(٨ - باب قوله: ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى﴾ [الليل: ١٠])
قال العيني (١) تحت حديث الباب: هذا طريق سادس للحديث المذكور أخرجه من ستة طرق، ووضع على كل طريق ترجمة مقطعة، وفي هذا الطريق التصريح بسماع الأعمش عن سعد بن عبيدة، وانظر التفاوت اليسير في متونها من بعض زيادة ونقصان، انتهى.
وسيأتي في تفسير ﴿تَبَّتْ﴾ من كلام الحافظ (٢): إن من دأب الإمام البخاري إذا كان للحديث طرق أن لا يجمعها في باب واحد بل يجعل لكل طريق ترجمة تليق به، انتهى.
وقال القسطلاني (٣): قوله: "ثم قرأ: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (٥) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى﴾ " وقد ذكر ابن جرير أن هذه الآية نزلت في الصديق، ثم روى بسنده إلى عبد الله بن الزبير قال: "كان أبو بكر يعتق على الإسلام بمكة وكان يعتق عجائز ونساء إذا أسلمن، فقال له أبوه: أي بني أراك تعتق أناسًا ضعافًا، فلو أنك تعتق رجالًا جلداء يقومون معك ويمنعونك ويدفعون عنك، فقال: أي أبت إنما أريد ما عند الله، قال: فحدثني بعض أهل بيتي أن هذه الآية أنزلت فيه: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى﴾ إلى آخرها"، وذكر غير واحد من المفسرين أن قوله تعالى: ﴿وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى﴾ [الليل: ١٧] إلى آخرها نزلت فيه أيضًا حتى أن بعضهم حكى إجماع المفسرين عليه، ولا شك أنه داخل فيها وأولى الأمة بعمومها، ولكنه مقدم الأمة وسابقهم في جميع الأوصاف الحميدة، انتهى. وتقدم شيء من الكلام في سبب نزولها في أول هذه السورة.
стр. 2714
(٩٣) سورة ﴿وَالضُّحَى﴾
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
قال العلامة العيني (١): وهي مكية، ثم قال: ﴿وَالضُّحَى﴾ [الضحى: ١] يعني: النهار كله، قاله الثعلبي، وعن قتادة ومقاتل: يعني: وقت الضحى وهي الساعة التي فيها ارتفاع الشمس واعتدال النهار من الحر والبرد في الشتاء والصيف، وهو قسم تقديره: ورب الضحى، انتهى.
قوله: (﴿عَائِلًا فَأَغْنَى﴾ [الضحى: ٨]: ذا عيال) قال الحافظ (٢): هو قول أبي عبيدة، وقال الفراء: معناه فقيرًا، وقد وجدتها في مصحف عبد الله قديمًا، والمراد أنه أغناه بما أرضاه لا بكثرة المال، انتهى.
قال القسطلاني (٣): يقال: أعال الرجل، أي: كثر عياله، وعال، أي: افتقر، انتهى.
وقال العلامة العيني (٤): فسر العائلة بقوله: ذو عيال، وقال الثعلبي: فأغناك بمال خديجة رضي الله تعالى عنها ثم بالغنائم، وقال مقاتل: أرضاك بما أعطاك من الرزق، وعن ابن عطاء: وجدك فقير النفس فأغنى قلبك، انتهى.
(١ - باب ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾ [الضحى: ٣])
سقطت هذه الترجمة لغير أبي ذر، وذكر في سبب نزولها حديث جندب وأن ذلك سبب شكواه ﷺ ، وقد تقدمت في صلاة الليل أن الشكوى المذكورة لم ترد بعينها وأن من فسرها بإصبعه التي دميت لم يصب، ووجدت الآن في الطبراني بإسناد فيه من لا يعرف أن سبب نزولها وجود جرو كلب تحت سريره ﷺ ولم يشعر به فأبطأ عنه جبريل لذلك، وقصة
стр. 2715
إبطاء جبريل بسبب كون الكلب تحت سريره مشهورة، لكن كونها سبب نزول هذه الآية غريب بل شاذ مردود بما في الصحيح، والله أعلم.
وورد لذلك سبب ثالث وهو ما أخرجه الطبري من طريق العوفي عن ابن عباس قال: "لما نزل على رسول الله ﷺ القرآن أبطأ عنه جبريل أيامًا فتغير بذلك فقالوا: ودعه ربه فقلاه، فأنزل الله تعالى: ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾ "، ومن طريق إسماعيل مولى آل الزبير قال: فتر الوحي حتى شق ذلك على النبي ﷺ وأحزنه، فقال: "لقد خشيت أن يكون صاحبي قلاني"، فجاء جبريل بسورة ﴿وَالضُّحَى﴾، وذكر سليمان التيمي في السيرة التي جمعها ورواها محمد بن عبد الأعلى عن معتمر بن سليمان عن أبيه قال: وفتر الوحي فقالوا: لو كان من عند الله لتتابع ولكن الله قلاه، فأنزل الله: ﴿وَالضُّحَى﴾ و ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ﴾ بكمالهما، وكل هذه الروايات لا تثبت، والحق أن الفترة المذكورة في سبب نزول ﴿وَالضُّحَى﴾ غير الفترة المذكورة في ابتداء الوحي، فإن تلك دامت أيامًا وهذه لم تكن إلا ليلتين أو ثلاثًا، فاختلطتا على بعض الرواة، وتحرير الأمر في ذلك ما بيَّنته وقد أوضحت ذلك في التعبير، ولله الحمد.
ووقع في سيرة ابن إسحاق في سبب نزول ﴿وَالضُّحَى﴾ شيء آخر فإنه ذكر أن المشركين لما سألوا النبي ﷺ عن ذي القرنين والروح وغير ذلك ووعدهم بالجواب ولم يستثن، فأبطأ عليه جبريل اثنتي عشرة ليلة أو أكثر، فضاق صدره وتكلم المشركون فنزل جبريل بسورة ﴿وَالضُّحَى﴾ وبجواب ما سألوا وبقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا (٢٣) إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [الكهف: ٢٣، ٢٤]، انتهى.
وذكر سورة الضحى ههنا بعيد لكن يجوز أن يكون الزمان في القصتين متقاربًا فضم بعض الرواة إحدى القصتين إلى الأخرى، وكل منهما لم يكن في ابتداء البعث وإنما كان بعد ذلك بمدة، والله أعلم (١).
стр. 2716
قوله: (فجات امرأة فقالت: يا محمد إني لأرجو أن يكون شيطانك تركك) هي أم جميل بنت حرب امرأة أبي لهب، وقد تقدم بيان ذلك في كتاب قيام الليل، وقد بيَّنت هناك أنه وقع في رواية أخرى عند الحاكم: فقالت خديجة، وأخرجه الطبري أيضًا من طريق عبد الله بن شداد: فقالت خديجة: ولا أرى ربك، ومن طريق هشام بن عروة عن أبيه: فقالت خديجة لما ترى من جزعه، وهذان طريقان مرسلان ورواتهما ثقات، فالذي يظهر أن كلًّا من أم جميل وخديجة قالت ذلك لكن أم جميل عبَّرت لكونها كافرة بلفظ: شيطانك، وخديجة عبَّرت لكونها مؤمنة بلفظ: ربك أو صاحبك، وقالت أم جميل شماتة، وخديجة توجعًا، انتهى كله من "الفتح" (١).
وقال العلامة العيني (٢): ههنا فصلان: الأول في مدة احتباس جبريل ﵇ فعن ابن جريج: اثنا عشر يومًا، وعن ابن عباس: خمسة عشر يومًا، وعنه خمسة وعشرين يومًا، وعن مقاتل: أربعون يومًا، وقيل: ثلاثة أيام، الثاني سبب الاحتباس ففيه أقوال، إلى آخر ما ذكر، فقد تقدم تحقيقه في كلام الحافظ قُدِّس سرُّه.
(٢ - باب قوله: ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾ [الضحى: ٣])
قال الحافظان (٣): كذا ثبتت هذه الترجمة في رواية المستملي، وهو تكرار بالنسبة إليه لا بالنسبة للباقين؛ لأنهم لم يذكروها في الأولى، انتهى.
قوله: (تقرأ بالتشديد والتخفيف بمعنى واحد. . .) إلخ، أما القراءة بالتشديد فهي قراءة الجمهور، وقرأ بالتخفيف عروة وابنه هشام وابن أبي علية، وقال أبو عبيدة: ﴿مَا وَدَّعَكَ﴾ يعني: بالتشديد من التوديع، وما ودعك يعني بالتخفيف من ودعت، انتهى.
стр. 2717
ويمكن تخريج كونهما بمعنى واحد على أن التوديع مبالغة في الودع لأن من ودعك مفارقًا فقد بالغ في تركك.
قوله: (قالت امرأة: يا رسول الله ما أرى صاحبك إلا أبطأك) هذا السياق يصلح أن يكون خطاب خديجة دون الخطاب الأول، فإنه يصلح أن يكون خطاب حمالة الحطب لتعبيرها بالشيطان والترك ومخاطبتها بمحمد، بخلاف هذه فقالت: صاحبك، وقالت: أبطأ، وقالت: يا رسول الله، وجوَّز الكرماني أن يكون من تصرف الرواة، وهو موجه لأن مخرج الطريقين واحد، وقوله: "أبطأك" أي: صيرك بطيئًا في القراءة لأن بطأه في الإقراء يستلزم بطأ الآخر في القراءة، ووقع في رواية: "إلا أبطأ عنك"، انتهى من "الفتح" (١).
(٩٤) سورة ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ﴾
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
وفي نسخ الشروح الثلاثة: "سورة ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ﴾ ".
قال الحافظ (٢): كذا لأبي ذر، وللباقين: " ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ﴾ " حسب، انتهى.
قال العيني (٣): وهي مكية، انتهى.
