← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 853

الأبواب والتراجم لصحيح البخاري

محمد زكريا الكاندهلوي

Полный текст (3 740 стр.). Показаны 2818–2857 · переход к 2823.

стр. 2818

من عبده فيطأها، وأخرجه ابن أبي شيبة من طريق أخرى عن التيمي بلفظ: ذوات البعول، وكان يقول: بيعها طلاقها، والأكثر على أن المراد بالمحصنات ذوات الأزواج يعني أنهن حرام، وأن المراد بالاستثناء في قوله: ﴿إلا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ المسبيات إذا كن متزوجات فإنهن حلال لمن سباهن، انتهى. قلت: وما ذهب إليه أنس ليس مذهبًا لأحد من الأئمة الأربعة، نعم روي ذلك عن بعض الصحابة كما سيأتي في كلام الباجي، كتب الشيخ في "اللامع" (١): قوله: "لا يرى بأسًا أن ينزع. . ." إلخ، ذهب في تفسير الآية إلى أن المراد بما ملكت أيمانكم أن الرجل إذا أنكح جاريته عبده فله أن ينزعها منه ويطلقها، والجمهور على أنه لا يملك المولى تطليق أمته، لقوله: "الطلاق لمن أخذ بالساق" ومحمل الآية السبايا اللاتي لهن أزواج فيطأهن بعد الاستبراء، انتهى. وفي هامشه: وفي "الأوجز": في حديث: "الموطأ" عن ابن عمر ﵄ كان يقول: "من أذن لعبده أن ينكح فالطلاق بيد العبد" الحديث، قال الباجي: يريد أن السيد لا يملك أن يفرق بينه وبين زوجته ولا يوقع عليها طلاقًا، ولا يمنع العبد من إيقاع ذلك وإن كان له منعه من النكاح، وبهذا قال جمهور الصحابة عمر وعلي وعبد الرحمن بن عوف، وبه أخذ مالك وأبو حنيفة والشافعي وسائر فقهاء الحجاز والعراق، وروي عن جابر وعبد الله بن عباس أن الطلاق بيد السيد، وقال غيرهما: إن كان السيد زوّجه فالطلاق بيد العبد، وإن كان اشتراه مزوجًا فله أن يفرق بينهما، انتهى. قوله: (وجمع عبد الله بن جعفر) أي: ابن أبي طالب "بين بنت علي وامرأة علي" قال الحافظ (٢): فإنه أشار بذلك إلى دفع من يتخيل أن العلة

стр. 2819

في منع الجمع بين الأختين ما يقع بينهما من القطيعة فيطرده إلى كل قريبتين ولو بالصهارة، فمن ذلك الجمع بين المرأة وبنت زوجها، والأثر المذكور وصله البغوي في "الجعديات" من طريق عبد الرحمن بن مهران أنه قال: "جمع عبد الله بن جعفر بين زينب بنت علي وامرأة علي ليلى بنت مسعود". قوله: (وليس فيه تحريم لقوله تعالى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ [النساء: ٢٤]) هذا من تفقه المصنف وقد صرَّح به قتادة قبله كما ترى، وقد قال ابن المنذر: لا أعلم أحدًا أبطل هذا النكاح، قال: وكان يلزم من يقول بدخول القياس في مثل هذا أن يحرمه، وقد أشار جابر بن زيد إلى العلة بقوله: للقطيعة، أي: لأجل وقوع القطيعة بينهما لما يوجبه التنافس بين الضرتين في العادة، وقد أخرج أبو داود وابن أبي شيبة من مرسل عيسى بن طلحة: نهى رسول الله أن تنكح المرأة على قرابتها مخافة القطيعة، وأخرج الخلال بسنده عن أبي بكر وعمر وعثمان أنهم كانوا يكرهون الجمع بين القرابة مخافة الضغائن، وقد نقل العمل بذلك عن ابن أبي ليلى وعن زفر أيضًا، ولكن انعقد الإجماع على خلافه، نقله ابن عبد البر وابن حزم وغيرهما، انتهى من "الفتح". ونقل العيني عن ابن بطال: قال ابن أبي ليلى: لا يجوز هذا النكاح، وكرهه عكرمة، ونقل العيني أيضًا عن ابن بطال الكراهة عن مالك، قال: وليس بحرام إنما هو لأجل القطيعة، انتهى. وتقدم عن الحافظ أن الإجماع قد انعقد على خلافه وأنه ليس بمكروه. (٢٥ - باب قوله: ﴿وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ﴾ [النساء: ٢٣]) هذه الترجمة معقودة لتفسير الربيبة وتفسير المراد بالدخول، فأما الربيبة فهي بنت امرأة الرجل، قيل لها ذلك لأنها مربوبة، وغلط من قال: هو من التربية، وأما الدخول ففيه قولان: أحدهما: أن المراد به الجماع وهو

стр. 2820

أصح قولي الشافعي، والقول الآخر وهو قول الأئمة الثلاثة: المراد به الخلوة، انتهى من "الفتح" (١). قوله: (ومن قال: بنات ولدها. . .) إلخ، كتب الشيخ في "اللامع" (٢): يعني بذلك: أن التحريم غير مقتصر على الربائب اللاتي في حجوره بل تحرم بنت ولد زوجته وإن سفلت، انتهى. وفي هامشه: لا يخفى عليك أن ههنا مسألتين: الأولى: التي أشار إليها المصنف بقوله: "ومن قال: بنات ولدها. . ." إلخ، والثانية: التي ذكرها بقوله: "وهل تسمى الربيبة. . ." إلخ، بسط الكلام عليهما في هامش اللامع. قوله: (وهل تسمى الربيبة وإن لم تكن في حجره) قال القسطلاني (٣): الجمهور: تسمى به سواء كانت في حجره أم لا؟ لأن ذكر الحجر خرج مخرج العادة لا مخرج الشرط، فهو تقييد عرفي لا تقييد للحكم؛ بدليل قوله تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾ [النساء: ٢٣] علَّق الإباحة بعدم الدخول فقط، ولو كانت الحرمة مقيدة بهما لتعلقت الإباحة بعدمهما، وقال علي ﵁: لا تحرم الربيبة إلا إذا كانت في حجره لظاهر الآية، وقول علي ﵁ هذا رواه عنه ابن أبي حاتم في تفسيره وقال به أيضًا عمر بن الخطاب فيما رواه عنه أبو عبيد، انتهى. (٢٦ - باب قوله: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إلا مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [النساء: ٢٣]) قال الحافظ (٤): أورد فيه حديث أم حبيبة المذكور لقوله: "فلا تعرضن علي بناتكن ولا أخواتكن" والجمع بين الأختين في التزويج حرام

стр. 2821

بالإجماع، سواء كانتا شقيقتين، أم من أب، أم من أم، وسواء النسبي والرضاعي، واختلف فيما إذا كانتا بملك اليمين فأجازه بعض السلف وهو رواية عن أحمد، والجمهور وفقهاء الأمصار على المنع ونظيره الجمع بين المرأة وعمتها أو خالتها، وحكاه النووي عن الشيعة، انتهى. (٢٧ - باب لا تنكح المرأة على عمتها) أي: ولا على خالتها، وهذا اللفظ رواية أبي بكر بن أبي شيبة عن عبد الله بن المبارك بإسناد حديث الباب، وكذا هو عند مسلم من حديث أبي هريرة، انتهى من "الفتح" (١) مختصرا. وقال أيضًا: قال الترمذي: والعمل على هذا عند عامة أهل العلم لا نعلم بينهم اختلافًا أنه لا يحل للرجل أن يجمع بين المرأة وعمتها أو خالتها، ولا أن تنكح المرأة على عمتها أو خالتها، وقال ابن المنذر: لست أعلم في منع ذلك اختلافًا اليوم، وإنما قال بالجواز فرقة من الخوارج، وإذا ثبت الحكم بالسُّنَّة واتفق أهل العلم على القول به لم يضره خلاف من خالفه. وكذا نقل الإجماع ابن عبد البر وابن حزم والقرطبي والنووي، لكن استثنى ابن حزم عثمان البتي وهو أحد الفقهاء القدماء من أهل البصرة، وهو بفتح الموحدة وتشديد المثناة، واستثنى النووي طائفة من الخوارج والشيعة، واستثنى القرطبي الخوارج ولفظه: اختار الخوارج الجمع بين الأختين وبين المرأة وعمتها وخالتها، ولا يعتد بخلافهم لأنهم مرقوا من الدين، انتهى. وفي نقله عنهم جواز الجمع بين الأختين غلط بيِّن، فإن عمدتهم التمسك بأدلة القرآن لا يخالفونها البتة، وإنما يردون الأحاديث لاعتقادهم عدم الثقة بنقلها، وتحريم الجمع بين الأختين بنصوص القرآن، ونقل

стр. 2822

ابن دقيق العيد: تحريم الجمع بين المرأة وعمتها عن جمهور العلماء ولم يعين المخالف، انتهى. وفي "الفيض" (١) تحت ترجمة الباب: والضابطة فيه عندنا أنه لا يجوز الجمع بين كل امرأتين لو فرضت إحداهما ذكرًا لم تحل له النكاح بالأخرى، ويشترط ذلك أن يتصور من الطرفين، انتهى. (٢٨ - باب الشغار) قال العلامة القسطلاني (٢): مصدر شاغر يشاغر شغارًا ومشاغرة، وسمّي شغارًا إما من قولهم: شغر البلد عن السلطان: إذا خلا عنه، لخلوه عن المهر، وقيل: لخلوه عن بعض الشرائط، وقال ثعلب: هو من قولهم: شغر الكلب: إذا رفع رجله ليبول، وفي التشبيه بهذه الهيئة القبيحة تقبيح للشغار وتغليظ على فاعله، كأن كلًا من الوليين يقول للآخر: لا ترفع رجل ابنتي حتى أرفع رجل ابنتك. قوله: (والشغار أن يزوج الرجل ابنته أو موليته من أخت وغيرها. . .) إلخ، وقد اختلف الرواة عن مالك فيمن ينسب إليه تفسير الشغار، فالأكثر لم ينسبوه لأحد، ولذا قال الشافعي فيما حكاه البيهقي في "معرفة السنن": لا أدري [التفسير] عن النبي ﷺ ، أو عن ابن عمر ﵄، أو عن نافع الراوي عنه، أو عن مالك، وقال الخطيب: إنه قول مالك وصله بالمتن المرفوع، وفي "ترك الحيل" من البخاري أنه من قول نافع، وقال الباجي: هو من جملة الحديث، وبالجملة فإن كان مرفوعًا فهو المراد، وإن كان من قول الصحابي فمقبول لأنه أعلم بالمقال، انتهى. قال الحافظ (٣): وقد اختلف الفقهاء هل يعتبر في الشغار الممنوع ظاهر الحديث في تفسيره، فإن فيه وصفين: أحدهما تزويج كل من الوليين

