(٣ - باب قوله: ﴿وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ﴾ الآية [النور: ٨])
قال القسطلاني (١): سقط لفظ "باب" لغير أبي ذر، انتهى.
قال الحافظ (٢): ذكر فيه حديث ابن عباس في قصة المتلاعنين من رواية عكرمة عنه، وقد ذكره في اللعان من رواية قاسم بن محمد عنه، وبينهما في سياقه اختلاف سأبينه هناك، وأقتصر هنا عن بيان الراجح من الاختلاف في سبب نزول آيات اللعان دون أحكامه فأذكرها في بابها إن شاء الله تعالى، ثم قال في شرح الحديث: كذا في هذه الرواية أن آيات اللعان نزلت في قصة هلال بن أمية، وفي حديث سعد الماضي أنها نزلت في عويمر، وقد اختلف الأئمة في هذا الموضع، فمنهم من رجح أنها نزلت في شأن عويمر، ومنهم من رجح أنها نزلت في شأن هلال، ومنهم من جمع بينهما بأن أول من وقع له ذلك هلال وصادف مجيء عويمر أيضًا، فنزلت في شأنهما معًا في وقت واحد، وقد جنح النووي إلى هذا وسبقه الخطيب فقال: لعلهما اتفق كونهما جاءا في وقت واحد، ويؤيد التعدد أن القائل في قصة هلال: سعد بن عبادة، كما أخرجه أبو داود والطبري (ثم ذكر الحافظ ألفاظ الرواية) والقائل في قصة عويمر: عاصم بن عدي، كما في حديث سهل بن سعد في الباب الذي قبله، ولا مانع أن تتعدد القصص ويتحد النزول، وروى البزار من طريق زيد بن تبيع عن حذيفة قال: "قال رسول الله ﷺ لأبي بكر: لو رأيت مع أم رومان رجلًا ما كنت فاعلًا به؟ قال: كنت فاعلًا به شرًّا، قال: فأنت يا عمر؟ قال: كنت أقول: لعن الله الأبعد قال: فنزلت، ويحتمل أن النزول سبق بسبب هلال فلما جاء عويمر ولم يكن علم بما وقع لهلال أعلمه النبي ﷺ بالحكم، ولهذا قال في قصة هلال: "فنزل جبريل" وفي
стр. 2539
قصة عويمر: "قد أنزل الله فيك" فيؤول قوله: "قد أنزل الله فيك" أي: وفيمن كان مثلك، وبهذا أجاب ابن الصباغ في "الشامل" قال: نزلت الآية في هلال، وأما قوله لعويمر: "قد نزل فيك وفي صاحبتك" فمعناه ما نزل في قصة هلال، وجنح القرطبي إلى تجويز نزول الآية مرتين، قال: وهذه الاحتمالات وإن بعدت أولى من تغليط الرواة الحفاظ، وقد أنكر جماعة ذكر هلال فيمن لاعن قال القرطبي: أنكره أبو عبد الله بن أبي صفرة أخو المهلب وقال: هو خطأ والصحيح أنه عويمر، وسبقه إلى نحو ذلك الطبري.
وقال النووي في "مبهماته" اختلفوا في الملاعن على ثلاثة أقوال: عويمر العجلاني، وهلال بن أمية، وعاصم بن عدي، ثم نقل عن الواحدي أن أظهر هذه الأقوال أنه عويمر.
قال الحافظ: وكلام الجميع متعقب، إلى أن قال: وأما قول النووي تبعًا للواحدي وجنوحه إلى الترجيح فمرجوح لأن الجمع مع إمكانه أولى من الترجيح، انتهى من "الفتح" مختصرًا وملخصًا.
(٤ - باب: ﴿وَالْخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ [النور: ٩])
قال القسطلاني (١): أي: فيما رماها به، وخصَّها بالغضب لأن الغالب أن الرجل لا يتجشم فضيحة أهله ورميها بالزنا إلا وهو صادق معذور وهي تعلم صدقه فيما رماها به، فلذا كانت الخامسة في حقها أن غضب الله عليها والمغضوب عليه هو الذي يعلم الحق ثم يحيد عنه، وسقط "باب قوله" لغير أبي ذر، انتهى.
стр. 2540
(٥ - باب قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ﴾ [النور: ١١]. . .) إلخ
وفي نسخة "الفتح": "باب قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ﴾ ".
قال الحافظ (١): كذا لأبي ذر وساق غيره الآية إلى قوله: ﴿عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ وهو أولى؛ لأنه اقتصر في الباب على تفسير الذي تولى كبره فقط، انتهى.
قلت: هذا على نسخة "الحافظ"، وأما على النسخة الهندية فليس كذلك بل ذكر فيها في هذا الباب حديث الإفك الطويل، وفي نسخة "الفتح" (٢) على هذا الحديث ترجمة أخرى مستقلة وهي قوله:
(٦ - باب ﴿لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ﴾ [النور: ١٢] إلى قوله: ﴿الْكَاذِبُونَ﴾ ﴿وَلَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ مَا يَكُونُ لَنَا﴾ الآية [النور: ١٦])
وكذا في نسخة "العيني" و"القسطلاني"، وفي النسخة "الهندية" ذكرت هذه الآية الثانية بغير لفظ "باب".
(فقام سعد بن معاذ الأنصاري. . .) إلخ، قال القسطلاني (٣): واستشكل ذكر سعد بن معاذ هنا؛ لأن حديث الإفك كان سنة ست في غزوة المريسيع وسعد مات من الرمية التي رُميها بالخندق سنة أربع، وأجيب بأنه اختلف في المريسيع، ففي البخاري عن موسى بن عقبة أنها سنة أربع وكذلك الخندق، وقد جزم ابن إسحاق بأن المريسيع كانت في شعبان والخندق في شوال وإن كانا في سنة، فلا يمتنع أن يشهدها ابن معاذ، لكن الصحيح في النقل عن
стр. 2541
موسى بن عقبة أن المريسيع سنة خمس، فالذي في البخاري حملوه على أنه سبق قلم، والراجح أيضًا أن الخندق أيضًا سنة خمس فيصح الجواب، انتهى.
قلت: وهذا مأخوذ من كلام الحافظ في "الفتح" وقد بسط الحافظ الكلام على ذلك وعلى حديث الإفك بطوله مستوفى، وقال في ذكر ما يستفاد من الحديث (١): وفيه تأخير الحد عمن يخشى من إيقاعه به الفتنة، نبَّه على ذلك ابن بطال مستندًا إلى أن عبد الله بن أُبي كان ممن قذف عائشة ولم يقع في الحديث أنه ممن حُدَّ، وتعقبه عياض بأن لم يثبت أنه قذف بل الذي ثبت أنه كان يستخرجه ويستوشيه، قلت: وقد ورد أنه قذف صريحًا ووقع ذلك في مرسل سعيد بن جبير عند ابن أبي حاتم وغيره، وفي مرسل مقاتل بن حيان عند الحاكم في "الإكليل" بلفظ: فرماها عبد الله بن أُبي، وفي حديث ابن عمر عند الطبراني بلفظ أشنع من ذلك، وورد أيضًا أنه ممن جلد الحد، وقع ذلك في رواية أبي أويس عن الحسن بن زيد وعبد الله بن أبي بكر بن حزم وغيرهما مرسلًا، أخرجه الحاكم في "الإكليل" فإن ثبتا سقط السؤال، وإن لم يثبتا فالقول ما قال عياض فإنه لم يثبت خبر بأنه قذف صريحًا ثم لم يحد، وقد حكى الماوردي إنكار وقوع الحد بالذين قذفوا عائشة أصلًا، واعتل قائله بأن حد القذف لا يجب إلا بقيام بيِّنة أو إقرار أو بطلب المقذوف، قال: ولم ينقل ذلك. قال الحافظ: كذا قال وفيه نظر يأتي إيضاحه في كتاب الحدود إن شاء الله تعالى، انتهى.
وسيأتي الكلام على أن ابن أُبي حُدّ أو لم يحدّ وكذا في مسطح وغير ذلك في "باب قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ﴾ الآية [النور: ١٩] ".
стр. 2542
(٧ - باب قوله: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ لَمَسَّكُمْ فِي مَا أَفَضْتُمْ فِيهِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [النور: ١٤]. . .) إلخ
قال الحافظ (١): قوله: "قال مجاهد: ﴿تَلَقَّوْنَهُ﴾ [النور: ١٥] يرويه بعضكم عن بعض" وصله الفريابي من طريقه وقال: معناه من التلقي للشيء وهو أخذه وقبوله، وهو على القراءة المشهورة، وبذلك جزم أبو عبيدة وغيره، و ﴿تَلَقَّوْنَهُ﴾ بحذف إحدى التائين وقرأ ابن مسعود بإثباتها، وقراءة عائشة ويحيى بن يعمر "تلقونه" بكسر اللام وتخفيف القاف من الولق بسكون اللام وهو الكذب، وقال الفراء: الولق الاستمرار في السير وفي الكذب، ويقال للذي أدمن الكذب الألق بسكون اللام وبفتحها أيضًا، وقد تقدم في غزوة المريسيع التصريح بأن عائشة قرأته كذلك وأن ابن أبي مليكة قال: هي أعلم من غيرها بذلك لكونه نزل فيها، ثم ذكر المصنف فيه طرفًا من حديث أم رومان وقد تقدم بتمامه هناك، قال الإسماعيلي: هذا الذي ذكره من حديث أم رومان لا يتعلق بالترجمة، وهو كما قال إلا أن الجامع بينهما قصة الإفك في الجملة، انتهى من "الفتح" بتغير ما.
(٨ - باب قوله: ﴿إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ﴾ [النور: ١٥])
قال العيني (٢): ليس في كثير من النسخ لفظ "باب"، انتهى.
وقد تقدم الكلام على ما في حديث الباب من اختلاف القراءة في قوله: ﴿تَلَقَّوْنَهُ﴾ وعلى معناه في الباب السابق.
стр. 2543
(باب قوله: ﴿وَلَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا﴾ الآية [النور: ١٦])
قال العلامة العيني (١): هذه الآية ذكرت عند قوله: "باب ﴿لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ﴾ " [النور: ١٢] الآية، (وتقدم أن هذا الباب في نسخ الشروح لا في النسخة الهندية) واقتصر أبو ذر إلى قوله: ﴿أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا﴾ وساق غيره بقية الآية وذكرها ها هنا تكرار على ما لا يخفى على أنها غير مذكورة في بعض النسخ، انتهى.