قوله: (قال ابن عيينة: أي إن مع ذلك العسر يسرًا آخر، كقوله: ﴿قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إلا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ﴾ [لتوبة: ٥٢]) قال الحافظ (٤): وهذا مصير من ابن عيينة إلى اتباع النحاة في قولهم: إن النكرة إذا أعيدت نكرة كانت غير الأولى، وموقع التشبيه أنه كما ثبت للمؤمنين تعدد الحسنى كذا ثبت لهم تعدد اليسر، أو أنه ذهب إلى أن المراد بأحد اليسرين الظفر وبالآخر الثواب فلا بد للمؤمن من أحدهما، انتهى.
стр. 2718
وكتب الشيخ في "اللامع" (١) تحت قوله: " ﴿هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا. . .﴾ " إلخ،: وهذا بيان لما كان الكفار يظنون بالمسلمين، وأما المسلمون فلا يخلون من الحسنيين كلتيهما: الأجر والمغنم، وهذا عين المدعى من وصول يسرين بعسر واحد، انتهى.
وفي هامشه: وهذا ظاهر لأن الكفار لا يظنون الأجر والشهادة حسنى بل يعدون الغنيمة الحسنى فقط، وأما عند المؤمنين فالأجر والشهادة أعلى مراتب الحسنى.
قال الكرماني: فإن قلت: ما وجه تعليله بالآية؟ قلت: إشعارها بأن للمؤمنين حسنتين في مقابلة مشقتهم وهو حسن الظفر وحسن الثواب، انتهى.
وقد تقدم في كتاب الجهاد "باب قوله تعالى: ﴿قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ﴾ " وأورد فيه البخاري طرفًا من حديث هرقل، واختلفوا في مناسبة الحديث بالباب، قال ابن المنيِّر هناك: التحقيق أنه ما ساق حديث هرقل إلا لقوله: "وكذلك الرسل تبتلى ثم تكون لهم العاقبة" قال: فبذلك يتحقق أن لهم إحدى الحسنيين: إن انتصروا فلهم العاجلة والعاقبة، وإن انتصر عدوهم فللرسل العاقبة، انتهى.
قوله: (ولن يغلب عسر يسرين) قال الحافظ (٢): روي هذا مرفوعًا موصولًا ومرسلًا، وروي أيضًا موقوفًا، أما المرفوع فأخرجه ابن مردويه من حديث جابر بإسناد ضعيف ولفظه: "أوحي إليّ أن مع العسر يسرًا، أن مع العسر يسرًا، ولن يغلب عسر يسرين" وأخرج سعيد بن منصور وعبد الرزاق من حديث ابن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ : "لو كان العسر في جحر لدخل عليه اليسر حتى يخرجه، ولن يغلب عسر يسرين" ثم قال: "إن مع العسر يسرًا، إن مع العسر يسرًا" وإسناده ضعيف، وأخرجه
стр. 2719
عبد الرزاق والطبري من طريق الحسن عن النبي ﷺ ، وأخرجه عبد بن حميد عن ابن مسعود بإسناد جيد من طرق قتادة قال: ذكر لنا أن رسول الله ﷺ بشر أصحابه بهذه الآية فقال: "لن يغلب عسر يسرين إن شاء الله".
وأما الموقوف فأخرجه مالك عن زيد بن أسلم عن أبيه عن عمر أنه كتب إلى أبي عبيدة يقول: مهما ينزل بامرئ من شدة يجعل الله له بعدها فرجًا، وإنه لن يغلب عسر يسرين، وقال الحاكم: صح ذلك عن عمر وعلي وهو في "الموطأ" عن عمر لكن من طريق منقطع، وأخرجه عبد بن حميد عن ابن مسعود بإسناد جيد، وأخرجه الفراء بإسناد ضعيف عن ابن عباس، انتهى من "الفتح".
ثم قال الحافظ في آخر هذه السورة (١): لم يذكر المصنف في سورة ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ﴾ حديثًا مرفوعًا، ويدخل فيها حديث أخرجه الطبري وصححه ابن حبان من حديث أبي سعيد رفعه: "أتاني جبريل فقال: يقول لك ربك: أتدري كيف رفعت ذكرك؟ قال: الله أعلم، قال: إذا ذُكرتُ ذُكرتَ معي" وهذا أخرجه الشافعي وسعيد بن منصور وعبد الرزاق من طريق مجاهد قوله، وذكر الترمذي والحاكم في تفسيرهما قصة شرح صدره ﷺ ليلة الإسراء، وقد مضى الكلام عليه في أوائل السيرة النبوية، انتهى.
(٩٥) ﴿وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ﴾
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
وفي نسخ الشروح الثلاثة بزيادة لفظ "سورة"، والبسملة ساقطة عن نسخ الشروح.
قال القسطلاني تبعًا للعيني (٢): وهي مكية، وقيل: مدنية.
стр. 2720
قوله: (وقال مجاهد: هو التين والزيتون الذي يأكل الناس) قال الحافظ (١): وصله الفريابي من طريق مجاهد في قوله: ﴿وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ﴾ [التين: ١]، قال: الفاكهة التي تأكل الناس، ﴿وَطُورِ سِينِينَ﴾ الطور الجبل وسينين المبارك، وأخرجه الحاكم من وجه آخر عن ابن أبي نجيح عن ابن عباس، وأخرجه ابن أبي حاتم من طريق عكرمة عن ابن عباس مثله، ومن طريق العوفي عن ابن عباس قال: التين مسجد نوح الذي بني على الجودي، ومن طريق الربيع بن أنس قال: التين جبل عليه التين، والزيتون جبل عليه الزيتون، ومن طريق قتادة: الجبل الذي عليه دمشق، ومن طريق محمد بن كعب قال: مسجد أصحاب الكهف والزيتون مسجد إيلياء، ومن طريق قتادة: جبل عليه بيت المقدس، انتهى.
قال القسطلاني (٢): وخصهما بالقسم لأن التين فاكهة طيبة لا فضل فيها، وغذاء لطيف سريع الهضم ودواء كثير النفع؛ لأنه يلين الطبع، ويحلل البلغم ويطهر الكليتين، ويزيل رمل المثانة، ويفتح سدة الكبد والطحال، ويسمن البدن، ويقطع البواسير، وينفع من النقرس، ويشبه فواكه الجنة لأنه بلا عجم، ولا يمكث في المعدة، ويخرج بطريق الرشح، وأما الزيتون ففاكهة وإدام ودواء، وله دهن لطيف كثير المنافع، وينبت في الجبال التي ليست فيها دهنية، فلما كان فيهما هذه المنافع الدالة على قدرة خالقهما لا جرم أقسم الله بهما، ثم ذكر الأقوال الأخر في مصداقهما كما تقدم عن الحافظ.
كتب الشيخ قُدِّس سرُّه في "اللامع" (٣): قوله: "والزيتون الذي يأكل الناس" رد بذلك ما زعم بعضهم أن المراد بهما جبلان، انتهى.
стр. 2721
(٩٦) سورة ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
كذا في النسخة الهندية، وفي نسخ الشروح الثلاثة بغير البسملة.
قال العيني (١): وتسمى سورة العلق وهي مكية، انتهى.
قال الحافظ (٢): قال صاحب "الكشاف": ذهب ابن عباس ومجاهد إلى أنها أول سورة نزلت، وأكثر المفسرين إلى أن أول سورة نزلت فاتحة الكتاب، كذا قال، والذي ذهب أكثر الأئمة إليه هو الأول، وأما الذي نسبه إلى الأكثر فلم يقل به إلا عدد أقل من القليل بالنسبة إلى من قال بالأول.
قوله: (عن الحسن قال: اكتب في المصحف في أول الإمام بسم الله الرحمن الرحيم، واجعل بين السورتين خطًا) وقوله: في أول الإمام: أي أم الكتاب، وقوله: "خطًا" قال الداودي: إن أراد خطًا فقط بغير بسملة فليس بصواب لاتفاق الصحابة على كتابة البسملة بين كل سورتين إلا براءة، وإن أراد بالإمام إمام كل سورة فيجعل الخط مع البسملة فحسن، فكان ينبغي أن يستثني براءة.
وقال الكرماني: معناه اجعل البسملة في أوله فقط، واجعل بين كل سورتين علامة للفاصلة، وهو مذهب حمزة من القراء السبعة، قلت: المنقول ذلك عن حمزة في القراءة لا في الكتابة، قال: وكأن البخاري أشار إلى أن هذه السورة لما كان أولها مبتدئًا بقوله تعالى: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ أراد أن يبين أنه لا تجب البسملة في أول كل سورة بل من قرأ البسملة في أول القرآن كفاه في امتثال هذا الأمر، نعم استنبط السهيلي من هذا الأمر ثبوت البسملة في أول الفاتحة؛ لأن هذا الأمر هو أول شيء نزل من القرآن فأولى مواضع امتثاله أول القرآن، انتهى من "الفتح".
стр. 2722
وكتب الشيخ قُدِّس سرُّه في "اللامع" (١): قوله: "واجعل بين السورتين خطًا" فيه دلالة على أنه سلك مسلك الحنفية في كون البسملة آية واحدة من القرآن أنزلت للفصل بين السور فاستغنى عنها إذا كتبت مرة واحدة ولا يفتقر إلى كتابتها في أول كل سورة، انتهى.
وبسط في هامشه الكلام على شرح قول البخاري هذا الذي حكاه عن الحسن، وكذا بسط الكلام فيه على المسألة الخلافية التي أشار إليه الشيخ قُدِّس سرُّه أشد البسط، فارجع إليه لو شئت، وذكر الحافظ هذه المسألة الخلافية مبسوطًا تحت قوله: ﴿بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ حيث قال: استدل به السهيلي على أن البسملة يؤمر بقراءتها أول كل سورة، لكن لا يلزم من ذلك أن تكون آية من كل سورة، إلى آخر ما بسط.
(١ - باب)
بغير ترجمة، قال القسطلاني (٢): هذا بدون ترجمة، وهو ثابت لأبي ذر.
قال العيني (٣): هذا كالفصل بالنسبة إلى الباب وليس في كثير من النسخ لفظ "باب" بموجود، انتهى.