стр. 2823

وليته للآخر بشرط أن يزوجه وليته، والثاني خلو بضع كل منهما من الصداق، فمنهم من اعتبرهما معًا حتى لا يمنع مثلًا إذا زوج كل منهما الآخر بغير شرط وإن لم يذكر الصداق، أو زوج كل منهما الآخر بالشرط وذكر الصداق، وذهب أكثر الشافعية إلى أن علة النهي الاشتراك في البضع لأن بضع كل منهما يصير مورد العقد، وجعل البضع صداقًا مخالف لإيراد عقد النكاح، وليس المقتضي للبطلان ترك ذكر الصداق لأن النكاح يصح بدون تسمية الصداق، إلى آخر ما بسط في فروع المسألة. وأما حكمه ففي هامش "الكوكب" (١): قال النووي: أجمعوا على أنه منهي عنه لكن اختلفوا هل هو نهي يقتضي إبطال النكاح أم لا؟ فعند الشافعي يقتضي إبطاله، وحكاه الخطابي عن أحمد وإسحاق، وقال مالك: يفسخ قبل الدخول وبعده، وفي رواية قبله لا بعده، وقال جماعة: يصح بمهر المثل، وهو مذهب أبي حنيفة، وحكي عن الزهري والليث وهو رواية عن أحمد وإسحاق، وبه قال أبو ثور وابن جرير، كذا في "البذل"، انتهى. (٢٩ - باب هل للمرأة أن تهب نفسها لأحد) اعلم أن في الترجمة والحديث عدة مباحث: الأول: أن هبة المرأة نفسها خاص بالنبي ﷺ أو يعم غيره أيضًا؟ وإليه أشار الإمام البخاري بقوله: "هل" ويتفرع على الثاني اختلافهم في أن النكاح بلفظ الهبة جائز أم لا؟ وهو البحث الثاني، والبحث الثالث: هل يجوز النكاح بغير صداق كما يدل عليه لفظ الهبة، ويتضمن هذا مسألتين: الأولى: هل يصح النكاح بغير ذكر الصداق، والثانية: هل يصح بنفي الصداق أم لا؟ والأنسب لهاتين المسألتين ما سيأتي من تبويب المصنف "باب التزويج على القرآن وبغير صداق" فنذكرهما هناك إن شاء الله تعالى.

стр. 2824

والبحث الخامس: ما ذكره الشيخ قُدِّس سرُّه في "اللامع" (١) إذ كتب: وفي كلام عائشة نوع اختصار من الراوي والأصل أنها قطعت أول الكلام ثم أخذت في الكلام، وهو أنه ﷺ رخص في نسائه ولم يبق القسم واجبًا عليه، ودلالة الآية على هذا المعنى ظاهرة، وأما إذا أريد الاحتجاج على جواز هبة المرأة نفسها على أن يكون هذا هو المراد بقولها في: "هواك" فهو في قوله تعالى: ﴿وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا﴾ الآية [الأحزاب: ٥٠]، وهو وإن لم يكن مذكورًا لكنه على هذا التقرير الثاني مراد، وكفت الإشارة بذكر بعض الآية، انتهى. والأوجه عندي: أن المراد بآية الإرجاء عدم نكاح الواهبات وهو أحد الأقوال المعروفة في سبب نزول الآية وإن كانت مسألة القسم أشهر، وهذا أحد الأبحاث الخمسة بسط الكلام على تلك المباحث في هامش "اللامع" (٢) فارجع إليه لو شئت التفصيل. وأما الإجمال فنذكر ههنا: أما البحث الأول - أعني: هبة المرأة نفسها - فلا يجوز لغير النبي ﷺ اتفاقًا، ففي "الأوجز" عن الباجي: لا خلاف أنه لا يجوز نكاح بدون صداق لغير النبي ﷺ ، والأصل في ذلك قوله تعالى: ﴿وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا﴾ الآية، إلى آخر ما بسط في هامش "اللامع". البحث الثاني جواز النكاح بلفظ الهبة، وهو مختلف بين الأئمة ففي "الأوجز"، قال الموفق: ينعقد النكاح بلفظ الإنكاح والتزويج إجماعًا، ولا ينعقد بغيرهما، وبهذا قال ابن المسيب وعطاء والزهري والشافعي، وقال الثوري والحسن بن صالح وأبو حنيفة وأصحابه وأبو ثور وأبو عبيدة وداود: ينعقد بلفظ الهبة والصدقة والتمليك، وقال مالك: ينعقد بذلك إذا ذكر المهر.

стр. 2825

قال الحافظ: قوله: "باب هل للمرأة أن تهب. . ." إلخ، أي: فيحل له نكاحها بذلك، وهذا يتناول صورتين: أحدهما مجرد الهبة من غير ذكر مهر والثاني العقد بلفظ الهبة، فالصورة الأولى ذهب الجمهور إلى بطلان النكاح وأجازه الحنفية والأوزاعِي ولكن قالوا: يجب مهر المثل، وحجة المجمهور قوله تعالى: ﴿خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأحزاب: ٥٠] فعدوا ذلك من خصائصه ﷺ ، وأنه يتزوج بلفظ الهبة بغير مهر في الحال ولا في المآل، انتهى. إلى آخر ما ذكر في هامش "اللامع"، في دلائل الفريقين. (٣٠ - باب نكاح المحرم) قال الحافظ (١): كأنه يحتج إلى الجواز لأنه لم يذكر في الباب شيئًا غير حديث ابن عباس في ذلك، ولم يخرج حديث المنع كأنه لم يصح عنده على شرطه، انتهى. والمسألة خلافية شهيرة تقدم شيء من الكلام عليها في "باب تزويج المحرم" من كتاب الحج، وبسط الكلام عليها الشيخ قُدِّس سرُّه في "البذل" (٢)، وكذا العبد الضعيف في "الأوجز". (٣١ - باب نهى رسول الله ﷺ عن نكاح المتعة أخيرًا) قال الحافظ (٣): يعني تزويج المرأة إلى أجل فإذا انقضى وقعت الفرقة، وقوله في الترجمة: "أخيرًا" يفهم منه أنه مباحًا وأن النهي عنه وقع في آخر الأمر، وليس في أحاديث الباب التي أوردها التصريح بذلك، لكن قال في آخر الباب: إن عليًّا ﵁ بيَّن أنه منسوخ، وقد وردت عدة أحاديث

стр. 2826

صحيحة صريحة بالنهي عنها بعد الإذن فيها، وأقرب ما فيها عهدًا بالوفاة النبوية ما أخرجه أبو داود من طريق الزهري قال: "كنا عند عمر بن عبد العزيز فتذاكرنا متعة النساء، فقال رجل يقال له ربيع بن سبرة: أشهد على أبي أنه حدَّث أن رسول الله ﷺ نهى عنها في حجة الوداع"، وسأذكر الاختلاف في حديث سبرة هذا، انتهى. وقال في الكلام على الروايات: وأما حجة الوداع فهو اختلاف على الربيع بين سبرة والرواية عنه بأنها في الفتح أصح وأشهر، انتهى. قوله: (أن عليًّا قال لابن عباس) سيأتي بيان تحديثه له بهذا الحديث في ترك الحيل بلفظ: أن عليًا قيل له: إن ابن عباس ﵄ لا يرى بمتعة النساء بأسًا، وفي رواية الثوري ويحيى بن سعيد كلاهما عن مالك عند الدارقطني: أن عليًّا سمع ابن عباس ﵄ وهو يفتي في متعة النساء، فقال: أما علمت. . . وأخرجه سعيد بن منصور عن هشيم عن يحيى بن سعيد عن الزهري بدون ذكر مالك، ولفظه أن عليًّا مر بابن عباس رضي الله تعالى عنهما وهو يفتي في متعة النساء أنه لا بأس بها، ولمسلم من طريق جويرة عن مالك يسنده: أنه سمع عليًّا يقول لفلان: إنك رجل تائه، وفي رواية الدارقطني من طريق الثوري أيضًا: تكلم علي وابن عباس في متعة النساء، فقال له علي: إنك امرأ تائه، ولمسلم من وجه آخر: أنه سمع ابن عباس أنه يلين في متعة النساء فقال له: مهلًا يا ابن عباس، ولأحمد من طريق معمر: رخص في متعة النساء، انتهى من "الفتح" (١). قال النووي في "شرح مسلم" (٢): قال المازري: ثبت أن نكاح المتعة كان جائزًا في أول الإسلام، ثم ثبت بالأحاديث الصحيحة المذكورة ههنا أنه نسخ وانعقد الإجماع على نسخه وتحريمه، ولم يخالف فيه إلا طائفة

стр. 2827

من المبتدعة، وتعلقوا بالأحاديث الواردة في ذلك، وقد ذكرنا أنها منسوخة فلا دلالة لهم فيها، وتعلقوا بقوله تعالى: ﴿فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [النساء: ٢٤] وفي قراءة ابن مسعود: فما استمعتم به منهن إلى أجل، وقراءة ابن مسعود هذه شاذة لا يحتج بها قرآنًا ولا خبرًا، قال: وقال زفر: من نكح نكاح متعة تأبد نكاحه وكأنه جعل ذكر التأجيل من باب الشروط الفاسدة في النكاح، فإنها تلغى وتصح النكاح، انتهى. وبسط الجصاص (١) في "أحكام القرآن" على مباحث المتعة في تفسير قوله تعالى: ﴿فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ﴾ الآية، وقال: وقد كان ابن عباس يتأول هذه الآية على متعة النساء، وروي عنه فيها أقاويل، روي أنه كان يتأول الآية على إباحة المتعة، إلى آخر ما بسط في الروايات الواردة عنه، ثم قال: فالذي حصل من أقاويل ابن عباس القول بإباحة المتعة في بعض الروايات من غير تقييد لها بضرورة ولا غيرها، والثاني أنها كالميتة تحل بالضرورة، والثالث أنها محرمة، وقد قدمنا ذكر سنده وقوله أيضًا: أنها منسوخة، ثم ذكر الجصاص ما يدل صريحًا على رجوعه عن إباحتها، حيث قال: ذاك السفاح. وكتب الشيخ قُدِّس سرُّه في "اللامع" (٢): قوله: "أن عليًّا قال لابن عباس. . ." إلخ، فظاهر كلام علي أنه حمل متعة الأوطاس على أنها كانت للاضطرار ورخصة ثابتة على غير القياس؛ إذ لو لم تكن كذلك لما أفاد التقييد بيوم خيبر معنى بل كان مضرًا له في إثبات مدعاه لأن الفعل الأخير يكون ناسخًا للأول، فإذا انتسخت الحرمة بمتعة الأوطاس لم يبق له دليل على ما أراد الاحتجاج به على ابن عباس، وأما ابن عباس فلعله لم يقتنع بكلام علي ﵁ هذا حيث أفتى بجواز المتعة، انتهى.

