ولا تخصيصًا، وللإمام أحمد في ذلك ثلاث روايات: الأولى مثل الحنفية، والثانية مثل الشافعية، والثالثة التفريق بين الطلاق والعتق، ففي الطلاق مثل الشافعية وفي العتق مثل الحنفية، واختلفت الحنابلة في الترجيح فمنهم من رجح الرواية الثانية كالموفق، ومنهم من اختار الثالثة كالخرقي، وللإمام مالك في ذلك ثلاث روايات: الأولى المرجوحة، وهي عدم الوقوع مطلقًا وهي رواية ابن وهب والمخزومي عنه، والثانية التوقف في ذلك، والثالثة الراجحة في المذهب، والمشهور المعروف من مذهبه والمختار عند المالكية أنه إن عيَّن امرأة أو عبدًا مثل أن يقول: إن تزوجت هذه المرأة أو ملكت هذا العبد أو نسبهما إلى قبيلة أو مكان أو زمان لزمه الطلاق أو العتق، وإن أطلق أو عمم مثل أن يقول: كل امرأة أتزوجها أو كل عبد ملكت فلا ينفذ الطلاق ولا العتق، إلى آخر ما بسطه في "الأوجز"، كذا في هامش "اللامع".
(١٠ - باب إذا قال لامرأته وهو مكره: هذه أختي. . .) إلخ
قال الحافظ (١): قال ابن بطال: أراد بذلك الردّ على من كره أن يقول لامرأته: يا أختي، وقد روى عبد الرزاق من طريق أبي تميمة الهجيمي: "مر النبي ﷺ على رجل وهو يقول لامرأته: يا أخية، فزجره" قال ابن بطال: ومن ثم قال جماعة من العلماء: يصير بذلك مظاهرًا إذا قصد ذلك فأرشده النبي ﷺ إلى اجتناب اللفظ المشكل، قال: وليس بين هذا الحديث وبين قصة إبراهيم ﵊ معارضة؛ لأن إبراهيم إنما أراد بها أنها أخته في الدين، فمن قال ذلك ونوى أخوة الدين لم يضره.
قال الحافظ: وقد قيَّد البخاري بكون قائل ذلك إذا كان مكرهًا لم يضره، وتعقبه بعض الشرَّاح بأنه لم يقع في قصة إبراهيم إكراه، وهو كذلك لكن لا تعقب على البخاري لأنه أراد بذكر قصة إبراهيم الاستدلال
стр. 2924
على أن من قال ذلك في حالة الإكراه لا يضره قياسًا على ما وقع في قصة إبراهيم، انتهى.
قال العيني (١): قال أبو يوسف - فيمن قال لامرأته: يا أختي -: إن لم يكن له نية فهو تحريم، قال محمد بن الحسن: هو ظهار إذا لم يكن له نية، ذكره الخطابي، انتهى.
(١١ - باب الطلاق في الإغلاق. . .) إلخ
اشتملت هذه الترجمة على أحكام يجعلها أن الحكم إنما يتوجه على العاقل المختار العامد الذاكر، وشمل ذلك الاستدلال بالحديث لأن غير العاقل المختار لا نية له فيما يقول أو يفعل، وكذلك الغالط والناسي والذي يكره على الشيء، انتهى من "الفتح" (٢).
وقوله: (الإغلاق) اختلفوا في تفسيره على أقوال، قال الحافظ (٣): الإغلاق بكسر الهمزة وسكون المعجمة: الإكراه على المشهور، وقيل: هو العمل في الغضب، وبالأول جزم أبو عبيد وجماعة، وإلى الثاني أشار أبو داود فإنه أخرج حديث عائشة: "لا طلاق ولا عتاق في غلاق" قال أبو داود: والغلاق أظنه الغضب، وترجم على الحديث: "الطلاق على غيظ" ووقع عنده غلاق بغير ألف، وحكى البيهقي أنه روي على الوجهين، ورد الفارسي في "مجمع الغرائب" على من قال: الإغلاق الغضب، وغلطه في ذلك وقال: طلاق الناس غالبًا إنما هو في حالة الغضب، وقيل: معناه النهي عن إيقاع الطلاق البدعي مطلقًا، والمراد النفي عن فعله لا النفي عن حكمه كأنه يقول: بل يطلق للسُّنَّة، انتهى مختصرًا.
