← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 853

الأبواب والتراجم لصحيح البخاري

محمد زكريا الكاندهلوي

Полный текст (3 740 стр.). Показаны 2573–2612 · переход к 2578.

стр. 2573

قال الحافظ (١): أي أعدل، وسيأتي تفسير القسط والفرق بين القاسط والمقسط في آخر الكتاب، انتهى. (٣ - باب قوله: ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ﴾ [الأحزاب: ٢٣]. . .) إلخ قال الحافظ (٢): قوله: " ﴿نَحْبَهُ﴾ عهده" قال أبو عبيدة في قوله: ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ﴾ أي: نذره، والنحب النذر، والنحب أيضًا النفس، والنحب أيضًا الخطر العظيم، وقال غيره: النحب في الأصل النذر ثم استعمل في آخر كل شيء، وعن الحسن: ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ﴾ قال: قضى أجله على الوفاء والتصديق، وهذا مخالف لما قاله غيره، بل ثبت عن عائشة أن طلحة دخل على النبي ﷺ فقال: "أنت يا طلحة ممن قضى نحبه" أخرجه ابن ماجه والحاكم، ويمكن أن يجمع بحمل حديث عائشة على المجاز، وقضى بمعنى يقضي، ووقع في تفسير ابن أبي حاتم: "منهم عمار بن ياسر"، وفي تفسير يحيى بن سلام: "منهم حمزة وأصحابه"، وقد تقدم في قصة أنس بن النضر قول أنس بن مالك: منهم أنس بن النضر، وعند الحاكم من حديث أبي هريرة: منهم مصعب بن عمير، انتهى. قوله: (لم أجدها إلا مع خزيمة. . .) إلخ، تقدم الكلام عليها من اختلاف الروايات والجمع بينها في آخر تفسير سورة براءة. قوله: (جعل شهادته رجلين. . .) إلخ، قال الحافظ (٣): (تنبيه): زعم ابن التِّين أن النبي ﷺ قال لخزيمة لما جعل شهادته شهادتين: "لا تعد" أي: تشهد على ما لم تشاهده، انتهى، وهذه الزيادة لم أقف عليها، انتهى.

стр. 2574

(٤ - باب قوله: ﴿قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾ [الأحزاب: ٢٨]) قوله: (التبرج أن تخرج زينتها) هو قول أبي عبيدة واسمه معمر بن المثنى ولفظه في "كتاب المجاز" في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى﴾ الآية [الأحزاب: ٣٣] هو من التبرج وهو أن يبرزن محاسنهن، وتوهم مغلطاي ومن قلّده أن مراد البخاري معمر بن راشد فنسب هذا إلى تخريج عبد الرزاق في تفسيره عن معمر، ولا وجود لذلك في تفسير عبد الرزاق، وإنما أخرج عن معمر عن ابن أبي نجيح عن مجاهد في هذه الآية، قال: كانت المرأة تخرج تتمشى بين الرجال فذلك تبرج الجاهلية، وعند ابن أبي حاتم عن قتادة قال: كانت لهن مشية وتكسر وتغنج إذا خرجن من البيوت فنهين عن ذلك، ومن طريق عكرمة عن ابن عباس قال: قال عمر: ما كانت إلا جاهلية واحدة، فقال له ابن عباس: هل سمعت بأولى إلا ولها آخر؟ ومن وجه آخر عنه قال: كانت الجاهلية الأولى ألف سنة فيما بين نوح وإدريس، وإسناده قوي، ومن حديث عائشة قالت: الجاهلية الأولى بين نوح وإبراهيم، وإسناده ضعيف، ومن طريق الشعبي قال: هي ما بين عيسى ومحمد، انتهى (١). وتعقب العلامة العيني على قول الحافظ: وتوهم مغلطاي إلى آخر ما تقدم، فقال (٢): لم يقل الشيخ علاء الدين مغلطاي معمر بن راشد وإنما قال: هذا رواه عبد الرزاق عن معمر، ولم يقل أيضًا: في تفسيره، حتى يشنع عليه بأنه لم يوجد في تفسيره، وعبد الرزاق له تآليف أخرى غير تفسيره وحيث أطلق معمرًا يحتمل أحد المعمرين، انتهى.

стр. 2575

(٥ - باب قوله: ﴿وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ﴾ [الأحزاب: ٢٩]) قوله: (وقال قتادة: الحكمة القرآن والسُّنَّة) وصله ابن أبي حاتم عن قتادة بلفظ " ﴿مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ﴾ الآية [الأحزاب: ٣٤] القرآن والسُّنَّة" أورده بصورة اللف والنشر المرتب، وكذا هو في تفسير عبد الرزاق، انتهى من "الفتح" (١). وفي "تفسير الجلالين" (٢): ﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ﴾ [البقرة: ٢٦٩] أي: العلم النافع المؤدي إلى العمل، انتهى. وفي حاشية "الجمل" (٣): اختلف العلماء في الحكمة فقال السدي: هي النبوة، وابن عباس: هي المعرفة بالقرآن فقهه ونسخه ومحكمه ومتشابهه وغريبه ومقدّمه ومؤخره، وقال قتادة ومجاهد: الحكمة الفقه في القرآن، وقال مجاهد: الإصابة في القول والفعل، وقال ابن زيد: الحكمة الفقه في الدين، وقال مالك بن أنس: الحكمة المعرفة بدين الله والفقه فيه والاتباع له، وروى عنه ابن القاسم أنه قال: الحكمة التفكر في أمر الله تعالى والاتباع له. وقال أيضًا: الحكمة طاعة الله تعالى والفقه في الدين والعمل به، وقال الربيع بن أنس: هي الخشية، وقال النخعي: هي الفهم في القرآن، وقال الحسن: هي الورع، قلت: وهذه الأقوال كلها ما عدا قول السدي والربيع والحسن قريب بعضها من بعض؛ لأن الحكمة مصدر من الإحكام وهو الإتقان في عمل وقول وكل ما ذكر في قول من الأقوال فهو نوع من الحكمة التي هي الجنس، فكتاب الله حكمة، وسُنَّة نبيه حكمة، وأصل الحكمة ما يمتنع به من السفه، فقيل للعلم حكمة لأنه يمتنع به من السفه،

стр. 2576

وهو كل فعل قبيح، وكذا القرآن والعقل والفهم، انتهى. وقد تقدم بعض الأقوال في تفسير الحكمة في مناقب ابن عباس. قوله: (لما أمر رسول الله ﷺ بتخيير أزواجه) قال الحافظ (١): ورد في سبب هذا التخيير ما أخرجه مسلم من حديث جابر قال: "دخل أبو بكر يستأذن على رسول الله ﷺ " الحديث. في قوله ﷺ : (هن حولي كما ترى يسألنني النفقة) يعني: نساءه، وفيه أنه اعتزلهن شهرًا ثم نزلت عليه هذه الآية ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ﴾ حتى بلغ ﴿أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [لأحزاب: ٢٨ - ٢٩]، قال: فبدأ بعائشة فذكر نحو حديث الباب. ثم ذكر الحافظ اختلاف الروايات في سبب الاعتزال إلى أن قال: ويمكن الجمع بأن تكون القضيتان جميعًا سبب الاعتزال فإن قصة المتظاهرتين خاصة بهما وقصة سؤال النفقة عامة في جميع النسوة، ومناسبة آية التخيير بقصة سؤال النفقة أليق منها بقصة المتظاهرتين، وقال الماوردي: اختلف هل كان التخيير بين الدنيا والآخرة أو بين الطلاق والإقامة عنده على قولين للعلماء أشبههما بقول الشافعي الثاني، ثم قال: إنه الصحيح. قال الحافظ: والذي يظهر الجمع بين القولين لأن أحد الأمرين ملزوم للآخر وكأنهن خيرن بين الدنيا فيطلقهن وبين الآخر فيمسكهن، وهو مقتضى سياق الآية، انتهى ملخصًا من "الفتح". (٦ - باب قوله: ﴿وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ﴾ [الأحزاب: ٣٧]) قال الحافظ (٢): لم تختلف الروايات أنها نزلت في قصة زيد بن حارثة وزينب بنت جحش. قوله: (إن هذه الآية ﴿وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ﴾ نزلت. . .) إلخ،

стр. 2577

هكذا اقتصر على هذا القدر من هذه القصة، وقد أخرجه في التوحيد من وجه آخر عن أنس قال: جاء زيد بن حارثة يشكو فجعل النبي ﷺ يقول: "اتق الله وأمسك عليك زوجك" قال أنس: لو كان رسول الله ﷺ كاتمًا شيئًا لكتم هذه الآية، الحديث، وقد أخرج ابن أبي حاتم هذه القصة من طريق السدي فساقها سياقًا واضحا حسنًا، ولفظه: بلغنا أن هذه الآية نزلت في زينب بنت جحش وكانت أمها أميمة بنت عبد المطلب عمة رسول الله ﷺ ، وكان رسول الله ﷺ أراد أن يزوجها زيد بن حارثة مولاه فكرهت ذلك، ثم إنها رضيت بما صنع رسول الله ﷺ فزوجها إياه، ثم أعلم الله نبيه ﷺ بعد أنها من أزواجه، فكان يستحيي أن يأمر بطلاقها وكان لا يزال يكون بين زيد وزينب ما يكون من الناس، فأمره رسول الله ﷺ أن يمسك عليه زوجه وأن يتق الله، وكان يخشى الناس أن يعيبوا عليه ويقولوا: تزوج امرأة ابنه، وكان قد تبنى زيدًا. إلى أن قال الحافظ: ووردت آثار أخرى أخرجها ابن أبي حاتم والطبري ونقلها كثير من المفسرين لا ينبغي التشاغل بها، والذي أوردته منها هو المعتمد، انتهى. وفي "الفيض" (١): قوله: " ﴿وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ﴾ " واعلم أن القصص المنقولة فيه كلها أباطيل وترّهات، والذي صح عندنا من خبره أنه كان بين زيد وزينب منافرة فكان النبي ﷺ يحب أن يمسكها وينصحه بذلك وينهاه عن فراقها، وكان يضمر في نفسه أنه إن أسمعه ما يكره فإنه يتزوجها بنفسه؛ وذلك لأن زيدًا كان مطعونًا في نسبه وكانت زينب فيهم ذات نسب، وإنما رضيت بالتزوج منه لوجه النبي ﷺ فقط فلما أزمع زيد على أن يطلقها تحدث نفسه أن يكرمها بتزوجها جبرًا لهذا الإيحاش والهوان، وكان في تزوج النبي ﷺ إياها تلافيًا لما صدر منه على أتم وجه، غير أن تزوج امرأة

