الترك: خاقان، وملك القبط بفرعون، وملك مصر بالعزيز، وملك حِمْير بتُبَّع، انتهى، كذا في هامش "اللامع" (١) عن الكرماني، وزاد العيني (٢) ألقابًا أُخَرَ كثيرة لسلاطين الأقطار.
واختلف في إسلام هرقل، فالجمهور على أنه آثر المُلْكَ على الإيمان، وقد غزا مؤتة سنة ثمان من الهجرة، وكتب إليه النبي ﷺ من تبوك ولم يسلم، وذهب بعضهم منهم صاحب "الاستيعاب" أنه أسلم ولم يظهره للخوف على نفسه، والبسط في هامش "اللامع" (٣).
وهل هو الذي فتح عليه في زمن عمر ﵁، فقيل: نعم، وقيل: بل هو حفيده.
وذكر البخاري هذا الحديث مطولًا في ثلاثة مواضع: ها هنا، وفي كتاب الجهاد في "باب دعاء النبي ﷺ إلى الإسلام والنبوة"، وفي التفسير في تفسير قوله تعالى: ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ﴾ الآية [آل عمران: ٦٤]، وذكره في عشرة مواضع مختصرًا، صفحاته في المطبوعات الهندية (٤) هي: ١٣ و ٣٦٨ و ٣٩٣ و ٤١١ و ٤١٨ و ٤٥٠ و ٨٨٤ و ٩٢٦ و ١٠٦٨ و ١١٢٥.
ومناسبة حديث هرقل بالباب على ما قاله القسطلاني (٥): لما فرغ عن بدء الوحي شرع في أوصاف الموحى إليه، وقال أيضًا: فإن قصة [هرقل] متضمِّنة كيفية حاله ﷺ في ابتداء الأمر.
قال الحافظ (٦): فإن قيل: ما مناسبة حديث أبي سفيان في قصة هرقل ببدء الوحي؟
стр. 299
فالجواب: أنها تضمَّنت كيفية حال الناس مع النبي ﷺ في ذلك الابتداء، ولأن الآية المكتوبة إلى هرقل للدعاء إلى الإسلام ملتئمة مع الآية التي في الترجمة، وهي قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ﴾ الآية [النساء: ١٦٣]، وقال تعالى: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا﴾ [الشورى: ١٣]، فبان أنه أوحي إليهم كلهم أن أقيموا الدين، وهو معنى قوله تعالى: ﴿سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ﴾ الآية [آل عمران: ٦٤]، انتهى.
وقيل: إن الأسئلة العشرة من هرقل كلها تناسب بدءَ الوحي، وقيل: هذه الأوصاف المذكورة في الأسئلة تدل على عظمته صلى الله تعالى عليه وآله وسلم المشعرة لعظمة الوحي الذي أرسل إليه.
(في ركب) كانوا ثلاثين رجلًا، كما في "الإكليل" للحاكم، وعند ابن السكن: نحو من عشرين، وعند ابن أبي شيبة بسند صحيح إلى ابن المسيب أن المغيرة بن شعبة كان منهم، وتُعقب بأن إسلامه عام الخندق فيبعد أن يكون حاضرًا ويسكت، كذا في "القسطلاني" (١).
قلت: ولا استعباد عندي؛ فإن المخاطب كان أبا سفيان ولم يتكلم بكذب، بل يمكن أن يكون خوفه عن الكذب متأثرًا عن وجود المغيرة؛ فإن أبا سفيان خاف على نفسه أن يأثر المغيرة عنه الكذب.
(وهم بإيلياء)، أي: هرقل وجماعته، وإِيلياء بتخفيف المثناة الثانية ممدودًا ومقصورًا، وبتشديد الياء مقصورًا فقط، وفي ضبطه أقوال، هو بيت المقدس، كذا في "القسطلاني" (٢)، فإن إيل في العبرانية: الله، وياء بمعنى البيت.
وبسط الشيخ قُدِّس سرُّه في "اللامع" (٣) في ترتيب هذه الوقائع، فقال: وكان هرقل نذر إن رَدّ الله عليه مُلْكَه من كسرى أن يأتي إيلياء، فردّ الله عليه
стр. 300
ملكه فأتاه، فبينا هو ناظرٌ ذات ليلة إذ رأى ما يذكر في الرواية (من ظهور ملك الختان)، واتفق أن بعث إليه مَلِك غسان برجل، فكتب هرقل إلى صاحب رومية، ولم يأت إليه جوابه، إذ وصل إليه كتاب رسول الله ﷺ فتحقق بعثته ﷺ عنده، وهذه الثلاث وقعت له بإيلياء، فَكَرَّ راجعًا إلى ملكه، حتى إذا وصل حمص - وهو دار السلطنة - بلغه جواب صاحب الرومية، فجمع هناك حواشيه، هكذا ينبغي ترتيب الوقائع، انتهى.
(فقال أبو سفيان: أنا أقربهم) لأن عبد مناف الأب الرابع له وللنبي ﷺ ، كذا في "القسطلاني" و"الفتح" (١)، فإنه صخر بن أمية بن عبد شمس بن [عبد] مناف، وهو ﷺ ابن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف، قال الحافظ - وسبقه القاضي عياض وغيره -: إنما خص هرقل الأقرب لأنه أحرى بالاطلاع على أموره ظاهرًا وباطنًا أكثر من غيره، ولأن الأبعد لا يؤمن أن يقدح في نسبه بخلاف الأقرب، انتهى.
(ثم كان أول ما سألني) بنصب اللام، وبه جاءت الرواية، خبر كان واسمه ضمير الشأن، ويحتمل أن يكون "أول ما سألني" اسم مؤخر، كذا في "القسطلاني" وغيره.
(كيف نسبه فيكم؟) كذا وقع السؤال والجواب عن النسب في "الجهاد"، ووقع في "التفسير" السؤال والجواب عن الحسب، فقال: "كيف حسبه فيكم؟ قال: قلت: هو فينا ذو حسب"، وهو غير النسب، فإنه الوجه الذي يحصل به الإدلاء من جهة الآباء، والحسب ما يعده المرء من مفاخر آبائه، ولم أر الحافظ تعرض عن الجواب.
والذي يترجح عندي السؤال عن النسب، فإن معمرًا هو الذي ذكر السؤال عن الحسب عند البخاري ومسلم، وأما شعيب بن أبي حمزة ها هنا،
стр. 301
وصالح في "الجهاد" فقالا عن الزهري: "كيف نسبه؟ "، والاثنان أولى بالحفظ من واحد، مع أن معمرًا قد ينفرد عن الزهري ببعض الألفاظ، ولعله عبَّر النسب بالحسب على جهة الرواية بالمعنى، فإن النسب الشريف يستلزم الحسب غالبًا، وقد قال النووي (١): معنى قوله: "كيف حسبه فيكم؟ "، أي: نسبه.
وها هنا إشكال آخر ذكره الحافظ فقال (٢): واستشكل الجواب؛ لأنه لم يزد على ما في السؤال؛ لأن السؤال تضمَّن أن له نسبًا أو حسبًا، والجواب كذلك، وأجيب بأن التنوين يدل على التعظيم كأنه قال: هو فينا ذو نسب كبير، أو حسب رفيع، انتهى.
(أحد قط) بتشديد الطاء لا يستعمل إلا في النفي، واستعماله ها هنا في الإثبات نادر، وقيل: إن الاستفهام يتضمن النفي، أي: هل قاله أحد أو لم يقل أحد قط، كذا في "القسطلاني" (٣).
(بل ضعفاؤهم) وتخصيص الشرف ها هنا باعتبار النخوة، لئلا يخرج (٤) نحو العمرين وحمزة وغيرهم، وتعقبه "العيني" (٥) بأن العمرين وحمزة ﵃ كانوا من أهل النخوة، فقول أبي سفيان يبني على الغالب، كذا في "القسطلاني".
(سخطة لدينه) يخرج منه من ارتد لِحَظِّ نفسه كعُبيد الله بن جحش، كذا في "القسطلاني" (٦)، وبسط الشيخ الكلام عليه في "اللامع" (٧).
стр. 302
(ولم تمكنني كلمة أن أدخل فيها شيئًا)، أي: أنتقصه به، على أن التنقيص هنا أمر نسبي؛ لأن من يقطع بعدم عذره أرفع رتبة ممن يجوز وقوع ذلك منه في الجملة، وقد كان معروفًا عندهم بالاستقراء من عادته أنه لا يعدر (١)، انتهى.
(سجال) بالكسر جمع سَجل، وهو الدلو الكبير، أي: نوبةً ونوبةً.
(ينال منا وننال منه)، أي: يصيب منَّا ونصيب منه، قال البلقيني (٢): فيه أيضًا دسيسة؛ لأنه لم ينل منه قط، [و] غاية ما فيه قتل بعض الصحابة في أُحد، وتعقبه الحافظ (٣) بأن الوقائع قبل ذلك ثلاثة: بدر وأُحد والخندق، وأصاب المسلمون في الأول وعكسه في الثاني، وأصيب قليل من الفريقين في الثالث، فصحَّ قول أبي سفيان، انتهى.
(يطلب ملك أبيه) بالإفراد ها هنا، وسيأتي في التفسير "ملك آبائه"، فإِفراد الأب ها هنا على الجنسية، أو لكون من يطلب ملك أبيه أَعْذَر، كذا في "القسطلاني" (٤).
(وهم أتباع الرسل) يؤيده قوله تعالى: ﴿قَالُوا أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ﴾ [الشعراء: ١١١]، كذا في "القسطلاني".
(وكذلك الرسل لا تغدر) لأنها لا تطلب حظ الدنيا الذي لا يبالي طالبه بالغدر، بخلاف من طلب الآخرة ولم يعرج [هرقل] على الدسيسة التي دسَّها أبو سفيان، قاله الحافظ (٥)، وترك ها هنا السؤال العاشر وجوابه، وسيأتي في الجهاد في "باب دعاء النبي ﷺ إلى الإسلام والنبوة"، كذا في "القسطلاني" (٦).
قلت: وهو السؤال عن القتال وهو التاسع فيما مرَّ، وذكره بلفظ
стр. 303
العاشر؛ لأن العاشر موجود ها هنا فبقي واحد فهو العاشر، وبسط في هامش "اللامع" (١) وجه تركه ها هنا، فارجع إليه لو شئت.