وفي "البذل" (٤) عن "المجمع": أو معناه لا يغلق التطليقات دفعة
стр. 2925
واحدة حتى لا يبقى فيه شيء لكن يطلق طلاق السُّنَّة، وعن الشوكاني: قيل: الجنون، واستبعده المطرزي، انتهى مختصرًا.
أما غلق التطليقات بأن يطلق ثلاثًا بلفظ واحد فقد تقدم الكلام عليه قريبًا في "باب من أجاز طلاق الثلاث" وأما الطلاق في الغضب فقد تقدم قريبًا أن الإمام أبا داود مال إلى عدم وقوع الطلاق في الغضب.
قال الحافظ (١): وأراد بذلك الردّ على من ذهب إلى أن الطلاق في الغضب لا يقع، وهو مروي عن بعض متأخري الحنابلة، ولم يوجد عن أحد من متقدميهم إلا ما أشار إليه أبو داود، انتهى.
قلت: ومذهب الحنابلة كما في فروعهم: إن الطلاق في حالة الغضب يقع بالكنايات أيضًا بدون النية فكيف بالصريح؟
قوله: (والكره) قال الحافظ (٢): في عطفه على الإغلاق نظر إلا إن كان يذهب إلى أن الإغلاق الغضب، ويحتمل أن يكون قبل الكاف ميم لأنه عطف عليه السكران فيكون التقدير: باب حكم الطلاق في الإغلاق وحكم المكره والسكران إلخ، وقد اختلف السلف في طلاق المكره، إلى آخر ما ذكر، وبسط الكلام على المسألة في "الأوجز" (٣) وفيه عن "المغني": لا تختلف الرواية عن أحمد ﵀ أن طلاق المكره لا يقع، روي ذلك عن عمر وعلي وجماعة نقلت أسماءهم في "الأوجز" منهم مالك والشافعي وإسحاق، وأجازه ابن عمر والشعبي والنخعي والزهري والثوري وأبو حنيفة وصاحباه وجماعة؛ لأنه طلاق من مكلف في محل يملكه فينفذ كطلاق غير المكره، انتهى.
ولا يذهب عليك أنه وقع التحريف من الكاتب في حاشية النسخة "الهندية" (٤) في نقل المذاهب في طلاق المكره إذ نقل فيه: قال الحنفية
стр. 2926
لا يصح طلاق المكره، وقالت الأئمة الثلاثة يصح وعليه الجمهور، فانعكست المذاهب فإن مذهب الحنفية أنه يصح طلاق المكره بخلاف الأئمة الثلاثة.
قوله: (ولا السكران) قال الحافظ (١): وذهب إلى عدم وقوع طلاق السكران عطاء وربيعة والمزني، واختاره الطحاوي، وقال بوقوعه طائفة من التابعين كسعيد بن المسيب وغيره، وبه قال الثوري ومالك وأبو حنيفة، وعن الشافعي قولان المصحح منهما وقوعه، والخلاف عند الحنابلة لكن الترجيح بالعكس، انتهى.
قلت: وفيه عن الإمام أحمد ثلاث روايات: الأولى يقع الطلاق، والثانية لا، والثالثة التوقف عن الجواب، قال ابن القيم في "الهدي" (٢): وهي الرواية الثانية التي استقر عليها مذهبه، يعني: أحمد، وصرح برجوعه إليها، واختاره من الحنفية الطحاوي والكرخي.
