وقال (١) أيضًا تحت قوله: "زنة نواة من ذهب. . ." إلخ،: وسيأتي في "باب الصفرة للمتزوج" قال ابن دقيق العيد: في معنى ذلك قولان: أحدهما: أن المراد نواة من نوى التمر، وهو قول مرجوح، والثاني: أنه عبارة عن قدر معلوم عندهم، وهو وزن خمسة دراهم، قال: ثم في المعنى وجهان: أحدهما: أن يكون المصدق ذهبًا وزنه خمسة دراهم، والثاني: أن يكون المصدق دراهم بوزن نواة من ذهب، قال: وعلى الأول يتعلق قوله: "من ذهب" بلفظ زنة، وعلى الثاني يتعلق بنواة، إلى آخر ما ذكر.
(٥٠ - باب التزويج على القرآن وبغير صداق)
أي: على تعليم القرآن وبغير صداق مالي عيني، ويحتمل غير ذلك كما سيأتي البحث فيه، انتهى من "الفتح" (٢).
وكتب الشيخ قُدِّس سرُّه في "الكوكب" (٣): قوله: "هل معك من القرآن شيء. . ." إلخ، كأنه رغب المرأة أن تعفو عنه ما لها من المهر المعجل وتقنع بما سيؤتيها إذا يسره الله تعالى له، ثم ما قال: "زوجتكها بما معك من القرآن" فالباء فيه للسببية وليست للعوض والمقابلة إذ كيف يصح المقابلة بما معك والحال أن كونه معه ليس شيئًا يعوض به، وتقدير المضاف خلاف الظاهر حتى يقال: إنه قال: زوجتكها لتعليم ما معك من القرآن، ثم إنهم اختلفوا فيما بينهم على جواز أخذ الأجر على تعليم القرآن وعدم جوازه، فجوزه الشافعية ومنعه الحنفية، إلى آخر ما ذكر من دليل المسألة، انتهى.
وفي هامشه: ولو سلم فهذا خاص بهذا الرجل كما جزم به الطحاوي والأبهري لما أخرجه سعيد بن منصور وابن السكن عن أبي النعمان الأزدي الصحابي قال: زوّج رسول الله ﷺ امرأة على سورة من القرآن، وقال: "لا يكون لأحد بعدك مهرًا" قاله أبو الطيب، انتهى.
стр. 2854
وبسط الكلام في شرح هذا الحديث وبيان مذاهب الأئمة وتفاريعها في "الأوجز" (١) وفيه: الباء يحتمل أن يكون للعوض كبعتك ثوبي بدينار، وعلى هذا يحتاج إلى تأويل لأن القرآن الذي معه لا يمكن أن يكون ثمنًا فيؤول بتعليمه والثاني أن يكون للسببية، أي: إكرامًا للقرآن الذي معك، وعلى هذا يكون النكاح بدون مهر كما هو ظاهر، ولذا اختلفت الأئمة في ذلك قال الموفق: إن أصدقها تعليم صناعة أو تعليم عبدها صناعة يصح لأنه منفعة معلومة يجوز بذل العوض عنها فجاز جعلها صداقًا، إلى أن قال: وكذا تعليم غير ذلك من العلوم الشرعية التي يجوز أخذ الأجرة على تعليمها، فأما تعليم القرآن فاختلفت الرواية عن أحمد في جعله صداقًا فقال في موضح: أكرهه، وقال في موضع: جاز، وهو مذهب الشافعي، ولا يجوز عند مالك والليث وأبي حنيفة، واحتج من أجازه بحديث الباب، انتهى.
وفي "نيل المآرب" في فروع الحنابلة: إن أصدقها تعليم شيء من القرآن ولو معينًا لم يصح وفاقًا لأبي حنيفة، انتهى.
وكذا في "الروض المربع"، وفي "المحلى": قال الحنفية: الباء للسببية، أي: بسبب ما معك من القرآن، فيخلو النكاح عن المهر فيرجع إلى مهر المثل، قال الترمذي: هو قول أحمد وإسحاق، فالنكاح عندهم جائز ولها صداق مثلها، إلى آخر ما بسط في "الأوجز".
ثم إنه قد تقدم في "باب هل للمرأة أن تهب نفسها" الإشارة إلى مسألتين تناسبان هذا الباب: الأولى: هل يصح النكاح بغير ذكر صداق؟ والثانية: هل يصح بنفي الصداق أم لا؟ أما الأولى ففي "البحر": ذكر الأكمل والكمال أنه لا خلاف لأحد في صحته بلا ذكر المهر، انتهى.
وفي "الأوجز" عن "شرح الإقناع": إن لم يسم صداقًا صح العقد بالإجماع لكن مع الكراهة كما صرَّح به الماوردي وغيره، إلى آخر ما بسط
стр. 2855
في هامش "اللامع" (١).
وأما المسألة الثانية ففي هامش "اللامع" (٢) أيضًا: قال الموفق بعد ذكر صحة النكاح بدون التسمية: والاستدلال عليه بقوله تعالى: ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ﴾ [البقرة: ٢٣٦] ولأن القصد من النكاح الوصل والاستمتاع دون الصداق فصح من غير ذكره كالنفقه، وسواء تركا ذكر المهر أو شرطا نفيه، مثل أن يقول: زوجتك بغير مهر فيقبله كذلك، ولو قال: زوجتك بغير مهر في الحال ولا في الثاني صح أيضًا، وقال بعض الشافعية: لا يصح في هذه الصورة لأنها تكون كالموهوبة، وليس بصحيح لأن الشرط يفسد ويجب المهر، انتهى.
وفي "الهداية" (٣): وكذا يصح إذا تزوجها بشرط أن لا مهر لها وفيه خلاف مالك، انتهى.
لكن الموفق لم يذكر فيه خلاف مالك بل حكى خلاف بعض الشافعية كما تقدم، وقال الدردير: وفسد النكاح إن نقص صداقه عن ربع دينار أو ثلاثة دراهم أو وقع العقد بإسقاطه، أي: على شرط إسقاطه فيفسخ، قيل: وفيه بعده صداق المثل، انتهى.
(٥١ - باب المهر بالعروض وخاتم من حديد)
العروض بضم العين والراء المهملتين جمع عرض بفتح أوله وسكون ثانيه والضاد المعجمة، ما يقابل النقد، وقوله بعده: "وخاتم من حديد" هو من الخاص بعد العام فإن الخاتم من حديد من جملة العروض، والترجمة مأخوذة من حديث الباب للخاتم بالتنصيص والعروض بالإلحاق، وتقدم في أوائل النكاح حديث ابن مسعود "فرخص لنا أن ننكح المرأة بالثوب" وتقدم في الباب قبله عدة أحاديث في ذلك، انتهى من "الفتح" (٤).
стр. 2856
وفي هامش النسخة الهندية (١): قال الكرماني: هذا هو المرة الثامنة من ذكر هذا الحديث في كتاب النكاح، انتهى.
(٥٢ - باب الشروط في النكاح)
قال العيني (٢): وهي على أنواع منها: ما يجب الوفاء به كحسن العشرة، ومنها: ما لا يلزم كسؤال طلاق أختها، ومنها: ما هو مختلف فيه مثل أن لا يتزوج عليها، انتهى.
وقال الحافظ (٣): أي التي تحل وتعتبر، وقد ترجم في كتاب الشروط: "الشروط في المهر عند عقدة النكاح" وأورد فيه الأثر المعلق والحديث الموصول المذكور ههنا، انتهى.
قوله: (مقاطع الحقوق عند الشروط) كتب الشيخ قُدِّس سرُّه في "اللامع" (٤): يعني أن حق صاحب الحق ينقطع باشتراط عدمه فإن المسلمين على شروطهم، وفيه خلاف مشهور، وهذا مع اتفاق العلماء على أن الشروط المخالفة لمقتضى الشريعة باطلة فالاختلاف فيما بينهم حينئذ إلى مخالفة الشروط للشرع فكم من شرط يخالف أصول الشرع عند أحدهم دون الآخر، ومن جملتها اشتراط الزوج أن لا يخرجها من بيت أهلها فإنه يبطل عندنا لمخالفته قوله تعالى: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ﴾ [الطلاق: ٦] وقوله: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ﴾ [النساء: ٣٤]، انتهى.
وقال الحافظ (٥): قوله: "مقاطع الحقوق. . ." إلخ، وصله ابن أبي شيبة وسعيد بن منصور عن عبد الرحمن بن غنم قال: كنت مع عمر رضي الله تعالى عنه من حيث تمس ركبتي ركبته، فجاءه رجل فقال: يا أمير
стр. 2857
المؤمنين! تزوجت هذه وشرطت لها دارها وإني أجمع لأمري أو لشأني أن أنتقل إلى أرض كذا وكذا، فقال: لها شرطها، فقال الرجل: هلك الرجال إذ لا تشاء امرأة أن تطلق زوجها إلا طلقت، فقال عمر ﵁: المؤمنون على شروطهم عند مقاطع حقوقهم، انتهى.
قلت: واستفيد من هذه القصة أن عمر ﵁ ممن يجوز اشتراط الدار كما هو مذهب الحنابلة خلافًا للأئمة الثلاثة كما سيأتي بيان المذاهب، وذكره الإمام البخاري في الشروط التي تحل في النكاح، فعلى هذا مسلك الإمام البخاري في هذا يوافق مذهب الإمام أحمد.
قوله: (أحق ما أوفيتم من الشروط أن توفوا به ما استحللتم به الفروج) تقدم في أول الترجمة أن شروط النكاح على أنواع، ولم يقل بعموم هذا الحديث أحد من الأئمة، قال النووي في "شرح مسلم" (١): قال الشافعي وأكثر العلماء: هذا محمول على شروط لا تنافي مقتضى النكاح بل تكون من مقتضياته ومقاصده كاشتراط العشرة بالمعروف والإنفاق عليها وكسوتها وسكناها بالمعروف ونحو ذلك، وأما شرط يخالف مقتضاه كشرط أن لا يقسم لها ولا يتسرى عليها ولا ينفق عليها ولا يسافر بها ونحو ذلك فلا يجب الوفاء بها، بل يلغو الشرط ويصح النكاح بمهر المثل، لقوله ﷺ : "كل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل" وقال أحمد وجماعة: يجب الوفاء بالشرط مطلقًا لحديث الباب، والله أعلم، انتهى.