قوله: (فقيل: ابن عم رسول الله ﷺ ) كتب الشيخ قُدِّس سرُّه في "اللامع" (٢): إنما قيل ذلك لما علم أنها لم تأذن له في الدخول وقصدت رَدَّه، انتهى.
وفي هامشه: قال الحافظ: كأن القائل فهم عنها أنها تمنعه من الدخول للمعنى الذي ذكرته فذكرها بمنزلته، والذي راجع عائشة في ذلك هو ابن أخيها عبد الله بن عبد الرحمن، والذي استأذن لابن عباس على عائشة حينئذ هو ذكوان مولاها، وقد بين ذلك كلَّه أحمد وابن سعد إلى آخر ما بسط فيه.
قوله: (ولم ينكح بكرًا غيرك) المراد بذلك أنه كان يحبك إلا أنه أقام السبب مقام المسبب، ولا شك أن محبته ﷺ موجبة للكرامة والنجاة كيفما كانت، انتهى من "اللامع" (٣).
(٩ - باب قوله: ﴿يَعِظُكُمُ اللَّهُ أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَدًا﴾ الآية [النور: ١٧])
سقط لفظ "باب" في نسخة "القسطلاني".
قال الحافظ (٤): قوله: "قلت أتأذنين لهذا" في رواية مؤمل: "ما
стр. 2544
تصنعين بهذا"، وفي رواية شعبة في الباب الذي يليه: "تدعين مثل هذا يدخل عليك وقد أنزل الله ﴿وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ﴾ [النور: ١١] " وهذا مشكل؛ لأن ظاهره أن المراد بقوله: ﴿وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ﴾ هو حسان بن ثابت وقد تقدم قبل هذا أنه عبد الله بن أُبي وهو المعتمد، وقد وقع في رواية أبي حذيفة عن سفيان الثوري عند أبي نعيم في "المستخرج": "وهو ممن تولى كبره"، فهذه الرواية أخفّ إشكالًا.
قوله: (قالت: أو ليس قد أصابه عذاب عظيم) وفي رواية شعبة: قالت: وأي عذاب أشد من العمى؟
قوله: (قال سفيان: تعني ذهاب بصره) زاد أبو حذيفة: "وإقامة الحدود" ووقع بعد هذا الباب في رواية شعبة تصريح عائشة بصفة العذاب دون رواية سفيان.
قوله: (قالت: لكن أنت) في رواية شعبة: قالت: لست كذلك، وزاد في آخره: وقالت: قد كان يرد عن رسول الله ﷺ ، وتقدم في المغازي من وجه آخر عن شعبة بلفظ: أنه كان ينافح أو يهاجي عن رسول الله ﷺ ، ودلّ قول عائشة: لكن أنت، على أن حسان كان ممن تكلم في ذلك، وهذه الزيادة الأخيرة تقدمت هناك أتم من هذا، وتقدم هناك أيضًا في أثناء حديث الإفك، قال عروة: كانت عائشة تكره أن يسب عندها حسان وتقول: إنه الذي قال:
فإن أبي ووالدتي وعرضي … لعرض محمد منكم وقاء
انتهى من "الفتح".
وكتب الشيخ قُدِّس سرُّه في "اللامع" (١): قوله: "لكن أنت" وإنما قالته ليكون سبب مبالغته في التوبة والاستغفار والانتهاء عن ارتكاب مثله، فيكون ذلك سببًا لمزيد كرامته عند الله تعالى، وقوله: "وأي عذاب أشد من العمى"
стр. 2545
وهذا الجواب تسليمي منها، أي: إن سلم أنه هو المتولي لكبر فإنه طهر عن ذنبه باحتمال مشقة ما أوعد به، وإلا فالجواب في الحقيقة أنه غفر ذنبه بتوبته، والعمى وإن لم يكن عذابًا مطلقًا لكل من ابتلي به لكنه لا يخلو منه فيمن ابتلي به لجريرة، انتهى.
وفي هامشه عن "تقرير المكي": يعني أنه عذب مرة بالعمى فلعله لا يعذب أخرى به، انتهى من "اللامع".
وفي "تقرير اللاهوري" قد تقدم في الحديث السابق أن الذي تولى كبره عبد الله، فيقال: لعلها أرادت أنهما مرادان والمراد من العذاب أعم من الدنيوي والأخروي، انتهى.
قال السندي: كأنه قالت على تقدير فرض شمول الآية لحسان وإلا فهي في ابن أُبي، انتهى.
قلت: وهذا هو الأوجه عندي من أنها قالت ذلك على سبيل الفرض والتسليم لقول المعترض، وإلا فقد صرَّحت هي بنفسها أن الذي تولى الإفك هو عبد الله بن أُبي كما تقدم في حديث الإفك في كتاب الشهادة، وأيضًا قد تقدم قريبًا في "باب قوله : ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ﴾ الآية [النور: ١١]، انتهى من هامش "اللامع" بتغير.
(١٠ - باب قوله: ﴿وَيُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [النور: ١٨])
ذكر فيه بعض حديث مسروق عن عائشة، وتقدم بعض ما يتعلق به في الباب السابق.
(١١ - باب قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا﴾ [النور: ١٩])
أي: بالحد، وفي "تفسير النسفي": وقد ضرب رسول الله ﷺ عبد الله بن أُبي وحسانًا ومسطحًا، وقد ذكر أبو داود أن حسانًا حُدَّ، زاد
стр. 2546
الطحاوي: ثمانين، وكذا حمنة ومسطح ليكفِّر الله عنهم بذلك إثم ما صدر منهم حتى لا يبقى عليهم تبعة في الآخرة، وأما ابن أُبي فإنه لم يحد لئلا ينقص من عذابه شيء أو إطفاء للفتنة وتألفًا لقومه، وقد روى القشيري في تفسيره أنه حُدّ ثمانين، وقال القشيري: ومسطح لم يثبت منه قذف صريح فلم يذكر فيمن حُدّ، وأغرب الماوردي فقال: إنه لم يحدّ أحد من أهل الإفك.
قوله: (﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ﴾ [النور: ٢٠]) هذا إظهار المنة بترك المعاجلة بالعقاب وجواب ﴿لَوْلَا﴾ محذوف تقديره: لعاجلكم بالعذاب، انتهى من "العيني" (١).
وتقدم الكلام في عبد الله بن أُبي أنه حُدّ أو لم يحد ونحو ذلك في باب: ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ﴾ الآية.
قوله: (﴿وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ﴾ [النور: ٢٢]. . .) إلخ، كذا في النسخة "الهندية" بغير لفظ "باب" وكذا في نسخة "الفتح" و"القسطلاني"، فهذه الآية والآية الأولى ترجمة واحدة، وفي نسخة "العيني" بزيادة لفظ "باب" على هذه الآية، قال العيني (٢): وليس في كثير من النسخ لفظ "باب"، وقال بعد ذكر حديث الباب: هذا طريق آخر في قصة الإفك وهو معلّق كما ذكرنا، وأسنده مسلم في كتاب التوبة مختصرًا، انتهى.
وقال الحافظ (٣): وصله أحمد بتمامه وقد ذكرت ما فيه من فائدة في أثناء حديث الإفك الطويل قريبًا، ووقع في رواية المستملي عن الفربري: حدثنا حميد بن الربيع حدثنا أبو أسامة، فظن الكرماني أن البخاري وصله عن حميد بن الربيع، وليس كذلك بل هو خطأ فاحش فلا يغتر به، انتهى.
стр. 2547
(١٢ - باب قوله: ﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ﴾ [النور: ٣١])
أي: وليضعن خمرهن - جمع خمار - على جيوبهن - جمع جيب -، وأريد به: على صدورهن، ليسترن بذلك شعورهن وأعناقهن وقرطهن، وذلك لأن جيوبهن كانت واسعة تبدو منها نحورهن وصدورهن وما حواليها وكن يسدلن الخمر من ورائهن فتبقى مكشوفة، فأمرن بأن يسدلنها من قدامهن حتى يغطينها.
قوله: (فاختمرن) أي: غطين وجوههن، وصفة ذلك أن تضع الخمار على رأسها وترميه من الجانب الأيمن على العاتق الأيسر وهو التقنع، قال الفراء: كانوا في الجاهلية تسدل المرأة خمارها من ورائها وتكشف ما قدامها فأمرن بالاستتار، والخمار للمرأة كالعمامة للرجل، وقوله: (في الحديث الثاني) (أزرهن) بضم الهمزة جمع إزار وهي الملاءة بضم الميم وتخفيف اللام وبالمد وهي الملحفة.
فإن قلت: حديث عائشة يدل على أن اللاتي شققن أزرهن النساء المهاجرات، وورد في حديث عائشة أيضًا أن ذلك كان في نساء الأنصار رواه ابن أبي حاتم، قلت: يمكن الجمع بينهما بأن نساء الأنصار بادرن إلى ذلك حين نزول الآية المذكورة، والله أعلم، انتهى مختصرًا من "الفتح" و"العيني" (١).
(٢٥) سورة الفرقان
هكذا في النسخ الهندية بغير لفظ "سورة" وبغير البسملة، وفي نسخ الشروح الثلاثة بزيادتهما.
قال العلامة العيني (٢): والفرقان مصدر فرق بين الشيئين إذا فصل
стр. 2548
بينهما، وسمي القرآن به لفصله بين الحق والباطل، وقيل: لأنه لم ينزل جملة واحدة ولكن مفروقًا مفصولًا بين بعضه وبعض في الإنزال، قال تعالى: ﴿وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ﴾ [الإسراء: ١٠٦]، وهي مكية، وفي آية منها اختلاف وهي قوله : ﴿إلا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا﴾ [الفرقان: ٧٠] وقيل: فيها آيتان اختلف الناس فيهما فقيل: إنهما مدنيتان، وقيل: مكيتان، وقيل: إحداهما مكية والأخرى مدنية، وهما قوله: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾ الآية [الفرقان: ٦٨]، وقوله: ﴿إلا مَنْ تَابَ وَآمَنَ﴾ الآية [الفرقان: ٧٠]، فالذي قال: إن الأولى مكية وهو سعيد بن جبير وهي قوله: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ﴾ إلى قوله: ﴿مُهَانًا﴾، والثانية مدنية وهي قوله: ﴿إلا مَنْ تَابَ وَآمَنَ﴾ إلى قوله: ﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾، انتهى.
قوله: (قال الحسن: ﴿هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا﴾ [الفرقان: ٧٤] في طاعة الله) وصله سعيد بن منصور: حدثنا جرير بن حازم سمعت الحسن وسأله رجل عن قوله: ﴿هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا﴾ ما القُرّة، أفي الدنيا أم في الآخرة؟ قال: بل في الدنيا هي والله أن يرى العبد من ولده طاعة الله إلى آخره، وأخرجه عبد الله بن المبارك في كتاب البر والصلة عن حزم القطعي عن الحسن وسمى الرجل السائل كثير بن زياد.