وفي "الفيض" (٣): ولنا في السكر من الحرام قولان، فإن كان من الحلال لا يقع طلاقه قولًا واحدًا، انتهى.
وفي "الدر المختار" (٤): ويقع طلاق سكران ولو بنبيذ قال ابن عابدين: أي: سواء كان سكره من الخمر أو الأشربة الأربعة المحرمة أو غيرها من الأشربة المتخذة من الحبوب والعسل عند محمد، قال في "الفتح": وبقوله يفتى لأن السكر من كل شراب محرام، انتهى.
وما في "الخانية" من تصحيح عدم الوقوع فهو مبين على قولهما من أن النبيذ حلال والمفتى به خلافه، نعم لو زال عقله بمباح كما إذا سكر من ورق الرمان فإنه لا يقع طلاقه ولا عتاقه، ونقل الإجماع على ذلك صاحب "التهذيب" كذا في "الهندية"، انتهى.
стр. 2927
قوله: (والمجنون) قال الموفق (١): أجمع أهل العلم على أن الزائل العقل بغير سكر أو ما في معناه لا يقع طلاقه، كذلك قال عثمان وعلي وجماعة من التابعين وغيرهم ذكر أسماءهم الموفق ومنهم مالك والشافعي وأصحاب الرأي، وأجمعوا على أن الرجل إذا طلق في حال نومه لا طلاق له، وقد ثبت أن النبي ﷺ قال: "رفع القلم عن ثلاثة: عن النائم حتى يستيقظ، وعن الصبي حتى يحتلم، وعن المجنون حتى يفيق"، انتهى.
قوله: (والغلط) في "الفيض" (٢): هو الخطأ، أي: أراد أن يسبح الله فسبق على لسانه ذكر الطلاق.
قوله: (والنسيان. . .) إلخ، قال الحافظ (٣): أي: إذا وقع من المكلف ما يقتضي الشرك غلطًا أو نسيانًا هل يحكم عليه به؟ وإذا كان لا يحكم عليه به فليكن الطلاق كذلك، وقوله: "وغيره" أي: وغير الشرك مما هو دونه، ثم بسط الحافظ الكلام على ما في بعض النسخ من لفظ الشك بدل الشرك وقال: إن ثبت فهو عطف على النسيان لا على الطلاق، ثم قال: واختلف السلف في طلاق الناسي فكان الحسن يراه كالعمد إلا إن اشترط فقال: إلا أن أنسى، وعن عطاء أنه كان لا يراه شيئًا وهو قول الجمهور، وكذلك اختلف في طلاق المخطئ فذهب الجمهور إلى أنه لا يقع، وعن الحنفية فيمن أراد أن يقول لامرأته شيئًا فسبق لسانه فقال: أنت طالق، يلزمه الطلاق، انتهى.
وهكذا ذكر العيني (٤) في بيان المذاهب في المخطئ لكن قال في طلاق الغالط والناسي: إنه واقع وهو قول عطاء والشافعي في قول وإسحاق ومالك والثوري والأوزاعي، انتهى.
وفي "الدر المختار" (٥): يقع طلاق كل زوج بالغ عاقل ولو عبدًا
стр. 2928
أو مكرهًا أو هازلًا أو مخطئًا بأن أراد التكلم بغير الطلاق فجرى على لسانه الطلاق أو غافلًا أو ساهيًا، قال ابن عبادين: المراد بالغافل ههنا الناسي وصورته أن يعلق طلاقها على دخول الدار مثلًا فدخلها ناسيًا التعليق، انتهى.
وفي "الفيض" (١): استشكلت على بعضهم صورة النسيان وذكر له في "البحر" صورًا نحو أن يقول: إن أجزت لك أن تذهبي إلى بيت فلان فأنت طالق فنسي وأجاز، انتهى.
