← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 853

الأبواب والتراجم لصحيح البخاري

محمد زكريا الكاندهلوي

Полный текст (3 740 стр.). Показаны 2783–2822 · переход к 2788.

стр. 2783

وقال القسطلاني (١): "باب مد القراءة" في حروف المد وهي: و، ا، ي، المدّ الأصلي الذي لا تقوم ذواتها إلا به، ومباحث مقادير المد للهمزة للقراء مذكورة في الدواوين المؤلفة في ذكر قراءاتهم، انتهى. (٣٠ - باب الترجيع) في القراءة هو تقارب ضروب حركاتها وترديد الصوت في الحلق، قاله القسطلاني (٢). وقال الحافظ (٣): وقد فسره كما سيأتي في حديث عبد الله بن المغفل المذكور في هذا الباب في كتاب التوحيد بقوله: آء آء آء بهمزة مفتوحة بعدها ألف ساكنة ثم همزة أخرى، ثم قالوا: يحتمل أمرين: أحدهما: أن ذلك حدث من هزّ الناقة، والآخر: أنه أشبع المد في موضعه فحدث ذلك، وهذا الثاني أشبه بالسياق، فإن في بعض طرق: "لولا أن يجتمع الناس لقرأت لكم بذلك اللحن" أي: النغم، وقد ثبت الترجيع في غير هذا الموضع فأخرج الترمذي في "الشمائل" والنسائي وابن ماجه وابن أبي داود - واللفظ له - من حديث أم هانئ: "كنت أسمع صوت النبي ﷺ وهو يقرأ وأنا نائمة على فراشي يرجع القرآن" قال الشيخ ابن أبي جمرة: معنى الترجيع تحسين التلاوة لا ترجيع الغناء: لأن القراءة بترجيع الغناء تنافي الخشوع الذي هو مقصود التلاوة، انتهى. وقال القسطلاني (٤) في شرح قوله: "وهو يرجع": زاد في التوحيد: قال: آء آء آء، وهو محمول على إشباع في محله، وإذا جمعت هذا إلى قوله ﵊: "زينوا القرآن بأصواتكم" ظهر لك أن هذا الترجيع منه ﵊ كان اختيارًا لا اضطرارًا لهز الناقة له، فإنه لو كان لهز الناقة لما كان داخلًا تحت الاختيار، فلم يكن عبد الله بن مغفل

стр. 2784

يفعله ويحكيه اختيارًا ليتأسى به وهو يراه من هز الناقة له، ثم يقول: كان يرجع في قراءته فنسب الترجيع إلى فعله، وليس المراد ترجيع الغناء كما أحدثه قراء زماننا، عفا الله عنا وعنهم ووفقنا أجمعين لتلاوة كتابه على النحو الذي يرضيه عنا بمنّه وكرمه، انتهى. (٣١ - باب حسن الصوت بالقراءة) قال القسطلاني (١): ولا ريب أنه يستحب تحسين الصوت بالقراءة، وحكى النووي الإجماع عليه لكونه أوقع في القلب وأشد تأثيرًا وأرق لسامعه، فإن لم يكن القارئ حسن الصوت فليحسنه ما استطاع، فمن جملة تحسينه أن يراعي فيه قوانين النغم فإن الحسن الصوت يزداد حسنًا بذلك، وهذا إذا لم يخرج عن التجويد المعتبر عند أهل القراءات، فإن خرج عنها لم يف تحسين الصوت بقبح الأداء، انتهى. قال الحافظ (٢): وقد تقدم في "باب من لم يتغن بالقرآن" نقل الإجماع على استحباب سماع القرآن من ذي الصوت الحسن، وأخرج ابن أبي داود من طريق ابن أبي مسجعة قال: كان عمر يقدم الشاب الحسن الصوت لحسن صوته بين يدي القوم، انتهى. (٣٢ - باب من أحب أن يسمع القرآن من غيره) في رواية الكشميهني "القراءة" بدل "القرآن"، ذكر فيه حديث ابن مسعود: "قال لي النبي ﷺ : اقرأ عليّ القرآن" أورده مختصرًا، ثم أورده مطولًا في الباب الذي بعده، قال ابن بطال: يحتمل أن يكون أحب أن يسمعه من غيره ليكون عرض القرآن سُنَّة، ويحتمل أن يكون لكي يتدبره ويتفهمه، وذلك أن المستمع أقوى على التدبر ونفسه أخلى وأنشط لذلك من القارئ لاشتغاله بالقراءة وأحكامها، وهذا بخلاف قراءته هو ﷺ على

стр. 2785

أُبي بن كعب كما تقدم في المناقب وغيرها، فإنه أراد أن يعلمّه كيفية أداء القراءة ومخارج الحروف ونحو ذلك، انتهى من "الفتح" (١). (٣٣ - باب قول المقرئ للقارئ: حسبك) قال القسطلاني (٢): "باب قول المقرئ" أي: الذي يقرأ غيره "للقارئ" أي: الذي يقرأ عليه "حسبك" أي: يكفيك. وقال بعد ذكر حديث الباب: وفي الحديث كما قال النووي: استحباب استماع القراءة والإصغاء إليها والبكاء عندها والتدبر فيها، واستحباب طلب القراءة من الغير ليستمع عليه وهو أبلغ في التدبر كما مر، وهذا الحديث سبق في سورة النساء، انتهى. قلت: وسكت الشرَّاح عن غرض الترجمة ولعل الغرض منه الإشارة إلى جواز هذا القول؛ لأنه يتوهم المنع عن الخير، وثبوت الجواز لفعله ﷺ ظاهر. (٣٤ - باب في كم يقرأ القرآن، وقول الله تعالى: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ﴾ [المزمل: ٢٠]) قال الحافظ (٣): كأنه أشار إلى الرد على من قال: أقل ما يجزئ من القراءة في كل يوم وليلة جزء من أربعين جزءًا من القرآن، وهو منقول عن إسحاق بن راهويه والحنابلة؛ لأن عموم قوله: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ﴾ يشمل أقل من ذلك فمن ادعى التحديد فعليه البيان، وقد أخرج أبو داود من وجه آخر عن عبد الله بن عمرو: "في كم يقرأ القرآن؟ قال: في أربعين يومًا، ثم قال: في شهر" الحديث ولا دلالة فيه على المدعى. وقال الحافظ (٤) أيضًا: وقد خفيت مناسبة حديث أبي مسعود بالترجمة

стр. 2786

على ابن كثير، والذي يظهر أنها من جهة أن الآية المترجم بها تناسب ما استدل به ابن عيينة من حديث أبي مسعود، والجامع بينهما أن كلًّا من الآية والحديث يدل على الاكتفاء بخلاف ما قال ابن شبرمة، ولأبي عبيد من طريق الطيب بن سلمان عن عمرة عن عائشة: "أن النبي ﷺ كان لا يختم القرآن في أقل من ثلاث" فهذا اختيار أحمد وأبي عبيدة وإسحاق بن راهويه وغيرهم، وثبت عن كثير من السلف أنهم قرءوا القرآن في دون ذلك. قال النووي: والاختيار أن ذلك يختلف بالأشخاص فمن كان من أهل الفهم وتدقيق الفكر استحب له أن يقتصر على القدر الذي لا يختل به المقصود من التدبر واستخراج المعاني، وكذا من كان له شغل بالعلم أو غيره من مهمات الدين ومصالح المسلمين العامة يستحب له أن يقتصر منه على القدر الذي لا يخل بما هو فيه، ومن لم يكن كذلك فالأولى له الاستكثار ما أمكنه من غير خروج إلى الملل ولا يقرءوه هذرمة، والله تعالى أعلم، انتهى. وقال القسطلاني (١) تحت حديث عبد الله بن عمرو: "فاقرأه في سبع ولا تزد على ذلك" وليس النهي للتحريم كما أن الأمر في جميع ما مر في الحديث ليس للوجوب، خلافًا لبعض الظاهرية، حيث قال بحرمة قراءته في أقل من ثلاث، وأكثر العلماء كما قاله النووي على عدم التقدير في ذلك، وإنما هو بحسب النشاط والقوة إلى أن قال: وقد كان بعضهم يختم في اليوم والليلة، وبعضهم ثلاثًا، وكان ابن الكاتب الصوفي يختم أربعًا بالنهار وأربعًا بالليل، وقد رأيت بالقدس الشريف في سنة سبع وستين وثمانمائة رجلًا يكنى بأبي الطاهر من أصحاب الشيخ شهاب الدين بن رسلان ذكر لي أنه كان يقرأ في اليوم والليلة خمس عشرة ختمة، وثبتني في ذلك في هذا

стр. 2787

الزمن شيخ الإسلام البرهان بن أبي شريف المقدسي نفع الله بعلومه، وأما الذين ختموا القرآن في ركعة فلا يحصون كثرة، منهم عثمان وتميم الداري وسعيد بن جبير، والله تعالى يهب ما يشاء لمن يشاء، انتهى من "القسطلاني". وبسط الكلام على هذه المسألة في "الأوجز" وفيه (١): قال ابن قدامة: يستحب أن يقرأ القرآن في كل سبعة أيام ليكون له ختمة في كل أسبوع، وهكذا في "نيل المآرب" في فقه الحنابلة إلى آخر ما بسط، وفيه أيضًا: قال القاري: وقد روي عن الشيخ موسى السدراني من أصحاب الشيخ أبي مدين المغربي أنه كان يختم في الليل والنهار سبعين ألف ختمة، ونقل عنه أنه ابتدأ بعد تقبيل الحجر وختم في محاذاة الباب بحيث سمعه بعض الأصحاب حرفًا حرفًا، انتهى. قلت: وهذا من الغرائب وقد روى الحسن بن زياد عن الإمام الأعظم أبي حنيفة أنه قال: قراءة القرآن في كل سنة مرتين إعطاء لحقه لأنه ﷺ عرض على جبريل ﵇ في السنة التي قبض فيها مرتين، انتهى. (٣٥ - باب البكاء عند قراءة القرآن) قال الحافظ (٢): قال النووي: البكاء عند قراءة القرآن صفة العارفين وشعار الصالحين، قال الله تعالى: ﴿وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ﴾ [الإسراء: ١٠٩]، ﴿خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا﴾ [مريم: ٥٨] والأحاديث فيه كثيرة، قال الغزالي: يستحب البكاء مع القراءة وعندها، وطريق تحصيله أن يحضر قلبه الحزن والخوف بتأمل ما فيه من التهديد والوعيد الشديد والوثائق والعهود ثم ينظر تقصيره في ذلك، وإن لم يحضره حزن فليبك على فقد ذلك وأنه من أعظم المصائب.