قلت: وترجم الإمام أبو داود على هذا الحديث: "باب في الرجل يشترط لها دارها" فأثبت الإمام أبو داود بهذا الحديث جواز اشتراط الدار كما هو مذهب الإمام أحمد بخلاف الأئمة الثلاثة، فإن لم يف الزوج بالشرط المذكور فلها فسخ نكاحها عند أحمد، والإمام أبو داود - كما ذكرت في محله - حنبلي (٢).
стр. 2858
قال الموفق (١): الشروط في النكاح تنقسم أقسامًا ثلاثة، أحدها: ما يلزم الوفاء به، وهو ما يعود إليها نفعه مثل أن يشترط أن لا يخرجها من دارها أو بلدها أو لا يسافر بها، أو لا يتزوج عليها، ولا يتسرى عليها، فهذا يلزم الوفاء لها به، فإن لم يفعل فلها فسخ النكاح، وبه قال الأوزاعي وإسحاق وغيرهما، وأبطل هذه الشروط مالك والشافعي وأصحاب الرأي - الثاقب - وغيرهم، ولنا قوله ﷺ . . . ثم ذكر حديث الباب إلى آخر ما ذكر.
قلت: وبهذا ظهر ما نقل بعضهم عن الحنابلة من أنه يجب الوفاء بالشرط عندهم مطلقًا غير واضح.
(تنبيه): قال الترمذي بعد تخريجه هذا الحديث: والعمل على هذا عند بعض أهل العلم من الصحابة منهم عمر، قال: إذا تزوج الرجل المرأة وشرط أن لا يخرجها لزم وبه يقول الشافعي وأحمد وإسحاق، انتهى.
فذكر موافقة الشافعي لأحمد وليس كذلك كما تقدمت المذاهب، ولذا قال الحافظ (٢): كذا قال، والنقل في هذا عن الشافعي غريب، والحديث عندهم محمول على الشروط التي لا تنافي مقتضى النكاح، انتهى.
(٥٣ - باب الشروط التي لا تحل في النكاح)
كأنه استثناء من الباب السابق، قال الحافظ (٣): في هذه الترجمة إشارة إلى تخصيص الحديث الماضي في عموم الحث على الوفاء بالشرط بما يباح لا بما نهي عنه لأن الشروط الفاسدة لا يحل الوفاء بها فلا يناسب الحث عليها، انتهى.
قوله: (لا يحل لامرأة تسأل طلاق أختها) قال الحافظ (٤): ظاهر في تحريم ذلك، وهو محمول على ما إذا لم يكن هناك سبب يجوز ذلك كريبة
стр. 2859
في المرأة لا ينبغي معها أن تستمر في عصمة الزوج، إلى آخر ما ذكر. وقال ابن حبيب: حمل العلماء هذا النهي على الندب فلو فعل ذلك لم يفسخ النكاح، وتعقبه ابن بطال بأن نفي الحل صريح في التحريم ولكن لا يلزم منه فسخ النكاح، وإنما فيه التغليظ على المرأة أن تسأل طلاق الأخرى ولترض بما قسم الله لها، انتهى.
وقال القسطلاني (١): وقد اختلف في حكم ذلك فقال الحنابلة: إن شرط لها طلاق ضرتها صح، وقيل: لا، وهو الأظهر واختاره جماعة، وكذا حكم بيع أمته، وعلى القول بالصحة فإن لم يف فلها الفسخ، وقال الشافعي: يصح ولها مهر المثل وفى لها أو لم يف، انتهى.
(٥٤ - باب الصفرة للمتزوج)
كذا قيده بالمتزوج إشارة إلى الجمع بين حديث الباب وحديث النهي عن التزعفر للرجال، وسيأتي البحث فيه بعد أبواب، انتهى من "الفتح" (٢).
قوله: (وبه أثر صفرة من خلوق) وهو طيب من زعفران وغيره تعلق به من زوجته فهو غير مقصود وإلا فالتزعفر منهي عنه عند الشافعية والحنفية، وقال المالكية: يجوز في الثوب دون البدن، ونقله إمامهم رحمه الله تعالى عن علماء المدينة، وفيه حديث أبي موسى مرفوعًا: "لا يقبل الله صلاة رجل في جسده شيء من خلوق"، انتهى من "القسطلاني" (٣).
وسيأتي في كتاب اللباس "باب النهي عن التزعفر للرجال" ونقل الحافظ (٤) هناك عن النووي: ورخص مالك في المعصفر والمزعفر في البيوت وكرهه في المحافل، انتهى.
стр. 2860
(٥٥ - باب)
بغير ترجمة، قال الحافظ (١): كذا لهم بغير ترجمة وسقط لفظ "باب" من رواية النسفي وكذا من شرح ابن بطال ثم استشكله بأن الحديث المذكور لا يتعلق بترجمة الصفرة للمتزوج، وأجيب بما ثبت في أكثر الروايات من لفظ "باب" والسؤال باق فإن الإتيان بلفظ "باب" وإن كان بغير ترجمة لكنه كالفصل من الباب الذي قبله كما تقرر غير مرة، ومناسبة حديث الباب للترجمة من جهة أنه لم يقع في قصة تزويج زينب بنت جحش ذكر للصفرة فكأنه يقول: الصفرة للمتزوج من الجائز لا من المشروط لكل متزوج، انتهى.
(٥٦ - باب كيف يدعى للمتزوج)
قال ابن بطال: إنما أراد بهذا الباب - والله أعلم - ردّ قول العامة عند العرس بالرفاء والبنين، فكأنه أشار إلى تضعيفه ونحو ذلك كحديث معاذ بن جبل: "أنه شهد إملاك رجل من الأنصار فخطب رسول الله ﷺ وأنكح الأنصاري وقال: على الألفة والخير والبركة والطير الميمون والسعة في الرزق" الحديث أخرجه الطبراني في "الكبير" بسند ضعيف، وأخرجه في "الأوسط" بسند أضعف منه، وأخرجه أبو عمرو البرقاني في "كتاب معاشرة الأهلين" من حديث أنس، وزاد فيه: والرفاء والبنين، وفي سنده أبان العبدي وهو ضعيف.
قال الحافظ (٢): وقوله: بالرفاء والبنين، كانت كلمة تقولها أهل الجاهلية فورد النهي عنها، كما رواه بقي بن مخلد، إلى آخر ما ذكر من الروايات والكلام عليها.
стр. 2861
(٥٧ - باب الدعاء للنساء اللاتي يهدين العروس)
لعله أشار إلى ندبه وترغيبه، وفي هامش النسخة "الهندية" (١): قوله: "يهدين" بفتح أوله من الهداية وبضمه من الهدية، ولما كانت العروس تجهز من عند أهلها إلى الزوج احتاجت إلى من يهديها الطريق إليه، وأما قوله: "وللعروس" فهو اسم للزوجين عند أول اجتماعهما يشمل الرجل والمرأة، وهو داخل في قول النسوة على الخير والبركة فإن ذلك يشمل المرأة وزوجها، ولعله أشار إلى ما ورد في بعض طرق حديث عائشة وفيه: "أن أمها لما أجلستها في حجر رسول الله ﷺ قالت: هؤلاء أهلك يا رسول الله! بارك الله لك فيهم" كذا قاله الشيخ ابن حجر (٢)، قال في "المجمع" (٣): والمهدية كانت أم عائشة، فهن دعون لها ولمن معها وللعروس لقولهن: على الخير، أي: جئتن أو قد متن على الخير، وكذا في الكرماني، انتهى من الحاشية بزيادة من "الفتح".
قال الحافظ (٤): أورد في الباب حديث عائشة وظاهره مخالف للترجمة فإن فيه دعاء النسوة لمن أهدى العروس لا الدعاء لهن إلى آخر ما بسط من الكلام في مناسبة الحديث بالترجمة وغير ذلك أشد البسط، وقال العلامة السندي: قلت: ليس في الحديث ما يدل على الدعاء لهن وإنما فيه الدعاء للعروس، وقد تكلف بعضهم تكلفًا.
وحاصل تكلفهم: أن الدعاء المذكور وهو على الخير والبركة شامل لعائشة وأمها فإنها مهدية لها وهي العروس، والله تعالى أعلم، انتهى.
وفي "فيض الباري" (٥): واعلم أن في الترجمة إِشكالًا، فإن المتبادر من الترجمة كونهن مدعوات لهن، لا كونهن داعيات، مع أن المراد منه كونهن داعيات، وهذا هو في الحديث.
стр. 2862
فقال الحافظ: إن المراد، من النساء هي أم رومان، قلت: فلزمه أن يريد من الجمع إياها، وفيه ما فيه، قلت: إن اللام بعد المصدر قد تدخل على الفاعل أيضًا، كما صرَّح به الأشموني في باب فعلي التعجب، فحينئذ النساء كلها مهديات وداعيات، فلا يلزم إطلاق الجمع على الواحد، وإليه تلوح الترجمة الآتية، وحينئذ لا حاجة إلى التأويل الذي ذكره الحافظ، انتهى.
(٥٨ - باب من أحب البناء قبل الغزو)
أي: إذا حضر الجهاد ليكون فكره مجتمعًا، ذكر فيه حديث أبي هريرة الماضي في كتاب الجهاد ثم في فرض الخمس، قال ابن المنيِّر: يستفاد منه الردّ على العامة في تقديمهم الحج على الزواج ظنًّا منهم أن التعفف إنما يتأكد بعد الحج بل الأولى أن يتعفف ثم يحج، انتهى (١).
قلت: وهذه الخصلة أعني تقديم الحج على الزواج توجد في هذا الزمان في سكان إندونيشيا، وتقدم أيضًا في كتاب الجهاد "باب من اختار الغزو بعد البناء" ولم يذكر هناك فيه حديثًا بل أحال إلى حديث أبي هريرة المذكور ههنا.
(٥٩ - باب من بنى بامرأة وهي بنت تسع)
ذكر فيه حديث عائشة في ذلك، وقد تقدم شرحه في مناقبها قاله الحافظ (٢).