ثم قال البخاري رحمه الله تعالى: "وما لا يجوز من إقرار الموسوس" ثم حكى عن عقبة: "لا يجوز طلاق الموسوس" قال الحافظ (٢): بمهملتين والواو الأولى مفتوحة والثانية مكسورة، أي: لا يقع طلاقه لأن الوسوسة حديث النفس ولا مؤاخذة بما يقع في النفس، انتهى.
وهكذا في شرح الكرماني والعيني والقسطلاني.
ثم قال الحافظ (٣) في أثر قتادة: "إذا طلق في نفسه فليس بشيء": وصله عبد الرزاق عن قتادة والحسن قالا: من طلق سرًّا في نفسه فليس طلاقه ذلك بشيء، وهذا قول الجمهور، وخالفهم ابن سيرين وابن شهاب فقالا: تطلق وهي رواية عن مالك، انتهى.
وفي "الأوجز" (٤) عن "المغني": الطلاق لا يقع إلا بلفظ فلو نواه بقلبه من غير لفظ لم يقع في قول عامة أهل العلم، وقال الزهري: إذا عزم على ذلك طلقت، وقال ابن سيرين فيمن طلق في نفسه: أليس قد علمه الله، ولنا قول النبي ﷺ : "إن الله تعالى تجاوز لأمتي عما حدثت به أنفسها ما لم تتكلم به أو تعمل" رواه الترمذي، وقال: صحيح، انتهى.
وفي "تقرير المكي": قوله: "من إقرار الموسوس" أي: من إقرار
стр. 2929
المجنون بالطلاق، انتهى ملخصًا من هامش "اللامع" (١) والبسط فيه.
وفي "الفيض" (٢): الموسوس المجنون أو المعتوه، والعته أخف من الجنون وضبطه مشكل، انتهى. وسيأتي حكم طلاق المعتوه في كلام المصنف.
قوله: (وقال عطاء: إذا بدأ بالطلاق فله شرطه) قال القسطلاني (٣): أي: إذا أرد أن يطلق وبدأ بالطلاق قبل الشرط بأن قال: أنت طالق إن دخلت الدار، فله شرطه كما في العكس بأن يقول: إن دخلت الدار فأنت طالق، فلا يلزم تقديم الشرط على الطلاق بل يصح سابقًا ولاحقًا، انتهى.
كتب الشيخ قُدِّس سرُّه في "اللامع" (٤): أشار بذلك إن لفظ الطلاق لا يكون سببًا لوقوعه ما لم يجامعه النية، فإن من قال: أنت طالق وكان من نيته تقييده بشرط حتى عقبه بالشرط فقال: إن دخلت الدار لم يقع طلاقه هذا ما لم تدخل الدار، فلو كان الطلاق واقعًا بمجرد اللفظ لما أفاد تقييده هذا بالشرط لتقدم الطلاق ووقوعه وإن كانت نيته أن يقيده، وكذلك قوله: طلق رجل امرأته إن خرجت، انتهى.
وفي هامشه: أجاد الشيخ قُدِّس سرُّه في مناسبة الأثر بالترجمة، ولم يتعرض لذلك أحد من الشرَّاح، وكأنّ الشيخ أشار بذلك إلى أن الترجمة من الأصل الثامن عشر من الأصول المذكورة في المقدمة وهو إرادة العام بالترجمة الخاصة وهو نص كلام الشيخ المكي في "تقريره" إذ قال: غرض البخاري أن طلاق هؤلاء لا يقع أصلًا لا قضاء ولا ديانة لعدم النية لهم، وكذلك لا يقع عندنا أيضًا، إلا أن القاضي يقضي بالوقوع لمكان التهمة لا أنه يقع، انتهى.
قوله: (وطلاق كل قوم بلسانهم) عجميًا أو غيره وهذا وصله ابن أبي
стр. 2930
شيبة، وقال في "الروضة": ترجمة لفظ الطلاق بالعجمية وسائر اللغات صريح على المذهب لشهرة استعمالها في معناها عند أهل تلك اللغات كشهرة العربية عند أهلها، وقيل: وجهان ثانيهما أنها كناية (١)، انتهى.