стр. 2788

وقال الحافظ أيضًا تحت حديث الباب: وأخرج ابن المبارك في "الزهد" من طريق سعيد بن المسيب قال: ليس من يوم إلا يعرض على النبي ﷺ -أمته غدوة وعشية، فيعرفهم بسيماهم وأعمالهم فلذلك يشهد عليهم، انتهى. قوله: (قال يحيى: بعض الحديث عن عمرو بن مرة) قال الحافظ (١): وحاصله: أن الأعمش سمع الحديث المذكور من إبراهيم النخعي وسمع بعضه من عمرو بن مرة عن إبراهيم، وقد أوضحت ذلك في تفسير سورة النساء أيضًا، ويظهر لي أن القدر الذي عند الأعمش عن عمرو بن مرة من هذا الحديث من قوله: "فقرأت النساء" إلى آخر الحديث، وأما ما قبله إلى قوله: "أن أسمعه من غيري" فهو عند الأعمش عن إبراهيم كما هو في الطريق الثانية في هذا الباب، وكذا أخرجه المصنف من وجه آخر عن الأعمش قبل ببابين، وتقدم قبل بباب واحد عن محمد بن يوسف الفريابي عن سفيان الثوري مقتصرًا على طريق الأعمش عن إبراهيم من غير تبيين التفصيل الذي في رواية يحيى القطان عن الثوري، وهو يقتضي أن في رواية الفريابي إدراجًا، وقوله في هذه الرواية: "عن أبيه" هو معطوف على قوله عن سليمان، وهو الأعمش وحاصله: أن الثوري روى هذا الحديث عن الأعمش، ورواه أيضًا عن أبيه وهو سعيد بن مسروق عن أبي الضحى، ورواية إبراهيم عن عبيدة عن ابن مسعود موصولة، ورواية أبي الضحى عن ابن مسعود منقطعة، انتهى. قوله: (يعني تسفحان عن أبيه. . .) إلخ، هكذا في النسخ الهندية وليس هذا اللفظ في الشروح الثلاثة بل انتهى فيها على قوله: "تذرفان" ووجّه المحشي بقوله: لعل المراد أن هذا التفسير رواه الثوري في رواية عن أبيه، انتهى.

стр. 2789

ولم يتعرض له في تقرير الوالد المغفور له ولا في تقرير مولانا أنور شاه ﵀. (٣٦ - باب من رايا بقراءة القرآن) هكذا في النسخة "الهندية" وكذا في نسخة "العيني" و"القسطلاني"، وفي نسخة "الفتح": "باب إثم من راءى" قال الحافظ (١): كذا للأكثر وفي رواية "رايا" بتحتانية بدل الهمزة، و"تأكل" أي: طلب الأكل، وقوله: "أو فجر به" للأكثر بالجيم، وحكى ابن التِّين أن في رواية بالخاء المعجمة، ثم ذكر في الباب ثلاثة أحاديث: أحدها: حديث علي في ذكر الخوارج، وقد تقدم في علامات النبوة، والحديث الثاني: حديث أبي سلمة عن أبي سعيد في ذكر الخوارج أيضًا، وسيأتي شرحه أيضًا في استتابة المرتدين، وتقدم من وجه آخر في علامات النبوة ومناسبة هذين الحديثين للترجمة أن القراءة إذا كانت لغير الله فهي للرياء أو للتأكل به ونحو ذلك، فالأحاديث الثلاثة دالة لأركان الترجمة لأن منهم من رايا به وإليه الإشارة في حديث أبي موسى، ومنهم من تأكل به وهو مخرج من حديثه أيضًا، ومنه من فجر به وهو مخرج من حديث علي وأبي سعيد، والحديث الثالث: حديث أبي موسى الذي تقدم مشروحًا في "باب فضل القرآن على سائر الكلام" وهو ظاهر فيما ترجم له، انتهى. قوله: (وريحها مر) وسيأتي في كتاب التوحيد وكذا في الأطعمة في "باب قراءة الفاجر والمنافق" بلفظ: "لا ريح لها" وهكذا تقدم بلفظ "لا ريح لها" في "باب فضل القرآن على سائر الكلام". قال الحافظ (٢) في "باب فضل القرآن": قوله: "لا ريح لها" في رواية شعبة: "وريحها مر" واستشكلت هذه الرواية من جهة أن المرارة من أوصاف

стр. 2790

الطعوم فكيف يوصف بها الريح؟ وأجيب بأن ريحها لما كان كريهًا استعير له وصف المرارة، انتهى. قلت: ويمكن الجواب عنه عندي أن بعض الأشياء يدرك طعمها في الفم بالريح والشم كبعض الأشياء الحامضة وذوي المرارة، وهكذا يظهر حلاوه بعض الفواكه بالشم وهو مشاهد. وقال العيني (١): أثبت الريح هناك ونفى ههنا؛ لأن المنفي الريح الطيبة بقرينة المقام، والمثبت المر، انتهى. وقال الكرماني مجيبًا عن هذا الإشكال: قلت: المقصود منهما واحد وذلك هو بيان عدم النفع لا له ولا لغيره وربما كان مضرًا فمعناه: لا ريح لها نافعة، انتهى. (٣٧ - باب اقرؤوا القرآن ما ائتلفت قلوبكم) أي: ما اجتمعت قلوبكم عليه، يعني: اقرءوه على نشاط منكم وخواطركم مجموعة، فإذا حصل لكم ملالة فاتركوه فإنه أعظم من أن يقرأه أحد من غير حضور القلب، كذا فسَّره الطيبي. وقال الكرماني: الظاهر أن المراد اقرؤوا ما دام بين أصحاب القراءة ائتلاف فإذا حصل اختلاف فقوموا عنه، وقال ابن الجوزي: كان اختلاف الصحابة يقع في القراءات واللغات فأمروا بالقيام عند الاختلاف لئلا يجحد أحدهم ما يقرؤه الآخر فيكون جاحدًا لما أنزل الله ، انتهى من "العيني" (٢). وقال القسطلاني (٣): وحمله القاضي عياض على الزمن النبوي خوف

стр. 2791

نزول ما يسوء ويحتمل كما في "الفتح" أن يكون المعنى: اقرءوا والزموا الائتلاف على ما دل عليه وقاد إليه، فإذا وقع الاختلاف، أي: أو عرض عارض شبهة يقتضي المنازعة الداعية إلى الافتراق فاتركوا القراءة، وتمسكوا بالمحكم الموجب للألفة وأعرضوا عن المتشابه المؤدي إلى الفرقة، قال: وهو كقوله ﷺ : "فإذا رأيتم الذين يتبعون المتشابه منه فاحذروهم"، انتهى. ومناسبة الحديث الأخير قال العيني (١): مطابقته للترجمة في آخر الحديث، انتهى. يعني: في النهي عن المخالفة وهو ضد الائتلاف، والحديث قد مر في "الإشخاص"، وقال العيني أيضًا: واعلم أن الاختلاف المنهي هو الخارج عن اللغات السبع أو ما لا يكون متواترًا، وأما غيره فهو رحمة لا بأس به وذلك مثل الاختلاف بزيادة الواو ونقصانها في ﴿قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ﴾ [يونس: ٦٨] وبالجمع والإفراد ﴿كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ﴾ [الأنبياء: ١٠٤] والكتاب، إلى آخر ما ذكر من الأمثلة. ثم البراعة عند الحافظ كما تقدم في "مقدمة اللامع" (٢) من قوله: وفي آخر فضائل القرآن: "اختلفوا فأهلكوا"، انتهى. وهكذا عندي في قوله: "فأهلكهم الله". * * *

стр. 2792

٦٧ - كتاب النكاح تقدم مناسبة هذا الكتاب بما قبله في "مقدمة اللامع" (١) من كلام الحافظ قُدِّس سرُّه، وكذا من هذا العبد الضعيف من أن النكاح يحصل به النسل والذرية التي يقوم منها جيل بعد جيل يحفظون أحوال التنزيل، انتهى. قال الحافظ (٢): النكاح في اللغة الضم والتداخل، وتجوَّز من قال: إنه الضم، وقال الفراء: النكح بضم ثم سكون اسم الفرج، ويجوز كسر أوله، وكثر استعماله في الوطء وسمي به العقد لكونه سببه، وقال أبو القاسم الزجاجي: هو حقيقة فيهما، وقال الفارسي: إذا قالوا: نكح فلانة أو بنت فلان فالمراد العقد، وإذا قالوا: نكح زوجته فالمراد الوطء، ويكون في المحسوسات وفي المعاني، قالوا: نكح المطر الأرض ونكح النعاس عينه، وفي الشرع حقيقة في العقد مجاز في الوطء على الصحيح، والحجة في ذلك كثرة وروده في الكتاب والسُّنَّة للعقد حتى قيل: إنه لم يرد في القرآن إلا للعقد، ولا يرد مثل قوله: ﴿حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٠] لأن شرط الوطء في التحليل إنما ثبت بالسُّنَّة وإلا فالعقد لا بد منه؛ لأن قوله: ﴿حَتَّى تَنْكِحَ﴾ معناه حتى تتزوج، أي: يعقد عليها، ومفهومه أن ذلك كاف بمجرده لكن بيَّنت السُّنَّة أن لا عبرة بمفهوم الغاية بل لا بد بعد العقد من ذوق العسيلة، كما أنه لا بد بعد ذلك من التطليق ثم العدة، نعم أفاد أبو الحسين بن فارس أن النكاح لم يرد في القرآن إلا للتزويج إلا في قوله تعالى: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ﴾ [النساء: ٦] فإن المراد به الحلم، والله أعلم. وفي وجه للشافعية كقول الحنفية أنه حقيقة في الوطء مجاز في العقد،