(٦٠ - باب البناء في السفر)
قال الحافظ (٣): ذكر فيه حديث أنس في قصة صفية، وقد تقدم في
стр. 2863
أول النكاح، وفيه إشارة إلى أن سُنَّة الإقامة عند الثيب لا تختص بالحضر ولا تتقيد بمن له امرأة غيرها، ويؤخذ منه جواز تأخير الأشغال العامة للشغل الخاص إذا كان لا يفوت به غرض والاهتمام بوليمة العرس وغير ذلك، انتهى.
وحديث الباب قد سبق في غزوة خيبر.
(٦١ - باب البناء بالنهار بغير مركب ولا نيران)
كالشموع ونحوها بين يدي العروس، قاله القسطلاني (١).
أشار بقوله: "بالنهار" إلى أن الدخول على الزوجة لا يختص بالليل، وبقوله: "بغير مركب ولا نيران" إلى ما أخرجه سعيد بن منصور ومن طريقه أبو الشيخ بن حبان في كتاب النكاح من طريق عروة بن رويم أن عبد الله بن قرط الثمالي - وكان عامل عمر على حمص - مرت به عروس وهم يوقدون النيران بين يديها، فضربهم بدرته حتى تفرقوا عن عروسهم، ثم خطب فقال: إن عروسكم أوقدوا النيران وتشبهوا بالكفرة، والله مطفئ نورهم، وفيه دليل على كراهة ذلك، انتهى من "الفتح" بزيادة من "القسطلاني" (٢).
(٦٢ - باب الأنماط ونحوها للنساء)
قال العلامة القسطلاني (٣): أي: جواز اتخاذها، والأنماط بفتح الهمزة وسكون النون جمع نمط بفتح النون: ضرب من البسط له خمل، "ونحوها" من الحلل والأستار والفرش، انتهى.
قال الحافظ (٤): وتقدم بيان وجه الاستدلال على الجواز من هذا
стр. 2864
الحديث - في علامات النبوة - ولعل المصنف أشار إلى ما أخرجه مسلم من حديث عائشة، إلى آخر ما ذكر، سيأتي قريبًا عن القسطلاني.
قال القسطلاني (١) تحت حديث الباب: قال النووي: فيه جواز اتخاذ الأنماط إذا لم تكن من حرير، تعقب بأنه لا يلزم من الإخبار بأنها ستكون الإباحة، وأجيب بأن إخباره ﵊ أنها ستكون ولم ينه فكأنه أقره، نعم في حديث عائشة عند مسلم: أنها أخذت نمطًا فسترته على الباب فجذبه ﷺ حتى هتكه وقال: "إن الله لم يأمرنا أن نكسو الحجارة والطين" قالت: فقطعت منه وسادتين فلم يعب ذلك، قال في "الفتح" فيؤخذ منه أن الأنماط لا يكره اتخاذها لذاتها بل لما يصنع بها، وقد اختلف في ستر البيوت والجدار، والذي جزم به جمهور الشافعية الكراهة بل صرَّح الشيخ أبو نصر المقدسي منهم بالتحريم لحديث عائشة هذا، انتهى.
وحديث الباب سبق في علامات النبوة.
(٦٣ - باب النسوة اللاتي يهدين المرأة إلى زوجها)
وفي هامش النسخة "الهندية" (٢) عن الكرماني: قوله: "يهدين" من الإهداء أو من الهدي، واكتفى العيني والقسطلاني على الأول، انتهى.
ولعل المصنف أشار بالترجمة إلى جواز أو ندب اجتماعهن للعروس قوله: "أنها زفت" بالزاي المفتوحة والفاء المشددة المفتوحة أيضًا، قاله القسطلاني (٣).
وفي هامش "الهندية" (٤) عن "الخير الجاري": فيه المطابقة لأنه من زفت العروس أزفها إذا أهديتها إلى زوجها، انتهى.
стр. 2865
(٦٤ - باب الهدية للعروس)
أي: صبيحة بنائه بأهله قاله الحافظ (١).
قلت: ولعل المصنف أشار إلى ندبه وترغيبه، وذكر العلامة العيني (٢) تحت حديث الباب عدة فوائد إذ قال: وفيه فوائد: الأولى: كونه أصلًا في هدية العروس، وكان الإهداء قديمًا فأقرها الإسلام، الثانية: كونها قليلة فالمودة إذا صحت سقط التكلف فحال أم سليم كان أقل، الثالثة: اتخاذ الوليمة في العرس قال ابن العربي: بعد الدخول، وقال البيهقي: كان دخوله ﷺ بعد هذه الوليمة، إلى آخر ما ذكر من الفوائد.
(٦٥ - باب استعارة الثياب للعروس وغيرها)
أي: وغير الثياب، كذا في "الفتح" (٣).
وقال القسطلاني (٤): قوله: "وغيرها" أي: وغير الثياب مما تتجمل به العروس كالحلي أو غير العروس، انتهى.
قلت: غرض الترجمة بيان الجواز وتقدم الكلام عليه في "باب الاستعارة للعروس عند البناء" من كتاب الهبة، وأيضًا يأتي في كتاب اللباس "باب استعارة القلائد" وذكر فيه حديث الباب أيضًا ذكر فيه حديث عائشة أنها استعارت من أسماء قلادة، فقد تقدم شرحه مستوفى في كتاب التيمم، ووجه الاستدلال به من جهة المعنى الجامع بين القلادة وغيرها من أنواع الملبوس الذي يتزين به للزوج أعم من أن يكون عند العرس أو بعده.
وقد تقدم في كتاب الهبة لعائشة حديث أخص من هذا وهو قولها: "كان لي منهن - أي: من الدروع القطنية - درع على عهد رسول الله ﷺ فما كانت امرأة تقين بالمدينة، أي: تتزين إلا أرسلت إليّ تستعيره"، وترجم عليه
стр. 2866
"الاستعارة للعرس"، وينبغي استحضار هذه الترجمة وحديثها هنا، انتهى (١).
قال القسطلاني (٢) بعد ذكر الحديث: قيل: لا مطابقة بين الحديث والترجمة؛ إذ ليست القلادة من الثياب، ولم تكن عائشة حينئذ عروسًا، وأجاب في "الفتح"، فذكر ما تقدم عن "الفتح"، وأجاب العيني بأنا إذا أعدنا الضمير في قوله: في الترجمة "وغيرها" إلى العروس تحصل المطابقة، انتهى.
وفي هامش "الهندية" (٣) عن "الخير الجاري": المطابقة باعتبار أن ضمير "غيرها" راجع إلى الثياب ويفهم من استعارة عائشة إياها بعد أن لم تكن عروسًا جوازها للعروس بالطريق الأولى، وكذا إن أرجع الضمير إلى العروس، انتهى.
(٦٦ - باب ما يقول الرجل إذا أتى أهله)
قال العلامة العيني (٤): يعني: إذا أراد الجماع، وقوله: في الحديث: "لم يضره شيطان" كذا بالتنكير وفي رواية مسلم وأحمد: "لم يسلط عليه الشيطان" أو "لم يضره الشيطان" معناه: لم يسلط عليه بحيث لم يكن له العمل الصالح، وقال القاضي: لم يحمله أحد على العموم في جميع الضرر والوساوس، فقيل: المراد إنه لا يصرعه شيطان، وقيل: لا يطعن فيه عند ولادته، وفيه نظر لقوله ﷺ : "ما من مولود إلا يمسه الشيطان حين يولد" الحديث، وقيل: لم يسلط عليه من أجل بركة التسمية بل يكون من جملة العباد الذين قيل فيهم: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ﴾ وقيل: لم يضره في بدنه، وقيل: لم يضره بمشاركة أبيه في جماع أمه كما جاء عن مجاهد: إن الذي يجامع ولا يسمي يلتفت الشيطان على إحليله فيجامع معه، انتهى.
стр. 2867
وذكر الحافظ (١) هذه المعاني مع ترجيح بعض على بعض فارجع إليه لو شئت، وذكر من جملة الأقوال في معنى الحديث: قال الداودي: معنى "لم يضره" أي: لم يفتنه عن دينه إلى الكفر، وليس المراد عصمته منه عن المعصية، وقال أيضًا: وفي الحديث من الفوائد أيضًا استحباب التسمية والدعاء والمحافظة على ذلك حتى في حالة الملاذ كالوقاع، وقد ترجم عليه المصنف في كتاب الطهارة وتقدم ما فيه، انتهى.
قلت: ولفظه في كتاب الطهارة: "باب التسمية على كل حال وعند الوقاع".
(٦٧ - باب الوليمة حق)
قال الحافظ (٢): هذه الترجمة لفظ حديث أخرجه الطبراني من حديث وحشي بن حرب رفعه: "الوليمة حق، والثانية معروف، والثالثة فخر" ولأبي الشيخ والطبراني في "الأوسط من طريق مجاهد عن أبي هريرة رفعه: "الوليمة حق وسُنَّة، فمن دعي فلم يجب فقد عصى" الحديث، وروى أحمد من حديث بريدة قال: لما خطب علي ﵁ فاطمة قال رسول الله ﷺ : "إنه لا بد للعروس من وليمة" وسنده لا بأس به، قال ابن بطال: قوله: "الوليمة حق" أي: ليست بباطل بل يندب إليها وهي سُنَّة فضيلة، وليس المراد بالحق الوجوب، ثم قال: ولا أعلم أحدًا أوجبها، كذا قال، وغفل عن رواية في مذهبه بوجوبها نقلها القرطبي، وقال: إن مشهور المذهب أنها مندوبة، وابن التِّين عن أحمد لكن الذي في "المغني" أنها سُنَّة، بل وافق ابن بطال في نفي الخلاف بين أهل العلم في ذلك، قال: وقال بعض الشافعية: هي واجبة، إلى آخر ما ذكر.
قال الحافظ: والبعض الذي أشار إليه من الشافعية هو وجه معروف عندهم وقد جزم به سليم الرازي وقال: إنه ظاهر نص "الأم" ونقله عن
стр. 2868
النص أيضًا الشيخ أبو إسحاق في "المهذب" وهو قول أهل الظاهر كما صرَّح به ابن حزم، ثم بسط الحافظ الاختلاف في وقت الوليمة هل هو عند العقد أو عقبه أو عند الدخول أو عقبه أو موسع؟ إلى آخر ما بسط.