(فلو أعلم أني أخلص إليه) لكني أخاف أن أسلم على نفسي، كما ورد، كذا في "القسطلاني".
(ثم دعا بكتاب رسول الله ﷺ )، أي: من وكل ذلك إليه، ولذا عدَّى إلى الكتاب بالباء، وقال العيني (٢): الأحسن أن يقال: ثم دعا من أتى بكتابه ﷺ ، كذا في "القسطلاني" (٣)، وكان ﵇ أرسله مع دحية الكلبي في آخر سنة ست بعد رجوعه من الحديبية، فوصل الكتاب إليه، أي: مبدأ محرم سنة سبع، كذا في "فتح الباري" (٤) عن الواقدي، وقال النووي: كان بعثُ الكتاب ولقيه مع عظيم بُصرى في المحرم سنة سبع من الهجرة.
قال السهيلي (٥): إن هرقل وضع هذا الكتاب في قصبة من ذهب تعظيمًا له، وكانوا يتوارثونه، وحُكي أن ملك الإفرنج في دولة الملك المنصور قلاوون الصالحي أخرج لسيف الدين قليج صندوقًا مصفحًا بالذهب، واستخرج منه مقلمة من ذهب، فأخرج منه كتابًا زالت أكثر حروفه، فقال: هذا كتاب نبيكم إلى جدِّي قيصر، ما زلنا نتوارثه إلى الآن، وأوصانا آباؤنا أنه ما زال الكتاب فينا لا يزال الملك فينا، فنحن نحفظه، كذا في "القسطلاني" (٦).
(فدفعه إلى هرقل) فيه مجاز؛ لأنه أرسل به إليه صحبة عَدي بن حاتم كما في رواية ابن السكن في "الصحابة"، كذا في "القسطلاني" (٧).
(فقرأه) هرقل بنفسه أو الترجمان بأمره.
стр. 304
وفي مرسل محمد بن كعب القرظي عند الواقدي في هذه القصة: فدعا الترجمان الذي يقرأ بالعربية فقرأه، كذا في "القسطلاني" (١).
قلت: ويؤيد الثاني ما في أول الرواية من قوله: "ثم دعاهم ودعا ترجمانه"؛ لأنه لو كان يعرف العربية ما دعا الترجمان.
(فإذا فيه: بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد) فيه استحباب تصدير الكتب بالبسملة وإن كان المبعوث إليه كافرًا، فإن قلت: قد قَدَّمَ سليمان اسمه على البسملة كما في التنزيل: ﴿إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [النمل: ٣٠]، أجيب: بأن سليمان ﵇ كتب اسمه عنوانًا بعد ختمه، كذا في "القسطلاني" و"الفتح".
وفيه أن السُّنَّة أن يبدأ الكتاب بنفسه، وهو قول الجمهور، بل حكى فيه النحاس إجماع الصحابة، والحق إثبات الخلاف فيه، كذا في "الفتح" (٢)، وسيأتي ترجمة المصنف في الاستئذان بمن يبدأ في الكتاب.
(عظيم الروم) ذكر المدائني أن القارئ لما قرأه غَضَبَ أخو هرقل وجذب الكتاب، فقال هرقل: ما لك؟ فقال: إنه بدأ بنفسه وسمَّاك صاحب الروم، فقال هرقل: إنك لضعيف الرأي، أتريد أن أرمي بكتاب قبل أن أعلم ما فيه؟ إن كان رسول الله فهو أحق أن يبدأ بنفسه، ولقد صدق، أنا صاحب الروم، والله مالكي ومالكه، كذا في "القسطلاني" (٣).
(أسلم) بكسر اللام، (تَسْلَم) بفتحها، فيه من غاية الإيجاز والبلاغة، وهو من باب جوامع الكلم، كذا في "الكرماني" (٤)، وفي "الفتح": فيه نوع من البديع وهو الجناس الاشتقاقي، انتهى.
(إثم الأريسيين) فيه أربع لغات: بالهمزة، وقيل: بالياء المثناة التحتية
стр. 305
المفتوحتين، وعلى كليهما قيل: بياء واحدة بعد السين، وقيل: بيائين، ولغة خامسة: بكسر الهمزة وشد الراء المكسورة وياء واحدة بعد السين، وهم الفلاحون، وقيل غير ذلك، ولا ينافي قوله تعالى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام: ١٦٤]؛ لأن هذا إثم التسبب، كذا في "القسطلاني" (١).
(تعالوا إلى كلمة سواء) استدل به على جواز كتابة الآية أو الآيتين إلى الكافر، وتُعقب بأنه من قوله ﷺ ، ورد بأنه لو كان كذلك لقال: ﴿فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ﴾ والوارد في الحديث: "فإن تولوا"، كذا في "القسطلانى"، والبسط في هامش "اللامع" (٢).
(ابن أبي كبشة) كنية أبيه من الرضاعة.
(وكان ابن الناطور) مقولة الزهري بالسند السابق فليس بمعلَّق كما توهم، ولا برواية عبيد الله كما توهمه آخرون، ولقيه الزهري بدمشق في زمن عبد الملك بن مروان كما بسط في هامش "اللامع"، و"ابن الناطور" روي بالطاء المهملة والمعجمة، وهو: الحافظ للزرع، إلى آخر ما بسط في هامش "اللامع" (٣).
(صاحب إيلياء)، أي: حاكمها، (وصاحب هرقل)، أي: مصاحبه.
(سقف) اختلف في ضبطه أهو فعل أو اسم، وعلى الأول أهو من باب الإِفعال أو التفعيل، وعلى كليهما مبني للمفعول، وعلى الثاني قيل: هو بضم الهمزة وسكون السين وضم القاف وتخفيف الفاء، وقيل: بضم السين والقاف وشد الفاء منونًا، وقع هذا منصوبًا على الحالية، ومرفوعًا بأنه خبر مبتدأ محذوف.
(يحدث) خبر بعد خبر، كذا في حاشية الهندية.
стр. 306
(بطارقته) بفتح الموحدة جمع بطريق بكسر، أي: خواصه وأهل مشورته، كذا في "القسطلاني".
(قد ظهر) أي: غلب، وهو كما قال؛ لأن في هذا الزمان كان بدء ظهوره بصلح الحديبية ونزول: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾ [الفتح: ١]، كذا في "القسطلاني" و"الفتح" (١).
(ملك غسان) بالغين المعجمة والسين المهملة المشدَّدة، وغسان اسم ماء نزل عليه قوم من الأزد فنسبوا إليه، أو ماء بالمشلَّل، والملك: هو الحارث بن أبي شمر، وهو جملة ملوك اليمن، فأخبره بأنه ظهر عنده رجل يدَّعي أنه نبي، كذا في "القسطلاني" (٢)، وحاشية "الهندية".
(كتب هرقل إلى صاحب له) يسمى ضغاطر الأسقف، أظهر إسلامه، وخرج على الروم فدعاهم إلى الإسلام فقتلوه، كذا في "القسطلاني" (٣).
(برومية) مدينة رئاسة الروم.
(فلم يرم حمص)، أي: لم يبرح منها، قال الداودي: أي: لم يصل إِليها وزيفوه، كذا في "الفتح" (٤).
(دسكرة) بمهملتين: الأولى مفتوحة، والثانية ساكنة: قصرٌ حوله بيوت، كذا في "القسطلاني".
(فكان ذلك آخر شأن هرقل) فيما يتعلق بهذه القصة، أو فيما يتعلق بإِيمانه، كذا "القسطلاني" (٥)، وقد بسطتُ الكلام على إسلامه في رسالتي "الوقائع والدهور"، وتقدم أيضًا إِجمال الكلام عليه في أول هذا الحديث.
стр. 307
وفي هامش "اللامع" (١) ها هنا تنبيه مفيد هذا لفظه: قال الحافظ (٢) ﵀: يؤخذ للمصنف من آخر لفظ في القصة براعة الاختتام، انتهى.
وهذا إشارة منه ﵀ إلى ما تقدم في مقدمة هذه الحاشية في خصائص "البخاري" ما جزم به الحافظ من أن الإمام البخاري يذكر في آخر كل كتاب ما يدل على الختم، ويشير إلى اختتام الكتاب، وذكرت هناك أن الأوجه عندي أن الإمام البخاري يذكر في آخر كل كتاب ما ينبه على خاتمته ويذكره موته، وها هنا لفظ: "ذلك آخر شأن هرقل"، كما يشير إلى خاتمة الكتاب بلفظ آخر فهو أشد تنبيهًا إلى خاتمة كل رجل بالإِشارة إلى آخر شأن هرقل، إن صدقت نيته انتفع بها وإلا فقد خاب وخسر، انتهى.
(قال أبو عبد الله) قال الشيخ محمد حسن المكي في "تقريره" عن الشيخ الكَنكَوهي قُدِّس سرُّه: نسخة الفربري رواه صالح، فلفظ أبو عبد الله نسخة ابن عساكر، وقد زيد في هذه النسخة نسخة الفربري المتداولة بين شيوخنا من نسخة غيره من الكاتبين كثيرًا، وكان حقها أن تكتب في البياض، انتهى.
وابن عساكر وإن كان من تلامذة الفربري بثلاث وسائط، لكن له نسخة معروفة، كما ذكره الشيخ أحمد علي المحدث السهارنفوري في مقدمة حاشية "البخاري".
* * *
стр. 308
٢ - كتاب الإيمان
وتقدم في مقدمة "اللامع" من كلام الحافظ ابن حجر نوَّر الله مرقده عن شيخه البلقيني المناسبة بين الكتب والأبواب للـ "جامع الصحيح"، فقال فيما يتعلق ببدء الوحي ما تقدم في محله، ثم قال: وقدَّم الوحي لأنه منبع الخيرات، وبه قامت الشرائع وجاءت الرسالات، ومنه عُرف الإيمان والعلوم، وكان أوله إلى النبي ﷺ بما يقتضي الإيمان من القراءة والربوبية وخلق الإنسان، فذكر بعده كتاب الإيمان والعلوم، وكان الإيمان أشرف العلوم فعقّبه بكتاب العلم.
