قال: احفظوني للقرابة، إن لم تتبعوني للنبوة، ثم ذكر ما تقدم عن عكرمة في سبب نزول [هذه الآية في المناقب] وقد جزم بهذا التفسير جماعة من المفسرين، واستندوا إلى ما ذكرته عن ابن عباس من الطبري وابن أبي حاتم، وإسناده واهٍ فيه ضعيف ورافضي، وذكر الزمخشري ها هنا أحاديث ظاهر وضعها، وردّه الزجاج بما صحّ عن ابن عباس من رواية طاوس في حديث الباب، وبما نقله الشعبي عنه، وهو المعتمد، وجزم بأن الاستثناء منقطع.
وفي سبب نزولها قول آخر ذكره الواحدي عن ابن عباس قال: لما قدم النبي ﷺ المدينة كانت تنوبه نوائب، وليس بيده شيء، فجمع له الأنصار مالًا فقالوا: يا رسول الله! إنك ابن اختنا وقد هدانا الله بك، تنوبك النوائب وحقوق، وليس لك سعة، فجمعنا لك من أموالنا ما تستعين به علينا، فنزلت، وهذه من رواية الكلبي ونحوه من الضعفاء، وأخرج من طريق مقسم عن ابن عباس أيضًا قال: بلغ النبي ﷺ عن الأنصار شيء فخطب فقال: "ألم تكونوا ضلالًا فهداكم الله بي" الحديث، وفيه فجثوا على الركب وقالوا: أنفسنا وأموالنا لك فنزلت، وهذا أيضًا ضعيف، ويبطله أن الآية مكية، والأقوى في سبب نزولها [ما ذكره القرطبي في تفسيره] عن قتادة قال: قال المشركون: لعل محمدًا يطلب أجرًا على ما يتعاطاه فنزلت، انتهى (١).
قال القسطلاني (٢): وأما حديث ابن عباس أيضًا عند ابن أبي حاتم: لما نزلت هذه الآية، ﴿قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إلا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾ [الشورى: ٢٣] قالوا: يا رسول الله! من هؤلاء الذين أمر الله بمودتهم، قال: "فاطمة وولدها ﵈"، فقال ابن كثير: إسناده ضعيف، فيه متهم لا يعرف إلا عن شيخ شيعي مخترع، وهو حسين الأشقر، ولا يقبل خبره في هذا المحل، والآية مكية، ولم يكن إذ ذاك لفاطمة أولاد بالكلية فإنها لم تتزوج بعلي إلا
стр. 2609
بعد بدر من السنة الثانية، وتفسير الآية بما فسر به حبر الأمة وترجمان القرآن ابن عباس أحق وأولى، ولا تنكر الوصاة بأهل البيت واحترامهم وإكرامهم، إذ هم من الذرية الطاهرة التي هي أشرف بيت وجد على وجه الأرض فخرًا وحسبًا ونسبًا، ولا سيما إذا كانوا متبعين للسُّنَّة الصحيحة، كما كان عليه سلفهم كالعباس وبنيه وعلي وآل بيته وذريته ﵃ أجمعين ونفعنا بمحبتهم، انتهى.
وفي حاشية البخاري (١) عن الكرماني: وحاصل كلام ابن عباس: أن جميع قريش أقارب رسول الله ﷺ ، وليس المراد من الآية بنو هاشم ونحوهم كما يتبادر إلى الذهن من قول سعيد بن جبير، انتهى.
وذكره العيني من غير عزو إلى الكرماني، قلت: وتقدم حديث الباب في أوائل المناقب بلفظ: "قربى محمد ﷺ " وكتب الشيخ قُدِّس سرُه هناك (٢): وكان سعيد يقول أولًا: إن المراد في الآية قرابة محمد ﷺ وأهل بيته، والاستثناء متصل، والمعنى لا أسألكم أجرًا على التبليغ إلا أن تصلوا أهل قرابتي، وكونه أجرة ظاهر، فردّ عليه ابن عباس قوله، وجعل الاستثناء منقطعًا بحمل القربى على المصدر لا الأقرباء، والمعنى لا أسألكم أجرًا إنما أسألكم أن تعاملوا بي ما تعاملون به فيما بينكم من وصل الأرحام فتصلوا ما بيني وبينكم من القرابة، وظاهر أنه ليس أجرًا لأن المطلوب فيه ليس شيء من العروض أو النقدين أو غيرها، بل المطلوب ترك التعرض له بالأذى والتكذيب وغيرهما فإذا بيَّن ابن عباس ذلك ترك سعيد ما كان يقوله، انتهى.
(٤٣) حم الزُّخْرُفْ
وهكذا في نسخة "القسطلاني" وفي نسخة "الفتح" و"العيني" بزيادة لفظ السورة والبسملة بعدها.
стр. 2610
قال العيني (١): قال مقاتل: هي مكية غير آية واحدة وهي ﴿وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا﴾ الآية [الزخرف: ٤٥]، وقال أبو العباس: مكية لا اختلاف فيها، قال ابن سيده: الزخرف الذهب، هذا الأصل، ثم سمي كل زينة زخرفًا، وزخرف البيت زينته، انتهى.
قوله: (وقال ابن عباس: ﴿وَلَوْلَا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ [الزخرف: ٣٣] لولا أن أجعل الناس كلهم كفارًا. . .) إلخ، قال العيني (٢): أي قال ابن عباس في قوله تعالى: ﴿وَلَوْلَا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِنْ فِضَّةٍ﴾ الآية، وقد فسرها ابن عباس بقوله: لولا أن أجعل. . . إلخ.
وكتب الشيخ في "اللامع" (٣): قوله: "لولا أن أجعل" أي: لولا كراهية ذلك، انتهى.
وفي هامشه: وفي "الجلالين": المعنى لولا خوف الكفر على المؤمن من إعطاء الكافر ما ذكر لأعطيناه ذلك، قال صاحب "الجمل": في الكلام حذف المضاف، أي: ولولا خوف أن يكون الناس، لكن في تقدير هذا المضاف شيء لأن الله تعالى لا يخاف من شيء، فالأولى في تقرير الآية ما سلكه البيضاوي ونصه: أي لولا أن يرغبوا في الكفر إذا رأوا الكفار في سعة وتنعم لحبهم الدنيا فيجتمعوا عليه، وقدر الزمخشري فيه مضافًا فقال: لولا كراهة أن يجتمعوا على الكفر. . . إلخ، والغرض من تقديره أن كراهة الاجتماع هي المانعة من تمتيع الكفار، انتهى مختصرًا.
(١ - باب قوله تعالى: ﴿وَنَادَوْا يَامَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ﴾ [الزخرف: ٧٧])
أي: الكفار ينادون لمالك خازن النار ﴿لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ﴾ أي: ليمتنا
стр. 2611
فنستريح، فيجيبهم مالك بعد ألف سنة: ﴿إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ﴾ الآية [الزخرف: ٧٧] في العذاب، وفي "تفسير الجوزي": ينادون مالكًا أربعين سنة فيجيبهم بعدها: ﴿إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ﴾ ثم ينادون ربّ العزة: ﴿رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا﴾ [المؤمنون: ١٠٧] فلا يجيبهم مثل عمر الدنيا ثم يقول: ﴿اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ﴾ [المؤمنون: ١٠٨]، انتهى.
وحديث الباب قد مضى في بدء الخلق في "باب صفة النار" (١).
(٤٤) الدُّخَان
وكذا في نسخة "القسطلاني"، وفي نسخة الحافظين ابن حجر والعيني: "سورة حم الدخان"، والبسملة بعدها موجودة في نسخ الشروح الثلاثة.
قال العيني (٢): وفي بعض النسخ "الدخان" بدون لفظ "حم"، قال مقاتل: هي مكية كلها، وقال أبو العباس: لا خلاف في ذلك، روى الترمذي مرفوعًا من حديث أبي هريرة: "من قرأ حم الدخان في ليلة أصبح يستغفر له سبعون ألف ملك"، وقال: غريب، وعنه: "من قرأ الدخان في ليلة الجمعة غفر له"، انتهى.
(١ - باب: ﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ﴾ [الدخان: ١٠])
قال القسطلاني (٣): سقط لغير أبي ذر لفظ "باب" وقوله: ﴿فَارْتَقِبْ﴾ فقط، انتهى.
ثم ذكر المصنف حديثين مضى الأول منهما في آخر سورة الفرقان، والثاني سبق في تفسير سورة الروم وتقدم بسط الكلام عليه هناك.
стр. 2612
(٢ - باب قوله تعالى: ﴿يَغْشَى النَّاسَ هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [الدخان: ١١])
ليس لفظ "باب" في نسخة "الفتح" وموجود في نسخة "العيني" و"القسطلاني".
قال القسطلاني (١): سقط لفظ "باب" لغير أبي ذر، انتهى.
قال العلامة العيني (٢) تحت حديث الباب: وقد ترجم لهذا الحديث ثلاث تراجم بعد هذا وساق الحديث بعينه مطوّلًا ومختصرًا، وقد مضى أيضًا في الاستسقاء وفي تفسير الفرقان مختصرًا وفي تفسير الروم وتفسير ص مطولًا، انتهى.
(٣ - باب قوله: ﴿رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذَابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ﴾ [الدخان: ١٢])
قال القسطلاني (٣): سقط "باب قوله" لغير أبي ذر.
ثم فسّر القسطلاني الآية، فقال: أي عذاب القحط والجهد، أو عذاب الدخان الآتي قرب قيام الساعة أو عذاب النار حين يدعون إليها في القيامة، أو دخان يأخذ بأسماع المنافقين وأبصارهم ورجح الأول بأن القحط لما اشتد على أهل مكة أتاه أبو سفيان فناشده الرحم ووعده: إن كشف عنهم آمنوا، فلما كشف عادوا، ولو حملناه على الآخرين لم يصح لأنه لا يصح؛ أن يقال لهم حينئذ: ﴿إِنَّا كَاشِفُو الْعَذَابِ قَلِيلًا إِنَّكُمْ عَائِدُونَ﴾ [الدخان: ١٥]، انتهى.
стр. 2613
(٤ - باب قوله: ﴿أَنَّى لَهُمُ الذِّكْرَى وَقَدْ جَاءَهُمْ رَسُولٌ مُبِينٌ﴾ [الدخان: ١٣])
قال العيني والقسطلاني (١): سقط "باب" لغير أبي ذر.