وكتب الشيخ قُدِّس سرُّه في "اللامع" (١): قوله: "الوليمة حق" أي: ثابت على سُنِّيَّتها غير منسوخة، أو هو من الأمور الثابتة شرعًا لا من رسوم الجاهلية، انتهى.
وفي هامشه عن "الأوجز": قال الموفق: لا خلاف بين أهل العلم أن الوليمة سُنَّة في العرس لرواية عبد الرحمن بن عوف وغيره، وليست واجبة في قول أكثر أهل العلم، انتهى مختصرًا.
وفي "العيني": الأمر للاستحباب وعند الظاهرية للوجوب، وبه قال بعض الشافعية لظاهر الأمر، انتهى.
وذكر العلامة القسطلاني مذهب الشافعية الوجوب واقتصر عليه، وتقدم عن الحافظ آنفًا أنه وجه معروف عندهم بل هو نص "الأم"، ونقل العلامة العيني الوجوب عن المالكية وقال: وهو مشهور مذهبهم كما قال القرطبي، انتهى.
وقد تقدم عن الحافظ خلاف ذلك وهو الحق ففي هامش "اللامع": قال الدردير: الوليمة وهي طعام العرس خاصة مندوبة، انتهى.
(٦٨ - باب الوليمة ولو بشاة)
أي: لمن كان موسرًا كما سيأتي البحث فيه، وذكر المصنف في الباب خمسة أحاديث كلها عن أنس.
قاله الحافظ (٢)، وبه جزم القسطلاني (٣) إذ قال تحت الترجمة: أي للموسر، وسكت عنه العيني.
стр. 2869
(٦٩ - باب من أولم على بعض نسائه أكثر من بعض)
كتب الشيخ قُدِّس سرُّه في "اللامع" (١): يعني: أن ذلك لا ينافي العدل في القسمة حتى يكون منهيًا عنه، وكذلك إذا أولم الرجل في نكاح بعض ولده أكثر من بعض إلى غير ذلك؛ لأنه مستبد بالتصرف في ماله، انتهى.
وبه جزم العلامة السندي كما في هامش "اللامع".
قال الحافظ (٢): ذكر فيه حديث أنس وهو ظاهر فيما ترجم لما يقتضيه سياقه، وأشار ابن بطال إلى أن ذلك لم يقع قصدًا لتفضيل بعض النساء على بعض، بل باعتبار ما اتفق وأنه لو وجد الشاة في كل منهن لأولم بها؛ لأنه كان أجود الناس، ولكن كان لا يبالغ فيما يتعلق بأمور الدنيا في التأنق، وجوَّز غيره أن يكون فعل ذلك لبيان الجواز.
وقال الكرماني: لعل السبب في تفضيل زينب في الوليمة على غيرها كان للشكر لله على ما أنعم به عليه من تزويجه إياها بالوحي، وقال ابن المنيِّر: يؤخذ من تفضيل بعض النساء على بعض في الوليمة جواز تخصيص بعضهن دون بعض بالأتحاف والألطاف والهدايا.
قلت: وقد تقدم البحث في ذلك في كتاب الهبة، انتهى من "الفتح". فقد ترجم الإمام البخاري هناك "باب من أهدى إلى صاحبه وتحرى بعض نسائه. . ." إلخ.
(٧٠ - باب من أولم بأقل من شاة)
هذه الترجمة وإن كان حكمها مستفادًا من التي قبلها، لكن الذي وقع في هذه بالتنصيص، قاله الحافظ (٣).
стр. 2870
قوله: (أَوْلَمَ على بعض نسائه بمُدَّين من شَعير) قال الحافظ (١): لم أقف على تعيين اسمها صريحًا، وأقرب ما يفسر به أم سلمة فقد أخرج ابن سعد عن شيخه الواقدي بسند له إلى أم سلمة قال: لما خطبني النبي ﷺ فذكر قصة تزويجه بها فأدخلني بيت زينب بنت خزيمة، فإذا جرة فيها شيء من شعير فأخذته فطحنتُه ثم عَصَدْتُه في البُرْمَةِ، وأخذت شيئًا من إهالة فأدمته، فكان ذلك طعام رسول الله ﷺ ، وأما ما أخرجه الطبراني في "الأوسط" من طريق شريك عن حميد عن أنس قال: "أولم رسول الله ﷺ على أم سلمة بتمر وسمن" فهو وهم من شريك لأنه كان سيئ الحفظ أو من الراوي عنه وهو جَنْدَل بن والِقٍ، فإِنّ مسلمًا والبزار ضعّفاه، وإنما المحفوظ من حديث حميد عن أنس أن ذلك في قصة صفية (٢)، كذلك أخرجه النسائي، وهذا الحديث مرسل لأن صفية (٣) ليست بصحابية، أو صحابية لكنها لم تحضر القصة لأنها كانت بمكة طفلة، أو لم تولد وتزويج المرأة كان بالمدينة، إلى آخر ما بسط الكلام عليه.
(٧١ - باب حقّ إجابة الوليمة والدعوة)
قال القسطلاني (٤): أي: وجوب الإجابة إلى طعام العرس والدعوة بفتح الدال على المشهور، وهي أعم من الوليمة لأن الوليمة خاصة بالعرس، كما نقله ابن عبد البر عن أهل اللغة، ونقل عن الخليل وثعلب وجزم به الجوهري وابن الأثير، وعلى هذا فيكون قوله: "والدعوة" من عطف العام على الخاص، انتهى.
وبسط الحافظ (٥) الكلام على تحقيق الوليمة لغة، وذكر أيضًا: قال النووي تبعًا لعياض: إن الولائم ثمانية، ثم بسط أسماءها مع وجه تسميتها،
стр. 2871
ثم قال: وأما قول المصنف: "حق إجابة" فيشير إلى وجوب الإجابة، وقد نقل ابن عبد البر ثم عياض ثم النووي الاتفاق على القول بوجوب الإجابة لوليمة العرس، وفيه نظر، نعم المشهور من أقوال العلماء الوجوب، وصرح جمهور الشافعية والحنابلة بأنها فرض عين، ونصّ عليه مالك، وعن بعض الشافعية والحنابلة أنها مستحبة، وذكر اللخمي من المالكية أنه المذهب، وكلام صاحب "الهداية" يقتضي الوجوب مع تصريحه بأنها سُنَّة، فكأنه أراد أنها وجبت بالسُّنَّة وليست فرضًا كما عرف من قاعدتهم، وعن بعض الشافعية والحنابلة: هي فرض كفاية، إلى آخر ما بسط الحافظ في تفاصيل المسألة وشرائطها.
قوله: (ومن أولم سبعة أيام ونحوه) يشير إلى ما أخرجه ابن أبي شيبة من طريق حفصة بنت سيرين قالت: لما تزوّج أبي دعا الصحابة سبعة أيام، فلما كان يوم الأنصار دعا أُبي بن كعب وزيد بن ثابت وغيرهما، فكان أُبَيّ صائمًا فلما طَعِمُوا دعا أُبي وأثنى، وأخرجه البيهقي من وجه آخر أتم سياقًا منه، وأخرجه عبد الرزاق من وجه آخر إلى حفصة، وقال فيه: ثمانية أيام، وإليه أشار المصنف بقوله: "ونحوه" لأن القصة واحدة، وهذا وإن لم يذكره المصنف لكنه جنح إلى ترجيحه لإطلاق الأمر بإجابة الدعوة بغير تقييد، كما سيظهر من كلامه الذي سأذكره وقد نبّه على ذلك ابن المنيِّر (١).
قوله: (ولم يوقت النبي ﷺ يومًا ولا يومين) أخذ ذلك من الإطلاق وقد أفصح بمراده في "تاريخه" فإن أورد في ترجمة زهير بن عثمان الحديث الذي أخرجه أبو داود والنسائي من طريق قتادة عن عبد الله بن عثمان الثقفي عن رجل من ثقيف كان يثني عليه إن لم يكن اسمه زهير بن عثمان فلا أدري ما اسمه يقوله: قتادة قال: قال رسول الله: "الوليمة أول يوم حق، والثاني معروف، والثالث رياء وسمعة" قال البخاري: لا يصح إسناده
стр. 2872
ولا يصح له صحبة يعني لزهير، قال: وقال ابن عمر وغيره، عن النبي ﷺ : "إذا دعي أحدكم إلى الوليمة فليجب" ولم يخص ثلاثة أيام ولا غيرها، وهذا أصح، قال: وقال ابن سيرين عن أبيه: إنه لما بنى بأهله أولم سبعة أيام فدعا في ذلك أُبي بن كعب فأجابه، انتهى.
ثم قال الحافظ (١): وقد وجدنا لحديث زهير بن عثمان شواهد، وقال بعد ذكرها: وهذه الأحاديث وإن كان كل منها لا يخلو عن مقال فمجموعها يدل على أن للحديث أصلًا، وقد وقع في رواية أبي داود والدارمي في آخر حديث زهير بن عثمان: قال قتادة: بلغني عن سعيد بن المسيب أنه دعي أول يوم فأجاب، ودعي ثاني يوم فأجاب، ودعي ثالث يوم فلم يجب، وقال: أهل رياء وسمعة، فكأنه بلغه الحديث فحمل بظاهره إن ثبت ذلك عنه، وقد عمل به الشافعية والحنابلة.
قال النووي: إذا أولم ثلاثًا فالإجابة في اليوم الثالث مكروهة، وفي الثاني لا تجب قطعًا ولا يكون استحبابها فيه كاستحبابها في اليوم الأول، وقد حكى صاحب "التعجيز" في وجوبها في اليوم الثاني وجهين، وقال في شرحه: أصحهما الوجوب، واعتبر الحنابلة الوجوب في اليوم الأول، وأما الثاني فقالوا: سُنَّة تمسكًا بظاهر لفظ حديث ابن مسعود، وفيه بحث، وأما الكراهة في اليوم الثالث فأطلقه بعضهم لظاهر الخبر، وقال العمراني: إنما تكره إذا كان المدعوّ في الثالث هو المدعو في الأول، وكذا صوره الروياني، وإلى ما جنح إليه البخاري ذهب المالكية، قال عياض: استحب أصحابنا لأهل السعة كونها أسبوعًا، قال: وقال بعضهم: محله إذا دعا في كل يوم من لم يدع قبله ولم يكرر عليهم، وهذا شبيه بما تقدم عن الروياني، انتهى.
