← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 853

الأبواب والتراجم لصحيح البخاري

محمد زكريا الكاندهلوي

Полный текст (3 740 стр.). Показаны 2748–2787 · переход к 2753.

стр. 2748

(١ - باب قوله: ﴿اللَّهُ الصَّمَدُ﴾ [الإخلاص: ٢]) هكذا هذه الترجمة في النسخة "الهندية" وكذا في نسخة الحافظين ابن حجر والعيني. قال الحافظ (١): ثبتت هذه الترجمة لأبي ذر، انتهى. وفي نسخة "القسطلاني": قوله: ﴿اللَّهُ الصَّمَدُ﴾ بدون لفظ "باب". قوله: (والعرب تسمي أشرافها الصمد) قال الحافظ (٢): وقال أبو عبيدة: الصمد السيد الذي يصمد إليه ليس فوقه أحد، فعلى هذا هو فعل بفتحتين بمعنى مفعول، انتهى. وقال القسطلاني (٣) في تفسير الصمد: قال ابن عباس: الذي تصمد إليه الخلائق في حوائجهم ومسائلهم، وهو من صمد إذا قصد، وهو الموصوف به على الإطلاق فإنه مستغن عن غيره مطلقًا، وكل ما عداه محتاج إليه في جميع جهاته، وقال الحسن وقتادة: هو الباقي بعد خلقه، وعن الحسن: الصمد الحي القيوم الذي لا زوال له، وعن عكرمة: الذي لم يخرج منه شيء ولا يطعم، وعن الضحاك والسدي: الذي لا جوف له، وعن عبد الله بن يزيد: الصمد نور يتلألأ، وكل هذه الأوصاف صحيحة في صفاته تعالى على ما لا يخفى، انتهى. (١١٣) ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ هكذا في النسخ "الهندية" بغير لفظ "سورة" وفي نسخ الشروح الثلاثة بزيادة لفظ "سورة". قال العيني (٤): وفي بعض النسخ، "سورة الفلق" ولم تثبت البسملة إلا

стр. 2749

لأبي ذر، وهي مدنية في قول سفيان، وفي رواية همام وسعيد عن قتادة: مكية، وكذا قاله السدي، وقال سفيان: الفلق والناس نزلتا فيما كان لبيد بن الأعصم سحر رسول الله ﷺ ، وقصته مشهورة في التفاسير، والفلق الصبح كذا روي عن ابن عباس، وعنه: سجن في جهنم، وعن السدي: جب في جهنم وعن أبي هريرة يرفعه بسند لا بأس به: "الفلق جب في جهنم مغطى"، وعن كعب: الجب بيت في جهنم إذا فتح صاح أهل النار من شر حره، وقيل غير ذلك، انتهى. قوله: (سألت أُبي بن كعب. . .) إلخ، قال الحافظ (١): سيأتي في تفسير السورة التي بعدها بأتم من هذا السياق، ويشرح ثمة إن شاء الله تعالى، انتهى. (١١٤) ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ في نسخ الشروح الثلاثة بزيادة لفظ "سورة" من غير بسملة. قال العيني (٢): وفي بعض النسخ: "سورة الناس"، وهي مدنية، انتهى. وقال القسطلاني (٣): هي مكية أو مدنية، فإن قلت: إنه تعالى رب جميع العالمين فلم خص الناس؟ أجيب: لشرفهم، أو لأن المأمور هو الناس، انتهى. قوله: (ويذكر عن ابن عباس: الوسواس إذا ولد. . .) إلخ، وفي نسخة الحافظ: "وقال ابن عباس" قال الحافظ (٤): كذا لأبي ذر، ولغيره: "ويذكر عن ابن عباس "وكأنه أولى؛ لأن إسناده إلى ابن عباس ضعيف، أخرجه

стр. 2750

الطبري والحاكم، وفي إسناده حكيم بن جبير وهو ضعيف، ولفظه: "ما من مولود إلا على قلبه الوسواس، فإذا عمل فذكر الله خنس، فإذا غفل وسوس" ورويناه في "الذكر" لجعفر بن أحمد بن فارس من وجه آخر عن ابن عباس وفي إسناده محمد بن حميد الرازي وفيه مقال، ولفظه: "يحط الشيطان فاه على قلب ابن آدم، فإذا سها وغفل وسوس، وإذا ذكر الله تعالى خنس"، ولسعيد بن منصور من طريق عروة بن رويم، قال: سأل عيسى على نبينا وعليه الصلاة والسلام ربّه أن يريه موضع الشيطان من ابن آدم فأراه، فإذا رأسه مثل رأس الحية واضع رأسه على ثمرة القلب، فإذا ذكر العبد ربه خنس، وإذا ترك منّاه وحدثه، وقال ابن التِّين: ينظر في قوله: خنسه الشيطان، فإن المعروف في اللغة: خنس إذا رجع وانقبض، وقال عياض: كذا في جميع الروايات وهو تصحيف وتغيير، ولعله كان فيه نخسه، أي: بنون ثم خاء معجمة ثم سين مهملة مفتوحات، إلى آخر ما بسط الحافظ في تحقيقه، والمختصر ما قاله العيني (١): قوله: "خنس الشيطان" قال الصاغاني: الأولى: نخسه الشيطان، مكان: خنسه الشيطان، فإن سلمت اللفظة من الانقلاب والتصحيف فالمعنى والله تعالى أعلم: أخره وأزاله عن مكانه لشدة نخسه وطعنه في خاصرته، ثم قال تحت حديث الباب: هذا طريق آخر في حديث أُبي بن كعب، وفيه قوله: "يقول كذا وكذا" يعني: أنهما ليستا من القرآن. قوله: (قيل لي) أي: إنهما من القرآن، وهذا كان مما اختلف فيه الصحابة ثم ارتفع الخلاف ووقع الإجماع عليه، فلو أنكر اليوم أحد قرآنيتهما كفر، وقال بعضهم: ما كانت المسألة في قرآنيتهما بل في صفة من صفاتهما وخاصة من خاصتهما، ولا شك أن هذه الرواية تحتملها فالحمل عليها أولى، والله أعلم، فإن قلت: قد أخرج أحمد وابن حبان

стр. 2751

من رواية حماد بن سلمة عن عاصم بلفظ: أن ابن مسعود كان لا يكتب المعوذتين في مصحفه، وأخرج عبد الله بن أحمد في "زيادات المسند" والطبراني وابن مردويه من طريق الأعمش عن أبي إسحاق عن عبد الرحمن بن يزيد النخعي قال: كان عبد الله بن مسعود يحكّ المعوذتين من مصاحفه، ويقول: إنهما ليستا من القرآن أو من كتاب الله تعالى. قلت: قال البزار: لم يتابع ابن مسعود على ذلك أحد من الصحابة، وقد صح عن النبي ﷺ أنه قرأهما في الصلاة، وهو في "صحيح مسلم" عن عقبة بن عامر، وزاد فيه ابن حبان من وجه آخر عن عقبة بن عامر: "فإن استطعت أن لا تفوتك قراءتهما في صلاة فافعل" وأخرج أحمد من طريق أبي العلاء بن الشخير عن رجل من الصحابة: أن النبي ﷺ أقرأه المعوذتين، وقال له: "إذا أنت صليت فاقرأ بهما" وإسناده صحيح، وروى سعيد بن منصور من حديث معاذ بن جبل ﵁: أن النبي ﷺ صلى الصبح فقرأ فيهما بالمعوذتين، انتهى. وقال القسطلاني (١): وعنه - أي: عقبة بن عامر - أيضًا: أمرني رسول الله ﷺ أن أقرأ بالمعوذات في دبر كل صلاة، رواه أبو داود والترمذي، وعند النسائي عنه أيضًا: أن النبي ﷺ قرأ بهما في صلاة الصبح، وقد روي ذلك من طرق قد تفيد التواتر يطول إيرادها، والله الموفق للصواب، انتهى. وبسط الكلام على هذه المسألة في هامش "اللامع" (٢) فارجع إليه لو شئت، وفيه عن "الإتقان" للسيوطي. قال الحافظ ابن حجر: قد صح عن ابن مسعود إنكار ذلك، ثم قال بعد ذكر الروايات المروية عن ابن مسعود: إن أسانيدها صحيحة، فقول

стр. 2752

من قال: إنه كذب على ابن مسعود مردود، والطعن في الروايات الصحيحة بغير مستند لا يقبل، بل الروايات صحيحة والتأويل محتمل، وقد أوّله القاضي وغيره على إنكار الكتابة كما سبق، وهو تأويل حسن إلا أن الرواية الصريحة التي جاء فيها: "ويقول: إنهما ليستا من كتاب الله" تدفع ذلك، ويمكن حمل لفظ: كتاب الله، على المصحف فيتم التأويل المذكور، انتهى. وقوله: كما سبق، إشارة إلى ما تقدم في هامش "اللامع" أيضًا، وهو ما قال الحافظ: وقد تأول القاضي، أبو بكر الباقلاني في "كتاب الانتصار" وتبعه عياض وغيره ما حكي عن ابن مسعود فقال: لم ينكر ابن مسعود كونهما من القرآن وأنكر إثباتهما في المصحف، فإنه كان يرى أن لا يكتب في المصحف شيئًا إلا إن كان النبي ﷺ أذن في كتابته فيه، وكأنه لم يبلغه الإذن في ذلك، انتهى. قلت: بسط بحر العلوم الكلام على ذلك أشد البسط، وقال بعد نقل كلام صاحب "الإتقان" والنووي وابن حزم: فما قال الشيخ ابن حجر في شرح صحيح البخاري: أنه قد صح عن ابن مسعود إنكار ذلك، باطل لا يلتفت إليه، والذي صح عنه ما روى أحمد وابن حبان: أنه كان لا يكتب المعوذتين في مصحفه، وإنما صح خلو مصحفه عنها، إلى آخر ما بسط في هامش "اللامع". وقال الحافظ ابن كثير في "تفسيره" (١): وهذا مشهور عند كثير من القراء والفقهاء أن ابن مسعود كان لا يكتب المعوذتين في مصحفه، فلعله لم يسمعها من النبي ﷺ ولم يتواتر عنده، ثم قد رجع عن قوله ذلك إلى قول الجماعة، فإن الصحابة رضي الله تعالى عنهم أثبتوهما في المصاحف ونفذوها إلى سائر الآفاق كذلك، ولله الحمد والمنة، ثم ذكر