وفي "الدر المختار" (٢): صريحه ما لا يستعمل إلا فيه ولو بالفارسية، قال ابن عابدين: قوله: بالفارسية، فما لا يستعمل فيها إلا في الطلاق فهو صريح يقع بلا نية، وما استعمل فيها استعمال الطلاق وغيره فحكمه حكم كنايات العربية، إلى آخر ما بسط فيه من الألفاظ التركية وغيرها، انتهى.
قوله: (وقال قتادة: إذا قال: إذا حملت فأنت طالق ثلاثًا. . .) إلخ، وصله ابن أبي شيبة بسنده عن قتادة مثله لكن قال: عند كل طهر مرة ثم يمسك حتى تطهر، وذكر بقيته نحوه، ومن طريق أشعث عن الحسن: يغشاها إذا طهرت من الحيض ثم يمسك عنها إلى مثل ذلك، وقال ابن سيرين: يغشاها حتى تحمل، وبهذا قال الجمهور، واختلفت الرواية عن مالك ففي رواية ابن القاسم: إن وطئها مرة بعد التعليق طلقت سواء استبان بها حملها أم لا، وإن وطئها في الطهر الذي قال لها ذلك بعد الوطء طلقت مكانها، وتعقبه الطحاوي بالاتفاق على أن مثل ذلك إذا وقع في تعليق العتق لا يقع إلا إذا وجد الشرط، قال: فكذلك الطلاق فليكن، انتهى من "الفتح" (٣).
وهكذا ذكر القسطلاني (٤) قول ابن القاسم وقال: لأن الحمل موقوف على سبب والسبب بيد الحالف إن شاء أوقعه وإن شاء لم يوقعه وهو الوطء، ثم ذكر أقوال المالكية الأخر ووجوهها.
قوله: (وكل طلاق جائز إلا طلاق المعتوه) قال العيني (٥): وهو الناقص العقل فيدخل فيه الطفل والمجنون والسكران، وقد روى الترمذي بسنده عن
стр. 2931
أبي هريرة مرفوعًا: "كل طلاق جائز إلا طلاق المعتوه المغلوب على عقله" وقال: هذا حديث لا نعرفه مرفوعًا إلا من حديث عطاء بن عجلان وهو ضعيف ذاهب الحديث، والعمل على هذا عند أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ وغيرهم أن طلاق المعتوه المغلوب على عقله لا يجوز إلا أن يكون معتوهًا يفيق الأحيان فيطلق في حال إفاقته، انتهى.
قال القسطلاني (١): والمعتوه كالمجنون في نقص العقل فمنه الطفل والمجنون والسكران، وذكر أقوالًا أخر في تعريف المعتوه، قلت: قد علمت فيما سبق حكم طلاق المجنون والسكران، وأما طلاق الصبي فقال القسطلاني أيضًا: ولو فرض لبعض الصبيان المراهقين عقل جيد لا يعتبر في التصرفات لأن المدار البلوغ لانضباطه فتعلق به الحكم، وبهذا يبعد ما نقل عن ابن المسيب أنه، إذا عقل الصبي الطلاق جاز طلاقه، وعن ابن عمر جواز طلاق الصبي ومراده العاقل، ومثله عن الإمام أحمد، والله أعلم بصحة هذه النقول، قاله الشيخ كمال الدين ابن الهمام رحمه الله تعالى، وعن ابن عباس عند ابن أبي شيبة: لا يجوز طلاق الصبي، انتهى.