стр. 2793

وقيل: مقول بالاشتراك على كل منهما، وبه جزم الزجاجي وهذا الذي يترجح في نظري وإن كان أكثر ما يستعمل في العقد، ورجح بعضهم الأول بأن أسماء الجماع كلها كنايات لاستقباح ذكره، فيبعد أن يستعير من لا يقصد فحشًا اسم ما يستفظعه لما لا يستفظعه فدل على أنه في الأصل للعقد، وهذا يتوقف على تسليم المدعى أنها كلها كنايات، وقد جمع اسم النكاح ابن القطاع فزادت على الألف، انتهى. قال العلامة العيني (١): وفي "التوضيح": وللنكاح عدة أسماء جمعها أبو القاسم اللغوي فبلغت ألف اسم وأربعين اسمًا، انتهى. وفي هامش "اللامع" (٢): اختلف في معناه لغة وشرعًا وفي حكمه عند الفقهاء، كما بسط في "الأوجز"، وفيه: قال الموفق في "المغني": النكاح في الشرع عقد التزويج، وقال القاضي: الأشبه في أصلنا أنه حقيقة في العقد والوطء جميعًا، وفي "الدر المختار": هو عند الفقهاء عقد يفيد ملك المتعة، وعند أهل الأصول واللغة حقيقة في الوطء مجاز في العقد، وليس لنا عبادة شرعت من عهد آدم إلى الآن ثم تستمر في الجنة إلا النكاح والإيمان، واختلف في حكم النكاح وهو فرض عين؛ كالصوم والصلاة مطلقًا عند داود وغيره من الظاهرية، وأما عند الأئمة الأربعة فواجب عند التوقان كما هو المعروف، لكن المنصوص في كتب الشافعية أنه مستحب غير واجب عند التوقان أيضًا، ففي "الإقناع" النكاح مستحب لتائق له بتوقانه للوطء إن وجد أهبته من مهر وكسوة فضل التمكين ونفقة يومه تحصينًا لدينه، سواء كان مشتغلًا بالعبادة أم لا، فإن فقد أهبته فتركه أولى، وكسر إرشادًا توقانه بصوم، انتهى. وهكذا ذكر مذهب الشافعية العلامة النووي والحافظ والقسطلاني،

стр. 2794

وأما في غير حال التوقان فمندوب عند الأئمة الثلاثة ومباح عند الشافعية، وحكي عن الحنفية الوجوب عينًا أو كفاية، وحكي أيضًا أنه فرض كفاية، وفي "الدر المختار": أنه سُنَّة مؤكدة، انتهى من هامش "اللامع". وسيأتي الكلام على حكم النكاح في الباب الآتي أيضًا. (١ - الترغيب في النكاح لقول الله تعالى: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء: ٣]) كذا في النسخة "الهندية" بدون لفظ "باب" وكذا في نسخة "القسطلاني"، وفي نسخة الحافظين ابن حجر والعيني بزيادة لفظ "باب". قال الحافظ (١): وجه الاستدلال أنها صيغة أمر تقتضي الطلب وأقل درجاته الندب فثبت الترغيب، وقال القرطبي: لا دلالة فيه لأن الآية سيقت لبيان ما يجوز الجمع بينه من أعداد النساء، ويحتمل أن يكون البخاري انتزع ذلك من الأمر بنكاح الطيب مع ورود النهي عن ترك الطيب ونسبة فاعله إلى الاعتداء في قوله تعالى: ﴿لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا﴾ [المائدة: ٨٧]، وقد اختلف في النكاح فقال الشافعية: ليس عبادة، ولهذا لو نذره لم ينعقد، وقال الحنفية: هو عبادة، والتحقيق أن السورة التي يستحب فيها النكاح تستلزم أن يكون حينئذ عبادة، فمن نفى نظر إليه في حد ذاته، ومن أثبت نظر إلى الصورة المخصوصة، انتهى. وقال القسطلاني (٢) بعد ذكر حديث الباب: وفيه الترغيب في النكاح وقد اختلف هل هو من العبادات أو المباحات، فقال الحنفية: هو سُنَّة مؤكدة على الأصح، وقال الشافعية: من المباحات، قال القمولي في "شرح الوسيط" المسمى بالبحر: نص الإمام على أن النكاح من الشهوات لا من القربات، وإليه أشار الشافعي في "الأم" حيث قال: قال الله تعالى:

стр. 2795

﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [آل عمران: ١٤] وقال ﵊: "حبب إليّ من دنياكم الطيب والنساء" وابتغاء النسل به أمر مظنون، ثم لا يدرى أصالح أم طالح، إلى آخر ما بسط الكلام عليه من كلام الشيخ ابن الهمام وغيره، وفي تراجم شيخ مشايخنا الدهلوي (١): فإن قلت: الأمر في قوله: ﴿فَانْكِحُوا﴾ للإباحة فمن أين فهم البخاري الترغيب؟ قلت: فهمه من سوق الكلام بيانه أن الله تعالى أشار عند صورة العدل إلى نكاح النساء، وعند خوف عدم العدل في ذلك إلى نكاح الواحدة أو التسري، فنبَّه بذلك على أن النكاح أمر مهم في صورة العدل في ذلك، انتهى. (٢ - باب قول النبي ﷺ : من استطاع منكم الباءة. . .) إلخ بالموحدة والهمزة المفتوحتين وتاء التأنيث ممدودًا، وقد لا يهمز ولا يمد، وقد يهمز ويمد من غير هاء، انتهى من "القسطلاني" (٢). قوله: (وهل يتزوج) كأنه يشير إلى ما وقع بين ابن مسعود وعثمان فعرض عليه عثمان فأجابه بالحديث، فاحتمل أن يكون لا أرب فيه له فلم يوافقه، واحتمل أن يكون وافقه وإن لم ينقل ذلك، ولعله رمز إلى ما بين العلماء فيمن لا يتوق إلى النكاح هل يندب إليه أم لا؟ وسأذكر ذلك بعد (٣)، انتهى. قلت: وتقدم الكلام عليه في أول كتاب النكاح. قوله: (من استطاع منكم الباءة. . .) إلخ، قال الحافظ (٤): قال النووي: اختلف العلماء في المراد بالباءة هنا على قولين يرجعان إلى معنى واحد، أصحهما: أن المراد معناها اللغوي وهو الجماع، فتقديره: من استطاع

стр. 2796

منكم الجماع لقدرته على مؤنه وهي مؤن النكاح فليتزوج، ومن لم يستطع الجماع لعجزه عن مؤنه فعليه بالصوم ليدفع شهوته ويقطع شر منيه كما يقطعه الوجاء، وعلى هذا القول وقع الخطاب مع الشباب الذين هم مظنة شهوة النساء ولا ينفكون عنها غالبًا. والقول الثاني: أن المراد هنا بالباءة مؤن النكاح سميت باسم ما يلازمها، والذي حمل القائلين بهذا على ما قالواه قوله: "ومن لم يستطع فعليه بالصوم" قالوا: والعاجز عن الجماع لا يحتاج إلى الصوم لدفع الشهوة، فجواب تأويل الباءة على المؤن، وانفصل القائلون بالأول عن ذلك بالتقدير المذكور، انتهى إلى آخر ما بسط الكلام عليه الحافظ قُدِّس سرُّه فارجع إليه لو شئت المزيد. وقد بسط الحافظ أيضًا الكلام على حكم النكاح وقال: وقد قسم العلماء الرجل في التزويج إلى أقسام، ثم بسطها، وأيضًا ذكر عدة روايات واردة في الترغيب بالنكاح، وذكر من جملتها الحديث المعروف على الألسنة لكن لم يخرجه بل أحاله على السابق حيث قال: وقد تقدم في الباب الأول الإشارة إلى حديث عائشة: "النكاح سُنَّتي فمن رغب عن سُنَّتي فليس مني"، انتهى. لكن لم أجد تلك الإشارة في الباب الأول فليتتبع. (٣ - باب من لم يَسْتطع الباءةَ فلْيصُم) قال الحافظ (١): أورد فيه حديث ابن مسعود المذكور في الباب قبله، وهذا اللفظ ورد في رواية الثوري عن الأعمش في حديث الباب فعند الترمذي عنه بلفظ: "فمن لم يستطع الباءة فعليه بالصوم" وعند النسائي بلفظ: "ومن لا فليصم"، انتهى.

стр. 2797

(٤ - باب كثرة النساء) يعني لمن قدر على العدل بينهن، وهكذا قال القسطلاني والعيني (١). قلت: ولعل المصنف أراد الترغيب إليها يعني بالشرط الذي ذكره الشرَّاح. قوله: (كان عند النبي ﷺ تسع) أي: عند موته وهن: سودة وعائشة وحفصة وأم سلمة وزينب بنت جحش وأم حبيبة وجويرية وصفية وميمونة ﵅، هذا ترتيب تزويجه إياهن، ومات وهن في عصمته، واختلف في ريحانة هل كانت زوجة أو سرية وهل ماتت قبله أو لا. قوله: (كان يقسم لثمان ولا يقسم لواحدة) زاد مسلم في روايته: قال عطاء: التي لا يقسم لها صفية بنت حيي بن أخطب، قال عياض: قال الطحاوي: هذا وهم وصوابه سودة كما تقدم أنها وهبت يومها لعائشة، وإنما غلط فيه ابن جريج راويه عن عطاء، كذا قال، قال عياض: قد ذكروا في قوله تعالى: ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ﴾ [الأحزاب: ٥١] أنه آوى عائشة وحفصة وزينب وأم سلمة، فكان يستوفي لهن القسم وأرجى سودة وجويرية وأم حبيبة وميمونة وصفية فكان يقسم لهن ما شاء، قال: فيحتمل أن تكون رواية ابن جريج صحيحة ويكون ذلك في آخر أمره حيث آوى الجميع فكان يقسم لجميعهن إلا لصفية، قلت: وقد أخرج ابن سعد من ثلاثة طرق: "أن النبي ﷺ كان يقسم لصفية كما يقسم لنسائه"، لكن في الأسانيد الثلاثة الواقدي وليس بحجة، فيترجح أن مراد ابن عباس بالتي لا يقسم لها سودة كما قاله الطحاوي، لحديث عائشة: "أن سودة وهبت يومها لعائشة" وسيأتي في باب مفرد قبل كتاب الطلاق بأربعة وعشرين بابًا، والراجح عندي ما ثبت في "الصحيح"، ولعل البخاري حذف هذه الزيادة عمدًا، انتهى من "الفتح" (٢).