والإيمان - بكسر الهمزة - لغةً: التصديق، وهو الإذعان، أي: إذعان لحكم المخبر وقَبوله وجعله صادقًا. وشرعًا: التصديق بما جاء به الرسول ﷺ . فهو كأنه إفعال من الأمن، أي: جعل غيره في الأمن من التكذيب، ثم استعمل في التصديق مطلقًا، قال عزَّ اسمه في قصة إخوة يوسف: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ﴾ [يوسف: ١٧]. وفي الشرع: التصديق بما جاءت به الشريعة.
ثم قال الإمام: إن الإيمان عمل القلب واللسان معًا، والإقرار ركن أو شرط، وهو المنصوص عن الإمام الأعظم، وإِليه ذهب الأشعري في أصح الروايتين، وهو المنقول عن الماتُريدي. والمعروف عن الشافعي والمحدثين: أنه مركب من التصديق والإقرار والعمل. والخلاف لفظي بين أهل السُّنَّة، بخلاف المرجئة والخوارج كما في هامش "اللامع" (١).
وحاصل ما في هامش "اللامع": أن فيه أربعة مذاهب:
стр. 309
١ - أهل السُّنَّة، وقد تقدم.
٢ - والمرجئة، وقالوا: هو اعتقاد ونطق فقط.
٣ - والخوارج، وقالوا: إن الأعمال أجزاء لحقيقة الإيمان داخلة في ماهيَّته، وإذا فات الجزء فات الكل.
٤ - وبعض المعتزلة القائلون: إن الفاسق لا مؤمن ولا كافر، والبسط في هامش "اللامع".
﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾
قد يكتب قبل الكتاب، وقد يكتب بعده، وقد يكتب في غير محله، أي: في أثناء الكتاب، والوجه في ذلك أن الإمام البخاري حين يكتب هذا الكتاب كان يكتب ويكتب، فإذا وقف عن الكتابة بسبب المرض أو غيره من الأعذار تركها، ثم إذا شرع في الكتابة بعد الوقفة كتب البسملة، هذا هو المنقول عن المشايخ وإن كان ضعيفًا، انتهى، كذا في حاشية "اللامع" (١) من تقرير مولانا محمد حسن المكي عن الشيخ الكَنكَوهي قُدِّس سرُّه.
وفيه أيضًا:
قلت: ولم أتحصل بعدُ وجهَ الضعف، فإن المنقول عن الأساتذة يزيل الإشكال المعروف أن الإمام طالما يذكر البسملة فيما بين الأبواب المسلسلة من كتاب واحد، كما في أبواب التهجُّد كتب البسملة قبل "باب فضل الصلاة في مسجد مكة والمدينة"، وبعد ذلك بيسير كتب البسملة على "باب استقامة اليد في الصلاة"، وليسا بكتابين مستقلين، وسيأتي ذلك في كلام الشيخ قُدِّس سرُّه في "اللامع" على "باب فضل استقبال القبلة"، وتقدم في مقدمة "اللامع" في خصائص الكتاب، ولعل وجه الضعف اختلاف النسخ في ذكر البسملة وحذفها، لكن اختلاف النسخ موجود في غير البسملة من الأبواب والتراجم وغير ذلك. نعم، بقي الإشكال في أنه قد يكتب
стр. 310
البسملة قبل الكتاب وتارةً بعده كما ها هنا، وسيأتي جوابه في كلام "القسطلاني".
قال القسطلاني (١): ولما فرغ المؤلف من باب الوحي الذي هو كالمقدمة لهذا الكتاب الجامع شرع يذكر المقاصد الدينية وبدأ منها بالإيمان؛ لأنه ملاك الأمر كله؛ لأن الباقي مبني عليه ومشروط به، وهو أول واجب على المكلف، فقال مبتدئًا: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ كأكثر كتب هذا الجامع تبركًا وزيادة في الاعتناء بالتمسُّك بالسُّنَّة، واختلفت الروايات في تقديمها هنا على كتاب أو تأخيرها عنه، ولكلٍّ وجهٌ، ووجه الثاني: بأنه جعل الترجمة قائمة مقام تسمية السورة، ووجه الأول ظاهر، انتهى.
(٢ - باب قول النبي ﷺ : بُنِي الإسلام على خمس. . .) إلخ
المعروف على الألسن أن هذه الأبواب كلها ردٌّ على الحنفية القائلين ببساطة الإيمان، بخلاف المحدثين والجمهور القائلين بتركيبه. وهذا ليس بصحيح، فإنه لا خلاف بين أهل السُّنَّة في هذه المسألة أصلًا، ولذا قال مولانا الشاه ولي الله الدهلوي في "تراجمه" (٢): اضطرب كلام الشرَّاح في بيان غرض القدماء من المحدِّثين في مسألة الإيمان، وذلك أنهم حكموا بأن من صدّق بقلبه وأقرّ بلسانه ولم يعمل عملًا قط فهو مؤمن، وحكموا بأن الأعمال من الإيمان، فأشكل عليهم أن الكلَّ لا يوجد بدون الجزء.
وأفاد مولانا شيخ الهند قُدِّس سرُّه في "تراجمه": أن في المسألة ثلاثة مذاهب:
أحدها: أن الأعمال أجزاء حقيقة الإيمان، وإذا فات الجزء فات الكل، هذا مذهب الخوارج والمعتزلة، وثانيها: أن لا علاقة بين الإيمان
стр. 311
والأعمال، والإيمان قول فقط بلا عمل، وهذا مذهب المرجئة، والثالث: مذهب أهل السُّنَّة والجماعة: أن الأعمال خارجة عن حقيقة الإيمان داخلة في كماله؛ كأجزاء الإنسان من الجوارح، وما حكموا من الخلاف بين أهل السُّنَّة مبني على الخلاف اللفظي، انتهى.
وفي حاشية الهندية: نُقل عن الشافعي أنه قال: الإيمان هو التصديق والإقرار والعمل، فالمخلُّ با لأول وحده منافق، وبالثاني وحده: كافر، وبالثالث وحده: فاسق ينجو من الخلود في النار ويدخل الجنة.
قال الإمام: هذا في غاية الصعوبة؛ لأن العمل إذا كان ركنًا لا يتحقق الإيمان بدونه، فغير المؤمن كيف يخرج من النار؟
أجيب عن هذا: بأن الإيمان قد جاء بمعنى أصل الإيمان كما في قوله ﵊: "الإيمان أن تؤمن بالله وملائكته" الحديث، وقد جاء بمعنى الإيمان الكامل، وهو المقرون بالعمل كما في حديث وفد عبد القيس.
والإيمان بهذا المعنى الثاني هو المراد بالإيمان المنفي في قوله ﵊: "لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن" (١) الحديث.
فالخلاف لفظي راجع إلى تفسير الإيمان، ولا خلاف في المعنى، فإن الإيمان المُنجي من دخول النار هو الثاني باتفاق جميع المسلمين، والإيمان المنجي من الخلود في النار هو الأول باتفاق أهل السُّنَّة خلافًا للمعتزلة والخوارج، ويدل على ذلك حديث أبي ذر ﵁ "ما من عبد قال: لا إله إلا الله، ثم مات على ذلك إلا دخل الجنة". قلت: وإن زنى وإن سرق؟ قال ﷺ : "وإن زنى وإن سرق" (٢) الحديث.
وقوله ﷺ : "يخرج من النار من كان في قلبه مثقال ذرة من الإيمان" (٣)
стр. 312
فبهذا يندفع الإشكال وتجتمع الأقوال، انتهى، ملتقط من "العيني" (١).
فغرض المصنف بهذه الأبواب الردُّ على هذين الفريقين، أي: المرجئة والخوارج.
وأفاد في "اللامع" و"تراجم شيخ الهند": أن المصنف بسط في الرد على المرجئة في هذه الأبواب أشد البسط، وإن أشار في بعضها إلى رد الخوارج أيضًا، لما أن عقائد المرجئة تسدّ أبواب الأعمال بالكلية، وزاد الشيخ الكَنكَوهي في "اللامع" (٢) بأن غرض المصنف بهذه الأبواب الرد على المرجئة القائلين بأنه لا يضرّ الإسلام معصية، والمعتزلة المثبتين منزلةً بين المؤمن والكافر.
وصرَّح في "شرح البخاري" (٣) للنووي أن غرض المصنف من هذه الأبواب كلِّها الرد على المرجئة، فإن مذهب جميع أهل السُّنَّة من سلف الأمة وخَلَفها أن الإيمان قول وعمل. . .، إلى أن قال: فالحاصل أن الذي عليه أهل السُّنَّة أو جمهورهم أن من صدّق بقلبه ونطق بلسانه بالتوحيد، لكن قصَّر في الأعمال كترك الصلاة وشرب الخمر، لا يكون كافرًا خارجًا من الملة، بل هو فاسق، انتهى.
(وهو قول وفعل) أراد بالفعل ما يعمُّ فعل القلب والجوارح، ويمكن إرادة فعل الجوارح فقط، وعلى هذا فتركُ التصديق في الذكر لاتفاق العلماء على اعتباره في الإيمان، كذا في "اللامع"، وبسط الكلام على ذلك في هامش "اللامع"، وفيه: وفي رواية الكشميهني: "قول وعمل"، وهو اللفظ الوارد عن السلف.
وذكر في "فيض الباري" (٤) بهذا الكلام شروحًا أربعة:
стр. 313
الأول: ما فهمه عامة أرباب التصانيف أن الإيمان مركب من القول والعمل، فالمخلُّ بهما كافر، والمخلُّ بالتصديق فقط منافق، والمخل بالعمل فاسق.
والثاني: أن الإيمان تصديقٌ يظهره اللسان والجوارح. وحاصله: أنه التصديق المساعد بالقول والعمل، وحينئذ لا يكون الإيمان إلا التصديق فقط، ويبقى القول والعمل ساعدًا ومساعدًا بالإيمان لا جزء له، فالتصديق الذي يخلو عن الإقرار والعمل كأنه ليس بتصديق.
والثالث: أن التصديق منسحب على القلب والجوارح، فتصديقُ القلب هو التصديق الباطني المسمَّى بالإيمان، وتصديق الجوارح يسمَّى عملًا وأخلاقًا، فالشيء واحد من هناك إلى ها هنا، وتختلف الأسامي باختلاف المواطن، فالإيمان على اللسان: قول، وعلى الجوارح: عمل.
والرابع: أن الإيمان اسم للتصديق الذي يعقبه القول والعمل، فينبغي أولًا أن يصدّق، ثم يُقرّ، ثم يعمل، فكان القول والعمل من مقتضيات الإيمان، انتهى ملخصًا.