стр. 2753

عدة روايات صريحة دالة على كونهما من القرآن، فذكر حديث عقبة بن عامر المذكور قريبًا من عدة طرف، وذكر حديثين آخرين: أحدهما عن عبد الله الأسلمي هو ابن أنيس، وحديثًا آخر عن جابر بن عبد الله فارجع إليه لو شئت. قلت: وما يخطر ببالي من قديم الزمان أن السؤال في قوله: سألت أُبي بن كعب عن المعوذتين، ليسر عن قرآنيتهما بل مقصود السائل السؤال عن قراءة لفظ ﴿قُلْ﴾ كما هو في أول هاتين السورتين، والمعنى أقرأهما بلفظ قل أو بدونه؟ فقال: سألت رسول الله ﷺ فقال: "قيل لي" أي: أقرأنيهما جبريل بلفظ: "قل، فقلت" أي: قرأت بلفظ: قل، والله أعلم، وهذا آخر ما يتعلق بكتاب التفسير. أما براعة الاختتام فعند الحافظ كما تقدم في مقدمة "اللامع" (١) من قول الحافظ: وفي آخر التفسير تفسير المعوذتين، وأما عند هذا العبد الضعيف فقد تقدم أيضًا بلفظ: وفي آخر التفسير شرور الشيطان والنفس فإنها كلها من مهلكات الآخرة. * * *

стр. 2754

٦٦ - كتاب أبواب فضائل القرآن بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ هكذا في النسخ "الهندية"، وفي نسخ الشروح الثلاثة: "كتاب فضائل القرآن". قال العيني (١): ولم يقع لفظ كتاب إلا في رواية أبي ذر، والمناسبة بين كتاب التفسير وبين كتاب فضائل القرآن ظاهرة لا تخفى، والفضائل جمع فضيلة قال الجوهري: الفضل والفضيلة خلاف النقص والنقيصة، انتهى. وفي هامش "اللامع" (٢): قال السيوطي في "الإتقان": اختلف الناس هل في القرآن شيء أفضل من شيء، فذهب الأشعري والباقلاني وابن حبان إلى المنع؛ لأن الجميع كلام الله ولئلا يوهم التفضيل نقص المفضل عليه، وروي هذا عن مالك، وذهب الجمهور إلى التفضيل لظواهر الأحاديث، قال القرطبي: إنه الحق، وقال ابن الحصار: العجب ممن يذكر الاختلاف في ذلك مع النصوص الواردة في التفضيل، ثم ذكر في هامش "اللامع" كلام الإمام الغزالي عن "جواهر القرآن" فارجع إليه لو شئت. قال القسطلاني (٣): اختلف [هل] في القرآن شيء أفضل من شيء، فذهب الأشعري والقاضي أبو بكر إلى أنه لا فضل لبعضه على بعض؛ لأن الأفضل يشعر بنقص المفضول وكلام الله تعالى حقيقة واحدة لا نقص فيه، وقال قوم بالأفضلية لظواهر الأحاديث كحديث: "أعظم سورة في القرآن"،

стр. 2755

ثم اختلفوا فقال قوم: الفضل راجع إلى عظم الأجر والثواب، وقال آخرون: بل لذات اللفظ، وأن ما تضمنته آية الكرسي وآخر سورة الحشر وسورة الإخلاص من الدلالة على وحدانيته تعالى وصفاته ليس موجودًا مثلًا في ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ﴾ فالتفضيل بالمعاني العجيبة وكثرتها لا من حيث الصفة، وقال الجويني: من قال: إن ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ أبلغ من ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ﴾ بجعل مقابلة بين ذكر الله وذكر أبي لهب وبين التوحيد والدعاء على الكافرين فذلك غير صحيح، بل ينبغي أن يقال: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ﴾ دعاء عليه بالخسران فهل توجد عبارة للدعاء بالخسران أحسن من هذه، وكذلك في ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ لا توجد عبارة تدل على الوحدانية أبلغ منها، فالعالم إذا نظر إلى ﴿تَبَّتْ﴾ في باب الدعاء بالخسران ونظر إلى ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ في باب التوحيد لا يمكنه أن يقول: أحدهما أبلغ من الآخر، وهذا التقييد يغفل عنه من لا علم عنده بعلم البيان، ولعل الخلاف في هذه المسألة يلتفت إلى الخلاف المشهور: أن كلام الله شيء واحد أم لا؟ وعند الأشعري أنه لا يتنوع في ذاته بل بحسب متعلقاته، وليس لكلام الله الذي هو صفة ذاته بعض لكن بالتأويل والتعبير وفهم السامعين اشتمل على أنواع المخاطبات، ولولا تنزله في هذه المواقع لما وصلنا إلى فهم شيء منه، انتهى. (١ - باب كيف نزل الوحي وأول ما نزل. . .) إلخ قال الحافظ (١): قد تقدم البحث في كيفية نزوله في حديث عائشة: "إن الحارث بن هشام سأل النبي ﷺ كيف يأتيك الوحي" في أول الصحيح، وكذا أول نزوله في حديثها: "أول ما بدئ به رسول الله ﷺ من الوحي الرؤيا الصادقة" لكن التعبير بأول ما نزل أخص من التعبير بأول ما بدئ؛ لأن النزول يقتضي وجود من ينزل به، وأول ذلك مجيء الملك له عيانًا

стр. 2756

مبلغًا عن الله بما شاء من الوحي، وإيحاء الوحي أعم من أن يكون بإنزال أو بإلهام، سواء وقع ذلك في النوم أو في اليقظة، انتهى. قلت: ما أفاده الحافظ متعلق بالجزء الثاني من الترجمة، والظاهر عند هذا العبد الضعيف أن بين الترجمتين بين قوله: "كيف كان بدء الوحي" وبين قوله: "كيف نزل الوحي" عمومًا وخصوصًا من وجه، فإن المنظور في الأول بدء الوحي أعم من أن يكون قرآنًا أو غيره، والمنظور ههنا كيفية نزول القرآن كما يدل عليه ذكره في كتاب فضائل القرآن أعم من أن يكون بدءً أو لا، كما يظهر من ملاحظة الروايات الواردة في الباب، فتدبر. قوله: (قال ابن عباس: المهيمن الأمين) قال الحافظ (١): تقدم بيان هذا الأثر وذكر من وصله في تفسير سورة المائدة، وهو يتعلق بأصل الترجمة وهي فضائل القرآن، وتوجيه كلام ابن عباس: أن القرآن تضمن تصديق جميع ما أنزل قبله؛ لأن الأحكام التي فيه إما مقررة لما سبق، وإما ناسخة، وذلك يستدعي إثبات المنسوخ، وإما مجددة وكل ذلك دال على تفضيل المجدد، انتهى. قوله: (ما مثله آمن عليه البشر) كتب الشيخ قُدِّس سرُّه في "اللامع" (٢): أي من شأنه وشأن جنسه أن يصدقه المتحدى به فيكون معجزة له، انتهى. وبسط في هامشه في شرح هذا الحديث من كلام الشرَّاح أشد البسط فارجع إليه لو شئت. وقال القسطلاني (٣): وهذا الحديث أخرجه أيضًا في الاعتصام، ومسلم في الإيمان، والنسائي في التفسير وفضائل القرآن.

стр. 2757

(٢ - باب نزل القرآن بلسان قريش) أي: بلغة معظمهم، "والعرب" من عطف العام على الخاص، ﴿قُرْآنًا﴾ [الزخرف: ٣]، ولأبي ذر: "وقول الله تعالى: ﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ ". (﴿بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾) [الشعراء: ١٩٥] قال القاضي أبو بكر الباقلاني: لم تقم دلالة قاطعة على نزول القرآن جميعه بلسان قريش، بل ظاهر قوله تعالى: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ [الزخرف: ٣] أنه نزل بجميع ألسنة العرب لأن اسم العرب يتناول الجميع تناولًا واحدًا، وقال أبو شامة: أي ابتداء نزوله بلغة قريش، ثم أبيح أن يقرأ بلغة غيرهم، انتهى من "القسطلاني" (١). قال الحافظ (٢): أما نزوله بلغة قريش فمذكور في الباب من قول عثمان، وقد أخرج أبو داود من طريق كعب الأنصاري: "أن عمر كتب إلى ابن مسعود: أن القرآن نزل بلسان قريش، فأقرئ الناس بلغة قريش لا بلغة هذيل"، وأما عطف العرب عليه فمن عطف العام على الخاص: لأن قريشًا من العرب، وأما ما ذكره من الآيتين فهو حجة لذلك، وقد أخرج ابن أبي داود في "المصاحف" من طريق أخرى عن عمر قال: "إذا اختلفتم في اللغة فاكتبوها بلسان مضر"، انتهى. ومضر هو ابن نزار بن معد بن عدنان، وإليه تنتهي أنساب قريش وقيس وهذيل وغيرهم. وقال الحافظ أيضًا بعد نقل قول أبي شامة المذكور سابقًا: وتكملته أن يقال: إنه نزل أولًا بلسان قريش أحد الأحرف السبعة، ثم نزل بالأحرف السبعة المأذون في قرأتها تسهيلًا، كما سيأتي بيانه، فلما جمع عثمان الناس على حرف واحد رأى أن الحرف الذي نزل القرآن أولًا بلسانه أولى الأحرف، فحمل الناس عليه لكونه لسان النبي ﷺ ولما له من الأولية المذكورة، وعليه يحمل كلام عمر لابن مسعود أيضًا.