стр. 2578

المتبنى كان عندهم شينًا فأراد الله سبحانه أن لا يبقى في أزواج أدعيائهم حرج فأنكحه إياها بعد طلاقها، إلى آخر ما بسط. (٧ - باب قوله: ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ. . .﴾ الآية [الأحزاب: ٥١]) قال الحافظ (١): سقط لفظ "باب" لغير أبي ذر، وحكى الواحدي عن المفسرين أن هذه الآية نزلت عقب نزول آية التخيير، وذلك أن التخيير لما وقع أشفق بعض الأزواج أن يطلقهن ففوضن أمر القسم إليه فأنزلت ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ﴾ الآية. وقوله: (قلت: ما أرى ربك إلا يسارع في هواك) أي: ما أرى الله إلا موجدًا لما تريد بلا تأخير منزلًا لما تحب وتختار، انتهى من "الفتح" (٢). وكتب الشيخ قُدِّس سرُّه في "اللامع" (٣): قوله: "ما أرى ربك. . ." إلخ، حيث أطلق لك كل ما أحببته فكان كل امرأة لك كالإماء والمملوكات، وفيه يظهر المناسبة بقولها: "كنت أغار على اللاتي. . ." إلخ، فإن الآية إذا نزلت علم أن الواهبة نفسها لم ترتكب بأسًا حيث وهبت نفسها لمالك رقها بتصديق الآية وحكمها بذلك، والله أعلم، انتهى. وفي هامشه عن "الفتح": وحاصل ما نقل في تأويل ﴿تُرْجِي﴾ أقوال: أحدها: تطلق وتمسك، ثانيها: تعتزل من شئت منهن بغير طلاق وتقسم لغيرها، ثالثها: تقبل من شئت من الواهبات وترد من شئت، وحديث الباب يؤيد هذا والذي قبله، واللفظ محتمل للأقوال الثلاثة وظاهر ما حكته عائشة من استئذانه أنه لم يرج أحدًا منهن بمعنى أنه لم يعتزل، وهو قول الزهري: ما أعلم أنه أرجأ أحدًا من نسائه، أخرجه ابن أبي حاتم، وعن قتادة: أطلق له أن يقسم كيف شاء فلم يقسم إلا بالسوية، انتهى.

стр. 2579

قال صاحب "الجمل" (١): واختلف العلماء في تأويل هذه الآية وأصح ما قيل فيها التوسعة على النبي ﷺ في ترك القسم فكان لا يجب عليه القسم بين زوجاته، وهذا القول هو الذي ثبت معناه في "الصحيح" عن عائشة رضي الله تعالى عنها، فذكر حديث الباب، انتهى. وفي حاشية أبي داود: والمذهب عند الحنفية أنه لم يكن القسم واجبًا على رسول الله ﷺ ، لقوله: ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ﴾ الآية، وبذلك صرَّح الشامي أن القسم لم يكن واجبًا عليه، انتهى. وكذا حكى ابن كثير مذهب طائفة من الفقهاء الشافعية، وبسط البجيرمي الشافعي في حاشية "شرح الإقناع" الاختلاف بين الشافعية في ذلك، وهكذا صرَّح الدردير المالكي بعدم وجوب القسم وهو الراجح في مذهبهم، كما صرَّح به الزرقاني في "شرح المواهب" وقال في موضع آخر: وبه جزم الأصطخري من الشافعية، وصححه الغزالي في "الخلاصة"، واقتصر عليه في "الوجيز"، والبلقيني والسيوطي، وهو المختار للأدلة الصريحة الصحيحة، انتهى من هامش "اللامع". (٨ - باب قوله: ﴿لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إلا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ﴾ [الأحزاب: ٥٣] قوله: (يقال: ﴿إِنَاهُ﴾: إدراكه، أنى يأني أناة. . .) إلخ، قال الحافظ (٢): أنى بفتح الألف والنون مقصور، ويأني بكسر النون، وأناة بفتح الهمزة والنون مخففًا وآخره هاء تأنيث بغير مدّ: مصدر، قال أبو عبيدة في قوله تعالى: ﴿إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ﴾ [الأحزاب: ٥٣] أي: إدراكه وبلوغه، ويقال: أنى يأنى أنيًا، أي: بلغ وأدرك، وقوله: أنيًا بفتح الهمزة وسكون النون مصدر أيضًا، وقرأ الأعمش وحده "آناه" بمد أوله بصيغة الجمع مثل

стр. 2580

﴿آنَاءَ اللَّيْلِ﴾ ولكن بغير همز في آخره، انتهى. ثم ذكر المصنف في الباب ثلاثة أحاديث: أحدها: حديث أنس عن عمر قال: "قلت: يا رسول الله! يدخل عليك البر والفاجر، فلو أمرت أمهات المؤمنين بالحجاب، فأنزل الله آية الحجاب" وهو طرف من حديث أوله: "وافقت ربي في ثلاث" وقد تقدم بتمامه في أوائل الصلاة وفي تفسير البقرة. ثانيها: حديث أنس في قصة بناء النبي ﷺ بزينب بنت جحش ونزول آية الحجاب، أورده من أربعة طرق عن أنس بعضها أتم من بعض. وثالثها: حديث عائشة: خرجت سودة بعد ما ضرب الحجاب. . . إلخ، وقد تقدم في كتاب الطهارة من طريق هشام بن عروة عن أبيه ما يخالف ظاهره رواية الزهري هذه عن عروة. قال الكرماني: فإن قلت: وقع هنا أنه كان بعد ما ضرب الحجات وتقدم في الوضوء أنه كان قبل الحجاب، فالجواب: لعله وقع مرتين، قلت: بل المراد بالحجاب الأول غير الحجاب الثاني، والحاصل أن عمر ﵁ وقع في قلبه نفرة من اطلاع الأجانب على الحريم النبوي حتى صرَّح بقوله له ﵊: "احجب نساءك" وأكد ذلك إلى أن نزلت آية الحجاب، ثم قصد بعد ذلك أن لا يبدين أشخاصهن أصلًا ولو كن مستترات، فبالغ في ذلك فمنع منه وأذن لهن في الخروج لحاجتهن دفعًا للمشقة ورفعًا للحرج، وقد اعترض بعض الشرَّاح بأن إيراد الحديث المذكور في الباب ليس مطابقًا بل إيراده في عدم الحجاب أولى، وأجيب بأنه أحال على أصل الحديث كعادته، وكأنه أشار إلى أن الجمع بين الحديثين ممكن، انتهى من "الفتح". قلت: وبالتوجيه الذي أجاب به الحافظ جزم الشيخ قُدِّس سرُّه في "اللامع" (١) في كتاب الطهارة إذ كتب: قوله: "فأنزل الله الحجاب" أي:

стр. 2581

الذي كان يهواه عمر لهن، إذ الحجاب الشرعي قد كان نزل من قبل، والحاصل أن عمر كان يهوى أن لا يخرجن محتجبات أيضًا ويتبرزن في البيوت، فصار ذلك مستحبًا بعد زمان، وإن بقي الجواز بعده أيضًا، فالفاء في قوله: "فأنزل الله" ليست للتعقيب الغير المتراخي، انتهى. وفي هامشه: وعلى هذا التوجيه لا يبقى الإشكال الذي أورده الكرماني من التعارض بين الروايتين والتفصيل في هامش "اللامع". ثم إنه قد ترجم المصنف في كتاب الاستئذان بقوله: "باب آية الحجاب" وذكر فيه حديث أنس في قصة بناء النبي ﷺ بزينب بنت جحش، والثاني حديث عائشة في قصة سودة وهناك فيه زيادة ليست ها هنا، وهي قوله: "قالت: فأنزل الله آية الحجاب" فيشكل ها هنا نزول آية الحجاب في قصتين. قال العلامة القسطلاني (١): واستشكل بأنه ثبت أن قصة زينب كانت سببًا لنزول آية الحجاب فتعارضا، وأجيب: بأن عمر حرض على ذلك، حتى قال لسودة ما قال، فوقعت القصة المتعلقة بزينب فنزلت الآية، فكان كل من الأمرين سببًا لنزولها، أو أن عمر تكرر منه هذا القول قبل الحجاب وبعده، أو أن بعض الرواة ضم قصة إلى أخرى، انتهى. ثم إنه قد ذكر العلامة القسطلاني ها هنا موافقات عمر ﵁ بتمامها مبسوطًا، قال (٢): وقد تحصل من جملة الأخبار لعمر من الموافقات خمسة عشر: تسع لفظيات، وأربع معنويات، وثنتان في التوراة، ثم ذكرها، وفي هامش "الكوكب الدري" (٣): وقد وصلها بعضهم إلى أكثر من عشرين، ذكرها صاحب "الجمل" والعلامة السيوطي في "تاريخ الخلفاء" وللسيوطي رسالة مستقلة فيها "قطف الثمر في موافقات عمر".

стр. 2582

(٩ - باب قوله: ﴿إِنْ تُبْدُوا شَيْئًا أَوْ تُخْفُوهُ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾ [الأحزاب: ٥٤]) ذكر فيه حديث عائشة في قصة أفلح أخي أبي القعيس، ومطابقته للترجمة من قوله: ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْهِنَّ فِي آبَائِهِنَّ﴾ [الأحزاب: ٥٥] إلى آخره، فإن ذلك من جملة الآيتين، وقوله في الحديث: "ائذني له فإنه عمك" مع قوله في الحديث الآخر: "العمّ صنو الأب" وبهذا يندفع اعتراض من زعم أنه ليس في الحديث مطابقة للترجمة أصلًا، وكأنّ البخاري رمز بإيراد هذا الحديث إلى الردّ على من كره للمرأة أن تضع خمارها عند عمها أو خالها كما أخرجه الطبري عن عكرمة والشعبي أنه قيل لهما: لِم لَم يذكر العم والخال في هذه الآية فقالا: لأنهما ينعتاها لأبنائهما، وكرها لذلك أن تضع خمارها عند عمها أو خالها، وحديث عائشة في قصة أفلح يرد عليهما، وهذا من دقائق ما في تراجم البخاري، انتهى من "الفتح" (١). (١٠ - باب قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ﴾ الآية [الأحزاب: ٥٦]) قوله: (قال ابن عباس: ﴿يُصَلُّونَ﴾ يبركون) وصله الطبري عنه في قوله: ﴿يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ﴾ قال: يبركون على النبي، أي: يدعون له بالبركة، فيوافق قول أبي العالية، لكنه أخصّ منه، وقد سئلت عن إضافة الصلاة إلى الله تعالى دون السلام وأمر المؤمنين بها وبالسلام، فقلت: يحتمل أن يكون السلام له معنيان: التحية والانقياد، فأمر به المؤمنون لصحتهما منهم، والله وملائكته لا يجوز منهم الانقياد، فلم يضف إليهم دفعًا للإيهام، والعلم عند الله. قوله: ﴿لَنُغْرِيَنَّكَ﴾ لنسلطنك) كذا وقع هذا ها هنا، ولا تعلق له بالآية وإن كان من جملة السورة، فلعله من الناسخ، وهو قول ابن عباس، ووصله