(ويزيد وينقص) قال الشيخ العارف المحدث الكَنكَوهي في "اللامع": وزيادة الإيمان في الروايات والآيات عندنا محمولة على زيادة المؤمن به، أو على زيادة مراتب الإيقان وكيفيات التصديق لا نفسه؛ لأنه شيء بسيط. وبسط الكلام على ذلك في هامش "اللامع" (١). وما أفاده الشيخ قُدِّس سرُّه من قوله: "مراتب الإيقان وكيفيات التصديق" هو بعينه ما اختاره السلف من الزيادة والنقصان.
وأجاد الإمام الرباني المجدد للألف الثاني كلامًا أنيقًا في مكتوباته الشريفة، نورده بنصِّه تبركًا بلفظه، قال:
"در زيادتي ونقصان إيمان علماء را اختلاف است، إمام أعظم كوفي ﵁ مي فرمايد: الإيمان لا يزيد ولا ينقص، وإمام شافعي ﵀
стр. 314
سبحانه مي فرمايد كه: يزيد وينقص، وشك نيست كه إيمان عبارة أز تصديق ويقين قلبي است كه زيادتي ونقصان را در آنجا كَنجائش نيست، آنجه قبول زيادتي ونقصان كند داخل دائره ظن است نه يقين.
غاية ما في الباب: إتيان أعمال صالحه انجلاء آن يقين مي فرمايد، وأعمال غير صالحه آن يقين را مكدر مي سازد، بس زيادتي ونقصان باعتبار أعمال در انجلاء آن يقين ثابت شد، نه در نفس آن يقين جمع يقين را منجلي وروشن يافتند زياده كَفتند از ان يقيني كه آن انجلاء وروشني ندارد، كَوئياى بعضى غير منجلي يقين را يقين نه داشتند، همان بعض منجلي را يقين دانسته ناقص كَفتند، وجمع ديكَر كه حدت نظر داشتند ديدند كه اين زيادتي ونقصان راجع بصفات يقين است نه بنفس يقين.
لا جرم يقين را غير زائد وناقص كَفتند، مثل آنكه دو آئينه برابر كه در انجلاء ونورانيت وتفاوت دارند، شخصى بيند آئينه را كه انجلاء زياده دارد ونمايندكَي درو بيشتر است كَويد كه اين آئينه زياده است از آئينه ديكَر كه آن انجلاء ونمائندكَي ندارد، وشخصى ديكَر كَويد كه دو آئينه است بس نظر شخص ثاني صائب است وبحقيقت شي نافذ، ونظر شخص أول مقصور با ظاهر است واز صفت بذات نرفته و ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ [المجادلة: ١١].
ازين تحقيق كه اين فقير بإظهار آن موفق شدة اعتراضات مخالفان كه بر عدم زيادتي ونقصان إيمان نموده اند زائل كَشت، وايمان عامه مؤمنان در جمع وجوه مثل إيمان أنبياء - عليهم الصلوات والتسليمات - نشد، زيرا كه إيمان أنبياء عليهم الصلوات والتسليمات كه تمام منجلي ونوراني است، ثمرات ونتائج بأضعاف زياده دارد أز إيمان عامه مؤمنان كه ظلمات وكدورات دارد على تفاوت درجاتهم، وهمجنين إيمان أبو بكر رضي الله تعالى عنه كه در وزن زياده از إيمان أمت است باعتبار انجلاء ونورانيت بايد دانست وزيادتي را راجع بصفات كامله بايد ساخت نمي بيني كه أنبياء
стр. 315
عليهم الصلوات والتسليمات با عامه در نفس إنسانيت برابر اند، ودر حقيقت وذات همه متحد، تفاضل باعتبار صفات كامله آمده است وآنكه صفات كامله ندارد، كَوئيان أزان نوع خارج است، وأز خواص وفضائل آن نوع محروم با وجود اين تفاوت در نفس إنسانيت زيادتي ونقصان راه نمي بايد ونمي توان كَفت كه إنسانيت قابل زيادتي ونقصان است، والله الملهم للصواب، انتهى.
(وقال تعالى) في سورة الفتح: (﴿لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ﴾) [٤].
(وقال تعالى) في سورة الكهف: (﴿وَزِدْنَاهُمْ هُدًى﴾) [١٣].
(وقال تعالى) في سورة مريم: (﴿وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى﴾) [٧٦]
(وقال تعالى) في سورة محمد: (﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى﴾) [١٧]
(وقال تعالى) في سورة المدثر: (﴿وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا﴾) [٣١].
(وقال تعالى) في سورة براءة: (﴿أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا﴾) [١٢٤].
(وقال تعالى) في سورة آل عمران: (﴿فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ﴾) [١٧٣].
(وقال تعالى) في سورة الأحزاب: (﴿وَمَا زَادَهُمْ إلا إِيمَانًا﴾) [٢٢]
(والحب في الله) لفظ حديث رواه أبو داود من حديث أبي أُمامة (١)، واستدل به الإمام على الزيادة والنقصان؛ لأن الحب والبغض يتفاوتان، كذا في "القسطلاني" (٢).
(وكتب عمر بن عبد العزيز) شرع في الآثار بعد ذكر الآيات والحديث، (إلى عدي بن عدي) الكندي، وهو تابعي، من أولاد الصحابة،
стр. 316
كان عامل عمر بن عبد العزيز على الجزيرة، ولذا كتب إليه، كذا في هامش "اللامع" (١).
(إن للإيمان فرائض) أي: أعمالًا مفروضة.
(وشرائع) أي: عقائد دينية. "وحدودًا" أي: منهيات ممنوعة.
(وسننًا) أي: مندوبات، كذا في "الفتح" و"القسطلاني" (٢).
وقال الشيخ المحدث الكَنكَوهي في "اللامع" (٣): وظاهر أن الفرائض والشرائع ليست لنفس الإيمان، إذ هو اسم للتصديق عند الكل، فلا معنى لكونه ذا فرائض إلا إذا أدخل فيه العمل أيضًا، ونقل عنه أن الإيمان فرائض، وعلى هذا فدخول الأعمال فيه أظهر، ثم لا يمكن أن يكون عمر ﵁ هذا يكفر من أخلّ بشيء من الأعمال، كما هو اللازم من جعل الأعمال داخلةً في الإيمان لما فيه من مخالفة بيِّنة للنصوص القطعية، فلم يكن مراده إلا دخولها في الإيمان الكامل وهو عين مرادنا.
(فقد استكمل الإيمان): استدل به الإمام البخاري على الزيادة والنقص، لا يقال: إنه لا يدل على ذلك بل يدل على خلافه إذ قال للإيمان كذا وكذا، فجعلها غير الإيمان؛ لأنا نقول: إن آخر كلامه "فقد استكمل" يشعر إليه، كذا في "القسطلاني".
قلت: بل هو أصرح دليل لمن قال: إن هذه الأمور لاستكمال الإيمان، وبسط الكلام على ذلك في هامش "اللامع"، وفي آخره: قال الحافظ (٤): فالمراد أنها من المكملات؛ لأن الشارع أطلق على مكملات الإيمان إيمانًا.
(فسأبيِّنها لكم) أي: مفصَّلَة.
стр. 317
قال القسطلاني (١): وليس في هذا تأخير البيان عن وقت الحاجة إذ الحاجة لم تتحقق، أو أنه علم أنهم يعلمون مقاصدها ولكنه استظهر وبالغ في نصحهم وتنبيههم على المقصود، وعَرّفهم أقسام الإيمان مجملًا، وأنه سيذكرها مفصلًا إذا تفرغ لها، فقد كان مشغولًا بالأهم.
(وقال إبراهيم) على نبينا وعليه السلام كما في سورة البقرة: ﴿وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ [البقرة: ٢٦٠] أي: يزداد بصيرةً.
لا يقال: إن الشك ينافي الإيمان؛ لأن المراد ها هنا ليس نفي اليقين بل التمنِّي لعين اليقين، فإن المحقق بالمشاهدة آكد من المحقق بالعلم، أو يقال: إن السؤال لم يكن عن مجرد الإحياء بل عن كيفيته، كما يدل عليه لفظ "كيف"، وهذا هو الذي مال إليه صاحب "روح المعاني" (٢).
وذكر النووي له أجوبة، قال (٣): أظهرها أنه أراد الطمأنينة بعلم كيفية الإحياء مشاهدةً بعد العلم بها استدلالًا، فإِنَّ عِلْمَ الاستدلال قد تتطرق إليه الشكوكُ في الجملة، بخلاف علم المعاينة فإنه ضروري، وهذا مذهب الأزهري وغيره.
والثاني: سأل زيادة يقين وإن لم يكن الأول شكًّا، فسأل الترقي من علم اليقين إلى عين اليقين، فإنَّ بين العِلمين تفاوتًا، قال سهل بن عبد الله التستري: سأل كشف غطاء العيان ليزداد بنور اليقين، وذكر وجهين آخرين.
وقال ابن الهمام في "المسايرة" (٤): قيل في تأويله: طلب السيد إبراهيم ﷺ حصولَ القطع بالإحياء بطريق آخر، وهو البديهي الذي بداهته سببُ وقوع الإحساس به، وهذا تأويل حسن، وحاصله: أنه لما قطع بالقدرة على الإحياء اشتاق إلى مشاهدة كيفية هذا الأمر العجيب الذي جزم بثبوته،
стр. 318
كمن قطع بوجود دمشق وما فيها من أجِنَّة يانعة، وأنهار جارية، فنازَعَتْه نفسُه في رؤيتها والابتهاج بمشاهدتها، فإنها لا تسكن وتطمئن حتى يحصل مُنَاها، وكذا شأنُها في كل مطلوب مع العلم بوجوده، فليس تلك المنازعة والتطلب ليحصل القطع بوجود دمشق، إذ الفرض ثبوته.
قال الكمال ابن أبي شريف (١): وهذا التأويل يشير إلى أن المطلوب بقول السيد إبراهيم ﷺ : ﴿وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ [البقرة: ٢٦٠] هو سكون قلبه عن المنازعة إلى رؤية الكيفية المطلوب رؤيتها، وهو الذي اقتصر عليه ابن عبد السلام في جواب السؤال، أو المطلوب سكونه بحصول متمنَّاه من المشاهدة المحصِّلة للعلم البديهي بعد العلم النظري، انتهى.