قال الخرقي: وإذا عقل الصبي الطلاق فطلَّق لزمه، قال الموفق (٢): وأما الصبي الذي لا يعقل فلا خلاف فيه أنه لا طلاق له، وأما الذي يعقل الطلاق ويعلم أن زوجته تبين به وتحرم عليه فأكثر الروايات عن أحمد أن طلاقه يقع، اختارها أبو بكر والخرقي وروي نحو ذلك عن ابن المسيب وعطاء والحسن والشعبي وإسحاق، وروى أبو طالب عن أحمد: لا يجوز طلاقه حتى يحتلم، وهو قول النخعي ومالك والثوري وأبي عبيد، وذكر أبو عبيد أنه قول أهل العراق وأهل الحجاز لقول النبي ﷺ : "رفع القلم عن الصبي حتى يحتلم"، انتهى.
стр. 2932
(١٢ - باب الخلع وكيف الطلاق فيه)
الخلع بضم الخاء المعجمة وسكون اللام مأخوذ من الخلع بفتح الخاء وهو النزع، سمّي به لأن كلًا من الزوجين لباس الآخر في المعنى، قال تعالى: ﴿هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ﴾ [البقرة: ١٨٧] وضُمَّ مصدره تفرقة بين الحسي والمعنوي، قاله القسطلاني (١).
قال الحافظ في "الفتح" (٢): ويسمى أيضًا فدية وافتداءً، وأجمع العلماء على مشروعيته إلا بكر بن عبد الله المزني التابعي المشهور فإنه قال: لا يحل للرجل أن يأخذ من امرأته في مقابل فراقها شيئًا: لقوله تعالى: ﴿فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا﴾ [النساء: ٢٠] فأوردوا عليه ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ [البقرة: ٢٢٩] إلى أن قال الحافظ: وضابطه شرعًا فراق الرجل زوجته ببذل قابل للعوض يحصل لجهه الزوج، وهو مكروه إلا في حال مخافة أن لا يقيما أو واحد منهما ما أمر به، انتهى مختصرًا.
قوله: (وكيف الطلاق فيه) قال الحافظ (٣): أي: هل يقع الطلاق بمجرده أو لا يقع حتى يذكر الطلاق إما باللفظ وإما بالنية؟ وللعلماء فيما إذا وقع الخلع مجردًا عن الطلاق لفظًا ونيةً ثلاثة آراء، وهي أقوال للشافعي، ثم بسطها.
وفي هامش النسخة "الهندية" (٤): قال الطيبي نقلًا عن المظهر: اختلف في أنها لو قالت: خالعتك على كذا، فقال: قبلت وحصلت الفرقة بينهما هل هي طلاق أم فسخ؟ ومذهب أبي حنيفة ومالك وأصح قولي الشافعي أنه طلاق بائن، ومذهب أحمد وأحد قولي الشافعي أنه فسخ، انتهى.
وقال العلامة العيني (٥): وللفقهاء فيه خلاف فعند أصحابنا الواقع بلفظ
стр. 2933
الخلع والواقع بالطلاق على مالٍ بائن، وعند الشافعي في القديم فسخ وليس بطلاق، يروى ذلك عن ابن عباس حتى لو خالعها مرارًا ينعقد النكاح بينهما بغير تزوج بزوج آخر، وبه قال أحمد، وفي قول للشافعي أنه رجعي، وفي قول وهو أصح أقواله أنه طلاق بائن كمذهبنا، لقوله ﷺ : "الخلع تطليقة بائنة".
وفي "التوضيح": اختلف العلماء في البينونة بالخلع على قولين: أحدهما: أنه تطليقة بائنة إلا أن تكون سمت ثلاثًا فهي ثلاث، وهو قول مالك والثوري والأوزاعي والكوفيين وهو أحد قولي الشافعي، والثاني: أنه فسخ وليس بطلاق إلا أن ينويه، وبه قال أحمد وإسحاق وهو قول الشافعي الآخر، انتهى.
ثم ذكر العيني تخريج الحديث المذكور الذي هو مستدل الحنفية مع الكلام عليه.