стр. 2583

الطبري أيضًا من طريق علي بن أبي طلحة عنه، انتهى من "الفتح" (١). قوله: (﴿لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى﴾ [الأحزاب: ٦٩]. . .) إلخ، وهكذا في نسخة "القسطلاني" بغير لفظ "باب"، وفي نسخة "الفتح" و"العيني" بزيادة لفظ "باب"، فهذه ترجمة مستقلة. وقال الحافظ: ذكر فيه طرفًا من قصة موسى مع بني إسرائيل، وقد تقدم بسنده مطولًا في أحاديث الأنبياء، وقد روى أحمد بن منيع في "مسنده" والطبري وابن أبي حاتم بإسناد قوي عن ابن عباس عن علي قال: "صعد موسى وهارون الجبل، فمات هارون، فقال بنو إسرائيل لموسى: أنت قتلته كان ألين لنا منك وأشد حبًا فآذوه بذلك، فأمر الله الملائكة فحملته، فمرت به على مجالس بني إسرائيل فعلموا بموته"، قال الطبري: يحتمل أن يكون هذا المراد بالأذى في قوله: " ﴿لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى﴾ " قلت: وما في "الصحيح" أصح من هذا، لكن لا مانع أن يكون للشيء سببان فأكثر كما تقدم تقريره غير مرة، انتهى. (٣٤) سبأ كذا في النسخة "الهندية"، وفي نسخة "القسطلاني" بزيادة البسملة بغير لفظ سورة، وفي نسخة الحافظين بزيادتهما. قال القسطلاني (٢): سقطت البسملة لغير أبي ذر كلفظ سورة، انتهى. قال الحافظ (٣): وهذه السورة سميت بقوله فيها: ﴿لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ﴾ الآية [سبأ: ١٥]، قال ابن إسحاق وغيره: هو سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان، ووقع عند الترمذي وحسّنه من حديث فروة بن مسيك قال: "أنزل في سبأ ما أنزل، فقال رجل: يا رسول الله!

стр. 2584

وما سبأ أرض أو امرأة؟ قال: ليس بأرض ولا امرأة، ولكنه رجل ولد عشرة من العرب، فتيامن ستة وتشاءم أربعة" الحديث، قال: وفي الباب عن ابن عباس، قلت: حديث ابن عباس وفروة صححهما الحاكم، وأخرج ابن أبي حاتم في حديث فروة زيادة: "أنه قال: يا رسول الله! إن سبأ قوم كان لهم عز في الجاهلية، وإني أخشى أن يرتدوا فأقاتلهم؟ قال: ما أمرت فيهم بشيء فنزلت: ﴿لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ﴾ فقال له رجل: يا رسول الله! وما سبأ" فذكره، انتهى. وقال العلامة العيني (١): قال مقاتل: هي مكية غير آية واحدة: ﴿وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنْزِلَ﴾ الآية [سبأ: ٦]، انتهى. قوله: (العرم السد) قال القسطلاني (٢): أي: في قوله تعالى: ﴿فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ﴾ [سبأ: ١٦] هو "السد" بضم السين وفتحها وتشديد الدال المهملتين، الذي يحبس الماء بنته بلقيس، وذلك أنهم كانوا يقتتلون على ماء واديهم فأمرت به فسدّ، ولأبي ذر عن المستملي والكشميهني: "سيل العرم: السد" وله عن الحموي "الشديد" بشين معجمة بوزن عظيم: السيل "ماء أحمر أرسله في السد"، ولأبي ذر: "أرسله الله في السد" بفتح سين السد فيهما في اليونينية، انتهى. وكتب الشيخ قُدِّس سرُّه في "اللامع" (٣): قوله: "ماء أحمر. . ." إلخ، وهذا ليس بيانًا للسد بل هو بيان لما "أرسلنا" في قوله تعالى: ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ﴾ [سبأ: ١٦]، ثم التفاسير الثلاثة للعرم متقاربة والاختلاف بينها غير كثير، انتهى. وفي هامشه: في "تقرير المكي": قوله: "سيل العرم" العرم بمعنى الشدة والفساد، وقوله: "السد" ليس تفسيرًا للعرم، بل هو تمهيد إلى القصة، وهو ما بيَّنه بقوله: "ماء أحمر. . ." إلخ، انتهى.

стр. 2585

والتفاسير الثلاثة للعرم التي أشار إليه الشيخ في كلامه هي التي ذكرها الإمام البخاري: الأول بقوله: "العرم: السد" والثاني بقوله: "العرم: المسناة" والثالث بقوله: "الوادي" إلى آخر ما بسط في هامش "اللامع". (١ - باب قوله: ﴿فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ﴾ [سبأ: ٢٣]. . .) إلخ وفي نسخ الشروح الثلاثة: "باب ﴿حَتَّى إِذَا فُزِّعَ﴾ الآية" كما في التنزيل العزيز. قوله: (إذا قضى الله الأمر في السماء) قال الحافظ (١): في حديث النواس بن سمعان عند الطبراني مرفوعًا: "إذا تكلم الله بالوحي أخذت السماء رجفة شديدة من خوف الله تعالى، فإذا سمع أهل السماء بذلك صعقوا وخروا سجدًا، فيكون أولهم يرفع رأسه جبريل، فيكلمه الله من وحيه بما أراد فينتهي به على الملائكة، كلما مرَّ بسماء سأله أهلها ماذا قال ربنا، قال: الحق فينتهي به حيث أمر". قوله: (كأنه) أي: القول المسموع (سلسلة على صفوان) هو مثل قوله في بدء الوحي: "صلصلة كصلصلة الجرس" وهو صوت الملك بالوحي، وقد روى ابن مردويه من حديث ابن مسعود رفعه: "إذا تكلم الله بالوحي يسمع أهل السماوات صلصلة كصلصلة السلسلة على الصفوان فيفزعون ويرون أنه من أمر الساعة" وقرأ ﴿حَتَّى إِذَا فُزِّعَ﴾ الآية، قال الخطابي: الصلصلة صوت الحديد إذا تحرك وتداخل، وكأن الرواية وقعت له بالصاد، وأراد أن التشبيه في الموضعين بمعنى واحد فالذي في بدء الوحي هذا، والذي هنا جر السلسلة من الحديد على الصفوان الذي هو الحجر الأملس يكون الصوت الناشي، عنهما سواء، انتهى. قوله: (وصفه سفيان بكفه فحرفها وبدد بين أصابعه. . .) إلخ، أي:

стр. 2586

فرّق، وفي رواية عليّ: "ووصف سفيان بيده ففرج بين أصابع يده اليمنى، نصبها بعضها فوق بعض" وفي حديث ابن عباس عند ابن مردويه: "كان لكل قبيل من الجن مقعد من السماء يسمعون منه الوحي يعني يلقيها" زاد علي عن سفيان: "حتى ينتهي إلى الأرض فيلقي على لسان الساحر. . ." إلخ، انتهى من "الفتح" (١). وكتب الشيخ قُدِّس سرُّه في "اللامع" (٢): قوله: "فحرفها" أي: أشار بها محرفة لا بجعل اليد مستقيمة فيفعلها هكذا (الخط المستقيم)، بل فعلها هكذا/ (الخط المعوج)، انتهى. وفي هامشه بعد نقل كلام الحافظ المتقدم: قلت: وحديث علي الذي أشار إليه الحافظ تقدم في البخاري في تفسير سورة الحجر، وفي "مجمع البحار": ووصف سفيان بكفه فحرفها أي أمالها، انتهى. (٢ - باب قوله: ﴿إِنْ هُوَ إلا نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ﴾ [سبأ: ٤٦]) قال الحافظ (٣): ذكر فيه طرفًا من حديث ابن عباس في نزول قوله تعالى: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٤] وقد تقدم شرحه مستوفى سورة الشعراء، انتهى. (٣٥) الملائكة كذا في النسخة "الهندية"، وكذا في نسخة "القسطلاني" بزيادة البسملة بعده، وفي نسخة "العيني": "سورة الملائكة". وفي نسخة "الفتح": "سورة الملائكة ويس" قال الحافظ (٤): كذا لأبي ذر، وسقط لغيره لفظ سورة ويس والبسملة، والأولى سقوط لفظ يس لأنه مكرر، انتهى.

стр. 2587

وقال العيني (١): وهي مكية نزلت قبل سورة مريم وبعد سورة الفرقان، انتهى. قلت: وسورة الملائكة هي المعروفة بسورة فاطر. قوله: (قال مجاهد) فيما وصله الفريابي: (القطمير) هو (لفافة النواة) وهو مثل في القلة كقوله: وأبوك يخصف نعله متوركًا … ما يملك المسكين من قطمير وقيل: هو القمع، وقيل: ما بين القمع والنواة. (وقال ابن عباس) في تفسير الحرور: (الحرور بالليل، والسموم) بفتح المهملة (بالنهار) ونقله ابن عطية عن روبة، وقال: ليس بصحيح بل الصحيح ما قاله الفراء، وذكره في "الكشاف" الحرور السموم إلا أن السموم بالنهار والحرور فيه وفي الليل، قال في "الدر": وهذا عجيب منه كيف يردّ على أصحاب اللسان بقول من يأخذ عنهم، انتهى من "القسطلاني" (٢). (٣٦) سورة يس هكذا في "الهندية"، وكذا في نسخ الشروح الثلاثة، وليست البسملة إلا في نسخة "العيني" أخيرًا. قال العلامة العيني (٣): ولم يثبت هذا (سورة يس) هنا لأبي ذر، وقد مرّ أن في روايته "سورة الملائكة ويس" والصواب إثباته ها هنا، وقال أبو العباس: هي مكية بلا خلاف نزلت قبل سورة الفرقان وبعد سورة الجن. وقوله: (قال مجاهد: فعزّزنا شدّدنا) أي: في قوله تعالى: ﴿فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ﴾ [يس: ١٤] ولفظه في تفسير عبد بن حميد: شدّدنا بثالث، وكانت