قوله: (أن يرى حبيبه في طاعة الله) في رواية سعيد بن منصور: أن يرى حميمه، انتهى من "الفتح" (١).
وكتب الشيخ قُدِّس سرُّه في "اللامع" (٢): إن المراد بالقرة في الآية هي القرة الحاصلة بطاعة الله تعالى، ثم استدل عليه بقوله: "وما شيء. . ." إلخ، انتهى.
وفي هامشه بعد ذكر ما تقدم من كلام الحافظ: وفي العيني (﴿قُرَّةَ أَعْيُنٍ﴾) بأن نراهم مؤمنين صالحين مطيعين لك، انتهى.
стр. 2549
وفي "الجلالين": قوله تعالى: ﴿قُرَّةَ أَعْيُنٍ﴾ لنا بأن نراهم مطيعين لك، انتهى.
قوله: (وقال ابن عيينة: ﴿عَاتِيَةٍ﴾ [الحاقة: ٦] عتت على الخزان) قال الحافظ (١): كذا في تفسيره وهذا في سورة الحاقة وإنما ذكر ها هنا استطرادًا لما ذكر قوله: ﴿عُتُوًّا﴾ [الفرقان: ٢١]، وقد تقدم ذكر هذا في قصة هود من أحاديث الأنبياء، انتهى.
وكتب الشيخ في "اللامع" (٢) هناك: قوله: "عتت على الخزان" أي: بإذن منه تعالى، انتهى. فأجاد الشيخ قُدِّس سرُّه في دفع ما يتوهم من عدوان الريح على الخزان؛ لأنها كيف عتت عليهم، وفي "تقرير مولانا محمد حسن المكي": قوله: "عتت" يعني إنما قال للريح عاتية لأنها عتت على خزنتها كأن خزنتها لم تقدر على إمساكها، انتهى.
(١ - باب قوله: ﴿الَّذِينَ يُحْشَرُونَ عَلَى وُجُوهِهِمْ إِلَى جَهَنَّمَ﴾ [الفرقان: ٣٤])
قال الحافظ (٣): قوله: "إن رجلًا قال: يا نبي الله" لم أقف على اسم السائل، وسيأتي شرح الحديث مستوفى في كتاب الرقاق إن شاء الله تعالى.
(يحشر الكافر) في رواية الحاكم من وجه آخر عن أنس: "سئل رسول الله ﷺ : يحشر أهل النار على وجوههم؟ "، وفي حديث أبي هريرة عند البزار: "يحشر الناس على ثلاثة أصناف: صنف على الدواب، وصنف على أقدامهم، وصنف على وجوههم، فقيل: فكيف يمشون على وجوههم؟ " الحديث، ويؤخذ من مجموع الأحاديث أن المقربين يحشرون ركبانًا ومن دونهم من المسلمين على أقدامهم، وأما الكفار فيحشرون على وجوههم، انتهى من "الفتح".
стр. 2550
(٢ - باب قوله: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾ الآية [الفرقان: ٦٨])
قوله: (﴿يَلْقَ أَثَامًا﴾ العقوبة) قال أبو عبيدة في قوله: ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا﴾ [الفرقان: ٦٨] أي: عقوبة، وقال عبد الرزاق عن معمر عن قتادة: ﴿يَلْقَ أَثَامًا﴾ قال: نكالًا، قال: ويقال: إنه وادٍ في النار، وهذا الأخير أخرجه ابن أبي حاتم عن عبد الله بن عمرو وعكرمة وغيرهما، انتهى من "الفتح" (١).
قوله: (نزلت هذه الآية تصديقًا لقول رسول الله ﷺ . . .) إلخ، هكذا قال ابن مسعود، والقتل والزنا في الآية مطلقان وفي الحديث مقيدان وأما القتل فبالولد خشية الأكل معه، وأما الزنا فبزوجة الجار، والاستدلال لذلك بالآية سائغ لأنها وإن وردت في مطلق الزنا والقتل لكن القتل بذا والزنا بهذه أكبر وأفحش، وقد روى أحمد من حديث المقداد بن الأسود، قال: قال رسول الله ﷺ : "ما تقولون في الزنا؟ قالوا: حرام، قال: لأن يزني الرجل بعشرة نسوة أيسر عليه من أن يزني بامرأة جاره"، انتهى من "الفتح" (٢).
(٣ - باب قوله: ﴿يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [الفرقان: ٦٩]. . .) إلخ
قرأ الجمهور بالجزم في ﴿يُضَاعَفْ﴾ ﴿وَيَخْلُدْ﴾ بدلًا من الجزاء في قوله: ﴿يَلْقَ أَثَامًا﴾ بدل اشتمال، وقرأ ابن عامر وأبو بكر عن عاصم بالرفع على الاستئناف، انتهى (٣).
стр. 2551
(٤ - باب قوله: ﴿إلا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا﴾ [الفرقان: ٧٠])
قوله: (عن هاتين الآيتين: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا﴾ الآية [النساء: ٩٣]. . ." إلخ، هكذا أورده مختصرًا وسياق مسلم من هذا الوجه أتم، وأتم منهما ما تقدم في المبعث من رواية جرير بلفظ: هاتين الآيتين ما أمرهما التي في سورة الفرقان: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾ [الفرقان: ٦٨] والتي في سورة النساء: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا﴾ قال: سألت ابن عباس فقال: لما نزلت التي في سورة الفرقان قال مشركو مكة: قد قتلنا النفس ودعونا مع الله إلهًا آخر وأتينا الفواحش، قال: فنزلت ﴿إلا مَنْ تَابَ﴾ الآية، قال: فهذه لأولئك، قال: وأما التي في سورة النساء فهو الذي قد عَرَفَ الإسلام ثم قتل مؤمنًا متعمدًا فجزاؤه جهنم لا توبة له، قال: فذكرت ذلك لمجاهد فقال: إلا من ندم.
وحاصل ما في هذه الروايات: أن ابن عباس كان تارة يجعل الآيتين في محل واحد فلذلك يجزم بنسخ إحداهما، وتارة يجعل محلهما مختلفًا، ويمكن الجمع بين كلاميه بأن عموم التي في الفرقان خصّ منها مباشرة المؤمن القتل متعمدًا، وكثير من السلف يطلقون النسخ على التخصيص، وهذا أولى من حمل كلامه على التناقض وأولى من دعوى أنه قال بالنسخ ثم رجع عنه، وقول ابن عباس بأن المؤمن إذا قتل مؤمنًا متعمدًا لا توبة له مشهور عنه، وقد جاء عنه في ذلك ما هو أصرح مما تقدم، ثم ذكر الحافظ رواية أحمد بطولها وفيه: أفرأيت إن تاب وآمن وعمل عملًا صالحًا ثم اهتدى؟ قال: وأنى له التوبة والهدى، وجاء على وفق ما ذهب إليه ابن عباس في ذلك أحاديث كثيرة.
وقد حمل جمهور السلف وجميع أهل السُّنَّة ما ورد من ذلك على التغليظ، وصححوا توبة القاتل كغيره، وقالوا: معنى قوله: ﴿فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ﴾ [النساء: ٩٣] أي: إن شاء الله أن يجازيه، لقوله تعالى في سورة
стр. 2552
النساء أيضًا: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨] ومن الحجة في ذلك حديث الإسرائيلي الذي قتل تسعة وتسعين نفسًا ثم أتى تمام المائة فقال له: لا توبة لك، فقتله فأكمل به مائة، ثم جاء آخر فقال: ومن يحول بينك وبين التوبة، الحديث، وهو مشهور سيأتي في الرقاق واضحًا، وإذا ثبت ذلك لمن قبل من غير هذه الأمة فمثله لهم أولى لما خفف الله عنهم من الأثقال التي كانت على من قبلهم، انتهى من "الفتح" (١).
(٥ - باب قوله: ﴿فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَامًا﴾ [الفرقان: ٧٧]: هَلَكَةً)
قال الحافظ (٢): قال أبو عبيدة في قوله: ﴿فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَامًا﴾ أي: جزاء يلزم كل عامل بما عمل، وله معنى آخر: يكون هلاكًا، انتهى.
قال العيني (٣): وقال الثعلبي، اختلف في اللزام فقيل: يوم بدر قتل منهم سبعون وأسر سبعون وقيل: عذاب القبر، وقال ابن جرير: عذابًا دائمًا لازمًا وهلاكًا مستمرًا، وقال في شرح الحديث: ﴿فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَامًا﴾ قيل: هو القحط، وقيل: هو التصاق القتلى بعضهم ببعض في بدر، وقيل: هو الأسر فيه وقد أسر سبعون قرشيًا فيه، والحديث مرَّ في كتاب الاستسقاء، انتهى.
(٢٦) سورة الشعراء
وفي نسخ الشروح الثلاثة بزيادة "بسم الله الرحمن الرحيم" بعد السورة.
قال القسطلاني (٤): سقط لفظ "سورة" والبسملة لغير أبي ذر، "قال مجاهد" فيما وصله الفريابي في قوله تعالى: ﴿تَعْبَثُونَ﴾ من قوله: ﴿أَتَبْنُونَ
стр. 2553
بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ﴾ [الشعراء: ١٢٨] أي: (تبنون) وقال الضحاك ومقاتل: هو الطريق، قال ابن عباس: كانوا يبنون بكل ريع عليًا يعبثون فيه بمن يمر في الطريق إلى هود ﵇، وقيل: كانوا يبنون الأماكن المرتفعة ليعرف بذلك غناهم فنهوا عنه، ونسبوا إلى العبث، انتهى.
وفي "الفتح" (١): وقيل: كانوا يهتدون في الأسفار بالنجوم ثم اتخذوا أعلامًا في أماكن مرتفعة ليهتدوا بها، وكانوا في غنية عنها بالنجوم فاتخذوا البنيان، عبثًا، انتهى.
قال العيني (٢): وقال الكرماني: كانوا يبنون بروجًا للجمامات يعبثون بها، والريع المرتفع من الأرض، انتهى.
قوله: (﴿هَضِيمٌ﴾ يتفتت إذا مُسّ) أي: في قوله: ﴿فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (١٤٧) وَزُرُوعٍ وَنَخْلٍ طَلْعُهَا هَضِيمٌ﴾ [الشعراء: ١٤٧، ١٤٨] و"مس" بضم الميم وتشديد السين المهملة مبنيًا للمفعول، وهذا قاله مجاهد أيضًا، وقال ابن عباس: هو اللطيف، وقال عكرمة: اللين، وقيل: "هضيم"، أي: يهضم الطعام وكل هذا للطافته، انتهى من "القسطلاني" (٣).
