عن معمر عن قتادة في قوله: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ﴾ قال: عن شدة أمر، وعند الحاكم من طريق عكرمة عن ابن عباس قال: هو يوم كرب وشدة، قال الخطابي: فيكون المعنى: يكشف عن قدرته التي تنكشف عند الشدة والكرب، وذكر غير ذلك من التأويلات كما سيأتي بيانه عند شرح حديث الشفاعة مستوفى في كتاب الرقاق إن شاء الله تعالى، انتهى من "الفتح"" (١).
(٦٩) ﴿الْحَاقَّةُ﴾
وفي نسخ الشروح الثلاثة بزيادة لفظ السورة والبسملة بعدها.
قال القسطلاني (٢): سقط لفظ "سورة" والبسملة لغير أبي ذر، وهي مكية، انتهى.
وقال العيني (٣): هي مكية في قول الجميع، وقال السخاوي: نزلت قبل المعارج وبعد سورة الملك، وفي مسند ابن عباس عن معاذ: إنما سميت الحاقة لأن فيها حقائق الأعمال من الثواب والعقاب، انتهى.
قوله: (﴿الْقَاضِيَةَ﴾ [الحاقة: ٢٧]: الموتة الأولى التي متها لم أحي بعدها) قال العيني (٤): أشار به إلى قوله تعالى: ﴿يَالَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ﴾ أي: ليت الموتة الأولى كانت القاطعة لأمري لن أحي بعدها ولا يكون بعث ولا جزاء، وقال قتادة: تمنى الموت ولم يكن عنده في الدنيا شيء أكره من الموت، انتهى.
قوله: (لم أحي بعدها) وهكذا في نسخة "الفتح"، وفي نسخة "العيني" و"القسطلاني" "ثم" بدل "لم"، قال العيني (٥): وفي رواية أبي ذر: "لم أحي بعدها" وهذه هي الأصح، والظاهر أن الناسخ صحّف "لم" بـ "ثم"، انتهى.
وكتب الشيخ قُدِّس سرُّه في "اللامع" (٦): قوله: "لم أحي بعدها. . ."
стр. 2679
إلخ، زاد ذلك لأن مطلق القضاء من غير هذه الزيادة غير مطلوب لأنها قد وجدت، وإنما المطلوب استمرار هذا الموت حتى لا يوجد بعده حياة، فافهم، انتهى.
(٧٠) ﴿سَأَلَ سَائِلٌ﴾
وفي نسخ الشروح الثلاثة بزيادة لفظ "سورة"، وأما البسملة فساقطة عن الجميع، كذا قال الحافظ (١)، قال العيني (٢): وتسمى سورة المعارج، وهي مكية، انتهى.
قوله: (﴿لِلشَّوَى﴾ [المعارج: ١٦]: اليدان والرجلان والأطراف وجلدة الرأس يقال لها شواة. . .) إلخ، قال الحافظ (٣): هو كلام الفراء بلفظه أيضًا، وقال أبو عبيدة: الشوى واحدتها شواة وهي اليدان والرجلان والرأس من الآدميين، قال: وسمعت رجلًا من أهل المدينة يقول: اقشعرت شواتي، قلت له: ما معناه؟ قال: جلدة رأسي. والشوى قوائم الفرس يقال: عبل الشوى، ولا يراد في هذا الرأس لأنهم وصفوا الخيل بأسالة الخدين ورقة الوجه، انتهى.
وكتب الشيخ في "اللامع" (٤): قوله: "وما كان غير مقتل فهو شوى" تعميم بعد بيان المراد في الآية، انتهى.
وفي هامشه: وفي "الجمل": الشوى الأطراف، جمع شواة كنوى ونواة، وقيل: الشوى الأعضاء التي ليست بمقتل، ومنه يقال للرامي إذا رمى الصيد ولم يصب مقتله: رماه فأشواه، أي: أصاب الشوى، وقيل: هو جلد الإنسان، وقيل: جلد رأسه. انتهى.
وفي تقرير المكي: قوله: "غير مقتل" أي: لا يقتل منه صاحبه كاليدين، انتهى.
стр. 2680
(٧١) ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا﴾
وفي نسخة "القسطلاني" "سورة ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا﴾ " بزيادة لفظ السورة، وفي نسخة الحافظين: "سورة نوح"، والبسملة ساقطة للجميع كما قال الحافظ (١)، قال العلامة العيني (٢): وهي مكية نزلت بعد النحل وقبل سورة إبراهيم ﵊، انتهى.
قوله: ﴿أَطْوَارًا﴾ [نوح: ١٤]: طورًا كذا وطورًا كذا. . .) إلخ، تقدم قول البخاري هذا في أوائل بدء الخلق وتقدم هناك شرحه فارجع إليه لو شئت.
قال الحافظ (٣): وقال عبد الرزاق عن معمر عن قتادة في قوله: ﴿وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا﴾: نطفة ثم علقة ثم مضغة ثم خلقًا آخر، انتهى.
قوله: (﴿دَيَّارًا﴾ [نوح: ٢٦]: من دور) بفتح الدال وسكون الواو "ولكنه فيعال" بفتح الفاء وسكون التحتية "من الدوران" لأن أصله دَيوار فأبدلت الواو ياء وأدغمت الياء في الياء، ولو كان فعّالًا لكان دوّارًا، انتهى من "القسطلاني" (٤).
وكتب الشيخ (٥): قوله: "ولكنه فيعال" إذ لو كان فعّالًا لكان دوّارًا، انتهى.
(١ - باب: ﴿وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا﴾ [نوح: ٢٣])
قال الحافظان ابن حجر والعيني (٦): سقطت هذه الترجمة لغير أبي ذر، قال العيني: وعن محمد بن كعب: كان لآدم ﵊ خمس بنين: وَدّ، وسُواع، ويغوث، ويعوق، ونسر، فمات رجل منهم فحزنوا عليه فقال الشيطان: أنا أصور لكم مثله إذا نظرتم إليه ذكرتموه، قالوا: افعل،
стр. 2681
فصوّره في المسجد من صفر ورصاص، ثم مات آخر وصوره، حتى ماتوا كلّهم وتنغصت الأشياء إلى أن تركوا عبادة الله بعد حين، فقال الشيطان للناس: ما لكم لا تعبدون إلهكم وإله آبائكم؟ ألا ترونها في مصلاكم؟ فعبدوها من دون الله، حتى بعث الله نوحًا ﵊، إلى آخر ما بسط العيني في هؤلاء الخمس المذكورين.
قوله: (وقال عطاء عن ابن عباس) قال الحافظ (١): قيل: هذا منقطع لأن عطاء المذكور هو الخراساني ولم يلق ابن عباس، فقد أخرج عبد الرزاق هذا الحديث في تفسيره عن ابن جريح، فقال: أخبرني عطاء الخراساني عن ابن عباس، إلى آخر ما بسط الحافظ من الكلام على انقطاع هذا الحديث والجواب عنه.
ولخصه القسطلاني فقال (٢): لكن عطاء لم يسمع من ابن عباس، وابن جريج لم يسمع التفسير من عطاء الخراساني، إنما أخذ الكتاب من ابنه عثمان فنظر فيه، لكن البخاري ما أخرجه إلا أنه من رواية عطاء بن أبي رباح؛ لأن الخراساني ليس على شرطه، ولقائل أن يقول: هذا ليس بقاطع في أن عطاء المذكور هو الخراساني فيحتمل أن يكون هذا الحديث عند ابن جريج عن الخراساني وابن أبي رباح جميعًا، قال في "المقدمة": وهذا جواب إقناعي، وهذا عندي من المواضع العقيمة عن الجواب السديد، ولا بد للجواد من كبوة، انتهى.
قوله: (﴿وَنَسْرًا﴾: أسماء رجال صالحين) كتب الشيخ قُدِّس سرُّه في "اللامع" (٣): كثيرًا ما يذكر اللفظ بعد بيانه سابقًا مزيدًا للتأكيد، انتهى.
وفي هامشه أراد الشيخ قُدِّس سرُّه دفع ما يرد على الإمام البخاري أنه ذكر نسرًا وغيره أولًا، ثم ذكر نسرًا ثانيًا، فقال الشيخ قُدِّس سرُّه: إنه
стр. 2682
للتأكيد، أي: في بيان مزيد أحوالهم، فما ذكره أولًا من كونهم آلهة هو بيان آخر حالهم إذ جعلوا أصنامًا، وما ذكره آخرًا من قوله: " ﴿وَنَسْرًا﴾ أسماء رجال. . ." إلخ، هو بيان ابتداء أحوالهم كما تقدم مفصلًا، فكأنه أشار بقوله: ﴿نَسْرًا﴾ إلى تمام الآية بذكر آخرها، انتهى.
(٧٢) ﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ﴾
وفي نسخة الشروح بزيادة لفظ "سورة" بغير بسملة.
قال العيني (١): وتسمى سورة الجن، وهي مكية، انتهى.
وقال أيضًا بعد ذكر حديث الباب: مطابقته للترجمة ظاهرة، ويوضح سبب النزول أيضًا، والحديث قد مضى في الصلاة في "باب الجهر بقراءة الصبح"، انتهى.