стр. 2588

رسل عيسى ﵊ الذين أرسلهم إلى صاحب أنطاكية ثلاثة: صادق وصدوق وشلوم، والثالث هو شلوم، وقيل: الثالث شمعون، انتهى. قلت: وتقدم في "باب قول الله تعالى: ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ﴾ [يس: ١٣] من كتاب الأنبياء الكلام على أسماء هذه الرسل الثلاثة، والتحقيق في أنهم هم رسل المسيح أم لا، فكن منه على ذكر. (١ - باب قوله: ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ [يس: ٣٨]) قال العلامة القسطلاني (١): وسقط "باب" لغير أبي ذر. قوله: (﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا﴾) واللام في "لمستقر" بمعنى إلى، والمراد بالمستقر إما الزماني وهو منتهى سيرها وسكون حركتها يوم القيامة حين تكور، وينتهي هذا العالم إلى غايته، وإما المكاني وهو ما تحت العرش مما يلي الأرض من ذلك الجانب، وهي أينما كانت فهي تحت العرش كجميع المخلوقات، لأنه سقفها، وليس بكرة كما يزعمه كثير من أهل الهيئة، بل هو قبة ذات قوائم تحمله الملائكة، أو المراد غاية ارتفاعها في كبد السماء فإن حركتها إذ ذاك يوجد فيها إبطاء بحيث يظن أن لها هناك وقفة، والثاني أنسب بالحديث المسوق في الباب، انتهى. قال الحافظ (٢): ذكر فيه حديث أبي ذر مختصرًا، وأخرجه النسائي عن إسحاق بن إبراهيم عن أبي نعيم شيخ البخاري فيه بلفظ: "تذهب حتى تنتهي تحت العرش عند ربها" وزاد: "ثم تستأذن فيؤذن لها، ويوشك أن تستأذن فلا يؤذن لها، وتستشفع وتطلب فإذا كان ذلك قيل: اطلعي من مكانك" وذلك قوله: ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا﴾، انتهى.

стр. 2589

قال العيني (١): والحديث أخرجه البخاري في مواضع: منها في بدء الخلق، انتهى. قلت: وسيأتي في التوحيد أيضًا. وكتب الشيخ قُدِّس سرُّه في "اللامع" (٢): هناك: قوله: "مستقرها تحت العرش" فكان عروجًا لها إليه، ولا ينكر ما في الشمس من روحانية، انتهى. وفي هامشه: أجاب به الشيخ قُدِّس سرُّه ما يرد على استئذان الشمس وسجودها مع كونها من الجمادات. قال الحافظ: قال ابن بطال: استئذان الشمس معناه: أن الله تعالى يخلق فيها حياةً يوجد القول عندها؛ لأن الله تعالى قادر على إحياء الجماد والموات، وقال غيره: يحتمل أن يكون الاستئذان أسند إليها مجازًا، والمراد من هو موكل بها من الملائكة، انتهى. قال النووي: وأما سجود الشمس فهو تمييز وإدراك يخلقه الله فيها، انتهى من "هامش اللامع". قلت: وبسط العلَّامة النووي في "شرح مسلم" (٣) الكلام على معنى قوله: مستقرها تحت العرش، فارجع إليه لو شئت. قال العلامة العيني (٤): فإن قلت: قد قال الله تعالى: ﴿فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ﴾ [الكهف: ٨٦] فبينهما تخالف؟ قلت: لا تخالف فيه لأن المذكور في الآية إنما هو نهاية مدرك البصر إياها حال الغروب، ومصيرها تحت العرش للسجود إنما هو بعد الغروب، وليس معنى ﴿فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ﴾ سقوطها فيها، وإنما هو خبر عن الغاية التي بلغها ذو القرنين في مسيره حتى لم يجد

стр. 2590

وراءها مسلكًا لها فوقها أو على سمتها، كما يرى عند غروبها من كان في لجة البحر لا يبصر الساحل كأنها تغرب في البحر وهي في الحقيقة تغرب وراءها، والله أعلم، انتهى. (٣٧) وَالصَّافَّات وهكذا في نسخة "القسطلاني" بدون البسملة ولفظ السورة، وفي نسخة الحافظين بزيادتهما. قال العيني (١): وهي مكية إلا ما روي عن عبد الرحمن بن زيد أن قوله: ﴿قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ إِنِّي كَانَ لِي قَرِينٌ﴾ [الصافات: ٥١] إلى آخر هذه القصة، انتهى من "العيني". قوله: (وقال مجاهد) في قوله تعالى بسورة سبأ: (﴿وَيَقْذِفُونَ﴾) بفتح أوله وكسر ثالثه (﴿بِالْغَيْبِ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ﴾) [سبأ: ٥٣] أي: من كل مكان، وعند ابن أبي حاتم عنه من مكان بعيد، يقولون: هو ساحر هو كاهن هو شاعر، انتهى من "القسطلاني" (٢). وقال الحافظ (٣): سقط هذا لأبي ذر، انتهى. قلت: وليس هذا القول في نسخة "الكرماني" و"العيني"، وليس هو من سورة الصافات بل من سورة سبأ كما تقدم، ولعل الإمام البخاري ذكره لمناسبة قوله: ﴿. . . وَيُقْذَفُونَ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ (٨) دُحُورًا﴾ وهو من "الصافات"، ومن دأب الإمام البخاري أنه يذكر بعضُ الألفاظ لمناسبة بعض كما لا يخفى على ناظري الكتاب، والبسط في هامش "اللامع" (٤). قوله: (﴿تَأْتُونَنَا عَنِ الْيَمِينِ﴾ [الصافات: ٢٨]) كتب الشيخ في "اللامع" (٥): وإتيان اليمين كناية عن كون المقالة حقًا، والمعنى تظهرون لنا أن الذي تقولون لنا حق وصواب، انتهى.

стр. 2591

وبسط في هامشه الكلام على تفسير هذه الآية، وكتب الشيخ أيضًا: قوله: "لا تذهب عقولهم" تفسير للنفي لا المنفي فقط، وإن لم يذكر حرف النفي ها هنا، انتهى. قوله: (غول وجع بطن) أشار به إلى قوله تعالى: ﴿لَا فِيهَا غَوْلٌ وَلَا هُمْ عَنْهَا يُنْزَفُونَ﴾ [ال ص افات: ٤٧] وفسر قوله: "غول" بقوله: "وجع بطن"، وهذا قول قتادة، وعن الكلبي: لا فيها إثم، نظيره: ﴿لَا لَغْوٌ فِيهَا وَلَا تَأْثِيمٌ﴾ [الطور: ٢٣] وعن الحسن: صداع، وقيل: لا تذهب عقولهم، وقيل: لا فيها ما يكره. قوله: (﴿يَزِفُّونَ﴾ النسلان في المشي) قال الحافظ (١): سقط هذا لأبي ذر، وقد وصله عبد بن حميد من طريق شبل عن ابن أبي نجيح عن مجاهد في قوله: ﴿فَأَقْبَلُوا إِلَيْهِ يَزِفُّونَ﴾ [الصافات: ٩٤] قال: الوزيف النسلان، انتهى. والنسلان بفتحتين: الإسراع مع تقارب الخطا، وهو دون السعي، انتهى. قلت: وقد تقدم في "كتاب الأنبياء" "باب يزفون النسلان في المشي"، وتقدم الكلام عليه هناك. (١ - باب قوله: ﴿وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الصافات: ١٣٩]) ذكر فيه حديث ابن مسعود "لا ينبغي لأحد أن يكون خيرًا من يونس ابن متى" وحديث أبي هريرة، وقد تقدم الكلام عليه في كتاب الأنبياء (٢). (٣٨) ص كذا في النسخة "الهندية" بدون لفظ سورة، وكذا في نسخة "القسطلاني" لكن بزيادة البسملة بعدها، وفي نسخة "الحافظين" بزيادة لفظ السورة والبسملة كليهما.

стр. 2592

قال الحافظ (١): سقطت البسملة فقط للنسفي، واقتصر الباقون على ص، وحكمها حكم الحروف المقطعة أوائل السور، وقد قرأها عيسى بن عمر بكسر الدال، فقيل: للدرج، وقيل: بل هي عنده فعل أمر من المصاداة وهي المعارضة كأنه قيل: عارض القرآن بعملك، والأول هو المشهور، وسيأتي مزيد بيان في أسماء السور في أول غافر، انتهى. وقال العلامة العيني (٢): وهي مكية بلا خلاف نزلت بعد سورة الانشقاق وقبل الأعراف، واختلف في معناه؛ فعن ابن عباس: بحر بمكة كان عليه عرش الرحمن لا ليل ولا نهار، وعن سعيد بن جبير: بحر يحيي الله به الموتى بين النفختين، وعن الضحاك: (ص) صدق الله تعالى، وعن مجاهد: فاتحة السورة، وعن قتادة، اسم من أسماء القرآن، وعن السدي: اسم من أسماء الله، وعن محمد القرظي: هو مفتاح أسماء الله تعالى: صمد وصانع المصنوعات وصادق الوعد، إلى آخر ما ذكر من الأقوال. قوله: (﴿الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ﴾ [ص: ٧] ملة قريش) قال الحافظ (٣): وصله الفريابي أيضًا عن مجاهد في قوله تعالى: ﴿مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ﴾ [ص: ٧] قال: ملة قريش، وأخرج الطبري عن ابن عباس في قوله: ﴿الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ﴾ قال: النصرانية، وعن السدي نحوه، وكذا قال عبد الرزاق: عن معمر عن الكلبي، قال: وقال قتادة: دينهم الذي هم عليه، انتهى. وكتب الشيخ قُدِّس سرُّه في "اللامع" (٤): قوله: "ملة قريش" لكونها آخر الملل في زعمهم الباطل لأنهم لم يكونوا مؤمنين باليهودية ولا بالنصرانية فلم يبق إلا الحنفية آخرًا، انتهى. وفي هامشه: ذهب المفسرون في تفسيرها إلى قولين: أحدهما