ولا يقال: كان المناسب للمصنف أن يذكرها في سياق الآيات؛ لأن هاتيك دلالتها على الزيادة صريحة بخلاف هذه، كذا في "القسطلاني" (٢)، وكتب الشيخ قُدِّس سرُّه في "اللامع" (٣): وإيرادها في غير الآيات لأنها من كلام إبراهيم ﵇ لا من أمره تعالى، وإن كان مذكورًا في القرآن على سبيل الحكاية.
(وقال معاذ بن جبل) كتب الشيخ قُدِّس سرُّه في "اللامع": كذلك [في] قول معاذ، أي: نزد الإيمان ساعة بالمذاكرة، وكذلك قول ابن مسعود، فإن كلها دليل على ما قصده المؤلف، ولا يضرُّنا شيئًا، فإن الزيادة في الكيفيات مسلَّمة.
(اجلس بنا نُؤمِنْ ساعةً) أي: نزداد إيمانًا.
قال النووي (٤): أي نتذاكر الخير وأحكام الآخرة، فإن ذلك إيمان،
стр. 319
وقال ابن العربي: لا تعلق له للزيادة؛ لأن معاذًا إنما أراد تجديد الإيمان؛ لأن العبد في أول الأمر يكون مؤمنًا، ثم يجدد دائمًا، وتعقَّبه الحافظ بأن ما نفاه أولًا أثبته آخرًا؛ لأن تجديد الإيمان [إيمان]، كذا في "القسطلاني" (١).
(وقال ابن مسعود) طرف من أثر رواه الطبراني وتتمته: "والصبر نصف الإيمان"، ولفظ "نصف" صريح في التجزئة، كذا في "القسطلاني".
قلت: ولا يبعد أن يقال: إن المصنف أشار إلى كل الأثر بذكر بعضه.
قال الحافظ (٢): جرى المصنف على عادته في الاقتصار على ما يدل بالإشارة، وحذف ما يدل بالصراحة، إذ لفظ النصف صريح في التجزئية، وفي "الإيمان" لأحمد من طريق عبد الله بن حكيم عن ابن مسعود أنه كان يقول: اللهم زدني إيمانًا ويقينًا وفقهًا، وإسناده صحيح، وهذا أصرح في المقصود، ولم يذكره المصنف لِمَا أشرتُ إليه، انتهى.
(اليقين الإيمان كله) أَكَّدَه بكلٍّ لدلالتها على التبعيض، كذا في "القسطلاني"، قال الشيخ العارف المحدث الكَنكَوهي في "اللامع" (٣): إن اليقين كل الإيمان، ففيه استدلالان: توكيد الإيمان بلفظ الكل، ولا يؤكد بالكل إلا ذو أجزاء وأبعاض، فلزم دخول الأعمال في الإيمان، إذ ليس في نفس الإيمان أجزاء، وحمل الإيمان على اليقين أو عكسه، ومراتب اليقين متفاوته، فلزم كون الإيمان كذلك، انتهى.
(قال ابن عمر) هو عبد الله، وهو المعروف بهذه الكنية في جملة أبناء عمر رضي الله تعالى عنه، معروف بشدة اتباعه لرسول الله ﷺ حتى في الآداب.
стр. 320
(لا يبلغ العبد حقيقة التقوى) وفي الأثر إشارة إلى أن بعض المؤمنين بلغ كُنْهَ الإيمان، وبعضهم لم يبلغه، فثبتت الزيادة والنقصان، كذا في "القسطلاني" (١).
قال الشيخ في "اللامع" (٢): "حقيقة التقوى"، فلزم أن يكون للتقوى - وهو الإيمان - مراتب بعضها أولى بتسميتها "تقوى" من بعض، أي: وقد علم أن أدنى درجات التقوى الاتقاء عن الشرك، وهو الإيمان نفسه، فكان أعلى درجاته أعلى درجاته، انتهى.
وفي هامشه: في بعض الروايات بدل "التقوى" لفظ "الإيمان".
(وقال مجاهد: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ. . .﴾) إلخ، أشار إلى آية في سورة الشورى: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ الآية [الشورى: ١٣].
قال صاحب "الجمل" (٣): ﴿لَكُمْ﴾ خطاب لأمة محمد ﷺ ، وقوله: ﴿وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ﴾ فيه التفات من الغيبة إلى التكلم بنون العظمة لكمال الاعتناء بالإيحاء إليه، انتهى.
وقال الشيخ في "اللامع" (٤): تفسير مجاهد يقتضي اتحادهما مع ما علم من اختلاف بين الشرائع والأحكام، فعلم أن الدين واحد غير أن فيه زيادة ونقصانًا، ويدل عليه الرواية "مثلي مثل من بنى دارًا" (٥)، فإن فيه تصريحًا بأنه ﷺ كمَّل من الأديان ما كان ناقصًا، إلى آخر ما بسط فيه.
стр. 321
وقال ابن الملقن في "التوضيح": لا يظهر موافقة هذه الآية، أي: المذكور في قول مجاهد للترجمة، وأجاب المحدث الكبير مولانا أحمد علي السهارنفوري في حاشية "البخاري" (١) بأن في آخر الآية: ﴿أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ﴾، والإقامة في الدين لا تتأتى إلا بالإيمانِ بما يجب تصديقه والطاعة في أحكام الله تعالى، فكل من كان في التصديق وطاعة الأحكام أعمل كان إيمانه أكمل، فبهذا تحصل المطابقة، والله أعلم، وسيأتي شيء مما يتعلق به في ذكر قول ابن عباس إن شاء الله، وبسط شيء من الكلام عليه في هامش "اللامع".
(يا محمد وإياه. . .) إلخ، أي: نوحًا، خصَّه بالذكر؛ لأنه أول من جاء بالتحريم والتحليل، وأول من جاء بتحريم الأمهات والبنات والأخوات، كذا في "القسطلاني" لا يقال: إن "إياه" تصحيف وقع في أصل البخاري، والصواب: وأنبياءه، كما عند عبد بن حميد وابن المنذر وغيرهما، وكيف يفرد مجاهدٌ الضميرَ لنوحٍ وحده مع أن في الآية ذكر جماعة من الأنبياء؟
لأنه أجيب بأن نوحًا أُفْرِد في الآية، وبقية الأنبياء عطفٌ عليه، وهم داخلون فيما وَصّى به نوحًا في تفسير مجاهد، فليس بتصحيف بل صحيح، كذا في "القسطلاني" (٢).
قلت: ودعوى التصحيف للبُلقيني والجواب للحافظ، وغرض المصنف بذكره أنه جعل الأديان كلها دينًا واحدًا مع ما فيها من زيادة ونقص، كذا في "اللامع" (٣).
(وقال ابن عباس) في تفسير قوله تعالى في سورة المائدة (٤): ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ﴾ أيها الأمم ﴿شِرْعَةً﴾ أي: شريعة ﴿وَمِنْهَاجًا﴾ أي: طريقًا
стр. 322
واضحًا في الدين يمشون عليه، كذا في "الجلالين" (١).
قال صاحب "الجمل" (٢): الشريعة والمنهاج عبارة عن معنى واحد، والتكرير للتأكيد، والمراد بهما الدين، وقال آخرون: بينهما فرق لطيف، وهو أن الشريعة التي أمر الله بها عباده، والمنهاج الطريق الواضح المؤدي إلى الشريعة، قال ابن عباس في تفسيرها: سُنَّة وسبيلًا، وقال قتادة: سبيلًا وسُنَّة، قال العلماء: وردت آياتٌ دالَّةٌ على عدم التباين، منها قوله: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا﴾ إلى قوله: ﴿وَلَا تَتَفَرَّقُوا﴾، ومنها دالَّة على حصول التباين كما في آية: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ [المائدة: ٤٨]، والجمع أن كل آية تدل على عدم التباين، فهي محمولة على أصول الدين من الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، فكل ذلك لم يختلفوا فيه الرسلُ، والآيات الدالة على التباين محمولة على الفروع، انتهى.
وفي "اللامع" (٣): ولا يبعد أن يقال: إن أثر ابن عباس ومجاهد في تفسير الآيتين مجموعهما حجة واحدة، وحاصلها: أن مجاهدًا فسَّر الآية بما حاصله اتحاد الأديان جملة، وفسَّر ابن عباس الآية الثانية بما حاصله: افتراق السنن والمناهج، وليست إلا الشرائع، فلا يمكن الجمع بين الآيتين إلا بإِهدار التفاوت في فروع الإيمان، وهي الأعمال، فعُلم أن الدين واحد غير أنه ينقص حسب ما فيه من نقص لقلة الأعمال، ويزيد حسب زيادة الأعمال، إلى آخر ما فيه.
(و ﴿دُعَاؤُكُمْ﴾ إيمانكم): ذكر في هامش النسخة الهندية قبل ذاك "باب"، قال القسطلاني (٤): وقع هنا في رواية أبي ذر وغيره لفظ "باب" بالتنوين، وهو ثابت في أصل عليه خط الحافظ قطب الدين الحلبي، لكنه ساقط في رواية الأصيلي وابن عساكر، وأيده قول الكرماني: إنه وقف على
стр. 323
أصل مسموع [على] الفربري، بحذفه، بل قال النووي: وقع في كثير من النسخ هنا "باب" وهو غلط فاحش، والصواب حذفه؛ لأنه لا تعلق له بما نحن فيه، ولأنه ترجم بقوله ﵇: "بني الإسلام" الحديث، ولم يذكره قبل هذا، بل ذكره بعده وليس مطابقًا للترجمة، انتهى مختصرًا.
وقوله: (﴿دُعَاؤُكُمْ﴾ إيمانكم): من قول ابن عباس يشير به إلى قوله تعالى في آخر الفرقان: ﴿قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ﴾ [الفرقان: ٧٧]، فسمَّى الدعاء: إيمانًا، والدعاء عمل، فاحتج به على أن الإيمان عمل وعطفه على ما قبله كعادته في حذف أداة العطف في التفسير حيث ينقل التفسير.