قوله: (قال: دخلت على عبد الله ثم قال. . .) إلخ، قال القسطلاني (٢): فيه حذف اختصره، والظاهر أن الذي اختصره قول مسروق: بينا رجل يحدث في كندة إلى قوله: فأتيت ابن مسعود وكان متكئًا فغضب فجلس فقال: من علم فليقل ومن لم يعلم فليقل الله أعلم، ثم قال: إلى آخر الحديث المذكور ها هنا، انتهى.
(٥ - باب قوله: ﴿ثُمَّ تَوَلَّوْا عَنْهُ وَقَالُوا مُعَلَّمٌ مَجْنُونٌ﴾ [الدخان: ١٤])
سقط لفظ "باب" لغير أبي ذر، قاله القسطلاني (٣).
(باب قوله: ﴿إِنَّا كَاشِفُو الْعَذَابِ قَلِيلًا إِنَّكُمْ عَائِدُونَ﴾ [الدخان: ١٥]. . .) إلخ
وفي نسخ الشروح الثلاثة ها هنا: ﴿يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى إِنَّا مُنْتَقِمُونَ﴾ [الدخان: ١٦] بغير لفظ "باب".
قال العلامة العيني (٤): وقعت هذه الترجمة هكذا في النسخ كلها، انتهى.
(٤٥) الجَاثِيَة
وفي نسخة "القسطلاني": "سورة الجاثية" وفي نسخة ابن حجر والعيني: "سورة حم الجاثية" والبسملة موجودة في نسخ الشروح الثلاثة.
стр. 2614
قال العلامة العيني (١): وفي بعض النسخ: "ومن سورة الجاثية" وهي مكية لا خلاف فيها، انتهى.
(باب: ﴿وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ﴾ [الجاثية: ٢٤])
هكذا في النسخ الهندية و"الفتح" و"القسطلاني"، وفي نسخة "العيني" بغير لفظ "باب"، قال (٢): وفي بعض النسخ "باب" انتهى.
قال القسطلاني (٣) في تفسير الآية: أي وما يفنينا إلا مرّ الزمان وطول العمر واختلاف الليل والنهار، وقال في شرح قوله: "وأنا الدهر. . ." إلخ: روى نصب الدهر، أي: أقلب الليل والنهار في الدهر، والرفع كما مر أوجه، أي: أنا خالق الدهر، قال في "شرح المشكاة": لأنه لا طائل تحته على تقدير النصب؛ لأن تقديم الظرف إما للاهتمام أو للاختصاص، ولا يقتضي المقام ذلك لأن الكلام مفرغ في شأن المتكلم لا في الظرف، ولهذا عرف الخبر لإفادة الحصر فكأنه قيل: أنا أقلب الليل والنهار لا ما تنسبونه إليه، قيل: الدهر الثاني غير الأول، وإنما هو مصدر بمعنى الفاعل ومعناه: أنا الداهر المصرف المدبر المقدر لما يحدث فإذا سبّ ابن آدم الدهر من أجل أنه فاعل هذه الأمور عاد سبّه إليّ لأني فاعلها، وإنما الدهر زمان جعلته ظرفًا لمواقع الأمور، قاله الشافعي والخطابي وغيرهما، وهذا مذهب الدهرية من الكفار ومن وافقهم من مشركي العرب المنكرين للمعاد والفلاسفة الدهرية الدورية المنكرين للصانع المعتقدين أن في كل ستة وثلاثين ألف سنة يعود كل شيء إلى ما كان عليه، وكابروا المعقول وكذبوا المنقول، قال ابن كثير: وقد غلط ابن حزم ومن نحا نحوه من الظاهرية في عدّهم الدهر من الأسماء الحسنى أخذًا من هذا الحديث، وهذا الحديث أخرجه المؤلف أيضًا في التوحيد، ومسلم وأبو داود وفي الأدب، والنسائي في التفسير، انتهى.
стр. 2615
(٤٦) الأحْقَافُ
وهكذا في نسخة "القسطلاني"، وفي نسخة الحافظين: "سورة حم الأحقاف" والبسملة موجودة في الشروح الثلاثة.
قال العلامة العيني (١): قال أبو العباس: هي مكية وفيها آيتان مدنيتان: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَكَفَرْتُمْ بِهِ﴾ [الأحقاف: ١٠] وقوله: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا لَوْ كَانَ خَيْرًا مَا سَبَقُونَا إِلَيْهِ﴾ [الأحقاف: ١١] والأحقاف قال الكسائي: هي ما استدار من الرمل، واحدها حقف وحقاف مثل دبغ ودباغ ولبس ولباس، وقيل: الحقاف جمع الحقف والأحقاف جمع الجمع، وقال ابن عباس: الأحقاف وادٍ بين عمان ومهرة، وعن مقاتل: كانت منازل عاد باليمن في حضرموت في موضع يقال له: مهرة تنسب إليها الجمال المهرية، وكانوا أهل عمد سيارة في الربيع فإذا هاج العود رجعوا إلى منازلهم وكانوا من قبيلة إرم، وعن الضحاك: الأحقاف جبل بالشام، وعن مجاهد: هي أرض حسمي، وعن الخليل: هي الرمال العظام، انتهى.
قوله: (وقال غيره: ﴿أَرَأَيْتُمْ﴾ هذه الألف إنما هي توعد. . .) إلخ، أي: غير ابن عباس، ﴿أَرَأَيْتُمْ﴾ من قوله: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ الآية، هذه الألف التي في أول ﴿أَرَأَيْتُمْ﴾ المستفهم بها إنّما هي توعد لكفار مكة حيث ادعوا صحة ما عبدوه من دون الله: إن صح ما تدعون - بتشديد الدال - في زعمكم ذلك لا يستحق أن يعبد لأنه مخلوق ولا يستحق أن يعبد إلا الخالق. . .، إلى آخر ما قال القسطلاني (٢).
وكذا قال العيني (٣): إن الإمام البخاري أشار به إلى قوله تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَكَفَرْتُمْ بِهِ﴾.
والأوجه عندي أن الإمام البخاري أشار به إلى تفسير قوله تعالى:
стр. 2616
﴿أَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ﴾ [الأحقاف: ٤] وهو الأوفق بسياق البخاري كما هو ظاهر؛ فإن الاستدلال بالخلق وعدمه كما ذكره البخاري في كلامه إنما هو مذكور في هذه الآية لا في الآية التي ذكرها الشرَّاح.
(١ - باب قوله: ﴿وَالَّذِي قَالَ لِوَالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُمَا أَتَعِدَانِنِي﴾ [الأحقاف: ١٧]. . .) إلخ
قال العيني (١) تحت حديث الباب: مطابقته للترجمة ظاهرة.
وقوله: (كان مروان على الحجاز) أي: أميرًا على المدينة من قبل معاوية.
قوله: (فجعل يذكر يزيد بن معاوية) إلى آخره، قد أوضحه الإسماعيلي في روايته بلفظ: أراد معاوية أن يستخلف يزيد فكتب إلى مروان وكان على المدينة فجمع الناس فخطبهم فقال: إن أمير المؤمنين قد رأى رأيًا حسنًا في يزيد ودعا إلى بيعة يزيد، فقال عبد الرحمن: ما هي إلا هرقلية، إن أبا بكر والله لم يجعلها في أحد من ولده ولا من أهل بلده ولا من أهل بيته، فقال مروان: ألست الذي قال الله فيه: ﴿وَالَّذِي قَالَ لِوَالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُمَا﴾؟ قال: فسمعتها عائشة فقالت: يا مروان أنت القائل لعبد الرحمن كذا وكذا؟ والله ما أنزلت إلا في فلان ابن فلان الفلاني، وفي لفظ: والله لو شئت أن أسميه لسميته ولكن رسول الله ﷺ لعن أبا مروان ومروان في صلبه، فمروان فضض - أي: قطعة - من لعنة الله ، فنزل مروان مسرعًا حتى أتى باب عائشة ﵂ فجعل يكلمها وتكلمه ثم انصرف، وفي لفظ: فقالت عائشة: كذب والله ما نزلت فيه.
قوله: (فقال له عبد الرحمن شيئًا) ولم يبين ما هذا الشيء الذي قاله عبد الرحمن لمروان، وأوضح ذلك الإسماعيلي في رواية: فقال
стр. 2617
عبد الرحمن: ما هي إلا هرقلية، وله من طريق شعبة عن محمد بن زياد: فقال مروان: سُنَّة أبي بكر وعمر، فقال عبد الرحمن، سُنَّة هرقل وقيصر.
قوله: (فقال: خذوه) أي: فقال مروان لأعوانه: خذوا عبد الرحمن.
قوله: (دخل) أي: عبد الرحمن بيت عائشة رضي الله تعالى عنها ملتجئًا بها.
قوله: (فلم يقدروا) على إخراجه من بيت عائشة إعظامًا لعائشة، امتنعوا من الدخول في بيتها.
قوله: (فقال مروان: إن هذا الذي) أراد به عبد الرحمن "أنزل الله فيه" أي: في حقه ﴿وَالَّذِي قَالَ لِوَالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُمَا أَتَعِدَانِنِي﴾ [الأحقاف: ١٧] فأجابت عائشة بقولها: ما أنزل الله فينا شيئًا، إلى آخره.
قوله: (إن الله أنزل عذري) أرادت بها الآيات التي نزلت في براءة ساحة عائشة رضي الله تعالى عنها وهي ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ﴾ [النور: ١١] إلى آخره.
قوله: (فينا) أرادت به بني أبي بكر لأن أبا بكر ﵁ نزل فيه ﴿ثَانِيَ اثْنَيْنِ﴾ [التوبة: ٤٠] وقوله: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ﴾ [الفتح: ٢٩] وقوله: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ﴾ [التوبة: ١٠٠] وفي آي كثيرة، انتهى من "العيني".
(٢ - باب قوله: ﴿فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ﴾ الآية [الأحقاف: ٢٤])
قال القسطلاني (١): سقط لغير أبي ذر "باب قوله"، انتهى.