قوله: (وقد حيل بين الشياطين وبين خبر السماء، وأرسلت عليهم الشهب. . .) إلخ، قال الحافظ (٢): وظاهر هذا أن الحيلولة وإرسال الشهب وقعا في هذا الزمان المقدم ذكره، والذي تضافرت به الأخبار أن ذلك وقع لهم من أول البعثة النبوية، وهذا مما يؤيد تغاير زمن القصتين وأن مجيء الجن لاستماع القرآن كان قبل خروجه ﷺ إلى الطائف بسنتين، ولا يعكر على ذلك إلا قوله في هذا الخبر أنهم رأوه يصلي بأصحابه صلاة الفجر؛ لأنه يحتمل أن يكون ذلك قبل فرض الصلوات ليلة الإسراء فإنه ﷺ كان قبل الإسراء يصلي قطعًا وكذلك أصحابه، ولكن اختلف هل افترض قبل الخمس شيء من الصلاة أم لا؟ فيصح على هذا قول من قال: إن الفرض أولًا كان صلاة قبل طلوع الشمس وصلاة قبل غروبها، والحجة فيه قوله تعالى: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا﴾ [طه: ١٣٠] ونحوها من الآيات، فيكون إطلاق صلاة الفجر في حديث الباب باعتبار الزمان
стр. 2683
لا لكونها إحدى الخمس المفترضة ليلة الإسراء فتكون قصة الجن متقدمة من أول المبعث، وهذا الموضع مما لم ينبه عليه أحد ممن وقفت على كلامهم في شرح هذا الحديث، وقد أخرج الترمذي والطبري حديث الباب بسياق سالم من الإشكال الذي ذكرته، ثم ذكر الحافظ تلك الرواية إلى أن قال (١): وقد استشكل عياض وتبعه القرطبي والنووي وغيرهما من حديث الباب موضعًا آخر ولم يتعرضوا لما ذكرته، فقال عياض: ظاهر الحديث أن الرمي بالشهب لم يكن قبل مبعث النبي ﷺ لإنكار الشياطين له وطلبهم سببه، ولهذا كانت الكهانة فاشية في العرب ومرجوعًا إليها في حكمهم حتى قطع سببها بأن حيل بين الشياطين وبين استراق السمع، وقد جاءت أشعار العرب باستغراب رميها وإنكاره إذ لم يعهدوه قبل المبعث وكان ذلك أحد دلائل نبوته، قال: وقال بعضهم: لم تزل الشهب يرمى بها مذ كانت الدنيا، واحتجوا بما جاء في أشعار العرب من ذلك، قال: وهذا مروي عن ابن عباس والزهري، ورفع فيه ابن عباس حديثًا عن النبي ﷺ ، وقال القرطبي: ويجمع بأنها لم تكن يرمى بها قبل المبعث رميًا يقطع الشياطين عن استراق السمع، ولكن كانت ترمى تارة ولا ترمى أخرى، وترمى من جانب ولا ترمى من جميع الجوانب، إلى آخر ما ذكر الحافظ الجواب بعد ذلك من جانبه، فارجع إليه لو شئت.
(٧٣) ﴿الْمُزَّمِّلُ﴾
وفي نسخة "العيني" و"القسطلاني": "سورة المزّمل" بزيادة لفظ سورة، وفي نسخة "الفتح": "سورة المزمل والمدثر" والبسملة ساقطة عن الكل.
قال الحافظ (٢): كذا لأبي ذر واقتصر الباقون على المزمل وهو أولى؛ لأنه أفرد المدثر بعدُ بالترجمة، والمزّمل بالتشديد أصله المتزمل فأدغمت التاء في الزاي، وقد جاءت قراءة أُبي بن كعب على الأصل، انتهى.
стр. 2684
قال العيني (١): قال مقاتل: هي مكية إلا قوله: ﴿وَآخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [المزمل: ٢٠]، انتهى.
وقال القسطلاني (٢): هي مكية، ولم يذكر الاستثناء المذكور، انتهى.
قلت: تكلم الشرَّاح على كون السورة مكية وعلى تحقيق استثناء هذه الآية في مبدء كتاب التهجد، وتقدم هناك في هامش "اللامع" (٣).
قال الحافظ (٤): (تنبيه): لم يورد المصنف في هذه السورة حديثًا مرفوعًا، وقد أخرج مسلم حديث سعد بن هشام عن عائشة فيما يتعلق منها بقيام الليل وقولها فيه: فصار قيام الليل تطوعًا بعد فريضة، ويمكن أن يدخل في قوله تعالى في آخرها: ﴿وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ﴾ [المزمل: ٢٠] حديث ابن مسعود: "إنما مال أحدكم ما قدم، ومال وارثه ما أخر" وسيأتي في الرقاق، انتهى.
(٧٤) ﴿الْمُدَّثِّرُ﴾
هكذا في النسخ الهندية بغير لفظ "سورة" والبسملة وفي نسخ الشروح الثلاثة بزيادتهما.
قال الحافظ (٥): سقطت البسملة لغير أبي ذر، قرأ أُبي بن كعب بإثبات المثناة المفتوحة بغير إدغام كما تقدم في المتزمل، وقرأ عكرمة فيهما بتخفيف الزاي والدال اسم فاعل، انتهى.
قال العيني (٦): وهي مكية، قال الثعلبي: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾ [المدثر: ١] أي: في القطيفة، والجمهور على أنه المدثر بثيابه، انتهى.
стр. 2685
(١ - باب قوله: ﴿قُمْ فَأَنْذِرْ﴾ [المدثر: ٢])
هكذا في النسخة "الهندية"، وفي نسخة "العيني" و"القسطلاني": "قوله: ﴿قُمْ فَأَنْذِرْ﴾ " بدون لفظ "باب".
قال القسطلاني (١): وسقط هذا لأبي ذر، انتهى.
قلت: وهكذا في "الفتح" فلم يأخذه الحافظ في شرحه ولم يتعرض له أيضًا.
(٢ - باب قوله: ﴿وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ﴾ [المدثر: ٣])
وهكذا في نسخة الحافظين، وفي نسخة "القسطلاني" بغير لفظ "باب".
وذكر المصنف فيه حديث جابر المذكور في الباب السابق، وفيه قوله: "أي القرآن أنزل أول؟ فقال: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾ ".
كتب الشيخ قُدِّس سرُّه في "اللامع" (٢): وكأن السؤال عما نزل أولًا بعد الفترة كما يدل عليه قول جابر نفسه: "فإذا الملك الذي جاءني بحراء" فإن هذا القول يشعر أنه كان يعلم أن نزوله هذا لم يكن أولًا حقيقيًا، فافهم وتفكر، انتهى.
وفي هامشه ما أفاده الشيخ قُدِّس سرُّه واضح من سياق الرواية التي ستأتي قريبًا في "باب ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ " [المدثر: ٤]، وبهذا استدل الحافظ ابن كثير في تفسيره فقال: وهذا السياق هو المحفوظ، وهو يقتضي أنه قد نزل الوحي قبل هذا لقوله: "فإذا الملك الذي جاءني بحراء" ثم قال: ووجه الجمع أن أول شيء نزل بعد فترة الوحي هذه السورة كما قال الإمام أحمد بسنده إلى جابر: أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: "ثم فتر الوحي عني فترة فبينا أنا أمشي" الحديث أخرجاه من حديث الزهري به، انتهى مختصرًا.
стр. 2686
وقال الحافظ (١): تقدم في بدء الوحي أن رواية الزهري عن أبي سلمة عن جابر تدل على أن المراد بالأولية في قوله: "أول ما نزل سورة المدثر" أولية مخصوصة بما بعد فترة الوحي أو مخصوصة بالأمر بالإنذار؛ لا أن المراد أنها أولية مطلقة.
قال الكرماني: استخرج جابر أن أول ما نزل ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾ باجتهاد وليس هو من روايته، والصحيح ما وقع في حديث عائشة، إلى آخر ما ذكر في "الفتح".
وهكذا قال القسطلاني فقال (٢): وليس في هذا الحديث أن أول ما نزل ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾ وإنما استخرج ذلك جابر باجتهاده، وظنه لا يعارض الحديث الصحيح الصريح السابق أول هذا الجامع أنه ﴿اقْرَأْ﴾، انتهى.
قلت: وهذا الجواب تسليمي، وما أفاده الشيخ قُدِّس سرُّه واختاره الحافظ ابن كثير جواب منعي، ثم إنهم اختلفوا في أول ما نزل على أربعة أقوال: والراجح المعروف: أنه خمس آيات من سورة اقرأ، والثاني: أنه المدثر كما في حديث الباب على بادئ النظر، الثالث: أنه الفاتحه كما في حديث مرسل عند البيهقي، والرابع: البسملة كما ورد في بعض الآثار.
(٣ - باب قوله: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾)
كذا في نسخة "العيني" و"القسطلاني" وقال (٣): سقط لفظ "باب" لغير أبي ذر، انتهى.
قلت: وهكذا في نسخة الحافظ بدون لفظ "باب".
قال القسطلاني: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ أي: عن النجاسة أو قصرها خلاف جر العرب ثيابهم خيلاء فربما أصابتها النجاسة، وقال في آخر الحديث:
стр. 2687
قوله: "فأنزل الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾ إلى ﴿وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾ قبل أن تفرض الصلاة" فيه إشعار بأن الأمر بتطهير الثياب كان قبل فرض الصلاة، انتهى.
وهكذا ذكر الحافظ في "الفتح" ثم قال (١): وأخرج ابن المنذر من طريق محمد بن سيرين قال: اغسلها بالماء، وعلى هذا حمله ابن عباس فيما أخرجه ابن أبي حاتم، وأخرج من وجه آخر عنه قال: فطهر من الإثم، ومن وجه آخر عن ابن عباس قال: لا تلبسها على غدرة ولا فجرة، ومن طريق طاوس قال: شَمِّر، ومن طريق منصور قال: وعن مجاهد مثله، قال: أصلح عملك، وأخرج ابن المنذر من طريق الحسن قال: خلقك فحسِّنه، وقال الشافعي ﵀: قيل في قوله: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾: صَلِّ في ثياب طاهرة، وقيل غير ذلك والأول أشبه، ويؤيده ما أخرج ابن المنذر في سبب نزولها من طريق زيد بن مرثد قال: ألقي على رسول الله ﷺ سلى جزور فنزلت، ويجوز أن يكون المراد جميع ذلك، انتهى. كله من "الفتح"".
(٤ - باب قوله: ﴿وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾. . .) إلخ
وهكذا في نسخة "العيني" و"القسطلاني" وفي نسخة "الفتح": قوله: ﴿وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾ بدون لفظ "باب".
قال القسطلاني (٢): وسقط لفظ "باب" لغير أبي ذر. قوله: (يقول: الرجز والرجس العذاب) قال الحافظ (٣): هو قول أبي عبيدة، وقد تقدم في الذي قبله أن الرجز الأوثان، وهو تفسير معنى، أي: اهجر أسباب الرجز، أي: العذاب وهي الأوثان.
وقال الكرماني: فسر المفرد بالجمع لأنه اسم جنس، وبين ما في سياق رواية الباب أن تفسيرها بالأوثان من قول أبي سلمة، انتهى.
стр. 2688
(٧٥) سورة ﴿الْقِيَامَةِ﴾
قال العيني والقسطلاني (١): هي مكية، وقال أيضًا: ومضى حديث الباب في بدء الوحي ومضى الكلام فيه هناك، انتهى.