стр. 2593

النصرانية وكونها آخر الملل ظاهر، والثاني ملة قريش كما فسّره به الإمام البخاري، وما وجهه به الشيخ قُدِّس سرُّه في توجيه آخر الملة لطيف جدًا لم يتعرض لذلك الشرَّاح ولا المفسرون، قال الرازي: والملة الآخرة هي ملة النصارى، فقالوا: إن هذا التوحيد الذي أتى به محمد ﷺ ما سمعناه في دين النصارى، أو يكون المراد بالملة الآخرة ملة قريش التي أدركوا آباءهم عليها، انتهى. وكذا ذكر القولين الخازن في تفسيره كما في هامش "اللامع". قوله: (﴿أَتَّخَذْنَاهُمْ سِخْرِيًّا﴾ [ص: ٦٣] أحطنا بهم) أشار به إلى قوله تعالى: ﴿أَتَّخَذْنَاهُمْ سِخْرِيًّا أَمْ زَاغَتْ عَنْهُمُ الْأَبْصَارُ﴾ [ص: ٦٣] وفسره بقوله: "أحطنا بهم". قال القسطلاني (١): هو من الإحاطة، وقال الدمياطي في حواشيه: لعله أخطأناهم وحذف مع ذلك القول الذي هذا تفسيره وهو ﴿أَمْ زَاغَتْ عَنْهُمُ الْأَبْصَارُ﴾، انتهى. وعند ابن أبي حاتم من طريق مجاهد: أخطأناهم أم هم في النار لا يعلم مكانهم، وقال ابن عطية: المعنى ليسوا معنا أم هم معنا لكن أبصارنا تميل عنهم، وقال ابن كيسان: أم كانوا خيرًا منا ونحن لا نعلم فكأن أبصارنا تزيغ عنهم في الدنيا فلا نعدّهم شيئًا، انتهى. وكتب الشيخ قُدِّس سرُّه في "اللامع" (٢): فسر السخرية بالإحاطة لأن الإحاطة لازمة لها عادة، فإنهم إذا أرادوا الاستهزاء بأحد جعلوه وسطهم ليتمكن كل منهم على الاستهزاء كل التمكن، انتهى. وفي هامشه: أجاد الشيخ قُدِّس سرُّه في وجه تفسير اتخذناهم بالإحاطة وهكذا في "تقرير المكي" إذ قال: قوله: "أحطنا بهم" تفسير باللازم؛ لأن الساخر يحيط بمن يسخر به حين السخرية، انتهى.

стр. 2594

وما أفاده الشيخ أقرب إلى سياق البخاري، ثم قال بعد ذكر ما تقدم عن القسطلاني: وما يظهر من التدبر في أقوال هؤلاء المشايخ الكبار أن قول البخاري: "أحطنا بهم" إن كان من الإحاطة فهو تفسير لقوله: ﴿أَتَّخَذْنَاهُمْ سِخْرِيًّا﴾ ووجه تفسير السخرية بالإحاطة هو ما أفاده الشيخ قُدِّس سرُّه، وعلى هذا يكون معنى الآية: ما لنا لا نرى في جهنم رجالًا كنا نعدهم في الدنيا من الأشرار وكنا نحيط بهم في الدنيا بالسخرية أم هم موجودون في جهنم ولا نراهم؟ وأما على قول الدمياطي وغيره من أن الصواب "أخطأناهم" بالخاء المعجمة بدل "أحطنا بهم" فيكون هذا تفسيرًا لقوله تعالى: ﴿أَمْ زَاغَتْ عَنْهُمُ الْأَبْصَارُ﴾ وظاهر سياق البخاري الأول، انتهى من هامش "اللامع". (١ - باب قوله: ﴿وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي﴾ الآية [ص: ٣٥]) أي: لا يصلح لأحد أن يسلبنيه، وظاهر السياق أنه سأل ملكًا لا يكون لبشر من بعده مثله ليكون معجزة مناسبة لحاله، انتهى من "القسطلاني" (١). قال العلامة العيني (٢) بعد ذكر حديث الباب: مطابقته للترجمة ظاهرة، والحديث مرَّ في كتاب الصلاة في "باب الأسير أو الغريم يربط في المسجد" بعينه متنًا وسندًا، انتهى. قوله: (فذكرت قول أخي سليمان) قال الحافظ (٣): وأما ما أخرج الطبري عن قتادة قال في قوله: ﴿لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي﴾ لا أسلبه كما سلبته أول مرة، وظاهر حديث الباب يردّ عليه، وكأن سبب تأويل قتادة هذا هكذا طعن بعض الملاحدة على سليمان ونسبته في هذا إلى الحرص على الاستبداد بنعمة الدنيا، وخفي عليه أن ذلك بإذن له من الله وأن تلك كانت معجزته، كما اختص كل نبي بمعجزة دون غيره، والله أعلم، انتهى.

стр. 2595

وتقدم في "باب من الإيمان أن يحب لأخيه ما يحب لنفسه" من كتاب الإيمان الإيراد بقول سليمان ﵊: ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي﴾ مع الجواب عنه. (٢ - باب قوله: ﴿وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ﴾ [ص: ٨٦]) ذكر فيه حديث ابن مسعود في قصة الدخان، وقد تقدم قريبًا في تفسير سورة الروم ويأتي في تفسير الدخان، وقد تقدم ما يتعلق منه بالاستسقاء. (٣٩) الزُّمَر هكذا في النسخة "الهندية" بغير لفظ السورة، وهكذا في نسخة "القسطلاني" لكن بزيادة البسملة بعدها، وأما في نسخة الحافظين فبزيادتهما كلتيهما. قال العلامة العيني (١): قال ابن عباس: هي مكية إلا آيتان مدنيتان: ﴿قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾ [الزمر: ٥٣] نزلت في وحشي بن حرب ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ الآية [الزمر: ٦٧]. وقال السخاوي: نزلت بعد سورة سبأ وقبل سورة المؤمن، انتهى. قوله: (﴿وَرَجُلًا سَلَمًا﴾. . .) إلخ، بفتح اللام من غير ألف مصدر وصف به، ولأبي ذر وابن عساكر: "سالمًا" بكسرها مع الألف وهي قراءة أبي عمرو وابن كثير، اسم فاعل من الثلاثي، (﴿لِرَجُلٍ﴾) أي: (صالحًا) كذا لأبي ذر عن الحموي والمستملي، وفي رواية الكشميهني: "خالصًا" بدل "صالحًا"، ومراده قوله تعالى: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ﴾ [الزمر: ٢٩] أي: متنازعون كل يدعي أنه عبده فهم يتجاذبونه حوائجهم وهو متحير في أمره كلما أرضى أحدهم غضب الباقون، وإذا احتاج إليهم ردّه كل واحد إلى الآخر فهو في عذاب دائم، ورجلًا سالمًا لرجل واحد لا يملكه غيره

стр. 2596

فهو يخدمه على سبيل الإخلاص وسيده يعينه على مهماته، هذا "مثل لآلهتهم الباطل والإله الحق" قاله مجاهد فيما وصله الفريابي، انتهى من "القسطلاني" (١). وكتب الشيخ قُدِّس سرُّه في "اللامع" (٢): وتفسير السالم بالصالح مبني على أن العبد المشترك بين اثنين لا يبقى صالحًا لكل من الشركاء، ولا يبعد أن يقال: صلاح الغلام كناية عن صلاح الموالي، فإن الناس على دين ملوكهم، والرجل على سيرة صاحبه، فيؤثر صلاح الموالي في صلاح العبد، وكذلك عدمه في عدمه، فصار المعنى أن العبد إما أن يكون مشتركًا بين اثنين متشاكسين أو لا، فإما أن لا يكون مشتركًا أصلًا أو يكون مشتركًا بين اثنين صالحين، فشقا الترديد الآخران داخلان في قوله: ﴿وَرَجُلًا سَلَمًا لِرَجُلٍ﴾ يعني: أنه يكون صالحًا، ثم بعد ذلك تحصل له فاصلة وهي كونه لواحد لا مشتركًا فيه بين كثيرين، انتهى. (١ - باب قوله: ﴿قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾ الآية [الزمر: ٥٣]) ذكر فيه حديث ابن عباس: "إن ناسًا من أهل الشرك كانوا قد قتلوا". قال القسطلاني (٣): سمّى الواقدي منهم وحشي بن حرب قاتل حمزة، وكذا هو عند الطبراني عن ابن عباس من وجه آخر، انتهى. زاد الحافظ (٤): وأنه لما قال ذلك نزلت: ﴿إلا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا﴾ الآية [الفرقان: ٧٠]، فقال: هذا شرط شديد، فنزلت: ﴿قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾ الآية، وروى ابن إسحاق في "السيرة" قال: حدثني نافع عن ابن عمر عن عمر قال: "اتعدت أنا وعياش بن أبي ربيعة

стр. 2597

وهشام بن العاص أن نهاجر": فذكر الحديث في قصتهم ورجوع رفيقه فنزلت: ﴿قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾ الآية، قال: فكتبت بها إلى هشام. قوله: (ونزل ﴿قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾) في رواية الطبراني: "فقال الناس: يا رسول الله! إنا أصبنا ما أصاب وحشي فقال: هي للمسلمين عامة"، وروى أحمد والطبراني في "الأوسط" من حديث ثوبان قال: "سمعت رسول الله ﷺ يقول: ما أحب أن لي بهذه الآية الدنيا وما فيها ﴿قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾ الآية، فقال رجل: ومن أشرك؟ فسكت ساعة ثم قال: ومن أشرك، ثلاث مرات". قال الحافظ (١): واستدل بعموم هذه الآية على غفران جميع الذنوب كبيرها وصغيرها سواء تعلقت بحق الآدميين أم لا، والمشهور عند أهل السُّنَّة أن الذنوب كلها تغفر بالتوبة، وأنها تغفر لمن شاء الله ولو مات على غير توبة، لكن حقوق الآدميين إذا تاب صاحبها من العود إلى شيء من ذلك تنفعه التوبة من العود، وأما خصوص ما وقع منه فلا بد له من رده لصاحبه أو محاللته منه، نعم في سعة فضل الله ما يمكن أن يعوض صاحب الحق عن حقه ولا يعذب العاصي بذلك، ويرشد إليه عموم قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨] والله أعلم، انتهى. وقال القسطلاني (٢): قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ [الزمر: ٥٣] الكبائر وغيرها الصادرة عن المؤمنين بعد التوبة، لكن قال القاضي ناصر الدين: تقييده بالتوبة خلاف الظاهر، وإضافة العباد تخصصه بالمؤمنين كما هو عرف القرآن، وقال أيضًا: والذين أسرفوا عام في جميع المسرفين، ويغفر الذنوب جميعًا شامل لكبائرها وصغائرها فتغفر مع التوبة أو بدونها،