стр. 2828

وفي هامشه: بسط الكلام في نكاح المتعة الحافظ في "الفتح" (١) بما لا مزيد عليه، ولخص كلامه وكلام غيره في "الأوجز" (٢) وهو مبسوط أيضًا، واختلفت الروايات في زمن النهي عنه، والصحيح الراجح عند الحافظ من تلك الروايات رواية غزوة الفتح، كما سيأتي. قال الحافظ بعد ما ذكر عن السهيلي اختلاف الروايات في ذلك: فتحصل مما أشار إليه ستة مواطن: خيبر، ثم عمرة القضاء، ثم الفتح، ثم أوطاس، ثم تبوك، ثم حجة الوداع، وبقي حنين فإما أن يكون ذهل عنها أو تركها عمدًا لخطأ راويها أو لكون غزوة أوطاس وحنين واحدًا، ثم ذكر روايات هذه المواضع وتكلم عليها حديثًا حديثًا، فارجع إليه لو شئت. ثم قال: فلم يبق من المواطن صحيحًا صريحًا سوى غزوة خيبر وغزوة الفتح، وفي غزوة خيبر من كلام أهل العلم ما تقدم، كذا في "الأوجز"، وفيه أيضًا: قال النووي: الصواب أن تحريمها وإباحتها وقعتا مرتين، فكانت مباحة قبل خيبر ثم حرمت فيها، ثم أبيحت عام الفتح وهو عام أوطاس، ثم حرمت تحريمًا مؤبدًا، قال: ولا مانع من تكرير الإباحة، انتهى مختصرًا. وقال الحافظ في "التلخيص": حكى العبادي في طبقاته عن الشافعي قال: ليس في الإسلام شيء أحل ثم حرم ثم أحل ثم حرم إلا المتعة، وقال بعضهم: نسخت ثلاث مرات، وقيل: أكثر، ويدل على ذلك اختلاف الروايات في وقت تحريمها، وإذا صحت كلها فطريق الجمع بينها الحمل على التعدد، والأجود في الجمع ما ذهب إليه جمع من المحققين أنها لم تحل قط في حال الحضر والرفاهية بل في حال السفر والحاجة، والأحاديث ظاهرة في ذلك، ويبين ذلك حديث ابن مسعود ﵁: "كنا نغزو وليس لنا نساء فرخص لنا أن ننكح" فعلى هذا كل ما ورد من التحريم في

стр. 2829

المواطن المتعددة يحمل على أن المراد بتحريمها في ذلك الوقت أن الحاجة انقضت، ووقع العزم على الرجوع إلى الوطن، فلا يكون في ذلك تحريم أبدًا إلا الذي وقع آخرًا، انتهى. قوله: (نهى عن المتعة وعن لحوم الحمر الأهلية) قال الحافظ (١): والحكمة في جمع علي بين النهي عن الحمر والمتعة أن ابن عباس كان يرخص في الأمرين معًا، وسيأتي النقل عنه في الرخصة في الحمر الأهلية في أوائل كتاب الأطعمة فرد عليه علي ﵁ في الأمرين معًا، انتهى. قوله: (فقال ابن عباس: نعم) كتب الشيخ في "اللامع" (٢): فيه دلالة أيضًا على أنه لم يجوزها على الإطلاق، انتهى. بل يجوزها لمن يضطر إليها فإنه قد روي عنه كما في هامش "اللامع" أنه قال: ما هي إلا كالميتة لا تحل إلا للمضطر، وقد تقدم اختلاف الروايات عن ابن عباس في هذه المسألة من كلام أبي بكر الجصاص. (٣٢ - باب عرض المرأة نفسها على الرجل الصالح) قال الحافظ (٣): قال ابن المنيِّر في الحاشية: من لطائف البخاري أنه لما علم الخصوصية في قصة الواهبة استنبط من الحديث ما لا خصوصية فيه، وهو جواز عرض المرأة نفسها على الرجل الصالح رغبة في صلاحه فيجوز لها ذلك، وإذا رغب فيها تزوجها بشرطه، انتهى. قوله: "جاءت امرأة" قال الحافظ: لم أقف على تعينها، وأشبه من رأيت بقصتها بمن تقدم ذكر اسمهن في الواهبات ليلى بنت قيس بن الخطيم، ويظهر لي أن صاحبة هذه القصة غير التي في حديث سهل، انتهى.

стр. 2830

(٣٣ - باب عرض الإنسان ابنته أو أخته على أهل الخير) قال الحافظ (١) تحت حديث الباب: وفيه عرض الإنسان بنته وغيرها من مولياته على من يعتقد خيره وصلاحه؛ لما فيه من النفع العائد على المعروضة عليه، وأنه لا استحياء في ذلك، وفيه أنه لا بأس بعرضها عليه ولو كان متزوجًا؛ لأن أبا بكر كان حينئذ متزوجًا، انتهى. (٣٤ - باب قول الله : ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ﴾ الآية [البقرة: ٢٣٥]) قال الحافظ (٢): قال ابن التِّين: تضمنت الآية أربعة أحكام: اثنان مباحان: التعريض والإكنان، واثنان ممنوعان: النكاح في العدة والمواعدة فيها، انتهى. ثم قال الحافظ: اقتصر المصنف في هذا الباب على حديث ابن عباس الموقوف، وفي الباب حديث صحيح مرفوع وهو قوله ﷺ لفاطمة بنت قيس: "إذا حللت فآذنيني" وهو عند مسلم، وفي لفظ: "لا تفوتينا بنفسك" أخرجه أبو داود، واتفق العلماء على أن المراد بهذا الحكم من مات عنها زوجها، واختلفوا في المعتدة من الطلاق البائن وكذا من وقف نكاحها. وأما الرجعية فقال الشافعي: لا يجوز لأحد أن يعرض لها بالخطبة فيها، والحاصل أن التصريح بالخطبة حرام لجميع المعتدات، والتعريض مباح للأولى، حرام في الأخيرة، مختلف فيه للبائن، انتهى. ولم يتعرض العلامة العيني لهذا الاختلاف، نعم تعرض لاختلاف آخر حيث قال (٣): وإن صرَّح بالخطبة في العدة لكن لم يعقد إلا بعد انقضاء العدة صح العقد عند أبي حنيفة والشافعي رحمهما الله تعالى، ولكن ارتكب

стр. 2831

المنهي، وقال مالك: يفارقها دخل بها أو لم يدخل، ولو وقع العقد في العدة ودخل [بها] فيها يفرق بينهما بلا خلاف بين الأئمة، وقال مالك والليث والأوزاعي: لا يحل له بعد ذلك نكاحها، وقال الباقون: يحل له إذا انقضت العدة أن يتزوجها إن شاء، انتهى. (٣٥ - باب النظر إلى المرأة قبل التزويج) استنبط البخاري جواز ذلك من حديثي الباب، لكون التصريح الوارد في ذلك ليس على شرطه، وقد ورد ذلك في أحاديث أصحها حديث أبي هريرة: قال رجل: إنه تزوج امرأة من الأنصار، فقال رسول الله ﷺ : "أنظرت إليها"؟ قال: لا، قال: "فاذهب فانظر إليها؛ فإن في أعين الأنصار شيئًا" أخرجه مسلم والنسائي، وفي لفظ له صحيح: إن رجلًا أراد أن يتزوج امرأة، فذكره، قال الغزالي في "الإحياء": اختلف في المراد بقوله: "شيئًا" فقيل: عمش، وقيل: صغر، انتهى من "الفتح" (١). وأما حكم المسألة عند الأئمة فقال العلامة العيني (٢): اختلف فيه العلماء فقال طاوس والزهري والحسن البصري والأوزاعي وأبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد والشافعي ومالك وأحمد وآخرون: يباح النظر إلى المرأة التي يريد نكاحها. وقال عياض: وقال الأوزاعي: ينظر إليها ويجتهد وينظر [منها] مواضع اللحم منها، وقال الشافعي وأحمد: وسواء بإذنها أو بغير إذنها إذا كانت مستترة، وحكى بعض شيوخنا تأويلًا على قول مالك: أنه لا ينظر إليها إلا بإذنها لأنه حق لها، ولا يجوز عند هؤلاء المذكورين أن ينظر إلى عورتها ولا وهي حاسرة، وعن داود: ينظر إلى جميعها حتى قال ابن حزم: يجوز النظر إلى فرجها، إلى آخر ما بسط في فروع المسألة وتفاصيلها، ثم

стр. 2832

قال: وقال طائفة، منهم يونس بن عبيد وإسماعيل ابن علية وقوم من أهل الحديث: لا يجوز النظر إلى الأجنبية مطلقًا إلا لزوجها أو ذي رحم محرم منها، إلى آخر ما ذكر. قال الحافظ (١): قال الجمهور: لا بأس أن ينظر الخاطب إلى المخطوبة، قالوا: ولا ينظر إلى غير وجهها وكفيها، وقال الأوزاعي: يجتهد وينظر إلى ما يريد منها إلا العورة، وقال ابن حزم: ينظر إلى ما أقبل منها وإلى ما أدبر منها، وعن أحمد ثلاث روايات: الأولى كالجمهور، والثانية ينظر إلى ما يظهر غالبًا، والثالثة ينظر إليها متجردة، وقال الجمهور أيضًا: يجوز أن ينظر إليها إذا أراد ذلك بغير إذنها، عن مالك رواية: يشترط إذنها، ونقل الطحاوي عن قوم أنه لا يجوز النظر إلى المخطوبة قبل العقد بحال؛ لأنها حينئذ أجنبية، ورد عليه للأحاديث المذكورة، انتهى. ويظهر مما تقدم من كلام الحافظين ابن حجر والعيني جواز النظر إلى المخطوبة فقط، ويظهر من كلام القسطلاني استحباب النظر إليها، كما سيأتي كلام القسطلاني. وفي "الإقناع" (٢) من فروع الشافعية بحثًا على أنواع النظر: والضرب الرابع النظر لأجل النكاح فيجوز بل يسن إذا قصد نكاحها ورجا رجاء ظاهرًا أنه يجاب إلى خطبته، إلى آخر ما ذكر. فقال القسطلاني (٣): "باب استحباب النظر إلى المرأة" والمرأة إلى الرجل "قبل التزويج" والخطبة لحديث المغيرة عند الترمذي وحسنه والحاكم وصححه أنه خطب امرأة فقال النبي ﷺ : "انظر إليها فإنه أحرى أن يؤدم بينكما" أي: تدوم بينكما المودة والألفة وأن يكون بعد العزم وقبل الخطبة لحديث أبي داود: "إذا ألقى الله في قلب امرئ خطبة امرأة فلا بأس أن