стр. 2873
(٧٢ - باب من ترك الدعوة فقد عصى الله ورسوله)
قوله: (شر الطعام طعام الوليمة يدعى لها الأغنياء، ويترك الفقراء) قال القسطلاني (١): وهذا موقوف على أبي هريرة لكن قوله: "ومن ترك الدعوة فقد عصى الله ورسوله ﷺ " يقتضي كونه مرفوعًا إذ مثل هذا لا يكون من قبيل الرأي لكن جل رواة مالك كما قال ابن عبد البر: لم يصرحوا برفعه، نعم قال روح ابن القاسم عن مالك بسنده: قال رسول الله ﷺ ، وكذا أخرجه الدارقطني من طريق إسماعيل بن سلمة عن مالك، ولمسلم من طريق سفيان: سمعت زياد بن سعد يقول: سمعت ثابتًا الأعرج يحدث عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال. . . فذكر نحوه، وفي قوله: "عصى الله ورسوله" دليل لوجوب الإجابة بأن العصيان لا يطلق إلا على ترك الواجب كما لا يخفى، وهذا الحديث أخرجه مسلم في النكاح، وأبو داود في الأطعمة، والنسائي في الوليمة، وابن ماجه في النكاح، انتهى.
(٧٣ - باب من أجاب إلى كراع)
قال القسطلاني: بضم الكاف وتخفيف الراء، أي: من أجاب إلى وليمة فيها كراع، وهو مستدق الساق من الرجل ومن حد الرسغ من اليد، وهو من البقر والغنم بمنزل الوظيف من الفرس والبعير، انتهى.
قال الحافظ (٢): الكراع ما دون الكعب من الدواب، وقال ابن فارس: كراع كل شيء طرفه.
قوله: (لو دعيت إلى كراع لأجبت. . .) إلخ، وقد زعم بعض الشرَّاح وكذا وقع للغزالي أن المراد بالكراع في هذا الحديث المكان المعروف في كراع الغميم بفتح المعجمة، وهو موضع بين مكة والمدينة، وزعم أنه أطلق ذلك على سبيل المبالغة في الإجابة ولو بعد المكان، لكن المبالغة في الإجابة مع
стр. 2874
حقارة الشيء أوضح في المراد، ولهذا ذهب الجمهور إلى أن المراد بالكراع هنا كراع الشاة، وأغرب الغزالي في "الإحياء" فذكر الحديث بلفظ: "لو دعيت إلى كراع الغميم" ولا أصل لهذه الزيادة، انتهى.
قلت: وقوله الحافظ: وزعم بعض الشرَّاح، أراد به الكرماني كما قال العيني (١): قال الكرماني: المراد به عند الجمهور كراع الشاة، وقيل: كراع الغميم، وتعقب العيني كلام الحافظ حيث قال: والكرماني نقل هذا بقوله: قيل، وما زعم هو بذلك فكيف يقول هذا القائل: وزعم بعض الشرَّاح، وكان ينبغي أن يقول: ونقل بعض الشرَّاح كذا وكذا، انتهى.
قلت: ولا يخفى أن هذا الإيراد في غير محله فإنه يمكن أن يكون مراد الحافظ ببعض الشرَّاح هو قائل هذا القول الذي نقل عنه الكرماني، فافهم.
(٧٤ - باب إجابة الداعي في العرس وغيرها)
ذكر فيه حديث ابن عمر: "أجيبوا هذه الدعوة" وهذه اللام يحتمل أن تكون للعهد والمراد وليمة العرس، ويؤيده رواية ابن عمر الأخرى: "إذا دعي أحدكم إلى الوليمة فليأتها" وقد تقرر أن الحديث الواحد إذا تعددت ألفاظه وأمكن حمل بعضها على بعض تعين ذلك، ويحتمل أن تكون اللام للعموم وهو الذي فهمه راوي الحديث فكان يأتي الدعوة للعرس وغيره، وقد أخذ بظاهر الحديث بعض الشافعية فقال بوجوب الإجابة إلى الدعوة مطلقًا، عرسًا كان أو غيره بشرطه، وجزم بعدم الوجوب في غير وليمة النكاح المالكية والحنفية والحنابلة وجمهور الشافعية، وبالغ السرخسي منهم فنقل فيه الإجماع، انتهى (٢).
стр. 2875
(٧٥ - باب ذهاب النساء والصبيان إلى العرس)
قال الحافظ (١): كأنه ترجم بهذا لئلا يتخيل أحد كراهة ذلك فأراد أنه مشروع بغير كراهة، انتهى.
وبما أفاده الحافظ في غرض الترجمة جزم العلامة العيني، وأشار إليه القسطلاني.
(٧٦ - باب هل يرجع إذا رأى منكرًا في الدعوة)
هكذا أورد الترجمة بصورة الاستفهام ولم يبتّ الحكم لما فيها من الاحتمال، كما سأبينه إن شاء الله، ثم قال الحافظ (٢):
ذكر المصنف حديث عائشة في الصور، وسيأتي شرحه وبيان حكم الصور مستوفى في كتاب اللباس، وموضع الترجمة منه قولها: "قام على الباب فلم يدخل" قال ابن بطال: فيه أنه لا يجوز الدخول في الدعوة يكون فيها منكر مما نهى الله عنه ورسوله لما في ذلك من إظهار الرضا بها، ونقل مذاهب القدماء في ذلك وحاصله: إن كان هناك محرم وقدر على إزالته فأزاله فلا بأس، وإن لم يقدر فليرجع، وإن كان مما يكره كراهة تنزيه فلا يخفى الورع، ومما يؤيد ذلك ما وقع في قصة ابن عمر من اختلاف الصحابة في دخول البيت الذي سترت جدره ولو كان حرامًا ما قعد الذين قعدوا ولا فعله ابن عمر، فيحمل فعل أبي أيوب على كراهة التنزيه جمعًا بين الفعلين، ويحتمل أن يكون أبو أيوب كان يرى التحريم والذين لم ينكروا كانوا يرون الإباحة.
وقد فصل العلماء ذلك على ما أشرت إليه - كما تقدم في شرح ترجمة الباب - قالوا: إن كان لهوًا مما اختلف فيه فيجوز الحضور والأولى الترك، وإن كان حرامًا كشرب الخمر نظر فإن كان المدعوّ ممن إذا حضر رفع
стр. 2876
لأجله فليحضر، وإن لم يكن كذلك ففيه للشافعية وجهان: أحدهما يحضر وينكر بحسب قدرته وإن كان الأولى أن لا يحضر.
قال البيهقي: وهو ظاهر نص الشافعي، وقال صاحب "الهداية" من الحنفية: لا بأس أن يقعد ويأكل إذا لم يكن يقتدى به، فإن كان ولم يقدر على منعهم فليخرج لما فيه من شين الدين وفتح باب المعصية، وحكي عن أبي حنيفة أنه قعد وهو محمول على أنه وقع له ذلك قبل أن يصير مقتدى به، قال: وهذا كله بعد الحضور، فإن علم قبله لم تلزمه الإجابة، والوجه الثاني للشافعية تحريم الحضور، إلى آخر ما ذكره من تفصيل مذاهب بقية الأئمة، ثم قال:
وأما حكم ستر البيوت والجدران ففي جوازه اختلاف قديم، وجزم جمهور الشافعية بالكراهة، وصرح الشيخ (١) أبو نصر المقدسي منهم بالتحريم، وعند سعيد بن منصور من حديث سلمان موقوفًا، إنه أنكر ستر البيت، وقال: أمحموم بيتكم أو تحولت الكعبة عندكم، قال: لا أدخله حتى يهتك، انتهى.
(٧٧ - باب قيام المرأة على الرجال في العرس وخدمتهم بالنفس)
أي: بنفسها، ذكر فيه حديث سهل بن سعد في قصة عرس أبي أسيد وترجم عليه في الذي بعده: "النقيع والشراب الذي لا يسكر في العرس"، وتقدم قبل أبواب في إجابة الدعوة، ثم قال الحافظ (٢) بعد حديث الباب: وفي الحديث جواز خدمة المرأة زوجها ومن يدعوه، ولا يخفى أن محل ذلك عند أمن الفتنة ومراعاة ما يجب عليها من الستر، وجواز استخدام الرجل امرأته في مثل ذلك، انتهى.
стр. 2877
(٧٨ - باب النقيع والشراب الذي لا يسكر في العرس)
تقدم في الذي قبله، وقوله: "الذي لا يسكر" استنبطه من قرب العهد بالنقع لقوله: أنقعته من الليل؛ لأنه في مثل هذه المدة من أثناء الليل إلى أثناء النهار لا يتخمر وإذا لم يتخمر لم يسكر، انتهى من "الفتح" (١).
قال القسطلاني (٢): وعطف الشراب على النقيع من عطف العام على الخاص لأنه يعم نقيع التمر وغيره، انتهى.
(٧٩ - باب المداراة مع النساء. . .) إلخ
قال القسطلاني (٣): أي: المجاملة والملاينة معهن للألفة واستمالة قلوبهن لما جبلن عليه من الأخلاق، وقوله: "إنما المرأة كالضلع" بكسر الضاد المعجمة وفتح اللام وسكونها والفتح أفصح، ثم قال بعد حديث الباب: وفيه إشارة إلى الإحسان إلى النساء بالرفق بهن والصبر على عوج أخلاقهن واحتمال ضعف عقولهن وغير ذلك، انتهى.
(٨٠ - باب الوصاة بالنساء)
بفتح الواو والصاد المهملة مقصور وهي لغة في الوصية، وفي بعض الروايات "الوصاية"، انتهى من "الفتح" (٤).
وقال القسطلاني (٥): قوله: "استوصوا بالنساء خيرًا" أي: أوصيكم فاقبلوا وصيتي فيهن، كذا قرره البيضاوي لأن الاستيصاء استفعال وظاهره طلب الوصية وليس هو المراد، وقال الطيبي: الأظهر أن السين للطلب مبالغة، أي: اطلبوا الوصية من أنفسكم في حقهن بخير، ويجوز أن يكون من الخطاب العام، أي: يستوصي بعضكم من بعض في حق النساء، انتهى.