قال الحافظ (٢): تقدم الكلام على ﴿لَا أُقْسِمُ﴾ في آخر سورة الحجر، وأن الجمهور على أن "لا" زائدة والتقدير: أقسم، وقيل: هي حرف تنبيه مثل "ألا".
وقوله: (﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ﴾ " [القيامة: ١٦] لم يختلف السلف أن المخاطب بذلك النبي ﷺ في شأن نزول الوحي كما دل عليه حديث الباب، وحكى الفخر الرازي أن القفال جوَّز أنها نزلت في الإنسان المذكور قبل ذلك في قوله تعالى: ﴿يُنَبَّأُ الْإِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ﴾ [القيامة: ١٣] قال: يعرض عليه كتابه فيقال: اقرأ كتابك، فإذا أخذ في القراءة تلجلج خوفًا فأسرع في القراءة فيقال: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ (١٦) إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ﴾ أي: أن نجمع عملك وأن يقرأ عليك ﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ﴾ عليك ﴿فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾ بالإقرار بأنك فعلت ﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا﴾ بيان أمر الإنسان وما يتعلق بعقوبته، قال: وهذا وجه حسن ليس في العقل ما يدفعه وإن كانت الآثار غير واردة فيه، والحامل على ذلك عسر بيان المناسبة بين هذه الآية وما قبلها من أحوال القيامة، حتى زعم بعض الرافضة أنه سقط من السورة شيء وهي من جملة دعاويهم الباطلة، وقد ذكر الأئمة لها مناسبات، ثم ذكر الحافظ ثلاث مناسبات ثم قال: ومنها مناسبات أخرى ذكرها الفخر الرازي لا طائل فيها مع أنه لا تخلو عن تعسب، انتهى.
стр. 2689
(١ - باب: ﴿إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ﴾ [القيامة: ١٧])
قال الحافظ (١): ذكر فيه حديث ابن عباس المذكور من رواية إسرائيل عن موسى بن أبي عائشة أتم من رواية ابن عيينة، وسيأتي الحديث في الباب الذي بعده أتم سياقًا، انتهى مختصرًا.
قال العيني (٢): قوله: " ﴿إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ﴾. . ." إلخ، يحتمل أن يكون معلقًا عن ابن عباس وسياق الحديث الذي بعده أتم منه، انتهى.
قال القسطلاني (٣): قوله: " ﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ " أي أن نبيِّنه على لسانك وفسره غير ابن عباس ببيان ما أشكل من معانيه، وفيه دليل على جواز تأخير البيان عن وقت الخطاب، انتهى.
(٢ - باب قوله: ﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾ [القيامة: ١٨])
قال القسطلاني (٤): سقط لفظ "باب" لغير أبي ذر.
قوله: (قال ابن عباس) فيما وصله ابن أبي حاتم: " ﴿قُرْآنَهُ﴾ " أي: "بيناه ﴿فَاتَّبِعْ﴾ " أي: "اعمل به" وقال ابن عباس أيضًا فيما ذكره ابن كثير: ﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾: نبين حلاله وحرامه، انتهى.
قال الحافظ (٥): هذا التفسير رواه علي بن أبي طلحة عن ابن عباس أخرجه ابن أبي حاتم، وسيأتي في الباب عن ابن عباس تفسيره بشيء آخر.
قوله: (فيشتد عليه) ظاهر هذا السياق أن السبب في المبادرة حصول المشقة التي يجدها عند النزول فكان يتعجل بأخذه لتزول المشقة سريعًا، وبيَّن في رواية إسرائيل أن ذلك كان خشية أن ينساه حيث قال: "فقيل له: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ﴾ تخشى أن ينفلت"، وأخرج ابن أبي حاتم من طريق أبي رجاء عن الحسن: كان يحرك به لسانه يتذكره، فقيل له: إنا سنحفظه
стр. 2690
عليك، وللطبري من طريق الشعبي: كان إذا نزل عليه عجل يتكلم به من حبه إياه، وظاهره أنه كان يتكلم بما يلقى إليه منه أولًا فأولًا من شدة حبه إياه، فأمر أن يتأنى إلى أن ينقضي النزول، ولا بعد في تعدد السبب.
قوله: (علينا أن نجمعه في صدرك) كذا فسره ابن عباس وعبد الرزاق عن معمر عن قتادة تفسيره بالحفظ، ووقع في رواية أبي عوانة: جمعه لك في صدرك، ورواية جرير أوضح، وأخرج الطبري عن قتادة أن معنى ﴿جَمْعَهُ﴾ تأليفه.
قوله: (﴿قُرْآنَهُ﴾) زاد في رواية إسرائيل: "أن تقرأه" أي: أنت، ووقع في رواية الطبري: وتقرأه بعد قوله: " ﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ﴾ " أي: قرأه عليك الملك " ﴿فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾ فإذا أنزلناه فاستمع" هذا تأويل آخر لابن عباس غير المنقول عنه في الترجمة، والحاصل أن لابن عباس في تأويل قوله تعالى: ﴿أَنْزَلْنَاهُ﴾ وفي قوله: ﴿فَاسْتَمِعْ﴾ [طه: ١٣] قولين، وعند الطبري من طريق قتادة في قوله: استمع اتبع حلاله واجتنب حرامه، انتهى من "الفتح".
(٧٦) ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ﴾
كذا في النسخ الهندية بغير لفظ "سورة" والبسملة، وفي نسخ الشروح الثلاثة بزيادتهما.
قال العيني (١): ثبتت البسملة لأبي ذر، ثم قال: وهي مكية، قاله قتادة والسدي، وعن الكلبي أنها مكية إلا آيات ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ﴾ إلى قوله: ﴿قَمْطَرِيرًا﴾ [الإنسان: ٨ - ١٠] ويذكر عن الحسن أنها مكية وفيها آية مدنية: ﴿وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا﴾ [الإنسان: ٢٤]، وقيل: ما صح في ذلك قول الحسن ولا الكلبي وجاءت أخبار فيها أنها نزلت بالمدينة في شأن علي وفاطمة وابنيهما رضي الله تعالى عنهم، وذكر ابن النقيب أنها مدنية كلها، قاله الجمهور، وقال السخاوي: نزلت بعد سورة الرحمن وقبل الطلاق، انتهى.
стр. 2691
قوله: (يقال معناه: أتى على الإنسان. . .) إلخ، قال الحافظ (١): كذا للأكثر، وفي بعض النسخ: و"قال يحيى" وهو صواب لأنه قول يحيى بن زياد الفراء بلفظ وزاد: لأنك تقول: هل وعظتك؟ هل أعطيتك؟ تقرره بأنك وعظته وأعطيته، والجحد أن تقول: هل يقدر أحد على مثل هذا؟ والتحرير أن "هل" للاستفهام لكن تكون تارة للتقرير وتارة للإنكار، فدعوى زيادتها لا يحتاج إليه، وقال أبو عبيدة: ﴿هَلْ أَتَى﴾: معناه قد أتى وليس باستفهام، وقال غيره: بل هي للاستفهام التقريري كأنه قيل لمن أنكر البعث: ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا﴾ [الإنسان: ١] فيقول: نعم، فيقال: فالذي أنشأه - بعد أن لم يكن - قادر على إعادته، ونحوه ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الْأُولَى فَلَوْلَا تَذَكَّرُونَ﴾ [الواقعة: ٦٢] أي: فتعلمون أن من أنشأ قادر على أن يعيد، انتهى.
زاد القسطلاني (٢) بعده: فهي هنا للاستفهام التقريري لا للاستفهام المحض، وهذا هو الذي يجب أن يكون؛ لأن الاستفهام لا يرد من الباري جلّ وعلا إلا على هذا النحو وما أشبهه، وقال أيضًا تحت قول البخاري: "وهذا من الخبر" أي: الذي بمعنى قد، والمعنى كما في "الكشاف": قد أتى، على التقرير والتقريب جميعًا، أي: أتى على الإنسان قبل زمن قريب حين من الدهر لم يكن فيه شيئًا مذكورًا، أو هي للاستفهام التقريري لمن أنكر البعث كأنه قيل، إلى آخر ما تقدم.
قوله: (يقول: كان شيئًا فلم يكن مذكورًا) قال الحافظ (٣): هو كلام الفراء أيضًا وحاصله: انتفاء الموصوف بانتفاء الصفة، ولا حجة فيه للمعتزلة في دعواهم أن المعدوم شيء، انتهى.
وكتب الشيخ في "اللامع" (٤): قوله: "فلم يكن مذكورًا" فالنفي ليس
стр. 2692
واردًا على الشيئية لأنه كأنه شيئًا إذ ذاك وإنما المنفي كونه مذكورًا، انتهى.
وفي هامشه: قال الكرماني: ومعنى ﴿لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا﴾، أنه كان شيئًا لكنه لم يكن مذكورًا، يعني انتفاء هذا المجموع بانتفاء صفة لا بانتفاء الموصوف، انتهى.
قال القسطلاني (١): قوله: "فلم يكن مذكورًا" بل كان شيئًا منسيًا غير مذكور بالإنسانية والمراد بالإنسان آدم، و ﴿حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ﴾ أربعون سنة، أو المراد بالإنسان الجنس وبالحين مدة الحمل، انتهى.
قال الحافظ (٢): لم يورد المصنف في تفسير ﴿هَلْ أَتَى﴾ حديثًا مرفوعًا، ويدخل فيه حديث ابن عباس في قراءتها في صلاة الصبح يوم الجمعة وقد تقدم في الصلاة، انتهى.
(٧٧) ﴿وَالْمُرْسَلَاتِ﴾
هكذا في النسخ الهندية و"القسطلاني" بغير لفظ "سورة"، وفي نسخة الحافظين بزيادته، والبسملة ساقطة في الكل.
قال العيني (٣): وهي مكية بغير خلاف، قاله أبو العباس، وقال مقاتل: فيها من المدني: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لَا يَرْكَعُونَ﴾ [المرسلات: ٤٨]، وقال السخاوي: نزلت بعد الهمزة وقبل ق، انتهى.
قال الحافظ (٤): أخرج الحاكم بإسناد صحيح عن أبي هريرة قال: ﴿وَالْمُرْسَلَاتِ عُرْفًا﴾ [المرسلات: ١] الملائكة أرسلت بالمعروف، انتهى.
(١ - باب قوله: ﴿إِنَّهَا تَرْمِي بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ﴾ [المرسلات: ٣٢])
سقط لفظ "باب" لغير أبي ذر، قاله القسطلاني (٥).