стр. 2833

ينظر إليها" وإنما اعتبر ذلك قبل الخطبة لأنه لو كان بعد فلربما أعرض عنها فيؤذيها، إلى آخر ما بسط. (٣٦ - باب من قال: لا نكاح إلا بولي) قال العيني (١): هذا لفظ حديث رواه أبو داود والترمذي من حديث أبي موسى الأشعري، وإنما ترجم بهذا ولم يخرجه لكونه ليس على شرطه وكذلك لم يخرجه مسلم، وفيه كلام كثير قد ذكرناه عن قريب، ولكن لما كان ميله إلى من قال: لا نكاح إلا بولي، احتج بثلاث آيات ذكر هنا من كل آية قطعة، انتهى. قال الحافظ (٢): استنبط المصنف هذا الحكم من الآيات والأحاديث التي ساقها لكون الحديث الوارد بلفظ الترجمة على غير شرطها، ثم بسط الحافظ الكلام على هذا الحديث، ورجح وصله إذ قال: ومن تأمل ما ذكرته عرف أن الذين صححوا وصله لم يستندوا في ذلك إلى كونه زيادة ثقة فقط بل للقرائن المذكورة المقتضية لترجيح رواية إسرائيل الذي وصله على غيره، إلى آخر ما ذكر. والمسألة خلافية قال الشيخ في "الكوكب" (٣): وقال الشافعي بظاهر الحديث أن لا نكاح إلا بولي، وعندنا إما أن يكون المراد بالنكاح هو الذي لا يستغنى فيه عن الولي كنكاح الصغيرة والأمة، أو المراد به نفي نفاذه وتمامه بحيث لا يتيسر للولي إبطاله إذا كان فيه إبطال حق له، كما إذا تزوجت في غير كُفْءٍ أو بأقل من مهر مثلها جمعًا بين الروايات وبينها وبين الآيات، أو يراد نفي حسنه فإن النكاح الذي لم يرض به الأولياء غير مستحسن شرعًا وعرفًا، انتهى. وفي هامشه: وبقول الشافعي قال أحمد، وقال مالك: إن كانت

стр. 2834

المرأة دنية يجوز لها أن تزوج نفسها أو توكل من يزوجها، وإن كانت شريفة لا بد من وليها، وقال الإمام الأعظم: لا يعتبر الولي في البالغة، وفي ابن الهمام: حاصل ما في الولي عن علمائنا سبع روايات، روايتان عن أبي حنيفة، هكذا في "البذل" (١)، انتهى. قلت: والروايات السبع بسطت في "فتح القدير" وظاهر الرواية عن أبي حنيفة وأبي يوسف ينعقد بدون الولي لكن لا يستحب، وعن محمد: ينعقد موقوفًا. وكتب الشيخ في "اللامع" (٢): قوله: "باب من قال: لا نكاح إلا بولي" وجملة ما أورده فيه لا تثبت أن جواز النكاح متوقف على إجازته فلا حاجة إلى الجواب أصلًا، انتهى. وفي هامشه: ما أفاده الشيخ قُدِّس سرُّه واضح فإن الإمام البخاري ذكر في الباب أربعة أحاديث ليس في واحد منها توقف النكاح على الولي، غاية ما في تلك الأحاديث إنكاح الرجل وليته، ولا ينكره أحد، إلى آخر ما بسط في هامش "اللامع". وفي "الفيض" (٣): واعلم أن ههنا مسألتين: الأولى: أن النكاح لا ينعقد إلا برضا الولي وإجازته، وإليه ذهب مالك والشافعي وأحمد، والثانية: أن النساء لا أهلية فيهن للإنكاح فلا ينعقد النكاح بعبارتهن وإن أجاز به الولي ألف مرة، فمحصّل مذهب الجمهور أن رضا الولي مقدم على رضا المولية، وكذا العقد الذي هو عبارة عن الإيجاب والقبول لا يصلح إلا للرجال فإن عقدت النكاح بنفسها لم ينعقد وإن رضي به الولي أيضًا، وذهب صاحبا أبي حنيفة إلى اشتراط الولي فقط، فالضروري عندهما رضا الولي سواء صدر النكاح بعبارته أو بعبارتها، قلت: وليت شعري من أين

стр. 2835

فهموا أن الحديث حجة لهم في المسألة الثانية أيضًا، فإن أقصى ما يدل عليه الحديث لغةً هو أن رضا الولي وشركته أمر ضروري وأن النكاح لا يكون إلا بشهوده، سواء لحقته إجازة سابقة أو لاحقة، وسواء صدر النكاح من عبارة المولية أو وليها، فالحديث إن كان حجة ففي المسألة الأولى، وأما المسألة الثانية فلا مساس له بها، إلى آخر ما بسط الكلام على المسألة وفي ترجيح مسلك الحنفية أشد البسط. (٣٧ - باب إذا كان الولي هو الخاطب) قال الحافظ (١) ﵀: أي: هل يزوج نفسه أو يحتاج إلى ولي آخر، قال ابن المنيِّر: ذكر في الترجمة ما يدل على الجواز والمنع معًا ليكل الأمر في ذلك إلى نظر المجتهد، كذا قال، وكأنه أخذه من تركه الجزم بالحكم، لكن الذي يظهر من صنيعه أنه يرى الجواز فإن الآثار التي فيها أمر الولي غيره أن يزوجه ليس فيها التصريح بالمنع من تزويجه نفسه، وقد أورد في الترجمة أثر عطاء الدالّ على الجواز، وإن كان الأولى عنده أن لا يتولى أحد طرفي العقد، وقد اختلف السلف في ذلك فقال الأوزاعي وربيعة والثوري ومالك وأبو حنيفة وأكثر أصحابه: يزوج الولي نفسه، وعن مالك: لو قالت الثيب لوليها: زوجني بمن رأيت، فزوّجها من نفسه أو ممن اختار لزمها ذلك ولو لم تعلم عين الزوج، وقال الشافعي: يزوجهما السلطان أو ولي آخر مثله أو أقعد منه، ووافقه زفر وداود، وحجتهم أن الولاية شرط في العقد فلا يكون الناكح منكحًا كما لا يبيع من نفسه، انتهى. وقال القسطلاني (٢): قوله: "إذا كان الولي هو الخاطب" كابن العم هل يزوج نفسه أو يزوجه ولي غيره، اختلف في ذلك فقال الشافعية: إذا أراد الولي تزويجها كابن العم لم يتول الطرفين فيزوجه من في درجته كابن عم آخر، فإن لم يكن زوّجه القاضي فإن أراد القاضي تزويجها زوّجه قاض

стр. 2836

آخر بمحل ولايته إذا كانت المرأة في عمله أو يستخلف من يزوجه إن كان له الاستخلاف، وقال أيضًا بعد الحديث الأول من حديثي الباب: فإن قلت: ما وجه المطابقة؟ أجيب: في قوله: "فيرغب عنها أن يتزوجها" لأنه أعم من أن يتولى ذلك بنفسه أو يأمر غيره فيزوجه، وبه احتج محمد بن الحسن؛ لأن الله تعالى لما عاتب الأولياء في تزويج من كانت من أهل الجمال والمال بدون سنتها من الصداق، وعاتبهم على ترك تزويج من كانت قليلة المال والجمال دل على أن الولي يصح منه تزويجها من نفسه إذ لا يعاتب أحد على ترك ما هو حرام عليه، انتهى من "الفتح". وقال بعد الحديث الثاني: قال في "فتح الباري": ووجه المطابقة بهذا الحديث يعني لمناسبة الترجمة الإطلاق أيضًا لكن انفصل من منع ذلك بأنه معدود من خصائصه أن يزوج نفسه وبغير ولي ولا شهود ولا استئذان وبلفظ هبة، انتهى. وفي "الفيض" (١): باب إذا كان الولي هو الخاطب، كابن العم ببنت عمه وحينئذ هل يكفي له اللفظ الواحد أو يجب اللفظان؛ فليراجع له "الكنز"، وأما ما في حديث البخاري من قوله: "قد تزوجتك" ففيه لفظ واحد فقط، ثم في "الهداية": إن إحدى الصيغتين إذا كانت للأمر والأخرى للماضي انعقد النكاح، ثم للمشايخ فيه بحث وهو أن صيغة الأمر منهما إيجاب والماضي قبول، أو أنها توكيل والماضي يقوم مقام الإيجاب والقبول، وليراجع له "البحر الرائق". (٣٨ - باب إنكاح الرجل ولده الصغار) ضبط "ولده" بضم الواو وسكون اللام على الجمع وهو واضح، وبفتحهما على أنه اسم جنس وهو أعم من الذكور والإناث.

стр. 2837

قوله: (لقول الله تعالى: ﴿وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ﴾ [الطلاق: ٤]. . .) إلخ، أي فدل على أن نكاحها قبل البلوغ جائز، وهو استنباط حسن لكن ليس في الآية تخصيص ذلك بالوالد ولا بالبكر، ويمكن أن يقال: الأصل في الأبضاع التحريم إلا ما دل عليه الدليل، وقد ورد حديث عائشة في تزويج أبي بكر لها وهي دون البلوغ، فبقي ما عداه على الأصل، ولهذا السر أورد حديث عائشة قال المهلب: أجمعوا أنه يجوز للأب تزويج ابنته الصغيرة البكر ولو كانت لا يوطأ مثلها لعموم قوله: ﴿وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ﴾ فيجوز نكاح من لم يحضن من أول ما يخلق، وإنما اختلفوا في غير الآباء إلا أن الطحاوي حكى عن ابن شبرمة منعه فيمن لا توطأ وحكى ابن حزم عن ابن شبرمة مطلقًا أن الأب لا يزوّج بنته البكر الصغيرة حتى تبلغ وتأذن، وزعم أن تزويج النبي ﷺ عائشة وهي بنت ست سنين كان من خصائصه، ومقابله تجويز الحسن والنخعي للأب إجبار بنته كبيرة كانت أو صغيرة بكرًا كانت أو ثيبًا، انتهى من "الفتح" بزيادة من "العيني" (١). وفي "فيض الباري" (٢): قوله: "فجعل عدتها ثلاثة أشهر قبل البلوغ" ومعلوم أنها لا تعتد إلا بعد النكاح ثم الطلاق، والظاهر أن الصغير لا ينكحه إلا أبوه فظهرت الترجمة، انتهى. قلت: وسيأتي قريبًا "باب لا ينكح الأب وغيره البكر والثيب إلا برضاها" وقالت الشرَّاح كما سيأتي هناك: أي سواء كانتا صغيرتين أو كبيرتين، فعلى هذا الظاهر عندي أن يقال: إن غرض المصنف بهذه الترجمة الردّ على ابن شبرمة حيث لم يجوز نكاح الصغيرة التي لا توطأ مطلقًا، والغرض من الترجمة الآتية بيان مسألة الإجبار، قال العيني (٣) ههنا: قال صاحب "التلويح": وكأن البخاري أراد بهذه الترجمة الردّ على ابن شبرمة فإن الطحاوي حكى عنه أن تزويج الآباء الصغار لا يجوز ولهن الخيار إذا بلغن، قال: وهذا لم يقل به أحد غيره، انتهى.