стр. 2878
ذكر المصنف في الباب حديثين ومطابقة الحديث الأول ظاهر، وأما مطابقة الحديث الثاني فغير واضح.
قال العيني (١): قيل: لا مطابقة بين الترجمة وبين هذا الحديث، ويمكن أن تؤخذ المطابقة من قوله: "وانبسطنا" لأن الانبساط إليهن من جملة الوصاية بهن، انتهى.
وكتب الشيخ قُدِّس سرُّه في "اللامع" (٢): قوله: "كنا نتقي الكلام والانبساط" وذلك لاستلزامه شيئًا من الضرب والتأديب فإن الرجل إذا انبسط إلى أهله أدى ذلك إلى دلّ وقلة مبالاة بأمر الزوج فيقع العصيان ويؤدي ذلك إلى ضرب وتأديب وقد كانوا نهوا عن ذلك، وبذلك يطابق الحديث بالترجمة، انتهى.
ولا يخفى أن المناسبة التي ذكرها الشيخ أدق وأجود.
(٨١ - باب قوله تعالى: ﴿قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا﴾ [التحريم: ٦])
وهذا الباب عندي تقييد للباب السابق بأن المداراة والوصاة يتقيد بحدّ الجواز، أما المداراة في الأمور المنكرة التي لا تجوز لا يجوز.
قال القسطلاني (٣): وفي ذكر المؤلف هذه الآية عقب الباب السابق المذكور فيه "واستوصوا بالنساء خيرًا" كما قال في "فتح الباري" رمز إلى أنه يقومهن برفق بحيث لا يبالغ فيكسر، وليس المراد أنه يتركهن على الاعوجاج إذا تعدين ما طبعن عليه من النقص إلى تعاطي المعصية بمباشرتها أو ترك الواجب، بل المراد أن يتركهن على اعوجاجهن في الأمور المباحة كما لا يخفى، فللَّه در المؤلف ما أدق نظره، قال الحسن: ما أطاع رجل امرأته فيما تهوى إلا كبّه الله في النار، انتهى.
стр. 2879
(٨٢ - باب حسن المعاشرة مع الأهل)
قال ابن المنيِّر: نبَّه بهذه الترجمة على أن إيراد النبي ﷺ هذه الحكاية، يعني: حديث أم زرع ليس خليًا عن فائدة شرعية، وهي الإحسان في معاشرة الأهل.
قلت: وليس فيما ساقه البخاري التصريح بأن النبي ﷺ أورد الحكاية، وسيأتي بيان الاختلاف في رفعه ووقفه، وليست الفائدة من الحديث محصورة فيما ذكر بل سيأتي له فوائد أخرى منها ما ترجم عليه النسائي والترمذي، وقد شرح حديث أم زرع إسماعيل بن أبي أويس شيخ البخاري وأبو عبيد القاسم بن سلّام في "غريب الحديث" وذكر أنه نقله عن عدة من أهل العلم لا يحفظ عددهم، ثم ذكر الحافظ عدة شروح لهذا الحديث إلى أن قال: ثم الزمخشري في "الفائق" ثم القاضي عياض وهو أجمعها وأوسعها، وأخذ منه غالب الشرَّاح بعده، وقد لخصت جميع ما ذكروه، انتهى من "الفتح" (١).
وقال القسطلاني (٢): وهذا الحديث أخرجه مسلم في "الفضائل" والنسائي، وأخرجه الترمذي في "الشمائل"، انتهى.
وشرحه هذا العبد الضعيف في شرح شمائل الترمذي المسمى بـ "خصائلِ نبوي" في اللغة الأردية مع التعليق عليه باللغة العربية وفيه (٣): قوله: "حديث أم زرع" بزاي مفتوحة وراء ساكنة وعين مهملة: واحدة من النساء المذكورات في الحديث أضيف إليه الحديث لأن معظم الكلام فيه يتعلق بها، ولهذا الحديث ألقاب أشهرها هذا، وأفرده الأئمة بالتأليف منهم القاضي عياض والرافعي في مؤلف جامع، وساقه بتمامه في "تاريخ قزوين" وآخرهم مولانا فيض الحسن الأديب السهارنفوري شرحه في مؤلف سماه
стр. 2880
"التحفة الصديقية" قال الحافظ ابن حجر: روي هذا الحديث من أوجه بعضها موقوف وبعضها مرفوع، ويقوي رفعه ما في آخره: "كنت لك كأبي زرع لأم زرع" متفق على رفعه وذلك يقتضي أنه ﵊ سمع القصة وأقرها فيكون كله مرفوعًا من هذه الحيثية، قاله المناوي، انتهى.
(٨٣ - باب موعظة الرجل ابنته لحال زوجها)
أي: لأجل زوجها، قال العلامة العيني (١) تحت حديث الباب: مطابقته للترجمة تؤخذ من قوله: "فدخلت على حفصة فقلت: أي حفصة" إلى قوله: "يريد عائشة" والحديث قد مضى في تفسير سورة التحريم، ومضى أيضًا مطولًا في كتاب المظالم في "باب الغرفة والعلية المشرفة" ومضى أيضًا مختصرًا في كتاب العلم ومضى الكلام فيه في المواضع المذكورة، فالناظر فيه يعتبر التفاوت من حيث الزيادة والنقصان في الإسناد والمتن، انتهى.
قوله: (حين أفشته حفصة إلي عائشة. . .) إلخ، قال الحافظ (٢): كذا في هذه الطريق لم يفسر الحديث المذكور الذي أفشته حفصة، وفيه أيضًا: "وكان قال: ما أنا بداخل عليهن شهرًا، من شدة موجدته عليهن حين عاتبه الله" وهذا أيضًا مبهم ولم أره مفسرًا، ثم قال: والمراد بالمعاتبة قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ [التحريم: ١]، الآيات، وقد اختلف في الذي حرم على نفسه وعوتب على تحريمه، كما اختلف في سبب حلفه على أن لا يدخل على نسائه على أقوال، فالذي في "الصحيحين" أنه العسل كما مضى في سورة التحريم مختصرًا، وسيأتي بأبسط منه في كتاب الطلاق، وذكرت في التفسير قولًا آخر أنه في تحريم جاريته مارية، وذكرت هناك كثيرًا من طرقه، ووقع في رواية عن عائشة عند ابن مردويه ما يجمع القولين، إلى أن قال:
стр. 2881
وجاء في ذلك ذكر قول ثالث أخرجه ابن مردويه عن ابن عباس قال: دخلت حفصة على النبي ﷺ بيتها فوجدت معه مارية فقال: "لا تخبري عائشة حتى أبشرك ببشارة، إن أباك يلي هذا الأمر بعد أبي بكر إذا أنا مُت" فذهبت إلى عائشة فأخبرتها فقالت له عائشة ذلك، والتمست منه أن يحرم مارية فحرمها، ثم جاء إلى حفصة فقال: "أمرتك أن لا تخبري عائشة فأخبرتها" فعاتبها [على ذلك] ولم يعاتبها على أمر الخلافة، فلهذا قال الله تعالى: ﴿عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ﴾ [التحريم: ٣] وأخرج الطبراني في "الأوسط" وفي "عشرة النساء" عن أبي هريرة نحوه بتمامه وفي كل منهما ضعف.
وجاء في سبب غضبه منهن وحلفه أن لا يدخل عليهن شهرًا قصة أخرى، فأخرج ابن سعد من طريق عمرة عن عائشة قالت: أهديت لرسول الله ﷺ هدية فأرسل إلى كل امرأة من نسائه نصيبها فلم ترض زينب بنت جحش بنصيبها فزادها مرة أخرى فلم ترض، فقالت عائشة: لقد أقمئت وجهك ترد عليك الهدية، فقال: "لأنتن أهون على الله من أن تقمئنني لا أدخل عليكن شهرًا".
وفيه قول آخر أخرجه مسلم من حديث جابر، فذكر الحافظ قصة سؤالهن النفقه ثم قال: ويحتمل أن يكون مجموع هذه الأشياء كان سببًا لاعتزالهن وهذا هو اللائق بمكارم أخلاقه صلى الله تعالى عليه وسلم وسعة صدره وكثرة صفحه، وأن ذلك لم يقع منه حتى تكرر موجبه منهن، ﷺ ورضي عنهن، والراجح من الأقوال كلها قصة مارية، إلى آخر ما تقدم في سورة التحريم فارجع إليه لو شئت.
(٨٤ - باب صوم المرأة بإذن زوجها تطوعًا)
قال الحافظ (١): هذا الأصل لم يذكره البخاري في كتاب الصيام، وذكره أبو مسعود في أفراد البخاري من حديث أبي هريرة، وليس كذلك فإن
стр. 2882
مسلمًا ذكره في أثناء حديث في كتاب الزكاة، ووقع للمزي في "الأطراف" فيه وهم بيَّنته فيما كتبته عليه، انتهى.
قال القسطلاني (١) تحت حديث الباب: وفي رواية المستملي كما في "الفتح" "لا تصومن" بزيادة نون التأكيد، وفي الطبراني من حديث ابن عباس مرفوعًا في أثنائه: "ومن حق الزوج على زوجة أن لا تصوم تطوعًا إلا بإذنه، فإن فعلت لم يقبل منها" وهذا يدل على تحريم الصوم المذكور عليها، وهو قول الجمهور، قال النووي في "المجموع": وقال أصحابنا: يكره، والصحيح الأول، قال النووي: ومقتضى المذهب عدم الثواب، إلى آخر ما ذكره.
وقال العلامة العيني (٢) تعليلًا لمسألة الباب: لأن حقه مقدم على الصوم التطوع بخلاف رمضان فإنه لا يحتاج فيه إلى الإذن لأنه أيضًا صائم، والخلاف في صوم قضاء رمضان فمنهم من قال: ليس لها ذلك بل تؤخره إلى شعبان، ومنهم من قال: لها ذلك، انتهى.
(٨٥ - باب إذا باتت المرأة مهاجرة فراش زوجها)
أي: بغير سبب لم يجز لها ذلك، قاله الحافظ (٣).