стр. 2693
قال الحافظ (١): أي كقدر القصر، ثم قال في شرح الحديث: قوله: "فنرفعه للشتاء فنسميه القصر" بسكون الصاد وبفتحها وهو على الثاني جمع قصرة، أي: كأعناق الإبل، ويؤيده قراءة ابن عباس: كالقصر بفتحتين، وقيل: هو أصول الشجر، وقيل: أعناق النخل، وقال ابن قتيبة: القصر البيت، ومن فتح أراد أصول النخل المقطوعة، شبهًا بقصر الناس، أي: أعناقهم فكأن ابن عباس فسر قراءته بالفتح بما ذكر، وأخرج أبو عبيد بسنده عن ابن عباس: بشرر كالقصر بفتحتين، قال هارون: وأنبأنا أبو عمرو أن سعيدًا وابن عباس قرءا كذلك، وأسنده أبو عبيد عن ابن مسعود أيضًا بفتحتين، وقد أخرج الطبراني في "الأوسط" من حديث ابن مسعود في قوله تعالى: ﴿إِنَّهَا تَرْمِي بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ﴾ قال: ليست كالشجر والجبال ولكنها مثل المدائن والحصون، انتهى.
(٢ - باب قوله: ﴿كَأَنَّهُ جِمَالَتٌ صُفْرٌ﴾ [المرسلات: ٣٣])
ليس في نسخة "القسطلاني" لفظ "باب" وقال (٢): ولأبي ذر "باب" وسقط لفظ "باب" لغير أبي ذر، انتهى.
قال الحافظ (٣): ذكر فيه الحديث الذي قبله، ثم قال: قوله: "حتى تكون كأوساط الرجال" قلت: هو من تتمة الحديث وقد أخرجه عبد الرزاق عن الثوري بإسناده، وقال في آخره: وسمعت ابن عباس يسأل عن قوله تعالى: ﴿كَأَنَّهُ جِمَالَتٌ صُفْرٌ﴾ قال: حبال السفن يجمع بعضها إلى بعض حتى تكون كأوساط الرجال، وفي رواية قيس بن الربيع عن عبد الرحمن بن عابس: هي القلوص التي تكون في الجسور، والأول هو المحفوظ، انتهى.
وكتب الشيخ في "اللامع" (٤): قوله: "كأوساط الرجال" جمع وسط: ما بين خاصرتيه، انتهى.
стр. 2694
وفي هامشه: أفاد بذلك دفعًا لما يتوهم من أن المراد به الرجال الذين هم متوسطو القامة، قال الكرماني: قوله: "تجمع" أي: يضم بعضها إلى بعض حتى تصير قوية غليظة كوسط الرجل، انتهى.
وفي "تقرير مولانا محمد حسن المكي": يعني مانندِ كمرهائى رجال، انتهى.
(٣ - باب قوله: ﴿هَذَا يَوْمُ لَا يَنْطِقُونَ﴾ [المرسلات: ٣٥])
قال الحافظ (١): ذكر فيه حديث عبد الله بن مسعود في الحية، قوله: "قال عمر: حفظته من أبي في غار بمنى" يريد أن أباه زاد بعد قوله في الحديث: كنا مع النبي ﷺ في غار بمنى" انتهى.
(٧٨) ﴿عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ﴾
وفي نسخ الشروح بزيادة لفظ "سورة"، والبسملة ليست بمذكورة في شيء من النسخ الهندية ولا المصرية.
قال الحافظ (٢): قرأ الجمهور ﴿عَمَّ﴾ بميم فقط، وعن ابن كثير رواية بالهاء وهي هاء السكت أجري الوصل مجرى الوقف، وعن أُبي بن كعب وعيسى بن عمر بإثبات الألف على الأصل، وهي لغة نادرة، ويقال لها أيضًا: سورة النبأ، انتهى.
وقال العيني (٣): وهي مكية، و ﴿عَمَّ﴾ أصله "عما" حذفت الألف للتخفيف، انتهى.
(١ - باب قوله: ﴿يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَتَأْتُونَ أَفْوَاجًا﴾ [النبأ: ١٨]: زمرًا)
وصله ابن أبي حاتم من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد في قوله: ﴿فَتَأْتُونَ أَفْوَاجًا﴾ قال: زمرًا زمرًا، ذكر فيه حديث أبي هريرة: "ما بين
стр. 2695
النفختين أربعون" وقد تقدم شرحه في تفسير الزمر، انتهى (١).
(٧٩) ﴿وَالنَّازِعَاتِ﴾
وفي نسخ الشروح الثلاثة بزيادة لفظ "سورة" وليست البسملة في شيء من النسخ.
قال العلامة العيني (٢): وتسمى سورة الساهرة، وهي مكية لا اختلاف فيها، وقال السخاوي: نزلت بعد سورة النبأ وقبل سورة ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ﴾ [الانفطار: ١] وفي النازعات أقوال: الملائكة تنزع نفوس بني آدم، روي ذلك عن ابن عباس، والموت ينزع النفوس، قاله سعيد بن جبير، والنجوم تنزع من أفق إلى أفق تطلع ثم تغيب، والغزاة الرماة، قاله عطاء وعكرمة، انتهى.
(٨٠) ﴿عَبَسَ﴾
هكذا في النسخ الهندية بغير لفظ "سورة" وبسملة، وفي نسخ الشروح الثلاثة بزيادتهما.
قال الحافظ (٣): سقطت البسملة لغير أبي ذر.
قال العيني (٤): وتسمى سورة السفرة، وهي مكية، وذكر السخاوي أنها نزلت قبل سورة القدر وبعد سورة النجم، وذكر الحاكم مصححًا عن عائشة "أنها نزلت في ابن أم مكتوم الأعمى، أتى رسول الله ﷺ فجعل يقول: يا رسول الله أرشدني، وعند رسول الله ﷺ رجال من عظماء المشركين، فجعل رسول الله ﷺ يعرض عنه ويقبل على الآخرين" الحديث، انتهى.
قوله: (كلح وأعرض) وفي نسخة "العيني" و"القسطلاني" بعد ذكر
стр. 2696
البسملة: " ﴿عَبَسَ﴾: كلح وأعرض" أعني بإعادة لفظ عبس، وفي نسخة الحافظ: ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى﴾، ثم ذكر التفسير المذكور.
قال الحافظ (١): أما تفسير ﴿عَبَسَ﴾ فهو لأبي عبيدة، وأما تفسير ﴿تَوَلَّى﴾ فهو في حديث عائشة الذي سأذكره بعد، ولم يختلف السلف في أن فاعل ﴿عَبَسَ﴾ هو النبي ﷺ ، وأغرب الداودي فقال: هو الكافر، وأخرج الترمذي والحاكم من طريق يحيى بن سعيد الأموي، وابن حبان من طريق عبد الرحيم بن سليمان، كلاهما عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة قالت: "نزلت في ابن أم مكتوم الأعمى فقال: يا رسول الله أرشدني - وعند النبي ﷺ رجل من عظماء المشركين - فجعل النبي ﷺ يعرض عنه ويقبل على الآخر فيقول له: أترى بما أقول باسًا؟ فيقول: لا، فنزلت: ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى﴾ " قال الترمذي: حسن غريب، وقد أرسله بعضهم عن عروة لم يذكر عائشة، وذكر عبد الرزاق عن معمر عن قتادة أن الذي كان يكلمه أبي بن خلف، وروى سعيد بن منصور من طريق أَبي مالك أنه أمية بن خلف، وروى ابن مردويه من حديث عائشة أنه كان يخاطب عتبة وشيبة ابني ربيعة، ومن طريق العوفي عن ابن عباس قال: عتبة وأبو جهل وعياش، ومن وجه آخر عن عائشة: كان في مجلس فيه ناس من وجوه المشركين منهم أبو جهل وعتبة، فهذا يجمع الأقوال، انتهى.
قوله: (﴿مُطَهَّرَةٍ﴾: لا يمسها إلا المطهرون وهم الملائكة. . .) إلخ، قال العيني (٢): أشار به إلى قوله تعالى: ﴿فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ (١٣) مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ﴾ [عبس: ١٣، ١٤] وفسر المطهرة بقوله: ﴿لا يمسها إلا المطهرون﴾، وهم الملائكة" يعني: لما كانت الصحف قد تتصف بالتطهير وصف أيضًا حاملها، أي: الملائكة فقيل: ﴿لا يمسها إلا المطهرون﴾، وهذا كما في
стр. 2697
﴿فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْرًا﴾ [النازعات: ٥]، فإن التدبير لمحمول خيول الغزاة فوصف الحامل يعني الخيول به فقيل: ﴿فَالْمُدَبِّرَاتِ﴾.
وقال الكرماني: وفي بعض النسخ لا يقع بزيادة لا، وفي توجيهه تكلف، قلت: وجهه أن الصحف لا يقع عليها التطهير الذي هو خلاف التنجيس حقيقة وإنما المراد أنها مطهرة عن أن ينالها أيدي الكفار، وقيل: مطهرة عما ليس بكلام الله تعالى فهو الوحي الخالص والحق المحض، انتهى.
قلت: اختلفت النسخ ففي النسخة الهندية بلفظ: "لا يقع عليها التطهير" بزيادة حرف النفي، وفي نسخ الشروح الثلاثة: "الفتح" و"العيني" و"القسطلاني": "يقع عليها التطهير" بغير لفظة لا، وفي هامش الهندية (١) عن "الخير الجاري" بعد قول الكرماني: وفي توجيهه تكلف، وتوجيهها أنها ليست مما يحتاج إلى التطهير بل هي طاهرة بذاتها مطهرة لغيرها من الأنجاس الباطنة، انتهى.