وكتب الشيخ قُدِّس سرُّه في "اللامع" (٤): "هضيم يتفتت" يعني: أن إطلاق الهضيم عليه باعتبار صلاحه للتفتت والهضم لا أنه هضيم بالفعل.
وقوله: (الليكة والأيكة جمع أيكة) قرئ بهما والليكة هي الأيكة إلا أنها خففت الهمزة. وإطلاق الجمع على المعرف باللام من حيث إن اللام إما أن تكون للعهد، والمعهود هي أشجارهم التي كانوا سكنوها، أو اللام للاستغراق، فكأنها لاجتماعها والتفافها كأنها هي الشجر لا غير، انتهى من "اللامع".
وفي هامشه: قوله: قرئ بهما، وهو كذلك ففي "الجلالين" في قوله
стр. 2554
تعالى: ﴿كَذَّبَ أَصْحَابُ الْأَيْكَةِ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الشعراء: ١٧٦]: وفي قراءة بحذف الهمزة وإلقاء حركتها على اللام وفتح الهاء، انتهى.
وبسط علماء التفسير في هذه الكلمة وإعرابها وقال صاحب "الجمل": قد وقع لفظ الأيكة في القرآن أربع مرات: في الحجر، وفي ق، وما ها هنا، أي: في الشعراء، وفي ص، والأوّلان بأل والجر لا غير، والآخران يقرآن بأل وبالجر وبالتصرف الذي قاله الشارح ها هنا مع فتح التاء مع أن الكل مجرورات لإضافة لفظ "أصحاب" إليها، انتهى.
وفي "تقرير البنجابي": الأيكة جمع أيكة، يعني: أدخل على أيكة لام الاستغراق، انتهى.
وفي "الجمل" في شرح قول الجلال: وإلقاء حركتها على اللام: وهذا الصنيع يقتضي أن اللام الموجودة لام التعريف وحينئذ لا يصح قوله: وفتح الهاء إذ الاسم المقرون بأل سواء كانت معرّفة أو غيرها يجر بالكسرة سواء وقع فيه نقل أو لا، وبعضهم وجّه فتح الهاء بأن الاسم بوزن ليلة فاللام بنية الكلمة ولا نقل بل حركة اللام أصلية فجره بالفتحة حينئذ ظاهر، انتهى.
قوله: (وهي جميع شجر) كتب الشيخ (١): ترجمة المفرد لا الجميع، ومعنى الجميع المجموع، انتهى.
وفي هامشه: هذا غاية توجيه لكلام البخاري، وإلا فكلام البخاري هذا منتقد عند جميع الشرَّاح كما تقدم البسط في ذلك في مقدمة "اللامع" وفي "تقرير مولانا محمد حسن المكي": قوله: جمع أيكة، أي: جماعة أشجار، فأيكة بمعنى مطلق الأشجار، والجمع بمعنى الجماعة، وقوله: "وهي" أي: الأيكة بمعناه الحقيقي (٢)، وفيه تكلف، والظاهر أنه أراد أن الليكة والأيكة، أي: معرفين بلام الاستغراق جمع أيكة نكرة باعتبار المعنى، وإن كان هذا المعنى غير مراد ها هنا لأن أصحاب الأيكة لقب لهم، انتهى.
стр. 2555
قال القسطلاني (١): قوله: "والإيكة" بألف وصل وسكون اللام وبعدها همزة مكسورة جمع أيكة، ولأبي ذر جمع الأيكة وهي جمع شجر، وكان شجرهم الدوم وهو المقل.
قال العيني: الصواب أن الليكة والأيكة جمع أيك، وكيف يقال: الأيكة جمع أيكة، انتهى.
وتقدم التوجيه من كلام الشيخ قُدِّس سرُّه.
(١ - باب قوله: ﴿وَلَا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ﴾ [الشعراء: ٨٧])
سقط "باب" لغير أبي ذر.
قوله: (إن إبراهيم يرى أباه. . .) إلخ، كذا أورده مختصرًا، ولفظ النسائي: و"عليه الغبرة والقترة فقال له: لقد نهيتك عن هذا فعصيتني قال: لكني لا أعصيك اليوم" فعرف من هذا أن قوله: والغبرة هي القترة من كلام المصنف وأخذه من كلام أبي عبيدة، وأنه قال في تفسير سورة يونس: ﴿وَلَا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلَا ذِلَّةٌ﴾ [يونس: ٢٦] القتر الغبار، وأنشد لذلك شاهدين، قال ابن التِّين: وعلى هذا فقوله في سورة عبس: ﴿غَبَرَةٌ (٤٠) تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ﴾ [عبس: ٤٠، ٤١] تأكيد لفظي كأنه قال: غبرة فوقها غبرة، وقال غير هؤلاء: القترة ما يغشى الوجه من الكرب، والغبرة ما يعلوه من الغبار، أحدهما حسّيّ والآخر معنوي، وقيل: القترة شدة الغبرة بحيث يسوِّد الوجه، وقيل: القترة سواد الدخان فاستعير هنا، انتهى من "الفتح" (٢).
(٢ - باب قوله: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ (٢١٤) وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ﴾ [الشعراء: ٢١٤، ٢١٥]: أَلِنْ جَانِبَكَ)
هو قول أبي عبيدة، وزاد: "وكلامك".
قوله: (عن ابن عباس قال: لما نزلت. . .) إلخ، هذا من مراسيل
стр. 2556
الصحابة، وبذلك جزم الإسماعيلي؛ لأن أبا هريرة أسلم بالمدينة، وهذه القصة وقعت بمكة، وابن عباس كان حينئذ إما لم يولد وإما طفلًا، ويؤيد الثاني نداء فاطمة؛ فإنه يشعر بأنها كانت حينئذ بحيث تخاطب بالأحكام، وقد قدمت في "باب من انتسب إلى آبائه" في أوائل السيرة النبوية احتمال أن تكون هذه القصة وقعت مرتين، لكن الأصل عدم تكرار النزول، وقد صرَّح في هذه الرواية بأن ذلك وقع حين نزلت، نعم وقع عند الطبراني من حديث أبي أمامة قال: "لما نزلت ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ﴾ جمع رسول الله ﷺ بني هاشم ونسائه وأهله فقال: يا بني هاشم اشتروا أنفسكم من النار واسعوا في فكاك رقابكم، يا عائشة بنت أبي بكر، يا حفصة بنت عمر، يا أم سلمة" فذكر حديثًا طويلًا، فهذا إن ثبت دلّ على تعدد القصة؛ لأن القصة الأولى وقعمت بمكة لتصريحه في حديث الباب أنه صعد الصفا، ولم تكن عائشة وحفصة وأم سلمة عنده من أزواجه إلا بالمدينة فيجوز أن تكون متأخرة عن الأولى، فيمكن أن يحضرها أبو هريرة وابن عباس أيضًا، ويحمل قوله: "لما نزلت جمع. . ." إلخ، أي: بعد ذلك، لا أن الجمع وقع على الفور، ولعله كان نزل أولًا ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ فجمع قريشًا فعمّ ثم خصّ كما سيأتي، ثم نزل ثانيًا، "ورهطك منهم المخلصين" فخص بذلك بني هاشم ونسائه والله أعلم.
وفي هذه الزيادة تعقب على النووي حيث قال في "شرح مسلم": إن البخاري لم يخرجها أعني "ورهطك منهم المخلصين" اعتمادًا على ما في هذه السورة، وأغفل كونها موجودة عند البخاري في سورة تبت.
قوله: (لما نزلت ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾) زاد في تفسير تبّت من رواية أبي أسامة عن الأعمش بهذا السند "ورهطك منهم المخلصين" وهذه الزيادة وصلها الطبري من وجه آخر عن بهمرو بن مرة أنه كان يقرأها كذلك، قال القرطبي: لعل هذه الزيادة كانت قرآنًا فنسخت
стр. 2557
تلاوتها، إلى آخر ما في "الفتح" (١).
(٢٧) سورة النَّمْل
كذا في النسخة "الهندية" و"القسطلاني"، وفي نسخة "الفتح" و"العيني" "سورة النمل" مع زيادة البسملة بعد السورة.
قال القسطلاني (٢): ولأبي ذر: "سورة النمل، بسم الله الرحمن الرحيم" وسقطت البسملة لغير أبي ذر، وللنسفي تقديمها، انتهى.
قال العلامة العيني (٣): ذكر القرطبي وغيره أنها مكية بلا خلاف، وعند السخاوي: نزلت قبل القصص وبعد القصص سبحان، انتهى.
قوله: (﴿الْخَبْءَ﴾ [النمل: ٢٥] ما خبأت) في رواية غير أبي ذر "والخبأ" بزيادة واو في أوله، وهذا قول ابن عباس أخرجه الطبري من طريق علي بن أبي طلحة عنه قال: ﴿يُخْرِجُ الْخَبْءَ﴾ يعلم كل خفية في السماوات والأرض، وقال الفراء في قوله: ﴿يُخْرِجُ الْخَبْءَ﴾ أي: الغيث من السماء والنبات من الأرض، قال: و"في" هنا بمعنى "من" وهو كقولهم: ليستخرجن العلم فيكم، أي: الذي منكم، وقرأ ابن مسعود "يخرج الخبء من" بدل "في"، وروى عبد الرزاق عن قتادة قال: الخبء السر، ولابن أبي حاتم من طريق مجاهد قال: الغيث، ومن طريق سعيد بن المسيب قال: الماء، انتهى من "الفتح" (٤).
قوله: (﴿مُسْلِمِينَ﴾ طائعين)، كتب الشيخ قُدِّس سرُّه في "اللامع" (٥): إنما فسره به لئلا يلزم أنه أجبرها أولًا على الإسلام مع أن الحكم أنه يقبل منهم إذا بذلوا الجزية، فإذا فسر الإسلام بالانقياد شمل الأمرين كليهما، انتهى.
стр. 2558
وذكر في هامشه كلام الشرَّاح وأهل التفسير فارجع إليه لو شئت، وكتب الشيخ أيضًا: قوله: ﴿وَأُوتِينَا الْعِلْمَ﴾ [النمل: ٤٢] يقوله: سليمان" هذا على ما ذهب إليه المفسرون ظاهر من أنه قول سليمان، وأما إذا كان هذه مقولة بلقيس لا غير أمكن إرجاع هذا التفسير إلى قوله: ﴿وَأُوتِينَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [النمل: ١٦] فاكتفى بالتفسير ولم يذكر المفسر، انتهى من "اللامع".
