعلًا على نعل، وطارق بين الثوبين إذا لبس ثوبًا على ثوب، قاله الخليل والزجاج والفراء، أو لأنها طرق الملائكة في العروج والهبوط، قاله علي بن عيسى، وقيل: لأنها طرق الكواكب في مسيرها، والوجه في إنعامه علينا بذلك أنه جعلها موضعًا لأرزاقنا بإنزال الماء منها وجعلها مقرًّا للملائكة، ولأنها موضع الثواب ومكان إرسال الأنبياء ونزول الوحي، انتهى من "القسطلاني" (٣).
(٢٤) سورة النور
كذا بغير البسملة في النسخ الهندية، وفي نسخ الشروح الثلاثة ذكرت البسملة بعد السورة.
стр. 2537
قال العيني (١): قال أبو العباس ومقاتل وابن الزبير وابن عباس في آخرين: سورة النور مدنية كلها لم يذكر فيها اختلاف.
قوله: (﴿مِنْ خِلَالِهِ. . .﴾) إلخ، أشار به إلى قوله تعالى: ﴿فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ﴾ [النور: ٤٣] وفسره بقوله: "من بين أضعاف السحاب" وهكذا فسره أبو عبيدة، والخلال جمع خلل وهو الوسط ويقال: الخلل موضع المطر والودق المطير، انتهى من "العيني".
قوله: (وقال ابن عباس: ﴿سُورَةٌ أَنْزَلْنَاهَا﴾ [النور: ١]، بيّنَّاها) قال عياض: كذا في النسخ، والصواب: " ﴿أَنْزَلْنَاهَا وَفَرَضْنَاهَا﴾ بيناها" وبيناها تفسير فرضناها ويدل عليه قوله بعد هذا: "ويقال في فرضناها: أنزلنا فيها فرائض مختلفة" فإنه يدل على أنه تقدم له تفسير آخر، انتهى.
وقد روى الطبري عن ابن عباس في قوله: ﴿وَفَرَضْنَاهَا﴾ يقول: بيناها، وهو يؤيد قول عياض، انتهى من "الفتح" (٢).
(١ - باب قوله: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ﴾ الآية [النور: ٦])
ذكر فيه حديث سهل بن سعد مطوّلًا وفي الباب الذي بعده مختصرًا، وسيأتي شرحه في كتاب اللعان، قاله الحافظ (٣).
(٢ - باب قوله: ﴿وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ [النور: ٧])
تقدمت الإشارة إليه في الباب السابق.
стр. 2538
(٣ - باب قوله: ﴿وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ﴾ الآية [النور: ٨])
قال القسطلاني (١): سقط لفظ "باب" لغير أبي ذر، انتهى.
قال الحافظ (٢): ذكر فيه حديث ابن عباس في قصة المتلاعنين من رواية عكرمة عنه، وقد ذكره في اللعان من رواية قاسم بن محمد عنه، وبينهما في سياقه اختلاف سأبينه هناك، وأقتصر هنا عن بيان الراجح من الاختلاف في سبب نزول آيات اللعان دون أحكامه فأذكرها في بابها إن شاء الله تعالى، ثم قال في شرح الحديث: كذا في هذه الرواية أن آيات اللعان نزلت في قصة هلال بن أمية، وفي حديث سعد الماضي أنها نزلت في عويمر، وقد اختلف الأئمة في هذا الموضع، فمنهم من رجح أنها نزلت في شأن عويمر، ومنهم من رجح أنها نزلت في شأن هلال، ومنهم من جمع بينهما بأن أول من وقع له ذلك هلال وصادف مجيء عويمر أيضًا، فنزلت في شأنهما معًا في وقت واحد، وقد جنح النووي إلى هذا وسبقه الخطيب فقال: لعلهما اتفق كونهما جاءا في وقت واحد، ويؤيد التعدد أن القائل في قصة هلال: سعد بن عبادة، كما أخرجه أبو داود والطبري (ثم ذكر الحافظ ألفاظ الرواية) والقائل في قصة عويمر: عاصم بن عدي، كما في حديث سهل بن سعد في الباب الذي قبله، ولا مانع أن تتعدد القصص ويتحد النزول، وروى البزار من طريق زيد بن تبيع عن حذيفة قال: "قال رسول الله ﷺ لأبي بكر: لو رأيت مع أم رومان رجلًا ما كنت فاعلًا به؟ قال: كنت فاعلًا به شرًّا، قال: فأنت يا عمر؟ قال: كنت أقول: لعن الله الأبعد قال: فنزلت، ويحتمل أن النزول سبق بسبب هلال فلما جاء عويمر ولم يكن علم بما وقع لهلال أعلمه النبي ﷺ بالحكم، ولهذا قال في قصة هلال: "فنزل جبريل" وفي