قال الحافظ (٢) في شرح حديث الباب: قوله: "عذب قوم بالريح وقد رأى قوم العذاب فقالوا: ﴿هَذَا عَارِضٌ﴾ " ظاهر هذا أن الذي عذبوا بالريح غير الذين قالوا ذلك؛ لما تقرر أن النكرة إذا أعيدت نكرة كانت غير الأول، لكن ظاهر آية الباب على أن الذين عذبوا بالريح هم الذين قالوا:
стр. 2618
هذا عارض، ففي هذه السورة: ﴿وَاذْكُرْ أَخَا عَادٍ إِذْ أَنْذَرَ قَوْمَهُ بِالْأَحْقَافِ﴾ الآية [الأحقاف: ٢١] الآيات، وفيها: ﴿فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [الأحقاف: ٢٤]، وقد أجاب الكرماني عن الإشكال بأن هذه القاعدة المذكورة إنما تطرد إذا لم يكن في السياق قرينة تدل على أنها عين الأول، فإن كان هناك قرينة كما في قوله: ﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ﴾ [الزخرف: ٨٤] فلا، ثم قال: ويحتمل أن عادًا قومان: قوم بالأحقاف وهم أصحاب العارض، وقوم غيرهم، قلت: ولا يخفى بعده لكنه محتمل فقد قال تعالى في سورة النجم: ﴿وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عَادًا الْأُولَى﴾ [النجم: ٥٠]؛ فإنه يشعر بأن ثم عادًا أخرى، وقد أخرج قصة عاد الثانية أحمد ثم ذكرها الحافظ ثم قال: وأخرج الترمذي والنسائي وابن ماجه بعضه، والظاهر أنه في قصة عاد الأخيرة لذكر مكة فيه، وإنما بنيت بعد إبراهيم حين أسكن هاجر وإسماعيل بواد غير ذي زرع، فالذين ذكروا في سورة الأحقاف هم عاد الأخيرة، ويلزم عليه أن المراد بقوله تعالى: ﴿أَخَا عَادٍ﴾ نبي آخر غير هود، والله تعالى أعلم، انتهى.
قال القسطلاني: وحديث أحمد ذكره ابن كثير بطوله في تفسيره وابن حجر مختصرًا.
(٤٧) الَّذِينَ كَفَرُوا
كذا في النسخة الهندية و"القسطلاني"، وفي نسخة الحَافِظَينَ: "سورة محمد ﷺ " مع البسملة أخيرًا.
قال القسطلاني (١): مدنية، وقيل: مكية، ثم قال بعد ذكر اختلاف النسخ: وتسمى السورة أيضًا "سورة القتال"، انتهى.
قال العيني (٢): قال أبو العباس: ذكر عن الحكم عن السدي أنه قال:
стр. 2619
هي مكية ثم وجدنا عامة من نقلنا عنهم تفسير هذه السورة مجمعين على أنها مدنية، وقال الضحاك والسدي: مكية، وفي تفسير ابن النقيب: حكي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن قوله : ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ﴾ [محمد: ١٣] نزلت بعد حجة النبي ﷺ حين خرج من مكة، شرّفها الله تعالى، انتهى.
قال القسطلاني (١): قوله: (﴿أَوْزَارَهَا﴾) في قوله: تعالى: ﴿فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا﴾ [محمد: ٤] أي: "آثامها" أو آلاتها وأثقالها وهو من مجاز الحذف، أي: حتى تضع أمة الحرب أو فرقة الحرب أوزارها، والمراد انقضاء الحرب بالكلِّيَّة حتى لا يبقى إلا مسلم أو مسالم، والمعنى حتى يضع أهل الحرب شركهم ومعاصيهم وهو غاية للضرب أو الشد أو للمن والفداء أو للمجموع يعني أن هذه الأحكام جارية فيهم حتى لا يكون حرب مع المشركين بزوال شوكتهم، وقيل: بنزول عيسى، وأسند الوضع إلى الحرب لأنه لو أسنده إلى أهله بأن كان يقول: حتى تضع أمة الحرب جاز أن يضعوا الأسلحة ويتركوا الحرب وهي باقي كقول القائل:
خصومتي ما انفصلت ولكن … تركتها في هذه الأيام
انتهى.
قال الحافظ (٢): قال عبد الرزاق عن معمر عن قتادة في قوله: ﴿حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا﴾ قال: حتى لا يكون شرك، قال: والحرب من كان يقاتله سماهم حربًا، قال ابن التِّين: لم يقل هذا أحد غير البخاري والمعروف أن المراد بأوزارها السلاح، وقيل: حتى ينزل عيسى ابن مريم، انتهى.
قال الحافظ: وما نفاه قد علمه غيره، قال ابن قرقول: هذا التفسير يحتاج إلى تفسير وذلك لأن الحرب لا آثام لها، فلعله كما قال الفراء: آثام أهلها ثم حذف وأبقى المضاف إليه، أو كما قال النحاس: حتى تضع أهل الآثام فلا يبقى مشرك، انتهى.
стр. 2620
ولفظ الفراء: الهاء في ﴿أَوْزَارَهَا﴾ لأهل الحرب أي آثامهم، ويحتمل أن يعود على الحرب، والمراد بأوزارها سلاحها، انتهى. فجعل ما ادعى ابن التِّين أنه المشهور احتمالًا، انتهى.
(١ - باب قوله: ﴿وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ﴾ الآية [محمد: ٢٢])
قرأ الجمهور بالتشديد ويعقوب بالتخفيف، قاله الحافظ (١).
وقال القسطلاني (٢): وسقط لفظ "باب" لغير أبي ذر، انتهى.
(٤٨) سُورَةُ الفَتْحِ
وفي نسخ الشروح الثلاثة بزيادة البسملة بعدها.
قال العيني (٣): وهي مدنية، قيل: نزلت بين الحديبية والمدينة منصرفه من الحديبية أو بكراع الغميم، والفتح صلح الحديبية، وقيل: فتح مكة، انتهى.
قوله: (﴿سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ﴾ [الفتح: ٢٩] السحنة) وفي رواية المستملي والكشميهني والقابسي: "السجدة" والأول أولى، فقد وصله ابن أبي حاتم من طريق الحاكم عن مجاهد كذلك، والسحنة بالسين وسكون الحاء المهملتين، وقيَّده ابن السكن والأصيلي بفتحهما، قال عياض: وهو الصواب عند أهل اللغة، وهو لين البشرة والنعمة وقيل: الهيئة، وقيل: الحال، انتهى.
وقال العكبري: السحنة بفتح أوله وسكون ثانيه: لون الوجه، ولرواية المستملي ومن وافقه توجيه لأنه يريد بالسجدة أثرها في الوجه، يقال لأثر السجود في الوجه: سجدة وسجادة.
قول: (وقال منصور عن مجاهد: التواضع) وصله علي بن المديني عن
стр. 2621
جرير عن منصور، ورويناه في "الزهد" لابن المبارك، وفي تفسير عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن مجاهد قال: هو الخشوع زاد في رواية زائدة: قلت: ما كنت أراه إلا هذا الأثر الذي في الوجه، فقال: ربما كان بين عيني من هو أقسى قلبًا من فرعون (١)، انتهى.
قال القسطلاني (٢): وقال بعضهم: إن للحسنة نورًا في القلب وضياء في الوجه وسعة في الرزق ومحبة في قلوب الناس، فما كمن في النفس ظهر على صفحات الوجه، وفي حديث جندب بن سفيان البجلي عند الطبراني مرفوعًا: "ما أسر أحد سريرة إلا ألبسه الله رداءها، إن خيرًا فخير وإن شرًا فشر"، وغير ذلك من الأقوال ذكرها القسطلاني.
(١ - باب: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾ [الفتح: ١])
سقط لفظ "باب" لغير أبي ذر، قاله القسطلاني (٣).
قال العلامة العيني (٤): عن أنس ﵁: الفتح فتح مكة، وعن مجاهد والعوفي: فتح خيبر، وعن بعضهم: فتح الروم، وقيل: فتح الإسلام، وعن جابر: ما كنا نعد فتح مكة إلا يوم الحديبية، انتهى.
وقال القسطلاني (٥): الأكثرون على أنه صلح الحديبية، وقيل: فتح مكة، والتعبير عنه بالماضي لتحققه قال في "الكشاف": وفي ذلك من الفخامة والدلالة على علو شأن المخبر ما لا يخفى، انتهى.
قال الطيبي: لأن هذا الأسلوب إنما يرتكب في أمر يعظم مناله ويعز الوصول إليه ولا يقدر على نيله إلا من له قهر وسلطان ولذا ترى أكثر أحوال القيامة واردة على هذا المنهج؛ لأن فتح مكة من أمهات الفتوح، وبه دخل الناس في دين الله أفواجًا، وأمر رسول الله ﷺ بالاستغفار والتأهب
стр. 2622
للمسير إلى دار القرار، ثم ذكر بعض الأقوال مما تقدم، وقيل: فتح الإسلام بالحجة والبرهان والسيف والسنان، انتهى.
قال الحافظ (١): قوله: "كان في سفر" جاء في رواية الطبراني من طريق عبد الرحمن بن أبي علقمة عن ابن مسعود أن السفر المذكور هو عمرة الحديبية، انتهى.
قال العيني (٢): قال القرطبي: وهذا السفر كان ليلًا منصرفه من الحديبية، لا أعلم بين أهل العلم في ذلك خلافًا، وهذا الحديث مضى في المغازي في "باب غزوة الحديبية"، انتهى.
(٢ - باب قوله: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾ [الفتح: ٢]. . .) إلخ
كذا في النسخ الهندية و"القسطلاني"، وفي نسخة "العيني" ذكرت هذه الآية بغير لفظ "باب"، وأما في نسخة شرح الحافظ فهذه الآية غير مذكورة، نعم هو موجود في نسخة متن شرح الحافظ.
قال العيني (٣): ليست هذه الآية بمذكورة في أكثر النسخ، انتهى.
قال العلامة القسطلاني (٤) في تفسير هذه الآية: أي: جميع ما فرط منك مما يصح أن تعاتب عليه، واللام في ﴿لِيَغْفِرَ﴾ متعلق بـ ﴿فَتْحًا﴾ وهي لام العلة، وقال الزمخشري: فإن قلت: كيف جعل فتح مكة علة للمغفرة؟ قلت: لم يجعل علة للمغفرة ولكن لاجتماع عدد ما من الأمور الأربعة وهي: المغفرة، وإتمام النعمة، وهداية الصراط المستقيم، والنصر العزيز، كأنه قال: يسرنا لك فتح مكة ونصرناك على عدوك لنجمع لك بين عز الدارين وأغراض العاجل والآجل، ويجوز أن يكون فتح مكة من حيث إنه جهاد للعدو سببًا للمغفرة والثواب، انتهى.