стр. 2838

وعلى هذا لا مخالفة بين هذه الترجمة وبين الترجمتين الآتيتين: "باب لا ينكح الأب وغيره. . ." إلخ" و"باب إذا زوج ابنته. . ." إلخ. (٣٩ - باب تزويج الأب ابنته من الإمام) في هذه الترجمة إشارة إلى أن الولي الخاص يقدّم على الولي العام، وقد اختلف فيه عن المالكية، قال ابن بطال: دل حديث الباب على أن الأب أولى في تزويج ابنته من الإمام، وأن السطان ولي من لا ولي لها، وأن الولي من شروط النكاح. قلت: ولا دلالة في الحديثين على اشتراط شيء من ذلك وإنما فيهما وقوع ذلك ولا يلزم منه ما عداه، وإنما يؤخذ ذلك من أدلة أخرى، انتهى من "الفتح" (١). (٤٠ - باب السلطان ولي. . .) إلخ قال الحافظ (٢): ساق فيه حديث سهل بن سعد في الواهبة، وقد ورد التصريح بأن السلطان ولي في حديث عائشة المرفوع: "أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها فنكاحها باطل" الحديث وفيه: "السلطان ولي من لا ولي لها" أخرجه أبو داود والترمذي وحسّنه، وصححه أبو عوانة وابن خزيمة وابن حبان والحاكم، لكنه لما لم يكن على شرط استنبطه من قصة الواهبة، انتهى. وقال العيني (٣): قال ابن بطال: أجمع العلماء على أن السلطان ولي من لا ولي له، وأجمعوا أن له أن يزوجها إذا دعت إلى كفء وامتنع الولي أن يزوجها، واختلفوا إذا غاب عن البكر أبوها وعمي خبره وضربت فيه الآجال من يزوجها، فقال أبو حنيفة ومالك: يزوجها أخوها بإذنها، وقال

стр. 2839

الشافعي: يزوجها السلطان دون باقي الأولياء، وكذلك الثيب إذ غاب أقرب أوليائها، واختلفوا في الولي من هو؟ فقال مالك والشافعي: هو العصبة الذي يرث وليس الخال ولا الجد لأم ولا الإخوة للأم أولياء عند مالك في النكاح، وقال محمد بن الحسن: كل من لزمه اسم ولي فهو ولي يعقد النكاح، انتهى. وفي "الفيض" (١): والسلطان قد يكون وليًا في فقهنا أيضًا كما إذا لم يكن له العصبة بنفسه، انتهى. (٤١ - باب لا ينكح الأب وغيره البكر والثيب إلا برضاها) كذا في النسخة "الهندية" بإفراد الضمير، وفي نسخة "الفتح" و"القسطلاني" وكذا في نسخة الحاشية "برضاهما" بضمير التثنية، قال صاحب "الفيض" (٢): والظاهر أنه أشار إلى موافقته لأبي حنيفة أن ولاية الإجبار تنقطع بالبلوغ؛ لأن الصغيرة لا ولاية لها على نفسها فهي مستثناة عقلًا، انتهى. قال الحافظ (٣): الترجمة معقودة لاشتراط رضا المزوجة بكرًا كانت أو ثيبًا، صغيرة كانت أو كبيرة، وهو الذي يقتضيه ظاهر الحديث، لكن تستثنى الصغيرة من حيث المعنى لأنها لا عبارة لها، انتهى. وهكذا قال القسطلاني إلا أنه لم يذكر ما ذكره الحافظ بقوله: لكن تستثنى الصغيرة إلخ. قال الحافظ (٤): في هذه الترجمة أربع صور: تزويج الأب البكر،

стр. 2840

وتزويج الأب الثيب، وتزويج غير الأب البكر، وتزويج غير الأب الثيب، وإذا اعتبرت الكبر والصغر زادت الصور، فالثيب البالغ لا يزوجها الأب ولا غيره إلا برضاها اتفاقًا إلا من شذ كما تقدم، والبكر الصغيرة يزوجها أبوها اتفاقًا إلا من شذ كما تقدم، والثيب غير البالغ اختلف فيها فقال مالك وأبو حنيفة: يزوجها أبوها كما يزوج البكر، وقال الشافعي وأبو يوسف ومحمد: لا يزوجها إذا زالت البكارة بالوطء لا بغيره، والعلة عندهم أن إزالة البكارة تزيل الحياء الذي في البكر، والبكر البالغ يزوجها أبوها وكذا غيره من الأولياء، واختلف في استئمارها والحديث دال على أنه لا إجبار للأب عليها إذا امتنعت، وقد ألحق الشافعي الجد بالأب، وقال أبو حنيفة والأوزاعي في الثيب الصغيرة: يزوجها كل ولي فإذا بلغت ثبت لها الخيار، وقال أحمد: إذا بلغت تسعًا جاز للأولياء غير الأب نكاحها، وكأنه أقام المظنة مقام المئنة، وقال مالك: يلتحق بالأب في ذلك وصي الأب دون بقية الأولياء لأنه أقامه مقامه، انتهى. وقال القسطلاني (١): وللعلماء في هذا المقام تفصيل واختلاف، فذكر نحو ما تقدم عن الحافظ، والظاهر من هذه الترجمة وكذا من الترجمة الآتية أن المصنف ذهب إلى المنع مطلقًا ولم يقل بالإجبار أصلًا ولم يذهب في المسألة إلى التفصيل المذكور التي اختارها الأئمة الأربعة، ويؤيد أيضًا ما سيأتي في كتاب الإكراه "باب لا يجوز نكاح المكره" ولم يذكر فيه تفصيلًا. وحاصل الخلاف في هذه المسألة: أن الأئمة الأربعة أجمعوا على جواز إجبار البكر الغير البالغة، وكذا أجمعوا على عدم جواز إجبار الثيب البالغة، واختلفوا في إجبار الثيب الصغيرة يجوز عندنا ومالك لا عندهما، وكذا اختلفوا في البكر البالغة فلا يجوز عندنا ويجوز عند الأئمة الثلاثة،

стр. 2841

قال ابن رشد (١) في سبب اختلافهم: إنهم اختلفوا في موجب الإجبار هل هو البكارة أو الصغر، فمن قال: الصغر قال: لا يجبر البكر البالغة، ومن قال: البكارة قال: يجبر البكر البالغ ولا تجبر الثيب الصغيرة، ومن قال: كل واحد منهما قال: يجبر البكر البالغ والثيب الغير البالغ، والتعليل الأول تعليل أبي حنيفة، والثاني تعليل الشافعي، والثالث تعليل مالك، والأصول أكثر شهادة بتعليل أبي حنيفة، انتهى. (٤٢ - باب إذا زوج ابنته وهي كارهة فنكاحه مردود) قال الحافظ (٢): هكذا أطلق فشمل البكر والثيب لكن حديث الباب مصرح فيه بالثيوبة، فكأنه أشار إلى ما ورد في بعض طرقه كما سأبينه، وردّ النكاح إذا كانت ثيبًا فزوجت بغير رضاها إجماع إلا ما نقل عن الحسن أنه أجاز إجبار الأب للثيب ولو كرهت، وعن النخعي: إن كانت في عياله جاز وإلا ردّ، واختلفوا إذا وقع العقد بغير رضاها فقالت الحنفية: إن أجازته جاز، وعن المالكية: إن أجازته عن قرب جاز وإلا فلا، وردّه الباقون مطلقًا، انتهى. وكتب مولانا الشيخ أحمد علي المحدث السهارنفوري في حاشية البخاري (٣) تفريعًا على قول الحافظ: فشمل البكر والثيب: كما هو مذهب الحنفية، وكتب أيضًا على قوله: كما سأبينه. ولعل المراد به ما ذكره بقوله: وقع في رواية الثوري: "فقالت: أنكحني أبي وأنا كارهة وأنا بكر" والأول أرجح، انتهى. لكن لا يخفى أن وقوع الواقعة للثيبة بحسب الاتفاق لا يوجب أن يكون حكم البكر مخالفًا لها، والله تعالى أعلم، انتهى. قال العيني (٤): قيل: هذه الترجمة مخالفة للترجمة السابقة حيث قال:

стр. 2842

باب نكاح الرجل ولده الصغار، وأجيب بأن المراد بنته البالغة، يدل عليه قوله: "وهي كارهة" لأن هذه الصفة للبالغات، انتهى. وقال القسطلاني (١) في شرح قول المصنف في الترجمة: فنكاحه مردود: إذا كانت ثيبًا اتفاقًا من الأئمة الأربعة، انتهى. قلت: وقد ذكرت مقصود الترجمة السابقة هناك ولا يبقى حينئذ المخالفة بين الترجمتين كما ذكر العيني، وقد تقدم مني أيضًا أن الإمام البخاري لا يقول بالإجبار مطلقًا كما يستأنس ذلك من صنيعه في وضع التراجم في تلك المسألة، والله تعالى أعلم، وكذا لا يجوّز الإمام البخاري نكاح الرجل المكره فقد ترجم في كتاب الإكراه بعدم جوازه كما يأتي في محله. (٤٣ - باب تزويج اليتيمة، لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا﴾ الآية [النساء: ٣]) قال الحافظ (٢): ذكر فيه حديث عائشة في تفسير الآية المذكورة وفيه دلالة على تزويج الولي غير الأب التي دون البلوغ بكرًا كانت أو ثيبًا؛ لأن حقيقة اليتيمة من كانت دون البلوغ ولا أب لها وقد أذن في تزويجها بشرط أن لا يبخس من صداقها، فيحتاج من منع ذلك إلى دليل قوي، انتهى. وكذا قال القسطلاني (٣) وزاد: وقد اختلف في ذلك فقال أصحاب أبي حنيفة: يصح النكاح ولها الخيار إذا بلغت في فسخ النكاح وإجازته، وقال الشافعي: باطل لأن النبي ﷺ قال: "اليتيمة تستأمر" واليتيمة اسم للصغيرة التي لا أب لها وهي قبل البلوغ لا عبرة بإذنها، وكأنه ﷺ شرط بلوغها فمعناه: لا تنكح حتى تبلغ فتستأمر، انتهى.