стр. 2539
قصة عويمر: "قد أنزل الله فيك" فيؤول قوله: "قد أنزل الله فيك" أي: وفيمن كان مثلك، وبهذا أجاب ابن الصباغ في "الشامل" قال: نزلت الآية في هلال، وأما قوله لعويمر: "قد نزل فيك وفي صاحبتك" فمعناه ما نزل في قصة هلال، وجنح القرطبي إلى تجويز نزول الآية مرتين، قال: وهذه الاحتمالات وإن بعدت أولى من تغليط الرواة الحفاظ، وقد أنكر جماعة ذكر هلال فيمن لاعن قال القرطبي: أنكره أبو عبد الله بن أبي صفرة أخو المهلب وقال: هو خطأ والصحيح أنه عويمر، وسبقه إلى نحو ذلك الطبري.
وقال النووي في "مبهماته" اختلفوا في الملاعن على ثلاثة أقوال: عويمر العجلاني، وهلال بن أمية، وعاصم بن عدي، ثم نقل عن الواحدي أن أظهر هذه الأقوال أنه عويمر.
قال الحافظ: وكلام الجميع متعقب، إلى أن قال: وأما قول النووي تبعًا للواحدي وجنوحه إلى الترجيح فمرجوح لأن الجمع مع إمكانه أولى من الترجيح، انتهى من "الفتح" مختصرًا وملخصًا.
(٤ - باب: ﴿وَالْخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ [النور: ٩])
قال القسطلاني (١): أي: فيما رماها به، وخصَّها بالغضب لأن الغالب أن الرجل لا يتجشم فضيحة أهله ورميها بالزنا إلا وهو صادق معذور وهي تعلم صدقه فيما رماها به، فلذا كانت الخامسة في حقها أن غضب الله عليها والمغضوب عليه هو الذي يعلم الحق ثم يحيد عنه، وسقط "باب قوله" لغير أبي ذر، انتهى.
стр. 2540
(٥ - باب قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ﴾ [النور: ١١]. . .) إلخ
وفي نسخة "الفتح": "باب قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ﴾ ".
قال الحافظ (١): كذا لأبي ذر وساق غيره الآية إلى قوله: ﴿عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ وهو أولى؛ لأنه اقتصر في الباب على تفسير الذي تولى كبره فقط، انتهى.
قلت: هذا على نسخة "الحافظ"، وأما على النسخة الهندية فليس كذلك بل ذكر فيها في هذا الباب حديث الإفك الطويل، وفي نسخة "الفتح" (٢) على هذا الحديث ترجمة أخرى مستقلة وهي قوله:
(٦ - باب ﴿لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ﴾ [النور: ١٢] إلى قوله: ﴿الْكَاذِبُونَ﴾ ﴿وَلَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ مَا يَكُونُ لَنَا﴾ الآية [النور: ١٦])
وكذا في نسخة "العيني" و"القسطلاني"، وفي النسخة "الهندية" ذكرت هذه الآية الثانية بغير لفظ "باب".
(فقام سعد بن معاذ الأنصاري. . .) إلخ، قال القسطلاني (٣): واستشكل ذكر سعد بن معاذ هنا؛ لأن حديث الإفك كان سنة ست في غزوة المريسيع وسعد مات من الرمية التي رُميها بالخندق سنة أربع، وأجيب بأنه اختلف في المريسيع، ففي البخاري عن موسى بن عقبة أنها سنة أربع وكذلك الخندق، وقد جزم ابن إسحاق بأن المريسيع كانت في شعبان والخندق في شوال وإن كانا في سنة، فلا يمتنع أن يشهدها ابن معاذ، لكن الصحيح في النقل عن
стр. 2541
موسى بن عقبة أن المريسيع سنة خمس، فالذي في البخاري حملوه على أنه سبق قلم، والراجح أيضًا أن الخندق أيضًا سنة خمس فيصح الجواب، انتهى.