стр. 2798

(فائدة): ذكر الحافظ في حكمة استكثاره ﷺ من النساء عشرة أوجه، فارجع إليه لو شئت (١). (٥ - باب من هاجر أو عمِلَ خيرًا لتزويج امرأةٍ فله ما نوى) قال الحافظ (٢): ذكر فيه حديث عمر بلفظ "العمل بالنية، وإنما لامرئ ما نوى" وقد تقدم شرحه مستوفى في أول الكتاب، وما ترجم به من الهجرة منصوص في الحديث، ومن عمل الخير مستنبط لأن الهجرة من جملة أعمال الخير، فكما عمم في الخير في شق المطلوب وتممه بلفظ "فهجرته إلى ما هاجر إليه" فكذلك شق الطلب يشمل أعمال الخير هجرة أو حجًّا مثلًا أو صلاة أو صدقة، وقصة مهاجر أم قيس أوردها الطبراني مسندة والآجري في "كتاب الشريعة" بغير إسناد، انتهى. قال القسطلاني (٣): قال في "الفتح": وهو محمول على أنه رغب في الإسلام ودخله من وجه وضم إلى ذلك إرادة التزويج المباح فصار كمن نوى بصومه العبادة والحمية، وأما إذا نوى العبادة وخالطها شيء مما يغاير الإخلاص فقد نقل أبو جعفر بن جرير الطبري عن جمهور السلف: أن الاعتبار بالابتداء، فإن كان في ابتدائه لله خالصًا لم يضره ما عرض له بعد ذلك من إعجاب وغيره، والله أعلم. (٦ - باب تزويج المُعْسِر الذي معه القرآن والإسلام، فيه سهل بن سعد) يعني: حديث سهل بن سعد في قصة التي وهبت نفسها، وما ترجم به مأخوذ من قوله: "التمس ولو خاتمًا من حديد"، فالتمس فلم يجد شيئًا ومع

стр. 2799

ذلك زوجه، ثم ذكر طرفًا من حديث ابن مسعود "كنا نغزو وليس لنا نساء، فقلنا: يا رسول الله ألا نستخصي؟ فنهانا عن ذلك" وقد تلطف المصنف في استنباطه الحكم كأنه يقول: لما نهاهم عن الاختصاء مع احتياجهم إلى النساء - وهم مع ذلك لا شيء لهم كما صرَّح به في نفس هذا الخبر كما سيأتي تامًا بعد باب واحد - وكان كل منهم لا بد وأن يكون حفظ شيئًا من القرآن فيتعين التزويج بما معهم من القرآن، فحكمة الترجمة من حديث سهل بالتنصيص ومن حديث ابن مسعود بالاستدلال، انتهى (١). (٧ - باب قول الرجل لأخيه: انظر أي زوجتي شئت حتى أنزل لك عنها) هذه الترجمة لفظ حديث عبد الرحمن بن عوف في البيوع، قاله الحافظ (٢). قال القسطلاني (٣): قوله: "حتى أنزل لك" بفتح الهمزة وكسر الزاي، أي: أطلقها، فإذا انقضت عدتها تزوجها، وحديث الباب قد مر في البيع، انتهى. قال الحافظ (٤): وفي الحديث ما كانوا عليه من الإيثار حتى بالنفس والأهل، وفيه جواز نظر الرجل إلى المرأة عند إرادة تزويجها، وجواز المواعدة بطلاق المرأة وسقوط الغيرة في مثل ذلك، إلى آخر ما ذكر. ولا يبعد عندي أنه أشار إلى الجواز لما يدل على التحريم ما ورد من الوعيد عن الخطبة على خطبة أخيه وسؤال المرأة طلاق أختها، وعلى هذا لا يلزم التكرار بما سيأتي من "باب النظر إلى المرأة قبل التزويج".

стр. 2800

(٨ - باب ما يكره من التبتل والخِصَاء) قال الحافظ (١): المراد بالتبتل هنا الانقطاع عن النكاح وما يتبعه من الملاذ إلى العبادة، وأما المأمور به في قوله تعالى: ﴿وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا﴾ [المزمل: ٨] فقد فسَّره مجاهد فقال: أخلص له إخلاصًا، وهو تفسير معنى، وإلا فأصل التبتل الانقطاع، والمعنى انقطع إليه انقطاعًا، لكن لما كانت حقيقة الانقطاع إلى الله إنما تقع بإخلاص العبادة له فسَّرها بذلك، ومنه صدقة بتلة، أي: منقطعة عن الملك، ومريم البتول لانقطاعها عن التزويج إلى العبادة، وقيل لفاطمة: "البتول" إما لانقطاعها عن الأزواج غير علي أو لانقطاعها عن نظرائها في الحسن والشرف. قوله: (والخصاء) هو الشق على الأنثيين وانتزاعهما. وإنما قال: "ما يكره من التبتل والخصاء" للإشارة إلى أن الذي يكره من التبتل هو الذي يفضي إلى التنطع وتحريم ما أحل الله، وليس التبتل من أصله مكروهًا، وعطف الخصاء عليه لأن بعضه يجوز في الحيوان المأكول، انتهى. وقد تقدم حكم الاختصاء في تفسير سورة المائدة. (٩ - باب نكاح الأبكارِ) قال العيني (٢): وهو جمع بكر، والبكر خلاف الثيب، وهي التي لم توطأ واستمرت على حالتها الأولى، ويقعان على الرجل والمرأة، ومنه "البكر بالبكر جلد مائة ونفي سنة" انتهى بزيادة من "الفتح". قلت: لعل غرض المصنف من الترجمة التأييد لما ورد من الترغيب في نكاح الأبكار، وفي "الإقناع" (٣): ويسن أن يتزوج بكرًا لخبر الصحيحين

стр. 2801

عن جابر: "هلا بكرًا تلاعبها وتلاعبك" إلا لعذر كضعف آلته عن الافتضاض - إزالة البكارة - أو احتياجه لمن يقوم على عياله، انتهى. (١٠ - باب تزويج الثيبات) جمع ثيِّبة بمثلثة ثم تحتانية ثقيلة مكسورة ثم موحدة ضد البكر، انتهى من "الفتح" (١). قال العيني (٢): وقال بعضهم: جمع ثيِّبة وليس كذلك بل جمع ثيب، انتهى. قوله: "فهلا جارية تلاعبها. . ." إلخ، كتب الشيخ في "اللامع" (٣): ودلالة الحديث على الترجمة فيما لم يذكر ههنا، وهو أنه ﷺ حسّن فعله، انتهى. وفي هامشه: لم يتعرض الشرَّاح قاطبة عن غرض الإمام البخاري بالترجمة إلا ما في "التيسير" إذ قال: أي في بيان جواز نكاح الثيب، انتهى معربًا. وإليه يظهر ميل العلامة العيني إذ قال: مطابقته للترجمة في قوله: "ثيبًا" انتهى. وظاهر ألفاظ الترجمة والحديث الوارد فيها أن غرض المصنف بيان إباحة نكاح الثيِّب مع التنبيه على ترجيح نكاح البكر، فإن الإمام البخاري أورد في الباب حديث جابر مقتصرًا فيه على قوله: "هلَّا بكرًا" الحديث، ولم يذكر الزيادة التي أشار إليها الشيخ. والظاهر عند هذا العبد الضعيف بعد ملاحظة كلام الشيخ قُدِّس سرُّه أن غرض البخاري رحمه الله تعالى بالترجمة ترجيح نكاح الثيب لمصلحة دينية، فإنه ﷺ ردّ عليه أولًا بقوله: "هلا بكرًا" فلما ذكر جابر مصلحة مهمة

стр. 2802

حسّن رسول الله ﷺ فعله، فقد تقدم الحديث في كتاب الوكالة في "باب إذا وكل رجلًا أن يعطي شيئًا. . ." إلخ، وفيه قول جابر ﵁: "فأردت أن أنكح امرأةً قد جربت وخلا منها قال: فذلك". قال الكرماني (١): قوله: "فذلك" مبتدأ خبره محذوف، أي: فذلك مبارك ونحوه، انتهى. وإلى هذه الزيادة أشار الشيخ بقوله: دلالة الرواية على الترجمة فيما لم يذكر ههنا. قال الحافظ (٢) بعد ذكر حديث الباب: وفي الحديث الحثّ على نكاح البكر، وقد ورد بأصرح من ذلك عند ابن ماجه بلفظ: "عليكم بالأبكار فإنهن أعذب أفواهًا وأنتق أرحامًا" ثم قال: وفي الحديث فضيلة لجابر لشفقته على أخواته وإيثاره مصلحتهن على حظّ نفسه، ويؤخذ منه إذا تزاحمت مصلحتان قدّم أهمهما؛ لأن النبي ﷺ صوّب فعل جابر ودعا له لأجل ذلك، واستنبط المصنف الترجمة من قوله: "بناتكن" لأنه خاطب بذلك نساءه، فاقتضى أن لهن بنات من غيره، فيستلزم أنهن ثيبات كما هو الأكثر الغالب، انتهى. (١١ - باب تزويج الصغار من الكبار) أي: في السن، قال العيني (٣): مطابقة الحديث بالترجمة من حيث إن النبي ﷺ تزوج عائشة وهي صغيرة، وكان عمرها ست سنين، انتهى. قال الحافظ (٤): قال الإسماعيلي: ليس في الرواية ما ترجم به الباب، وصغر عائشة عن كبر رسول الله ﷺ معلوم من غير هذا الخبر، ثم الخبر الذي أورده مرسل، فإن كان مثل هذا يدخل في "الصحيح" فيلزمه في غيره

стр. 2803

من المراسيل. قلت: الجواب عن الأول يمكن أن يؤخذ من قول أبي بكر: "إنما أنا أخوك" فإن الغالب في بنت الأخ أن تكون أصغر من عمها، وأيضًا فيكفي ما ذكر في مطابقة الحديث للترجمة ولو كان معلومًا عن خارج، وعن الثاني أنه وإن كان صورة سياقه الإرسال، فهو من رواية عروة في قصة وقعت لخالته عائشة وجده لأمه أبي بكر، فالظاهر أنه حمل ذلك عن خالته عائشة أو عن أمه أسماء بنت أبي بكر، وقد قال ابن عبد البر: إذا علم لقاء الراوي لمن أخبر عنه ولم يكن مدلسًا حمل ذلك على سماعه ممن أخبر عنه، ثم قال الحافظ: قال ابن بطال: يجوز تزويج الصغيرة بالكبير إجماعًا ولو كانت في المهد، لكن لا يمكّن منها حتى تصلح للوطء، فرمز بهذا إلى أن لا فائدة للترجمة لأنه أمر مجمع عليه، انتهى. (١٢ - باب إلى من ينكح وأي النساء خير. . .) إلخ قال الحافظ (١): اشتملت الترجمة على ثلاثة أحكام، وتناول الأول والثاني من حديث الباب واضح، وأن الذي يريد التزويج ينبغي أن ينكح إلى قريش لأن نساءهنَّ خير النساء وهو الحكم الثاني، وأما الثالث فيؤخذ منه بطريق اللزوم لأن من ثبت أنهن خير من غيرهن استحب تخيرهن للأولاد، وقد ورد في الحكم الثالث حديث صريح أخرجه ابن ماجه وصححه الحاكم من حديث عائشة مرفوعًا: "تخيروا لنطفكم وانكحوا الأكفاء" وأخرجه أبو نعيم من حديث عمر أيضًا، وفي إسناده مقال ويقوى أحد الإسنادين بالآخر، انتهى. (١٣ - باب اتخاذ السراري) لعله أشار إلى تقوية معنى ما رواه الطبراني: "عليكم بالسراري" الحديث وسيأتي في كلام الحافظ.