стр. 2758

وقال الحافظ أيضًا بعد ذكر حديث صفوان بن يعلى: وقد خفي وجه دخول هذا الحديث في هذا الباب على كثير من الأئمة حتى قال ابن كثير في "تفسيره": ذكر هذا الحديث في الترجمة التي قبل هذه أظهر وأبين، فلعل ذلك وقع من بعض النساخ، قال ابن بطال: مناسبة الحديث للترجمة أن الوحي كله متلوًّا كان أو غير متلوٍ إنما نزل بلسان العرب، ولا يرد على هذا كونه ﷺ بعث إلى الناس كافة عربًا وعجمًا وغيرهم؛ لأن اللسان الذي نزل عليه به الوحي عربي وهو يبلغه إلى طوائف العرب وهم يترجمونه لغير العرب بألسنتهم، ولذا قال ابن المنيِّر: كان إدخال هذا الحديث في الباب الذي قبله أليق، لكن لعله قصد التنبيه على أن الوحي بالقرآن والسُّنَّة كان على صفة واحدة ولسان واحد، انتهى. (٣ - باب جمع القرآن) المراد بالجمع ههنا جمع مخصوص وهو جمع متفرقه في صحف ثم جمع تلك الصحف في مصحف واحد مرتب السور، وسيأتي بعد ثلاثة أبواب "باب تأليف القرآن" والمراد به هناك تأليف الآيات في السورة الواحدة أو ترتيب السور في المصحف، انتهى من "الفتح" (١). وقد جمع القرآن ثلاث مرات، قال الخطابي: إنما لم يجمع النبي ﷺ في المصحف لما كان يترقبه من ورود ناسخ لبعض أحكامه أو تلاوته، فلما انقضى نزوله بموته ألهم الله الخلفاء الراشدين ذلك، وفاء بوعده الصادق بضمان حفظه على هذه الأمة، وكان ابتداء ذلك على يد الصديق بمشورة عمر ﵄، وقد كان القرآن كله كتب في عهد رسول الله ﷺ لكن غير مجموع في موضح واحد ولا مرتب السور، ولهذا قال الحاكم: جمع القرآن ثلاث مرات: أحدها: بحضرة النبي ﷺ ، وأخرج بسنده على شرط الشيخين عن زيد بن ثابت قال: "كنا جلوسًا عند رسول الله ﷺ نؤلف القرآن في

стр. 2759

الرقاع" الحديث، قال البيهقي: يشبه أن يكون المراد تأليف ما نزل من الآيات المفردة في سورها وجمعها فيها بإشارة النبي ﷺ ، والثانية: بحضرة أبي بكر المذكورة في حديث الباب، الثالث: جمع عثمان جمع الصحابة فنسخوها في المصاحف وكتبوها بلغة قريش، وأرسل إلى كل أفق بمصحف مما نسخوا، وكان ذلك في سنة خمس وعشرين، وأما ترتيب السور والآيات فالإجماع والنصوص مترادفة على أن ترتيب الآيات توقيفي ولا خلاف فيه بين المسلمين، انتهى من حاشية "الهندية" عن "اللمعات" (١). وقال السيوطي في "الإتقان": الإجماع والنصوص مترادفة على أن ترتيب الآيات توقيفي لا شبهة في ذلك، أما الإجماع فنقله غير واحد منهم الزركشي وأبو جعفر بن الزبير وعبارته: ترتيب الآيات في سورها واقع بتوقيفه ﷺ وأمره من غير خلاف في هذا بين المسلمين، ثم بسط السيوطي في النصوص الدالة على ذلك ذكر بعض منها في هامش "اللامع" (٢) فارجع إليه لو شئت. قوله: (مع أهل لعراق) كتب الشيخ قُدِّس سرُّه في "اللامع" (٣): متعلق بأهل الشام فهم من جملة الغازين أيضًا، انتهى. وفي هامشه: دفع الشيخ بذلك ظاهر ما يتوهم أن الغزوة كانت مع أهل العراق يعني يتوهم أن أهل العراق كانوا كفارًا، وأيضًا ظاهر قوله: "كان يغازي أهل الشام" أيضًا يوهم ذلك فدفعهما الشيخ بقوله: إن أهل الشام وأهل العراق كلاهما كانوا غزاة. قال القسطلاني: قوله: و"كان عثمان يغازي أهل الشام"، أي: يجهز أهل الشام، وأمر أهل الشام أن يجتمعوا مع أهل العراق في غزو أرمينية وأذربيجان وفتحهما، انتهى مختصرًا.

стр. 2760

قال الحافظ: والمراد أن أرمينية فتحت في خلافة عثمان وكان أمير العسكر من أهل العراق سلمان بن ربيعة الباهلي، وكان عثمان أمر أهل الشام وأهل العراق أن يجتمعوا على ذلك، وكان أمير أهل الشام على ذلك العسكر حبيب بن مسلمة الفهري، وكان حذيفة من جملة من غزا معهم وكان هو على أهل المدائن وهي من جملة أعمال العراق، وفي رواية يونس بن يزيد: اجتمع لغزوة أذربيجان وأرمينية أهل الشام وأهل العراق، واتفق غزوهما في سنة واحدة، واجتمع في غزوة كل واحد منها أهل الشام وأهل العراق، وكانت في سنة خمس وعشرين في السنة الثالثة أو الثانية من خلافة عثمان، انتهى مختصرًا. (٤ - باب كاتب النبي ﷺ -) وكانوا جماعة، ولم يذكر الإمام البخاري منهم غير زيد بن ثابت، ولعل غيره لم يكن على شرطه، ولا إشكال على الترجمة، فإنها بلفظ الإفراد، وقد أورد الحافظ ابن كثير على الإمام البخاري كما سيأتي في كلام الحافظ، ولعله وقع في بعض النسخ كما قال العيني (١): "باب كُتَّاب النبي ﷺ " بلفظ الجمع، والتوجيه ظاهر من أنه أشار بالترجمة إلى الجماعة، ولما لم يكن غير زيد على شرطه لم يذكر. قال العلامة العيني (٢): وكُتّاب النبي ﷺ كثيرون غير زيد بن ثابت؛ لأنه أسلم بعد الهجرة، وكان له ﷺ كُتّاب بمكة، فأوّل من كتب له بمكة من قريش عبد الله بن أبي سرح، ثم ارتد ثم عاد إلى الإسلام يوم الفتح، وكتب له في الجملة الخلفاء الأربعة والزبير بن العوام وخالد وأبان ابنا سعيد بن العاص بن أمية وحنظلة بن الربيع الأسدي ومعيقيب بن أبي فاطمة وعبد الله بن أرقم الزهري وشرحبيل بن حسنة وعبد الله بن رواحة، وأوّل من كتب بالمدينة أُبي بن كعب كتب له قبل زيد بن ثابت، وجماعة آخرون كتبوا له، انتهى.

стр. 2761

قال الحافظ (١): قال ابن كثير: ترجم كُتَّاب النبي ﷺ ، ولم يذكر سوى حديث زيد بن ثابت، وهذا عجيب وكأنه لم يقع له على شرطه غير هذا، ثم أشار إلى أنه استوفى بيان ذلك في السيرة النبوية. قال الحافظ: لم أقف في شيء من النسخ إلا بلفظ "كاتب" بالإفراد، وهو مطابق لحديث الباب، ثم ذكر أسماء كاتبي النبي ﷺ بنحو ما تقدم من كلام العيني. (٥ - باب أنزل القرآن على سبعة أحرف) أي: على سبعة أوجه، يجوز أن يقرأ بكل وجه منها، وليس المراد أن كل كلمة ولا جملة منه تقرأ على سبعة أوجه، بل المراد أن غاية ما انتهى إليه عدد القراآت في الكلمة الواحدة إلى سبعة. فإن قيل: فإنا نجد بعض الكلمات يقرأ على أكثر من سبعة أوجه؟ فالجواب: أن غالب ذلك إما لا يثبت الزيادة وإما أن يكون من قبيل الاختلاف في كيفية الأداء، كما في المدّ والإمالة ونحوهما، وقيل: ليس المراد بالسبعة حقيقة العدد بل المراد التسهيل والتيسير، ولفظ السبعة يطلق على إرادة الكثرة في الآحاد كما يطلق السبعين في العشرات، والسبعمائة في المئين، ولا يراد العدد المعين، وإلى هذا جنح عياض ومن تبعه، وذكر القرطبي عن ابن حبان أنه بلغ الاختلاف في معنى الأحرف السبعة إلى خمسة وثلاثين قولًا، ولم يذكر القرطبي منها سوى خمسة، وقال المنذري: أكثرها غير مختار، ولم أقف على كلام ابن حبان في هذا بعد تتبعي مظانه من "صحيحه"، وسأذكر ما انتهى إليّ من أقوال العلماء في ذلك مع بيان المقبول منها والمردود إن شاء الله تعالى في آخر هذا الباب، انتهى من "الفتح" (٢). وقد بسط الكلام في شرح هذا الحديث على عشرة أبحاث في "أوجز

стр. 2762

المسالك شرح موطأ الإمام مالك" (١) وفيه: قال الحافظ (٢): قد اختلف العلماء في المراد بالأحرف السبعة على أقوال كثيرة بلّغها أبو حاتم بن حبان إلى خمسة وثلاثين قولًا، وقال المنذري: أكثرها غير مختار، انتهى. وقال القاري: اختلف في معناه على أحد وأربعين قولًا، منها أنه مما لا يدرى معناه، انتهى. وقال ابن العربي: لم يأت في ذلك نص ولا أثر، وقال أبو جعفر محمد بن سعدان النحوي: هذا من المشكل الذي لا يدرى معناه؛ لأن الحرف يأتي لمعان: للهجاء والكلمة وللمعنى والجهة، قاله الزرقاني، قال السيوطي في "التنوير" و"زهر الربى": هذا أرجح الأقوال عندي، وبسط السيوطي في "الإتقان" الأربعين قولًا مع النسبة إلى قائليها، انتهى. (٦ - باب تأليف القرآن) قال الحافظ (٣): أي جمع آيات السورة الواحدة، أو جمع السور مرتبة في المصحف، وقال أيضًا: إن ترتيب الآيات توقيفي إجماعًا، وترتيب السور اجتهادي، ولذا أجمعوا على جواز أن يقرأ سورة قبل سورة بخلاف آية قبل آية، انتهى. والأوجه عند هذا العبد الضعيف أن المراد ههنا ترتيب السور، فإنه كان مختلفًا في زمانه، فإن ترتيب ابن مسعود غير ترتيب علي وأُبي، وإليه أشار المصنف بذكر الروايات في الباب. قوله: (فأملت عليه آي السور) قال العلامة القسطلاني (٤): أي: آيات كل سورة كأن قالت له مثلًا: سورة البقرة كذا وكذا آية، وهذا يؤيد أن السؤال وقع عن تفصيل آيات كل سورة، انتهى. وقال الحافظ في شرح حديث الباب (٥): وهذا كله على أن السؤال