стр. 2623
قال السمين: وهذا الذي قاله مخالف لظاهر الآية فإن اللام داخلة على المغفرة فتكون المغفرة علة للفتح والفتح معلل بها فكان ينبغي أن يقول: كيف جعل فتح مكة معللًا بالمغفرة ثم يقول: لم يجعل معللًا، وقال ابن عطية: أي أن الله فتح لك لكي يجعل الفتح علامة لغفرانه لك فكأنها لام الصيرورة فهو كلام ماش على الظاهر، انتهى.
(فائدة): قال الحافظ (١) تحت قوله: "فلما كثر لحمه": أنكره الداودي وقال: المحفوظ "فلما بدن" أي: كبر، فكأن الراوي تأوّله على كثرة اللحم، انتهى.
وتعقبه أيضًا ابن الجوزي فقال: لم يصفه أحد بالسمن أصلًا، ولقد مات ﷺ وما شبع من خبز الشعير في يوم مرتين، وأحسب بعض الرواة لما رأى "بدن" ظنه كثر لحمه وليس كذلك وإنما هو بدن تبدينًا، أي: أسن، قاله أبو عبيد، قلت: وهو خلاف الظاهر، وفي استدلاله بأنه لم يشبع من خبز الشعير نظر؛ فإنه يكون من جملة المعجزات كما في كثرة الجماع وطوافه في الليلة الواحدة على تسع وإحدى عشرة مع عدم الشبع وضيق العيش، وأي فرق بين تكثير المني مع الجوع وبين وجود كثرة اللحم في البدن مع قلة الأكل، وقد أخرج مسلم من طريق عبد الله بن عروة عن عائشة قالت: لما بدن رسول الله ﷺ وثقل كان أكثر صلاته جالسًا، لكن يمكن تأويل قوله: ثقل، أي: ثقل عليه حمل لحمه وإن كان قليلًا لدخوله في السن، انتهى.
(٣ - باب قوله: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا﴾ [الفتح: ٨])
قال القسطلاني (٢): سقط لفظ "باب" لغير أبي ذر، وقال أيضًا بعد ذكر حديث الباب: هذا الحديث سبق في أوائل البيع، انتهى.
стр. 2624
(٤ - باب قوله: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الفتح: ٤])
قال الحافظ (١): ذكر فيه حديث البراء في نزول السكينة وسيأتي بتمامه في فضائل القرآن مع شرحه إن شاء الله تعالى، انتهى.
قال القسطلاني (٢): (﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ﴾): الطمأنينة والثبات في قلوب المؤمنين تحقيقًا للنصرة، والأكثرون على أن هذه السكينة غير التي في البقرة، انتهى.
وقال العلامة العيني (٣): قوله: ﴿أَنْزَلَ السَّكِينَةَ﴾ أي: الرحمة والطمأنينة، وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: كل سكينة في القرآن فهي الطمأنينة إلا التي في البقرة، انتهى.
(٥ - باب قوله: ﴿إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾ [الفتح: ١٨])
سقط "باب قوله" لغير أبي ذر، انتهى من "القسطلاني" (٤).
قال العلامة العيني (٥): وأول هذه الآية ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ﴾ [الفتح: ١٨] وهي بيعة الرضوان سميت بذلك في قوله: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ والشجرة كانت سمرة، وقيل: سدرة، وروي أنها عميت عليهم من قابل فلم يدروا أين ذهبت، وقيل: كانت بفج نحو مكة، وقال نافع: ثم كان الناس بعد يأتونها فيصلون تحتها فبلغ ذلك عمر ﵁ فأمر بقطعها، وقال أيضًا تحت حديث عبد الله بن المغفل: مطابقته للترجمة في قوله: إني ممن شهد الشجرة، وأما الحديث الموقوف والمرفوع فلا تعلق لهما بتفسير هذه الآية ولا بهذه السورة، انتهى.
стр. 2625
وقال القسطلاني (١): وقد أورد المؤلف الحديث الموقوف لبيان التصريح بسماع ابن صهبان من ابن المغفل، والمرفوع الأول لقوله: إني ممن شهد الشجرة لمطابقة الترجمة، انتهى.
وقال العيني (٢) بعد آخر حديث الباب: والحديث مر في باب الشروط في الجهاد مطولًا جدًا، وفيه قضية عمر رضي الله تعالى عنه، وقضية سهل بن حنيف مضت مختصرة، في غزوة الحديبية، وذكره البخاري أيضًا في الجزية والاعتصام وفي المغازي، وأخرجه مسلم أيضًا، انتهى.
(٤٩) الحُجُرات
كذا في النسخة الهندية و"القسطلاني" بدون لفظ السورة، وفي نسخة الحافظين بزيادة السورة، والبسملة مذكورة في الشروح الثلاثة.
قال العلامة العيني (٣): قال أبو العباس: مدنية كلها ما بلغنا فيها اختلاف، وقال السخاوي: نزلت بعد المجادلة وقبل التحريم، قال الزجاج: يقرأ ﴿الْحُجُرَاتِ﴾ [الحجرات: ٤] بضم الجيم وفتحها، ويجوز في اللغة التسكين، ولا أعلم أحدًا قرأه، وهي جمع الحجر والحجر جمع حجرة وهو جمع الجمع والمراد بيوت أزواج النبي ﷺ ، انتهى.
قوله: (وقال مجاهد: ﴿لَا تُقَدِّمُوا﴾ [الحجرات: ١] لا تفتاتوا) قال العيني (٤): أي لا تسبقوا من الافتيات وهو افتعال من الفوت وهو السبق إلى الشيء دون ائتمار من يؤتمر، ومادته فاء وواو وتاء مثناة من فوق، ثم ذكر الأقوال في تفسير هذه الآية.
قال القسطلاني (٥): قال الزركشي: إن هذا التفسير على قراءة ابن عباس بفتح التاء والدال وكذا قيَّده البياسي وهي قراءة يعقوب
стр. 2626
الحضرمي، والأصل لا تتقدموا فحذف إحدى التائين، وقال في "المصابيح" متعقبًا لقول الزركشي: ليس هذا بصحيح بل هذا التفسير متأت على القراءة المشهورة أيضًا فإن قدّم بمعنى تقدم، قال الجوهري: وقدّم بين يديه، أي: تقدم، قال الله تعالى: ﴿لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ﴾ [الحجرات: ١]، انتهى.
قال الإمام فخر الدين: والأصح أنه إرشاد عام يشمل الكل، ومنع مطلق يدخل فيه كل إثبات وتقدُّمٍ واستبدادٍ بالأمر وإقدامٍ على فعلٍ غيرِ ضروريٍ من غير مشاورةٍ، انتهى.
(باب ﴿تَنَابَزُوا﴾ يُدْعَى بالكفْر بَعْدَ الإسلام. . .) إلخ
ليس في نسخ الشروح الثلاثة ها هنا لفظ "باب"، ثم اختلفت النسخ ففي نسخة "العيني": "تنابزوا: يدعى بالكفر بعد الإسلام"، وفي نسخة "الفتح": "ولا تنابزوا: يدعى. . ." إلخ، وفي نسخة "القسطلاني": "تنابزوا: لا يدعى. . ." إلخ.
قال الحافظ (١): وصله الفريابي عن مجاهد بلفظ: لا يدعوا الرجل بالكفر وهو مسلم، وقال عبد الرزاق عن معمر عن قتادة في قوله: ﴿وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [الحجرات: ١١] قال: لا يطعن بعضكم على بعض، ﴿وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ﴾ [الحجرات: ١١] قال: لا تقل لأخيك المسلم: يا فاسق يا منافق، وعن الحسن قال: كان اليهودي يسلم فيقال: يا يهودي، فنهوا عن ذلك، وروى أحمد وأبو داود من طريق الشعبي: حدثني أبو جبيرة بن الضحاك قال: فينا نزلت ﴿وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ﴾ قدم رسول الله ﷺ المدينة وليس فينا رجل إلا وله لقبان أو ثلاثة، فكان إذا دعا أحدًا منهم باسم من تلك الأسماء قالوا: إنه يغضب منه، فنزلت، انتهى.
стр. 2627
(١ - باب قوله: ﴿لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ﴾ الآية [الحجرات: ٢])
سقط لفظ "باب" في نسخة "القسطلاني"، ولأبي ذر: "باب ﴿لَا تَرْفَعُوا﴾ الآية". ثم قال (١) في تفسير الآية: أي إذا كلمتموه لأنه يدل على قلة الاحتشام وترك الاحترام، ومن خشي قلبه ارتجف وضعفت حركته الدافعة فلا يخرج منه الصوت بقوة ومن لم يخف بالعكس، وليس المراد بنهي الصحابة عن ذلك أنهم كانوا مباشرين ما يلزم منه الاستخفاف والاستهانة، كيف وهم خير الناس؟ بل المراد أن التصويت بحضرته مباين لتوقيره وتعزيره، انتهى.
قال الحافظ (٢) في شرح الحديث: قوله: "فأنزل الله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ﴾ الآية [الحجرات: ٢] " في رواية ابن جريج: "فنزلت ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [الحجرات: ١] إلى قوله: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا﴾ [الحجرات: ٥] " وقد استشكل ذلك، قال ابن عطية: الصحيح أن سبب نزول هذه الآية كلام جفاة الأعراب، قلت: لا يعارض ذلك هذا الحديث فإن الذي يتعلق بقصة الشيخين في تخالفهما في التأمير هو أول السورة: ﴿لَا تُقَدِّمُوا﴾ ولكن لما اتصل بها قوله: ﴿لَا تَرْفَعُوا﴾ تمسك عمر منها بخفض صوته، وجفاة الأعراب الذين نزلت فيهم هم من بني تميم والذي يختص بهم قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ﴾ [الحجرات: ٤] قال عبد الرزاق عن معمر عن قتادة: أن رجلًا جاء إلى النبي ﷺ من وراء الحجرات فقال: يا محمد إن مدحي زين، وإن شتمي شين، فقال النبي ﷺ : "ذاك الله " ونزلت، قلت: ولا مانع أن تنزل الآية لأسباب تتقدمها فلا يعدل للترجيح مع ظهور الجمع وصحة
стр. 2628
الطرق، ولعل البخاري استشعر ذلك فأورد قصة ثابت بن قيس عقب هذا ليبين ما أشرت إليه من الجمع، ثم عقب ذلك كله بترجمة "باب قوله: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ﴾ " [الحجرات: ٥] إشارة إلى قصة جفاة الأعراب من بني تميم لكنه لم يذكر في الترجمة حديثًا كما سأبينه قريبًا، وكأنه ذكر حديث ثابت لأنه هو الذي كان الخطيب لما وقع الكلام في المفاخرة بين بني تميم المذكورين كما أورده ابن إسحاق في "المغازي" مطولًا.