وكتب الشيخ في "اللامع" (٢): قوله: "لا يقع عليها التطهير" يعني أن التطهير الواقع بعد قابلية التنجيس غير واقع على الصحف لتطهرها ذاتًا فلم يكن إطلاق المطهر عليها إلا مجازًا، والحاصل أن المطهر إما أن يكون صفة الصحف حقيقة والملائكة مجازًا أو بالعكس، وعلى الأول فالصحيح نسخة "يقع" بالإثبات وعلى الثاني فلكل منهما وجه نفيًا كان أو إثباتًا، وأيضًا فالتطهير على التوجيه الأول يعني إذا كان صفة للصحف ما لم يتقدمه صلاح التنجس وقابليته، وعلى الثاني ما كان قبله ذلك، وإذا علمت هذا فنقول: معنى قوله: ﴿مُطَهَّرَةٍ. . .﴾ إلخ، أن الصحف مطهرة بذواتها كما ذكر ههنا في السورة، وإطلاق المطهر في قوله تعالى: ﴿لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾ [الواقعة: ٧٩] مجاز من قبيل وصف الحامل بصفة محموله، كما في قوله
стр. 2698
تعالى: ﴿فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْرًا﴾ حيث وقع المدبر صفةً للخيل وكانت لراكبيه، وذلك لأن الملائكة ليست متصفة بهذا النوع من الطهر، وأما على الثاني فمعنى قوله: ﴿مُطَهَّرَةٍ﴾ إلخ أن إطلاق المطهرة على الصحف مجاز، وأما الحقيقة فما هو في قوله تعالى: ﴿لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾ فإن المطهر صفة للملك لأنه الذي طهر عن المأثم وسائر الأنجاس حدثًا كان أو خبثًا، وأما الصحف فلا يقع عليها التطهير لأنها لا تقبل النجس، ولا تصلح له حتى يصح ورود التطهير عليها، فليس ذلك إلا وصفًا للشيء بما يلابسه، كما وصفت الخيول بصفة الراكبين وإن كان الوصف في الخيول للركب وههنا بالعكس، وعلى هذا فقوله: "فجعل التطهير لمن حملها أيضًا" لا يخلو إرجاعه إلى هذا التقرير عن تكلف؛ لأن ظاهره لا يفيد هذا المدعي، وغاية توجيهه أن يقال: "فجعل التطهير" صفة للصحف "لأجل من حملها" أي: بواسطته ولتوصله "أيضًا" أي: كما قال صفة للصحف أصالة، انتهى.
قوله: (وهو عليه شديد فله أجران) قال الحافظ (١): قال ابن التِّين: اختلف هل له ضعف أجر الذي يقرأ القرآن حافظًا أو يضاعف له أجره وأجر الأول أعظم، قال: وهذا أظهر، ولمن رجح الأول أن يقول: الأجر على قدر المشقة، انتهى.
زاد القسطلاني (٢): لكن لا نسلم أن الحافظ الماهر خال عن مشقة لأنه لا يصير كذلك إلا بعد عناء كثير ومشقة شديدة غالبًا، انتهى.
(٨١) ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ﴾
هكذا في النسخة "الهندية" بغير لفظ سورة وبدون البسملة، وفي نسخ الشروح الثلاثة من "الفتح"" و"العيني" و"القسطلاني" بزيادتهما.
قال القسطلاني (٣): سقط لفظ سورة والبسملة لغير أبي ذر، انتهى.
стр. 2699
قال العلامة العيني (١): ويقال لها: سورة كورت، وسورة التكوير، وهي مكية، انتهى.
قوله: (وقال مجاهد: البحر المسجور: المملوء) قال العلامة العيني (٢) رحمه الله تعالى: وهو في سورة الطور ذكره استطرادًا.
قول: (وقال غيره) أي: غير مجاهد، والأصوب أن يقال: غير الحسن على ما لا يخفى، انتهى.
قال الحافظ (٣): (تنبيه): لم يورد المصنف فيها حديثًا مرفوعًا، وفيها حديث جيد أخرجه أحمد والترمذي والطبراني وصححه الحاكم من حديث ابن عمر ﵄ رفعه: "من سرّه أن ينظر إلى يوم القيامة كأنه رأي عين فليقرأ: إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ، و إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ " لفظ أحمد، انتهى.
(٨٢) ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ﴾
هكذا في النسخة "الهندية" بغير لفظ سورة والبسملة، وفي نسخ الشروح الثلاثة بزيادتهما.
قال القسطلاني (٤): سقط لفظ سورة والبسملة لغير أبي ذر، انتهى.
قال العلامة العيني (٥): ويقال لها أيضًا: سورة الانفطار، وهي مكية، انتهى.
قوله: (وقرأ الأعمش وعاصم: ﴿فَعَدَلَكَ﴾ بالتخفيف، وقرأه أهل الحجاز بالتشديد) قلت: قرأ أيضًا بالتخفيف حمزة والكسائي وسائر الكوفيين، وقرأ أيضًا بالتثقيل من عداهم من قراء الأمصار.
قوله: (وأراد معتدل الخلق. . .) إلخ، هو قول الفراء بلفظه إلى قوله: بالتشديد، ثم قال: فمن قرأ بالتخفيف فهو والله أعلم يصرفك في أي صورة
стр. 2700
شاء إما حسن إلى آخره ومن شدّد فإنه أراد والله أعلم جعلك معتدلًا معتدل الخلق، قال: وهو أجود القراءتين في العربية وأحبهما إليّ، وحاصل القراءتين: أن التي بالتثقيل من التعديل، والمراد التناسب، وبالتخفيف من العدل وهو الصرف إلى أي صفة أراد، انتهى كله من "الفتح" (١).
وقال العلامة العيني (٢): قوله: (ومن خفف) يحتمل أن يكون عطفًا على فاعل أراد، أي: ومن خفف أراد أيضًا معتدل الخلق، ولفظ: في أي صورة لا يكون متعلقًا به بل هو كلام مستأنف تفسير لقوله تعالى: ﴿فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ﴾ [الانفطار: ٨]، والباقي ظاهر، انتهى.
قلت: وعلى ما أفاده العيني يلزم أن يكون معنى القراءتين واحدًا من غير فرق بينهما أعني اعتدال الخلق، وقد عرفت من كلام الحافظ الفرق بين المعنيين، وكذا ما قال العيني: إن قوله: ﴿فِي أَيِّ صُورَةٍ﴾ لا يكون متعلقًا به. . . إلخ، ليس كذلك كما عرفت في كلام الحافظ، فإن نقل عبارة الأصل المنقول عنه الذي هو مأخذ كلام البخاري، والله أعلم.
وفي هامش "اللامع" (٣) عن حاشية "الجمل": قرأ الكوفيون ﴿عَدَلَكَ﴾ مخففًا والباقون مثقلًا، فالتثقيل بمعنى جعلك متناسب الأعضاء، فلم يجعل إحدى يديك أو رجليك أطول، ولا إحدى عينيك أوسع، فهو من التعديل، وقراءة التخفيف يحتمل هذا، أي: عدل بعض أعضائك ببعض، ويحتمل أن يكون من العدول، أي: حرفك إلى ما شاء من الهيآت والأشكال والأشباه، انتهى. والمذكور ههنا في البخاري على ما أفاده الحافظ هو الاحتمال الثاني المذكور في عبارة "الجمل" كما لا يخفى، واختار العيني الاحتمال الأوّل، لكن لا يساعده سياق البخاري، ثم قال الحافظ (٤): لم يورد المصنف فيها حديثًا مرفوعًا، ويدخل فيها حديث ابن عمر المنبه عليه في التي قبلها، انتهى.
стр. 2701
(٨٣) ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ﴾
وفي نسخ الشروح الثلاثة بزيادة لفظ سورة والبسملة بعدها.
قال القسطلاني (١): سقط لفظ سورة والبسملة لغير أبي ذر، انتهى.
قال العيني (٢): وفي بعض النسخ: سورة المطففين، وقال أبو العباس: في رواية همام وسعيد عن قتادة ومحمد بن ثور عن معمر أنها مكية، وقال السدي: إنها مدنية، وعن الكلبي أنها نزلت على رسول الله ﷺ في طريقه من مكة إلى المدينة، وقال مقاتل: مدنية غير آية نزلت بمكة: ﴿قَالَ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ [المطففين: ١٣] وعند ابن النقيب عنه: هي أول سورة نزلت بالمدينة، وذكر السخاوي أنها نزلت بعد سورة العنكبوت، وفي "سنن النسائي" و"ابن ماجه" بإسناد صحيح عن ابن عباس قال: لما قدم النبي ﷺ المدينة كانوا من أخبث الناس كيلًا، فأنزل الله : ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ﴾ [المطففين: ١] فأحسنوا الكيل بعد ذلك، وقال الثعلبي: مدنية، انتهى. وقال أيضًا: قوله: "ويل" قال مقاتل: ويل واد في جهنم قعره سبعون سنة، فيه سبعون ألف شعب، إلى آخر ما ذكر من أحواله الهائلة، فارجع إليه لو شئت التفصيل.
(٨٤) ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾
وفي نسخ الشروح الثلاثة بزيادة لفظ سورة والبسملة ساقطة عن الكل.
قال الحافظ (٣): ويقال لها أيضًا: سورة الانشقاق وسورة الشفق.
وفي "العيني": وتسمى أيضًا: سورة الانشقاق، وسورة انشقت، وهي مكية، انتهى.
قوله: (حدثنا عمرو بن علي. . .) إلخ، هكذا في النسخ الهندية، وفي نسخ الشروح على هذا الحديث ترجمة وهي "باب ﴿فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا
стр. 2702
يَسِيرًا﴾ " [لانشقاق: ٨] قال الحافظ (١): سقطت هذه الترجمة لغير أبي ذر، انتهى.
(١ - باب قوله: ﴿لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ﴾ [الانشقاق: ١٩])
قال القسطلاني (٢): سقط لفظ "باب" وما بعده لغير أبي ذر.
قوله: (قال ابن عباس: ﴿لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ﴾: حالًا بعد حال، قال: هذا نبيكم صلى الله تعالى عليه وسلم) أي: الخطاب له، وهو على قراءة فتح الموحدة وبها قرأ ابن كثير والأعمش والأخوان، وقد أخرج الطبري الحديث المذكور بلفظ: أن ابن عباس كان يقرأ: ﴿لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ﴾ يعني: نبيكم حالًا بعد حال، وأخرجه أبو عبيد في "كتاب القراءات" عن هشيم وزاد: يعني بفتح الباء، قال الطبري: قرأها ابن مسعود وابن عباس وعامة قراء أهل مكة والكوفة بالفتح، والباقون بالضم على أنه خطاب للأمة، ورجحها أبو عبيد لسياق ما قبلها وما بعدها، ثم أخرج عن الحسن وعكرمة وسعيد بن جبير وغيرهم قالوا: ﴿طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ﴾ يعني: حالًا بعد حال، ومن طريق الحسن أيضًا وأبي العالية ومسروق قال: السماوات، وفي لفظ للطبري عن ابن مسعود قال: المراد أن السماء تصير مرة كالدهان، ومرة تشقق ثم تحمر ثم تنفطر، ورجح الطبري الأول، وأصل الطبق الشدة، والمراد بها هنا ما يقع من الشدائد يوم القيامة، والطبق ما طابق غيره، يقال: ما هذا بطبق كذا، أي: لا يطابقه، ومعنى قوله: "حالًا بعد حال" أي: حال مطابقة للتي قبلها في الشدة، أو هو جمع طبقة وهي المرتبة، أي: هي طبقات بعضها أشد من بعض.