стр. 2763

إنما وقع عن ترتيب السور، ويدل على ذلك قولها له: "وما يضرك أية قرأت قبل" ويحتمل أن يكون أراد تفصيل آيات كل سورة لقوله في آخر الحديث: "فأملت عليه آي السور" أي: آيات كل سورة كأن تقول له: سورة كذا مثلًا كذا كذا آية، الأولى كذا الثانية. . . إلخ، وهذا يرجع إلى اختلاف عدد الآيات، وفيه اختلاف بين المدني والشامي والبصري، وقد اعتنى أئمة القراء بجمع ذلك وبيان الخلاف فيه، والأول أظهر، ويحتمل أن يكون السؤال وقع عن الأمرين، والله أعلم، انتهى. قلت: والظاهر عندي في غرض المصنف ترتيب السور كما يدل عليه روايات الباب، وإن كان المراد في هذا الحديث تفصيل الآيات مع احتمال أنها ﵂ عدّت الآيات استطرادًا، وغرض السؤال كان ترتيب السور. (٧ - باب كان جبريل يعرض القرآن على النبي ﷺ -) بكسر الراء من العرض وهو بفتح العين وسكون الراء، أي: يقرأ، والمراد يستعرضه ما أقرأه إياه، وقال أيضًا في شرح قوله: "كان يعارضني بالقرآن": والمعارضة مفاعلة من الجانبين كأن كلًا منهما كان تارة يقرأ والآخر يستمع، انتهى من "الفتح" (١). قوله: (يعرض عليه رسول الله ﷺ القرآن) قال الحافظ (٢): هذا عكس ما وقع في الترجمة لأن فيها أن جبريل كان يعرض على النبي ﷺ ، وفي هذا أن النبي ﷺ كان يعرض على جبريل، وتقدم في بدء الوحي بلفظ: "وكان يلقاه في كل ليلة من رمضان، فيدارسه القرآن" فيحمل على أن كلًا منهما كان يعرض على الآخر، ويؤيده ما وقع في رواية أبي هريرة آخر أحاديث الباب كما سأوضحه، انتهى. قلت: وحديث الباب قد سبق أول الصحيح، وكذا في كتاب الصوم،

стр. 2764

وتقدم الكلام في أن العرض كان من جانب أو جانبين مع بيان اختلاف الروايات في كتاب الصوم فارجع إليه لو شئت. (٨ - باب القرَّاء من أصحاب النبي ﷺ -) قال الحافظ (١): أي الذين اشتهروا بحفظ القرآن والتصدي لتعليمه، وهذا اللفظ كان في عرف السلف أيضًا لمن تفقه في القرآن وذكر فيه ستة أحاديث، وقال بعد ذكر الحديث الأول: قال الكرماني: يحتمل أنه ﷺ أراد الإعلام بما يكون بعده، أي: أن هؤلاء الأربعة يبقون حتى ينفردوا بذلك، وتعقب بأنهم لم ينفردوا بل الذين مهروا في تجويد القرآن بعد العصر النبوي أضعاف المذكورين، وقد قتل سالم مولى أبي حذيفة بعد النبي ﷺ في وقعة اليمامة، ومات معاذ في خلافة عمر، ومات أُبي وابن مسعود في خلافة عثمان، وقد تأخر زيد بن ثابت وانتهت إليه الرئاسة في القراءة، وعاش بعدهم زمانًا طويلًا. فالظاهر: أنه أمر بالأخذ عنهم في الوقت الذي صدر فيه ذلك القول، ولا يلزم من ذلك أن لا يكون أحد في ذلك الوقت شاركهم في حفظ القرآن، بل كان الذي يحفظون مثل الذين حفظوه وأزيد منهم جماعة من الصحابة، وقد تقدم في غزوة بئر معونة أن الذين قتلوا بها من الصحابة كان يقال لهم: القراء وكانوا سبعين رجلًا، انتهى. (٩ - باب فضل فاتحة الكتاب) كذا في النسخة "الهندية" ونسخة "الفتح"، وفي نسخة "القسطلاني" "باب فاتحة الكتاب"، وفي نسخة "العيني" "باب فضائل فاتحة الكتاب". قال العيني (٢): ومن أول قوله: "باب فضائل القرآن" إلى هنا ليس فيها شيء يتعلق بفضائل القرآن نعم يتعلق بأمور القرآن، وهي التراجم التي ذكرها إلى هنا، انتهى.

стр. 2765

وقال الحافظ (١): ذكر فيه حديثين: أحدهما: حديث أبي سعيد بن المعلى في أنها أعظم سورة في القرآن، والمراد بالعظم عظم القدر بالثواب المرتب على قراءتها، وإن كان غيرها أطول منها، وذلك لما اشتملت عليه من المعاني المناسبة لذلك، ثانيهما: حديث أبي سعيد الخدري في الرقية بفاتحة الكتاب، وقد تقدم شرحه مستوفى في كتاب الإجارة، وهو ظاهر الدلالة على فضل الفاتحة، قال القرطبي: اختصت الفاتحة بأنها مبدأ القرآن وحاوية لجميع علومه لاحتوائها على الثناء على الله والإقرار بعبادته والإخلاص له وسؤال الهداية منه والإشارة إلى الاعتراف بالعجز عن القيام بنعمه وإلى شأن المعاد وبيان عاقبة الجاحدين إلى غير ذلك مما يقتضي أنها كلها موضع الرقية، وذكر الروياني في "البحر": أن البسملة أفضل آيات القرآن، وتعقب بحديث آية الكرسي وهو الصحيح، انتهى. وقال العلامة القسطلاني (٢): قال علي: لو أردت أن أملي (٣) وقر بعير على الفاتحة لفعلت، انتهى. (١٠ - فضل البقرة) كذا في النسخة "الهندية" بدون لفظ "باب" وهكذا في نسخة "القسطلاني"، وفي نسخة الحافظين ابن حجر والعيني: "باب فضل سورة البقرة". ذكر المصنف فيه حديثين وقع في الأول منهما قوله: "من قرأ بالآيتين من آخر سورة البقرة في ليلة كفتاه" قال الحافظ (٤): قوله: "كفتاه" أي: أجزأتا عنه من قيام الليل بالقرآن، وقيل: أجزأتا عنه عن قراءة القرآن مطلقًا سواء كان داخل الصلاة أم خارجها، وقيل معناه: أجزأتاه فيما يتعلق بالاعتقاد لما اشتملتا عليه من الإيمان والأعمال إجمالًا، وقيل معناه: كفتاه كل سوء، وقيل: شر الشيطان، وقيل: دفعتا عنه شر الإنس والجن، وقيل

стр. 2766

معناه: كفتاه ما حصل له بسببهما من الثواب عن طلب شيء آخر وكأنهما اختصتا بذلك لما تضمنتاه من الثناء على الصحابة بجميل انقيادهم إلى الله وابتهالهم ورجوعهم إليه وما حصل لهم من الإجابة إلى مطلوبهم، انتهى. وكتب الشيخ قُدِّس سرُّه في "الكوكب" (١): قوله: "كفتاه" أي: عن حق قراءة القرآن، فلو قرأ قارئ كل يوم آيتين لم يعد تاركًا للقراءة، وفيه وجوه أخر، انتهى. قال القسطلاني: عند الحاكم وصححه عن النعمان بن بشير رفعه: "إن الله كتب كتابًا وأنزل منه آيتين ختم بهما سورة البقرة لا يقرآن في دار فيقربها الشيطان ثلاث ليال" وزاد أبو عبيدة من مرسل ابن جبير: "فاقرؤوهما وعلّموهما أبناءكم فإنهما قرآن وصلاة ودعاء"، انتهى. (١١ - باب فضل سورة الكهف) وفي نسخ الشروح الثلاثة "باب فضل الكهف". قال الحافظ (٢): وسقط لفظ "باب" لغير أبي ذر في هذا والذي قبله والثلاثة بعده. قوله: (كان رجل يقرأ سورة الكهف) قال الحافظ (٣): قيل: هو أسيد بن حضير كما سيأتي من حديثه نفسه بعد ثلاثة أبواب، لكن فيه أنه كان يقرأ سورة البقرة، وفي هذا أنه كان يقرأ سورة الكهف وهذا ظاهره التعدد، وقد وقع قريب من القصة التي لأسيد لثابت بن قيس بن شماس لكن في سورة البقرة أيضًا، وأخرج أبو داود من طريق مرسلة قال: قيل للنبي ﷺ : ألم تر ثابت بن قيس لم تزل داره البارحة تزهر بمصابيح، قال: "فلعله قرأ سورة البقرة" فسئل قال: قرأت سورة البقرة، ويحتمل أن يكون قرأ سورة البقرة وسورة الكهف جميعًا، أو من كل منهما، انتهى.

стр. 2767

(١٢ - باب فضل سورة الفتح) وفي رواية غير أبي ذر بغير "باب" كما تقدم. (١٣ - باب ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ١] فيه عمرة عن عائشة. . .) إلخ قال الحافظ (١): هو طرف من حديث أوله: "أن النبي ﷺ بعث رجلًا على سرية فكان يقرأ لأصحابه في صلاتهم فيختم بقل هو الله أحد" الحديث وفي آخره: "أخبروه أن الله يحبه" وسيأتي موصولًا بتمامه في أول كتاب التوحيد، وتقدم في صفة الصلاة من وجه آخر عن أنس، وذهل الكرماني فقال: قوله: "فيه عمرة" أي: روت عن عائشة حديثًا في فضل سورة الإخلاص ولما لم يكن على شرطه لم يذكره بنصّه واكتفى بالإشارة إليه إجمالًا، كذا قال، وغفل عما في كتاب التوحيد، والله أعلم، انتهى. قوله: (ثلث القرآن) اختلفوا في معناه على أقوال بسطها الحافظ في "الفتح" وأجملها صاحب "التعليق الممجد" فقال (٢): قوله: "إنها لتعدل" أي: تساوي ثلث القرآن؛ لأن معاني القرآن ثلاثة علوم: علم التوحيد، وعلم الشرائع وعلم تهذيب الأخلاق، وسورة الإخلاص تشتمل على القسم الأشرف منها الذي هو كالأصل للقسمين وهو علم التوحيد، وقال الطيبي: وذلك لأن القرآن على ثلاثة أنحاء: قصص، وأحكام، وصفات الله ، و ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ﴾ متمحضة للصفات فهي ثلث القرآن، وقيل: ثوابها يضاعف بقدر ثلث القرآن، فعلى الأول لا يلزم من تكريرها استيعاب القرآن وختمه، وعلى الثاني يلزم، وقال ابن عبد البر: من لم يتأول هذا الحديث أخلص ممن اختار الرأي، وإليه ذهب أحمد وإسحاق فإنهما حملا الحديث على أن