قوله: (فما كان عمر يُسْمِعُ رسولَ الله ﷺ . . .) إلخ، في رواية وكيع في الاعتصام: فكان عمر بعد ذلك إذا حدّث النبي ﷺ بحديث حدّثه كأخي السرار لم يسمعه حتى يستفهمه، قلت: وقد أخرج ابن المنذر من طريق محمد بن عمرو بن علقمة أن أبا بكر الصديق قال مثل ذلك للنبي ﷺ وهذا مرسل، وقد أخرجه الحاكم موصولًا من حديث أبي هريرة ونحوه، وأخرجه ابن مردويه من طريق طارق بن شهاب عن أبي بكر قال: لما نزلت ﴿لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ﴾ الآية، قال أبو بكر: قلت: يا رسول الله! آليتُ أن لا أكلمك إلا كأخي السرار.
قوله: (ولم ينكر ذلك عن أبيه - يعني: أبا بكر) قال مغلطاي: يحتمل أنه أراد بذلك أبا بكر عبد الله بن الزبير، أو أبا بكر عبد الله بن أبي مليكة، فإن أبا مليكة له ذكر في الصحابة، قلت: وهذا بعيد عن الصواب بل قرينة ذكر عمر ترشد إلى أن مراده أبو بكر الصديق، وقد وقع في رواية الترمذي، قال: وما ذكر ابن الزبير جده، زاد في رواية الطبري: جده - يعني: أبا بكر -، انتهى.
(٢ - باب قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ﴾ الآية [الحجرات: ٤]. . .) إلخ
ذكر فيه حديث ابن الزبير وقد تقدم شرحه في الذي قبله.
стр. 2629
(باب قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ﴾ [الحجرات: ٥])
قال العلامة العيني (١): وليس في كثير من النسخ لفظ "باب"، وهكذا في جميع الروايات الترجمة بلا حديث، والظاهر أنه أخلى موضع الحديث فإما أنه لم يظفر بشيء على شرطه أو أدركه الموت، والله أعلم، انتهى.
وتبعه القسطلاني في ذلك، وقال الحافظ (٢): هكذا في جميع الروايات الترجمة بغير حديث، وقد أخرج الطبري والبغوي وابن أبي عاصم في كتبهم في الصحابة من طريق موسى بن عقبة عن أبي سلمة قال: حدثني الأقرع بن حابس التميمي أنه أتى النبي ﷺ فقال: يا محمد! أخرج إلينا؛ فنزلت: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ﴾ الحديث، وسياقه لابن جرير، قال ابن منده: الصحيح عن أبي سلمة أن الأقرع، مرسل، وكذا أخرجه أحمد على الوجهين، وقد ساق محمد بن إسحاق قصة وفد بني تميم في ذلك مطولة بانقطاع، انتهى.
(٥٠) سورةُ ﴿ق﴾
وهكذا في نسخة "القسطلاني"، وفي نسخة الحافظين بزيادة البسملة بعدها.
قال الحافظ (٣): روى عبد الرزاق عن معمر عن قتادة: ﴿ق﴾ اسم من أسماء القرآن، وعن مجاهد قال: جبل محيط بالأرض، وقيل: هي القاف من قوله: ﴿قُضِيَ الْأَمْرُ﴾ دلت على بقية الكلمة كما قال الشاعر:
قلت لها قفي لنا قالت قاف
قال العلامة العيني (٤): هي مكية كلها، وعن ابن عباس: أنه اسم
стр. 2630
من أسماء الله تعالى أقسم الله به، وعن القرطبي: افتتاح اسم الله تعالى: قدير وقادر وقاهر وقريب وقاضي وقابض، وعن عكرمة والضحاك: هو جبل محيط بالأرض من زمردة خضراء متصلة عروقه بالصخرة التي عليها الأرض كهيئة القبة، وعليه كتف السماء وخضرة السماء منه، والعالم داخله ولا يعلم ما وراءه إلا الله تعالى، وما أصاب الناس من زمرد ما سقط من ذلك الجبل، وهي رواية عن ابن عباس، وعن مقاتل: هو أول جبل خلق وبعده أبو قبيس، انتهى.
(١ - باب قوله: ﴿وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ﴾ الآية [ق: ٣٠])
قال الحافظ (١): اختلف النقل عن قول جهنم ﴿هَلْ مِنْ مَزِيدٍ﴾ فظاهر أحاديث الباب أن هذا القول منها لطلب المزيد، وجاء عن بعض السلف أنه استفهام إنكار كأنها تقول: ما بقي فيَّ موضع للزيادة، فروى الطبري عن عكرمة في قوله: ﴿هَلْ مِنْ مَزِيدٍ﴾ أي: هل من مدخل؟ قد امتلأت. ومن طريق مجاهد نحوه، ورجح الطبري أنه لطلب الزيادة على ما دلت عليه الأحاديث المرفوعة، وقال الإسماعيلي: الذي قاله مجاهد موجه فيحمل على أنها قد تزاد وهي عند نفسها لا موضع فيها للمزيد.
ثم قال الحافظ: واختلف في المراد بالقدم، ثم بسط الأقوال فيه.
قال القسطلاني (٢): قال محيي السُّنَّة: القدم والرجل في هذا الحديث من صفات الله تعالى المنزهة عن التكييف والتشبيه، فالإيمان بها فرض والامتناع عن الخوض فيها واجب، فالمهتدي من سلك فيها طريق التسليم، والخائض فيها زائغ، والمنكر معطل، والمكيف مشبه ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١]، انتهى.
ثم ذكر المصنف في الباب حديث اختصام الجنة والنار.
стр. 2631
كتب الشيخ قُدِّس سرُّه في "اللامع" (١): قوله: (ما لي لا يدخلني إلا ضعفاء الناس. . .) إلخ، ولم تذكر المحاجة على وجهها فإن ما ذكر من مقالة الجنة لا تؤذن بالمحاجة لأنها أذعنت بالخضوع، والصحيح أنها ذكرت مقالتها هذه للاستدلال على علو مكانتها حتى أنها تجعل الضعفاء الغرباء ملوكًا وجبابرة، انتهى.
وفي هامشه: وهو كذلك فإن قولها: ما لي لا يدخلني إلا. . . إلخ، اعتراف منها بعجزها وغلبة الأخرى، وهذا ليس من شأن المحاجة، وما أفاده الشيخ قُدِّس سرُّه بقوله: والصحيح. . . إلخ، هو أيضًا واضح، وعلى هذا تصح المحاجة بينهما، فإن في هذه السورة ادعى كل واحد منهما غلبته على الآخر، وبهذا جزم الشيخ قُدِّس سرُّه في "كتاب الرد على الجهمية" فإن هذا الحديث سيأتي هناك في "باب قوله: ﴿إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [الأعراف: ٥٦] " ولا يبعد عند هذا العبد الضعيف أن يقال: إن جهنم لما كانت مثوى المتكبرين عبرت كلامها بكلام المتكبرين فقالت: أنا كذا وكذا، ولما كانت الجنة مثوى المتواضعين ذكرت مقالتها على منوال المتواضعين، إلى آخر ما بسط في هامش "اللامع" مما ذكره الشيخ قُدِّس سرُّه في "الكوكب" (٢) ومن كلام الشرَّاح في شرح هذا الحديث.
(٢ - باب قوله: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ﴾ [ق: ٣٩])
سقط لفظ "باب" في نسخة "القسطلاني"، وهو موجود في نسخة الحافظين، ثم اختلفت نسخ الشروح، ففي نسخة "الفتح": فسبح بالفاء، وفي نسخة "العيني" و"القسطلاني": وسبح بالواو.
стр. 2632
قال الحافظ (١): كذا لأبي ذر في الترجمة، وفي سياق الحديث، ولغيره: وسبح بالواو فيهما وهو الموافق للتلاوة، فهو الصواب، وعندهم أيضًا: ﴿وَقَبْلَ الْغُرُوبِ﴾ وهو الموافق لآية السورة، ثم أورد فيه حديث جرير: "إنكم سترون ربكم" الحديث وفي آخره: ثم قرأ ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا﴾ [طه: ١٣٠] وهذه الآية في طه.
قال الكرماني: المناسب لهذه السورة و"قبل الغروب" لا غروبها قلت: لا سبيل إلى التصرف في لفظ الحديث، وإنما أورد الحديث هنا لاتحاد دلالة الآيتين، وقد تقدم في الصلاة، وكذا وقع هنا في نسخة من وجه آخر عن إسماعيل بن أبي خالد بلفظ: ثم قرأ ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ﴾، انتهى.
(٥١) ﴿وَالذَّارِيَاتِ﴾
كذا في "الهندية" و"القسطلاني"، وفي نسخة "الفتح" و"العيني" بزيادة لفظ السورة والبسملة بعدها.
قال العيني (٢): وهي مكية كلها قاله مقاتل وغيره، وقال السخاوي: نزلت بعد سورة الأحقاف وقبل سورة الغاشية، انتهى.
قال الحافظ (٣): والواو للقسم والفاءات بعدها عاطفات من عطف المتغايرات وهو الظاهر، وجوّز الزمخشري أنها من عطف الصفات وأن الحاملات وما بعدها من صفات الريح، انتهى.
قوله: (﴿إلا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦] ما خلقت أهل السعادة. . .) إلخ، قال العلامة العيني (٤): فإن قلت: ما الفرق بين هذين التأويلين؟ قلت: الأول لفظ عام أريد به الخصوص، وهو أن المراد أهل السعادة من الفريقين، والثاني على عمومه بمعنى خلقهم معدين لذلك، لكن منهم من أطاع ومنهم
стр. 2633
من عصى، ومعنى الآية في الجملة أن الله تعالى لم يخلقهم للعبادة خلق جبلة واختيار، وإنما خلقهم لها خلق تكليف واختبار، فمن وفقه وسدده أقام العبادة التي خلق لها، ومن خذله وطرده حرمها وعمل بما خلق له كقوله ﷺ : "اعملوا فكل ميسر لما خلق له" وفي نفس الأمر هذا سر لا يطلع عليه غير الله تعالى، وقال: ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٣]، انتهى.