وفي هامش النسخة الهندية عن الكرماني (١): فسَّره ابن عباس فقال: المراد من الدعاء الإيمان، [فمعنى (﴿دُعَاءَكُمْ﴾: إيمانكم]، يعني: تفسيره في الآيتين (أي: آية ﴿شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾، وآية ﴿دُعَاؤُكُمْ﴾)، يدل على أنه قابل للزيادة والنقصان، أو أنه سمَّى الدعاء إيمانًا والدعاء عمل، وقال ابن بطال: معنى قول ابن عباس ﴿لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ﴾ الذي هو زيادة في إيمانكم، انتهى.
(بني الإسلام على خمس. . .) إلخ: ولقائل أن يقول: هذا الحديث لا يجديكم شيئًا في دعواكم، بل الذي يثبت عنه مغايرة الإسلام للأعمال، فإن المبني غير المبني عليه.
والجواب: أن المغايرة تجوز أن تكون مغايرة وجود الكل لوجودات الأجزاء في أنفسها، كذا في "اللامع" (٢).
اعلم أن المصنف استدل بهذا الباب على أن الإيمان قول وعمل يزيد وينقص، واستدلاله هذا مبنيٌّ على أن الإسلام والإيمان والدين عنده واحد، قلنا: إن أخذ الأعمال في الإيمان كالمكمل له فلا إشكال، فإن الإيمان الكامل يزيد وينقص، وقد يقال: إن المركب هو الإسلام فإنه مجموع التصديق والطاعات.
стр. 324
وأما الإيمان بمعنى تصديق أمور مخصوصة كما يفيده حديث جبرئيل الآتي فهو أمر بسيط، قال شيخ الهند في "تراجمه": والثابت من الحديث هو كون الأعمال جزءًا للإسلام لا جزءًا للإيمان، والثابت هو الزيادة والنقصان في الإسلام لا في الإيمان، ولا خلاف في ذلك بين أهل السُّنَّة والجماعة.
قال القاري في "المرقاة" (١): قوله: "بني الإسلام"، هو اسم للشريعة دون الإيمان، وقد يطلق على الإِذعان بالقلب والاستسلام بجميع القوى والجوارح في جميع الأحوال، وهو الذي أمر به إبراهيم ﵊ حيث قال له ربُّه: ﴿أَسْلِمْ﴾، وهذا أخص من الأول، والمراد به الإسلام الكامل؛ لأن حقيقته مبنية على الشهادتين فقط، وإنما اقتصر على بيان أركانه مع إيماء إلى بقية شُعب إيمانه، انتهى.
قال شيخ الهند في "تراجمه": ثم إن المصنف أشار إلى الرد على المرجئة في أكثر أبواب كتاب الإيمان، وردَّ في بعضها على الخوارج والمعتزلة، فإن هذين الفريقين هما اللذان سلكا مسلك الإفراط والتفريط، وبالغا في مخالفة أهل الحق، فأبطل المصنف ما ذهبا إليه بالوحي المتلو وغير المتلو، ثم إنه شدد في الرد على المرجئة إما لأن مذهبهم يقتضي سد باب الأعمال لا حاجة إليها بل هي من باب الفضول، وإما لأن قولهم يباين المقصد الذي أراده المؤلف بباب بدء الوحي، انتهى.
(٣ - باب أمور الإيمان)
ذكر في "التقرير": ليس المقصود هو إثبات جزئية الأعمال أو قبول الإيمان زيادة ونقصانًا، فإن البحث قد انبرم، وإنما المقصود ها هنا تفسير بعض مقتضيات الإيمان وآثاره تنبيهًا على أن المؤمن ليس من شأنه الإخلال بها، انتهى.
стр. 325
وفي تقرير مولانا حسين علي البنجابي عن الشيخ الكَنكَوهي قُدِّس سرُّه: أورد هذا الباب لدفع وهم أن الأجزاء هو الخمس فقط، وقال: الإيمان عندهم كلِّي مشكك، وهذه الأبواب كلها تدل على زيادة الإيمان ولا يضرنا، انتهى.
وأجمل حضرة شيخ الهند الكلام على الأبواب كلها في تراجمه فقال ما تعريبه: ثم يلاحظ أن المؤلف رحمه الله تعالى جعل في تراجم الأبواب الآتية العمل من الإيمان في بعضها، ومن الإسلام في أخرى، ومن الدين في البعض الآخر، وأتى بالآيات والأحاديث والآثار في تأييد مدعاه، ثم إنه في بعضها يأتي في الترجمة بإحدى هذه الألفاظ ويكون في الحديث لفظ آخر.
فمثلًا ذكر الإسلام في ترجمته، والمذكور في الحديث الإيمان، أو الدين، أو عكسه، فهذه الأمور كلها لا إشكال فيها البتة، فالظاهر أن غرض المؤلف رحمه الله تعالى بيان مسلك السلف الأكابر في هذا الباب، كما صرَّح به العلامة السندهي وغيره، فأظهر المؤلف ﵀ أن السلف كانوا يتوسعون في إطلاق أجزاء الإيمان على الأعمال، وأن بين الإسلام والإيمان والدين ارتباطًا وثيقًا بحيث أن يصح أن يسمَّى أجزاء أحدها بأجزاء الآخر، فحصل بذلك الردُّ التامُّ على رأي المرجئة.
ثم تظهر إشارة لطيفة إلى أنه ينبغي لنا أن نتبع السلف في هذا الأمر، ولا حاجة إلى التعمق في المباحث الكلامية التي أوجدها المتأخرون، وإن كانت صحيحة ولم يخالف مسلك السلف، وهذه عادة المؤلف خصوصًا في المسائل الاعتقادية أنه يرد على أهل الأهواء صراحة وأحيانًا إشارة، وأما أهل الحق فإن المؤلف يشير إليهم بخفاء واحتياط بليغ، ولا يتنبه له إلا بالخوض الصحيح، ويظهر ذلك في كتاب الرد على الجهمية على وجه الكمال، انتهى مختصرًا.
وعامة الشرَّاح حملوا هذه الأبواب كلها إلى تركيب الإيمان وكونه ذا
стр. 326
أجزاء، فاختلفوا في هذه الأبواب كلها الآتية على أربعة أقوال:
الأول: ما قالته الشرَّاح: إن المقصود من هذه الأبواب كلها الاستدلال على زيادة الإيمان بنفسه، وكون الإيمان مركبًا.
والثاني: قول الشيخ في "اللامع" (١) إذ قال: إن البحث في ذلك قد انبرم، ومقصود هذه الأبواب تفصيل بعض مقتضيات الإيمان والآثار.
والثالث: مقتضى كلام شيخ الهند أن المقصود من هذه الأبواب الرد على المرجئة وإثبات مسلك السلف، كما تقدم في كلامه ﵀ مفصلًا.
والرابع: أن المقصود أن لفظ الخمس في حديث: "بني الإسلام على خمس" ليس للحصر، وإنما بسط المصنف في الرد على المرجئة؛ لأن مسلكهم يبطل الأعمال كلها، بخلاف مسلك الخوارج فإن مسلكهم يشدِّد في أمر الأعمال.
(وقول الله : ﴿لَيْسَ البِرَّ﴾ [البقرة: ١٧٧]) إلخ، قال القسطلاني (٢): والآية جامعة للكمالات الإنسانية بأسرها، فإنها بكثرتها منحصرة في ثلاثة: صحة الاعتقاد، وحسن المعاشرة، وتهذيب النفس، وإليه أشار النبي ﷺ بقوله: "من عمل بهذه الآية فقد استكمل الإيمان"، وهذا وجه استدلال المؤلف بهذه الآية، وفي حديث أبي ذر بسند صحيح أنه سأل النبي ﷺ عن الإيمان، فتلا هذه الآية، انتهى.
وكتب الشيخ في "اللامع" (٣): ﴿لَيْسَ البِرَّ﴾ أي: الإيمان؛ لأنه أعلى البر، وكذلك في قوله: ﴿وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ﴾ [البقرة: ١٧٧]، وأنت تعلم ما فيه، فإن العطف يقتضي المغايرة كما هو أصله إلا بدليل يقوم على خلافه، فكان المعطوف على الإيمان مغايرًا له لا داخلًا فيه، إلا أن يقال: جعل الإيمان نوعين: كاملًا: وعَبَّر عنه بالبر، وهو الإيمان وما عطف عليه،
стр. 327
وناقصًا: وعبر عنه بالإيمان والمعطوفات خارجة عنه، هذا ظاهر ولا ينكره أحد.
" ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ " أي: فاز.
وهذه آية أخرى استدل بها الإمام على مرامه وهو أمور الإيمان، وساق الكرماني (١) الآية إلى قوله: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ﴾ [المؤمنون: ٩] وقال: فعُلم منها أن الإيمان الذي به الفلاح والنجاة الإيمان الذي فيه هذه الأعمال المذكورة، قال ابن بطال: التصديق أول منازل الإيمان، والاستكمال إنما هو بهذه الأمور، وأراد البخاري الاستكمال، ولهذا بوَّب أبوابه عليه فقال: "باب أمور الإيمان" و"باب الجهاد"، و"باب الصلاة من الإيمان" انتهى.
وقال في "الفتح" (٢): ويحتمل أن يكون ساقه تفسيرًا لقوله: ﴿هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ تقديره: المتقون هم الموصوفون بقوله: ﴿قَدْ أَفْلَحَ﴾، وفي رواية الأصيلي: "وقد أفلح" بإثبات الواو، وفي رواية ابن عساكر: "وقوله: ﴿قَدْ أَفْلَحَ﴾ " وفيهما رد لما قاله في "الفتح" من احتمال التفسير، انتهى ما في "القسطلاني" (٣).
(الإيمان بضع) أي: كماله وأثوه، وأما نفسه فغير منقسم، كذا في "اللامع" (٤).
و"بضع" قال القسطلاني (٥): بكسر الموحدة وقد تفتح، هو خاص بالعشرات إلى التسعين، فلا يقال: بضع ومائة، ولا بضع وألف، وفي "القاموس": هو ما بين الثلاث إلى التسع، والبسط في ذلك في هامش "اللامع"، وفيه: "بضع" بدون الهاء في بعض الأصول، وفي أكثرها بالهاء
стр. 328
بضعة، ومعناهما القطعة، واستعملا فيه العدد، وبسط فيه الاختلاف في ستين وسبعين، وجمع بأنه ﵊ أعلم أولًا على بضع وستين ثم أخبر بزيادة عشرة، وعَدّها بعضهم بطريق الاجتهاد، وللبيهقي وعبد الجليل كتاب الشعب، انتهى.