قوله: (حدثنا يحيى بن بكير حدثنا الليث عن عقيل عن ابن شهاب، ح وحدثني سعيد بن مروان. . .) إلخ، وفي نسخة "الفتح" و"القسطلاني" بدون: ح.
قال الحافظ (٤): الإسناد الأول قد ساق البخاري المتن به في أول الكتاب، وساق في هذا الباب المتن بالإسناد والثاني، ثم قال الحافظ: وقد تقدم شرح هذا الحديث مستوفى في أوائل هذا الكتاب وسأذكره هنا ما لم يتقدم ذكره مما اشتمل عليه من سياق هذه الطريق وغيرها من الفوائد، إلى
стр. 2723
آخر ما بسط من الكلام في شرح هذا الحديث، وأيضًا قد بسط الحافظان الكلام في شرح إسناد هذا الحديث وقالا (١) من جملة ما أفادا: أن عبد الله - الواقع في السند - هو ابن المبارك الإمام المشهور وقد نزل البخاري في حديثه في هذا الإسناد درجتين، وفي حديث الزهري ثلاث درجات، قاله الحافظ، زاد العيني: وهذا من الغرائب إذ البخاري كثيرًا يروي عن ابن المبارك بواسطة شخص واحد مثل عبدان وغيره وهنا روى عنه بثلاث وسائط، وهذا الحديث من ثمانيات البخاري، انتهى.
وكتب الشيخ في "اللامع" (٢): قوله: "فقال: اقرأ. . ." إلخ، ومفعول القراءة ما أقرأه جبريل بعد ذلك من الآيات في أوقاتها، وأيضًا فالمقروء هو نفس هذه الآيات التي صدرها بقوله: اقرأ، انتهى.
(تنبيه): إلى ههنا تم ما في "لامع الدراري" مما يتعلق بكتاب التفسير، ثم بعد ذلك ترك الشيخ قُدِّس سرُّه بياضًا بقدر ثلاثة أوراق ولم أدر ما سبب ذلك، ولا يكون سببه عدم حضور الوالد في الدرس فإنه نوَّر الله مرقده قال مرارًا: لم يفتني حديث واحد بحمد الله تعالى من حضور الدرس عند شيخي وأستاذي القطب الكُنكَوهي نوَّر الله مرقده، ولا يكون سبب ذلك أيضًا القطب الكَنكَوهي قُدِّس سرُّه لم يقرر بشيء من الكلام على ما بقي من كتاب التفسير؛ لأنه لو كان كذلك لما ترك الوالد - نوَّر الله مرقده وأعلى الله مراتبه - البياض في الأصل، فالظاهر أنه ترك الكتابة لحدوث عارض من المرض وغيره، وأراد أن يكتبه بعد ذلك لكنه لم يتفق له ذلك لعارض.
وقد وجدت في تقرير مولانا محمد حسن المكي عن الشيخ الكَنكَوهي قُدِّس سرُّه الكلام على بعض المواضع من كتاب التفسير فذكرته في هامش
стр. 2724
"اللامع" تتميمًا للفائدة، وأضفت من عندي بعض ما سنح لي من مطالعة الشروح فارجع إليه لو شئت، وأنا ألتقط منها شيئًا ههنا مما يليق بهذا الجزء إن شاء الله تعالى.
(٢ - باب قوله: ﴿خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ﴾ [العلق: ٢])
قد أورد الحافظ على الإمام البخاري في اختصاره حديث الباب غاية الاختصار إذ قال (١): ذكر فيه طرفًا من الحديث الذي قبله برواية عقيل عن ابن شهاب واختصره جدًا، قال: أول ما بدئ به رسول الله ﷺ من الوحي الرؤيا الصالحة، قال: فجاءه الملك فقال: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ وهذا في غاية الإجحاف، ولا أظن يحيى بن بكير حدث البخاري به هكذا ولا كان له هذا التصرف، وإنما هذا صنيع البخاري وهو دال على أنه كان يجيز الاختصار من الحديث إلى هذه الغاية، انتهى.
(٣ - باب قوله: ﴿اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ﴾ [العلق: ٣])
قال العيني (٢) بعد ذكر حديث الباب: هذا أيضًا مختصرًا من حديث عائشة جدًا، وأخرجه من طريقين: الأول عن عبد الله بن محمد المسندي عن عبد الرزاق بن همام عن معمر عن الزهري، والثاني عن الليث عن عقيل عن الزهري عن عروة، وهذا معلق وصله في بدء الوحي، ثم في الباب الذي قبله، ثم في التعبير، أخرجه في المواضع الثلاثة عن يحى بن بكير عن الليث، انتهى.
(٤ - باب قوله: ﴿الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ﴾ [العلق: ٤])
قال الحافظ (٣): كذا لأبي ذر وسقطت الترجمة لغيره، وأورد طرفًا من حديث بدء الوحي عن عبد الله بن يوسف عن الليث مقتصرًا منه على
стр. 2725
قوله: "فرجع النبي ﷺ إلى خديجة، فقال: زملوني زملوني" فذكر الحديث كذا فيه، وقد ذكر من الحديث في ذكر الملائكة من بدء الخلق حديث جابر مقتصرًا عليه، انتهى.
(٥ - باب قوله: ﴿كَلَّا لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ لَنَسْفَعًا بِالنَّاصِيَةِ﴾ الآية [العلق: ١٥])
قال الحافظ (١): سقط لأبي ذر "باب" ومن ﴿نَاصِيَةٍ﴾ إلى آخره، وقوله: ﴿لَنَسْفَعًا﴾ كذا في النسخ الهندية بالألف وكذا في نسخة "العيني"، وقال (٢): وكتب بالألف في المصحف على حكم الوقف، انتهى.
وفي نسخة "الفتح" و"القسطلاني": "لَنَسْفَعن" أي: بالنون، وقد تقدم في أول السورة قوله البخاري: "لَنَسْفَعًا" قال: "لنأخذًا" وقد اختلفت النسخ ههنا أيضًا، ففي النسخة الهندية بالألف وفي نسخ الشروح الثلاثة "لَنَسْفَعن" أي: بالنون.
قال الحافظ (٣): هو كلام أبي عبيدة أيضًا ولفظه: "ولَنَسْفَعن" إنما يكتب بالنون لأنها نون خفيفة، انتهى.
وقد روي عن أبي عمرو بتشديد النون والموجود في مرسوم المصحف بالألف، والسفع القبض على الشيء بشدة، وقيل: أصله الأخذ بسفعة الفرس، أي: سواد ناصيته، انتهى.
وفي هامش "اللامع" (٤): اعلم أن الإمام البخاري ترجم في سورة اقرأ بأربعة تراجم، وذكر فيها قطعًا من حديث بدء الوحي، وذكر في الباب الخامس حديثًا آخر فلعله أشار بذلك إلى أن الايات الأول من سورة اقرأ نزلت في بدء الوحي إلى قوله تعالى: ﴿كَلَّا لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ﴾ ثم ترجم "باب قوله:
стр. 2726
﴿كَلَّا لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ﴾ " وذكر فيه حديثًا آخر غير الأول إشارة إلى أنها نزلت بعد ذلك في قصة أبي جهل، وقد صرَّح المفسرون به، ففي "الجلالين": سورة اقرأ مكية، تسع عشر آية، صدرها إلى ﴿مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ أول ما نزل من القرآن وذلك بغار حراء رواه البخاري، انتهى.
وفي "حاشية الجمل": وهي خمس آيات، انتهى.
وقال الحافظ (١) في شرح حديث الباب: قوله: "فقال: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ إلى قوله: ﴿مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ " هذا القدر من هذه السورة هو الذي نزل أولًا بخلاف بقية السورة فإنما نزل بعد ذلك بزمان، وقد قدمت في تفسير المدثر بيان الاختلاف في أول ما نزل، والحكمة في هذه الأولية أن هذه الآيات الخمس اشتملت على مقاصد القرآن ففيها براعة الاستهلال وهي جديرة بأن تسمى عنوان القرآن؛ لأن عنوان الكتاب يجمع مقاصده بعبارة وجيزة في أوله، وهذا بخلاف الفن البديعي المسمى العنوان فإنهم عرفوه بأن يأخذ المتكلم في فن فيؤكده بذكر مثال سابق، وبيان كونها اشتملت على مقاصد القرآن أنها تنحصر في علوم التوحيد والأحكام والأخبار، وقد اشتملت على الأمر بالقراءة والبداءة فيها ببسم الله، وفي هذه الإشارة إلى الأحكام وفيها ما يتعلق بتوحيد الرب وإثبات ذاته وصفاته من صفة ذات وصفة فعل، وفي هذا إشارة إلى أصول الدين وفيها ما يتعلق بالأخبار من قوله: ﴿عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ [العلق: ٥]، انتهى.
(٩٧) ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
وفي نسخ الشروح "سورة ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ﴾ " بزيادة لفظ سورة بإسقاط البسملة.
قال العيني (٢): هذا في رواية أبي ذر، وفي رواية غيره: "سورة
стр. 2727
القدر"، وهي مدنية في قول الأكثرين، وحكى الماوردي عكسه، وذكر الواحدي أنها أول سورة نزلت بالمدينة، قال أبو العباس: مكية بلا خلاف، انتهى.
قوله: (﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ﴾ الهاء كناية عن القرآن) أي: الضمير راجع إلى القرآن وإن لم يتقدم له ذكر.
قوله: (﴿أَنْزَلْنَاهُ﴾ خرج مخرج الجمع. . .) إلخ، هو قول أبي عبيدة، ووقع في رواية أبي نعيم في "المستخرج" نسبته إليه قال: قال معمر، وهو اسم أبي عبيدة، كما تقدم غير مرة.
وقوله: (ليكون أثبت وأوكد) قال ابن التِّين: النحاة يقولون: إنه للتعظيم، يقوله المعظم عن نفسه ويقال عنه، انتهى. وهذا هو المشهور أن هذا جمع التعظيم، قاله الحافظ.