стр. 2804

قال الحافظ: جمع سرية بضم السين وكسر الراء الثقيلة ثم تحتانية ثقيلة وقد تكسر السين أيضًا، وهي الأمة المتخذة للوطء، واشترط الفقهاء في صدق هذه التسمية حصول الوطء ولو مرة، سميت بذلك لأنها مشتقة من التسرر وأصله من السر، وهو من أسماء الجماع ويقال له الاستسرار أيضًا، وأطلق عليها ذلك لأنها في الغالب يكتم أمرها عن الزوجة، والمراد بالاتخاذ الاقتناء، وقد ورد الأمر بذلك صريحًا في حديث أبي الدرداء مرفوعًا: "عليكم بالسراري فإنهن مباركات الأرحام" أخرجه الطبراني وإسناده واه، ولأحمد من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص مرفوعًا: "انكحوا أمهات الأولاد فإني أباهي بكم يوم القيامة" وإسناده أصلح من الأول لكنه ليس بصريح في التسري، انتهى بزيادة من "القسطلاني" (١). قوله: (ومن أعتق جارية ثم تزوجها) عطف هذا الحكم على الاقتناء؛ لأنه قد يقع بعد التسري وقبله، وأول أحاديث الباب منطبق على هذا الشق الثاني. ثم قال الحافظ (٢) بعد حديث الباب: وفيه دلالة على مزيد فضل من أعتق أمته ثم تزوجها سواء أعتقها ابتداءً لله أو لسبب، وقد بالغ قوم فكرهوه فكأنهم لم يبلغهم الخبر، فمن ذلك ما وقع في رواية هشيم عن صالح بن صالح الراوي المذكور وفيه قال: رأيت رجلًا من أهل خراسان سأل الشعبي فقال: إن من قبلنا من أهل خراسان يقولون في الرجل إذا أعتق أمته ثم تزوجها: فهو كالراكب بدنته، فقال الشعبي. . . فذكر هذا الحديث، وأخرج الطبراني بإسناد رجاله ثقات عن ابن مسعود أنه كان يقول ذلك، وأخرج سعيد بن منصور عن ابن عمر مثله، وعند ابن أبي شيبة بإسناد صحيح عن أنس: أنه سئل عنه فقال: إذا أعتق أمته لله تعالى فلا يعود فيها، انتهى.

стр. 2805

قلت: وقصة سؤال الخراساني أخرجها مسلم أيضًا في "صحيحه" ولعل الإمام البخاري أشار إلى الرد على هذه الروايات المروية عن ابن مسعود وابن عمر وأنس وغيرهم من أهل العراق. (باب من جعل عتق الأمة صداقها) قال الحافظ (١): كذا أورده غير جازم بالحكم، وقد أخذ بظاهره من القدماء سعيد بن المسيب والنخعي وطاوس والزهري، ومن فقهاء الأمصار الثوري وأبو يوسف وأحمد وإسحاق قالوا: إذا أعتق أمته على أن يجعل عتقها صداقها صحّ العقد والعتق والمهر على ظاهر الحديث، وأجاب الباقون عن ظاهر الحديث بأجوبة أقربها إلى لفظ الحديث: أنه أعتقها بشرط أن يتزوجها فوجبت له عليها قيمتها وكانت معلومة فتزوجها بها، ويؤيده قوله في رواية عبد العزيز بن صهيب: سمعت أنسًا ﵁، قال: "سبى النبي ﷺ صفية فأعتقها وتزوجها، فقال ثابت لأنس ﵁: ما أصدقها؟ قال: نفسها فأعتقها"، هكذا أخرجه المصنف في المغازي، وفي رواية حماد عن ثابت وعبد العزيز عن أنس في حديث قال: و"صارت صفية لرسول الله ﷺ ثم تزوجها وجعل عتقها صداقها، فقال عبد العزيز لثابت: يا أبا محمد أنت سألت أنسًا: ما أمهرها؟ قال: أمهرها نفسها فتبسم"، فهو ظاهر جدًا في أن المجعول مهرًا هو نفس العتق فالتأويل الأول لا بأس به، فإنه لا منافاة بينه وبين القواعد حتى لو كانت القيمة مجهولة فإن في صحة العقد بالشرط المذكور وجهًا عند الشافعية. وقال آخرون: بل جعل نفس العتق المهر ولكنه من خصائصه، وممن جزم بذلك الماوردي، وقال آخرون: قوله: "أعتقها وتزوجها" معناه: أعتقها ثم تزوجها، فلما لم يعلم أنه ساق لها صداقًا قال: أصدقها نفسها، أي: لم يصدقها شيئًا فيما أعلم، ولم ينف أصل الصداق، ومن ثم قال أبو الطيب

стр. 2806

الطبري من الشافعية وابن المرابط من المالكية ومن تبعهما: إنه قول أنس ﵁، قاله ظنًا من قبل نفسه ولم يرفعه، وربما تأيّد ذلك عندهم بما أخرجه البيهقي من حديث أميمة - ويقال: أمة الله - بنت رزينة عن أمها: أن النبي ﷺ أعتق صفية وخطبها وتزوجها وأمهرها رزينة، وكان أتى بها مسبية من قريظة والنضير، وهذا لا يقوم به حجة لضعف إسناده، ومن المستغربات قول الترمذي بعد أن أخرج الحديث: وهو قول الشافعي وأحمد وإسحاق، قال: وكره بعض أهل العلم أن يجعل عتقها صداقها حتى يجعل لها مهرًا سوى العتق، والقول الأول أصح، وكذا نقل ابن حزم عن الشافعي، والمعروف عند الشافعية أن ذلك لا يصح لكن لعل مراد من نقله عنه صورة الاحتمال الأول، إلى آخر ما ذكر الحافظ. قال القسطلاني (١): وقد تمسك بظاهر الحديث أبو يوسف وأحمد فقالا: إذا أعتق أمته على أن يجعل عتقها صداقها صح العقد والعتق والمهر على ظاهر الحديث، انتهى. (١٤ - باب تزويج المُعْسِر) قال الحافظ (٢): تقدم في أوائل كتاب النكاح: "باب تزويج المعسر الذي معه القرآن والإسلام" وهذه الترجمة أخص من تلك وعلّق هناك حديث سهل الذي أورده في هذا الباب مبسوطًا، وسيأتي شرحه بعد ثلاثين بابًا. قوله: (لقوله تعالى: ﴿إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النور: ٣٢]) هو تعليل لحكم الترجمة، ومحصله أن الفقر في الحال لا يمنع التزويج لاحتمال حصول المال في المآل، والله تعالى أعلم، انتهى. قلت: والظاهر عندي في غرض الترجمة أن المصنف أراد دفع توهم ما يتوهم من ظاهر قوله ﵇: "فمن لم يستطع فعليه صوم" وأوضح منه قوله

стр. 2807

عز اسمه: ﴿وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النور: ٣٣] فإنه يشير إلى أن المعسر لا ينكح ما دام معسرًا، فأراد الإمام البخاري بهذا الباب بيان الجواز. (١٥ - باب الأكفاء في الدين) قال الحافظ (١): جمع كُفْءٍ بضم أوله وسكون الفاء بعدها همزة: المثل والنظير، واعتبار الكفاءة في الدين متفق عليه فلا تحل المسلمة للكافر أصلًا. قوله: (﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْمَاءِ بَشَرًا فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهْرًا﴾ الآية [الفرقان: ٥٤])، قال الفراء: النسب من لا يحل نكاحه والصهر من يحل نكاحه، فكأن المصنف لما رأى الحصر وقع بالقسمين صلح التمسك بالعموم لوجود الصلاحية إلا ما دل الدليل على اعتباره وهو استثناء الكافر، وقد جزم بأن اعتبار الكفاءة مختص بالدين مالك، ونقل عن ابن عمر وابن مسعود ومن التابعين عن محمد بن سيرين وعمر بن عبد العزيز، واعتبر الكفاءة في النسب الجمهور. وقال أبو حنيفة: قريش أكفاء بعضهم بعضًا والعرب كذلك، وهو وجه للشافعية، وقال الثوري: إذا نكح المولى العربية يفسخ النكاح، وبه قال أحمد في رواية، وتوسط الشافعي فقال: ليس نكاح غير الأكفاء حرامًا فأراد به النكاح، وإنما هو تقصير بالمرأة والأولياء، فإذا رضوا صح ويكون حقًا لهم تركوه، فلو رضوا إلا واحدًا فله فسخه. قال الحافظ (٢): ولم يثبت في اعتبار الكفاءة بالنسب حديث، إلى آخر ما ذكر. وبسط الكلام على مسألة الكفاءة في هامش "اللامع" وفيه (٣): قال