(٨٦ - باب لا تأذن المرأة في بيت زوجها إلا بإذنه)
والمراد ببيت زوجها مسكنه سواء كان ملكه أم لا؟ كذا في "الفتح" و"العيني" (٤).
قوله: (ولا أن تأذن في بيت إلا بإذنه) فلو علمت رضاه جاز، قال قي "الفتح" (٥): وفي الحديث حجة على المالكية في تجويز دخول الأب ونحوه
стр. 2883
بيت المرأة بغير إذن زوجها، وأجابوا عن الحديث بأنه معارض بصلة الرحم، وأن بين الحديثين عمومًا وخصوصًا وجيهًا فيحتاج إلى مرجح، ويمكن أن يقال: صلة الرحم إنما تندب بما يملكه الواصل والتصرف في بيت الزوج لا تملكه المرأة إلا بإذن الزوج، فكما لأهلها أن لا تصلهم بماله إلا بإذنه فإذنها لهم في دخول البيت كذلك. انتهى من "القسطلاني".
(٨٧ - باب)
(بغير ترجمة)، قال العيني (١): هو كالفصل لما قبله، انتهى.
وقال الحافظ (٢): كذا لهم بغير ترجمة وأورد فيه حديث أسامة لقوله فيه: "وقفت على باب النار فإذا عامة من دخلها النساء" وسقط للنسفي لفظ "باب" فصار الحديث الذي فيه من جملة الباب الذي قبله، ومناسبته له من جهة الإشارة إلى أن النساء غالبًا يرتكبن النهي المذكور، ومن ثم كن أكثر من دخل النار، والله أعلم، انتهى من "الفتح".
(٨٨ - باب كفران العشير وهو الزوج وهو الخليط، من المعاشرة)
قال العيني (٣): قوله: "وهو الزوج. . ." إلخ، أي: العشير هو الزوج والعشير على وزن فعيل بمعنى معاشر كالمصادق في الصديق؛ لأنها تعاشره ويعاشرها من العشرة وهي الصحبة، وقوله: "وهو الخليط" أي: العشير هو الخليط، أي: المخالط لأن بينهما مخالطة، قوله: "من المعاشرة" أراد به أن العشير الذي هو الزوج مأخوذ من المعاشرة التي بمعنى المصاحبة، واحترز به عن العشير الذي بمعنى العشر بالضم كما في الحديث: "تسعة أعشراء الرزق في التجارة" وهو جمع عشير كنصيب وأنصباء، ومن العشير
стр. 2884
الذي بمعنى المعشور فإنه [من] عشرت المال أعشره إذا أخذت عشرًا، انتهى.
(٨٩ - باب لزوجك عليك حق)
أشار المصنف بهذا الباب والباب الآتي إلى رعاية الحقوق من الطرفين، قوله: "قاله أبو جحيفة عن النبي ﷺ ".
قال الحافظ (١): وهو طرف من حديثه في قصة سلمان وحديثه وقد مضى موصولًا مشروحًا في كتاب الصيام، قال ابن بطال: لما ذكر في الباب قبله حق الزوج على الزوجة ذكر في هذا عكسه، وأنه لا ينبغي له أن يجهد بنفسه في العبادة حتى يضعف عن القيام بحقها من جماع واكتساب، واختلف العلماء فيمن كفّ عن جماع زوجته فقال مالك: إن كان بغير ضرورة ألزم به أو يفرق بينهما، ونحوه عن أحمد، والمشهور عن الشافعية أنه لا يجب عليه، وقيل: يجب مرة، وعن بعض السلف: في كل أربع ليلة، وعن بعضهم: في كل طهر مرة، انتهى من "الفتح".
زاد العيني (٢): وقال أبو حنيفة ﵁: يؤمر أن يبيت عندها، انتهى.
(٩٠ - باب المرأة راعية في بيت زوجها)
قال الحافظ (٣): ذكر فيه عن ابن عمر وسيأتي شرحه مستوفى في كتاب الأحكام إن شاء الله تعالى.
وقال العيني (٤): والحديث قد مرَّ في صلاة الجمعة في "باب الجمعة في القرى والمدن" بأتم منه، انتهى.
стр. 2885
(٩١ - باب قول الله تعالى: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ﴾ [النساء: ٣٤])
قال الحافظ (١): إلى هنا عند أبي ذر، وزاد غيره: " ﴿بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ إلى قوله: ﴿عَلِيًّا كَبِيرًا﴾ [النساء: ٣٤] وبسياق الآية تظهر مطابقة الترجمة لأن المراد منها قوله تعالى: ﴿فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ﴾ فهو الذي يطابق قوله: "آلى النبي ﷺ من نسائه شهرًا" لأن مقتضاه أنه هجرهن، وخفي ذلك على الإسماعيلي فقال: لم يتضح لي دخول هذا الحديث في هذا الحديث في هذا الباب ولا تفصيل الآية التي ذكرها، انتهى.
وبما قال الحافظ جزم العيني في المناسبة.
وذكر صاحب "التيسير" المطابقة بوجهين: الأول: أن إيلاءه ﷺ كان للتنبيه والتحديد لنسائه ليتعظن ويمتنعن ويتبن عما لا يليق بشأنهن، وقد وقع ما أراده ﷺ فناسب الحديث قوله تعالى: ﴿فَعِظُوهُنَّ﴾، والوجه الثاني: ما ذكر الحافظ وغيره من المناسبة بقوله: ﴿وَاهْجُرُوهُنَّ﴾، انتهى.
وكتب الشيخ قُدِّس سره في "اللامع" (٢): دلالة الرواية عليه من حيث إن الزوج كان له الإيلاء والامتناع عن قربانها ولا يمكن ذلك للمرأة إن قصدت، انتهى.
وفي هامشه: وعلى ما أفاده الشيخ قُدِّس سرُّه لا يحتاج للمناسبة إلى ذكر تمام الآية التي لم يذكرها البخاري بل الحديث مطابق لما ذكره البخاري من جزء الآية من قوله: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ﴾ بأن الزوج لما كان له الإيلاء والامتناع وليس ذلك للمرأة فكون الرجال قوامين ظاهر، والجدير بشأن البخاري أن تثبت المطابقة بما أفاده الشيخ لدقته، وأما إثبات المناسبة بقوله: ﴿وَاهْجُرُوهُنَّ﴾ فظاهر لا يليق بدقة شأن البخاري.
стр. 2886
(٩٢ - باب هجرة النبي ﷺ نساءه في غير بيوتهن)
كأنه يشير إلى أن قوله: ﴿وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ﴾ لا مفهوم له وأنه تجوز الهجرة فيما زاد على ذلك، كما وقع للنبي ﷺ من هجره لأزواجه في المشربة، وللعلماء في ذلك اختلاف.
قوله: (ويذكر عن معاوية رفعه: ولا تهجر إلا في البيت) وهذا طرف من حديث طويل أخرجه أحمد وأبو داود وغيرهما عن حكيم بن معاوية عن أبيه وفيه: ما حق المرأة على الزوج؟ قال: "يطعمها إذا طعم، ويكسها إذا اكتسى، ولا يضرب الوجه ولا يقبح ولا يهجر إلا في البيت"، انتهى من "الفتح" (١).
قوله: (والأول أصح) قال القسطلاني (٢): أي حديث أنس المروي في الباب السابق المذكور فيه هجره ﷺ نساءه في غير بيوتهن أصح من حديث معاوية بن حيدة هذا، وعبَّر المؤلف بيذكر التي للتمريض إشارة إلى انحطاط رتبته بالنسبة لغيرها مع الصلاحية للاحتجاج بذلك، وللكرماني والعيني ههنا كلام أضربت عنه لطوله، والذي تقرر هنا من معنى الحديث المعلق مع الاستشهاد له بلفظ أبي داود هو الظاهر فليتأمل مع ما أبداه العيني في شرحه متعقبًا لما في "الفتح" مما ذكرته هنا منتصرًا للكرماني والله الموفق والمعين.
والحاصل: أن الهجران يجوز أن يكون في البيوت وغيرها، وأن الحصر المذكور في حديث معاوية المعلق هنا غير معمول به بل يجوز في غير البيوت، كما فعله ﷺ ، وقول المهلب: إن الهجران في غير البيوت فيه رفق بالنساء إذ هو معهن في البيوت آلم لقلوبهن، ليس على إطلاقه، بل يختلف باختلاف الأحوال على أن الغالب أن الهجران في غير البيوت أشق، انتهى.
стр. 2887
وهذا الذي ذكره القسطلاني ملخص ما بسطه الحافظ في "الفتح".
(٩٣ - باب ما يكره من ضرب النساء)
فيه إشارة إلى أن ضربهن لا يباح مطلقًا بل فيه ما يكره كراهة تنزيه أو تحريم على ما سنفصله.
قوله: (وقول الله تعالى: ﴿وَاضْرِبُوهُنَّ﴾ أي: ضربًا غير مبرح) هذا التفسير منتزع من المفهوم من حديث الباب من قوله: "ضرب العبد" كما سأوضحه، وقد جاء ذلك صريحًا في حديث عمرو بن الأحوص "أنه شهد حجة الوداع مع رسول الله ﷺ " فذكر حديثًا طويلًا، وفيه: "فإن فعلن فاهجروهن في المضاجع واضربوهن ضربًا غير مبرح" الحديث أخرجه أصحاب السنن وصححه الترمذي واللفظ له، وفي حديث جابر الطويل عند مسلم: "فإن فعلن فاضربوهن ضربًا غير مبرح"، قلت: وسبق التنصيص في حديث معاوية بن حيدة على النهي عن ضرب الوجه، انتهى من "الفتح" (١).
ثم بسط الحافظ في الروايات الواردة في إباحة ضربهن ومنعه إلى أن قال: وفي قوله: "لن يضرب خياركم" دلالة على أن ضربهن مباح في الجملة، ومحل ذلك أن يضربها تأديبًا إذا رأى منها ما يكره فيما يجب عليها فيه طاعته، فإن اكتفى بالتهديد ونحوه كان أفضل، ومهما أمكن الوصول إلى الغرض بالإيهام لا يعدل إلى الفعل لما في وقوع ذلك من النفرة المضادة لحسن المعاشرة المطلوبة في الزوجية، إلا إذا كان في أمر يتعلق بمعصية الله، وقد أخرج النسائي حديث عائشة: "ما ضرب رسول الله امرأة له ولا خادمًا قط، ولا ضرب بيده شيئًا قط إلا في سبيل الله، أو تنتهك حرمات الله فينتقم لله" صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم تسليمًا كثيرًا كثيرًا، انتهى.