وقال أيضًا: لم يذكر المصنف في سورة القدر حديثًا مرفوعًا، ويدخل فيها حديث "من قام ليلة القدر" وقد تقدم في أواخر الصيام، انتهى (١).
(٩٨) سورة ﴿لَمْ يَكُنْ﴾
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
هكذا في نسخ الشروح والبسملة ساقطة عن نسخة "العيني".
قال الحافظ (٢): سقطت البسملة لغير أبي ذر، ويقال لها أيضًا: سورة القيِّمة وسورة البيِّنة، انتهى.
زاد العيني (٣): ويقال لها: سورة المنفكين، وهي مدنية في قول الجمهور، وحكى أبو صالح عن ابن عباس أنها مكية، وفي رواية همام عن قتادة أنها مكية، وفي رواية سعيد عن قتادة أنها مدنية، انتهى.
قوله: (أضاف الدين إلى المؤنث) قال العيني (٤): أشار به إلى قوله
стр. 2728
تعالى: ﴿وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ [البينة: ٥] وفسرها بقوله: "القائمة" أي: دين الملة القائمة المستقيمة، فالدين مضاف إلى مؤنث وهي الملة، والقيمة صفته فحذف الموصوف، انتهى.
وقال القسطلاني (١): أضاف الدين إلى المؤنث على تأويل الدين بالملة، أو التاء تاء المبالغة كعلامة.
وفي تقرير (٢) المكي: غرضه أن القيمة وإن كان مضافًا إليه لكنه في الحقيقة صفة للدين كما جاء في موضع آخر بالتركيب التوصيفي، وذلك صحيح لأن الدين هو الملة فكان مؤنثًا، انتهى، إلى آخر ما بسط في هامش "اللامع"، وفيه أيضًا: لا يذهب عليك أن الشرَّاح قاطبة لم يفصلوا في كلام البخاري، والأوجه عند هذا العبد الضعيف أن الإمام البخاري أشار في كلامه إلى آيتين من سورة ﴿لَمْ يَكُنْ﴾ فأشار بقوله: قيمة، إلى قوله تعالى: ﴿فِيهَا كُتُبٌ قَيِّمَةٌ﴾ [البينة: ٣] وفسرها بقوله: القائمة، وأشار بقوله: دين القيمة، إلى قوله تعالى: ﴿وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾، إلى آخر ما ذكر فيه.
قوله: (أمرني أن أقرأ عليك ﴿لَمْ يَكُنْ﴾) فيه ثلاثة مسائل: الأولى تخصيص أُبي ﵁ بالقراءة عليه، والثانية تخصيص هذه السورة، والثالثة بكاء أُبي ﵁، أجاد الشيخ قُدِّس سرُّه في تقرير الترمذي المطبوع باسم "الكوكب الدري" الكلام على اثنتين منها بعبارة وجيزة إذ قال: والمناسبة ما فيها من ذكر أهل الكتاب وقوله: "فبكى" أي: شوقًا وتلذذًا بأمر الله، إلى آخر ما بسط من الكلام على المسائل الثلاث في هامش "اللامع" (٣) أشد البسط فارجع إليه لو شئت.
وقال العيني (٤): والحديث مضى في "باب مناقب أُبي بن كعب" فإنه
стр. 2729
أخرجه هناك بعين هذا الإسناد، انتهى. قاله العيني في الحديث الأول من هذا الباب، ثم ذكر البخاري هذا الحديث بعد ذلك بطريقين آخرين كما ترى.
(٩٩) ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ﴾
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
هكذا في النسخ الهندية، وفي نسخة "القسطلاني" بغير لفظ "سورة" وبغير البسملة، وفي نسخة الحافظين بإثباتهما.
قال العيني (١): وهي مكية وتسمى سورة الزلزلة، وقوله: ﴿زُلْزِلَتِ﴾ أي: حركت حركة شديدة لقيام الساعة، انتهى.
(١ - باب قوله: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: ٧])
قال العيني (٢): لم يثبت لفظ "باب" إلا لأبي ذر، والمثقال على وزن مفعال من الثقل، ومعنى المثقال هنا الوزن، وسئل ثعلب عن الذّرّة فقال: إن مائة نملة وزن حبة والذرة واحدة منها، وعن يزيد بن هارون: زعموا أن الذرة ليس لها وزن، قوله: "يقال ﴿أَوْحَى لَهَا﴾. . ." إلخ، أشار به إلى قوله تعالى: ﴿بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا﴾ [الزلزلة: ٥] وغرضه أن هذه الألفاظ الأربعة بمعنى واحد، وجاء استعمالها بكلمة إلى وباللام، ومعناه أمرها بالكلام وأذن لها فيه، انتهى.
وقال الحافظ (٣): قال أبو عبيدة في قوله: ﴿بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا﴾: قال العجاج: أوحي لها القرار فاستقرت، وقيل: اللام بمعنى "من أجل" والموحى إليه محذوف أي: أوحي إلى الملائكة من أجل الأرض، والأول
стр. 2730
أصوب، وقد أخرج ابن أبي حاتم من طريق عكرمة عن ابن عباس قال: أوحي إليها، انتهى من "الفتح". وقال أيضًا: تقدم شرح الحديث مستوفى في كتاب الجهاد.
(٢ - باب قوله: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: ٨])
قال القسطلاني (١): ثبت لفظ "باب" لأبي ذر.
وقال العيني (٢): وليس في كثير من النسخ لفظ "باب"، انتهى.
ذكر المصنف فيه حديث أبي هريرة من وجه آخر عن مالك بسنده المذكور في الباب السابق مقتصرًا على القصة الأخيرة.
(١٠٠) ﴿وَالْعَادِيَاتِ﴾
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
اختلفت النسخ ههنا، ففي النسخة "الهندية" كما ذكر بغير لفظ سورة مع ذكر البسملة، وفي نسخة "العيني": "سورة والعاديات"، وفي نسخة "القسطلاني": "والعاديات" بغير لفظ "سورة"، وفي نسخة "الفتح": "والعاديات والقارعة".
وأما البسملة فليست في نسخة من نسخ الشروح الثلاثة.
قال الحافظ (٣): كذا لأبي ذر، ولغيره: "والعاديات" حسب، والمراد بالعاديات الخيل، وقيل: الإبل، انتهى.
قال العيني (٤): وهي مكية، انتهى.
قوله: (وقال مجاهد: الكنود الكفور) قال الحافظ (٥): وصله الفريابي عن مجاهد بهذا، وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس مثله، ويقال: إنه بلسان
стр. 2731
قريش الكفور، وبلسان كنانة البخيل، وبلسان كندة العاصي، وروى الطبراني من حديث أبي أمامة رفعه: "الكنود الذي يأكل وحده، ويمنع رفده، ويضرب عبده"، انتهى.
(١٠١) سورة ﴿الْقَارِعَةُ﴾
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
كذا في الهندية مع ذكر البسملة وكذا في نسخة "العيني" وسقطت عن نسخة "الفتح" و"القسطلاني".
قال العلامة العيني (١): وهي مكية، انتهى.
قوله: (﴿كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ﴾ [القارعة: ٤]: كغوغاء الجراد. . .) إلخ، قال الحافظ (٢): هو كلام الفراء قال في قوله: ﴿كَالْفَرَاشِ﴾: يريد كغوغاء الجراد، إلى آخره، وقال أبو عبيدة: الفراش طير لا ذباب ولا بعوض، والمبثوث المتفرق، وحمل الفراش على حقيقته أولى، والعرب تشبه بالفراش كثيرًا كقول جرير:
إن الفرزدق ما علمت وقومه … مثل الفراش غشين نار المصطلى
وصفهم بالحرص والتهافت، وفي تشبيه الناس يوم البعث بالفراش مناسبات كثيرة بليغة كالطيش والانتشار والكثرة والضعف والذلة والمجيء بغير رجوع والقصد إلى الداعي والإسراع وركوب بعضهم بعضًا والتطاير إلى النار، انتهى.
وفي "تفسير الجلالين" (٣): ﴿كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ﴾ كغوغاء الجراد المنتشر، وفي "حاشية الجمل" (٤): الغوغاء الجراد بعد أن ينبت شعره، انتهى.
стр. 2732
وقال في "القاموس" (١): الغوغاء الجراد بعد أن ينبت جناحه، أو إذا انسلخ من الألوان وصار إلى الحمرة، وشيء يشبه البعوض ولا يعض لضعفه، انتهى.
وقال في "البحر" (٢): غوغاء الجراد صغيره الذي ينتشر في الأرض، انتهى.
قوله: (﴿كَالْعِهْنِ﴾: كألوان العهن) وهو قول الفراء قال: ﴿كَالْعِهْنِ﴾ لأن ألوانها مختلفة كالعهن وهو الصوف، انتهى من "الفتح" (٣).
وفي هامش "اللامع" (٤): قال الرازي في "التفسير الكبير" العهن الصوف ذو الألوان، وفي قراءة ابن مسعود: كالصوف المنفوش، واعلم أن الله تعالى أخبر أن الجبال مختلفة الألوان على ما قال: ﴿وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ﴾ [فاطر: ٢٧] ثم إنه يفرق أجزاءها ويزيل التأليف والترتيب عنها فيصير ذلك مشابهًا بالصوف الملون بالألوان المختلفة، انتهى.
(١٠٢) ﴿أَلْهَاكُمُ﴾
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
كذا في النسخة "الهندية" بدون لفظ "سورة" وبزيادة البسملة، وفي نسخ الشروح الثلاثة بزيادة لفظ "سورة" مع البسملة.
قال الحافظ (٥): ويقال لها: سورة التكاثر، وأخرج ابن أبي حاتم من طريق سعيد بن أبي بلال قال: كان أصحاب رسول الله ﷺ يسمونها المقبرة، انتهى.
قال العيني (٦): وهي مكية.