وقيل: المراد اختلاف أحوال المولود منذ يكون جنينًا إلى أن يصير إلى أقصى العمر، فهو قبل أن يولد جنين، ثم إذا ولد صبي، فإذا فطم
стр. 2703
غلام، فإذا بلغ سبعًا يافع، فإذا بلغ عشرًا حزور، فإذا بلغ خمس عشرة قمدّ، فإذا بلغ خمسًا وعشرين عنطنط، فإذا بلغ ثلاثين صملّ، فإذا بلغ أربعين كهل، فإذا بلغ خمسين شيخ، فإذا بلغ ثمانين همّ، فإذا بلغ تسعين فان، انتهى من "الفتح" (١).
وقال القسطلاني (٢): قوله: "هذا نبيكم صلى الله تعالى عليه وسلم" يعني يكون لك الظفر والغلبة على المشركين حتى يختم لك بجميل العاقبة، فلا يحزنك تكذيبهم وتماديهم في كفرهم، وقيل: سماء بعد سماء كما وقع في الإسراء والمعنى على الجمع: لتركبن أيها الناس حالًا بعد حال وأمرًا بعد أمر، وذلك في موقف القيامة، أو الشدائد والأهوال: الموت ثم البعث ثم العرض، أو حال الإنسان حالًا بعد حال: رضيع ثم فطيم ثم غلام ثم شاب ثم كهل ثم شيخ، انتهى.
(٨٥) ﴿الْبُرُوجِ﴾
هكذا في النسخ الهندية، وفي نسخ الشروح الثلاثة بزيادة لفظ "سورة".
قال الحافظ (٣): تقدم في أواخر الفرقان تفسير البروج، انتهى.
قال العيني (٤): وهي مكية، والبروج الاثنا عشر وهي قصور السماء على التشبيه، وقيل: البروج النجوم التي هي منازل القمر، وقيل: عظام الكواكب، وقيل: أبواب السماء، انتهى.
قوله: (وقال مجاهد: ﴿الْأُخْدُودِ﴾ [البروج: ٤]: شق في الأرض) قال الحافظ (٥): وصله الفريابي بلفظ: شق بنجران كانوا يعذبون الناس فيه، وأخرج مسلم والترمذي وغيرهما من حديث صهيب قصة أصحاب الأخدود
стр. 2704
مطولة، وفيه قصة الغلام الذي كان يتعلم من الساحر فمر بالراهب فتابعه على دينه، فأراد الملك قتل الغلام لمخالفته دينه، فقال: إنك لن تقدر على قتلي حتى تقول إذا رميتني: بسم الله رب الغلام، ففعل، فقال الناس: آمنا برب الغلام، فخد لهم الملك الأخاديد في السلك وأضرم فيها النيران ليرجعوا إلى دينه، وفيه قصة الصبي الذي قال لأمه: اصبري فإنك على الحق، صرَّح برفع القصة بطولها حماد بن سلمة عن ثابت عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن صهيب، ومن طريقه أخرجه مسلم والنسائي وأحمد، ووقفها معمر عن ثابت ومن طريقه أخرجها الترمذي وعنده في آخره: يقول الله تعالى: ﴿قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ﴾ إلى ﴿الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾ [البروج: ٤ - ٨]، انتهى.
قلت: وذكر القسطلاني (١) قصة أصحاب الأخدود مطولة بتمامها من رواية مسلم فارجع إليه، انتهى.
(٨٦) ﴿الطَّارِقُ﴾
كذا في النسخة "الهندية"، وفي نسخ الشروح الثلاثة بزيادة لفظ "سورة".
قال العيني (٢): وهي مكية نزلت في أبي طالب وذلك لأنه أتى النبي ﷺ فأتحفه بلبن وخبز فبينما هو جالس يأكل إذ انحطّ نجم فامتلأ ماء ثم نارًا ففزع أبو طالب، وقال: أي شيء هذا؟ فقال النبي صلى الله تعالى عليه وسلم: "هذا نجم رمي به وهو آية من آيات الله تعالى" فعجب أبو طالب فأنزل الله تعالى: ﴿وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ﴾ [الطارق: ١]، انتهى.
قال الحافظ (٣): لم يورد المصنف في الطارق حديثًا مرفوعًا وقد وقع حديث جابر في قصة معاذ: فقال النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم: "أفتان يا معاذ؟! يكفيك أن تقرأ بالسماء والطارق، والشمس وضحاها"
стр. 2705
الحديث، أخرجه النسائي هكذا ووصله في الصحيحين، انتهى.
(٨٧) ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ﴾
كذا في النسخة "الهندية" بغير لفظ "سورة" وفي نسخ الشروح الثلاثة بزيادته.
قال العلامة العيني (١): ويقال لها سورة الأعلى، وهي مكية، وعن ابن عباس: أن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم قرأ: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ [الأعلى: ١]، فقال: "سبحان ربي الأعلى"، وكذلك يروى عن علي وأبي موسى وابن عمر وابن عباس وابن الزبير رضي الله تعالى عنهم أنهم كانوا يفعلون ذلك، وأخرج سعيد بن منصور بإسناد صحيح عن سعيد بن جبير: سمعت ابن عمر يقرأ: (سبحان ربي الأعلى الذي خلق فسوى)، وهي قراءة أُبي بن كعب ﵁، انتهى.
(٨٨) ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾
كذا في النسخة "الهندية"، وكذا في نسخة "القسطلاني" بغير لفظ "سورة" والبسملة، وفي نسخة الحافظين ابن حجر والعيني بزيادتهما.
قال الحافظ (٢): ويقال لها أيضًا: سورة الغاشية، وأخرج ابن أبي حاتم من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قال: الغاشية من أسماء يوم القيامة، انتهى.
قال العلامة العيني (٣): وهي مكية بالإجماع، والغاشية اسم من أسماء يوم القيامة، يعني: تغشى كل شيء بالأهوال، قاله أكثر المفسرين، وعن محمد بن كعب: الغاشية النار، دليله قوله تعالى: ﴿وَتَغْشَى وُجُوهَهُمُ النَّارُ﴾ [إبراهيم: ٥٠].
стр. 2706
قال الحافظ (١): (تنبيه): لم يذكر فيها حديثًا مرفوعًا، ويدخل فيها حديث جابر رفعه: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله" الحديث، وفي آخره: "وحسابهم على الله، ثم قرأ: ﴿فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ (٢١) لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ﴾ إلى آخر السورة [الغاشية: ٢١ - ٢٦]، أخرجه الترمذي والنسائي والحاكم وإسناده صحيح، انتهى.
(٨٩) ﴿وَالْفَجْرِ﴾
كذا في النسخة "الهندية" وفي نسخ الشروح الثلاثة بزيادة لفظ "سورة"، والبسملة ساقطة عن الكل.
قوله: (﴿إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ﴾ [الفجر: ٧] يعني: عادًا الأولى) ولأبي ذر "يعني: القديمة" وفي اليونينية: "إرْم ذات" بكسر الهمز وسكون الراء وفتح الميم، ورويت عن الضحاك لكن بفتح الهمزة وأصله أرم على وزن فَعِل كفخذ مخفف، "والعماد" رفع مبتدأ خبره "أهل عمود لا يقيمون في بلد" وكانوا سيارة ينتجعون الغيث وينتقلون إلى الكلأ حيث كان، وعن ابن عباس: إنما قيل لهم ذات العماد لطولهم، واختار الأول ابن جرير وردّ الثاني، قال ابن كثير: فأصاب، وحينئذ فالضمير يعود على القبيلة، قال: وأما ما ذكره جماعة من المفسرين عند هذه الآية من ذكر مدينة يقال لها: إرم ذات العماد، مبنية بلبن الذهب والفضة، وأن حصباءها اللآلي وجواهر، وترابها بنادق المسك إلى غير ذلك من الأوصاف، وأنها تنتقل فتارةً تكون بالشام وتارة باليمن، وأخرى بغيرهما من الأرض، فمن خرافات الإسرائيليين وليس لذلك حقيقة، وأما ما أخرجه ابن أبي حاتم من طريق وهب بن منبه عن عبد الله بن أبي قلابة في هذه القصة أيضًا وذكر عجائبها فقال في "الفتح": فيها ألفاظ منكرة، وراويها عبد الله بن أبي قلابة لا يعرف، وفي إسناده ابن لهيعة، ومثله ما يخبر به
стр. 2707
كثير من الكذبة المتحيلين من وجود مطالب تحت الأرض بها قناطير الذهب والفضة والجواهر واليواقيت واللآلي والإكسير، لكن عليها موانع تمنع من الوصول إليها فيحتالون على أموال ضعفة العقول والسفهاء فيأكلونها بحجة صرفها في بخورات ونحوها من الهذيانات، وتراهم ينفقون على حفرها الأموال الجزيلة ويبلغون في العمق غاية ولا يظهر لهم إلا التراب والحجر فيفتقر الرجل منهم، وهو مع ذلك لا يزداد إلا طلبًا حتى يموت (١)، انتهى.
وكتب الشيخ (٢): قوله: "يعني: القديمة" تفسير لما لم يذكر ههنا وهو قوله: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ﴾ [الفجر: ٦] والعاد عادان: أول وثانٍ فبيَّن المؤلف أن المراد في الآية القديمة منهما.
وفي هامشه عن الكرماني قال تعالى: ﴿إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ﴾ أي: القديمة لما كانت عاد قبيلتين: عاد الأولى وعاد الأخيرة، جعل إرم عطف بيان لعاد إيذانًا بأنهم عاد الأولى القديمة، وهي اسم أرضهم التي كانوا فيها، انتهى.
وبسط الحافظ في تحقيق لفظ إرم وفي معنى ذات العماد، وذكر فيهما أقوالًا عديدة، انتهى.