стр. 2888
(٩٤ - باب لا تطيع المرأة زوجها في معصية)
لمَّا كان الذي قبله يشعر بندب المرأة إلى طاعة زوجها في كل ما يرومه خصص ذلك بما لا يكون فيه معصية الله، فلو دعاها الزوج إلى معصية فعليها أن تمتنع، فإن أدّبها على ذلك كان الإثم عليه، انتهى من "الفتح" (١).
(٩٥ - باب قوله: ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا﴾ [النساء: ١٢٨])
قال الحافظ (٢): قد تقدم الباب وحديثه في تفسير سورة النساء، وسياقه ههنا أتم، وذكرت هناك سبب نزولها وفيمن نزلت، واختلف السلف فيما إذا تراضيا على أن لا قسمة لها هل لها أن ترجع في ذلك؟ فقال الثوري وأحمد - وأخرجه البيهقي عن علي ﵁ وغيرهم ذكر أسماءهم الحافظ: إن رجعت فعليه أن يقسم لها وإن شاء فارقها، وعن الحسن: ليس لها أن تنقض، وهو قياس قول مالك في الإنظار والعارية، والله أعلم، انتهى.
(٩٦ - باب العزل)
قال القسطلاني (٣): قال النووي: قال أصحابنا: لا يحرم في مملوكته ولا زوجته الأمة سواء رضيت أم لا؛ لأن عليه ضررًا في مملوكته بأن تصير أم ولد لا يجوز بيعها، وفي زوجته الرقيقة بمصير ولده رقيقًا تبعًا لأمه، أما زوجته الحرة فإن أذنت فيه لم يحرم وإلا فوجهان: أصحهما لا يحرم، واستدلوا بحديث البخاري، ثم ذكر حديث الباب، انتهى.
قال في "الدر المختار" (٤): ويعزل عن الحرة بإذنها، وعن أمته بغير إذنها بلا كراهة، انتهى.
стр. 2889
وقال أيضًا: والإذن في العزل لمولى الأمة لا لها، قال ابن عابدين: وهذا هو ظاهر الرواية عن الثلاثة، انتهى.
وفي "الأوجز" (١): قال الموفق: يجوز العزل عن أمته بغير إذنها، نص عليه أحمد، وهو قول مالك وأبي حنيفة والشافعي، ولا يعزل عن زوجته الحرة إلا بإذنها، قال القاضي: ظاهر كلام أحمد وجوب الاستئذان ويحتمل الاستحباب لأن حقها في الوطء دون الإنزال، وللشافعية في ذلك وجهان، وأما زوجته الأمة فيحتمل جواز العزل عنها بغير إذنها وهي قول الشافعي، إلى آخر ما ذكر.
وفي "الأوجز" أيضًا عن "الفتح": واختلفوا في الأمة المزوجة فعند المالكية يحتاج إلى إذن سيدها وهو قول أبي حنيفة، والراجح عن أحمد، وقال محمد وأبو يوسف: الإذن لها وهي رواية عن أحمد، انتهى.
وكذا لا يعزل عن الحرة إلا بإذنها عند المالكية كما قال ابن عبد البر ونقل عليه الإجماع، وإن كان حكاية الإجماع متعقبًا عليه فإن للشافعية في المسألة قولان، والأصح الجواز كما تقدم في كلام النووي، وفي "الفتح": قال الغزالي وغيره: يجوز وهو المصحح عند المتأخرين.
(٩٧ - باب القرعة بين النساء إذا أراد سفرًا)
تقدم في حديث الإفك في التفسير مثل ذلك من حديث عائشة أيضًا، وساق المصنف في الباب قصة أخرى ولعلها كانت أيضًا في تلك السفرة، ولكن بينت في شرح حديث الإفك في التفسير أنه لم يكن معه في غزوة المريسيع إلا عائشة، وقد تقدم في الهبة والشهادات مثل ذلك في أول حديث آخر عن عائشة أيضًا، انتهى من "الفتح" (٢).
стр. 2890
وفيه أيضًا: واستدل بحديث الباب على مشروعية القرعة في القسمة بين الشركاء وغير ذلك، كما تقدم في أواخر الشهادات، والمشهور عن الحنفية والمالكية عدم اعتبار القرعة قال عياض: هو مشهور عن مالك وأصحابه؛ لأنه من باب الخطر والقمار، وحكي عن الحنفية إجازتها، انتهى.
وقد قالوا به في مسألة الباب، إلى آخر ما في "الفتح".
وفي هامش النسخة الهندية (١): القرعة عند إرادة السفر مستحقة عند الشافعية وعند الحنفية مستحبة، كذا في "الهداية"، انتهى.
قال القسطلاني (٢): قال أصحابنا: لا يجوز للزوج السفر ببعض أزواجه إلا بالقرعة إذا تنازعن، وإذا سافر بإحداهن بها فلا قضاء عليه، إلى آخر ما ذكر في فروع المسألة، ثم قال: وهذا الحديث أخرجه مسلم في "الفضائل" والنسائي في "عشرة النساء"، انتهى.
وقد تقدم الكلام على القرعة مرارًا فإن الإمام البخاري رحمه الله تعالى قد ترجم لها في عدة مواضع كما نبهت عليه في كتاب الشركة فارجع إليه لو شئت.
(٩٨ - باب المرأة تهب يومها من زوجها لضرّتها)
" من" يتعلق بـ "يومها" لا بـ "تهب" أي: يومها الذي يختص بها، قوله: "وكيف يقسم ذلك" قال العلماء: إذا وهبت يومها لضرتها قسم الزوج لها يوم ضرتها فإن كان تاليًا ليومها فذاك وإلا لم يقدمه عن رتبته في القسم إلا برضا من بقي، وقالوا: إذا وهبت المرأة يومها لضرتها فإن قبل الزوج لم يكن للموهوبة أن تمتنع، وإن لم يقبل لم يكره على ذلك، وللواهبة في
стр. 2891
جميع الأحوال الرجوع عن ذلك متى أحبت لكن فيما يستقبل لا فيما مضى، وأطلق ابن بطال أنه لم يكن لسودة ﵂ الرجوع في يومها الذي وهبته لعائشة، انتهى من "الفتح" (١) باختصار.
وقد ذكر الحافظ الروايات في سبب هبة سودة يومها لعائشة مما أخرجها مسلم وأبو داود وغيرهما من أصحاب الصحاح وغيرهم، ثم قال: فتواردت هذه الروايات على أنها خشيت الطلاق فوهبت، وأخرج ابن سعد بسند رجاله ثقات من رواية القاسم بن أبي بزة مرسلًا "أن النبي ﷺ طلقها فقعدت له على طريقه فقالت: والذي بعثك بالحق ما لي في الرجال حاجة ولكن أحبّ أن أبعث مع نسائك يوم القيامة فأنشدك بالذي أنزل عليك الكتاب هل طلقتني لموجدة وجدتها علي؟ قال: لا" الحديث، انتهى مختصرًا.
(٩٩ - باب العدل بين النساء ﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ. . .﴾ [النساء: ١٢٩]) إلخ
كتب مولانا أحمد علي المحدث السهارنفوري على الحاشية (٢): ليس في هذا الباب حديث، ومرَّ توجيهه مرارًا فيما تقدم من أنه لم يجد على شرطه، أو أراد ولم يتفق، وهذا على ما يوجد في بعض النسخ من قوله: "باب إذا تزوج البكر على الثيب" بين الآية والحديث.
وقال القسطلاني: سقط التبويب ولاحقه لأبي ذر فعلى هذا لا إشكال، وعليه شرح ابن حجر حيث قال بعد قوله: "باب العدل بين النساء ﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا. . .﴾ " إلخ: أشار بذكر الآية إلى أن المنفي فيها العدل بينهن من كل جهة، وبالحديث إلى أن المراد بالعدل التسوية بينهن بما يليق بكل
стр. 2892
منهن، فإذا أوفى لكل واحدة منهن كسوتها ونفقتها والإيواء لم يضر ما زاد على ذلك من ميل قلب أو تبرع بتحفة، وقد روى الأربعة وصححه ابن حبان والحاكم عن عائشة "أن النبي ﷺ كان يقسم بين نسائه فيعدل ويقول: اللهم هذا قسمي فيما أملك، فلا تلمني فيما تملك ولا أملك" قال الترمذي: يعني به المحبة والمودة، انتهى.
(١٠٠ - باب إذا تزوج البكر على الثيب)
كذا ثبتت هذه الترجمة في النسخة "الهندية" و"القسطلاني" و"العيني"، وليست في نسخة "الحافظ" كما تقدم في الباب السابق.
ولذا قال الحافظ (١) في شرح الباب الآتي: قوله: " باب إذا تزوج الثيب على البكر " أي: أو عكس كيف يصنع؟ والمسألة خلافية كما ستأتي في الباب الآتي.
قال العيني (٢): ولم يذكر جواب إذا الذي هو يبين الحكم اكتفاء بما في حديث الباب، والبكر خلاف الثيب ويقعان على الرجل والمرأة، انتهى.
(١٠١ - باب إذا تزوج الثيب على البكر)
قال العلامة العيني (٣): وهذه الترجمة عكس الترجمة التي قبلها، ثم قال بعد حديث الباب: أخرج الطحاوي هذا الحديث من عشر طرق صحاح، ثم قال: فذهب قوم إلى أن الرجل إذا تزوج الثيب أنه بالخيار إن شاء سبَّع لها وسبَّع لسائر نسائه، وإن شاء أقام عندها ثلاثًا ودار على بقية نسائه يومًا يومًا وليلة ليلة، قلت: أراد بالقوم إبراهيم النخعي وعامر الشعبي ومالكًا والشافعي وأحمد وإسحاق وأبا ثور وأبا عبيد، ثم قال: وخالفهم في ذلك آخرون فقالوا: إن ثلَّث لها ثلَّث لسائر نسائه كما إذا سبّع لها سبّع لسائر نسائه.