стр. 2768

معناه أن لها فضلًا في الثواب تحريضًا على تعلمها لا أن قراءتها ثلاث مرات كقراءة القرآن، قال: وهذا لا يستقيم ولو قرأها مائتي مرة، كذا في "المرقاة" (١)، انتهى. وقال صاحب "التعليق" (٢) أيضًا: قد وقع النزاع بين طلبتي المستفيدين مني بحضرتي في أنه إذا قرأ سورة الإخلاص هل يجد ثواب قراءة تمام القرآن؟ فقال بعضهم: نعم مستندًا بهذا الحديث، ورده بعضهم بأن جمع الأثلاث إنما يبلغ إلى الواحد التام إذا كانت من جنس واحد وإلا فلا، فحضروا لديّ سائلين تحقيق الحق في ذلك فقلت: قد صرَّح جمع من الفقهاء والمحدثين لذلك، فقالوا: غرضنا أنه هل يستنبط ذلك من هذا الحديث أم لا؟ فقلت: إن كانت الثلثية معللة باشتمالها على ثلث معاني القرآن وهو التوحيد كما هو رأي جماعة فلا دلالة لهذا الحديث على حصول ثواب ختم القرآن للتثليث؛ لأن التثليث حينئذ يكون تثليثًا لآيات التوحيد فقط، ولا يشتمل على باقي القرآن، وإن حمل ذلك على كون ثوابه بقدر ثواب ثلث القرآن مع قطع النظر عما ذكر يمكن ثواب الختم التام للتثليث فانقطع النزاع بينهم، ثم وجدت في "معجم الطبراني الصغير" بسنده عن أبي هريرة مرفوعًا: "من قرأ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ بعد صلاة الصبح اثنتي عشر مرة فكأنما قرأ القرآن أربع مرات، وكان أفضل أهل الأرض يومئذ إذا اتقى" فصار هذا أدل على المقصود قاطعًا للنزاع، انتهى مختصرًا. (١٤ - باب فضل المعوذات) قال القسطلاني (٣): بكسر الواو، وثبت لفظ "باب" لأبي ذر، انتهى. قال الحافظ (٤): أي: الإخلاص والفلق والناس، وقد كنت جوَّزت في باب الوفاة النبوية من كتاب المغازي أن الجمع فيه بناء على أن أقل الجمع

стр. 2769

اثنان، ثم ظهر من حديث هذا الباب أنه على الظاهر وأن المراد به أنه كان يقرأ بالمعوذات، أي: السور الثلاث وذكر سورة الإخلاص معهما تغليبًا لما اشتملت عليه من صفة الرب وإن لم يصرِّح فيها بلفظ التعويذ، وقد أخرج أصحاب السنن الثلاثة وأحمد وابن خزيمة وابن حبان من حديث عقبة بن عامر قال: قال لي رسول الله ﷺ : " ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ و ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾ و ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾ تعوذ بهن فإنه لم يتعوذ بمثلهن" وفي لفظ: "اقرأ المعوذات دبر كل صلاة" فذكرهن، انتهى. (١٥ - باب نزول السكينة والملائكة عند قراءة القرآن) كذا جمع بين السكينة والملائكة ولم يقع في حديث الباب ذكر السكينة ولا في حديث البراء الماضي في فضل سورة الكهف ذكر الملائكة، فلعل المصنف كان يرى أنهما قصة واحدة، ولعله أشار إلى أن المراد بالظلة في حديث الباب السكينة، لكن ابن بطال جزم بأن الظلة السحابة وأن الملائكة كانت فيها ومعها السكينة، قال ابن بطال: قضية الترجمة أن السكينة تنزل أبدًا مع الملائكة (١)، انتهى. (١٦ - باب من قال: لم يترك النبي ﷺ إلا ما بين الدفتين) قال القسطلاني (٢): أي إلا ما جمعه الصحابة من القرآن بين الدفتين - بفتح الدال والفاء المشددة - أي: اللوحتين ولم يفتهم منه شيء لذهاب حملته ولم يكتموا منه شيئًا، خلافًا لما ادعته الروافض لتصحيح دعواهم الباطلة أن التنصيص على إمامة علي بن أبي طالب واستحقاقه للخلافة كان ثابتًا عند موت النبي ﷺ في القرآن فكتموه، وقال أيضًا تحت أثر محمد

стр. 2770

ابن الحنفية "ما ترك إلا ما بين الدفتين": ولا يرد على هذا حديث علي السابق في العلم: "ما عندنا إلا كتاب الله وما في هذه الصحيفة"؛ لأنه أراد الأحكام التي كتبها عنه ﷺ ولم ينف أن عنده أشياء أخر من الأحكام لم يكن كتمها، ونفي ابن عباس وابن الحنفية وارد على ما يتعلق بالنص في القرآن من إمامة علي، واستدل المؤلف ﵀ على بطلان مذهب الرافضة بمحمد ابن الحنفية أحد أئمتهم في دعواهم وهو ابن علي، وابن عباس ابن عمه وأشد الناس له لزومًا، فلو كان شيء مما ادعوه لكانا أحق الناس بالاطلاع عليه ولما وسعهما كتمانه، فللَّه در المؤلف ما أدق نظره وألطف إشارته ﵀ وإيانا، انتهى. وقال الحافظ (١) في شرح ترجمة الباب: قوله: "إلا ما بين الدفتين" أي: ما في المصحف وليس المراد أنه ترك القرآن مجموعًا بين الدفتين؛ لأن ذلك يخالف ما تقدم من جمع أبي بكر ثم عثمان، وهذه الترجمة ردّ على من زعم أن كثيرًا من القرآن ذهب لذهاب حملته، وهو شيء اختلقه الروافض لتصحيح دعواهم أن التنصيص على إمامة علي واستحقاقه الخلافة عند موت النبي ﷺ كان ثابتًا في القرآن، وأن الصحابة كتموه، وهي دعوى باطلة؛ لأنهم لم يكتموا مثل: "أنت عندي بمنزلة هارون من موسى" وغيرها من الظواهر التي قد يتمسك بها من يدعي إمامته، كما لم يكتموا ما يعارض ذلك، أو يخصص عمومه، أو يقيد مطلقه، وقد تلطف المصنف في الاستدلال على الرافضة بما أخرجه عن أحد أئمتهم، فذكر نحو ما تقدم عن القسطلاني. (١٧ - باب فضل القرآن على سائر الكلام) غرض المصنف عندي تقوية حديث الترمذي: "فضل كلام الله على سائر الكلام كفضل الله على سائر خلقه" ومن دأبه أنه قد يترجم لتأييد بعض

стр. 2771

الروايات بالأحاديث التي على شرطه. قال الحافظ (١): هذه الترجمة لفظ حديث أخرج الترمذي معناه من حديث أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ : "يقول الرب : من شغله القرآن عن ذكري وعن مسألتي أعطيته أفضل ما أعطي السائلين، وفضل كلام الله على سائر الكلام كفضل الله على خلقه" ورجاله ثقات إلا عطية العوفي وفيه ضعف، وأخرجه ابن عدي من رواية شهر بن حوشب عن أبي هريرة مرفوعًا: "فضل القرآن على سائر الكلام كفضل الله على خلقه" إلى آخر ما بسط الحافظ في تخريجه. قال القسطلاني (٢): وقال المظهري: ينبغي أن لا يظن القارئ أنه إذا لم يطلب من الله حوائجه لا يعطيه أكمل الإعطاء فإنه من كان لله كان الله له، وعن العارف أبي عبد الله بن خبيق قدَّس الله سرّه: شغل القرآن القيام بموجباته من إقامة فرائضه والاجتناب عن محارمه، فإن الرجل إذا أطاع الله فقد ذكره وإن قل صلاته وصومه، وإن عصاه نسيه وإن كثر صلاته وصومه، وعند ابن الضريس من طريق الجراح بن الضحاك عن علقمة بن مرثد عن أبي عبد الرحمن السلمي عن عثمان رفعه: "خيركم من تعلم القرآن وعلمه" ثم قال: "وفضل القرآن على سائر الكلام كفضل الله على خلقه" وذلك أنه منه، وقد بيَّن العسكري أن هذه الزيادة من قول أبي عبد الرحمن السلمي، انتهى. وقال الحافظ (٣): ثم ذكر المصنف في الباب حديثين، ومطابقة الحديث الأول بالترجمة من جهة ثبوت فضل قارئ القرآن على غيره فيستلزم فضل القرآن على سائر الكلام كما فضل الأترج على سائر الفواكه، ومناسبة الحديث الثاني من جهة ثبوت فضل هذه الأمة على غيرها من الأمم، وثبوت الفضل لها بما ثبت من فضل كتابها الذي أمرت بالعمل به، انتهى.

стр. 2772

قال الكرماني (١): فإن قلت: الترجمة بفضل القرآن وفي الحديث الأول فضل القارئ، وأما الحديث الثاني فلا دلالة على الترجمة فيه أصلًا، قلت: فضل القارئ بقراءة القرآن وكذلك فضل هذه الأمة على الأمم إنما هو بسبب القرآن، انتهى. (١٨ - باب الوصاة بكتاب الله) كذا في النسخة "الهندية" و"الفتح" و"القسطلاني"، وفي نسخة "العيني" "باب الوصاية بكتاب الله". قال القسطلاني (٢): بألف بعد الصاد، ولأبي ذر عن الكشميهني "الوصية" بالتحتية المشددة بدل الألف، انتهى. قال الحافظ (٣): في رواية الكشميهني "الوصية" وقد تقدم بيان ذلك في كتاب الوصايا، وتقدم فيه حديث الباب مشروحًا، وقوله فيه: "أوصى بكتاب الله" بعد قوله: "لا" حين قال له: هل أوصى بشيء؟ ظاهرهما التخالف وليس كذلك لأنه نفى ما يتعلق بالإمارة ونحو ذلك لا مطلق الوصية، والمراد بالوصية بكتاب الله حفظه حسًا ومعنى، فيكرم ويصان ولا يسافر به إلى أرض العدو، ويتبع ما فيه فيعمل بأوامره ويجتنب نواهيه، ويداوم تلاوته وتعلمه وتعليمه ونحو ذلك، انتهى. (١٩ - باب من لم يتغن بالقرآن) قال الحافظ (٤): هذه الترجمة لفظ حديث أورده المصنف في الأحكام من طريق ابن جريج عن ابن شهاب بسند حديث الباب بلفظ: "من لم يتغن بالقرآن فليس منا" وهو في "السنن" من حديث سعد بن أبي وقاص وغيره.