قال الحافظ (٣): قيل: إرم هو ابن سام بن نوح، وعاد ابن عوص بن إرم، وقيل: إرم اسم المدينة، وقيل أيضًا: إن المراد بالعماد شدة أبدانهم وإفراط طولهم، وقد أخرج ابن مردويه من طريق المقدام بن معديكرب قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم في قوله: ﴿ذَاتِ الْعِمَادِ﴾ وقال: "كان الرجل يأتي الصخرة فيحملها على كاهله فيلقيها على أي حي أراد فيهلكهم" إلى آخر ما بسط من الأقاويل في تحقيق إرم وذات العماد.
стр. 2708
وقال الحافظ أيضًا: لم يذكر المصنف في الفجر حديثًا مرفوعًا ويدخل فيه حديث ابن مسعود رفعه في قوله تعالى: ﴿وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ﴾ [الفجر: ٢٣] قال: "يؤتى بجهنم يومئذ لها سبعون ألف زمام مع كل زمام سبعون ألف ملك يجرونها"، أخرجه مسلم والترمذي.
(٩٠) ﴿لَا أُقْسِمُ﴾
كذا في النسخة "الهندية" وفي نسخ الشروح الثلاثة بزيادة "سورة"، وليست البسملة في شيء من النسخ الموجودة.
قال العيني (١): وهي مكية.
قال الحافظ (٢): ويقال لها أيضًا: سورة البلد، واتفقوا على أن المراد بالبلد مكة شرفها الله تعالى.
قوله: (وقال مجاهد: ﴿وَأَنْتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ﴾ [البلد: ٢]: مكة، ليس عليك ما على الناس فيه من الإثم) قال الحافظ (٣): وصله الفريابي من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد بلفظ: يقول: لا تؤاخذ بما عملت فيه، وليس عليك فيه ما على الناس، وقد أخرجه الحاكم من طريق منصور عن مجاهد فزاد فيه عن ابن عباس بلفظ: أحل الله له أن يصنع فيه ما شاء. ولابن مردويه من طريق عكرمة عن ابن عباس: يحل لك أن تقاتل فيه، وعلى هذا فالصيغة للوقت الحاضر، والمراد الآتي لتحقق وقوعه؛ لأن السورة مكية والفتح بعد الهجرة بثمان سنين، انتهى.
قال العيني (٤): ومعنى ﴿حِلٌّ﴾: أنت يا محمد حلال بهذا البلد في المستقبل تصنع فيه ما تريد من القتل والأسر، وذلك أن الله أحلَّ لنبيِّه يوم الفتح حتى قتل من قتل وأخذ ما شاء وحرم ما شاء، فقتل ابن خطل
стр. 2709
وأصحابه، وحرم دار أبي سفيان، وقال الواسطي: المراد المدينة، حكاه في "الشفاء"، والأول أصح؛ لأن السورة مكية، انتهى.
قال الحافظ (١): لم يذكر المصنف في سورة البلد حديثًا مرفوعًا ويدخل فيها حديث البراء قال: "جاء أعرابي فقال: يا رسول الله علمني عملًا يدخلني الجنة، قال: لئن كنت أقصرت الخطبة لقد أعرضت المسألة، أعتق النسمة أو فكَّ الرقبة، قال: أوليستا بواحدة؟ قال: لا، إن عتق النسمة أن تنفرد بعتقها، وفك الرقبة أن تعين في عتقها" أخرجه أحمد وابن مردويه من طريق عبد الرحمن بن عوسجة عنه، وصححه ابن حبان، انتهى.
(٩١) ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا﴾
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
وفي نسخ الشروح الثلاثة بزيادة لفظ "سورة".
قال العلامة العيني (٢): وهي مكية.
(٩٢) ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى﴾
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
وفي نسخ الشروح بزيادة لفظ "سورة".
قال العيني (٣): وهي مكية في رواية قتادة والكلبي والشعبي وسفيان، وعن ابن عباس أنها نزلت في أبي بكر الصديق حين أعتق بلالًا، وفي أبي سفيان، وقال عكرمة وعبد الرحمن بن زيد: مدنية نزلت في أبي الدحداح رجل من الأنصار وأم سمرة في قصة لهما طويلة، انتهى.
стр. 2710
(١ - باب: ﴿وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى﴾ [الليل: ٢])
قال الحافظ (١): ذكر فيه الحديث الآتي في الباب الذي بعده وسقطت الترجمة لأبي ذر والنسفي، انتهى.
(٢ - باب قوله: ﴿وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى﴾ [الليل: ٣])
قوله: (وهؤلاء يريدونني على أن أقرأ: ﴿وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى﴾) ووقع في رواية داود بن أبي هند عن الشعبي عن علقمة في هذا الحديث: "وإن هؤلاء يريدونني أن أزول عما أقرأني رسول الله ﷺ يقولون لي: اقرأ: ﴿وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى﴾ وإني والله لا أطيعهم"، أخرجه مسلم وابن مردويه، وفي هذا بيان واضح أن قراءة ابن مسعود كان كذلك، والذي وقع في غير هذه الطريق أنه قرأ: ﴿والذي خلق الذكر والأنثى﴾، كذا في كثير من كتب القراءات الشاذة، وهذه القراءة لم يذكرها أبو عبيد إلا عن الحسن البصري، وأما ابن مسعود فهذا الإسناد المذكور في "الصحيحين" عنه من أصح الأسانيد يروي به الأحاديث.
قوله: (قال علقمة: والذكر والأنثى) في رواية سفيان: فقرأت: (والليل إذا يغشى والنهار إذا تجلى والذكر والأنثى) وهذا صريح في أن ابن مسعود كان يقرؤها كذلك، وفي رواية إسرائيل عن مغيرة في المناقب: (والليل إذا يغشى والذكر والأنثى) بحذف ﴿وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى﴾ كذا في رواية أبي ذر وأثبتها الباقون (٢)، انتهى.
كتب الشيخ قُدِّس سرُّه في "اللامع" (٣): قوله: "والذكر والأنثى. . ." إلخ، وكان قد نزل كذلك أولًا ثم نزل قوله: ﴿وَمَا خَلَقَ﴾ ولعل ابن مسعود ﵁ لم يقف عليه أو يكون يرى القراءتين جائزة، غير أنه أحب أن يقرأ ما أقرأه النبي ﷺ ، وكذلك فعل أبو الدرداء، انتهى.
стр. 2711
وفي هامشه بعد ذكر ما سيأتي من كلام الشرَّاح: ولعلك قد دريت من هذا كله أن مآل كلام الشيخ وكلام الشرَّاح واحد، فالذي عبره الشيخ بتعدد النزول عبره الشرَّاح بالنسخ، والمؤدى واحد.
قال الحافظ (١): ثم هذه القراءة لم تنقل إلا عمن ذكر هنا، ومن عداهم قرءوا: ﴿وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى﴾ وعليها استقر الأمر مع قوة إسناد ذلك إلى أبي الدرداء ومن ذكر معه، ولعل هذا ممن نسخت تلاوته ولم يبلغ النسخ أبا الدرداء ومن ذكر معه، والعجب من نقل الحفاظ من الكوفيين هذه القراءة عن علقمة، وعن ابن مسعود وإليهما تنتهي القراءة بالكوفة، ثم لم يقرأ بها أحد منهم، وكذا أهل الشام حملوا القراءة عن أبي الدرداء ولم يقرأ أحد بهذا، فهذا مما يقوي أن التلاوة بها نسخت، انتهى.
قال العيني (٢): وإنما قال: "لا أتابعهم" مع كون قراءتهم متواترة؛ لكون طريقه طريقًا يقينيًا وهو سماعه من النبي ﷺ ، فإن قلت: فعلى هذا كان ينبغي أن لا يخالفوه، قلت: لهم طريق يقيني أيضًا وهو ثبوت قراءتهم بالتواتر، وقال المازري: يجب أن يعتقد في هذا وما في معناه أنه كان قرآنًا ثم نسخ، ولم يعلم من خالف النسخ فبقي على النسخ، قال: أو لعله وقع من بعضهم قبل أن يبلغ مصحف عثمان ﵁ المجمع عليه المحذوف منه كل منسوخ، وأما بعد ظهور مصحف عثمان فلا يظن واحد منهم أنه خالف فيه، انتهى.
(٣ - باب قوله: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى﴾ [الليل: ٥])
ذكر فيه حديث علي ﵁: "كنا مع النبي ﷺ في بقيع الغرقد" الحديث، ذكره في خمسة تراجم أخرى الآتية من هذه السورة كلها من طريق الأعمش، إلا الخامس فمن طريق منصور، كلاهما عن سعد بن عبيدة عن
стр. 2712
أبي عبد الرحمن السلمي عن علي، وصرح في الترجمة الأخيرة بسماع الأعمش له من سعد، وسيأتي شرحه مستوفى في كتاب القدر إن شاء الله تعالى، انتهى من "الفتح" (١).
قال العيني (٢): والحديث مضى في الجنائز في "باب موعظة المحدث عند القبر" ومرَّ الكلام فيه هناك، انتهى.
(٤ - باب قوله: ﴿وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى﴾ [الليل: ٦])
قال الحافظ (٣): سقطت هذه الترجمة لغير أبي ذر والنسفي، وسقط لفظ "باب" من التراجم كلها لغير أبي ذر، انتهى.
(٥ - باب قوله: ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى﴾ [الليل: ٧])
قال القسطلاني (٤): أي: للجنة، وقال العيني: أي: فسنهيئه لليسرى، أي: للخلة اليسرى وهو العمل بما يرضاه الله تعالى، انتهى.
(٦ - باب قوله: ﴿وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى﴾ [الليل: ٨])
أي: أما من بخل بالنفقة في الخير واستغنى عن ربه فلم يرغب في ثوابه، ﴿وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى (٩) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى﴾ [الليل: ٩، ١٠] أي: للعمل بما لا يرضى الله تعالى حتى يستوجب النار، انتهى (٥).
(٧ - باب قوله: ﴿وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى﴾ [الليل: ٩])
تقدم بعض ما يتعلق بهذه التراجم الستة في الأولى منها، أعني: في "باب قوله: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى﴾ ".