стр. 2843

قلت: فحديث الباب يوافق الحنفية ويخالف الشافعية قال صاحب "الجوهر النقي" (١) جوابًا عن استدلال البيهقي بحديث: "تستأمر اليتيمة": قلت: قد ذكر البيهقي فيما بعد في "باب اليتيمة تكون في حجر وليها" عن عائشة سبب نزول قوله تعالى: ﴿وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ﴾ [النساء: ١٢٧] وعزاه إلى الصحيحين، وفيه دليل على أن للأولياء إنكاح اليتامى قبل بلوغهن إذ لا يتم بعد الاحتلام، إلى آخر ما ذكر. قوله: (وإذا قال: زوجني فلانة فمكث ساعة. . .) إلخ. كتب الشيخ في "اللامع" (٢): يعني بذلك: أن الإيجاب لا يبطل بالمكث والسكوت ما لم يشتغل بأمر آخر يدل على الإعراض، وفيه رد على أصحاب مالك حيث ذهبوا إلى بطلان الإيجاب إذا لم يقارنه القبول من غير تلبث وتربث، انتهى. وفي هامشه: كما هو المعروف عند المالكية، ثم ذكر فيه النصوص عن كتب فروع المالكية، ثم ذكر: وبنحو قول المالكية قال الشافعية، قال الشلبي على "هامش الزيلعي على الكنز": وفي "البدائع": الفور في القبول ليس بشرط عندنا خلافًا للشافعي، وفي "التجريد": قبول النكاح في المجلس قول أصحابنا، وقال الشافعي على الفور، انتهى. قوله: (فيه سهل عن النبي ﷺ ) قال الحافظ (٣): يعني حديث الواهبة وقد تقدم مرارًا، ومراده منه أن التفريق بين الإيجاب والقبول إذا كان في المجلس لا يضر ولو تخلل بينهما كلام آخر، وفي أخذه من هذا الحديث نظر لأنها واقعة عين يطرقها احتمال أن يكون قبل عقب (٤) الإيجاب، انتهى.

стр. 2844

قال العلامة العيني (١) في وجه الاستدلال بحديث سهل: وفي آخر هذا الحديث: ملكتكها أو زوجتكها، وجرى بين قوله: زوجنيها، وبين قوله ﵊: "زوجتكها" أشياء كثيرة كما ذكرها في الحديث ولم يضر ذلك لاتحاد المجلس، انتهى. (٤٤ - باب إذا قال الخاطب: زوجني فلانة. . .) إلخ قال الحافظ (٢): في رواية الكشميهني: "إذا قال الخاطب للولي" وبه يتم الكلام وهو الفاعل في قوله: "وإن لم يقل" وأورد المصنف فيه حديث سهل بن سعد في قصة الواهبة أيضًا، وهذه الترجمة معقودة لمسألة هل يقوم الالتماس مقام القبول فيصير كما لو تقدم القبول على الإيجاب كأن يقول: تزوجت فلانة على كذا فيقول الولي: زوجتكها بذلك، أو لا بد من إعادة القبول، فاستنبط المصنف من قصة الواهبة أنه لم ينقل بعد قول النبي ﷺ : "زوجتكها بما معك من القرآن" أن الرجل قال: قد قبلت، لكن اعترضه المهلب فقال: بساط الكلام في هذه القصة أغنى عن توقيف الخاطب على القبول لما تقدم من المراوضة والطلب والمعاودة في ذلك، فمن كان في مثل حال هذا الرجل الراغب لم يحتج إلى تصريح منه بالقبول لسبق العلم برغبته، بخلاف غيره ممن لم تقم القرائن على رضاه، انتهى. وغايته أنه يسلم الاستدلال لكن يخصه بخاطب دون خاطب وقد قدمت في الذي قبله وجه الخدش في أصل الاستدلال، انتهى. قلت: وهو ما تقدم في الباب السابق من قوله: وفي أخذه من هذا الحديث نظر إلخ. وقال القسطلاني (٣) تحت الترجمة: وهذا مذهب الشافعية لوجود الاستدعاء الجازم، ولقوله في حديث الباب: "زوجنيها، فقال: زوجتكها

стр. 2845

بما معك من القرآن" ولم ينقل أنه قال بعد ذلك: قبلت نكاحها، انتهى. قلت: وكذا عند الحنفية، وفي تقرير مولانا محمد حسن المكي: قوله: "جاز النكاح" ولا حاجة إلى القبول وهو المذهب فإن الواحد يتولى طرفي النكاح، وفي "الهداية": وينعقد باللفظين يعبر بأحدهما عن الماضي وبالآخر عن المستقبل، مثل أن يقول: زوجني، فيقول: زوجتك؛ لأن هذا توكيل بالنكاح والواحد يتولى طرفي النكاح، انتهى (١). (٤٥ - باب لا يخطب على خطبة أخيه حتى ينكح أو يدع) قال الحافظ (٢) بعد ذكر حديث الباب: قال الجمهور: هذا النهي للتحريم، وقال الخطابي: هذا النهي للتأديب وليس بنهي تحريم يبطل العقد عند أكثر الفقهاء كذا قال، ولا ملازمة بين كونه للتحريم وبين البطلان عند الجمهور بل عندهم للتحريم ولا يبطل العقد، بل حكى النووي أن النهي فيه للتحريم بالإجماع، ولكن اختلفوا في شروطه فقال الشافعية والحنابلة: محل التحريم ما إذا صرَّحت المخطوبة أو وليها الذي أذنت له حيث يكون إذنها معتبرًا بالإجابة، فلو وقع التصريح بالردّ فلا تحريم، فلو لم يعلم الثاني بالحال فيجوز الهجوم على الخطبة لأن الأصل الإباحة، وعند الحنابلة في ذلك روايتان، وإن وقعت الإجابة بالتعريض كقولها: لا رغبة عنك، فقولان عند الشافعية: الأصح وهو قول المالكية والحنفية لا يحرم أيضًا وإذا لم تردّ ولم تقبل فيجوز، وإذا وجدت شروط التحريم ووقع العقد للثاني فقال الجمهور: يصح مع ارتكاب التحريم، وقال داود: يفسخ النكاح قبل الدخول وبعده، وعند المالكية خلاف كالقولين، وقال بعضهم: يفسخ قبله لا بعده، وحجة الجمهور أن المنهي عنه الخطبة والخطبة ليست شرطًا في

стр. 2846

صحة النكاح فلا يفسخ النكاح بوقوعها غير صحيحة، فحكى الطبري أن بعض العلماء، قال: إن هذا النهي منسوخ بقصة فاطمة بنت قيس، ثم ردّه وغلّطه بأنها جاءت مستشيرة فأشير عليها بما هو الأولى ولم يكن هناك خطبة على خطبة كما تقدم، انتهى. وقال القسطلاني (١) في بيان المذاهب: وقال الشيخ خليل من المالكية: تحرم خطبة راكنة لغير فاسق، قال شارحه: قوله: لغير فاسق، احتراز مما إذا ركنت لفاسق فإن خطبتها لا تحرم، انتهى. وذكره الحافظ أيضًا وزاد ورجحه ابن العربي من المالكية وهو متجه فيما إذا كانت المخطوبة عفيفة فيكون الفاسق غير كُفْءٍ لها فتكون خطبته كلا خطبة، ولم يعتبر الجمهور ذلك إذا صدرت منها علامة القبول. . . إلى آخر ما ذكر في فروع تلك المسألة. (٤٦ - باب تفسير ترك الخطبة) ذكر فيه طرفًا من حديث عمر حين تأيمت حفصة، وفي آخره قول أبي بكر الصديق ﵁: ولو تركها لقبلتها، قال ابن بطال ما ملخصه: تقدم في الباب الذي قبله تفسير ترك الخطبة صريحًا في قوله: "حتى ينكح أو يترك" وحديث عمر في قصة حفصة لا يظهر منه تفسير ترك الخطبة؛ لأن عمر لم يكن علم أن النبي ﷺ خطب حفصة، قال: ولكنه قصد معنى دقيقًا يدل على ثقوب ذهنه ورسوخه في الاستنباط، وذلك أن أبا بكر علم أن النبي ﷺ إذا خطب إلى عمر أنه لا يرده بل يرغب فيه ويشكر الله على ما أنعم الله عليه به من ذلك، فقام علم أبي بكر بهذا الحال مقام الركون والتراضي، فكأنه يقول: كل من علم أنه لا يصرف إذا خطب لا ينبغي لأحد أن يخطب على خطبته.

стр. 2847

وقال ابن المنيِّر: الذي يظهر لي أن البخاري أراد أن يحقق امتناع الخطبة على الخطبة مطلقًا؛ لأن أبا بكر امتنع ولم يكن انبرم الأمر بين الخاطب والولي، فكيف لو انبرم وتراكنا، فكأنه استدلال منه بالأولى، قلت: وما أبداه ابن بطال أدق وأولى، والله أعلم، انتهى من "الفتح" (١). قلت: وحاصل ما أبداه ابن بطال وهو الأوجه عندي أن الإمام البخاري أشار أن إرادة الرجل الخطبة أيضًا داخل في الخطبة؛ لأن أبا بكر امتنع عن الخطبة لعلمه إرادته ﷺ الخطبة، مع أنه ﵇ يخطب بعد، وإذا كانت إرادة الخطبة في حكم الخطبة فترك الإرادة تركها، فطابق الحديث بالترجمة. وكتب الشيخ المحدث مولانا أحمد علي السهارنفوري في هامش النسخة "الهندية" (٢): قوله: "تفسير ترك الخطبة" أي: الاعتذار عن تركها، قال شارح التراجم: مراد البخاري الاعتذار عن الولي إذا خطب رجلًا على وليته لما في ذلك من ألم عار الردّ على الولي كذا في الكرماني، ثم ذكر ما تقدم من كلام الحافظ. وفي "الفيض" (٣) في شرح ترجمة الباب: يعني أن القرائن الدالة على إرادة ترك التزوج كافية ولا يحتاج إلى أن يصرِّح به أيضًا. قوله: (ولو تركها لقبلتها) قاله أبو بكر لعمر، بقي أن أبا بكر كيف علم أن النبي ﷺ تاركها؟ قلت: بهذه القرائن التي يعرف بها الدنيا. (٤٧ - باب الخطبة) قال العلامة القسطلاني (٤): الخطبة بضم الخاء، أي: استحبابها قبل العقد، قال في "فتح الباري" (٥): وجه مناسبة الحديث للترجمة كأنه أشار