стр. 2733
ثم قال الحافظ (١): (تنبيه): لم يذكر في هذه السورة حديثًا مرفوعًا، وسيأتي في الرقاق من حديث أُبي بن كعب ما يدخل فيها، انتهى.
(١٠٣) ﴿وَالْعَصْرِ﴾
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
وفي نسخ الشروح الثلاثة بزياد لفظ "سورة"، والبسملة ساقطة عن نسخ الشروح.
قال العيني (٢): وهي مكية.
قال الحافظ (٣): العصر اليوم والليلة، قال عبد الرزاق عن معمر: قال الحسن: العصر العشي، وقال قتادة: ساعة من ساعات النهار.
قوله: (يقال الدهر، أقسم به) وفي نسخة الشروح: "وقال يحيى: الدهر أقسم به" قال الحافظ (٤): سقط "يحيى" لأبي ذر وهو يحيى بن زياد الفراء فهذا كلامه في "معاني القرآن"، انتهى.
قلت: إنما ذكره الإمام البخاري لأنهم اختلفوا في تفسير العصر على أقوال كما تقدم عن "الفتح".
وفي "الجلالين" (٥): قوله: (العصر): الدهر، أو ما بعد الزوال إلى الغروب، أو صلاة العصر، انتهى.
زاد الرازي قولًا رابعًا: إنه قسم بزمان الرسول ﵊ لقوله ﷺ : "مثلكم ومثل من كان قبلكم مثل رجل استأجر أجيرًا" الحديث، فهذا الخبر دال على أن العصر هو الزمان المختص به وبأمته، إلى آخر ما بسط، ثم قال البخاري "أقسم به" نبه بذلك على أن الواو
стр. 2734
للقسم، وأشار إشارة لطيفة إلى جواز حلفه تعالى بمخلوقه، وفي "الجمل" تحت قوله تعالى: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ﴾ الآية [الواقعة: ٧٥]: قال القشيري: هو قسم ولله أن يقسم بما يريد، وليس لنا أن نقسم بغير الله تعالى وصفاته القديمة، انتهى. إلى آخر ما بسط في هامش "اللامع" (١).
قال الحافظ (٢): (تنبيه): لم أر في تفسير هذه السورة حديثًا مرفوعًا صحيحًا، لكن ذكر بعض المفسرين فيها حديث ابن عمر: "من فاتته صلاة العصر" وقد تقدم في صفة الصلاة مشروحًا، انتهى.
(١٠٤) ﴿وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ﴾
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
كذا في النسخ الهندية، وفي نسخة "الفتح" و"القسطلاني" بزيادة لفظ "سورة"، وفي نسخة "العيني": "سورة الهمزة" والبسملة ثابتة في الجميع.
قال العيني (٣): وهي مكية، وعن ابن عباس: الهمزة المشاؤون بالنميمة المفرقون بين الأحبة، وعن قتادة: الهمزة الذي يأكل لحوم الناس ويغتابهم، واللمزة الطعّان، انتهى.
قال الحافظ (٤): والمراد الكثير الهمز وكذا اللمزة الكثير اللمز، ثم ذكر أثر ابن عباس المتقدم، وقال: أخرجه سعيد بن منصور، انتهى.
لم يذكر المصنف فيه حديثًا مرفوعًا، وسيأتي ما يناسبه في سورة ﴿لِإِيلَافِ﴾ من كلام الحافظ.
стр. 2735
(١٠٥) سورة ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ﴾
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
هكذا في النسخ الهندية، وفي نسخة الحافظين: "سورة ألم تر" وفي نسخة "القسطلاني": "ألم تر" حسب، وليست البسملة في نسخ الشروح.
قال العيني (١): وتسمى سورة الفيل، وهي مكة، انتهى.
قوله: (وقال مجاهد: ﴿أَبَابِيلَ﴾: متتابعة مجتمعة) قال العيني (٢): أشار به إلى قوله: تعالى: ﴿وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبَابِيلَ﴾ [الفيل: ٣] وفسر الأبابيل بقوله: متتابعة مجتمعة، روي هذا عن مجاهد، وقال النسفي في تفسير ﴿أَبَابِيلَ﴾: جمع إبّالة، وقيل: أبابيل مثل عباديد لا واحد لها، وقيل: جمع أبول مثل عجول يجمع على عجاجيل، انتهى.
قلت: وما زعمه كثير من الناس من أنّ أبابيل اسم طير معروف ليس بصحيح.
وقوله: (قال ابن عباس: ﴿سِجِّيلٍ﴾: من سَنْكِ وَكِلْ) أي: السجيل معرب من سنكَـ بمعنى الحجر وكَل بمعنى الطين، وفي "الجلالين" (٣): والسجيل طين مطبوخ بنار جهنم، وفي "القسطلاني"، وقيل: السجيل الديوان الذي كتب فيه عذاب الكفار، والمعنى ترميهم بحجارة من جملة العذاب المكتوب المدون مما كتب الله في ذلك الكتاب، انتهى.
بسط الكلام على هذين القولين في هامش "اللامع"، فارجع إليه لو شئت، لم يذكر المصنف فيه حديثًا مرفوعًا وسيأتي ما يناسبه في سورة ﴿لِإِيلَافِ﴾ من كلام الحافظ قُدِّس سرُّه.
стр. 2736
(١٠٦) ﴿لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ﴾
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
هكذا في نسخة "القسطلاني"، وفي نسخة "العيني" بزيادة لفظ "سورة" وفي نسخة الحافظ: "سورة لإيلاف" حسب، والبسملة ساقطة عن نسخ الشروح.
قال العيني (١): ذكر أبو العباس أنها مكية بلا خلاف، وذكر الضحاك وعطاء بن السائب أنها مدنية، انتهى.
ثم اختلفوا في متعلق اللام في قوله: ﴿لِإِيلَافِ﴾ بسط الكلام عليه في هامش "اللامع" (٢): فارجع إليه لو شئت.
قال الحافظ (٣) ﵀: قيل: اللام متعلقة بالقصة التي في السورة التي قبلها، ويؤيده أنهما في مصحف أُبي بن كعب سورة واحدة، وقيل: متعلقة بشيء مقدر، أي: اعجب لنعمتي على قريش، انتهى.
(تنبيه): لم يذكر في هذه السورة ولا (٤) التي قبلها حديثًا مرفوعًا، فأما سورة الهمزة ففي صحيح ابن حبان من حديث جابر: أن النبي ﷺ قرأ ﴿يَحْسَبُ أَنَّ مَالَهُ أَخْلَدَهُ﴾ [الهمزة: ٣] يعني: بفتح السين، وأما سورة الفيل ففيها من حديث المسور الطويل في صلح الحديبية.
قوله: (حبسها حابس الفيل) قد تقدم شرحه مستوفي في كتاب الشروط، وفيها حديث ابن عباس مرفوعًا: "إن الله حبس عن مكة الفيل" الحديث، وأما هذه السورة فلم أر فيها حديثًا مرفوعًا صحيحًا، انتهى من "الفتح"".
стр. 2737
(١٠٧) ﴿أَرَأَيْتَ﴾
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
وكذا في نسخة "القسطلاني" بغير لفظ "سورة" وفي نسخة الحافظين بزيادة لفظ "سورة"، والبسملة ساقطة عن نسخ الشروح.
قال العلامة العيني (١): وتسمى سورة الماعون، وهي مكية، قال الثعلبي: قال مقاتل والكلبي: نزلت في العاص بن وائل السهمي، وعن السدي وابن كيسان: في الوليد بن مغيرة، وعن الضحاك: في عمرو بن عائذ، وقيل: في هبيرة بن وهب المخزومي، وقال الفراء: وقرأ ابن مسعود: أرأيتك الذي يكذب، قال: والكاف صلة، وقال النسفي: ﴿أَرَأَيْتَ﴾ هل عرفت ﴿الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ﴾ بالجزاء من هو؟ إن لم تعرفه ﴿فَذَلِكَ الَّذِي﴾ يكذب بالجزاء هو الذي ﴿يَدُعُّ الْيَتِيمَ﴾ أي: يقهره ويزجره، انتهى.
قوله: (﴿الْمَاعُونَ﴾: المعروف كله) قال العيني (٢): ذكر البخاري في تفسير الماعون ثلاثة أقوال: الأول: المعروف كله، وهو الذي يتعاطاه الناس بينهم كالدلو والفأس والقدر، وهو قول الكلبي ومحمد بن كعب، الثاني: الماعون الماء، وهو قول سعيد بن المسيب والزهري ومقاتل، قالوا: الماعون الماء بلغة قريش، الثالث: قول عكرمة وهو أعلاها الزكاة، إلى آخره، وهو قول ابن عمر والحسن وقتادة، وقوله: "عارية المتاع" أي الماعون اسم جامع لمتاع البيت كالمنخل والغربال ونحو ذلك مما يستعمل في البيوت، وقيل: الماعون ما لا يحل منعه مثل الماء والملح والنار وغير ذلك، إلى آخر ما بسط الكلام في تحقيقه في هامش "اللامع" (٣).
وقال الحافظ (٤): أما القول الأول فقال الفراء: قال بعضهم: إن
стр. 2738
الماعون المعروف كله حتى ذكر القصعة والدلو والفأس، ولعله أراد ابن مسعود فإنه أخرج أبو داود والنسائي عن ابن مسعود: كنا نعد الماعون على عهد رسول الله ﷺ عارية الدلو والقدر، وإسناده صحيح إلى ابن مسعود، وأخرجه البزار والطبراني من حديث ابن مسعود مرفوعًا صريحًا، إلى آخر ما ذكر الحافظ في تأييد القول الثاني والثالث، ثم قال في آخر هذه السورة: لم يذكر المصنف في تفسير هذه السورة حديثًا مرفوعًا ويدخل فيه حديث ابن مسعود المذكور قبل، انتهى ملخصًا من "الفتح".
(١٠٨) ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
وفي نسخ الشروح الثلاثة بزيادة لفظ "سورة" بغير البسملة.