стр. 2713
(٨ - باب قوله: ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى﴾ [الليل: ١٠])
قال العيني (١) تحت حديث الباب: هذا طريق سادس للحديث المذكور أخرجه من ستة طرق، ووضع على كل طريق ترجمة مقطعة، وفي هذا الطريق التصريح بسماع الأعمش عن سعد بن عبيدة، وانظر التفاوت اليسير في متونها من بعض زيادة ونقصان، انتهى.
وسيأتي في تفسير ﴿تَبَّتْ﴾ من كلام الحافظ (٢): إن من دأب الإمام البخاري إذا كان للحديث طرق أن لا يجمعها في باب واحد بل يجعل لكل طريق ترجمة تليق به، انتهى.
وقال القسطلاني (٣): قوله: "ثم قرأ: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (٥) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى﴾ " وقد ذكر ابن جرير أن هذه الآية نزلت في الصديق، ثم روى بسنده إلى عبد الله بن الزبير قال: "كان أبو بكر يعتق على الإسلام بمكة وكان يعتق عجائز ونساء إذا أسلمن، فقال له أبوه: أي بني أراك تعتق أناسًا ضعافًا، فلو أنك تعتق رجالًا جلداء يقومون معك ويمنعونك ويدفعون عنك، فقال: أي أبت إنما أريد ما عند الله، قال: فحدثني بعض أهل بيتي أن هذه الآية أنزلت فيه: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى﴾ إلى آخرها"، وذكر غير واحد من المفسرين أن قوله تعالى: ﴿وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى﴾ [الليل: ١٧] إلى آخرها نزلت فيه أيضًا حتى أن بعضهم حكى إجماع المفسرين عليه، ولا شك أنه داخل فيها وأولى الأمة بعمومها، ولكنه مقدم الأمة وسابقهم في جميع الأوصاف الحميدة، انتهى. وتقدم شيء من الكلام في سبب نزولها في أول هذه السورة.
стр. 2714
(٩٣) سورة ﴿وَالضُّحَى﴾
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
قال العلامة العيني (١): وهي مكية، ثم قال: ﴿وَالضُّحَى﴾ [الضحى: ١] يعني: النهار كله، قاله الثعلبي، وعن قتادة ومقاتل: يعني: وقت الضحى وهي الساعة التي فيها ارتفاع الشمس واعتدال النهار من الحر والبرد في الشتاء والصيف، وهو قسم تقديره: ورب الضحى، انتهى.
قوله: (﴿عَائِلًا فَأَغْنَى﴾ [الضحى: ٨]: ذا عيال) قال الحافظ (٢): هو قول أبي عبيدة، وقال الفراء: معناه فقيرًا، وقد وجدتها في مصحف عبد الله قديمًا، والمراد أنه أغناه بما أرضاه لا بكثرة المال، انتهى.
قال القسطلاني (٣): يقال: أعال الرجل، أي: كثر عياله، وعال، أي: افتقر، انتهى.
وقال العلامة العيني (٤): فسر العائلة بقوله: ذو عيال، وقال الثعلبي: فأغناك بمال خديجة رضي الله تعالى عنها ثم بالغنائم، وقال مقاتل: أرضاك بما أعطاك من الرزق، وعن ابن عطاء: وجدك فقير النفس فأغنى قلبك، انتهى.
(١ - باب ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾ [الضحى: ٣])
سقطت هذه الترجمة لغير أبي ذر، وذكر في سبب نزولها حديث جندب وأن ذلك سبب شكواه ﷺ ، وقد تقدمت في صلاة الليل أن الشكوى المذكورة لم ترد بعينها وأن من فسرها بإصبعه التي دميت لم يصب، ووجدت الآن في الطبراني بإسناد فيه من لا يعرف أن سبب نزولها وجود جرو كلب تحت سريره ﷺ ولم يشعر به فأبطأ عنه جبريل لذلك، وقصة
стр. 2715
إبطاء جبريل بسبب كون الكلب تحت سريره مشهورة، لكن كونها سبب نزول هذه الآية غريب بل شاذ مردود بما في الصحيح، والله أعلم.
وورد لذلك سبب ثالث وهو ما أخرجه الطبري من طريق العوفي عن ابن عباس قال: "لما نزل على رسول الله ﷺ القرآن أبطأ عنه جبريل أيامًا فتغير بذلك فقالوا: ودعه ربه فقلاه، فأنزل الله تعالى: ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾ "، ومن طريق إسماعيل مولى آل الزبير قال: فتر الوحي حتى شق ذلك على النبي ﷺ وأحزنه، فقال: "لقد خشيت أن يكون صاحبي قلاني"، فجاء جبريل بسورة ﴿وَالضُّحَى﴾، وذكر سليمان التيمي في السيرة التي جمعها ورواها محمد بن عبد الأعلى عن معتمر بن سليمان عن أبيه قال: وفتر الوحي فقالوا: لو كان من عند الله لتتابع ولكن الله قلاه، فأنزل الله: ﴿وَالضُّحَى﴾ و ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ﴾ بكمالهما، وكل هذه الروايات لا تثبت، والحق أن الفترة المذكورة في سبب نزول ﴿وَالضُّحَى﴾ غير الفترة المذكورة في ابتداء الوحي، فإن تلك دامت أيامًا وهذه لم تكن إلا ليلتين أو ثلاثًا، فاختلطتا على بعض الرواة، وتحرير الأمر في ذلك ما بيَّنته وقد أوضحت ذلك في التعبير، ولله الحمد.
ووقع في سيرة ابن إسحاق في سبب نزول ﴿وَالضُّحَى﴾ شيء آخر فإنه ذكر أن المشركين لما سألوا النبي ﷺ عن ذي القرنين والروح وغير ذلك ووعدهم بالجواب ولم يستثن، فأبطأ عليه جبريل اثنتي عشرة ليلة أو أكثر، فضاق صدره وتكلم المشركون فنزل جبريل بسورة ﴿وَالضُّحَى﴾ وبجواب ما سألوا وبقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا (٢٣) إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [الكهف: ٢٣، ٢٤]، انتهى.
وذكر سورة الضحى ههنا بعيد لكن يجوز أن يكون الزمان في القصتين متقاربًا فضم بعض الرواة إحدى القصتين إلى الأخرى، وكل منهما لم يكن في ابتداء البعث وإنما كان بعد ذلك بمدة، والله أعلم (١).
стр. 2716
قوله: (فجات امرأة فقالت: يا محمد إني لأرجو أن يكون شيطانك تركك) هي أم جميل بنت حرب امرأة أبي لهب، وقد تقدم بيان ذلك في كتاب قيام الليل، وقد بيَّنت هناك أنه وقع في رواية أخرى عند الحاكم: فقالت خديجة، وأخرجه الطبري أيضًا من طريق عبد الله بن شداد: فقالت خديجة: ولا أرى ربك، ومن طريق هشام بن عروة عن أبيه: فقالت خديجة لما ترى من جزعه، وهذان طريقان مرسلان ورواتهما ثقات، فالذي يظهر أن كلًّا من أم جميل وخديجة قالت ذلك لكن أم جميل عبَّرت لكونها كافرة بلفظ: شيطانك، وخديجة عبَّرت لكونها مؤمنة بلفظ: ربك أو صاحبك، وقالت أم جميل شماتة، وخديجة توجعًا، انتهى كله من "الفتح" (١).
وقال العلامة العيني (٢): ههنا فصلان: الأول في مدة احتباس جبريل ﵇ فعن ابن جريج: اثنا عشر يومًا، وعن ابن عباس: خمسة عشر يومًا، وعنه خمسة وعشرين يومًا، وعن مقاتل: أربعون يومًا، وقيل: ثلاثة أيام، الثاني سبب الاحتباس ففيه أقوال، إلى آخر ما ذكر، فقد تقدم تحقيقه في كلام الحافظ قُدِّس سرُّه.
(٢ - باب قوله: ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾ [الضحى: ٣])
قال الحافظان (٣): كذا ثبتت هذه الترجمة في رواية المستملي، وهو تكرار بالنسبة إليه لا بالنسبة للباقين؛ لأنهم لم يذكروها في الأولى، انتهى.
قوله: (تقرأ بالتشديد والتخفيف بمعنى واحد. . .) إلخ، أما القراءة بالتشديد فهي قراءة الجمهور، وقرأ بالتخفيف عروة وابنه هشام وابن أبي علية، وقال أبو عبيدة: ﴿مَا وَدَّعَكَ﴾ يعني: بالتشديد من التوديع، وما ودعك يعني بالتخفيف من ودعت، انتهى.
стр. 2717
ويمكن تخريج كونهما بمعنى واحد على أن التوديع مبالغة في الودع لأن من ودعك مفارقًا فقد بالغ في تركك.
قوله: (قالت امرأة: يا رسول الله ما أرى صاحبك إلا أبطأك) هذا السياق يصلح أن يكون خطاب خديجة دون الخطاب الأول، فإنه يصلح أن يكون خطاب حمالة الحطب لتعبيرها بالشيطان والترك ومخاطبتها بمحمد، بخلاف هذه فقالت: صاحبك، وقالت: أبطأ، وقالت: يا رسول الله، وجوَّز الكرماني أن يكون من تصرف الرواة، وهو موجه لأن مخرج الطريقين واحد، وقوله: "أبطأك" أي: صيرك بطيئًا في القراءة لأن بطأه في الإقراء يستلزم بطأ الآخر في القراءة، ووقع في رواية: "إلا أبطأ عنك"، انتهى من "الفتح" (١).
(٩٤) سورة ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ﴾
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
وفي نسخ الشروح الثلاثة: "سورة ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ﴾ ".
قال الحافظ (٢): كذا لأبي ذر، وللباقين: " ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ﴾ " حسب، انتهى.
قال العيني (٣): وهي مكية، انتهى.
قوله: (قال ابن عيينة: أي إن مع ذلك العسر يسرًا آخر، كقوله: ﴿قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إلا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ﴾ [لتوبة: ٥٢]) قال الحافظ (٤): وهذا مصير من ابن عيينة إلى اتباع النحاة في قولهم: إن النكرة إذا أعيدت نكرة كانت غير الأولى، وموقع التشبيه أنه كما ثبت للمؤمنين تعدد الحسنى كذا ثبت لهم تعدد اليسر، أو أنه ذهب إلى أن المراد بأحد اليسرين الظفر وبالآخر الثواب فلا بد للمؤمن من أحدهما، انتهى.