стр. 2773

قوله: (وقوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ﴾) [العنكبوت: ٥١] أشار بهذه الآية إلى ترجيح تفسير ابن عيينة: يتغنى يستغني، كما سيأتي في هذا الباب عنه، وأخرجه أبو داود عن ابن عيينة ووكيع جميعًا، وقد بيَّن إسحاق بن راهويه عن ابن عيينة أنه استغناء خاص، وكذا قال أحمد عن وكيع: يستغني به عن أخبار الأمم الماضية، وقد أخرج الطبري وغيره من طريق عمرو بن دينار عن يحيى بن جعدة قال: جاء ناس من المسلمين بكتب وقد كتبوا فيها بعض ما سمعوه من اليهود، فقال النبي ﷺ : "كفى بقوم ضلالة أن يرغبوا عمّا جاء به نبيهم إلى ما جاء به غيره إلى غيرهم"، فنزل ﴿أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ﴾ الآية، وقد خفي وجه مناسبة تلاوة هذه الآية هنا على كثير من الناس كابن كثير، فنفى أن يكون لذكرها وجه، على أن ابن بطال مع تقدمه قد أشار إلى المناسبة فقال: قال أهل التأويل في هذه الآية. . . فذكر أثر يحيى بن جعدة مختصرًا، قال: فالمراد بالآية الاستغناء عن أخبار الأمم الماضية، وليس المراد الاستغناء الذي هو ضد الفقر، قال: واتباع البخاري الترجمة بالآية يدل على أنه يذهب إلى ذلك، انتهى. وقال القسطلاني (١): قوله: "قال سفيان: تفسيره يستغني به" أي: عن غيره من الكتب السالفة، أو من الإكثار من الدنيا، وارتضى ذلك أبو عبيد في تفسيره وقال: إنه جائز في كلام العرب، واحتج بقول ابن مسعود ﵁: من قرأ آل عمران فهو غني، وقيل: المراد به الغنى المعنوي وهو غنى النفس وهو القناعة لا المحسوس الذي هو ضد الفقر، فإن ذلك لا يحصل بمجرد ملازمة القرآن، وقال النووي: معناه عند الشافعي وأصحابه وأكثر العلماء: تحسين الصوت به، انتهى. قال الطيبي: قال الشافعي: لو كان معنى يتغنى بالقرآن على الاستغناء

стр. 2774

لقال: يستغني، وتحسين الصوت هو يتغنى، ونقل ابن الجوزي عن الشافعي أن المراد به التحزن، قال في "الفتح": ولم أره صريحًا إنما قال في "مختصر المزني": وأحب أن يقرأ حدرًا وتحزينًا، انتهى. والحدر الإدراج من غير تمطيط، والتحزين رقة الصوت وتصيره كصوت الحزين، وقال ابن الأنباري في "الزاهر": المراد بالتغني التلذذ به كما يستلذ أهل الطرب بالغناء فأطلق عليه تغنيًا من حيث إنه يفعل عنده كما يفعل عند الغناء، وقيل: المراد الترنم به لحديث ابن أبي داود والطحاوي عن أبي هريرة ﵁: "حسن الترنم بالقرآن"، قال الطبري: والترنم لا يكون إلا بالصوت إذا حسنه القارئ وطرب به، قال: ولو كان معناه الاستغناء لما كان لذكر الصوت ولا لذكر الجهر معنى، انتهى. ويمكن كما في "الفتح" الجمع بين أكثر التأويلات المذكورة وهو أنه يحسن به صوته جاهرًا به مترنمًا على طريق التحزن مستغنيًا به عن غيره طالبًا به غنى النفس راجيًا به غنى اليد، انتهى. قال الحافظ (١): وسيأتي ما يتعلق بحسن الصوت في القرآن في ترجمة مفردة، ولا شك أن النفوس تميل إلى سماع القراءة بالترنم أكثر من ميلها لمن لا يترنم؛ لأن للتطريب تأثيرًا في رقة القلب وإجراء الدمع، وكان بين السلف اختلاف في جواز القرآن بالألحان، أما تحسين الصوت وتقديم حسن الصوت على غيره فلا نزاع في ذلك، ثم بسط الحافظ اختلاف العلماء في جواز القراءة بالألحان، انتهى. (٢٠ - باب اغتباط صاحب القرآن) تقدم في أوائل كتاب العلم: "باب الاغتباط في العلم والحكمة" وذكرت هناك تفسير الغبطة، والفرق بينها وبين الحسد، وأن الحسد في

стр. 2775

الحديث أطلق عليها مجازًا، قال الإسماعيلي: ترجمة الباب اغتباط صاحب القرآن وهذا فعل صاحب القرآن فهو الذي يغتبط، وإذا كان يغتبط بفعل نفسه كان معناه أنه يسر ويرتاح بعمل نفسه، وهذا ليس مطابقًا. قلت: ويمكن الجواب بأن مراد البخاري بأن الحديث لما كان دالًا على أن غير صاحب القرآن يغتبط صاحب القرآن بما أعطيه من العمل بالقرآن فاغتباط صاحب القرآن بعمل نفسه أولى إذا سمع هذه البشارة الواردة في حديث الصادق، انتهى (١). ويمكن عندي أن يقال: إن الاغتباط المذكور في الترجمة مصدر مضاف إلى مفعوله، أي: الاغتباط على صاحب القرآن، فحينئذ مطابقة الحديث بالترجمة ظاهرة، ثم إن الترجمة شارحة في أن المراد بالحسد في الحديث هو الغبطة، ولذا قال القسطلاني (٢): قوله: "باب اغتباط" أي: تمنى مثل ما له من نعمة القرآن من غير أن تتحول عنه. (٢١ - باب خيركم من تعلم القرآن وعلمه) قال الحافظ (٣): كذا ترجم بلفظ المتن وكأنه أشار إلى ترجيح الرواية بالواو، وقال أيضًا في شرح حديث الباب: قوله: "خيركم من تعلم القرآن وعلمه" كذا للأكثر، وللسرخسي "أو علمه" وهي للتنويع لا للشك، وكذا الأحمد عن غندر عن شعبة، وزاد في أوله: "إن"، وأكثر الرواة عن شعبة يقولونه بالواو، وكذا أخرجه الترمذي من حديث علي وهي أظهر من حيث المعنى؛ لأن التي بأو تقتضي إثبات الخيرية المذكورة لمن فعل أحد الأمرين، فيلزم أن من تعلم القرآن ولو لم يعلمه غيره أن يكون خيرًا ممن عمل بما فيه مثلًا وإن لم يتعلمه، ولا يقال يلزم على رواية الواو أيضًا أن من تعلمه وعلّمه غيره أن يكون أفضل ممن عمل بما فيه من غير أن يتعلمه

стр. 2776

ولم يعلمه غيره لأنا نقول: يحتمل أن يكون المراد بالخيرة من جهة حصول التعليم بعد العلم، والذي يعلم غيره يحصل له النفع المتعدي بخلاف من يعمل فقط بل من أشرف العمل تعليم الغير، فمعلم غيره يستلزم أن يكون تعلمه وتعليمه لغيره عمل وتحصيل نفع متعد، ولا يقال: لو كان المعنى حصول النفع المتعدي لاشترك كل من علم غيره علمًا ما في ذلك؛ لأنا نقول: القرآن أشرف العلوم، فيكون من تعلمه وعلمه لغيره أشرف ممن تعلم غير القرآن وإن علمه فيثبت المدعى، ولا شك أن الجامع بين تعلم القرآن وتعليمه مكمل لنفسه ولغيره جامع بين النفع القاصر والنفع المتعدي؛ ولهذا كان أفضل، وهو من جملة من عنى بقوله: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [فصلت: ٣٣] والدعاء إلى الله تعالى يقع بأمور شتى، من جملتها: تعليم القرآن وهو أشرف الجميع، وعكسه الكافر المانع لغيره من الإسلام، كما قال تعالى: ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَّبَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَصَدَفَ عَنْهَا﴾ [الأنعام: ١٥٧]، فإن قيل: فيلزم على هذا أن يكون المقرئ أفضل من الفقيه، قلنا: لا؛ لأن المخاطبين بذلك كانوا فقهاء النفوس لأنهم كانوا أهل اللسان فكانوا يدرون معاني القرآن بالسليقة أكثر مما يدريها من بعدهم بالاكتساب فكان الفقه لهم سجية، فمن كان في مثل شأنهم شاركهم في ذلك لا من كان قارئًا أو مقرئًا محضًا لا يفهم شيئًا من معاني ما يقرؤه أو يقرئه، انتهى. قوله: (وأقرأني أبو عبد الرحمن. . .) إلخ، هكذا في النسخ الهندية التي بأيدينا، ومحا والدي قُدِّس سرُّه عن نسخة كتابه لفظ "ني" وهو الصواب؛ فإنه لا يوجد في النسخ المصرية لكن حكاه الحافظ في "الفتح" (١) عن الكرماني أنه وقع في بعض نسخ البخاري: "قال سعد بن عبيدة: وأقرأني أبو عبد الرحمن" قال: وهي أنسب لقوله: وذاك الذي أقعدني إلخ، أي: أن

стр. 2777

إقراءه إياي هو الذي حملني على أن قعدت هذا المقعد الجليل، انتهى. والذي في معظم النسخ "وأقرأ" بحذف المفعول وهو الصواب، وكأن الكرماني ظن أن قائل: وذاك الذي أقعدني، هو سعد بن عبيدة وليس كذلك بل قائله أبو عبد الرحمن إلى آخر ما بسط. (٢٢ - باب القراءة عن ظهر القلب) ذكر فيه حديث سهل في الواهبة مطولًا، وهو ظاهر فيما ترجم له لقوله: فيه: "أتقرأهن عن ظهر قلبك؟ قال: نعم" فدل على فضل القراءة عن ظهر القلب لأنها أمكن في التوصل إلى التعليم، وقال ابن كثير: إن كان البخاري أراد بهذا الحديث الدلالة على أن تلاوة القرآن عن ظهر قلب أفضل من تلاوته نظرًا من المصحف، ففيه نظر؛ لأنها قضية عين فيحتمل أن يكون الرجل كان لا يحسن الكتابة وعلم النبي ﷺ ذلك، فلا يدل ذلك على أن التلاوة عن ظهر قلب أفضل في حق من يحسن ومن لا يحسن، وأيضًا فإن سياق هذا الحديث إنما هو لاستثبات أنه يحفظ تلك السور عن ظهر قلب ليتمكن من تعليمه لزوجته، وليس المراد أن هذا أفضل من التلاوة نظرًا ولا عدمه. قلت: ولا يرد على البخاري شيء مما ذكر؛ لأن المراد بقوله: "باب القراءة عن ظهر قلب" مشروعيتها أو استحبابها، والحديث مطابق لما ترجم به، ولم يتعرض لكونها أفضل من القراءة نظرًا، وقد صرَّح كثير من العلماء بأن القراءة من المصحف نظرًا أفضل من القراءة عن ظهر قلب، ثم ذكر الحافظ بعض الروايات الدالة على أفضلية قراءة القرآن نظرًا، ثم قال: لكن القراءة عن ظهر قلب أبعد من الرياء وأمكن للخشوع، والذي يظهر أن ذلك يختلف باختلاف الأحوال والأشخاص (١)، انتهى.