стр. 2808

الشيخ ابن القيم: وقد تنازع الفقهاء في أوصاف الكفاءة فقال مالك في ظاهر مذهبه: إنها الدين، وفي رواية عنه: إنها ثلاثة: الدين والحرية والسلامة من العيوب، وقال أبو حنيفة: هي النسب والدين، وقال أحمد في رواية عنه: هي الدين والنسب خاصة، وفي رواية أخرى: هي خمسة: الدين والنسب والحرية والصناعة والمال، إلى آخر ما قال، وفي "البذل": ومذهب الحنفية أن الكفاءة تعتبر نسبًا فقريش أكفاء بعضهم بعضًا، وباقي العرب أكفاء بعضهم بعضًا، وحرية وإسلامًا وديانةً ومالًا، وتعتبر للنساء لا للرجال؛ لأن النصوص وردت في جانب الرجال خاصة، إلى آخر ما ذكر. وقال القسطلاني (١): الكفاءة معتبرة في النكاح لما روى جابر أنه ﷺ قال: "ألا لا يزوج النساء إلا الأولياء، ولا يزوجن من غير الأكفاء" ولأن النكاح يعقد للعمر ويشتمل على أغراض ومقاصد كالازدواج والصحبة والألفة وتأسيس القرابات، ولا ينتظم ذلك عادة إلا بين الأكفاء، وقد جزم مالك رحمه الله تعالى بأن اعتبار الكفاءة مختص بالدين، لقوله ﵊: "الناس سواء لا فضل لعربي علي عجمي، إنما الفضل بالتقوى" وقال تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات: ١٣] وأجيب بأن المراد في حكم الآخرة وكلامنا في الدنيا، انتهى. وكتب الشيخ قُدِّس سرُّه في "اللامع" (٢): قوله: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْمَاءِ بَشَرًا﴾ إيراد الرواية في هذا الباب مع إيراد الآية قبلها إشارة منه إلى أن المناكحة جائزة فيما بين من ليسوا أكفاء إلا أن اعتبار الكفوء والنسب أفضل؛ لأن الله تعالى مدح بالنسب فلا يخلو اعتباره عن مصالح وفوائد وإن لم يكن أمرًا لا بد له منه، كيف وقد أنكح أبو حذيفة سالمًا وكان مولاه بنت أخيه هند، وكذلك ضباعة كانت تحت المقداد، وكذلك الأمر في

стр. 2809

قوله: "فاظفر بذات الدين" يرجح اعتبار الدين على النسب، وكذلك قوله ﷺ : "هذا خير من ملء الأرض مثل هذا" أشار إلى أن الدين هو المرجح القابل المزيد الاعتناء، فالمتدين أفضل من غيره وإن كان أدون منه في النسب والمال، وإذا كان خيرًا منه كان الإنكاح منه أفضل فعلم بذلك أن الأحق بالاعتناء في الكفاءة هو الدين، انتهى. (١٦ - باب الأكفاء في المال) بسط الكلام على المسألة في هامش "اللامع" (١) فارجع إليه لو شئت التفصيل. وقال القسطلاني (٢): واختلف فيه والأشهر عند الشافعية أنه لا أثر له في الكفاءة، فالمعسر كفء للموسرة لأن المال غاد ورائح ولا يفتخر به أهل المروءات والبصائر، نعم لو زوج الولي بالإجبار موليته معسرًا بغير رضاها بمهر المثل لم يصح النكاح؛ لأنه بخس حقها كتزويجها بغير كفء، نقله في "الروضة" عن فتاوى القاضي، ومنعه البلقيني، وقال الزركشي: هو مبني على اعتبار اليسار مع أنه نقل عن عامة الأصحاب عدم اعتباره، انتهى. ونقل صاحب "الإفصاح" فيما حكاه في "الفتح" عن الشافعي أنه قال: الكفاءة في الدين والمال والنسب، وجزم باعتباره أبو الطيب والصيمري وجماعة، واعتبره الماوردي في أهل الأمصار وخص الخلاف بأهل البوادي والقرى المتفاخرين بالنسب دون المال، انتهى. وقد تقدم في الباب السابق تفصيل الخلاف في الأوصاف التي تعتبر في الكفاءة، ثم إنهم اختلفوا أن الكفاءة من حق العباد، والأوجه عندي أنها في الدين من حق الله، وفي البواقي من حق العبد يسقط بالرضا.

стр. 2810

(١٧ - باب ما يتقى من شؤم المرأة) قال الحافظ (١): الشؤم بضم المعجمة بعدها واو ساكنة وقد تهمز وهو ضد اليُمن يقال: تشاءمت بكذا وتيمنت بكذا. قوله: (وقوله تعالى: ﴿إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ﴾ [التغابن: ١٤]) كأنه يشير إلى اختصاص الشؤم ببعض النساء دون بعض مما دلت عليه الآية من التبعيض، وذكر في الباب حديث ابن عمر من وجهين وحديث سهل من وجه آخر، وقد تقدم شرحهما مبسوطًا في كتاب الجهاد، وقد جاء في بعض الأحاديث ما لعله يفسر ذلك، وهو ما أخرجه أحمد وصححه ابن حبان والحاكم من حديث سعد مرفوعًا: "من سعادة ابن آدم ثلاثة: المرأة الصالحة والمسكن الصالح والمركب الصالح، ومن شقاوة ابن آدم ثلاثة: المرأة السوء والمسكن السوء والمركب السوء". قوله: (ما تركت بعدي فتنة أضر على الرجال من النساء) قال الشيخ تقي الدين السبكي: في إيراد البخاري هذا الحديث عقب حديثي ابن عمر وسهل بعد ذكر الآية في الترجمة: إشارة إلى تخصيص الشؤم بمن تحصل منها العداوة والفتنة، لا كما يفهمه بعض الناس من التشاؤم بكعبها (٢) أو أن لها تأثيرًا في ذلك، وهو شيء لا يقول به أحد من العلماء، ومن قال: إنها سبب في ذلك فهو جاهل، إلى آخر ما ذكر. قلت: وهو الأوجه عندي، يعني: أن المراد بالشؤم الوارد في الأحاديث ما تدل عليه الآية من كونها ذات عداوة للزوج. (١٨ - باب الحرة تحت العبد) قال الحافظ (٣): أي: جواز تزويج العبد الحرة، إن رضيت به، أورد

стр. 2811

فيه طرفًا من قصة بريرة حيث خيِّرت حين عتقت، وسيأتي شرحه مستوفى في كتاب الطلاق، وهو مصير من المصنف إلى أن زوج بريرة حين عتقت كان عبدًا، انتهى. وكتب الشيخ في "اللامع" (١): "باب الحرة تحت العبد" وهذا لا يثبت بالرواية الموردة فيه إلا إذا سلم ما ذهبت إليه الشافعية من أن زوجها كان حين عتقها عبدًا، انتهى. وفي هامشه توضيح المسألة كما بسط في "الأوجز": أنهم اختلفوا في مسألة خيار العتق وهي أن الأمة إذا عتقت وكان زوجها عبدًا فللأمة المعتقة الخيار إجماعًا، لكن إذا كان زوجها حرًا فالمسألة خلافية لا خيار لها عند الأئمة الثلاثة وغيرهم، وذهبت جماعة منهم الشعبي والثوري والنخعي والحنفية إلى ثبوت الخيار لها، ومبنى الاختلاف بينهم هو اختلافهم في علة الخيار، فعلتها عند الأئمة الثلاثة عدم الكفاءة، ولذا قالوا: إن الزوج إذا كان حرًا فالكفاءة ثابتة فلا خيار لها حينئذٍ بخلاف ما إذا كان عبدًا، وعندنا الحنفية علة الخيار ملكها بضعها فإن الأمة قبل ذلك كانت محلًا للطلاقين فقط، وبعد العتق صارت محلًا للثلاث، وهذه العلة أولى لكونها مستفادة من قوله ﷺ لبريرة حين عتقت: "ملكت بضعك فاختاري" ثم اختلفت الروايات في زوج بريرة حين عتقت هل كان حرًا أو عبدًا، ورجح الأئمة الثلاثة رواية كونه عبدًا لكونها موافقة لأصلهم، ورجحت الحنفية رواية كونه حرًا إلى آخر ما بسط في هامش "اللامع". قلت: وميل المصنف إلى مسلك الجمهور وقد ترجم فيما سيأتي "باب خيار الأمة تحت العبد".

стр. 2812

(١٩ - باب لا يتزوج أكثر من أربع، لقوله تعالى: ﴿مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾) قال القسطلاني (١): كما اتفق عليه الأربعة وجمهور المسلمين، وأجاز الروافض تسعًا من الحرائر وكذا المدبرة وأم الولد، ونقل عن النخعي وابن أبي ليلى؛ لأنه بيَّن العدد المحلل بمثنى وثلاث ورباع بحرف الجمع، والحاصل عن ذلك تسع، وقد تزوج ﵊ تسعًا، والأصل عدم الخصوصية إلا بدليل وأجاز الخوارج ثمان عشرة لأن مثنى وثلاث ورباع معدول عن عدد مكرر على ما عرف في العربية فيصير الحاصل ثمانية عشر، وحكي عن بعض الناس إباحة أيّ عدد شاء بلا حصر للعمومات من نحو ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ﴾ ولفظ ﴿مَثْنَى﴾ إلى آخره تعداد عرفي لا قيد، إلى آخر ما بسط. وقال الحافظ (٢): أما حكم الترجمة فبالإجماع إلا قول من لا يعتد بخلافه من رافضي ونحوه، وأما انتزاعه من الآية فلأن الظاهر منها التخيير بين الأعداد المذكورة بدليل قوله تعالى في الآية نفسها: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً﴾ [النساء: ٣] ولأن من قال: جاء القوم مثنى وثلاث ورباع، أراد أنهم جاؤوا اثنين اثنين وثلاثة ثلاثة وأربعة أربعة، فالمراد تبيين حقيقة مجيئهم وأنهم لم يجيئوا جملة ولا فرادى، وعلى هذا فمعنى الآية انكحوا اثنتين اثنتين وثلاثة ثلاثة وأربعة أربعة، فالمراد الجميع لا المجموع، ولو أريد مجموع العدد المذكور لكان قوله مثلًا: تسعًا أرشق وأبلغ وأيضًا فإن لفظ مثنى معدول عن اثنين اثنين كما تقدم تقريره في تفسير سورة النساء، فدل إيراده أن المراد التخيير بين الأعداد المذكورة، واحتجاجهم بأن الواو للجمع لا يفيد مع وجود القرينة الدالة على عدم الجمع، وبكونه ﷺ جمع بين تسع معارض بأمره ﷺ من أسلم على أكثر من أربع بمفارقة من زاد على