وكتب الشيخ قُدِّس سرُّه في "اللامع" (١): والفرق بين التأويلين أن المراد بالجن والإنس في التوجيه الأول صلحاؤهما فقط، وفي الثاني أعم منهم غير أن الطلحاء لم يأتوا ما أريد منهم، انتهى. وهو حاصل ما تقدم عن كلام العلامة العيني وهو مؤدى كلام الحافظ.
وكتب الشيخ أيضًا: قوله: (وليس فيه حجة لأهل القدر) القائلين بوقوع الشر من غير إرادته تعالى وأن الشر غير مخلوق له، وعدم حجيته لهم ظاهر فإن عدم كونه مرادًا لا يقتضي أنه ليس مخلوقًا له، انتهى.
ذكر الحافظ (٢) في آخره هذه السورة: (تنبيه): لم يذكر البخاري في هذه السورة حديثًا مرفوعًا، ويدخل فيها على شرطه حديث أخرجه أحمد والترمذي والنسائي من طريق أبي إسحاق عن عبد الرحمن بن يزيد عن عبد الله بن مسعود ﵁، قال: "أقرأني رسول الله ﷺ : إني أنا الرزاق ذو القوة المتين"، قال الترمذي: حسن صحيح، وصححه ابن حبان، انتهى.
(٥٢) ﴿وَالطُّورِ﴾
هكذا في النسخة "الهندية"، وفي نسخ الشروح الثلاثة بزيادة لفظ "سورة" والبسملة بعدها.
قال العلامة العيني (٣): قال أبو العباس: مكية كلها، وذكر الكلبي أن
стр. 2634
فيها آية مدنية وهي قوله: ﴿وَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا عَذَابًا دُونَ ذَلِكَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الطور: ٤٧] زعم أنها نزلت فيمن قتل ببدر من المشركين.
قال الثعلبي: كل جبل طور ولكن الله يعني بالطور هنا الجبل الذي كلّم الله عليه موسى ﵇ بالأرض المقدسة وهو بمدين واسمه زبير، وقال مقاتل بن حيان: هما طوران يقال لأحدهما: طور زيتا، وللآخر: طور تينا؛ لأنهما ينبتان الزيتون والتين، ولما كذّب كفار مكة أقسم الله بالطور وهو الجبل بلغة النبط الذي كلم الله عليه موسى ﵇ بالأرض المقدسة، وقال الجوزي: وهو طور سيناء، وقال أبو عبد الله الحموي في كتابه "المشترك": طور زيتا مقصورًا: علم لجبل بقرب رأس عين وطور زيتا أيضًا جبل بالبيت المقدس وفي الأثر: مات بطور زيتا سبعون ألف نبي قتلهم الجوع وهو شرقي وادي سلوان، ثم ذكر عدة جبال المسمى بالطور، فارجع إليه لو شئت.
قوله: (قال مجاهد: الطور الجبل بالسريانية) قال الحافظ (١): وصله الفريابي من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد بهذا، قال عبد الرزاق عن معمر عن قتادة: قوله: ﴿وَالطُّورِ﴾ قال: جبل يقال له الطور، وعمن سمع عكرمة مثله، وقال أبو عبيدة: الطور الجبل في كلام العرب، وفي "المحكم": الطور الجبل وقد غلب على طور سيناء جبل بالشام وهو بالسريانية طورى بفتح الراء، والنسبة إليه طوري وطوراني، انتهى.
وقال القسطلاني (٢): وهو طور سينين جبل بمدين سمع فيه موسى كلام الله ، انتهى.
(٥٣) ﴿وَالنَّجْمِ﴾
وفي نسخ الشروح الثلاثة بزيادة لفظ "سورة" والبسملة بعدها.
قال العيني (٣): وهي مكية، قال مقاتل: غير آية نزلت في نبهان التمار
стр. 2635
وهي ﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ﴾ [النجم: ٣٢] وفيه رد لقول أبي العباس في "مقامات التنزيل" وغيره: مكية بلا خلاف، وقال السخاوي: نزلت بعد سورة الإخلاص وقبل سورة عبس.
والواو في ﴿وَالنَّجْمِ﴾ للقسم، والنجم الثريا، قاله ابن عباس، والعرب تسمي الثريا نجمًا وإن كانت في العدد نجومًا، وعن مجاهد: نجوم السماء كلها حين تغرب، لفظه واحد ومعناه جمع، وسمي الكوكب نجمًا لطلوعه وكل طالع نجم، ﴿إِذَا هَوَى﴾ [النجم: ١] أي: إذا غاب وسقط، وقوله: ﴿مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ﴾ [النجم: ٢] جواب القسم والصاحب هو محمد ﷺ ، انتهى.
(باب قوله: ﴿فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى﴾ [النجم: ٩])
قال العيني (١): ولم تثبت هذه الترجمة إلا لأبي ذر وحده، وفي بعض النسخ لم يذكر لفظ "باب" وقد تقدم تفسيره قريبًا عن مجاهد، انتهى.
قلت: وأشار به إلى ما تقدم في أوائل هذه السورة بقوله: ﴿قَابَ قَوْسَيْنِ﴾: حيث الوتر من القوس، قال الحافظ (٢) هناك: وصله الفريابي من طريق مجاهد، وقال أبو عبيدة: ﴿قَابَ قَوْسَيْنِ﴾، أي: قدر قوسين أو أدنى أو أقرب، انتهى.
وقال القسطلاني (٣): وفيه مضافان محذوفان، أي: فكان مقدار مسافة قربه ﵊ منه تعالى مثل مقدار مسافة قاب، انتهى.
قال الحافظ (٤): والقاب ما بين القبضة والسية من القوس، قال الواحدي: هذا قول جمهور المفسرين أن المراد القوس التي يرمى بها، قال: وقيل: المراد بها الذراع لأنه يقاس به الشيء، قلت: وينبغي أن يكون هذا القول هو الراجح، فقد أخرج ابن مردويه بإسناد صحيح عن ابن عباس قال: القاب القدر والقوسين الذراعان، ويؤيده أنه لو كان المراد به القوس
стр. 2636
التي يرمى بها لم يمثل بذلك ليحتاج إلى التثنية فكان يقال مثلًا: قاب رمح أو نحو ذلك، وقد قيل: إنه على القلب، والمراد: فكان قاب قوس؛ لأن القاب ما بين المقبض إلى السية فلكل قوس قابان بالنسبة إلى خالفته، وسيأتي بيان الاختلاف في معنى قوله: ﴿فَتَدَلَّى﴾ في كتاب التوحيد إن شاء الله تعالى، انتهى. ثم اعلم أنهم اختلفوا أن هذا الدنو والتدلي فيما بين نبينا ﷺ وجبريل أو بينه ﷺ وبين ربه فهي مسألة خلافية بين العلماء.
وها هنا مسألة أخرى وهي رؤية النبي ﷺ ربّه ليلة المعراج وهي أيضًا خلافية، ذكر شيء من الكلام عليهما في هامش "اللامع"، وسيأتي من كتاب التوحيد في "باب قوله تعالى: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ [النساء: ١٦٤]، وتقدم آنفًا في كلام القسطلاني ما يدل أن هذا الدنو والتدلي فيما بين نبينا ﷺ وبين الرب ﵎.
(باب قوله: ﴿فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى﴾ [النجم: ١٠])
سقط لفظ "باب" ولاحقه لغير أبي ذر، قاله القسطلاني (١).
وقال الحافظ (٢): ثبتت هذه الترجمة لأبي ذر وحده، وهي عند الإسماعيلي أيضًا فأورد فيه حديث ابن مسعود المذكور في الذي قبله، انتهى.
(باب قوله: ﴿لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى﴾ [النجم: ١٨])
قال القسطلاني (٣): سقط لغير أبي ذر لفظ "باب" وما بعده، انتهى.
قال الحافظ (٤): واختلف في الآيات المذكورة فقيل: المراد بها جميع ما رأى ﷺ ليلة الإسراء، وحديث الباب يدل على أن المراد صفة جبريل، انتهى.
стр. 2637
(٢ - باب قوله: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى﴾ [النجم: ١٩])
قال العيني (١): وفي بعض النسخ لم يذكر لفظ "باب".
واللات مأخوذ من لفظة "الله" ثم ألحقت بها تاء التأنيث فأنثت، كما قيل للرجل: عمرو، ثم يقال للأنثى: عمرة، كذا قاله الثعلبي، وقيل: أرادوا أن يسموا إلههم الباطل باسم الله فصرفه الله تعالى إلى اللات صونًا له وحفظًا لحرمته، وفي "التفسير": كانت اللات صخرة بالطائف، وعن ابن زيد: بيت بنخلة كانت قريش تعبده، والعزى شجرة لغطفان يعبدونها، قاله مجاهد، قلت: هي التي بعث إليها رسول الله ﷺ خالد بن الوليد فقطعها، وله قصة مشهورة، وعن الضحاك: صنم لغطفان وضعها لهم سعد بن ظالم الغطفاني، وعن ابن زيد: بيت بالطائف كانت ثقيف تعبده، انتهى.
قوله: (عن ابن عباس: ﴿اللَّاتَ وَالْعُزَّى﴾ كانت اللات رجلًا يلتّ سويق الحاج. . .) إلخ، قال الحافظ (٢): قال الإسماعيلي: هذا التفسير على قراءة من قرأ اللات بتشديد التاء، قلت: وليس ذلك بلازم بل يحتمل أن يكون هذا أصله وخفف لكثرة الاستعمال، والجمهور على القراءة بالتخفيف، وقد روي التشديد عن قراءة ابن عباس وجماعة من أتباعه ورويت عن ابن كثير أيضًا، والمشهور عنه التخفيف كالجمهور، انتهى.
(٣ - باب قوله: ﴿وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى﴾ [النجم: ٢٠])
قال الحافظ (٣): سقط "باب" لغير أبي ذر، وقد تقدم شرح مناة في سورة البقرة، وقرأ ابن كثير وابن محيصن: مناءة بالمد والهمز.