стр. 2848

إلى أن الخطبة وإن كانت مشروعة في النكاح فينبغي أن لا يكون فيها ما يقتضي صرف الحق إلى الباطل بتحسين الكلام، وقال المهلب: الخطبة في النكاح إنما شرعت للخاطب ليسهل أمره فشبه حسن التوصل إلى الحاجة بحسن الكلام فيه لاستنزال المرغوب إليه بالبيان بالسحر، وإنما كان كذلك لأن النفوس طبعت على الأنفة من ذكر الموليات في أمر النكاح، فكان حسن التوصل لدفع تلك الأنفة وجهًا من وجوه السحر الذي يصرف الشيء إلى غيره، والمستحب في النكاح أربع خطب: خطبة من الخاطب قبل الخطبة بكسر الخاء، وخطبة من المجيب قبل الإجابة، وخطبتان قبل النكاح: إحداهما من الولي قبل الإيجاب، والأخرى من الخاطب قبل القبول؛ لحديث: "كل أمر ذي بال" ثم ذكر القسطلاني ألفاظ الخطبة المخرجة في "السنن" فارجع إليه لو شئت. وقال الحافظ (١): قال الترمذي: وقد قال أهل العلم: إن النكاح جائز بغير خطبة، وهو قول سفيان الثوري وغيره من أهل العلم، انتهى. وقد شرطه في النكاح بعض أهل الظاهر وهو شاذ، انتهى. وفي "الفيض" (٢) تحت ترجمة الباب: وهي مستحبة إلا أن الحديث فيه ليس على شرطه فأتى بحديث في الجنس، انتهى. (٤٨ - باب ضرب الدف في النكاح والوليمة) يجوز في الدف ضم الدال وفتحها - وقال القسطلاني (٣): والضم أفصح - وقوله: "والوليمة" معطوف على النكاح، أي: ضرب الدف في الوليمة وهو من العام بعد الخاص، ويحتمل أن يريد وليمة النكاح خاصة، وأن ضرب الدف يشرع في النكاح عند العقد وعند الدخول مثلًا وعند الوليمة كذلك، والأول أشبه، وكأنه أشار بذلك إلى ما في بعض طرقه على

стр. 2849

ما سأبينه، انتهى من "الفتح" (١). قلت: ولعله أشار بذلك إلى ما ذكره بعد ذلك إذ قال: وأخرج الطبراني في "الأوسط" بإسناد حسن من حديث عائشة رضي الله تعالى عنها "أن النبي ﷺ مر بنساء من الأنصار في عرس لهن وهن يغنين" الحديث، قال المهلب: في هذا الحديث إعلان النكاح بالدف وبالغناء المباح، انتهى. قلت: وأوضح من ذلك ما في العيني (٢) برواية الترمذي عن محمد بن حاطب الجمحي قال: قال رسول الله ﷺ : "فصل ما بين الحلال والحرام الدف والصوت" وصححه ابن حبان والحاكم وبسط العيني الكلام على سند هذا الحديث. وكتب الشيخ قُدِّس سرُّه في "اللامع" (٣): قوله: "في النكاح والوليمة" عطف على النكاح، ودلالة الحديث على الجزء الثاني ظاهرة لقولها: "غداة بنى بي" وإذا جاز في الوليمة وهي من متعلقات النكاح جاز فيه أيضًا، انتهى. قال القسطلاني (٤) تحت حديث الباب: وفيه جواز ضرب الدف في النكاح، وقد قال الشافعية بجواز اليراع والدف وإن كان فيه جلاجل في الأملاك والختان وغيرهما، وقيل: يحرم اليراع وهو المزمار العراقي، ويحرم الغناء مع الآلات مما هو من شعار شاربي الخمر كالطنبور وسائر المعازف، أي: الملاهي من الأوتار والمزامير فيحرم استعماله واستماعه قصدًا، فلو لم يقصد لم يحرم، ولا يحرم الطبل إلا الكوبة وهي طبل طويل متسع الطرفين ضيق الوسط يعتاد ضربه المخنثون، ولا يحرم ضرب الكف بالكف كما صرَّح به في "الإرشاد" وغيره، ولا الرقص إلا أن يكون فيه تكسر وتثن، انتهى.

стр. 2850

وبسط الكلام في حكم الغناء ومسالك الأئمة فيه في هامش "اللامع" في كتاب العيدين، وفيه عن العيني بحثًا على المسألة (١): ولا يلزم من إباحة الضرب بالدف في العرس ونحوه إباحه غيره من الآلات كالعود ونحوه، وسئل أبو يوسف عن الدف أتكرهه في غير العرس مثل المرأة في منزلها والصبي؟ قال: فلا كراهة، وأما الذي يجيء منه اللعب الفاحش فإني أكرهه، انتهى. وقال ابن عابدين (٢): وعن الحسن: لا بأس بالدف في العرس ليشتهر، وفي "السراجية": هذا إذا لم يكن له جلاجل ولم يضرب على هيئة التطرب، انتهى. وقال الحافظ (٣): وفي حديث عبد الله بن الزبير عند أحمد وصححه ابن حبان والحاكم: "أعلنوا النكاح"، زاد الترمذي وابن ماجه من حديث عائشة: "واضربوا عليه بالدف" وسنده ضعيف، ولأحمد والترمذي والنسائي من حديث محمد بن حاطب: "فصل ما بين الحلال والحرام الضرب بالدف"، واستدل بقوله: "واضربوا" على أن ذلك لا يختص بالنساء لكنه ضعيف، والأحاديث القوية فيها الإذن في ذلك للنساء فلا يلتحق بهن الرجال لعموم النهي عن التشبه بهن، انتهى. وقال صاحب "الفيض" (٤): قوله: "باب ضرب الدف. . ." إلخ، ويستفاد من تكملة "فتح القدير" جواز الطبل أيضًا لأنه لا حظّ فيه للنفس، وإنما يتلذذ به من مسخ طبعه، وهو المختار عندي، وإن كان فيه خلافًا للشاه محمد إسحاق، فظهر أن المناط على حظ الطبائع السليمة، انتهى.

стр. 2851

(٤٩ - باب قول الله تعالى: ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً. . .﴾ [النساء: ٤]) إلخ قال صاحب "الفيض" (١): الظاهر أنه اختار مذهب الشافعي في عدم تعيين المهر، وقال أبو حنيفة: لا مهر أقل من عشرة دراهم، إلا أن في إسناده حجاج بن أرطاة، وحسن الترمذي حديثه في غير واحد من المواضع من كتابه، وإن كان المحدِّثون لا يعتبرون بتحسينه، أما أنا فأعتمد بتحسينه، وذلك لأن الناس عامة ينظرون إلى صورة الإسناد فقط، والترمذي ينظر إلى حاله في الخارج أيضًا، وهذا الذي ينبغي، والقصر على الإسناد فقط قصور، إلى آخر ما بسط. قال الحافظ (٢): هذه الترجمة معقودة لأن المهر لا يتقدر أقله، والمخالف في ذلك المالكية والحنفية، ووجه الاستدلال مما ذكره الإطلاق من قوله: ﴿صَدُقَاتِهِنَّ﴾ ومن قوله: ﴿فَرِيضَةٌ﴾، وقوله: في حديث سهل: "ولو خاتمًا من حديد"، وأما قوله: "وكثرة المهر" فهو بالجر عطف على قول الله في الآية التي تلاها، وهو قوله: ﴿وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا﴾ [النساء: ٢٠] فيه إشارة إلى جواز كثرة المهر، انتهى. قلت: واختلف الأئمة في مقدار أقل المهر، قال الحافظ (٣): قال ابن المنذر: وهو ما تراضى عليه الزوجان أو من العقد إليه بما فيه منفعة كالسوط والنعل وإن كانت قيمته أقل من درهم، وبه قال أهل المدينة غير مالك والأوزاعي والثوري والشافعي وداود وابن وهب من المالكية، وقال أبو حنيفة: أقله عشرة، وقال ابن شبرمة: أقله خمسة، ومالك: أقله ثلاثة أو ربع دينار بناء على اختلافهم في مقدار ما يجب فيه القطع. وقال الحافظ (٤) أيضًا: ونقل عياض الإجماع أن مثل الشيء الذي

стр. 2852

لا يتمول ولا له قيمة لا يكون صداقًا ولا يحل به النكاح، فإن ثبت نقله فقد خرق هذا الإجماع أبو محمد ابن حزم فقال: يجوز بكل ما يسمى شيئًا ولو كان حبة من شعير، انتهى. وقال القسطلاني (١) تحت ترجمة الباب: والآية الأولى دالة بأكثر الصداق والحديث لأدناه، وهل يتقدر أدناه أم لا؟ فمذهب الشافعية والحنابلة أدنى متموّل لقوله ﷺ : "التمس ولو خاتمًا من حديد" والضابط كل ما جاز أن يكون ثمنًا، وعند الحنفية عشرة دراهم، والمالكية ربع دينار، فيستحب عند الشافعية والحنابلة أن لا ينقص عن عشرة دراهم خروجًا من خلاف أبي حنيفة وأن لا يزيد على خمسمائة درهم كأصدقة بنات النبي ﷺ وزوجاته، وأما إصداق أم حبيبة أربعمائة دينار فكان من النجاشي إكرامًا له ﷺ ، وللصداق أسماء ثمانية مشهورة جمعت في قوله: صداق ومهر نحلة وفريضة … حباء وأجر ثم عقر علائق تْم ذكر الفرق بينها. وقال أيضًا (٢): قوله: "على وزن نواة" اختلف في المراد بالنواة فقيل: واحدة نوى التمر كما يوزن بنوى الخروب، وأن القيمة عنها يومئذ خمسة دراهم، وقيل: ربع دينار، وضعف بأن نوى التمر يختلف في الوزن فكيف يجعل معيارًا، أو أن لفظ النواة من الذهب خمسة دراهم من الورق، وجزم به الخطابي، ويشهد له رواية البيهقي عن قتادة: وزن نواة من ذهب قومت خمسة دراهم أو وزنها من الذهب خمسة دراهم حكاه ابن قتيبة، واستبعد لأنه يستلزم أن يكون ثلاث مثاقيل ونصفًا، وعن بعض المالكية النواة عند أهل المدينة ربع دينار، وعن الشافعي النواة ربع النش والنش نصف أوقية والأوقية أربعون درهمًا فتكون خمسة دراهم، انتهى كله من "القسطلاني".