стр. 2778

وتعقب العلامة العيني (١): كلام الحافظ بأن المراد من الترجمة مشروعيتها أو استحبابها، ولم يتعرض لكونها أفضل. . . إلخ. قلت: سبحان الله ما أبعد هذا الجواب وأبرده، والباب مذكور في بيان فضائل القرآن، فكيف يقول ذلك، ولم يضع هذه الترجمة إلا لبيان أفضلية القراءة نظرًا، إلى آخر ما قال. (٢٣ - باب استذكار القرآن وتعاهده) أي: طلب ذكره بضم الذال، وتعاهده، أي: تجديد العهد به بملازمة تلاوته، انتهى من "الفتح" (٢). وهكذا قال العيني والقسطلاني. قوله: (بئسما لأحدهم أن يقول: نسيت آية كيت وكيت بل نُسِّي) كتب الشيخ في "اللامع" (٣): يعني بذلك: أنه لا ينبغي له التغافل وعليه أن يتعاهد القرآن، فإذا ذهب عنه مع تعاهده فهو تنسية من الله تعالى وليس بنسيان، ولا مؤاخذة فيه، ولا ينبغي له أن يغفل عنه حتى يلزم النوبة أن يقول: نسيته، انتهى. قال الحافظ في "الفتح" (٤): قال إسحاق بن راهويه: يكره للرجل أن يمر عليه أربعون يومًا لا يقرأ فيه القرآن، ثم ذكر حديث عبد الله بن مسعود: بئس ما لأحد أن يقول: نسيت آية كيت وكيت، انتهى. (٢٤ - باب القراءة على الدابة) قال الحافظ (٥): أي: لراكبها، وكأنه أشار إلى الرد على من كره ذلك وقد نقله ابن أبي داود عن بعض السلف، وتقدم البحث في كتاب الطهارة في قراءة القرآن في الحمام وغيرها، وقال ابن بطال: إنما أراد بهذه الترجمة

стр. 2779

أن في القراءة الدابة سُنَّة موجودة، وأصل هذه السُّنَّة قوله تعالى: ﴿لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ﴾ الآية [الزخرف: ١٣] ثم ذكر المصنف حديث عبد الله بن المغفل مختصرًا وقد تقدم بتمامه في تفسير سورة الفتح، ويأتي بعد أبواب، انتهى. (٢٥ - باب تعليم الصبيان القرآن) كأنه أشار إلى الرد على من كره ذلك، وقد جاءت كراهية ذلك عن سعيد بن جبير وإبراهيم النخعي، وأسنده ابن أبي داود عنهما، ولفظ إبراهيم: كانوا يكرهون أن يعلّموا الغلام القرآن حتى يعقل، وكلام سعيد بن جبير يدل على أن كراهة ذلك من جهة حصول الملال له، ولفظه عند ابن أبي داود أيضًا: كانوا يحبون أن يكون يقرأ الصبي بعد حين، وحجة من أجاز ذلك أنه أدعى إلى ثبوته ورسوخه عنده، كما يقال: التعلم في الصغر كالنقش في الحجر، وكلام سعيد بن جبير يدل على أنه يستحب أن يترك الصبي أولًا مرفهًا ثم يؤخذ بالجد على التدريج، والحق أن ذلك يختلف بالأشخاص، والله أعلم، انتهى من "الفتح" (١). وقال القسطلاني (٢): وعند ابن سعد بإسناد صحيح أن ابن عباس قال: سلوني عن التفسير فإني حفظت القرآن وأنا صغير، وفي "تهذيب النووي": إن سفيان بن عيينة حفظ القرآن وهو ابن أربع سنين، انتهى. (٢٦ - باب نسيان القرآن) كتب الشيخ قُدِّس سرُّه في "اللامع" (٣): يعني بذلك: أنه لا كراهة في إطلاق هذا اللفظ ونسبته إليه، وإنما المنهي التغافل وترك التعاهد المفضي إلى النسيان، انتهى.

стр. 2780

قال الحافظ (١): كأنه يريد أن النهي عن قوله: نسيت آية كذا وكذا، ليس للزجر عن هذا اللفظ بل للزجر عن تعاطي أسباب النسيان المقتضية لقول هذا اللفظ، ويحتمل أن ينزل المنع والإباحة على حالتين: فمن نشأ نسيانه عن اشتغاله بأمر دين كالجهاد لم يمتنع عليه قول ذلك؛ لأن النسيان لم ينشأ عن إهمال ديني، وعلى ذلك يحمل ما ورد من ذلك عن النبي ﷺ من نسبة النسيان إلى نفسه، ومن نشأ نسيانه عن اشتغاله بأمر دنيوي ولا سيما إن كان محظورًا امتنع عليه لتعاطيه أسباب النسيان، انتهى. قوله: (كنت أنسيتها) قال الإسماعيلي: النسيان من النبي ﷺ لشيء من القرآن يكون على قسمين: أحدهما: نسيانه الذي يتذكره عن قرب وذلك قائم بالطباع البشرية، كما قال في حديث السهو: "إنما أنا بشر مثلكم أنسى كما تنسون"، والثاني: أن يرفعه الله عن قلبه على إرادة نسخ تلاوته، وهو المشار إليه بالاستثناء في قوله تعالى: ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنْسَى (٦) إلا مَا شَاءَ اللَّهُ﴾ [الأعلى: ٦، ٧]. قال الحافظ (٢): وفي الحديث حجة لمن أجاز النسيان على النبي ﷺ فيما ليس طريقه البلاغ مطلقًا وكذا فيما طريقه البلاغ لكن بشرطين: أحدهما: أنه بعد ما يقع منه تبليغه، والآخر: أنه لا يستمر على نسيانه بل يحصل له تذكره إما بنفسه وإما بغيره، وهل يشترط في هذا الفور؟ قولان، فأما قبل تبليغه فلا يجوز عليه فيه النسيان أصلًا، وزعم بعض الأصوليين وبعض الصوفية أنه لا يقع منه نسيان أصلًا وإنما يقع منه صورته ليسن، قال عياض: لم يقل به من الأصوليين أحد إلا أبا المظفر الإسفرايني، انتهى من "الفتح".

стр. 2781

(٢٧ - باب من لم ير بأسًا أن يقول: سورة البقرة وسورة كذا) قال الحافظ (١): أشار بذلك إلى الرد على من كره ذلك، وقال: لا يقال إلا السورة التي يذكر فيها كذا، وقد تقدم في الحج من طريق الأعمش أنه سمع الحجاج بن يوسف على المنبر يقول: السورة التي يذكر فيها كذا، وأنه رد عليه بحديث أبي مسعود، قال عياض: حديث أبي مسعود حجة في جواز قول سورة البقرة ونحوها، وقد اختلف في هذا فأجازه بعضهم وكرهه بعضهم. قلت: وقد تقدم في أبواب الرمي من كتاب الحج أن إبراهيم النخعي أنكر قول الحجاج: لا تقولوا سورة البقرة، ففي رواية مسلم أنها سُنَّة، وأورد حديث أبي مسعود، وأقوى من هذا في الحجة ما أورده المصنف من لفظ النبي ﷺ ، وجاءت فيه أحاديث كثيرة صحيحة من لفظ النبي ﷺ . قال النووي "في الأذكار": يجوز أن يقول: سورة البقرة، إلى أن قال: وسورة العنكبوت، وكذلك الباقي، ولا كراهة في ذلك، وقال بعض السلف: يكره ذلك، والصواب الأول، وهو قول الجماهير، قلت: وقد جاء فيما يوافق ما ذهب إليه البعض المشار إليه حديث مرفوع عن أنس رفعه: "لا تقول سورة البقرة ولا سورة آل عمران ولا سورة النساء وكذلك القرآن كله" أخرجه أبو الحسين بن قانع في "فوائده" والطبراني في "الأوسط" وفي سنده عبيس بن ميمون العطار وهو ضعيف، وأورده ابن الجوزي في "الموضوعات" قلت: وقد تقدم في "باب تأليف القرآن" أن النبي ﷺ كان يقول: "ضعوها في السورة التي يذكر فيها كذا"، قال ابن كثير في تفسيره: ولا شك أن ذلك أحوط ولكن استقر الإجماع على الجواز، انتهى.

стр. 2782

(٢٨ - باب الترتيل في القراءة) أي: تبيين حروفها والتأني في أدائها ليكون أدعى إلى فهم معانيها. قوله: (قال ابن عباس: ﴿فَرَقْنَاهُ﴾ فصلناه) وصله ابن جريج من طريق علي بن أبي طلحة عنه، وعند أبي عبيد من طريق مجاهد أن رجلًا سأله عن رجل قرأ البقرة وآل عمران، ورجل قرأ البقرة فقط، قيامهما واحد وركوعهما واحد وسجودهما واحد، فقال: الذي قرأ البقرة فقط أفضل، ثم تلا: ﴿وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ﴾ [الإسراء: ١٠٦]، وعند ابن أبي داود من طريق أخرى عن أبي حمزة، قلت لابن عباس: إني رجل سريع القراءة إني لأقرأ القرآن في ليلة، فقال ابن عباس: لأن أقرأ سورة أحب إليّ، إن كنت لا بد فاعلًا فاقرأ قراءة تسمعها أذنيك ويوعيها قلبك، والتحقيق أن لكل من الإسراع والترتيل جهة فضل بشرط أن يكون المسرع لا يخل بشيء من الحروف والحركات والسكون الواجبات، فلا يمتنع أن يفضل أحدهما الآخر وأن يستويا، إلى آخر ما ذكر الحافظ في "الفتح" (١). (٢٩ - باب مدّ القراءة) المدّ عند القراء على ضربين: أصلي وهو إشباع الحرف الذي بعده ألف أو واو أو ياء، وغير أصلي وهو ما إذا أعقب الحرف الذي هذه صفته همزة وهو متصل ومنفصل، فالمتصل ما كان من لفظ الكلمة، والمنفصل ما كان بكلمة أخرى، فالأول: يؤتى فيه بالألف والواو والياء ممكنات من غير زيادة، والثاني: يزاد في تمكين الألف والواو والياء زيادة على المد الذي لا يمكن النطق بها إلا به من غير إسراف، والمذهب الأعدل أنه يمد كل حرف منها ضعفي ما كان يمده أولًا وقد يزاد على ذلك قليلًا وما أفرط فهو غير محمود، والمراد من الترجمة الضرب الأول، انتهى من "الفتح" (٢).