قال العيني (١): وهي مكية عند الجمهور، وقال قتادة والحسن وعكرمة: مدنية، وسبب الاختلاف فيه لأجل الاختلاف في سبب النزول، فعن ابن عباس: نزلت في العاص بن وائل فإنه قال في حق النبي ﷺ : الأبتر، وقيل: في عقبة بن أبي معيط، وعن عكرمة: في جماعة من قريش، وقيل: في أبي جهل، وقال السهيلي: في كعب بن الأشرف، قال: ويلزم من هذا أن تكون السورة مدنية، وفيه تأمل، انتهى.
وقال القسطلاني (٢): مكية أو مدنية، انتهى.
قال الحافظ (٣): هي سورة الكوثر، وقد قرأ ابن محيصن: إنا أنطيناك الكوثر بالنون، وكذا قرأها طلحة بن مصرف، والكوثر فوعل من الكثرة سمي به النهر لكثر مائه وآنيته وعظم قدره وخيره.
قوله: (﴿شَانِئَكَ﴾: عدوك) وقد وصله ابن مردويه من طريق
стр. 2739
علي بن أبي طلحة عن ابن عباس كذلك، واختلف الناقلون في تعيين الشانئ المذكور فقيل: هو العاصي بن وائل، وقيل: أبو جهل، وقيل: عقبة بن أبي معيط، ثم ذكر المصنف في الباب ثلاثة أحاديث.
الأول: حديث أنس وقد تقدم شرحه في أوائل المبعث في قصة الإسراء في أواخرها، ويأتي بأوضح من ذلك في أواخر كتاب الرقاق، وقوله: "لما عرج بالنبي ﷺ إلى السماء قال: أتيت على نهر حافتاه قباب اللؤلؤ مجوف، فقلت: ما هذا يا جبريل؟ قال: هذا الكوثر" هكذا اقتصر على بعضه ساقه البيهقي من طريق إبراهيم بن الحسن عن آدم شيخ البخاري فيه فزاد بعد قوله: الكوثر: "الذي أعطاك ربك فأهوى الملك بيده فاستخرج من طينه مسكًا أذفر" وأورده البخاري بهذه الزيادة في الرقاق من طريق همام عن أبي هريرة.
الثاني: حديث عائشة وفيه: "هو نهر أعطيه نبيكم" زاد النسائي: "في بطنان الجنة، قلت: ما بطنان الجنة؟ قالت: وسطها" انتهى. وبطنان بضم الموحدة وسكون المهملة بعدها نون.
الحديث الثالث: حديث ابن عباس من رواية أبي بشر عن سعيد بن جبير عنه، ثم ذكر الحافظ ألفاظ الرواية ثم قال: هذا تأويل من سعيد بن جبير جمع به بين حديثي عائشة وابن عباس، وكأن الناس الذين عناهم أبو بشر أبو إسحاق وقتادة ونحوهما ممن روي ذلك صريحًا أن الكوثر هو النهر، وقد أخرج الترمذي من طريق ابن عمر رفعه: "الكوثر نهر في الجنة حافتاه من ذهب ومجراه على الدر والياقوت" الحديث، قال: إنه حسن صحيح، وفي "صحيح مسلم" عن أنس: "بينما نحن عند النبي ﷺ إذ أغفى إغفاءة ثم رفع رأسه متبسّمًا فقلنا: ما أضحكك يا رسول الله؟ قال: نزلت علي سورة فقرأ: بسم الله الرحمن الرحيم ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾ إلى آخرها [الكوثر: ١ - ٣] "، ثم قال: "أتدرون ما الكوثر؟ " قلنا: الله ورسوله أعلم، قال: فإنه نهر وعدنيه ربي عليه خير كثير هو حوض ترد عليه أمتي يوم القيامة" الحديث.
стр. 2740
وحاصل ما قاله سعيد بن جبير: أن قول ابن عباس: إنه الخير الكثير، لا يخالف قول غيره: إن المراد به نهر في الجنة؛ لأن النهر فرد من أفراد الخير الكثير، ولعل سعيدًا أومأ إلى أن تأويل ابن عباس أولى لعمومه، لكن ثبت تخصيصه بالنهر من لفظ النبي ﷺ فلا معدل عنه، وقد نقل المفسرون في الكوثر أقوالًا أخرى غير هذين تزيد على العشرة، منها قول عكرمة: الكوثر النبوة، وقول الحسن: الكوثر القرآن، وقيل: تفسيره، وقيل: الإسلام، وقيل: إنه التوحيد، وقيل: كثرة الأتباع، وقيل: الإيثار، وقيل: رفعة الذكر، وقيل: نور القلب، وقيل: الشفاعة، وقيل: المعجزات، وقيل: إجابة الدعاء، وقيل: الفقه في الدين، وقيل: الصلوات الخمس، وسيأتي مزيد بسط في أمر الكوثر وهل الحوض النبوي هو أو غيره في كتاب الرقاق إن شاء الله تعالى.
(١٠٩) ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
وفي نسخ الشروح الثلاثة بزيادة لفظ "سورة" من غير بسملة.
قال العلامة العيني (١): ويقال لها: سورة الكافرين والمتشقسة - كذا في النسخة التي بأيدنا، وفي نسخة الحافظ بدله المقشقشة - أي: المبرئة من النفاق، وهي مكية، والخطاب لأهل مكة منهم الوليد بن المغيرة والعاص بن وائل وأُمية بن خلف، قالو: "يا محمد فاتبع ديننا ونتبع دينك، ونشركك في أمرنا كله، تعبد آلهتنا سنة ونعبد إلهك سنة، فقال: معاذ الله أن أشرك به غيره، فأنزل الله تعالى: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ " إلى آخر السورة، انتهى.
قال الحافظ (٢): وقد أخرج ابن أبي حاتم من حديث ابن عباس قال:
стр. 2741
قالت قريش للنبي ﷺ : "كفّ عن آلهتنا فلا تذكرها بسوء، فإن لم تفعل فاعبد آلهتنا سنة ونعبد إلهك سنة، فنزلت"، وفي إسناده أبو خلف عبد الله بن عيسى وهو ضعيف.
وقال الحافظ أيضًا: (تنبيه): لم يورد في هذه السورة حديثًا مرفوعًا، ويدخل فيها حديث جابر: أن النبي ﷺ قرأ في ركعتي الطواف: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ و ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾: أخرجه مسلم، وقد ألزمه الإسماعيلي بذلك حيث قال في تفسير ﴿وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ﴾ لما أورد البخاري حديث البراء: أن النبي ﷺ قرأ بها في العشاء، قال الإسماعيلي: ليس لإيراد هذا معنى هنا وإلا للزمه أن يورد كل حديث وردت فيه قراءته لسورة مسماة في تفسير تلك السورة، انتهى.
(١١٠) سورة ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
قال الحافظ (١): سقطت البسملة لغير أبي ذر، انتهى.
وقال العيني (٢): ويقال لها: سورة النصر، وقال أبو العباس: هي مدنية بلا خلاف، انتهى.
قال الحافظ (٣): وقد أخرج النسائي من حديث ابن عباس أنها آخر سورة نزلت من القرآن، وقد تقدم في تفسير براءة أنها آخر سورة نزلت، والجمع بينهما أن آخرية سورة النصر نزولها كاملة بخلاف براءة كما تقدم توجيهه، ويقال: إن ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ﴾ [النصر] نزلت يوم النحر وهو بمنى في حجة الوداع، وقيل: عاش بعدها أحدًا وثمانين يومًا، وليس منافيًا للذي قبله بناء على بعض الأقوال في وقت الوفاة النبوية، وعند ابن أبي حاتم
стр. 2742
من حديث ابن عباس: عاش بعدها تسع ليال، وعن مقاتل: سبعًا وعن بعضهم: ثلاثًا، وقيل: ثلاث ساعات وهو باطل، وأخرجه ابن أبي داود في "كتاب المصاحف" بإسناد صحيح عن ابن عباس: أنه كان يقرأ: إذا جاء فتح الله والنصر.
وقال الحافظ (١) أيضًا في شرح حديث الباب: قوله: "يتأول القرآن" أي: يجعل ما أمر به من التسبيح والتحميد والاستغفار في أشرف الأوقات والأحوال، وقد أخرجه ابن مردويه من طريق أخرى عن مسروق عن عائشة فزاد فيه: "علامة في أمتي أمرني ربي إذا رأيتها أكثر من قول سبحان الله وبحمده وأستغفر الله وأتوب إليه، فقد رأيت جاء نصر الله والفتح فتح مكة، ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجًا"، وقال ابن القيم في "الهدي": كأنه أخذه من قوله تعالى: ﴿وَاسْتَغْفِرْهُ﴾ لأنه كان يجعل الاستغفار في خواتم الأمور فيقول إذا سلم من الصلاة: "أستغفر الله" ثلاثًا، وإذا خرج من الخلاء قال: "غفرانك"، وورد الأمر بالاستغفار عند انقضاء المناسك: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾ الآية [البقرة: ١٩٩]، قلت: ويؤخذ أيضًا من قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا﴾ فقد كان يقول عند انقضاء الوضوء: "اللهم اجعلني من التوابين"، انتهى.
(١ - باب قوله: ﴿وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا﴾ [النصر: ٢])
وثبت لفظ "باب" لأبي ذر، ثم قال في تفسير الآية: قوله: ﴿أَفْوَاجًا﴾ أي: جماعات بعد ما كان يدخل فيه واحد واحد، وذلك بعد فتح مكة جاء العرب من أقطار الأرض طائعين، ونصب ﴿أَفْوَاجًا﴾ على الحال من فاعل ﴿يَدْخُلُونَ﴾، انتهى (٢).
стр. 2743
وزاد العيني (١) في تفسيره: من غير قتال، انتهى.
وبسط في هامش "اللامع" الكلام على استنباط ابن عباس أجله ﷺ من هذه السورة من كلام الشرَّاح ومن كلام الشيخ الكَنكَوهي وشيخ مشايخنا الشاه عبد العزيز الدهلوي نوَّر الله مرقده، فارجع إليه لو شئت (٢).