وبسط في هامشه الكلام في إيضاح هذا المقام فارجع إليه.
وقال الحافظ (١): قوله: " ﴿وَأُوتِينَا الْعِلْمَ﴾ يقوله: سليمان" وصله الطبري من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد بهذا، ونقل الواحدي أنه من قول بلقيس قالته مُقِرَّةً بصحة نبوة سليمان والأول هو المعتمد، انتهى.
(٢٨) القَصَص
وهكذا في نسخة "القسطلاني" بإسقاط البسملة ولفظ السورة، وفي نسخة "الفتح" و"العيني" بإثباتهما.
قال الحافظ (٢): سقطت سورة والبسملة لغير أبي ذر والنسفي، انتهى.
قال العيني (٣): قال أبو العباس: هي مكية إلا آية نزلت بالجحفة وهي قوله: ﴿إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ﴾ [القصص: ٨٥] أي: إلى مكة، وعن ابن عباس: إلى الموت، وعنه: إلى يوم القيامة، وعنه: إلى بيت المقدس، وعن أبي سعيد الخدري ﵁: إلى الجنّة، انتهى.
وقال القسطلاني (٤): مكية، وقيل: إلا قوله: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ﴾ إلى ﴿الْجَاهِلِينَ﴾ [القصص: ٥٢ - ٥٥]، انتهى.
قوله: (﴿إلا وَجْهَهُ﴾ [القصص: ٨٨] إلا ملكه) في رواية النسفي: "وقال معمر" فذكره، ومعمر هذا هو أبو عبيدة بن المثنى وهذا كلامه في كتابه
стр. 2559
"مجاز القرآن" لكن بلفظ "إلا هو" وكذا نقله الطبري عن بعض أهل العربية وكذا ذكره الفراء، وقال ابن التِّين: قال أبو عبيدة: ﴿إلا وَجْهَهُ﴾ أي: جلاله، وقيل: إلا إياه، تقول: أكرم الله وجهك، أي: أكرمك الله، انتهى من "الفتح" (١).
(١ - باب قوله: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ [القصص: ٥٦])
قال الحافظ (٢): لم تختلف النقلة في أنها نزلت في أبي طالب، واختلفوا في المراد بمتعلق ﴿أَحْبَبْتَ﴾ فقيل: المراد أحببت هدايته، وقيل: أحببته هو لقرابته منك.
قوله: (لما حضرت أبا طالب الوفاة. . .) إلخ، قال الكرماني (٣): المراد علاماتها وإلا فلو كان انتهى إلى المعاينة لم ينفعه الإيمان لو آمن، ويدل على الأول ما وقع من المراجعة بينه وبينهم، انتهى.
ويحتمل أن يكون انتهى إلى تلك الحالة لكن رجا النبي ﷺ أنه إذا أقر بالتوحيد ولو في تلك الحالة أن ذلك ينفعه بخصوصه وتسوغ شفاعته ﷺ لمكانه منه، ولهذا قال: "أجادل لك بها وأشفع لك" ويؤيد الخصوصية أنه بعد ما امتنع من الإقرار بالتوحيد وقال: "هو على ملة عبد المطلب" ومات على ذلك أن النبي ﷺ لم يترك الشفاعة له بل شفع له حتى خفف عنه العذاب بالنسبة لغيره، وكان ذلك من الخصائص في حقه، انتهى من "الفتح" (٤).
وقال القسطلاني (٥) في شرح الحديث: قوله: "فأنزل الله ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾ [التوبة: ١١٣] " إلخ، واستشكل هذا بأن وفاة أبي طالب
стр. 2560
وقعت قبل الهجرة بمكة بغير خلاف، وقد ثبت أن النبي ﷺ أتى قبر أمه لما اعتمر فاستأذن ربه أن يستغفر لها فنزلت هذه الآية، رواه الحاكم وابن أبي حاتم عن ابن مسعود، والطبراني عن ابن عباس، وفي ذلك دلالة على تأخر نزول الآية عن وفاة أبي طالب، والأصل عدم تكرار النزول، وأجيب باحتمال تأخر نزول الآية وإن كان سببها تقدم، ويكون لنزولها سببان: متقدم وهو أمر أبي طالب، ومتأخر وهو أمر آمنة، ويؤيد تأخر النزول ما في سورة براءة من استغفاره ﵊ للمنافقين حتى نزل النهي عنه، قاله في "الفتح"، قال: ويرشد إلى ذلك قوله: "وأنزل الله في أبي طالب فقال. . ." إلخ، ففيه إشعار بأن الآية الأولى نزلت في أبي طالب وغيره، والثانية نزلت فيه وحده، انتهى.
قوله: (أم القرى: مكة وما حولها) كتب الشيخ قُدِّس سرُّه في "اللامع" (١): فإن أم القرى يطلق على قرية جامعة كبيرة واقعة بين قرى صغار واقعة حولها إلا أن مكة لما كانت كبيرة ما بين القرى الواقعة حولها أطلق عليها ذلك الاسم ثم غلب استعماله عليه لورود هذه الصفة لها في القرآن، انتهى.
وبسط في هامشه الكلام على تسمية مكة بأم القرى فارجع إليه لو شئت.
قوله: (وَيْكَ أَنَّ الله) كتب الشيخ في "اللامع" (٢): كتبهما منفردين ليطابق بينه وبين تفسيره حيث قال: "مثل ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ﴾ " أي: في كونهما لفظين، فويك كلمة وأنّ كلمة أخرى، انتهى.
وفي هامشه: وهما كذلك منفردين في النسخ الهندية، وما في النسخ المصرية من المتون والشروح كتبه متصلة ﴿وَيْكَأَنَّ﴾ [القصص: ٨٢] وهكذا تقدم في كتاب الأنبياء متصلة، فالظاهر أن ما ها هنا من الانفراد من تصرف النساخ.
стр. 2561
وفي "الجمل" (١): ولم يرسم في [القرآن] إلا ويكأن وويكأنه متصلة في الموضعين فعامة القراء اتبعوا الرسم والكسائي وقف على "وَيْ" وأبو عمرو على "ويك" كذا في "السمين"، وفي الخطيب: هذه الكلمة والتي بعدها متصلة بإجماع المصاحف واختلف القراء في الوقف، انتهى.
قلت: وتقدم قول البخاري هذا في كتاب الأنبياء في "باب قوله: ﴿إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى﴾ " [القصص: ٧٦].
وكتب الشيخ قُدِّس سرُّه هناك (٢): والغرض منه بيان المماثلة بينهما في أن كلًّا منها كلمتان، فقوله: "ويك" كلمة كقوله: "ألم تر" والباقي منه كالباقي منه، وهذا ردّ لما يتوهم من أن الكاف على حدة وقوله: "وي" كلمة مستقلة، وقوله: "يبسط" كلام على حدة مما قبله، انتهى.
وبسط في هامشه أقوال المفسرين في تفسير هذا اللفظ فارجع إليه لو شئت.
(٢ - باب قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ﴾ [القصص: ٨٥])
سقطت الترجمة لغير أبي ذر.
قوله: (﴿لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ﴾ قال: إلى مكة) هكذا في هذه الرواية، وروى عبد الرزاق عن معمر عن قتادة قال: كان ابن عباس يكتم تفسير هذه الآية، وروى الطبري من وجه آخر عن ابن عباس قال: ﴿لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ﴾ قال: إلى الجنّة، وإسناده ضعيف، ومن وجه آخر قال: إلى الموت، وأخرجه ابن أبي حاتم وإسناده لا بأس به، ومن طريق مجاهد قال: يحييك يوم القيامة، انتهى من "الفتح" (٣).
وتقدم الأقوال في تفسيره في أول هذه السورة.
стр. 2562
(٢٩) العَنْكَبُوت
وهكذا في نسخة "القسطلاني" بدون البسملة ولفظ السورة، وفي نسخة الحافظين بزيادتهما.
قال الحافظ (١): سقطت السورة والبسملة لغير أبي ذر، انتهى.
وقال العيني (٢): وهي مكية، وقال ابن عباس: فيها اختلاف في سبع عشرة آية فذكرها، وقال مقاتل: نزلت ﴿الم (١) أَحَسِبَ النَّاسُ﴾ [العنكبوت: ١، ٢] في مهجع بن عبد الله مولى عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه أول قتيل من المسلمين يوم بدر رماه ابن الحضرمي بسهم فقتله، وهو أول من يدعى إلى الجنّة من شهداء أمة محمد ﷺ ، وقال السخاوي: نزلت بعد ﴿الم (١) غُلِبَتِ الرُّومُ﴾ [الروم: ١، ٢] وقبل سورة المطففين.
قوله: (قال مجاهد: ﴿وَكَانُوا مُسْتَبْصِرِينَ﴾ [العنكبوت: ٣٨] ضللة) أي: في قوله تعالى: ﴿فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَكَانُوا مُسْتَبْصِرِينَ﴾.
قوله: (ضللة) جمع ضال، قاله الكرماني، وفيه ما فيه، والصواب ضلالة، وكذا هو في عامة النسخ، وفي التفسير ﴿مُسْتَبْصِرِينَ﴾ يعني: في الضلالة، وعن قتادة: مستبصرين في ضلالتهم معجبين بها، وعن الفراء: عقلاء ذوي بصائر، وعن الضحاك والكلبي ومقاتل: حسبوا أنهم على الحق والهدى وهم على الباطل، انتهى.
قال القسطلاني (٣): والمعنى أنهم كانوا عند أهلهم مستبصرين، وقال في "الأنوار": أي متمكنين من النظر والاستبصار ولكنهم لم يفعلوا، وفي نسخة "ضلالة" بألف بين اللامين، انتهى.
قوله: (وقال غيره: الحيوان والحي واحد) كما في نسخة الحاشية، قال الحافظ (٤): ثبت هذا لأبي ذر وحده، وللأصيلي: "الحيوان والحياة واحد"
стр. 2563
وهو قول أبي عبيدة قال: الحيوان والحياة واحد، وزاد: منه قولهم: نهر الحيوان، أي: نهر الحياة، وتقول: حييت حيًّا، والحيوان والحياة اسمان منه، وللطبري من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد في قوله تعالى: ﴿لَهِيَ الْحَيَوَانُ﴾ [العنكبوت: ٦٤] قال: لا موت فيها، انتهى.