стр. 2598

خلافًا للمعتزلة حيث ذهبوا إلى أنه يعفو عن الصغائر قبل التوبة وعن الكبائر بعدها، وجمهور أصحابنا أنه يعفو عن بعض الكبائر مطلقًا ويعذب ببعضها إلا أنه لا علم لنا الآن بشيء من هذين البعضين بعينه، وقال كثير منهم: لا نقطع بعفوه عن الكبائر بلا توبة بل نجوزه، واحتج الجمهور بوجهين: الأول: أن العفو لا يعذب على الذنب مع استحقاق العذاب، ولا تقول المعتزلة بذلك الاستحقاق في غير صورة النزاع إذ لا استحقاق بالصغائر أصلًا ولا بالكبائر بعد التوبة فلم يبق إلا الكبائر قبلها فهو يعفو عنها كما ذهبنا إليه. الثاني: الآيات الدالة على العفو عن الكبيرة قبل التوبة نحو قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ الآية، فإن ما عدا الشرك داخل فيه، ولا يمكن التقييد بالتوبة لأن الكفر معفو معها فيلزم تساوي ما نفي عنه الغفران وما أثبت له، وذلك مما لا يليق بكلام عاقل فضلًا عن كلام الله تعالى، وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ عام للكل فلا يخرج عنه إلا ما أجمع عليه، انتهى. (٢ - باب قوله: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ الآية [الزمر: ٦٧]) أي: ما عظّموه حق عظمته حين أشركوا به غيره، وسقط "باب" لغير أبي ذر، انتهى من "القسطلاني" (١). قوله: (جاء حبر) لم أقف على اسمه. قوله: (إنا نجد أن الله يجعل السماوات على أصبع) الحديث يأتي شرحه في كتاب التوحيد إن شاء الله تعالى، قال ابن التِّين: تكلّف الخطابي في تأويل الإصبع، وبالغ حتى جعل ضحكه ﷺ تعجبًا وإنكارًا لما قال الحبر، وردّ ما وقع في الرواية الأخرى "فضحك ﷺ تعجبًا وتصديقًا" بأنه على قدر

стр. 2599

ما فهم الراوي، قال النووي: وظاهر السياق أنه ضحك تصديقًا له، بدليل قراءته الآية التي تدل على صدق ما قال الحبر، والأولى في هذه الأشياء الكفّ عن التأويل مع اعتقاد التنزيه، فإن كل ما يستلزم النقص من ظاهرها غير مراد، انتهى من "الفتح" (١). (٣ - باب قوله: ﴿وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [الزمر: ٦٧]) لما وقع ذكر الأرض مفردًا حسن تأكيده بقوله: ﴿جَمِيعًا﴾ إشارة إلى أن المراد جميع الأراضي، وحديث الباب سيأتي شرحه مستوفي في كتاب التوحيد إن شاء الله تعالى (٢). (٤ - باب قوله: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إلا مَنْ شَاءَ اللَّهُ﴾ [الزمر: ٦٨]) اختلف في تعيين من استثنى الله، وقد لَمحت بشيء من ذلك في ترجمة موسى من أحاديث الأنبياء، انتهى من "الفتح" (٣). قال العيني (٤): قوله: ﴿إلا مَنْ شَاءَ اللَّهُ﴾ اختلفوا فيه فقيل: هم الشهداء، عن أبي هريرة: أن النبي ﷺ سأل جبريل ﵇ عن هذه الآية: "من أولئك الذين لم يشأ الله؟ قال: هم الشهداء متقلدين أسيافهم حول العرش" وقيل: هم جبريل وميكائيل وإسرافيل، رواه أنس عن النبي ﷺ ، وعن كعب الأحبار: اثنا عشر: حملة العرش ثمانية وجبرائيل وميكائيل وإسرافيل وملك الموت، وعن الضحاك: هم رضوان والحور العين ومالك والزبانية، وعن الحسن: ﴿إلا مَنْ شَاءَ اللَّهُ﴾ يعني: الله وحده، وقيل: عقارب النار وحياتها، وحديث الباب قد مضى مطولًا في أول "باب

стр. 2600

الإشخاص" ومضى أيضًا في أحاديث الأنبياء ﵈ في "باب وفاة موسى". قوله: (بعد النفخة الآخرة) وهي نفخة الإحياء، والنفخة الأولى نفخة الإماتة. قوله: (فلا أدري أكذلك كان؟) أي: أنه لم يمت عند النفخة الأولى واكتفى بصعقة الطور، أم أحيى بعد النفخة الثانية قبلي، وتعلق بالعرش، هكذا فسره الكرماني، والتحقيق في هذا الموضع أن يقال: إن حديث أبي هريرة الذي مضى في الإشخاص: أن الناس يصعقون يوم القيامة فيصعق معهم النبي ﷺ ، فيكون النبي أول من يفيق، فإذا أفاق يرى موسى ﵇ متعلقًا بالعرش، ولا يدري أنه كان فيمن صعق فأفاق قبله ﷺ أو كان ممن استثنى الله ، وهذا الذي ذكرناه مضمون ذلك الحديث الذي أخرجه في الإشخاص، وفي أحاديث الأنبياء، انتهى (١). قلت: وتقدم الكلام على قوله: "فأكون أول من يفيق" في هامش "اللامع" (٢) في أول الخصومات، وتقدم أيضًا في "اللامع" (٣) في كتاب الأنبياء ما كتب الشيخ قُدِّس سرُّه: قوله: "فيصعق من في السماوات. . ." إلخ. وهذه الصعقة سوى الصعقة التي تهلك بها الأحياء، وسوى التي تحيى بها الخلائق، وهذه النفخة إنما هي عند إتيان العرش وغيره في أرض المحشر، فينفخ في الصور ليصعق الناس وغيرهم ليخفى الأمر عليهم فلا ينظروا إلى ما يكون هناك إذًا، والاستثناء في قوله تعالى: ﴿إلا مَنْ شَاءَ اللَّهُ﴾ جار في تلك الصعقة لا صعقة الموت ونفخة الفناء، فإنها عامة، قال الله تعالى: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إلا وَجْهَهُ﴾ [القصص: ٨٨] فليتحفظ فإنه غريب، والله تعالى أعلم، انتهى. وفي هامشه: اختلفوا في عدد الصعقات والنفخات من ثنتين إلى

стр. 2601

خمسة، واختلفوا أيضًا في أن الاستثناء في قوله تعالى: ﴿إلا مَنْ شَاءَ اللَّهُ﴾ بأيتهن يتعلق. وحاصل ما أفاده الشيخ: أنها ثلاثة: صعقة الإماتة وصعقة الإحياء، والثالثة عند إتيان العرش في أرض المحشر، والاستثناء متعلق بهذه الثالثة. وحاصل ما أفاده في "الكوكب" (١): أنها أربعة إلى آخر ما ذكر في هامش "اللامع" من كلام الشيخ قُدِّس سرُّه عن "الكوكب"، وكذا ذكر الكلام على تفصيل النفخات، فارجع إليه لو شئت. وقال العلامة القسطلاني (٢) في كتاب الرقاق: اختار ابن العربي أنها ثلاث: نفخة الفزع لقوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ﴾ الآية [النمل: ٨٧]، ونفختا الصعق والبعث لقوله تعالى: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إلا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ﴾ [الزمر: ٦٨] واستدل ابن العربي بما في حديث الصور الطويل من قوله: "ثم ينفخ في الصور ثلاث نفخات: نفخة الفزع فيفزع أهل السماء والأرض بحيث تذهل كل مرضعة عما أرضعت، ثم نفخة الصعق، ثم نفخة القيام لرب العالمين"، أخرجه الطبري، لكن سنده ضعيف ومضطرب، وصحح القرطبي أنهما نفختان فقط فالأوليان عائدتان إلى واحدة، فزعوا إلى أن صعقوا، وفي مسلم عن عبد الله بن عمرو: "ثم ينفخ في الصور فلا يسمع أحد إلا أصغى ليتا ورفع ليتا ثم يرسل الله مطرًا كأنه الطل، فينبت منه أجساد الناس، ثم ينفخ فيه أخرى فإذا هم قيام ينظرون" ففيه التصريح بأنهما نفختان فقط، انتهى.

стр. 2602

(٤٠) المُؤْمِن كذا في النسخ الهندية و"القسطلاني" بدون لفظ سورة والبسملة، وفي نسخة الحافظين بزيادتهما. قال العيني (١): وهي مكية بلا خلاف، وقال السخاوي: نزلت بعد الزمر وقبل حم السجدة، وبعد السجدة الشورى ثم الزخرف ثم الدخان ثم الجاثية، انتهى. قوله: (قال مجاهد: ﴿حم﴾ مجازها مجاز أوائل السور) قال العلامة العيني (٢): قوله: "حم" في محل الابتداء، و"مجازها" مبتدأ ثان، وقوله: "مجاز أوائل السور" خبره، والجملة خبر المبتدأ الأول، و"مجازها" بالجيم والزاي، أي: طريقها، أي: حكمها حكم سائر الحروف المقطعة التي في أوائل السور للتنبيه على أن هذا القرآن من جنس هذه الحروف، وقيل: لقرع العصا عليهم، وعن عكرمة قال: قال رسول الله ﷺ : " ﴿حم﴾ اسم من أسماء الله تعالى، وهي مفتاح خزائن ربك ﷻ "، وعن ابن عباس: هو اسم الله الأعظم، وعنه: قسم أقسم الله به، وعن قتادة: اسم من أسماء القرآن، وعن الشعبي: شعار السورة، وعن عطاء الخراساني: الحاء افتتاح أسماء الله تعالى: حليم وحميد وحيّ وحنان وحكيم وحفيظ وحبيب، والميم افتتاح اسمه: مالك ومجيد ومنان، وعن الضحاك والكسائي: معناه: قضى ما هو كائن كأنهما أرادا الإشارة إلى "حم" بضم الحاء وتشديد الميم، انتهى. قال الحافظ (٣): ووقع في رواية أبي ذر: "وقال البخاري: ويقال: " ﴿حم﴾ مجازها" إلخ، وهذا الكلام لأبي عبيدة في "مجاز القرآن" ولفظه: " ﴿حم﴾ مجازها" مجاز أوائل السور، وقال بعضهم: بل هو اسم، وهو يطلق المجاز ويريد به التأويل، أي: تأويل ﴿حم﴾ وتأويل أوائل السور،