قلت: وهذا مأخوذ من كلام الحافظ في "الفتح" وقد بسط الحافظ الكلام على ذلك وعلى حديث الإفك بطوله مستوفى، وقال في ذكر ما يستفاد من الحديث (١): وفيه تأخير الحد عمن يخشى من إيقاعه به الفتنة، نبَّه على ذلك ابن بطال مستندًا إلى أن عبد الله بن أُبي كان ممن قذف عائشة ولم يقع في الحديث أنه ممن حُدَّ، وتعقبه عياض بأن لم يثبت أنه قذف بل الذي ثبت أنه كان يستخرجه ويستوشيه، قلت: وقد ورد أنه قذف صريحًا ووقع ذلك في مرسل سعيد بن جبير عند ابن أبي حاتم وغيره، وفي مرسل مقاتل بن حيان عند الحاكم في "الإكليل" بلفظ: فرماها عبد الله بن أُبي، وفي حديث ابن عمر عند الطبراني بلفظ أشنع من ذلك، وورد أيضًا أنه ممن جلد الحد، وقع ذلك في رواية أبي أويس عن الحسن بن زيد وعبد الله بن أبي بكر بن حزم وغيرهما مرسلًا، أخرجه الحاكم في "الإكليل" فإن ثبتا سقط السؤال، وإن لم يثبتا فالقول ما قال عياض فإنه لم يثبت خبر بأنه قذف صريحًا ثم لم يحد، وقد حكى الماوردي إنكار وقوع الحد بالذين قذفوا عائشة أصلًا، واعتل قائله بأن حد القذف لا يجب إلا بقيام بيِّنة أو إقرار أو بطلب المقذوف، قال: ولم ينقل ذلك. قال الحافظ: كذا قال وفيه نظر يأتي إيضاحه في كتاب الحدود إن شاء الله تعالى، انتهى.
وسيأتي الكلام على أن ابن أُبي حُدّ أو لم يحدّ وكذا في مسطح وغير ذلك في "باب قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ﴾ الآية [النور: ١٩] ".
стр. 2542
(٧ - باب قوله: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ لَمَسَّكُمْ فِي مَا أَفَضْتُمْ فِيهِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [النور: ١٤]. . .) إلخ
قال الحافظ (١): قوله: "قال مجاهد: ﴿تَلَقَّوْنَهُ﴾ [النور: ١٥] يرويه بعضكم عن بعض" وصله الفريابي من طريقه وقال: معناه من التلقي للشيء وهو أخذه وقبوله، وهو على القراءة المشهورة، وبذلك جزم أبو عبيدة وغيره، و ﴿تَلَقَّوْنَهُ﴾ بحذف إحدى التائين وقرأ ابن مسعود بإثباتها، وقراءة عائشة ويحيى بن يعمر "تلقونه" بكسر اللام وتخفيف القاف من الولق بسكون اللام وهو الكذب، وقال الفراء: الولق الاستمرار في السير وفي الكذب، ويقال للذي أدمن الكذب الألق بسكون اللام وبفتحها أيضًا، وقد تقدم في غزوة المريسيع التصريح بأن عائشة قرأته كذلك وأن ابن أبي مليكة قال: هي أعلم من غيرها بذلك لكونه نزل فيها، ثم ذكر المصنف فيه طرفًا من حديث أم رومان وقد تقدم بتمامه هناك، قال الإسماعيلي: هذا الذي ذكره من حديث أم رومان لا يتعلق بالترجمة، وهو كما قال إلا أن الجامع بينهما قصة الإفك في الجملة، انتهى من "الفتح" بتغير ما.
(٨ - باب قوله: ﴿إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ﴾ [النور: ١٥])
قال العيني (٢): ليس في كثير من النسخ لفظ "باب"، انتهى.
وقد تقدم الكلام على ما في حديث الباب من اختلاف القراءة في قوله: ﴿تَلَقَّوْنَهُ﴾ وعلى معناه في الباب السابق.