قوله: (قلت: لعائشة ﵂ فقالت. . .) إلخ، كذا أورده مختصرًا وتقدم في تفسير البقرة بيان ما قال وأنه سأل عن وجوب السعي بين الصفا والمروة، انتهى.
стр. 2638
قال العيني (١): وسيأتي تفسيرها - أي: مناة - في الحديث، وقال أيضًا بعد ذكر حديث الباب: وهذا الحديث قد مضى مطولًا في الحج في "باب وجوب الصفا والمروة" وتكلم الشرَّاح ها هنا على قوله: ﴿الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى﴾ فإن الثالثة لا يقال لها الأخرى فارجع إليه لو شئت.
(٤ - باب قوله: ﴿فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا﴾ [النجم: ٦٢])
في رواية الأصيلي: "واسجدوا" وهو غلط، قاله الحافظ (٢).
وتعقبه العيني فقال (٣): لا ينسب الغلط للأصيلي بل للناسخ لعدم تمييزه، وقال أيضًا: وحديث الباب قد مضى في أبواب سجود القرآن في "باب سجود المسلمين مع المشركين" ومضى الكلام فيه هناك، انتهى.
قلت: لعله أشار بقوله: تقدم الكلام عليه هناك، إلى ما اشتهر من قصة الغرانيق وتقدم الكلام عليه في أبواب سجود القرآن، وكذا في تفسير سورة الحج.
(٥٤) ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ﴾
وفي نسخ الشروح الثلاثة بزيادة لفظ السورة والبسملة بعدها.
قال العيني (٤): وتسمى أيضًا سورة القمر، قال مقاتل فيما ذكره ابن النقيب وغيره: مكية إلا ثلاث آيات أولها: ﴿أَمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ﴾ [القمر: ٤٤] وآخرها قوله: ﴿وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ﴾ [القمر: ٤٦] كذا قالوه عن مقاتل، وفيه نظر من حيث إن الذي في تفسيره: هي مكية غير آية ﴿سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ﴾ [القمر: ٤٥] فإنها نزلت في أبي جهل بن هشام يوم بدر، انتهى.
قوله: (يقول كفر له. . .) إلخ، كتب الشيخ في "اللامع" (٥): الظاهر أن
стр. 2639
قوله: "له" متعلق بقوله: "جزاء" يعني أن ذلك الذي فعلنا بهم كان جزاء لمن كفروه ولم يؤمنوا به، انتهى.
وفي هامشه: وفي "تقرير المكي": قوله: "كفر له" يعني المراد بمن كفر من كفر له، وهو نوح على نبينا وعليه الصلاة والسلام، وسيجيء تفسير هذا قريبًا في البخاري بقوله: كفر فعلنا به إلخ، انتهى من هامش "اللامع".
(١ - باب قوله: ﴿وَانْشَقَّ الْقَمَرُ (١) وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا﴾ [القمر: ١، ٢])
قال الحافظ (١): سقطت هذه الترجمة لغير أبي ذر، ثم ذكر حديث انشقاق القمر من وجهين عن ابن مسعود، وفيه فرقتين، ومن حديث ابن عباس: انشق القمر في زمان النبي ﷺ ، ومن حديث أنس: سأل أهل مكة أن يريهم آية، ومن وجه آخر عن أنس: انشق القمر فرقتين، وقد تقدم الكلام عليه مستوفى في أوائل السيرة النبوية، انتهى.
قلت: وكذا تقدم في هذا الجزء الكلام عليه هناك.
(٢ - باب قوله: ﴿تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا جَزَاءً لِمَنْ كَانَ كُفِرَ﴾ الآية [القمر: ١٤])
قوله: (قال قتادة: أبقى الله سفينة نوح. . .) إلخ، قال الحافظ (٢): وصله عبد الرزاق عن معمر عن قتادة بلفظه وزاد: على الجودي، وأخرج ابن أبي حاتم من طريق سعيد عن قتادة قال: أبقى الله السفينة في أرض الجزيرة عبرة وآية حتى نظر إليها أوائل هذه الأمة نظرًا، وكم من سفينة بعدها فصارت رمادًا.
قوله: (أنه كان يقرأ: ﴿فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾) أي: بالدال المهملة وسبب ذكر ذلك أن بعض السلف قرأها بالمعجمة، وهو منقول أيضًا عن قتادة.
стр. 2640
ثم ذكر المصنف لهذا الحديث خمس تراجم في كل ترجمة آية من هذه السورة، ومدار الجميع على أبي إسحاق عن الأسود بن يزيد، وساق في الجميع الحديث المذكور ليبين أن لفظ ﴿مُدَّكِرٍ﴾ في الجميع واحد، وقد تكرر في هذه السورة قوله: ﴿فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ بحسب تكرر القصص من أخبار الأمم استدعاءً لأفهام السامعين ليعتبروا، وقال في الأولى: "وقال مجاهد: ﴿يَسَّرْنَا﴾: هونا قراءته" وقال في الثانية عن أبي إسحاق: أنه سمع رجلًا سأل الأسود فهل من مدكر أو مذكر؟ أي: بمعجمة أو بمهملة، فذكر الحديث وفي آخره: "دالًا" أي: مهملة، ولفظ الثالث والرابع كالأول، ولفظ الخامس: عن عبد الله: قرأت على النبي ﷺ : فهل من مذكر، أي: بالمعجمة فقال: فهل من مدكر، أي: بالمهملة، وقوله: ﴿مُدَّكِرٍ﴾ أصله مذتكر بمثناة بعد ذال معجمة فأبدلت التاء دالًا مهملة ثم أهملت المعجمة لمقاربتها ثم أدغمت، انتهى من "الفتح"".
وسيأتي الكلام على تكرار حديث واحد في عدة تراجم في "باب قوله: ﴿وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا أَشْيَاعَكُمْ﴾ الآية [القمر: ٥١]. . ." إلخ.
(٣ - باب: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ [القمر: ٢٢])
قال القسطلاني (١): سقط الباب لغير أبي ذر.
قوله: (﴿يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ﴾) أي: سهلنا لفظه ويسرنا معناه لمن أراده ليتذكر الناس كما قال تعالى: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [ص: ٢٩].
قوله: (قال مجاهد) فيما وصله الفريابي (﴿يَسَّرْنَا﴾) أي: (هونا قراءته) وليس شيء يقرأ كله ظاهرًا إلا القرآن، انتهى من "القسطلاني" (٢).
وسيأتي عن ابن عباس: لولا أن الله يسره على لسان الآدميين ما استطاع أحد أن يتكلم بكلام الله .
стр. 2641
(٤ - باب قوله: ﴿أَعْجَازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ (٢٠) فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ﴾ [القمر: ٢٠، ٢١])
قال في "الأنوار": أصول نخل منقلع عن مغارسه ساقط على الأرض، وقيل: شبهوا بالأعجاز لأن الريح طيرت رؤوسهم وطرحت أجسادهم، وتذكير منقعر للحمل على اللفظ، والتأنيث في قوله: ﴿أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ﴾ [الحاقة: ٧] للمعنى، انتهى من "القسطلاني" (١).
(٥ - باب قوله: ﴿فَكَانُوا كَهَشِيمِ الْمُحْتَظِرِ﴾ الآية [القمر: ٣١])
سقط لغير أبي ذر لفظ "باب"، قوله: ﴿الْمُحْتَظِرِ﴾ بكسر الظاء المشالة المعجمة قراءة الجمهور اسم فاعل، قال ابن عباس: المحتظر هو الرجل يجعل لغنمه حظيرة بالشوك والشجر، فما سقط من ذلك وداسته الغنم فهو الهشيم، وقرأ الحسن بفتحها فقيل: هو مصدر، أي: كهشيم الاحتظار، وقيل: اسم مكان، ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ﴾ [القمر: ٣٢]) يسرنا تلاوته على الألسن، وعن ابن عباس: لولا أن الله يسره على لسان الآدميين ما استطاع أحد أن يتكلم بكلام الله ، انتهى من "القسطلاني" (٢).
(٦ - باب قوله: ﴿وَلَقَدْ صَبَّحَهُمْ بُكْرَةً عَذَابٌ مُسْتَقِرٌّ﴾ [القمر: ٣٨])
دائم متصل بعذاب الآخرة، (﴿فَذُوقُوا عَذَابِي وَنُذُرِ﴾ [القمر: ٣٩]) يريد العذاب الذي نزل بهم من طمس الأعين غير العذاب الذي أهلكوا به، فلذلك حسن التكرير، انتهى من "القسطلاني" (٣).
стр. 2642
(٧ - باب قوله: ﴿وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا أَشْيَاعَكُمْ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ [القمر: ٥١])
أشياعكم، أي: أشباهكم ونظراءكم في الكفر من الأمم السالفة، وسقط لفظ "باب" لغير أبي ذر، انتهى من "القسطلاني" (١).
قلت: وقد تقدم الكلام على هذه الأبواب الخمسة، أعني من "باب ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ﴾ [القمر: ٣٢] " إلى ها هنا من كلام الحافظ قُدِّس سرُّه في "باب قوله: ﴿تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا﴾ [القمر: ١٤].
وقال العلامة العيني (٢) بعد ذكر الحديث: واعلم أن البخاري روى هذا الحديث من ستة طرق كما رأيت، الأول مترجم بقوله: ﴿تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا. . .﴾ إلخ، والباقي وهو الخمسة بخمس تراجم أيضًا على رأس كل ترجمة لفظ "باب" وفي بعض النسخ لم يذكر لفظ "باب" أصلًا.
وقال الكرماني: ما معنى تكرار هذا الحديث في هذه التراجم الستة؟ وما وجه المناسبة بينه وبينها؟ فأجاب بقوله: لعل غرضه أن المذكور (٣) في هذه السورة الذي هو في المواضع الستة كله بالمهملة، انتهى.
قلت: مدار هذا الحديث بطرقه على أبي إسحاق عن الأسود بن يزيد، وأما فائدة قوله: ﴿فَذُوقُوا عَذَابِي وَنُذُرِ (٣٩) وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ [القمر: ٣٩، ٤٠] أن يجددوا عند استماع كل نبأ من الأنباء التي أتت من الأمم السالفة ادكارًا واتعاظًا، وينتبهوا إذا سمعوا الحثّ على ذلك، انتهى.