ومطابقة حديث الباب للترجمة ظاهرة، وهذه الأعمال التي أشار إليها في الحديث هي عند المصنف من أجزاء الإيمان.
وأما من قال: إن أصل الإيمان هو التصديق فيقول: إنه ﷺ شَبَّهَ الإيمان مع الأعمال بالدوحة التي لها أغصان وفروع وساق وأصل، فالتصديق كالأصل، والساق والأعمال كالأغصان، والفروع منشعبة عنه، وكأن الأعمال آثار الإيمان، أو يقال: إن الأعمال مظاهر الإيمان، فإن إيمان الرجل إنما يعرف بهذه الأعمال، فهي دلائل عليه، وكأنه أطلق عليه أنها من شعب الإيمان من جهة أن آثار الشيء يطلق عليها اسم ذلك الشيء؛ كالشمس يطلق على الجرم وعلى الضوء، والله تعالى أعلم.
قال الشاه ولي الله رحمه الله تعالى في "حجة الله البالغة" (١): وللإِيمان شُعب كثيرة، ومثله كمثل الشجرة، يقال للدوحة والأغصان والأوراق والثمار والأزهار جميعًا: إنها شجرة، فإذا قطع أغصانُها، وخُبِطَ أوراقُها، وخُرِفَ ثمارها، قيل: شجرة ناقصة، فإذا قُلِعتِ الدَّوحةُ بطل الأصل، إلى آخر ما بسطه.
والحاصل: أن هذه الأعمال مكملة للإيمان، قال التيمي: المراد من الحديث من وجدت فيه هذه الخصال فهو مؤمن على سبيل الكمال، ثم إيمان كل واحد بقدر وجود هذه الخصال فيه، انتهى.
стр. 329
(٤ - باب المسلم من سلم. . .) إلخ
ترجم بكتاب الإيمان وذكر فيه الإسلام والدين إشارة إلى أن المعتبر في الشرع هو الإيمان مع الإسلام وهو الدين، فكل واحد من هذه الثلاثة، أي: الإيمان والإسلام والدين متلازم بالآخر عند الشرع، ولذا ذكر أحدها موضع الآخر، وقد تقدم ذلك المعنى في كلام شيخ الهند مفصلًا.
(من لسانه) ولم يذكر من كلامه ليدخل من أخرج لسانه استهزاءً لصاحبه، وقدّمه على اليد لأن إيذاءه أكثر:
جراحات السنان لها التئام … ولا يلتام ما جرح اللسان
كذا في "القسطلاني" (١).
قلت: وهذا أحد الأحاديث الخمسة المختارة للإمام أبي حنيفة رحمه الله تعالى كما تقدم في حديث: "إنما الأعمال بالنيات" مفصلًا.
(ويده) خصَّه بالذكر مع أن الفعل قد يحصل بغيره؛ لأن سلطنة الأفعال إنما تظهر بها، كذا في "القسطلاني".
(والمهاجر. . .) إلخ، قال ذلك لئلا يتكل المهاجرون على مجرَّد انتقال المكان، أو تطييبًا لقلوب من لم يهاجر، كذا في "القسطلاني" و"الكرماني" وغيرهما (٢)، والتطابق ظاهر على الوجوه الأربعة المتقدمة من الشرَّاح باعتبار أن عمل اللسان واليد داخل في الإسلام، وكذا على رأي الشيخ قُدِّس سرُّه أن هذه الأمور تفصيل لمقتضيات الإيمان والآثار، وعلى رأي شيخ الهند: أن المقصود منه الرد على المرجئة، والرابع أن المقصود التنبيه على أن لفظ "خمس" ليس للحصر.
(قال أبو معاوية) مراده ظاهر، وهو تصريح سماع عامر بن عبد الله،
стр. 330
وأما غرض متابعة عبد الأعلى فالتنبيه على أن عبد الله الذي أبهم فيه هو ابن عمرو كما في الرواية السابقة.
وفي هامش "اللامع" (١) عن مولانا محمد حسن المكي عن تقرير شيخه الكَنكَوهي قُدِّس سرُّه: لما كان الشعبي تابعيًا صغيرًا فكان يختفي على بعض الناس أنه سمع من عبد الله فيكون الحديث متصلًا أم لا فيكون منقطعًا، وكان ذلك الاختفاء عليهم حقيقة، أو خاف البخاري ﵀ عليهم فأثبت السماع لدفع توهم الانقطاع، وكذلك أشار إلى أن الشعبي وعامرًا واحد، وكذلك عادة البخاري ﵀ أنه إذا روى معنعنًا وخاف فيه اختفاء السماع على الناس، أو ذكر فيه مدلسًا يثبت السماع بقدر الإمكان، وقوله: "قال عبد الأعلى" أورده لمجرد التقوية، انتهى.
وما أفاده الشيخ قُدَّس سرُّه من أنه تابعي صغير مبني على أن الصغر والكبر من الأمور الإضافية، وعن الحافظ في الطبقة الثالثة عن التابعين وهي الطبقة الوسطى.
(٥ - باب أي الإسلام أفضل)
وشَرْطُ "أيّ" أن تدخل على متعدد، وهو ها هنا مقدر بذوي، أَيْ: أَيّ أصحاب الإسلام أفضل، وفي الحديث عند مسلم: "أيّ المسلمين أفضل"، كذا في "القسطلاني" (٢).
وقال النووي (٣): أجاب النبي ﷺ في الحديث الأول بغير ما أجاب به في الحديث الثاني، قال العلماء: كان الجوابان في وقتين، فأجاب في كل وقت بما هو الأفضل في حق السامع أو أهل المجلس، انتهى.
قال الحافظ (٤): وإذا ثبت أن بعض خصال المسلمين المتعلقة
стр. 331
بالإسلام أفضل من بعض، حصل مراد المصنف بقَبول الزيادة والنقصان، فتظهر مناسبة هذا الحديث والذي قبله لما قبلهما من تعدد أمور الإيمان، إذ الإيمان والإسلام عنده مترادفان، والله أعلم.
(٦ - باب إطعام الطعام)
أي: من شعب الإسلام، وفي بعض النسخ بدل "من الإسلام" "من الإيمان"، وهذا عاضد لمذهبه من اتحاد الإيمان والإسلام. كذا في "الكرماني" (١).
قال الحافظ (٢): ولما استدل المصنف على زيادة الإيمان ونقصانه بحديث الشُّعب تتبع ما ورد في القرآن والسُّنن الصحيحة من بيانها، فأورده في هذه الأبواب تصريحًا وتلويحًا، انتهى.
قوله: "تقرأ السلام"، ولم يقل: وتُسَلِّم، ليعلم كتابة السلام في المكتوب.
(٧ - باب من الإيمان)
ويرد عليه قول سليمان ﵇: ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ﴾ الآية [ص: ٣٥].
ويظهر الجواب بما بسطه صاحب "الجمل" (٣)، وفي آخره عن الشهاب: ليس طلبه للمفاخرة بأمور الدنيا الفانية، وإنما كان هو من بيت نبوة ومُلك، وكان في زمن الجبارين وتفاخرهم بالملك، ومعجزة كل نبي ما اشتُهر في عصره، كما غلب في عهد الكليم السحرُ، فجاءهم بما يتلقف بما أتوا به، وفي عهد نبينا ﷺ الفصاحة، فأتاهم بكلام لم يقدروا على أقصر سورة منه، وليس المقصود بقوله: ﴿لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي﴾ استقلاله به بحيث لا يعطى أحدٌ مثله ليكون منافسة في الملك وحرصًا عليه، انتهى.
стр. 332
وفيه أيضًا عن الكرخي: أو المراد لا ينبغي لأحد أن يسلبه مني في حياتي، كما فعل الشيطان الذي لبنس خاتمي وجلس على كرسيي، أو أن الله علم أنه لا يقوم غيره مقامه بمصالح ذلك المُلك، واقتضت حكمته تعالى تخصيصه به فألهمه سؤاله، فلا يرد كيف قال سليمان ذلك مع أنه يشبه الحسد والبخل بنعم الله تعالى على عبيده بما لا يضر سليمان، انتهى.
قلت: وقد أخرج أبو داود (١) في "كتاب اللباس" عن أبي هريرة: "أن رجلًا أتى النبي ﷺ وكان رجلًا جميلًا، قال: يا رسول الله! إني رجل حُبِّبَ إِليّ الجمال، وأعطِيتُ منه ما تراه، حتى ما أُحِبّ أن يفوقني أحد - إما قال: بشراك نعلي، وإما قال: بشسع نعلي - أفمن الكبر ذلك؟ قال: لا، ولكن الكبر من بَطِرَ الحقَّ، وغَمِطَ الناس".
أو يقال: إن مورد الحديث هم المؤمنون، وقصد بالحديث التوجيه إلى اختيار طريق الألفة، وذلك إنما يحصل إذا كان في القلب أن الرجل يساويه في الاستحقاق، وأما إذا تنافس الناس في استحصال الفواضل أدى ذلك إلى التحاسد والتباغض والاختلاف، وأما سليمان فكان نبيًّا لا يساوقه أحد، فطلبه هذه المرتبة العليَّة لا يكون سبب المنافسة المنافرة.
(عن حسين) عطف على شعبة؛ كأنه قال: عن شعبة وحسين كلاهما عن قتادة، وأفردهما تبعًا لشيخه، كذا في "القسطلاني" (٢).
قلت: أو لأن الأول مُعَنْعَنٌ، والثاني بالتحديث، لكن لم يكن على هذا الذكر عن أنس في الأول فائدة، لكن الإمام البخاري لا يبالي بأمثال ذلك، وهذا من وظائف مسلم وأبي داود.
(لا يؤمن أحدكم. . .) إلخ، هذا أيضًا من الأحاديث الأربعة المنتخبة لأبي داود تبعًا للإمام الأعظم أبي حنيفة النعمان رحمه الله تعالى كما تقدم في حديث: "إنما الأعمال بالنيات".
стр. 333
قال القسطلاني: رواة حديث الباب كلهم بصريون، و [إسناد] الحديث السابق مصريون، والذي قبله كوفيون فوقع التسلسل في الأبواب الثلاثة على الولاء.