стр. 2813

الأربع، وقد وقع ذلك لغيلان بن سلمة وغيره، كما خرج في كتب السنن، فدل على خصوصيته ﷺ بذلك. وقوله: ﴿أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾ [فاطر: ١]، تقدم الكلام عليه في تفسير فاطر، وهو ظاهر في أن المراد به تنويع الأعداد لا أن لكل واحد من الملائكة مجموع العدد المذكور. قوله: (وقال علي بن الحسين) أي: ابن علي بن أبي طالب "يعني مثنى أو ثلاث أو رباع" أراد أن الواو بمعنى أو، فهي للتنويع أو هي عاطفة على العامل والتقدير: فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى، وانكحوا ما طاب من النساء ثلاث إلخ، وهذا من أحسن الأدلة في الرد على الرافضة لكونه من تفسير زين العابدين وهو من أئمتهم الذين يرجعون إلى قولهم ويعتقدون عصمتهم، انتهى. (٢٠ - باب: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ﴾ [النساء: ٢٣]) قال الحافظ (١): هذه الترجمة وثلاث تراجم بعدها تتعلق بأحكام الرضاعة، ووقع ههنا في بعض الشروح: "كتاب الرضاع" ولم أره في شيء من الأصول، وأشار بقوله: "ويحرم. . ." إلخ، أن الذي في الآية بيان بعض من يحرمه بالرضاعة وقد بيَّنت ذلك السُّنَّة، ووقع في رواية الكشميهني: ويحرم من الرضاعة، انتهى. (٢١ - باب من قال: لا رضاع بعد حولين) قال الشرَّاح: غرض الترجمة الرد على الإمام أبي حنيفة في قوله: إن أكثر مدة الرضاع ثلاثون شهرًا. والأوجه عندي: أن الغرض من الترجمة الرد على رضاعة الكبير فقد ترجم الإمام أبو داود على حديث الباب: "باب في رضاعة الكبير"، قال

стр. 2814

الشيخ في "البذل" (١): وإليه ذهبت عائشة وعروة بن الزبير وعطاء بن أبي رباح والليث بن سعد وابن علية، وحكاه النووي عن داود الظاهري، وإليه ذهب ابن حزم، انتهى. فههنا مسألتان: الأولى: اختلافهم في أقصى مدة الرضاع، وهي التي ذكرها الشرَّاح ههنا، والثانية: مسألة رضاعة الكبير. قال الحافظ (٢): أشار بهذا إلى قول الحنفية: إن أقصى مدة الرضاع ثلاثون شهرًا، وحجتهم قوله تعالى: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا﴾ [الأحقاف: ١٥] أي: المدة المذكورة لكل من الحمل والفصال، وهذا تأويل غريب، والمشهور عند الجمهور أنها تقدير مدة أقل الحمل وأكثر مدة الرضاع، وإلى ذلك صار أبو يوسف ومحمد بن الحسن ويؤيد ذلك أن أبا حنيفة لا يقول: إن أقصى الحمل سنتان ونصف، وعند المالكية رواية توافق قول الحنفية لكن منزعهم في ذلك أنه يغتفر بعد الحولين مدة يدمن الطفل فيها على الفطام؛ لأن العادة أن الصبي لا يفطم دفعة واحدة، بل على التدريج في أيام قليلات، فللأيام التي يحاول فيها فطامه حكم الحولين، ثم اختلفوا في تقدير تلك المدة، قيل: يغتفر نصب سنة، وقيل: شهران، وقيل: شهر ونحوه، وقيل: أيام يسيرة، وقيل: شهر، وقيل: لا يزاد على الحولين، وهي رواية ابن وهب عن مالك، وبه قال الجمهور، ومن حجتهم حديث ابن عباس رفعه: "لا رضاع إلا ما كان في الحولين" أخرجه الدارقطني وقال: لم يسنده عن ابن عيينة غير الهيثم بن جميل وهو ثقة حافظ، إلى آخر ما بسط في فروع المسألة. وقال القسطلاني (٣): وقد ورد ظواهر أحاديث تمسك بها العلماء، فذهب الشافعي والجمهور إلى إناطة الحكم بالحولين بالأهلة من تمام

стр. 2815

انفصال الولد، وعن أبي حنيفة إناطته بحولين ونصف، وعن زفر بثلاثة، وعن مالك بزيادة أيام بعد الحولين، وعنه بزيادة شهر وشهرين، ورواية بثلاثة أشهر لأنه يغتفر بعد الحولين مدة يدمن فيها الطفل على الفطام لأن العادة أن الطفل لا يفطم دفعة واحدة بل على التدريج، وقيل: لا يزاد على الحولين، وهو رواية ابن وهب عن مالك وبه قال الجمهور، لحديث ابن عباس عند الدارقطني مرفوعًا: "لا رضاع إلا ما كان في الحولين"، وللترمذي وحسّنه: "لا رضاع إلا ما فتق الأمعاء، وكان قبل الحولين"، وأما حديث سهلة السابق بعضه في "باب الأكفاء في الدين" أنها قالت: يا رسول الله إنا كنا نرى سالمًا ولدًا وقد أنزل الله فيه ما قد علمت فإذا تأمرني؟ فقال: "أرضعيه خمس رضعات يحرم بهن عليك" ففعلت فكانت تراه ابنًا، فأجاب عنه الشافعي وغيره بأنه مخصوص بسالم، قال القاضي: ولعل سهلة حلبت لبنها فشربه من غير أن يمص ثديها ولا التقت بشرتاهما، قال النووي: وهو حسن، ويحتمل [أنه] عفي عن مسه لحاجة كما خص بالرضاعة مع الكبر، انتهى. قوله: (وما يحرم من قليل الرضاع وكثيره) تمسكًا بعمومات أحاديث كحديث الباب، وهو قول مالك وأبي حنيفة ومشهور مذهب أحمد، وذهب آخرون إلى أن الذي يحرم ما زاد على رضعة، وورد عن عائشة عشر رضعات، أخرجه مالك في "الموطأ"، وعنها أيضًا: سبع، أخرجه ابن أبي خيثمة بإسناد صحيح، وعنها أيضًا في مسلم: "كان فيما أنزل من القرآن عشر رضعات معلومات ثم نسخن بخمس رضعات محرمات" الحديث، وإلى هذا ذهب إمامنا الشافعي رحمه الله تعالى، انتهى، قاله القسطلاني (١). في هامش النسخة "الهندية" عن الكرماني: مذهب البخاري أن الحرمة تثبت برضعة واحدة وعليه أبو حنيفة ومالك وقد صرَّح في الترجمة به، انتهى.

стр. 2816

(٢٢ - باب لبن الفحل) قال القسطلاني (١): بفتح الفاء وسكون الحاء المهملة: الرجل، أي: هل يثبت حرمة الرضاع بينه وبين الرضيع ويصير ولدًا له أم لا؟ ونسبة اللبن إليه مجاز لكونه سببًا فيه، ثم قال بعد حديث الباب: وفيه دليل على أن لبن الفحل يحرم حتى تثبت الحرمة في جهة صاحب اللبن كما تثبت في جانب المرضعة، فإن النبي ﷺ أثبت عمومة الرضاع وألحقها بالنسب لأن سبب اللبن هو ماء الرجل والمرأة معًا، فوجب أن يكون الرضاعه منهما، ولذا أشار ابن عباس رضي الله تعالى عنهما بقوله: المروي عند ابن أبي شيبة: اللقاح واحد، وهذا مذهب الشافعي وأبي حنيفة وصاحبيه ومالك وأحمد كجمهور الصحابة والتابعين وفقهاء الأمصار، وقال قوم منهم ربيعة الرأي وابن علية وابن بنت الشافعي وداود وأتباعه: الرضاعة من قبل الرجل لا تحرم شيئًا، واحتج بعضهم لذلك بأن اللبن لا ينفصل من الرجل، وإنما ينفصل من المرأة فكيف تنتشر الحرمة إلى الرجل؟ وأجيب بأنه قياس في مقابلة النص، فلا يلتفت إليه، وهذا الحديث سبق في كتاب الشهادة، انتهى. وقال الحافظ (٢): وفي الحديث أن لبن الفحل يحرم فتنتشر الحرمة لمن ارتضع الصغير بلبنه فلا تحل له بنت زوج المرأة التي أرضعته من غيرها مثلًا. ثم قال الحافظ بعد ذكر من قال بهذه المسألة: وحجتهم في ذلك قوله تعالى: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ﴾ [النساء: ٢٣]، ولم يذكر العمة ولا البنت كما ذكرهما في النسب، وأجيبوا بأن تخصيص الشيء بالذكر لا يدل على نفي الحكم عما عداه، ولا سيما وقد جاءت الأحاديث الصحيحة، وحجة الجمهور حديث الباب، انتهى مختصرًا.

стр. 2817

(٢٣ - باب شهادة المرضعة) قال الحافظ (١): أي: وحدها وقد تقدم بيان الاختلاف في ذلك في كتاب الشهادات، وأغرب ابن بطال هنا فنقل الإجماع على أن شهادة المرأة وحدها لا تجوز في الرضاع وشبهه، وهو عجيب منه، فإنه قول جماعة من السلف حتى أن عند المالكية رواية أنها تقبل وحدها لكن بشرط فشو ذلك في الجيران، انتهى. وقد تقدم بيان مذاهب الأئمة في كتاب الشهادات فارجع إليه لو شئت. (٢٤ - باب ما يحل من النساء وما يحرم وقوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ [النساء: ٢٣]. . .) إلخ قال العلامة العيني (٢): وقد بيَّن الله تعالى ههنا المحرمات من النساء وهن أربع عشرة امرأة: سبع من نسب وسبع بسبب، فالسبع التي من نسب هي قوله: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿وَبَنَاتُ الْأُخْتِ﴾ ثم بسط العيني تلك السبعة، وأما السبع التي من جهة السبب فهي من قوله تعالى: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ﴾ إلى آخر الآية، ثم بسطها مع ذكر الاختلاف في بعضها. قوله: (وقال أنس: لا يرى بأسًا أن ينزع الرجل جاريته. . .) إلخ، قال الحافظ (٣): وصله إسماعيل القاضي في كتاب "أحكام القرآن" بإسناد صحيح من طريق سليمان التيمي عن أبي مجلز عن أنس بن مالك: أنه قال في قوله تعالى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ﴾: ذوات الأزواج الحرائر ﴿إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء: ٢٤] فإذا هو لا يرى بما ملك اليمن بأسًا أن ينزع الرجل الجارية