(٢ - باب قوله: ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا﴾ [النصر: ٣])
وليست في نسخة "القسطلاني" لفظة "باب"، وقال (٣): ولأبي ذر "باب ﴿فَسَبِّحْ﴾. . ." إلخ.
قوله: (تواب على العباد. . .) إلخ، قال العيني (٤): أشار بهذا إلى أن التواب له معنيان: أحدهما: تواب يقال لله تعالى بمعنى أنه رجّاع عليهم بالمغفرة وقبول التوبة، وقيل: الذي يرجع إلى كل مذنب بالتوبة، وأصله من التوب وهو الرجوع، وقيل: هو الذي ييسّر للمذنبين أسباب التوبة ويوفقهم لها، ويسوق إليهم ما ينبههم عن رقدة الغفلة ويطلعهم على ضخامة عواقب الزلة فسمي المسبب للشيء باسم المباشر له، كما أسند إليه فعله في قولهم: بنى الأمير المدينة، والمعنى الآخر: تواب يقال للعبد بمعنى أنه تائب من الذنوب التي اقترفها، وقال أيضًا تحت حديث الباب: مطابقته للترجمة ظاهرة تؤخذ من قوله: ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ﴾ إلى آخره، والحديث مرَّ في المغازي في باب مجرد عقيب "باب منزل النبي ﷺ يوم الفتح"، فإنه أخرجه هناك عن أبي النعمان عن أبي عوانة إلى آخره، انتهى.
وقال الحافظ (٥) في شرح حديث الباب: ولأبي يعلى من حديث ابن عمر: نزلت هذه السورة في أوسط أيام التشريق في حجة الوداع فعرف
стр. 2744
رسول الله ﷺ أنه الوداع، وسئلت عن قول "الكشاف": إن سورة النصر نزلت في حجة الوداع أيام التشريق، فكيف صدرت بإذا الدالة على الاستقبال؟ فأجبت بضعف ما نقله، وعلى تقدير صحته فالشرط لم يتَكمَّل بالفتح؛ لأن مجيء الناس أفواجًا لم يكن كَمُل فبقية الشرط مستقبل، وقد أورد الطيبي السؤال وأجاب بجوابين: أحدهما: أن "إذا" قد ترد بمعنى إذ كما في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً﴾ الآية [الجمعة: ١١]، ثانيهما: أن كلام الله ﵎ قديم، وفي كل من الجوابين نظر لا يخفى، انتهى.
(١١١) ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ﴾
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
وفي نسخ الشروح الثلاثة بزيادة لفظ "سورة".
قال العيني (١): وهي مكية، وأبو لهب ابن عبد المطلب واسمه عبد العزى وأمه خزاعية، وكني أبا لهب فقيل بابنه لهب، وقيل: لشدة حمرة وجنتيه وكان وجهه يتلهب من حسنه، ووافق ذلك ما آل إليه أمره وهو دخوله نارًا ذات لهب، وكان من أشد الناس عداوة للنبي ﷺ وتمادى على عداوته حتى مات بعد بدر بأيام ولم يحضرها بل أرسل عنه بديلًا، فلما بلغه ما جرى لقريش مات غمًا، انتهى.
وقال أيضًا تحت حديث الباب: مطابقته للترجمة ظاهرة وفيه بيان سبب نزول السورة، والحديث قد تقدم بتمامه في "مناقب قريش" وببعضه في الجنائز، انتهى.
قوله: (﴿تَبَابٍ﴾ [غافر: ٣٧]: خسران. . .) إلخ، هكذا في النسخة "الهندية" وهكذا في نسخة "القسطلاني". زاد في نسخة الحافظين وكذا في نسخة الحاشية قبل هذا: " ﴿وَتَبَّ﴾: خسر" وهو الأولى؛ لأن هذا اللفظ هو
стр. 2745
الواقع في هذه السورة بخلاف اللفظين المذكورين بعده فقد ذكرهما لمناسبة اللفظ.
قال العيني (١): قوله: "وتب خسر، تباب خسران، تتبيب تدمير" أشار به إلى قوله تعالى: ﴿. . . وَتَبَّ (١) مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ﴾ [المسد: ١ - ٢] وفسَّر تبَّ بقوله: خسر، وفسر تباب بقوله: خسران، وأشار به إلى قوله تعالى: ﴿وَمَا كَيْدُ فِرْعَوْنَ إلا فِي تَبَابٍ﴾ [غافر: ٣٧] وأشار بقوله: تتبيب إلى قوله تعالى: ﴿وَمَا زَادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيبٍ﴾ [هود: ١٠١] أي: غير تدمير، أي: غير هلاك، انتهى.
قوله: (ورهطك منهم المخلصين) قال الحافظ (٢): كذا وقع في رواية أبي أسامة عن الأعمش، وقد تقدم البحث فيه في تفسير سورة الشعراء مع بقية مباحث هذا الحديث وفوائده، انتهى.
(١ - باب قوله: ﴿. . . وَتَبَّ﴾ [المسد: ١])
ذكر فيه الحديث الذي قبله من وجه آخر، وقوله فيه: "فهتف" أي: صاح، وقوله: "يا صباحاه" أي: هجموا عليكم صباحًا، انتهى من "الفتح" (٣).
(٢ - باب قوله: ﴿سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ﴾ [المسد: ٣])
قال الحافظ (٤): ذكر فيه حديث ابن عباس المذكور مختصرًا، وقد قدمت أن عادة المصنف غالبًا إذا كان للحديث طرق أن لا يجمعها في باب واحد بل يجعل لكل طريق ترجمة تليق به، وقد يترجم بما يشتمل عليه الحديث وإن لم يسقه في ذلك الباب اكتفاءً بالإشارة، وهذا من ذلك، انتهى.
قلت: وما ذكر الحافظ من عادة البخاري: إذا كان للحديث طرق. . .
стр. 2746
إلخ، هو كذلك وله نظائر كثيرة تقدم ذكرها في تفسير سورة المنافقين.
(٣ - باب قوله: ﴿وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ﴾ [المسد: ٤])
اسم امرأة أبي لهب العوراء، وتكنى أم جميل، وهي بنت حرب ابن أمية أخت أبي سفيان والد معاوية، وتقدم لها ذكر في تفسير ﴿وَالضُّحَى (١)﴾ يقال: إن اسمها أروى والعوراء لقب، ويقال: لم تكن عوراء وإنما قيل لها ذلك لجمالها، إلى آخر ما ذكر الحافظ (١) في سبب نزول هذه السورة.
قوله: (وقال مجاهد: ﴿حَمَّالَةَ الْحَطَبِ﴾: تمشي بالنميمة) بسط الكلام عليه في هامش "اللامع" (٢).
وقال الحافظ (٣): وصله الفريابي عنه، وأخرج سعيد بن منصور من طريق محمد بن سيرين قال: كانت امرأة أبي لهب تنم على النبي ﷺ وأصحابه إلى المشركين، وقال الفراء: كانت تنم فتحرش فتوقد بينهما العداوة، فكنى عن ذلك بحملها الحطب، انتهى.
قوله: (﴿مِنْ مَسَدٍ﴾ [المسد: ٣]) قيل: هو ليف المقل، وقيل هو مطلق الليف، والمقل شجر الدوم، انتهى من "الجمل" (٤). ليف بوست درخت خرما مقل نوع از دوا (كَوكَل)، انتهى.
كذا في "الصراح"، وفي "بيان القرآن" (٥): يه إيك رسي هوكَي خوب بتي هوئي، انتهى.
وفي "الفيض" (٦): (كَوكَل كي جهال)؛ لأنه يأخذ النار بالسرعة، انتهى.
стр. 2747
(١١٢) ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
وهكذا في نسخة "القسطلاني" بغير لفظ "سورة" مع ذكر البسملة، وفي نسخة "العيني" بزيادة لفظ "سورة" بغير البسملة، وفي نسخة "الفتح" بزيادتهما.
قال العيني (١): وتسمى سورة الإخلاص، وهي مكية، وقيل: مدنية نزلت لما قال قريش أو كعب بن الأشرف أو مالك بن الصعب أو عامر بن الطفيل العامري: انسب لنا ربك، انتهى.
قال الحافظ (٢): وجاء في سبب نزولها من طريق أبي العالية عن أُبي بن كعب: أن المشركين قالوا للنبي ﷺ : انسب لنا ربك، فنزلت، أخرجه الترمذي والطبري، وفي آخره: قال: " ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ﴾ لأنه ليس شيء يولد إلا سيموت ولا شيء يموت إلا سيورث، وربنا لا يموت ولا يورث، ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾: شبيه ولا عدل"، وأخرجه الترمذي من وجه آخر عن أبي العالية مرسلًا وقال: هذا أصح، وصحح الموصول ابن خزيمة والحاكم، وله شاهد من حديث جابر عند أبي يعلى والطبري والطبراني في "الأوسط"، انتهى.
قوله: (لا ينون ﴿أَحَدٌ﴾) بسط الكلام عليه في هامش "اللامع" (٣) وفيه: قال القسطلاني: قوله: "لا ينون ﴿أَحَدٌ﴾ " أي في الوصل يقال: ﴿أحد الله﴾ بحذف التنوين لالتقاء الساكنين، ورويت قراءة عن زيد بن علي وأبان بن عثمان والحسن وأبي عمرو في رواية عنه، وقوله: "واحد" قال العيني: تفسير قوله: ﴿أَحَدٌ﴾، إلى آخر ما ذكر في هامش "اللامع" من الفرق بين واحد وأحد.
стр. 2748
(١ - باب قوله: ﴿اللَّهُ الصَّمَدُ﴾ [الإخلاص: ٢])
هكذا هذه الترجمة في النسخة "الهندية" وكذا في نسخة الحافظين ابن حجر والعيني.
قال الحافظ (١): ثبتت هذه الترجمة لأبي ذر، انتهى.