(٨ - باب حب الرسول من الإيمان. . .) إلخ
عامة الشرَّاح على أن المحبة هنا عقلية، ولكن والدي نوَّر الله مرقده كان يقول: إن المحبة تعم العقلية والطبعية كليهما، ولكن المحبة الطبعية تسترها العوارض أحيانًا وتظهر عند التزاحم، ومثال ذلك: رجل يكون له ولد يحبه حُبًّا جمًّا، ولا يغفل عنه ساعة، ولكنه لو وضع هذا الطفلُ الحبيبُ قَدَمَه على القرآن الكريم فماذا سيكون؟ إن الوالد سيرمي بابنه بعيدًا ويضطرب لما حدث، هكذا لو أساء حبيبُ أحدٍ في ذات الرسول ﷺ ، فلا يمكن لمسلم أن يتحمَّل ذلك مهما بلغت محبة الحبيب.
وقد أخرج أبو داود والنسائي (١) عن ابن عباس: "أن أعمى كانت له أم ولد تشتم النبي ﷺ وتقع فيه، فينهاها فلا تنتهي، ويزجرها فلا تنزجر، قال: فلما كانت ذات ليلة جعلت تقع في النبي ﷺ وتشتمه، فأخذ المِعْولَ فوضعه في بطنها، واتكأ عليها فقتلها، فوقع بين رجليها طفل، فلطخت ما هنالك بالدم، فلما أصبح ذُكِر ذلك للنبي ﷺ ، فجمع الناس فقال: أنشد اللهَ رجلًا فعل ما فعل، لي عليه حق إلا قام، فقام الأعمى يتخطّى الناسَ وهو يتزلزل حتى قعد بين يدي النبي ﷺ فقال: يا رسول الله! أنا صاحبها، كانت تشتمك وتقع فيك فأنهاها فلا تنتهي، وأزجرها فلا تنزجر، ولي منها ابنان مثلُ اللؤلؤتين، وكانت بي رفيقة، فلما كان البارحة جعلت تشتمك وتقع فيك، فأخذت المِعْوَلَ فوضعته في بطنها، واتكأت عليها حتى قتلتها، فقال النبي ﷺ : ألا اشهدُوا أنّ دمها هدر".
ومما ينبغي التنبيه عليه ما في "الأرواح الثلاثة" ما تعريبه ملخصًا
стр. 334
من ذكر المفاضلة بين الحب العقلي والحب العشقي، ففضّل مولانا محمد إسماعيل الشهيد رحمه الله تعالى في كتابه "الصراط المستقيم" الحب العقلي على الحب العشقي؛ لأن الحب العشقي يضمحل بعد وصال المحبوب، بخلاف العقلي فإنه باقٍ لبقائه، وعكسه سيد هذه الطائفة مولانا الحاج إمداد الله المهاجر المكي نوَّر الله مرقده مستدلًا بأن الحب العقلي متناهٍ لتناهي العقل، ولذا قال علي ﵁: لو كشف الغطاء ما ازددت يقينًا، وإنما قاله في الحب العقلي، بخلاف الحب العشقي فإنه لا يتناهى لعدم ذات المحبوب وصفاته.
وقال العارف المحدث الكَنكَوهي: كلا الكلامين حسنان جيدان، إلا أن الحب العشقي مع كونه معمورًا بالفضائل لا ينتظم معه الأمر، ولذا لا تبقى رعاية الحدود الشرعية معه، ولذلك أختار الحب العقلي ما دام يحتاج إلى الأعمال، وأما في وقت الوفاة فاختاروا حب غلبة الحب العشقي، انتهى.
(من والده. . .) إلخ، قَدّمه للأكثرية؛ لأن كل أحد له والد من غير عكس، أو نظرًا إلى جانب التعظيم، أو لسبقه في الزمان، وعند النسائي بتقديم الولد لمزيد الشفقة، كذا في "القسطلاني" و"الفتح" (١)، وفي "التراجم" للشاه ولي الله المحدث الدهلوي: قَدَّم الوالد للأكثرية، أو لأنه ﷺ في حكم الوالد (٢)، انتهى.
قال النووي (٣): ذكر ابن بطال وغيره أن المحبة ثلاثة أقسام: محبة إجلال وإعظام كمحبة الوالد، ومحبة شفقة ورحمة؛ كمحبة الولد، ومحبة استحسان واستلذاذ؛ كمحبة سائر الناس، فجمع النبي ﷺ في هذه الألفاظ أصناف المحبة، انتهى.
стр. 335
قال القسطلاني (١): وهل تدخل النفس في عموم الناس؟ الظاهر: نعم، وقيل: إضافة المحبة إليه تقتضي خروجه منهم، فإنك إذا قلت: جميع الناس أحب إلى زيد من غلامه، يفهم منه خروج زيد منهم، وأجيب بأن اللفظ عام، وما ذكر ليس من المخصصات، وحينئذ فلا يخرج، وقد وقع التنصيص بذكر النفس في حديث عبد الله بن هشام الآتي إن شاء الله تعالى، انتهى.
قال النووي (٢): قال القاضي عياض: ومن محبته ﷺ نصرةُ سنَّته، والذبُّ عن شريعته، وتمني حضور حياته، فيبذل ماله ونفسه دونه، انتهى.
(٩ - باب حلاوة الإيمان)
قال القسطلاني في آخر الباب السابق (٣): ولما ذكر المؤلف في هذا الباب أن حبَّه ﵊ من الإيمان، أردفه بما يوجد حلاوة ذلك فقال: "باب حلاوة الإيمان". وقال أيضًا: والمراد أن الحلاوة من ثمراته، فهي أصل زائد عليه، انتهى.
وفي "تراجم شيخ الهند قُدِّس سرُّه: أن المرجئة قالت: إن الإيمان لا يحتاج إلى طاعة، ولا تضره معصية، فعقد المصنف "باب حلاوة الإيمان" و"باب علامة الإيمان حب الأنصار"، وذكر في الأول حديث: "ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان"، وفي الثاني حديث: "آية الإيمان حب الأنصار، وآية النفاق بغض الأنصار"، فاستبان بذلك احتياجُ الإيمان إلى الحسنات واستضرارُه بالسيئات، انتهى.
(وجد حلاوة الإيمان) وهذا الوجدان حسِّي أو معنوي، وعلى الثاني فهو على سبيل المجاز، وفيه تلميح إلى قضية المريض والصحيح؛ لأن المريض الصفراوي يجد طعم العسل مُرًّا، والصحيح يذوق حلاوته على
стр. 336
ما هي عليه، وكلما نقصت الصحة شيئًا مّا نَقَصَ ذوقُه بقدر ذلك، فكانت هذه الاستعارة من أوضح ما يُقَوِّي استدلال المصنف على الزيادة والنقصان، انتهى من "الفتح" (١).
وفي "تراجم مسند الهند" الشاه ولي الله الدهلوي: أن حلاوة الإيمان استلذاذ الطاعات، وتحمُّل المشاق في الدين (٢).
وقال السندي في حاشية النسائي (٣): قوله: "حلاوة الإيمان"، أي: انشراح الصدر به، ولذة في القلب له تشبه لذة الشيء إلى حصول في الفم، وقيل: الحلاوة الحسن، وبالجملة فللإيمان لذة في القلب تشبه الحلاوة الحسية، بل ربما يغلب عليها حتى يدفع بها أشد المرارات، وهذا مما يعلم به من شَرَحَ الله صدره للإسلام، اللّهم ارزقناها مع الدوام عليها، انتهى.
اللّهم ارزقناها مع الدوام عليها.
(١٠ - باب علامة الإيمان حب الأنصار)
والحب كليٌّ مشكِّك يزيد وينقص، قال القسطلاني (٤): قال ابن المنيِّر: علامة الشيء لا يخفى أنها غير داخلة في حقيقته، فكيف تفيد هذه الترجمة مقصوده من أن الأعمال داخلة في مسمَّى الإيمان؟ وجوابه: أن المستفاد منها كون مجرد التصديق بالقلب لا يكفي حتى تنصب عليه علامة من الأعمال الظاهرة التي هي مؤازرة الأنصار وموادّتهم، انتهى.
قلت: ولا يخفى أن السؤال أقوى من الجواب، فإن الحديث لم يتعرض عن كون التصديق كافيًا أو غير كافٍ، قال شيخ الإسلام زكريا الأنصاري في "تحفة الباري" (٥): ولا يقتضي الحديث أن من لم يحبهم
стр. 337
لا يكون مؤمنًا؛ لأنه لا يلزم من عدم العلامة عدم ما هي له، نعم يقتضي أن من أبغضهم يكون منافقًا وإن صدَّق بقلبه؛ لأن من أبغضهم لكونهم أنصار رسول الله ﷺ يكون منافقًا، انتهى.
وتعقب بأن علامة الشيء يكون خارجًا عن حقيقته.
قال القسطلاني: وإنما خصُّوا بهذه المنقبة العظيمة لما فازوا به من نصره ﵊ والسعي في إظهاره وإيوائه وإصحابه، ومؤاساتهم بأنفسهم وأموالهم، وقيامهم بحقهم حق القيام مع معاداتهم جميع من وُجِدَ من قبائل العرب والعجم، فمن ثَمّ كان حبهم علامة الإيمان وبغضهم علامة النفاق مجازاةً لهم على عملهم، والجزاء من جنس العمل، انتهى.
(١١ - باب)
بلا ترجمة، وهذا أول باب وُجِد بغير ترجمة، وقد تقدم في الأصول أن مثل هذا الباب يكون لمعانٍ كثيرة، منها: ما تقدم في الأصل السابع بدل حاء التحويل، وهذا خاص بباب واحد كما تقدم في موضعه.
والثاني: وهو الأصل العشرون: كالفصل للباب السابق، وهذا أصل مطَّرد وشائع كثير الوقوع.
والثالث: [وهو] الأصل الخامس والعشرون: تشحيذًا للأذهان ليترجم عليه بترجمة نفيسة مناسبة لشأن البخاري.
والرابع: وهو الأصل السادس والعشرون: تعميمًا وتكثيرًا للتراجم، وهذان اخترعهما شيخ الهند.
والخامس: وهو الأصل السابع والثلاثون: تنبيهًا على تعدد طرق الحديث كما قاله الشرَّاح.
والسادس: وهو الأصل السابع والخمسون: رجوع إلى الأصل، والمعروف على الألسنة أن الأكثر في مثل هذا الباب يكون له تعلق بالباب