стр. 2853

وقال (١) أيضًا تحت قوله: "زنة نواة من ذهب. . ." إلخ،: وسيأتي في "باب الصفرة للمتزوج" قال ابن دقيق العيد: في معنى ذلك قولان: أحدهما: أن المراد نواة من نوى التمر، وهو قول مرجوح، والثاني: أنه عبارة عن قدر معلوم عندهم، وهو وزن خمسة دراهم، قال: ثم في المعنى وجهان: أحدهما: أن يكون المصدق ذهبًا وزنه خمسة دراهم، والثاني: أن يكون المصدق دراهم بوزن نواة من ذهب، قال: وعلى الأول يتعلق قوله: "من ذهب" بلفظ زنة، وعلى الثاني يتعلق بنواة، إلى آخر ما ذكر. (٥٠ - باب التزويج على القرآن وبغير صداق) أي: على تعليم القرآن وبغير صداق مالي عيني، ويحتمل غير ذلك كما سيأتي البحث فيه، انتهى من "الفتح" (٢). وكتب الشيخ قُدِّس سرُّه في "الكوكب" (٣): قوله: "هل معك من القرآن شيء. . ." إلخ، كأنه رغب المرأة أن تعفو عنه ما لها من المهر المعجل وتقنع بما سيؤتيها إذا يسره الله تعالى له، ثم ما قال: "زوجتكها بما معك من القرآن" فالباء فيه للسببية وليست للعوض والمقابلة إذ كيف يصح المقابلة بما معك والحال أن كونه معه ليس شيئًا يعوض به، وتقدير المضاف خلاف الظاهر حتى يقال: إنه قال: زوجتكها لتعليم ما معك من القرآن، ثم إنهم اختلفوا فيما بينهم على جواز أخذ الأجر على تعليم القرآن وعدم جوازه، فجوزه الشافعية ومنعه الحنفية، إلى آخر ما ذكر من دليل المسألة، انتهى. وفي هامشه: ولو سلم فهذا خاص بهذا الرجل كما جزم به الطحاوي والأبهري لما أخرجه سعيد بن منصور وابن السكن عن أبي النعمان الأزدي الصحابي قال: زوّج رسول الله ﷺ امرأة على سورة من القرآن، وقال: "لا يكون لأحد بعدك مهرًا" قاله أبو الطيب، انتهى.

стр. 2854

وبسط الكلام في شرح هذا الحديث وبيان مذاهب الأئمة وتفاريعها في "الأوجز" (١) وفيه: الباء يحتمل أن يكون للعوض كبعتك ثوبي بدينار، وعلى هذا يحتاج إلى تأويل لأن القرآن الذي معه لا يمكن أن يكون ثمنًا فيؤول بتعليمه والثاني أن يكون للسببية، أي: إكرامًا للقرآن الذي معك، وعلى هذا يكون النكاح بدون مهر كما هو ظاهر، ولذا اختلفت الأئمة في ذلك قال الموفق: إن أصدقها تعليم صناعة أو تعليم عبدها صناعة يصح لأنه منفعة معلومة يجوز بذل العوض عنها فجاز جعلها صداقًا، إلى أن قال: وكذا تعليم غير ذلك من العلوم الشرعية التي يجوز أخذ الأجرة على تعليمها، فأما تعليم القرآن فاختلفت الرواية عن أحمد في جعله صداقًا فقال في موضح: أكرهه، وقال في موضع: جاز، وهو مذهب الشافعي، ولا يجوز عند مالك والليث وأبي حنيفة، واحتج من أجازه بحديث الباب، انتهى. وفي "نيل المآرب" في فروع الحنابلة: إن أصدقها تعليم شيء من القرآن ولو معينًا لم يصح وفاقًا لأبي حنيفة، انتهى. وكذا في "الروض المربع"، وفي "المحلى": قال الحنفية: الباء للسببية، أي: بسبب ما معك من القرآن، فيخلو النكاح عن المهر فيرجع إلى مهر المثل، قال الترمذي: هو قول أحمد وإسحاق، فالنكاح عندهم جائز ولها صداق مثلها، إلى آخر ما بسط في "الأوجز". ثم إنه قد تقدم في "باب هل للمرأة أن تهب نفسها" الإشارة إلى مسألتين تناسبان هذا الباب: الأولى: هل يصح النكاح بغير ذكر صداق؟ والثانية: هل يصح بنفي الصداق أم لا؟ أما الأولى ففي "البحر": ذكر الأكمل والكمال أنه لا خلاف لأحد في صحته بلا ذكر المهر، انتهى. وفي "الأوجز" عن "شرح الإقناع": إن لم يسم صداقًا صح العقد بالإجماع لكن مع الكراهة كما صرَّح به الماوردي وغيره، إلى آخر ما بسط

стр. 2855

في هامش "اللامع" (١). وأما المسألة الثانية ففي هامش "اللامع" (٢) أيضًا: قال الموفق بعد ذكر صحة النكاح بدون التسمية: والاستدلال عليه بقوله تعالى: ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ﴾ [البقرة: ٢٣٦] ولأن القصد من النكاح الوصل والاستمتاع دون الصداق فصح من غير ذكره كالنفقه، وسواء تركا ذكر المهر أو شرطا نفيه، مثل أن يقول: زوجتك بغير مهر فيقبله كذلك، ولو قال: زوجتك بغير مهر في الحال ولا في الثاني صح أيضًا، وقال بعض الشافعية: لا يصح في هذه الصورة لأنها تكون كالموهوبة، وليس بصحيح لأن الشرط يفسد ويجب المهر، انتهى. وفي "الهداية" (٣): وكذا يصح إذا تزوجها بشرط أن لا مهر لها وفيه خلاف مالك، انتهى. لكن الموفق لم يذكر فيه خلاف مالك بل حكى خلاف بعض الشافعية كما تقدم، وقال الدردير: وفسد النكاح إن نقص صداقه عن ربع دينار أو ثلاثة دراهم أو وقع العقد بإسقاطه، أي: على شرط إسقاطه فيفسخ، قيل: وفيه بعده صداق المثل، انتهى. (٥١ - باب المهر بالعروض وخاتم من حديد) العروض بضم العين والراء المهملتين جمع عرض بفتح أوله وسكون ثانيه والضاد المعجمة، ما يقابل النقد، وقوله بعده: "وخاتم من حديد" هو من الخاص بعد العام فإن الخاتم من حديد من جملة العروض، والترجمة مأخوذة من حديث الباب للخاتم بالتنصيص والعروض بالإلحاق، وتقدم في أوائل النكاح حديث ابن مسعود "فرخص لنا أن ننكح المرأة بالثوب" وتقدم في الباب قبله عدة أحاديث في ذلك، انتهى من "الفتح" (٤).

стр. 2856

وفي هامش النسخة الهندية (١): قال الكرماني: هذا هو المرة الثامنة من ذكر هذا الحديث في كتاب النكاح، انتهى. (٥٢ - باب الشروط في النكاح) قال العيني (٢): وهي على أنواع منها: ما يجب الوفاء به كحسن العشرة، ومنها: ما لا يلزم كسؤال طلاق أختها، ومنها: ما هو مختلف فيه مثل أن لا يتزوج عليها، انتهى. وقال الحافظ (٣): أي التي تحل وتعتبر، وقد ترجم في كتاب الشروط: "الشروط في المهر عند عقدة النكاح" وأورد فيه الأثر المعلق والحديث الموصول المذكور ههنا، انتهى. قوله: (مقاطع الحقوق عند الشروط) كتب الشيخ قُدِّس سرُّه في "اللامع" (٤): يعني أن حق صاحب الحق ينقطع باشتراط عدمه فإن المسلمين على شروطهم، وفيه خلاف مشهور، وهذا مع اتفاق العلماء على أن الشروط المخالفة لمقتضى الشريعة باطلة فالاختلاف فيما بينهم حينئذ إلى مخالفة الشروط للشرع فكم من شرط يخالف أصول الشرع عند أحدهم دون الآخر، ومن جملتها اشتراط الزوج أن لا يخرجها من بيت أهلها فإنه يبطل عندنا لمخالفته قوله تعالى: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ﴾ [الطلاق: ٦] وقوله: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ﴾ [النساء: ٣٤]، انتهى. وقال الحافظ (٥): قوله: "مقاطع الحقوق. . ." إلخ، وصله ابن أبي شيبة وسعيد بن منصور عن عبد الرحمن بن غنم قال: كنت مع عمر رضي الله تعالى عنه من حيث تمس ركبتي ركبته، فجاءه رجل فقال: يا أمير

стр. 2857

المؤمنين! تزوجت هذه وشرطت لها دارها وإني أجمع لأمري أو لشأني أن أنتقل إلى أرض كذا وكذا، فقال: لها شرطها، فقال الرجل: هلك الرجال إذ لا تشاء امرأة أن تطلق زوجها إلا طلقت، فقال عمر ﵁: المؤمنون على شروطهم عند مقاطع حقوقهم، انتهى. قلت: واستفيد من هذه القصة أن عمر ﵁ ممن يجوز اشتراط الدار كما هو مذهب الحنابلة خلافًا للأئمة الثلاثة كما سيأتي بيان المذاهب، وذكره الإمام البخاري في الشروط التي تحل في النكاح، فعلى هذا مسلك الإمام البخاري في هذا يوافق مذهب الإمام أحمد. قوله: (أحق ما أوفيتم من الشروط أن توفوا به ما استحللتم به الفروج) تقدم في أول الترجمة أن شروط النكاح على أنواع، ولم يقل بعموم هذا الحديث أحد من الأئمة، قال النووي في "شرح مسلم" (١): قال الشافعي وأكثر العلماء: هذا محمول على شروط لا تنافي مقتضى النكاح بل تكون من مقتضياته ومقاصده كاشتراط العشرة بالمعروف والإنفاق عليها وكسوتها وسكناها بالمعروف ونحو ذلك، وأما شرط يخالف مقتضاه كشرط أن لا يقسم لها ولا يتسرى عليها ولا ينفق عليها ولا يسافر بها ونحو ذلك فلا يجب الوفاء بها، بل يلغو الشرط ويصح النكاح بمهر المثل، لقوله ﷺ : "كل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل" وقال أحمد وجماعة: يجب الوفاء بالشرط مطلقًا لحديث الباب، والله أعلم، انتهى. قلت: وترجم الإمام أبو داود على هذا الحديث: "باب في الرجل يشترط لها دارها" فأثبت الإمام أبو داود بهذا الحديث جواز اشتراط الدار كما هو مذهب الإمام أحمد بخلاف الأئمة الثلاثة، فإن لم يف الزوج بالشرط المذكور فلها فسخ نكاحها عند أحمد، والإمام أبو داود - كما ذكرت في محله - حنبلي (٢).
следующие страницы →