وفي نسخة "القسطلاني": قوله: ﴿اللَّهُ الصَّمَدُ﴾ بدون لفظ "باب".
قوله: (والعرب تسمي أشرافها الصمد) قال الحافظ (٢): وقال أبو عبيدة: الصمد السيد الذي يصمد إليه ليس فوقه أحد، فعلى هذا هو فعل بفتحتين بمعنى مفعول، انتهى.
وقال القسطلاني (٣) في تفسير الصمد: قال ابن عباس: الذي تصمد إليه الخلائق في حوائجهم ومسائلهم، وهو من صمد إذا قصد، وهو الموصوف به على الإطلاق فإنه مستغن عن غيره مطلقًا، وكل ما عداه محتاج إليه في جميع جهاته، وقال الحسن وقتادة: هو الباقي بعد خلقه، وعن الحسن: الصمد الحي القيوم الذي لا زوال له، وعن عكرمة: الذي لم يخرج منه شيء ولا يطعم، وعن الضحاك والسدي: الذي لا جوف له، وعن عبد الله بن يزيد: الصمد نور يتلألأ، وكل هذه الأوصاف صحيحة في صفاته تعالى على ما لا يخفى، انتهى.
(١١٣) ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
هكذا في النسخ "الهندية" بغير لفظ "سورة" وفي نسخ الشروح الثلاثة بزيادة لفظ "سورة".
قال العيني (٤): وفي بعض النسخ، "سورة الفلق" ولم تثبت البسملة إلا
стр. 2749
لأبي ذر، وهي مدنية في قول سفيان، وفي رواية همام وسعيد عن قتادة: مكية، وكذا قاله السدي، وقال سفيان: الفلق والناس نزلتا فيما كان لبيد بن الأعصم سحر رسول الله ﷺ ، وقصته مشهورة في التفاسير، والفلق الصبح كذا روي عن ابن عباس، وعنه: سجن في جهنم، وعن السدي: جب في جهنم وعن أبي هريرة يرفعه بسند لا بأس به: "الفلق جب في جهنم مغطى"، وعن كعب: الجب بيت في جهنم إذا فتح صاح أهل النار من شر حره، وقيل غير ذلك، انتهى.
قوله: (سألت أُبي بن كعب. . .) إلخ، قال الحافظ (١): سيأتي في تفسير السورة التي بعدها بأتم من هذا السياق، ويشرح ثمة إن شاء الله تعالى، انتهى.
(١١٤) ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
في نسخ الشروح الثلاثة بزيادة لفظ "سورة" من غير بسملة.
قال العيني (٢): وفي بعض النسخ: "سورة الناس"، وهي مدنية، انتهى.
وقال القسطلاني (٣): هي مكية أو مدنية، فإن قلت: إنه تعالى رب جميع العالمين فلم خص الناس؟ أجيب: لشرفهم، أو لأن المأمور هو الناس، انتهى.
قوله: (ويذكر عن ابن عباس: الوسواس إذا ولد. . .) إلخ، وفي نسخة الحافظ: "وقال ابن عباس" قال الحافظ (٤): كذا لأبي ذر، ولغيره: "ويذكر عن ابن عباس "وكأنه أولى؛ لأن إسناده إلى ابن عباس ضعيف، أخرجه
стр. 2750
الطبري والحاكم، وفي إسناده حكيم بن جبير وهو ضعيف، ولفظه: "ما من مولود إلا على قلبه الوسواس، فإذا عمل فذكر الله خنس، فإذا غفل وسوس" ورويناه في "الذكر" لجعفر بن أحمد بن فارس من وجه آخر عن ابن عباس وفي إسناده محمد بن حميد الرازي وفيه مقال، ولفظه: "يحط الشيطان فاه على قلب ابن آدم، فإذا سها وغفل وسوس، وإذا ذكر الله تعالى خنس"، ولسعيد بن منصور من طريق عروة بن رويم، قال: سأل عيسى على نبينا وعليه الصلاة والسلام ربّه أن يريه موضع الشيطان من ابن آدم فأراه، فإذا رأسه مثل رأس الحية واضع رأسه على ثمرة القلب، فإذا ذكر العبد ربه خنس، وإذا ترك منّاه وحدثه، وقال ابن التِّين: ينظر في قوله: خنسه الشيطان، فإن المعروف في اللغة: خنس إذا رجع وانقبض، وقال عياض: كذا في جميع الروايات وهو تصحيف وتغيير، ولعله كان فيه نخسه، أي: بنون ثم خاء معجمة ثم سين مهملة مفتوحات، إلى آخر ما بسط الحافظ في تحقيقه، والمختصر ما قاله العيني (١): قوله: "خنس الشيطان" قال الصاغاني: الأولى: نخسه الشيطان، مكان: خنسه الشيطان، فإن سلمت اللفظة من الانقلاب والتصحيف فالمعنى والله تعالى أعلم: أخره وأزاله عن مكانه لشدة نخسه وطعنه في خاصرته، ثم قال تحت حديث الباب: هذا طريق آخر في حديث أُبي بن كعب، وفيه قوله: "يقول كذا وكذا" يعني: أنهما ليستا من القرآن.
قوله: (قيل لي) أي: إنهما من القرآن، وهذا كان مما اختلف فيه الصحابة ثم ارتفع الخلاف ووقع الإجماع عليه، فلو أنكر اليوم أحد قرآنيتهما كفر، وقال بعضهم: ما كانت المسألة في قرآنيتهما بل في صفة من صفاتهما وخاصة من خاصتهما، ولا شك أن هذه الرواية تحتملها فالحمل عليها أولى، والله أعلم، فإن قلت: قد أخرج أحمد وابن حبان
стр. 2751
من رواية حماد بن سلمة عن عاصم بلفظ: أن ابن مسعود كان لا يكتب المعوذتين في مصحفه، وأخرج عبد الله بن أحمد في "زيادات المسند" والطبراني وابن مردويه من طريق الأعمش عن أبي إسحاق عن عبد الرحمن بن يزيد النخعي قال: كان عبد الله بن مسعود يحكّ المعوذتين من مصاحفه، ويقول: إنهما ليستا من القرآن أو من كتاب الله تعالى. قلت: قال البزار: لم يتابع ابن مسعود على ذلك أحد من الصحابة، وقد صح عن النبي ﷺ أنه قرأهما في الصلاة، وهو في "صحيح مسلم" عن عقبة بن عامر، وزاد فيه ابن حبان من وجه آخر عن عقبة بن عامر: "فإن استطعت أن لا تفوتك قراءتهما في صلاة فافعل" وأخرج أحمد من طريق أبي العلاء بن الشخير عن رجل من الصحابة: أن النبي ﷺ أقرأه المعوذتين، وقال له: "إذا أنت صليت فاقرأ بهما" وإسناده صحيح، وروى سعيد بن منصور من حديث معاذ بن جبل ﵁: أن النبي ﷺ صلى الصبح فقرأ فيهما بالمعوذتين، انتهى.
وقال القسطلاني (١): وعنه - أي: عقبة بن عامر - أيضًا: أمرني رسول الله ﷺ أن أقرأ بالمعوذات في دبر كل صلاة، رواه أبو داود والترمذي، وعند النسائي عنه أيضًا: أن النبي ﷺ قرأ بهما في صلاة الصبح، وقد روي ذلك من طرق قد تفيد التواتر يطول إيرادها، والله الموفق للصواب، انتهى.
وبسط الكلام على هذه المسألة في هامش "اللامع" (٢) فارجع إليه لو شئت، وفيه عن "الإتقان" للسيوطي.
قال الحافظ ابن حجر: قد صح عن ابن مسعود إنكار ذلك، ثم قال بعد ذكر الروايات المروية عن ابن مسعود: إن أسانيدها صحيحة، فقول
стр. 2752
من قال: إنه كذب على ابن مسعود مردود، والطعن في الروايات الصحيحة بغير مستند لا يقبل، بل الروايات صحيحة والتأويل محتمل، وقد أوّله القاضي وغيره على إنكار الكتابة كما سبق، وهو تأويل حسن إلا أن الرواية الصريحة التي جاء فيها: "ويقول: إنهما ليستا من كتاب الله" تدفع ذلك، ويمكن حمل لفظ: كتاب الله، على المصحف فيتم التأويل المذكور، انتهى.
وقوله: كما سبق، إشارة إلى ما تقدم في هامش "اللامع" أيضًا، وهو ما قال الحافظ: وقد تأول القاضي، أبو بكر الباقلاني في "كتاب الانتصار" وتبعه عياض وغيره ما حكي عن ابن مسعود فقال: لم ينكر ابن مسعود كونهما من القرآن وأنكر إثباتهما في المصحف، فإنه كان يرى أن لا يكتب في المصحف شيئًا إلا إن كان النبي ﷺ أذن في كتابته فيه، وكأنه لم يبلغه الإذن في ذلك، انتهى.
قلت: بسط بحر العلوم الكلام على ذلك أشد البسط، وقال بعد نقل كلام صاحب "الإتقان" والنووي وابن حزم: فما قال الشيخ ابن حجر في شرح صحيح البخاري: أنه قد صح عن ابن مسعود إنكار ذلك، باطل لا يلتفت إليه، والذي صح عنه ما روى أحمد وابن حبان: أنه كان لا يكتب المعوذتين في مصحفه، وإنما صح خلو مصحفه عنها، إلى آخر ما بسط في هامش "اللامع".
وقال الحافظ ابن كثير في "تفسيره" (١): وهذا مشهور عند كثير من القراء والفقهاء أن ابن مسعود كان لا يكتب المعوذتين في مصحفه، فلعله لم يسمعها من النبي ﷺ ولم يتواتر عنده، ثم قد رجع عن قوله ذلك إلى قول الجماعة، فإن الصحابة رضي الله تعالى عنهم أثبتوهما في المصاحف ونفذوها إلى سائر الآفاق كذلك، ولله الحمد والمنة، ثم ذكر