стр. 2783

وقال القسطلاني (١): "باب مد القراءة" في حروف المد وهي: و، ا، ي، المدّ الأصلي الذي لا تقوم ذواتها إلا به، ومباحث مقادير المد للهمزة للقراء مذكورة في الدواوين المؤلفة في ذكر قراءاتهم، انتهى. (٣٠ - باب الترجيع) في القراءة هو تقارب ضروب حركاتها وترديد الصوت في الحلق، قاله القسطلاني (٢). وقال الحافظ (٣): وقد فسره كما سيأتي في حديث عبد الله بن المغفل المذكور في هذا الباب في كتاب التوحيد بقوله: آء آء آء بهمزة مفتوحة بعدها ألف ساكنة ثم همزة أخرى، ثم قالوا: يحتمل أمرين: أحدهما: أن ذلك حدث من هزّ الناقة، والآخر: أنه أشبع المد في موضعه فحدث ذلك، وهذا الثاني أشبه بالسياق، فإن في بعض طرق: "لولا أن يجتمع الناس لقرأت لكم بذلك اللحن" أي: النغم، وقد ثبت الترجيع في غير هذا الموضع فأخرج الترمذي في "الشمائل" والنسائي وابن ماجه وابن أبي داود - واللفظ له - من حديث أم هانئ: "كنت أسمع صوت النبي ﷺ وهو يقرأ وأنا نائمة على فراشي يرجع القرآن" قال الشيخ ابن أبي جمرة: معنى الترجيع تحسين التلاوة لا ترجيع الغناء: لأن القراءة بترجيع الغناء تنافي الخشوع الذي هو مقصود التلاوة، انتهى. وقال القسطلاني (٤) في شرح قوله: "وهو يرجع": زاد في التوحيد: قال: آء آء آء، وهو محمول على إشباع في محله، وإذا جمعت هذا إلى قوله ﵊: "زينوا القرآن بأصواتكم" ظهر لك أن هذا الترجيع منه ﵊ كان اختيارًا لا اضطرارًا لهز الناقة له، فإنه لو كان لهز الناقة لما كان داخلًا تحت الاختيار، فلم يكن عبد الله بن مغفل

стр. 2784

يفعله ويحكيه اختيارًا ليتأسى به وهو يراه من هز الناقة له، ثم يقول: كان يرجع في قراءته فنسب الترجيع إلى فعله، وليس المراد ترجيع الغناء كما أحدثه قراء زماننا، عفا الله عنا وعنهم ووفقنا أجمعين لتلاوة كتابه على النحو الذي يرضيه عنا بمنّه وكرمه، انتهى. (٣١ - باب حسن الصوت بالقراءة) قال القسطلاني (١): ولا ريب أنه يستحب تحسين الصوت بالقراءة، وحكى النووي الإجماع عليه لكونه أوقع في القلب وأشد تأثيرًا وأرق لسامعه، فإن لم يكن القارئ حسن الصوت فليحسنه ما استطاع، فمن جملة تحسينه أن يراعي فيه قوانين النغم فإن الحسن الصوت يزداد حسنًا بذلك، وهذا إذا لم يخرج عن التجويد المعتبر عند أهل القراءات، فإن خرج عنها لم يف تحسين الصوت بقبح الأداء، انتهى. قال الحافظ (٢): وقد تقدم في "باب من لم يتغن بالقرآن" نقل الإجماع على استحباب سماع القرآن من ذي الصوت الحسن، وأخرج ابن أبي داود من طريق ابن أبي مسجعة قال: كان عمر يقدم الشاب الحسن الصوت لحسن صوته بين يدي القوم، انتهى. (٣٢ - باب من أحب أن يسمع القرآن من غيره) في رواية الكشميهني "القراءة" بدل "القرآن"، ذكر فيه حديث ابن مسعود: "قال لي النبي ﷺ : اقرأ عليّ القرآن" أورده مختصرًا، ثم أورده مطولًا في الباب الذي بعده، قال ابن بطال: يحتمل أن يكون أحب أن يسمعه من غيره ليكون عرض القرآن سُنَّة، ويحتمل أن يكون لكي يتدبره ويتفهمه، وذلك أن المستمع أقوى على التدبر ونفسه أخلى وأنشط لذلك من القارئ لاشتغاله بالقراءة وأحكامها، وهذا بخلاف قراءته هو ﷺ على

стр. 2785

أُبي بن كعب كما تقدم في المناقب وغيرها، فإنه أراد أن يعلمّه كيفية أداء القراءة ومخارج الحروف ونحو ذلك، انتهى من "الفتح" (١). (٣٣ - باب قول المقرئ للقارئ: حسبك) قال القسطلاني (٢): "باب قول المقرئ" أي: الذي يقرأ غيره "للقارئ" أي: الذي يقرأ عليه "حسبك" أي: يكفيك. وقال بعد ذكر حديث الباب: وفي الحديث كما قال النووي: استحباب استماع القراءة والإصغاء إليها والبكاء عندها والتدبر فيها، واستحباب طلب القراءة من الغير ليستمع عليه وهو أبلغ في التدبر كما مر، وهذا الحديث سبق في سورة النساء، انتهى. قلت: وسكت الشرَّاح عن غرض الترجمة ولعل الغرض منه الإشارة إلى جواز هذا القول؛ لأنه يتوهم المنع عن الخير، وثبوت الجواز لفعله ﷺ ظاهر. (٣٤ - باب في كم يقرأ القرآن، وقول الله تعالى: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ﴾ [المزمل: ٢٠]) قال الحافظ (٣): كأنه أشار إلى الرد على من قال: أقل ما يجزئ من القراءة في كل يوم وليلة جزء من أربعين جزءًا من القرآن، وهو منقول عن إسحاق بن راهويه والحنابلة؛ لأن عموم قوله: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ﴾ يشمل أقل من ذلك فمن ادعى التحديد فعليه البيان، وقد أخرج أبو داود من وجه آخر عن عبد الله بن عمرو: "في كم يقرأ القرآن؟ قال: في أربعين يومًا، ثم قال: في شهر" الحديث ولا دلالة فيه على المدعى. وقال الحافظ (٤) أيضًا: وقد خفيت مناسبة حديث أبي مسعود بالترجمة

стр. 2786

على ابن كثير، والذي يظهر أنها من جهة أن الآية المترجم بها تناسب ما استدل به ابن عيينة من حديث أبي مسعود، والجامع بينهما أن كلًّا من الآية والحديث يدل على الاكتفاء بخلاف ما قال ابن شبرمة، ولأبي عبيد من طريق الطيب بن سلمان عن عمرة عن عائشة: "أن النبي ﷺ كان لا يختم القرآن في أقل من ثلاث" فهذا اختيار أحمد وأبي عبيدة وإسحاق بن راهويه وغيرهم، وثبت عن كثير من السلف أنهم قرءوا القرآن في دون ذلك. قال النووي: والاختيار أن ذلك يختلف بالأشخاص فمن كان من أهل الفهم وتدقيق الفكر استحب له أن يقتصر على القدر الذي لا يختل به المقصود من التدبر واستخراج المعاني، وكذا من كان له شغل بالعلم أو غيره من مهمات الدين ومصالح المسلمين العامة يستحب له أن يقتصر منه على القدر الذي لا يخل بما هو فيه، ومن لم يكن كذلك فالأولى له الاستكثار ما أمكنه من غير خروج إلى الملل ولا يقرءوه هذرمة، والله تعالى أعلم، انتهى. وقال القسطلاني (١) تحت حديث عبد الله بن عمرو: "فاقرأه في سبع ولا تزد على ذلك" وليس النهي للتحريم كما أن الأمر في جميع ما مر في الحديث ليس للوجوب، خلافًا لبعض الظاهرية، حيث قال بحرمة قراءته في أقل من ثلاث، وأكثر العلماء كما قاله النووي على عدم التقدير في ذلك، وإنما هو بحسب النشاط والقوة إلى أن قال: وقد كان بعضهم يختم في اليوم والليلة، وبعضهم ثلاثًا، وكان ابن الكاتب الصوفي يختم أربعًا بالنهار وأربعًا بالليل، وقد رأيت بالقدس الشريف في سنة سبع وستين وثمانمائة رجلًا يكنى بأبي الطاهر من أصحاب الشيخ شهاب الدين بن رسلان ذكر لي أنه كان يقرأ في اليوم والليلة خمس عشرة ختمة، وثبتني في ذلك في هذا

стр. 2787

الزمن شيخ الإسلام البرهان بن أبي شريف المقدسي نفع الله بعلومه، وأما الذين ختموا القرآن في ركعة فلا يحصون كثرة، منهم عثمان وتميم الداري وسعيد بن جبير، والله تعالى يهب ما يشاء لمن يشاء، انتهى من "القسطلاني". وبسط الكلام على هذه المسألة في "الأوجز" وفيه (١): قال ابن قدامة: يستحب أن يقرأ القرآن في كل سبعة أيام ليكون له ختمة في كل أسبوع، وهكذا في "نيل المآرب" في فقه الحنابلة إلى آخر ما بسط، وفيه أيضًا: قال القاري: وقد روي عن الشيخ موسى السدراني من أصحاب الشيخ أبي مدين المغربي أنه كان يختم في الليل والنهار سبعين ألف ختمة، ونقل عنه أنه ابتدأ بعد تقبيل الحجر وختم في محاذاة الباب بحيث سمعه بعض الأصحاب حرفًا حرفًا، انتهى. قلت: وهذا من الغرائب وقد روى الحسن بن زياد عن الإمام الأعظم أبي حنيفة أنه قال: قراءة القرآن في كل سنة مرتين إعطاء لحقه لأنه ﷺ عرض على جبريل ﵇ في السنة التي قبض فيها مرتين، انتهى. (٣٥ - باب البكاء عند قراءة القرآن) قال الحافظ (٢): قال النووي: البكاء عند قراءة القرآن صفة العارفين وشعار الصالحين، قال الله تعالى: ﴿وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ﴾ [الإسراء: ١٠٩]، ﴿خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا﴾ [مريم: ٥٨] والأحاديث فيه كثيرة، قال الغزالي: يستحب البكاء مع القراءة وعندها، وطريق تحصيله أن يحضر قلبه الحزن والخوف بتأمل ما فيه من التهديد والوعيد الشديد والوثائق والعهود ثم ينظر تقصيره في ذلك، وإن لم يحضره حزن فليبك على فقد ذلك وأنه من أعظم المصائب.
следующие страницы →