(٣٠) - الم غُلِبَتِ الرُّوم
كذا في النسخة "الهندية" وكذا في نسخة "القسطلاني" بغير زيادة "سورة" وبغير البسملة، وفي نسخة "العيني" بزيادة لفظ "سورة" والبسملة، وفي نسخة "الفتح": "سورة الروم" ثم ذكر البسملة، قال الحافظ (١): سقطت "سورة" والبسملة لغير أبي ذر.
قال العلامة العيني (٢): وهي مكية وفيها اختلاف في آيتين: ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ﴾ [لقمان: ٢٧] فذكر السدي أنها نزلت بالمدينة، وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾ [لقمان: ٣٤]، انتهى.
قلت: كذا قال وفيه سبق قلم ولعله التبس عليه هذه السورة بالآتية فإن هاتين الآيتين في سورة لقمان، وسيأتي هذا الكلام بعينه هناك.
وقال القسطلاني (٣): هي مكية إلا قوله: ﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ﴾ الآية [الروم: ١٧]، انتهى.
قال العيني (٤): وقال السخاوي: نزلت بعد ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾ وقبل العنكبوت، ثم قال: والروم اثنان: الأول من ولد يافث بن نوح ﵇ وهو رومي بن لنطي بن يونان بن يافث، والثاني الذي رجع إليهم الملك من ولد رومي بن لنطي من ولد عيص بن إسحاق ﵇ غلبوا على اليونانين فبطل ذكر الأولين، وغلب هؤلاء على الملك، وروى
стр. 2564
الواحدي من حديث الأعمش عن عطية عن أبي سعيد الخدري قال: لما كان يوم بدر ظهرت الروم على فارس فأعجب بذلك المؤمنون فنزلت: ﴿الم (١) غُلِبَتِ الرُّومُ﴾ [الروم: ١، ٢] إلى أن قال: ﴿يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [الروم: ٤] بظهور الروم على أهل فارس، انتهى.
قوله: (﴿فَلَا يَرْبُو﴾ [الروم: ٣٩] من أعطى يبتغي أفضل فلا أجر له فيها) وصله الطبري من ابن أبي نجيح عن مجاهد في قوله: ﴿وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ﴾ [الروم: ٣٩] قال: يعطي ماله يبتغي أفضل منه، وقال عبد الرزاق عن عبد العزيز بن أبي رواد عن الضحاك في هذه الآية، قال: هذا هو الربا الحلال يهدي الشيء ليصاب أفضل منه ذاك لا له ولا عليه، وأخرجه ابن أبي حاتم من وجه آخر عن عبد العزيز وزاد: ونهى النبي ﷺ عنه خاصة، ومن طريق إسماعيل بن أبي خالد عن إبراهيم قال: هذا في الجاهلية كان يعطي الرجل قرابته المال يكثر به ماله، إلى آخر ما في "الفتح" (١).
قال الحافظ (٢): ثم ذكر المصنف حديث ابن مسعود في دعاء النبي ﷺ على قريش بالسنين وسؤالهم له الدعاءَ برفع القحط، وقد تقدم شرح ذلك في الاستسقاء، ويأتي ما يتعلق بالذي وقع في صدر الحديث من الدخان في تفسير سورة الدخان إن شاء الله، انتهى.
كتب الشيخ في "اللامع" (٣): وإنما أنكر ابن مسعود على القاصّ بيانَ هذا الدخان في تفسير الآية لأن المذكور في الآية غير المذكور فيما ذكره الراوي من الرواية، وهو وإن كان صحيحًا في نفسه إلا أنه لم يصح ذكره في تفسير الآية، لا أن ابن مسعود لم يبلغه الرواية أصلًا فأنكر ذلك لأنه أرفع شأنًا من أن يظن به خفاء الرواية عليه، انتهى.
стр. 2565
وفي هامشه: ما أفاده الشيخ قُدِّس سرُّه جدير بجلالة شأن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه، ويؤيده ما سيأتي من الروايات عن ابن مسعود في تفسير سورة الدخان، لكن الظاهر من سياق حديث الباب الردّ من ابن مسعود على القاصّ مطلقًا فإن القاصّ لم يذكره في تفسير الآية بل ذكره في علامات القيامة، وقد أشبع الشيخ قُدِّس سرُّه الكلام على هذا الحديث في "الكوكب الدري" مع ما علّقت عليه.
فكتب الشيخ قُدِّس سرُّه في "الكوكب" (١) في تفسير سورة الدخان: قد ورد ذلك في الرواية وعُدّ من أشراط الساعة واختلف في تفسير الآية ﴿يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ﴾ [الدخان: ١٠] وتعيين المراد بالدخان فيها، فالصحيح الذي لا يحول حماه الريب ويكون مطابقًا للسياق والسباق من غير رجم غيب هو الذي أراد ابن مسعود وإن كان يصح حمل الآية على ما ذكره القاصّ أيضًا؛ فإنه يبقى أربعين يومًا ثم يكشف بعد ذلك، والقول الثالث الذي قيل: إنه يكون بعد الحشر، قال أصحابه: إنه على التقدير، أي: لو كشفنا عنهم العذاب لعادوا، وإنما ردّ ابن مسعود على القاصّ قوله ذلك ظنًا منه أنه إنما ذكر ما ذكر من غير أن يستند ذلك إلى نقل عن النبي ﷺ ، فظاهر أن وقائع نزول الآيات لا دخل فيها للعقل وإنما هي منوطة بالرواية والنقل، ولم يكن قصد ابن مسعود ردّ الرواية التي ذكرها القاصّ فإنها مسلّمة، بل المقصود الردّ على كون ذلك الدخان الذي هو من أشراط الساعة مراد الآية، فإن مساق الكلام آب عنه، انتهى.
قلت: ذكر المصنف حديث الباب مختصرًا في تفسير سورة الدخان.
قال الحافظ (٢): قد تقدم سبب قول ابن مسعود هذا في سورة الروم، وقد جرى البخاري على عادته في إيثار الخفي على الواضح، فإن هذه السورة كانت أولى بإيراد هذا السياق من سورة الروم لما تضمنته من ذكر
стр. 2566
الدخان، لكن هذه طريقته يذكر الحديث في موضع ثم يذكره في الموضع اللائق به عاريًا عن الزيادة اكتفاء بذكرها في الموضع الآخر، شحذًا للأذهان وبعثًا على مزيد الاستحضار.
وهذا الذي أنكره ابن مسعود قد جاء عن علي، فأخرج عبد الرزاق وابن أبي حاتم من طريق الحارث عن علي قال: "آية الدخان لم تمض بعد، يأخذ المؤمن كهيئة الزكام، وينفخ الكافر حتى ينفد"، ويؤيد كون آية الدخان لم تمض ما أخرجه مسلم من حديث أبي شريحة رفعه: "لا تقوم الساعة حتى تروا عشر آيات: طلوع الشمس من مغربها، والدخان، والدابة" الحديث، وروى الطبري من حديث ربعي عن حذيفة مرفوعًا في خروج الآيات والدخان قال حذيفة: يا رسول الله! وما الدخان؟ فتلا هذه الآية قال: "أما المؤمن فيصيبه منه كهيئة الزكمة، وأما الكافر فيخرج من منخريه وأذنيه ودبره" وإسناده ضعيف أيضًا ثم ذكر الحافظ عدة روايات بأسانيد ضعاف، ثم قال: لكن تضافر هذه الأحاديث يدلّ على أن لذلك أصلًا، ولو ثبت طريق حديث حذيفة لاحتمل أن يكون هو القاص المراد في حديث ابن مسعود، انتهى.
قال القسطلاني (١): وهذا الذي قاله ابن مسعود وافقه عليه جماعة كمجاهد وأبي العالية وإبراهيم النخعي والضحاك وعطية العوفي، واختاره ابن جرير، لكن أخرج ابن أبي حاتم عن الحارث عن علي فذكر ما تقدم في كلام الحافظ، وأخرج أيضًا عن عبد الله بن أبي مليكة قال: غدوت على ابن عباس ذات يوم فقال: ما نمت الليلة حتى أصبحت، قلت: لم؟ قال: قالوا: طلع الكوكب ذو الذنب فخشيت أن يكون الدخان قد طرق، فما نمت حتى أصبحت.
قال الحافظ ابن كثير: وإسناده صحيح إلى ابن عباس حبر الأمة
стр. 2567
وترجمان القرآن، ووافقه عليه جماعة من الصحابة والتابعين مع الأحاديث المرفوعة من الصحاح والحسان مما فيه دلالة ظاهرة على أن الدخان من الآيات المنتظرة، وهو ظاهر قوله تعالى: ﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ﴾ [الدخان: ١٠] أي: بيِّن واضح، وعلى ما فسر به ابن مسعود إنما هو خيال رأوه في أعينهم من شدة الجوع والجهد، وكذا قوله: ﴿يَغْشَى النَّاسَ﴾ [الدخان: ١١]، أي: يعمهم، ولو كان خيالًا يخص مشركي مكة لما قيل: ﴿يَغْشَى النَّاسَ﴾، وأما قوله: ﴿إِنَّا كَاشِفُو الْعَذَابِ﴾ [الدخان: ١٥] أي: ولو كشفنا عنكم العذاب ورجعناكم إلى الدنيا لعدتم إلى ما كنتم فيه من الكفر والتكذيب، كقوله تعالى: ﴿وَلَوْ رَحِمْنَاهُمْ وَكَشَفْنَا مَا بِهِمْ مِنْ ضُرٍّ لَلَجُّوا﴾ [المؤمنون: ٧٥] وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ﴾ [الأنعام: ٢٨]، انتهى.
قلت: ذكر الحافظ (١) أثر ابن أبي مليكة وعزاه إلى عبد الرزاق ولفظه: قالوا: طلع الكوكب ذو الذنب فخشينا الدخان قد خرج، وهذا أخشى أن يكون تصحيفًا وإنما هو الدجال بالجيم الثقيلة واللام، انتهى.
(باب قوله: ﴿لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾ [الروم: ٣٠]: لِدِيْنِ الله، ﴿خُلُقُ الْأَوَّلِينَ﴾ [الشعراء: ١٣٧] دِيْنُ الأَوَّلِيْن)
قال العلامة العيني (٢): وليس في كثير من النسخ لفظ "باب".
قوله: (لدين الله) تفسير " ﴿لِخَلْقِ اللَّهِ﴾ " وكذا روى الطبري عن إبراهيم النخعي، وفي التفسير، أي: لدين الله، أي: لا يصح ذلك ولا ينبغي أن يفعل، ظاهره نفي ومعناه نهي، هذا قول أكثر العلماء، وفيه قول آخر أخرجه الطبري من طرق عن ابن عباس وعكرمة ومجاهد: لا تغيير لخلق الله تعالى من البهائم بالخصاء ونحوها.