قلت: ولصنيع البخاري هذا - أعني إخراج حديث واحد بعدة طرق في تراجم عديدة - نظائر سيأتي ذكرها في تفسير سورة المنافقين.
стр. 2643
(٨ - باب قوله: ﴿سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ﴾ [القمر: ٤٥])
قال القسطلاني (١): سقط لفظ "باب" لغير أبي ذر، ثم قال بعد ذكر حديث الباب: وهذا الحديث مر في الجهاد في "باب ما قيل في درع النبي ﷺ "، انتهى.
قال الحافظ (٢): ذكر فيه حديث ابن عباس في قصة بدر وقد تقدم بيانه في المغازي، ثم قال الحافظ أيضًا: وهذا الحديث من مرسلات ابن عباس لأنه لم يحضر القصة، وقد روى عبد الرزاق عن معمر عن أيوب عن عكرمة أن عمر ﵁ قال: لما نزلت ﴿سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ﴾ جعلت أقول: أي جمع يهزم، فلما كان يوم بدر رأيت النبي ﷺ يثب في الدرع وهو يقول: ﴿سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ﴾ الآية، فكأن ابن عباس حمل ذلك عن عمر، وكأن عكرمة حمله عن ابن عباس عن عمر، وقد أخرج مسلم من طريق سماك بن الوليد عن ابن عباس: حدثني عمر ببعضه، انتهى.
(٩ - باب قوله: ﴿بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ﴾ [القمر: ٤٦])
أي: موعد عذابهم، (﴿وَالسَّاعَةُ﴾) أي: عذابها (﴿أَدْهَى﴾) أعظم بلية (﴿وَأَمَرُّ﴾) أشد مرارة من عذاب الدنيا، "يعني من المرارة" لا من المرور، قاله القسطلاني (٣).
قال الحافظ (٤): يعني من المرارة هو قول الفراء قال في هذه الآية معناه: أشد عليهم من عذاب يوم بدر، ﴿وَأَمَرُّ﴾ من المرارة، انتهى.
قوله: (إني عند عائشة أم المؤمنين قالت: لقد نزل على محمد ﷺ ) كذا
стр. 2644
ذكره ها هنا مختصرًا وفيه قصة حذفها، وسيأتي مطولًا في فضائل القرآن إن شاء الله تعالى، ثم ذكر فيه حديث ابن عباس المذكور في الباب الذي قبله، انتهى من "الفتح" (١).
(٥٥) سُورةُ الرَّحمنِ
كذا في النسخة الهندية و"الفتح" بدون البسملة، وهي مذكورة في نسخة "العيني" و"القسطلاني" ففي الأول أولًا وفي الثاني أخيرًا.
قال الحافظ (٢): والأكثر عدّوا ﴿الرَّحْمَنُ﴾ آية وقالوا: هو خبر مبتدأ محذوف، أو مبتدأ محذوف الخبر، وقيل: تمام الآية ﴿عَلَّمَ الْقُرْآنَ﴾ وهو الخبر، انتهى.
وقال العلامة العيني (٣): قال أبو العباس: أجمعوا على أنها مكية، إلا ما روى همام عن قتادة أنها مدنية، قال: وكيف تكون مدنية وإنما قرأها النبي ﷺ بسوق عكاظ فسمعته الجن، وأول شيء سمعت قريش من القرآن جهرًا سورة الرحمن، قرأها ابن مسعود عند الحجر فضربوه حتى أثروا في وجهه، وفي رواية سعيد عن قتادة: أنها مكية، وقال السخاوي: نزلت قبل ﴿هَلْ أَتَى﴾ وبعد سورة الرعد، نزلت حين قالوا: وما الرحمن؟ انتهى.
قول: (وقال مجاهد) فيما وصله عبد بن حميد في قوله تعالى: (﴿بِحُسْبَانٍ﴾ [الرحمن: ٥]) أي: "كحسبان الرحى" ليس هذا في النسخ الهندية بل هو مذكور في نسخة الهامش، أي: يدوران في مثل قطب الرحى، والحسبان قد يكون مصدر حسبته أحسبه بالضم حسبًا حسابًا وحسبانًا مثل الغفران والكفران والرجحان، أو جمع حساب كشهاب وشهبان، أي: يجريان في منازلهما بحساب لا يغادران ذلك، انتهى من "القسطلاني" (٤).
стр. 2645
وتقدم هذا القول أيضًا مع شرحه في أول بدء الخلق.
قوله: ﴿وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ﴾ [الرحمن: ٩] يريد لسان الميزان) قال الحافظ (١): هذا كلام الفراء بلفظه، وقد أخرج ابن أبي حاتم من طريق أبي المغيرة قال: رأى ابن عباس رجلًا يزن قد أرجح فقال: أقم اللسان كما قال الله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ﴾ [الرحمن: ٩]، وأخرج ابن المنذر عن مجاهد قال: ﴿وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ﴾ قال اللسان، انتهى.
وكتب الشيخ قُدِّس سرُّه في "اللامع" (٢): قوله: "يريد لسان الميزان" لأنها إذا أقيمت كان الوزن غير بخس ولا زائد، انتهى.
قوله: (﴿الْمُنْشَآتُ﴾ [الرحمن: ٢٤] ما رفع من قلعه من السفن) كتب الشيخ (٣): يعني أن المنشآت ما كانت قلاعها مرفوعة، فقوله: "من" كما في نسخة المتن، ليس بيانًا لما بل هي زائدة، انتهى.
وفي هامشه: لفظة "من" في قوله: "من قلعه" موجود في النسخ الهندية ولا يوجد في النسخ المصرية من نسخة "الكرماني" و"الفتح" و"العيني" و"القسطلاني" ولم يتعرض لذلك أحد من الشرَّاح، فالظاهر أنها سهو من الكاتب، انتهى.
قوله: (وقال بعضهم: ليس الرمان والنخل بالفاكهة. . .) إلخ.
قال الحافظ (٤): قال شيخنا ابن الملقن: البعض المذكور هو أبو حنيفة، وقال الكرماني: قيل: أراد به أبا حنيفة، قلت: بل نقل البخاري هذا الكلام من كلام الفراء ملخصًا، ولفظه: قوله تعالى: ﴿فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ﴾ [الرحمن: ٦٨] قال بعض المفسرين: ليس الرمان ولا النخل من الفاكهة، قال: وقد ذهبوا في ذلك مذهبًا، قلت: فنسبه الفراء لبعض المفسرين وأشار إلى توجيهه ثم قال: ولكن العرب تجعل ذلك فاكهة، وإنما
стр. 2646
ذكرا بعد الفاكهة كقوله تعالى: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ﴾ [البقرة: ٢٣٨] إلخ.
والحاصل: أنه من عطف الخاص على العام كما في المثالين اللذين ذكرهما إلى آخر ما ذكر الحافظ من الاعتراض والجواب عنه، كما ذكر في هامش "اللامع".
وكتب الشيخ قُدِّس سرُّه في "اللامع" (١): قوله: "وقال بعضهم. . ." إلخ، ولم يقل هذا البعض غير صواب فإن مبنى الأيمان على العرف فلم تكن الرمان والنخل فاكهة عندهم فكيف يدخل فيها، نعم هي فاكهة في عرفنا أهل الهند، ولم ينكر هذا البعض كونهما فاكهة عند العرب (٢) حتى يعترض عليه، وأما الآية فإنهم لم يستدلوا بها حتى يفتقر إلى الجواب عنها، ومع ذلك فإن لهم أن يقولوا: إن تخصيصهما بالذكر بعد التعميم ليس إلا لمزيد فيهما أو منقصة، كما في قوله: ﴿الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾ وهو المراد، انتهى.
وبسط في هامشه الكلام في تأييد كلام الشيخ قُدِّس سرُّه من أقوال الفقهاء وأهل الأصول.
(١ - باب قوله: ﴿وَمِنْ دُونِهِمَا جَنَّتَانِ﴾ [الرحمن: ٦٢])
سقط "باب قوله" لغير أبي ذر.
قوله: (﴿وَمِنْ دُونِهِمَا﴾) أي: الجنتين المذكورتين في قوله: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾ [الرحمن: ٤٦]، (﴿جَنَّتَانِ﴾) لمن دونهم من أصحاب اليمين فالأوليان أفضل من اللتين بعدهما، وقيل بالعكس، انتهى من "القسطلاني" (٣).
وقال الترمذي الحكيم: المراد بالدون هنا القرب أي: وقربهما
стр. 2647
جنتان، أي: هما أدنى إلى العرش وأقرب، وزعم أنهما أفضل من اللتين قبلهما، وقال غيره: معنى دونهما بقربهما وليس فيه تفضيل، وذهب الحليمي إلى أن الأوليين أفضل من اللتين بعدهما، ويدل عليه تفاوت ما بين الفضة والذهب، وقد روى ابن مردويه من طريق حماد عن أبي عمران في هذا الحديث قال: من ذهب للسابقين ومن فضة للتابعين، وفي رواية ثابت عن أبي بكر: من ذهب للمقربين ومن فضة لأصحاب اليمين، انتهى (١).
(٢ - باب قوله: ﴿حُورٌ مَقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَامِ﴾ [الرحمن: ٧٢])
سقط لفظ "باب" لغير أبي ذر، أي: محبوسات، ومن ثم سموا البيت الكبير قصرًا لأنه يحبس من فيه، قاله الحافظ (٢).
قال القسطلاني (٣): قال الترمذي الحكيم في قوله: ﴿حُورٌ مَقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَامِ﴾ بلغنا في الرواية أن سحابة من العرش مطرت فخلقن من قطرات الرحمة، ثم ضرب على كل واحدة خيمة على شاطئ الأنهار سعتها أربعون ميلًا وليس لها باب، حتى إذا حل ولي الله بالخيمة انصدعت عن باب ليعلم ولي الله أن أبصار المخلوقين من الملائكة والخدم لم تأخذها، وقد اختلف أيها أتم حسنًا، الحور أم الآدميات؟ فقيل: الحور لما ذكر، ولقوله في صلاة الجنازة: "وأبدله زوجًا خيرًا من زوجه" وقيل: الآدميات أفضل بسبعين ألف ضعف، انتهى.
(٥٦) الوَاقِعَةُ
كذا في النسخة "الهندية" و"القسطلاني" بغير لفظ "سورة"، وفي نسخة الحافظين بزيادتهما، وأما البسملة فموجودة في الشروح الثلاثة.