стр. 2603

أي: أن الكل في الحكم واحد فمهما قيل مثلًا في ﴿الم﴾ يقال مثله في ﴿حم﴾، وقد اختلف في هذه الحروف المقطعة التي في أوائل السور على أكثر من ثلاثين قولًا ليس هذا موضع بسطها، إلى آخر ما في "الفتح". (٤١) حم السجْدَة كذا في النسخة "الهندية" بدون لفظ السورة، وكذا في نسخة "القسطلاني" لكن بزيادة البسملة بعدها، وفي نسخة الحافظين ابن حجر والعيني بزيادتهما. قال العيني (١): وهي مكية بلا خلاف، نزلت بعد المؤمن وقبل الشورى، انتهى. قوله: (وقال طاوس عن ابن عباس: ﴿ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا﴾ [فصلت: ١١] أعطيا. . .) إلخ. قال الحافظ (٢): وصله الطبري وابن أبي حاتم بإسناد على شرط البخاري في الصحة، ولفظ الطبري في قوله: ﴿ائْتِيَا﴾ قال: أعطيا، وفي قوله: ﴿قَالَتَا أَتَيْنَا﴾ قالتا أعطينا، وقال عياض: ليس "أتى" ها هنا بمعنى "أعطى"، وإنما هو من الإتيان، وهو المجيء بمعنى الانفعال للوجود، بدليل الآية نفسها، وبهذا فسّره المفسرون أن معناه: جيئا بما خلقت فيكما وأظهراه، قالتا: أجبنا، وروي ذلك عن ابن عباس، قال: وقد روي عن سعيد بن جبير نحو ما ذكره المصنف، ولكنه يخرج على تقريب المعنى أنهما لما أمرتا بإخراج ما فيهما من شمس وقمر ونهر ونبات وغير ذلك وأجابتا إلى ذلك كان كالإعطاء؛ فعبر بالإعطاء عن المجيء بما أودعتاه، قلت: فإذا كان موجهًا وثبتت به الرواية فأي معنى لإنكاره عن ابن عباس، وكأنه لما رأى عن ابن عباس أنه فسره بمعنى المجيء نفى أن يثبت عنه أنه

стр. 2604

فسره بالمعنى الآخر، وهذا عجيب، فما المانع أن يكون له في الشيء، قولان بل أكثر. وقال ابن التِّين: لعلّ ابن عباس قرأها، "آتينا" بالمد ففسّرها على ذلك، قلت: وقد صرَّح أهل العلم بالقراءة أنها قراءته، وبها قرأ صاحباه مجاهد وسعيد بن جبير، وقال السهيلي في أماليه: قيل: إن البخاري وقع له في آي من القرآن وهم، فإن كان هذا منها وإلا فهي قراءة بلغته، ووجهه: أعطيا الطاعة، كما يقال: فلان يعطي الطاعة لفلان، قال: وقد قرئ ﴿ثُمَّ سُئِلُوا الْفِتْنَةَ لَآتَوْهَا﴾ [الأحزاب: ١٤] بالمد والقصر، والفتنة ضد الطاعة، وإذا جاز في إحداهما جاز في الأخرى، انتهى. وقال القسطلاني (١): بعد ذكر الإشكال: وأجيب بأن ابن عباس ومجاهدًا وابن جبير قرءوا آتيا قالتا آتينا بالمد فيهما، وفيه وجهان: أحدهما: أنه من المواتاة وهي الموافقة، أي: لتوافق كل منكما الأخرى كما يليق بها، وإليه ذهب الرازي والزمخشري، فوزن آتيا فاعلا كقاتلا وآتينا فاعلنا كقاتلنا. والثاني: أنه من الإيتاء بمعنى الإعطاء، فوزن آتيا أفعلا كأكرما، ووزن آتينا افعلنا كأكرمنا، فعلى الأول يكون قد حذف مفعولًا، وعلى الثاني مفعولين إذ التقدير: أعطيا الطاعة من أنفسكما من أمركما، قالتا: آتينا الطاعة، انتهى. وكتب الشيخ قُدِّس سرُّه في "اللامع" (٢): قوله: "ائتيا أعطيا" فسره به لأنهما لم يكونا موجودين حين أمرا ذلك، فلا يصح إرادة الإتيان منهما نعم طلب منهما الوجود والتكون فأعطياه وسارا موجودين، انتهى. وفي هامشه: أجاد الشيخ قُدِّس سرُّه في وجه تفسير الإتيان بالإعطاء، وعلى هذا لا يرد ما أورده الشرَّاح، ثم ذكر ما تقدم من كلام الشرَّاح وغيره من كلام المفسرين.

стр. 2605

قوله: (والهدى الذي هو الإرشاد. . .) إلخ، كتب الشيخ في "اللامع": حاصله أن الهداية قد تكون بمعنى الدلالة كما سبق، وقد تكون بمعنى الإيصال وهو الإصعاد، أي: جعله صاعدًا على المراد، ونسخة الإسعاد أظهر، انتهى. وبسط في هامشه توضيحه وتشريحه. (١ - باب قوله: ﴿وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلَا أَبْصَارُكُمْ﴾ الآية [فصلت: ٢٢]) قال الحافظ (١): قال الطبري: اختلف في معنى قوله: ﴿تَسْتَتِرُونَ﴾، ثم أخرج من طريق السدي قال: تستخفون، ومن طريق مجاهد قال: تتقون، ومن طريق شعبة عن قتادة قال: ما كنتم تظنون أن يشهد عليكم. . . إلخ، انتهى. (٢ - باب قوله: ﴿وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ﴾ الآية [فصلت: ٢٣]) قال الحافظ (٢): الإشارة في قوله: ﴿وَذَلِكُمْ﴾ لما تقدم من صنيع الاستتار ظنّا منهم أنهم يخفى عملهم عند الله، وهو مبتدأ: والخبر ﴿أَرْدَاكُمْ﴾ [فصلت: ٢٣] و ﴿ظَنُّكُمُ﴾ بدل من ذلك، ثم ذكر المصنف فيه الحديث الذي قبله، ثم قال: الحافظ تحت قوله: "كثيرة شحم بطونهم. . ." إلخ، وفيه إشارة إلى أن الفطنة قلما تكون مع البطنة، قال الشافعي: ما رأيت سمينًا عاقلًا إلا محمد بن الحسن، انتهى. (٣ - باب قوله: ﴿فَإِنْ يَصْبِرُوا فَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ﴾ الآية [فصلت: ٢٤]) كذا في النسخ الهندية، وليس في نسخ الشروح الثلاثة لفظ "باب". قال القسطلاني (٣): وسقطت الآية كلها لأبي ذر، انتهى.

стр. 2606

(٤٢) حم عسق كذا في النسخ الهندية ونسخة "القسطلاني" بغير لفظ سورة وبغير البسملة، وفي نسخة الحافظين بزيادتهما، قال العلامة العيني (١): وفي بعض النسخ: "سورة حم عسق"، وفي بعضها: "ومن سورة حم عسق"، انتهى. قلت: وهذا الأخير صنيع الإمام الترمذي في كتاب التفسير من "جامعه" فإنه يقول: من سورة كذا ومن سورة كذا، وذلك لأن المذكور تفسير لبعض آيات السورة لا لجميعها، فيستحسن إيراد "من" التبعيضية لأجل ذلك. ثم قال العلامة العيني (٢): قيل: قطع ﴿حم (١) عسق﴾ ولم يقطع ﴿كهيعص﴾ و ﴿الم﴾ و ﴿المص﴾ لكونها بين سور أوائلها ﴿حم﴾، فجرت مجرى نظائرها قبلها وبعدها، فكان ﴿حم﴾ مبتدأ و ﴿عسَق﴾ خبره ولأنهما عدًّا آيتين وعدت أخواتهما التي كتبت موصولة آية واحدة، وذكروا في ﴿حم (١) عسق﴾ معاني كثيرة ليس لها محل ها هنا، وهي مكية، قال مقاتل: وفيها من المدني قوله: ﴿ذَلِكَ الَّذِي يُبَشِّرُ اللَّهُ﴾ الآية [الشورى: ٢٣]، وقوله: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ﴾ [الشورى: ٣٩] إلى قوله: ﴿فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ﴾ [الشورى: ٤١]، انتهى. قوله: (ويذكر عن ابن عباس: ﴿عَقِيمًا﴾ التي لا تلد) قال الحافظ (٣): وصله ابن أبي حاتم والطبري من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس بلفظ ﴿وَيَجْعَلُ مَنْ يَشَاءُ عَقِيمًا﴾ [الشورى: ٥٠] قال: لا يلقح، وذكره باللفظ المعلق بلفظ جويبر عن الضحاك عن ابن عباس، وفيه ضعف وانقطاع، فكأنه (أي: البخاري) لم يجزم به لذلك، انتهى. قوله: (﴿فَيَظْلَلْنَ رَوَاكِدَ عَلَى ظَهْرِهِ﴾ [الشورى: ٣٣] أي: يتحركن. . .) إلخ،

стр. 2607

وروى الطبري من طريق سعيد عن قتادة قال: سفن هذا البحر تجري بالريح فإذا أمسكت عنها الريح ركدت، وقوله: "يتحركن" أي: يضربن بالأمواج، ولا يجرين في البحر بسكون الريح، وبهذا التقرير يندفع اعتراض من زعم أن "لا" سقطت في قوله: "يتحركن" قال: لأنهم فسروا "رواكد" بسواكن، وتفسير "رواكد" بسواكن قول أبي عبيدة، ولكن السكون والحركة في هذا أمر نسبي، انتهى من "الفتح" (١). وكتب الشيخ قُدِّس سرُّه في "اللامع" (٢): قوله: "يتحركن" إنما فسره، بذلك لئلا يستبعد الركود على ظهر الماء بحيث يستقر ولا يتحرك أصلًا، فإنه وإن كان ممكنًا إلا أنه مستبعد عادة، فلا حاجة إليه، إذ لا يتوقف معنى الآية عليه، فإن المراد عدم الجري لا عدم الحركة أصلًا، فافهم فإنه مفيد، انتهى. وذكر في هامشه ما تقدم من كلام الحافظ وغيره، وفيه أيضًا: قلت: وما أشار إليه الحافظ بقوله: يندفع اعتراض من زعم، بيَّنه القسطلاني بقوله: وقول صاحب "المصابيح" كأنه سقط منه "لا" إلخ. (١ - باب قوله: ﴿إلا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾ [الشورى: ٢٣]) ذكر فيه حديث طاوس عن ابن عباس: "سئل عن تفسيرها" إلخ، وهذا الذي جزم به سعيد بن جبير قد جاء عنه من روايته عن ابن عباس مرفوعًا، فأخرج الطبري وابن أبي حاتم من طريق قيس بن الربيع عن الأعمش عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: لما نزلت قالوا: يا رسول الله! من قرابتك الذي وجبت علينا مودتهم؟ الحديث، وإسناده ضعيف وهو ساقط لمخالفته هذا الحديث الصحيح، والمعنى: إلا أن تودوني لقرابتي فتحفظوني، والخطاب لقريش خاصة، والقربى قرابة العصوبة والرحم، فكأنه