стр. 2568
قوله: (﴿خُلُقُ الْأَوَّلِينَ﴾. . .) إلخ، أشار به إلى أن معنى قوله تعالى: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا خُلُقُ الْأَوَّلِينَ﴾ يعني: دين الأولين، وهكذا روي عن ابن عباس أخرجه ابن أبي حاتم من طريق علي بن أبي طلحة عنه، وهذا يؤيد الأول، وفيه قول آخر أخرجه ابن أبي حاتم من طريق الشعبي عن علقمة في قوله: ﴿خُلُقُ الْأَوَّلِينَ﴾ قال اختلاق الأولين، ومن طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد قال: كذبهم، ومن طريق قتادة قال: سيرتهم.
قوله: (الفطرة الإسلام) أشار به إلى قوله تعالى: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ الآية [الروم: ٣٠] وفسّر الفطرة بالإسلام وهو قول عكرمة، وقيل: الفطرة هنا الفقر والفاقة، انتهى بزيادة من "الفتح" (١).
(٣١) لُقْمَان
هكذا في النسخ الهندية، وفي نسخة الحافظين بزيادة لفظ "سورة والبسملة بعدها"، وفي نسخة "القسطلاني" بزيادة البسملة وبدون لفظ "السورة".
قال الحافظ (٢): سقطت "سورة والبسملة" لغير أبي ذر، وسقطت البسملة فقط للنسفي، انتهى.
قال العيني (٣): وهي مكية وفيها اختلاف في آيتين، إلى آخر ما تقدم في مبدء سورة الروم، ثم قال: وقال ابن النقيب: قال ابن عباس: هي مكية إلا ثلاث آيات نزلن بالمدينة، وعن الحسن: إلا آية واحدة وهي قوله : ﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾ [لقمان: ٤] لأن الصلاة والزكاة مدنيتان، انتهى.
زاد القسطلاني (٤)، وضعف لأنه لا ينافي شرعيتهما بمكة، ثم ذكر العيني ترجمة لقمان وقد تقدم في أحاديث الأنبياء فلا حاجة إلى إعادته.
стр. 2569
(١ - باب قوله تعالى: ﴿لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣])
هكذا في النسخة "الهندية" وليس في نسخ الشروح الثلاثة لفظ "باب".
قال الحافظ (١): ذكر فيه حديث ابن مسعود في تفسير قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ [الأنعام: ٨٢] وقد تقدم شرحه مستوفى في كتاب الإيمان، انتهى.
(٢ - باب قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾ [لقمان: ٣٤])
قال العلامة العيني (٢): هذه الآية نزلت في الوارث بن عمر من أهل البادية أتى النبي ﷺ يسأله عن الساعة ووقتها، وقال: أرضنا أجدبت فمتى ينزل الغيث؟ وقد تركت امرأتي حبلى فمتى تلد؟ وقد علمت أين ولدت فبأي أرض أموت؟ فأنزل الله هذه الآية، انتهى.
قال الحافظ (٣): ذكر فيه حديث أبي هريرة في سؤال جبريل عن الإيمان والإسلام وغير ذلك، وفيه: "خمس لا يعلمهن إلا الله" وقد تقدم شرح الحديث مستوفى في كتاب الإيمان، وسيأتي في التوحيد شيء يتعلق بذلك، ثم ذكر الحافظ ها هنا الكلام على معنى الحصر في قوله: "لا يعلمهن إلا الله" وأنه لا منافاة بينه وبين قوله: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا (٢٦) إلا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ﴾ [الجن: ٢٦، ٢٧] وغير ذلك من الآيات والروايات مما يتعلق بعلم الغيب فارجع إليه لو شئت.
(٣٢) سورة تنزيلُ السَّجْدَة
هكذا في النسخة "الهندية" وكذا في نسخة "القسطلاني"، وفي نسخة "الفتح" و"العيني": "سورة السجدة" مع البسملة أخيرًا،
стр. 2570
قال الحافظ (١): كذا لأبي ذر وسقطت البسملة للنسفي، ولغيرهما "تنزيل السجدة" حسب، انتهى.
قال العلامة العيني (٢): قال مقاتل: هي مكية وفيها من المدني ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ﴾ الآية [السجدة: ١٦] فإنها نزلت في الأنصار، قال السخاوي: نزلت بعد ﴿قَدْ أَفْلَحَ﴾ وقبل الطور، انتهى.
قوله: (وقال ابن عباس: ﴿الْجُرُزِ﴾ التي لا تمطر) أي: في تفسير قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَسُوقُ الْمَاءَ إِلَى الْأَرْضِ الْجُرُزِ﴾ [السجدة: ٢٧].
قال الحافظ (٣): وصله الطبري من طريق ابن أبي نجيح عن رجل عن مجاهد عنه مثله، وذكره الفريابي وإبراهيم الحربي في "غريب الحديث" من طريق ابن أبي نجيح عن رجل عن ابن عباس كذلك، زاد إبراهيم: وعن مجاهد قال: هي أرض أبين، وأنكر ذلك الحربي وقال: أبين مدينة معروفة باليمن، فلعل مجاهدًا قال ذلك في وقت لم تكن أبين تنبت فيه شيئًا، وأخرج ابن عيينة في تفسيره عن عمرو بن دينار عن ابن عباس في قوله: ﴿إِلَى الْأَرْضِ الْجُرُزِ﴾ قال: هي أرض باليمن، وقال أبو عبيدة: ﴿الْأَرْضِ الْجُرُزِ﴾: اليابسة الغليظة التي لم يصبها مطر، انتهى من "الفتح".
(١ - باب قوله: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ﴾ [السجدة: ١٧])
قرأ الجمهور ﴿أُخْفِيَ﴾ بالتحريك على البناء للمفعول، وقرأ حمزة بالإسكان فعلًا مضارعًا مسندًا للمتكلم، ويؤيده قراءة ابن مسعود "نخفي" بنون العظمة، وقرأها محمد بن كعب "أخفى" بفتح أوله وفتح الفاء على البناء للفاعل وهو الله، ونحوها قراءة الأعمش "أخفيت"، وذكر المصنف في آخر الباب أن أبا هريرة قرأ: "قُرّات أعين" بصيغة الجمع وبها قرأ ابن مسعود أيضًا وأبو الدرداء، قال أبو عبيدة: ورأيتها في المصحف الذي يقال له
стр. 2571
الإمام: ﴿قُرَّةَ﴾ بالهاء على الوحدة وهي قراءة أهل الأمصار.
قوله: (يقول الله تعالى: أعددت لعبادي) ووقع في حديث آخر أن سبب هذا الحديث أن موسى ﵊ سأل ربه: "من أعظم أهل الجنة منزلًا؟ فقال: غرست كرامتهم بيدي وختمت عليها، فلا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر" أخرجه مسلم والترمذي من طريق الشعبي: سمعت المغيرة بن شعبة على المنبر يرفعه إلى النبي ﷺ "أن موسى سأل ربه" فذكر الحديث بطوله وفيه هذا، وفي آخره: قال: "ومصداق ذلك في كتاب الله ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾ " [السجدة: ١٧].
قوله: (ولا خطر على قلب بشر) زاد ابن مسعود في حديثه: "ولا يعلمه ملك مقرب ولا نبي مرسل" أخرجه ابن أبي حاتم، وهو يدفع قول من قال: إنما قيل: البشر؛ لأنه يخطر بقلوب الملائكة، انتهى من "الفتح" (١).
قوله: (من بله ما أطلعتم عليه. . .) إلخ، قال الحافظ (٢): قال الخطابي: كأنه يقول: دع ما أطلعتم عليه فإنه سهل في جنب ما ادخر لهم، قلت: وهذا لائق بشرح "بله" بغير تقدم "من" عليها، وأما إذا تقدمت "من" عليها فقد قيل: هي بمعنى "كيف"، ويقال: بمعنى "أجل"، ويقال: بمعنى "غير" أو "سوى"، ويقال: بمعنى "فضل"، لكن قال الصغاني: اتفقت نسخ الصحيح على "من بله" والصواب إسقاط كلمة "من" وتعقب بأنه لا يتعين إسقاطها إلا إذا فسرت بمعنى "دع"، وأما إذا فسرت بمعنى "من أجل" أو "من غير" أو "سوى" فلا، وقد ثبت في عدة مصنفات خارج الصحيح بإثبات من، إلى آخر ما بسط الحافظ.
وكتب الشيخ قُدِّس سرُّه في "اللامع" (٣): كلمة "من" زائد و"بله" معناه حسب، أي: حسبكم ما ذكر في القرآن في تصديق ما قلته، انتهى.
стр. 2572
وذكر في هامشه ما تقدم من كلام الحافظ وفيه أيضًا: قال المجد في "القاموس" (١): بله، ككيف: اسم لدع، ومصدر بمعنى الترك، واسم مرادف لكيف، وما بعدها منصوب على الأول، مخفوض على الثاني، مرفوع على الثالث، وفتحها بناء على الأول والثالث، وإعراب على الثاني، وفي تفسير سورة السجدة من البخاري: "ولا خطر على قلب بشر، ذخرًا من بله ما أطلعتم عليه" فاستعملت معربة مجرورة بمن خارجة من المعاني الثلاثة وفسرت بغير وهو موافق لقول من يعدّها من ألفاظ الاستثناء وبمعناها، انتهى.
(٣٣) الأحزاب
وهكذا في نسخة "القسطلاني" من غير لفظ السورة والبسملة، وفي نسخة الحافظين بزيادتهما.
قال العيني (٢): وهي مدنية كلها لا اختلاف فيها، قال السخاوي: نزلت بعد آل عمران وقبل سورة الممتحنة، انتهى.
قوله: (وقال مجاهد) فيما وصله الفريابي من طريق ابن أبي نجيح عنه، في قوله: ﴿صَيَاصِيهِمْ﴾ [الأحزاب: ٢٦] هي (قصورهم) وحصونهم، جمع صيصة، يقال لكل ما يمتنع به ويتحصن: صيصة، ومنه قيل لقرن الثور ولشوكة الديك: صيصة، والصياصي أيضًا شوكة الحاكة وتتخذ من حديد، قال دريد ابن الصمة.
كوقع الصياصي في النسيج الممدد، انتهى من "القسطلاني" (٣).
(باب قوله: ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٥])
وفي نسخة الشروح بزيادة قوله: ﴿هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ [الأحزاب: ٥].