стр. 2818

من عبده فيطأها، وأخرجه ابن أبي شيبة من طريق أخرى عن التيمي بلفظ: ذوات البعول، وكان يقول: بيعها طلاقها، والأكثر على أن المراد بالمحصنات ذوات الأزواج يعني أنهن حرام، وأن المراد بالاستثناء في قوله: ﴿إلا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ المسبيات إذا كن متزوجات فإنهن حلال لمن سباهن، انتهى. قلت: وما ذهب إليه أنس ليس مذهبًا لأحد من الأئمة الأربعة، نعم روي ذلك عن بعض الصحابة كما سيأتي في كلام الباجي، كتب الشيخ في "اللامع" (١): قوله: "لا يرى بأسًا أن ينزع. . ." إلخ، ذهب في تفسير الآية إلى أن المراد بما ملكت أيمانكم أن الرجل إذا أنكح جاريته عبده فله أن ينزعها منه ويطلقها، والجمهور على أنه لا يملك المولى تطليق أمته، لقوله: "الطلاق لمن أخذ بالساق" ومحمل الآية السبايا اللاتي لهن أزواج فيطأهن بعد الاستبراء، انتهى. وفي هامشه: وفي "الأوجز": في حديث: "الموطأ" عن ابن عمر ﵄ كان يقول: "من أذن لعبده أن ينكح فالطلاق بيد العبد" الحديث، قال الباجي: يريد أن السيد لا يملك أن يفرق بينه وبين زوجته ولا يوقع عليها طلاقًا، ولا يمنع العبد من إيقاع ذلك وإن كان له منعه من النكاح، وبهذا قال جمهور الصحابة عمر وعلي وعبد الرحمن بن عوف، وبه أخذ مالك وأبو حنيفة والشافعي وسائر فقهاء الحجاز والعراق، وروي عن جابر وعبد الله بن عباس أن الطلاق بيد السيد، وقال غيرهما: إن كان السيد زوّجه فالطلاق بيد العبد، وإن كان اشتراه مزوجًا فله أن يفرق بينهما، انتهى. قوله: (وجمع عبد الله بن جعفر) أي: ابن أبي طالب "بين بنت علي وامرأة علي" قال الحافظ (٢): فإنه أشار بذلك إلى دفع من يتخيل أن العلة

стр. 2819

في منع الجمع بين الأختين ما يقع بينهما من القطيعة فيطرده إلى كل قريبتين ولو بالصهارة، فمن ذلك الجمع بين المرأة وبنت زوجها، والأثر المذكور وصله البغوي في "الجعديات" من طريق عبد الرحمن بن مهران أنه قال: "جمع عبد الله بن جعفر بين زينب بنت علي وامرأة علي ليلى بنت مسعود". قوله: (وليس فيه تحريم لقوله تعالى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ [النساء: ٢٤]) هذا من تفقه المصنف وقد صرَّح به قتادة قبله كما ترى، وقد قال ابن المنذر: لا أعلم أحدًا أبطل هذا النكاح، قال: وكان يلزم من يقول بدخول القياس في مثل هذا أن يحرمه، وقد أشار جابر بن زيد إلى العلة بقوله: للقطيعة، أي: لأجل وقوع القطيعة بينهما لما يوجبه التنافس بين الضرتين في العادة، وقد أخرج أبو داود وابن أبي شيبة من مرسل عيسى بن طلحة: نهى رسول الله أن تنكح المرأة على قرابتها مخافة القطيعة، وأخرج الخلال بسنده عن أبي بكر وعمر وعثمان أنهم كانوا يكرهون الجمع بين القرابة مخافة الضغائن، وقد نقل العمل بذلك عن ابن أبي ليلى وعن زفر أيضًا، ولكن انعقد الإجماع على خلافه، نقله ابن عبد البر وابن حزم وغيرهما، انتهى من "الفتح". ونقل العيني عن ابن بطال: قال ابن أبي ليلى: لا يجوز هذا النكاح، وكرهه عكرمة، ونقل العيني أيضًا عن ابن بطال الكراهة عن مالك، قال: وليس بحرام إنما هو لأجل القطيعة، انتهى. وتقدم عن الحافظ أن الإجماع قد انعقد على خلافه وأنه ليس بمكروه. (٢٥ - باب قوله: ﴿وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ﴾ [النساء: ٢٣]) هذه الترجمة معقودة لتفسير الربيبة وتفسير المراد بالدخول، فأما الربيبة فهي بنت امرأة الرجل، قيل لها ذلك لأنها مربوبة، وغلط من قال: هو من التربية، وأما الدخول ففيه قولان: أحدهما: أن المراد به الجماع وهو

стр. 2820

أصح قولي الشافعي، والقول الآخر وهو قول الأئمة الثلاثة: المراد به الخلوة، انتهى من "الفتح" (١). قوله: (ومن قال: بنات ولدها. . .) إلخ، كتب الشيخ في "اللامع" (٢): يعني بذلك: أن التحريم غير مقتصر على الربائب اللاتي في حجوره بل تحرم بنت ولد زوجته وإن سفلت، انتهى. وفي هامشه: لا يخفى عليك أن ههنا مسألتين: الأولى: التي أشار إليها المصنف بقوله: "ومن قال: بنات ولدها. . ." إلخ، والثانية: التي ذكرها بقوله: "وهل تسمى الربيبة. . ." إلخ، بسط الكلام عليهما في هامش اللامع. قوله: (وهل تسمى الربيبة وإن لم تكن في حجره) قال القسطلاني (٣): الجمهور: تسمى به سواء كانت في حجره أم لا؟ لأن ذكر الحجر خرج مخرج العادة لا مخرج الشرط، فهو تقييد عرفي لا تقييد للحكم؛ بدليل قوله تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾ [النساء: ٢٣] علَّق الإباحة بعدم الدخول فقط، ولو كانت الحرمة مقيدة بهما لتعلقت الإباحة بعدمهما، وقال علي ﵁: لا تحرم الربيبة إلا إذا كانت في حجره لظاهر الآية، وقول علي ﵁ هذا رواه عنه ابن أبي حاتم في تفسيره وقال به أيضًا عمر بن الخطاب فيما رواه عنه أبو عبيد، انتهى. (٢٦ - باب قوله: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إلا مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [النساء: ٢٣]) قال الحافظ (٤): أورد فيه حديث أم حبيبة المذكور لقوله: "فلا تعرضن علي بناتكن ولا أخواتكن" والجمع بين الأختين في التزويج حرام

стр. 2821

بالإجماع، سواء كانتا شقيقتين، أم من أب، أم من أم، وسواء النسبي والرضاعي، واختلف فيما إذا كانتا بملك اليمين فأجازه بعض السلف وهو رواية عن أحمد، والجمهور وفقهاء الأمصار على المنع ونظيره الجمع بين المرأة وعمتها أو خالتها، وحكاه النووي عن الشيعة، انتهى. (٢٧ - باب لا تنكح المرأة على عمتها) أي: ولا على خالتها، وهذا اللفظ رواية أبي بكر بن أبي شيبة عن عبد الله بن المبارك بإسناد حديث الباب، وكذا هو عند مسلم من حديث أبي هريرة، انتهى من "الفتح" (١) مختصرا. وقال أيضًا: قال الترمذي: والعمل على هذا عند عامة أهل العلم لا نعلم بينهم اختلافًا أنه لا يحل للرجل أن يجمع بين المرأة وعمتها أو خالتها، ولا أن تنكح المرأة على عمتها أو خالتها، وقال ابن المنذر: لست أعلم في منع ذلك اختلافًا اليوم، وإنما قال بالجواز فرقة من الخوارج، وإذا ثبت الحكم بالسُّنَّة واتفق أهل العلم على القول به لم يضره خلاف من خالفه. وكذا نقل الإجماع ابن عبد البر وابن حزم والقرطبي والنووي، لكن استثنى ابن حزم عثمان البتي وهو أحد الفقهاء القدماء من أهل البصرة، وهو بفتح الموحدة وتشديد المثناة، واستثنى النووي طائفة من الخوارج والشيعة، واستثنى القرطبي الخوارج ولفظه: اختار الخوارج الجمع بين الأختين وبين المرأة وعمتها وخالتها، ولا يعتد بخلافهم لأنهم مرقوا من الدين، انتهى. وفي نقله عنهم جواز الجمع بين الأختين غلط بيِّن، فإن عمدتهم التمسك بأدلة القرآن لا يخالفونها البتة، وإنما يردون الأحاديث لاعتقادهم عدم الثقة بنقلها، وتحريم الجمع بين الأختين بنصوص القرآن، ونقل

стр. 2822

ابن دقيق العيد: تحريم الجمع بين المرأة وعمتها عن جمهور العلماء ولم يعين المخالف، انتهى. وفي "الفيض" (١) تحت ترجمة الباب: والضابطة فيه عندنا أنه لا يجوز الجمع بين كل امرأتين لو فرضت إحداهما ذكرًا لم تحل له النكاح بالأخرى، ويشترط ذلك أن يتصور من الطرفين، انتهى. (٢٨ - باب الشغار) قال العلامة القسطلاني (٢): مصدر شاغر يشاغر شغارًا ومشاغرة، وسمّي شغارًا إما من قولهم: شغر البلد عن السلطان: إذا خلا عنه، لخلوه عن المهر، وقيل: لخلوه عن بعض الشرائط، وقال ثعلب: هو من قولهم: شغر الكلب: إذا رفع رجله ليبول، وفي التشبيه بهذه الهيئة القبيحة تقبيح للشغار وتغليظ على فاعله، كأن كلًا من الوليين يقول للآخر: لا ترفع رجل ابنتي حتى أرفع رجل ابنتك. قوله: (والشغار أن يزوج الرجل ابنته أو موليته من أخت وغيرها. . .) إلخ، وقد اختلف الرواة عن مالك فيمن ينسب إليه تفسير الشغار، فالأكثر لم ينسبوه لأحد، ولذا قال الشافعي فيما حكاه البيهقي في "معرفة السنن": لا أدري [التفسير] عن النبي ﷺ ، أو عن ابن عمر ﵄، أو عن نافع الراوي عنه، أو عن مالك، وقال الخطيب: إنه قول مالك وصله بالمتن المرفوع، وفي "ترك الحيل" من البخاري أنه من قول نافع، وقال الباجي: هو من جملة الحديث، وبالجملة فإن كان مرفوعًا فهو المراد، وإن كان من قول الصحابي فمقبول لأنه أعلم بالمقال، انتهى. قال الحافظ (٣): وقد اختلف الفقهاء هل يعتبر في الشغار الممنوع ظاهر الحديث في تفسيره، فإن فيه وصفين: أحدهما تزويج كل من الوليين
следующие страницы →