стр. 2608

قال: احفظوني للقرابة، إن لم تتبعوني للنبوة، ثم ذكر ما تقدم عن عكرمة في سبب نزول [هذه الآية في المناقب] وقد جزم بهذا التفسير جماعة من المفسرين، واستندوا إلى ما ذكرته عن ابن عباس من الطبري وابن أبي حاتم، وإسناده واهٍ فيه ضعيف ورافضي، وذكر الزمخشري ها هنا أحاديث ظاهر وضعها، وردّه الزجاج بما صحّ عن ابن عباس من رواية طاوس في حديث الباب، وبما نقله الشعبي عنه، وهو المعتمد، وجزم بأن الاستثناء منقطع. وفي سبب نزولها قول آخر ذكره الواحدي عن ابن عباس قال: لما قدم النبي ﷺ المدينة كانت تنوبه نوائب، وليس بيده شيء، فجمع له الأنصار مالًا فقالوا: يا رسول الله! إنك ابن اختنا وقد هدانا الله بك، تنوبك النوائب وحقوق، وليس لك سعة، فجمعنا لك من أموالنا ما تستعين به علينا، فنزلت، وهذه من رواية الكلبي ونحوه من الضعفاء، وأخرج من طريق مقسم عن ابن عباس أيضًا قال: بلغ النبي ﷺ عن الأنصار شيء فخطب فقال: "ألم تكونوا ضلالًا فهداكم الله بي" الحديث، وفيه فجثوا على الركب وقالوا: أنفسنا وأموالنا لك فنزلت، وهذا أيضًا ضعيف، ويبطله أن الآية مكية، والأقوى في سبب نزولها [ما ذكره القرطبي في تفسيره] عن قتادة قال: قال المشركون: لعل محمدًا يطلب أجرًا على ما يتعاطاه فنزلت، انتهى (١). قال القسطلاني (٢): وأما حديث ابن عباس أيضًا عند ابن أبي حاتم: لما نزلت هذه الآية، ﴿قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إلا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾ [الشورى: ٢٣] قالوا: يا رسول الله! من هؤلاء الذين أمر الله بمودتهم، قال: "فاطمة وولدها ﵈"، فقال ابن كثير: إسناده ضعيف، فيه متهم لا يعرف إلا عن شيخ شيعي مخترع، وهو حسين الأشقر، ولا يقبل خبره في هذا المحل، والآية مكية، ولم يكن إذ ذاك لفاطمة أولاد بالكلية فإنها لم تتزوج بعلي إلا

стр. 2609

بعد بدر من السنة الثانية، وتفسير الآية بما فسر به حبر الأمة وترجمان القرآن ابن عباس أحق وأولى، ولا تنكر الوصاة بأهل البيت واحترامهم وإكرامهم، إذ هم من الذرية الطاهرة التي هي أشرف بيت وجد على وجه الأرض فخرًا وحسبًا ونسبًا، ولا سيما إذا كانوا متبعين للسُّنَّة الصحيحة، كما كان عليه سلفهم كالعباس وبنيه وعلي وآل بيته وذريته ﵃ أجمعين ونفعنا بمحبتهم، انتهى. وفي حاشية البخاري (١) عن الكرماني: وحاصل كلام ابن عباس: أن جميع قريش أقارب رسول الله ﷺ ، وليس المراد من الآية بنو هاشم ونحوهم كما يتبادر إلى الذهن من قول سعيد بن جبير، انتهى. وذكره العيني من غير عزو إلى الكرماني، قلت: وتقدم حديث الباب في أوائل المناقب بلفظ: "قربى محمد ﷺ " وكتب الشيخ قُدِّس سرُه هناك (٢): وكان سعيد يقول أولًا: إن المراد في الآية قرابة محمد ﷺ وأهل بيته، والاستثناء متصل، والمعنى لا أسألكم أجرًا على التبليغ إلا أن تصلوا أهل قرابتي، وكونه أجرة ظاهر، فردّ عليه ابن عباس قوله، وجعل الاستثناء منقطعًا بحمل القربى على المصدر لا الأقرباء، والمعنى لا أسألكم أجرًا إنما أسألكم أن تعاملوا بي ما تعاملون به فيما بينكم من وصل الأرحام فتصلوا ما بيني وبينكم من القرابة، وظاهر أنه ليس أجرًا لأن المطلوب فيه ليس شيء من العروض أو النقدين أو غيرها، بل المطلوب ترك التعرض له بالأذى والتكذيب وغيرهما فإذا بيَّن ابن عباس ذلك ترك سعيد ما كان يقوله، انتهى. (٤٣) حم الزُّخْرُفْ وهكذا في نسخة "القسطلاني" وفي نسخة "الفتح" و"العيني" بزيادة لفظ السورة والبسملة بعدها.

стр. 2610

قال العيني (١): قال مقاتل: هي مكية غير آية واحدة وهي ﴿وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا﴾ الآية [الزخرف: ٤٥]، وقال أبو العباس: مكية لا اختلاف فيها، قال ابن سيده: الزخرف الذهب، هذا الأصل، ثم سمي كل زينة زخرفًا، وزخرف البيت زينته، انتهى. قوله: (وقال ابن عباس: ﴿وَلَوْلَا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ [الزخرف: ٣٣] لولا أن أجعل الناس كلهم كفارًا. . .) إلخ، قال العيني (٢): أي قال ابن عباس في قوله تعالى: ﴿وَلَوْلَا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِنْ فِضَّةٍ﴾ الآية، وقد فسرها ابن عباس بقوله: لولا أن أجعل. . . إلخ. وكتب الشيخ في "اللامع" (٣): قوله: "لولا أن أجعل" أي: لولا كراهية ذلك، انتهى. وفي هامشه: وفي "الجلالين": المعنى لولا خوف الكفر على المؤمن من إعطاء الكافر ما ذكر لأعطيناه ذلك، قال صاحب "الجمل": في الكلام حذف المضاف، أي: ولولا خوف أن يكون الناس، لكن في تقدير هذا المضاف شيء لأن الله تعالى لا يخاف من شيء، فالأولى في تقرير الآية ما سلكه البيضاوي ونصه: أي لولا أن يرغبوا في الكفر إذا رأوا الكفار في سعة وتنعم لحبهم الدنيا فيجتمعوا عليه، وقدر الزمخشري فيه مضافًا فقال: لولا كراهة أن يجتمعوا على الكفر. . . إلخ، والغرض من تقديره أن كراهة الاجتماع هي المانعة من تمتيع الكفار، انتهى مختصرًا. (١ - باب قوله تعالى: ﴿وَنَادَوْا يَامَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ﴾ [الزخرف: ٧٧]) أي: الكفار ينادون لمالك خازن النار ﴿لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ﴾ أي: ليمتنا

стр. 2611

فنستريح، فيجيبهم مالك بعد ألف سنة: ﴿إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ﴾ الآية [الزخرف: ٧٧] في العذاب، وفي "تفسير الجوزي": ينادون مالكًا أربعين سنة فيجيبهم بعدها: ﴿إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ﴾ ثم ينادون ربّ العزة: ﴿رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا﴾ [المؤمنون: ١٠٧] فلا يجيبهم مثل عمر الدنيا ثم يقول: ﴿اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ﴾ [المؤمنون: ١٠٨]، انتهى. وحديث الباب قد مضى في بدء الخلق في "باب صفة النار" (١). (٤٤) الدُّخَان وكذا في نسخة "القسطلاني"، وفي نسخة الحافظين ابن حجر والعيني: "سورة حم الدخان"، والبسملة بعدها موجودة في نسخ الشروح الثلاثة. قال العيني (٢): وفي بعض النسخ "الدخان" بدون لفظ "حم"، قال مقاتل: هي مكية كلها، وقال أبو العباس: لا خلاف في ذلك، روى الترمذي مرفوعًا من حديث أبي هريرة: "من قرأ حم الدخان في ليلة أصبح يستغفر له سبعون ألف ملك"، وقال: غريب، وعنه: "من قرأ الدخان في ليلة الجمعة غفر له"، انتهى. (١ - باب: ﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ﴾ [الدخان: ١٠]) قال القسطلاني (٣): سقط لغير أبي ذر لفظ "باب" وقوله: ﴿فَارْتَقِبْ﴾ فقط، انتهى. ثم ذكر المصنف حديثين مضى الأول منهما في آخر سورة الفرقان، والثاني سبق في تفسير سورة الروم وتقدم بسط الكلام عليه هناك.

стр. 2612

(٢ - باب قوله تعالى: ﴿يَغْشَى النَّاسَ هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [الدخان: ١١]) ليس لفظ "باب" في نسخة "الفتح" وموجود في نسخة "العيني" و"القسطلاني". قال القسطلاني (١): سقط لفظ "باب" لغير أبي ذر، انتهى. قال العلامة العيني (٢) تحت حديث الباب: وقد ترجم لهذا الحديث ثلاث تراجم بعد هذا وساق الحديث بعينه مطوّلًا ومختصرًا، وقد مضى أيضًا في الاستسقاء وفي تفسير الفرقان مختصرًا وفي تفسير الروم وتفسير ص مطولًا، انتهى. (٣ - باب قوله: ﴿رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذَابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ﴾ [الدخان: ١٢]) قال القسطلاني (٣): سقط "باب قوله" لغير أبي ذر. ثم فسّر القسطلاني الآية، فقال: أي عذاب القحط والجهد، أو عذاب الدخان الآتي قرب قيام الساعة أو عذاب النار حين يدعون إليها في القيامة، أو دخان يأخذ بأسماع المنافقين وأبصارهم ورجح الأول بأن القحط لما اشتد على أهل مكة أتاه أبو سفيان فناشده الرحم ووعده: إن كشف عنهم آمنوا، فلما كشف عادوا، ولو حملناه على الآخرين لم يصح لأنه لا يصح؛ أن يقال لهم حينئذ: ﴿إِنَّا كَاشِفُو الْعَذَابِ قَلِيلًا إِنَّكُمْ عَائِدُونَ﴾ [الدخان: ١٥]، انتهى.
следующие страницы →