قال القسطلاني (٤): وسقط ﴿هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ لغير أبوي الوقت وذر، و"باب" لغير أبي ذر، انتهى.
стр. 2573
قال الحافظ (١): أي أعدل، وسيأتي تفسير القسط والفرق بين القاسط والمقسط في آخر الكتاب، انتهى.
(٣ - باب قوله: ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ﴾ [الأحزاب: ٢٣]. . .) إلخ
قال الحافظ (٢): قوله: " ﴿نَحْبَهُ﴾ عهده" قال أبو عبيدة في قوله: ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ﴾ أي: نذره، والنحب النذر، والنحب أيضًا النفس، والنحب أيضًا الخطر العظيم، وقال غيره: النحب في الأصل النذر ثم استعمل في آخر كل شيء، وعن الحسن: ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ﴾ قال: قضى أجله على الوفاء والتصديق، وهذا مخالف لما قاله غيره، بل ثبت عن عائشة أن طلحة دخل على النبي ﷺ فقال: "أنت يا طلحة ممن قضى نحبه" أخرجه ابن ماجه والحاكم، ويمكن أن يجمع بحمل حديث عائشة على المجاز، وقضى بمعنى يقضي، ووقع في تفسير ابن أبي حاتم: "منهم عمار بن ياسر"، وفي تفسير يحيى بن سلام: "منهم حمزة وأصحابه"، وقد تقدم في قصة أنس بن النضر قول أنس بن مالك: منهم أنس بن النضر، وعند الحاكم من حديث أبي هريرة: منهم مصعب بن عمير، انتهى.
قوله: (لم أجدها إلا مع خزيمة. . .) إلخ، تقدم الكلام عليها من اختلاف الروايات والجمع بينها في آخر تفسير سورة براءة.
قوله: (جعل شهادته رجلين. . .) إلخ، قال الحافظ (٣): (تنبيه): زعم ابن التِّين أن النبي ﷺ قال لخزيمة لما جعل شهادته شهادتين: "لا تعد" أي: تشهد على ما لم تشاهده، انتهى، وهذه الزيادة لم أقف عليها، انتهى.
стр. 2574
(٤ - باب قوله: ﴿قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾ [الأحزاب: ٢٨])
قوله: (التبرج أن تخرج زينتها) هو قول أبي عبيدة واسمه معمر بن المثنى ولفظه في "كتاب المجاز" في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى﴾ الآية [الأحزاب: ٣٣] هو من التبرج وهو أن يبرزن محاسنهن، وتوهم مغلطاي ومن قلّده أن مراد البخاري معمر بن راشد فنسب هذا إلى تخريج عبد الرزاق في تفسيره عن معمر، ولا وجود لذلك في تفسير عبد الرزاق، وإنما أخرج عن معمر عن ابن أبي نجيح عن مجاهد في هذه الآية، قال: كانت المرأة تخرج تتمشى بين الرجال فذلك تبرج الجاهلية، وعند ابن أبي حاتم عن قتادة قال: كانت لهن مشية وتكسر وتغنج إذا خرجن من البيوت فنهين عن ذلك، ومن طريق عكرمة عن ابن عباس قال: قال عمر: ما كانت إلا جاهلية واحدة، فقال له ابن عباس: هل سمعت بأولى إلا ولها آخر؟ ومن وجه آخر عنه قال: كانت الجاهلية الأولى ألف سنة فيما بين نوح وإدريس، وإسناده قوي، ومن حديث عائشة قالت: الجاهلية الأولى بين نوح وإبراهيم، وإسناده ضعيف، ومن طريق الشعبي قال: هي ما بين عيسى ومحمد، انتهى (١).
وتعقب العلامة العيني على قول الحافظ: وتوهم مغلطاي إلى آخر ما تقدم، فقال (٢): لم يقل الشيخ علاء الدين مغلطاي معمر بن راشد وإنما قال: هذا رواه عبد الرزاق عن معمر، ولم يقل أيضًا: في تفسيره، حتى يشنع عليه بأنه لم يوجد في تفسيره، وعبد الرزاق له تآليف أخرى غير تفسيره وحيث أطلق معمرًا يحتمل أحد المعمرين، انتهى.
стр. 2575
(٥ - باب قوله: ﴿وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ﴾ [الأحزاب: ٢٩])
قوله: (وقال قتادة: الحكمة القرآن والسُّنَّة) وصله ابن أبي حاتم عن قتادة بلفظ " ﴿مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ﴾ الآية [الأحزاب: ٣٤] القرآن والسُّنَّة" أورده بصورة اللف والنشر المرتب، وكذا هو في تفسير عبد الرزاق، انتهى من "الفتح" (١).
وفي "تفسير الجلالين" (٢): ﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ﴾ [البقرة: ٢٦٩] أي: العلم النافع المؤدي إلى العمل، انتهى.
وفي حاشية "الجمل" (٣): اختلف العلماء في الحكمة فقال السدي: هي النبوة، وابن عباس: هي المعرفة بالقرآن فقهه ونسخه ومحكمه ومتشابهه وغريبه ومقدّمه ومؤخره، وقال قتادة ومجاهد: الحكمة الفقه في القرآن، وقال مجاهد: الإصابة في القول والفعل، وقال ابن زيد: الحكمة الفقه في الدين، وقال مالك بن أنس: الحكمة المعرفة بدين الله والفقه فيه والاتباع له، وروى عنه ابن القاسم أنه قال: الحكمة التفكر في أمر الله تعالى والاتباع له.
وقال أيضًا: الحكمة طاعة الله تعالى والفقه في الدين والعمل به، وقال الربيع بن أنس: هي الخشية، وقال النخعي: هي الفهم في القرآن، وقال الحسن: هي الورع، قلت: وهذه الأقوال كلها ما عدا قول السدي والربيع والحسن قريب بعضها من بعض؛ لأن الحكمة مصدر من الإحكام وهو الإتقان في عمل وقول وكل ما ذكر في قول من الأقوال فهو نوع من الحكمة التي هي الجنس، فكتاب الله حكمة، وسُنَّة نبيه حكمة، وأصل الحكمة ما يمتنع به من السفه، فقيل للعلم حكمة لأنه يمتنع به من السفه،
стр. 2576
وهو كل فعل قبيح، وكذا القرآن والعقل والفهم، انتهى.
وقد تقدم بعض الأقوال في تفسير الحكمة في مناقب ابن عباس.
قوله: (لما أمر رسول الله ﷺ بتخيير أزواجه) قال الحافظ (١): ورد في سبب هذا التخيير ما أخرجه مسلم من حديث جابر قال: "دخل أبو بكر يستأذن على رسول الله ﷺ " الحديث.
في قوله ﷺ : (هن حولي كما ترى يسألنني النفقة) يعني: نساءه، وفيه أنه اعتزلهن شهرًا ثم نزلت عليه هذه الآية ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ﴾ حتى بلغ ﴿أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [لأحزاب: ٢٨ - ٢٩]، قال: فبدأ بعائشة فذكر نحو حديث الباب.
ثم ذكر الحافظ اختلاف الروايات في سبب الاعتزال إلى أن قال: ويمكن الجمع بأن تكون القضيتان جميعًا سبب الاعتزال فإن قصة المتظاهرتين خاصة بهما وقصة سؤال النفقة عامة في جميع النسوة، ومناسبة آية التخيير بقصة سؤال النفقة أليق منها بقصة المتظاهرتين، وقال الماوردي: اختلف هل كان التخيير بين الدنيا والآخرة أو بين الطلاق والإقامة عنده على قولين للعلماء أشبههما بقول الشافعي الثاني، ثم قال: إنه الصحيح.
قال الحافظ: والذي يظهر الجمع بين القولين لأن أحد الأمرين ملزوم للآخر وكأنهن خيرن بين الدنيا فيطلقهن وبين الآخر فيمسكهن، وهو مقتضى سياق الآية، انتهى ملخصًا من "الفتح".
(٦ - باب قوله: ﴿وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ﴾ [الأحزاب: ٣٧])
قال الحافظ (٢): لم تختلف الروايات أنها نزلت في قصة زيد بن حارثة وزينب بنت جحش.
قوله: (إن هذه الآية ﴿وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ﴾ نزلت. . .) إلخ،
стр. 2577
هكذا اقتصر على هذا القدر من هذه القصة، وقد أخرجه في التوحيد من وجه آخر عن أنس قال: جاء زيد بن حارثة يشكو فجعل النبي ﷺ يقول: "اتق الله وأمسك عليك زوجك" قال أنس: لو كان رسول الله ﷺ كاتمًا شيئًا لكتم هذه الآية، الحديث، وقد أخرج ابن أبي حاتم هذه القصة من طريق السدي فساقها سياقًا واضحا حسنًا، ولفظه: بلغنا أن هذه الآية نزلت في زينب بنت جحش وكانت أمها أميمة بنت عبد المطلب عمة رسول الله ﷺ ، وكان رسول الله ﷺ أراد أن يزوجها زيد بن حارثة مولاه فكرهت ذلك، ثم إنها رضيت بما صنع رسول الله ﷺ فزوجها إياه، ثم أعلم الله نبيه ﷺ بعد أنها من أزواجه، فكان يستحيي أن يأمر بطلاقها وكان لا يزال يكون بين زيد وزينب ما يكون من الناس، فأمره رسول الله ﷺ أن يمسك عليه زوجه وأن يتق الله، وكان يخشى الناس أن يعيبوا عليه ويقولوا: تزوج امرأة ابنه، وكان قد تبنى زيدًا.
إلى أن قال الحافظ: ووردت آثار أخرى أخرجها ابن أبي حاتم والطبري ونقلها كثير من المفسرين لا ينبغي التشاغل بها، والذي أوردته منها هو المعتمد، انتهى.
وفي "الفيض" (١): قوله: " ﴿وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ﴾ " واعلم أن القصص المنقولة فيه كلها أباطيل وترّهات، والذي صح عندنا من خبره أنه كان بين زيد وزينب منافرة فكان النبي ﷺ يحب أن يمسكها وينصحه بذلك وينهاه عن فراقها، وكان يضمر في نفسه أنه إن أسمعه ما يكره فإنه يتزوجها بنفسه؛ وذلك لأن زيدًا كان مطعونًا في نسبه وكانت زينب فيهم ذات نسب، وإنما رضيت بالتزوج منه لوجه النبي ﷺ فقط فلما أزمع زيد على أن يطلقها تحدث نفسه أن يكرمها بتزوجها جبرًا لهذا الإيحاش والهوان، وكان في تزوج النبي ﷺ إياها تلافيًا لما صدر منه على أتم وجه، غير أن تزوج امرأة