قوله: (اقبل الحديقة وطلقها) كتب الشيخ في "اللامع" (١): ولا يتوهم أنه يدل على أن الخلع لا يكون طلاقًا إذ لو كان كذلك لما احتيج إلى ذكر الطلاق؛ لأنا نقول: كان ذلك طلاقًا على مالٍ فاحتيج إلى ذكره إذ لو كان خلعًا لكان لفظه مذكورًا، وإذا كان الخلع والطلاق على مال في حكم واحد لم يحتج في إثبات أنه طلاق لا فسخ إلى علة أو حجة أخرى، فإن في هذه الرواية كفاية، فلو كان الخلع فسخًا كما قالته الشافعية لم يكن إيقاع الطلاق، انتهى.
وفي هامشه: قوله: كما قالته الشافعية، أي: على أحد الأقوال عنهم وإلا فهو مشهور مذهب الإمام أحمد، انتهى.
стр. 2934
(١٣ - باب الشقاق)
قال العيني (١): هو بالكسر الخلاف: وقيل: الخصام، وقوله: "هل يشير بالخلع" فاعل يشير محذوف وهو إما الحكم من أحد الزوجين أو الولي أو أحد منهما أو الحاكم إذا ترافعا إليه، والقرينة الحالية والمقالية تدل على ذلك، انتهى.
ثم استشكلوا وجه المطابقة بين الحديث والترجمة وذكروا له وجوهًا.
قال القسطلاني (٢): وأجاب في "الكواكب" فأجاد بأن كون فاطمة ما كانت ترضى بذلك فكان الشقاق بينها وبين علي متوقعًا، فأراد النبي ﷺ دفع وقوعه بمنع علي من ذلك بطريق الإيماء والإشارة، وقيل غير ذلك مما فيه تكلف وتعسف، انتهى.
وكذا رجح هذا الجواب العلامة العيني بقوله: وأحسن من هذا وأوجه ما قاله الكرماني، فذكر ما تقدم عن القسطلاني.
وقال شيخ مشايخنا الدهلوي (٣) في "التراجم": غرضه أنه يلزم دفع الشقاق بين الزوجين إما بصلح كما في قصة سودة، أو خلع كما في قصة امرأة بانت، أو بمنع الزوج عما يؤذيها كما في قصة علي ﵁ وعنهم، انتهى.
قلت: هكذا في النسخة التي بأيدينا من "التراجم" والمذكور في حديث الباب إنما هي قصة علي فقط.
(١٤ - باب لا يكون بيع الأمة طلاقًا)
أورد فيه قصة بريرة، قال ابن التِّين: لم يأت في الباب بشيء مما يدل عليه التبويب، لكن لو كانت عصمتها عليه باقية ما خيِّرت بعد عتقها لأن
стр. 2935
شراء عائشة كان العتق بإزائه، وهذا الذي قاله عجيب، أما أولًا فإن الترجمة مطابقة فإن العتق إذا لم يستلزم الطلاق فالبيع بطريق الأولى، وأيضًا فإن التخيير الذي جرّ إلى الفراق لم يقع إلا بسبب العتق لا بسبب البيع، وأما ثانيًا فإنها لو طلقت بمجرد البيع لم يكن للتخيير فائدة، وأما ثالثًا فإن آخر كلامه يردّ أوله فإنه يثبت ما نفاه من المطابقة.
قال ابن بطال: اختلف السلف هل يكون بيع الأمة طلاقًا؟ فقال الجمهور: لا يكون بيعها طلاقًا، وروي عن ابن مسعود ابن عباس وأُبي بن كعب، ومن التابعين عن سعيد بن المسيب والحسن ومجاهد قالوا: يكون طلاقًا، وتمسكوا بظاهر قوله تعالى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إلا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء: ٢٤] وحجة الجمهور حديث الباب وهو أن بريرة عتقت فخيرت في زوجها فلو كان طلاقها يقع بمجرد البيع لم يكن للتخيير معنى، والآية نزلت في المسبيات فهن المراد بملك اليمين على ما ثبت في الصحيح من سبب نزولها، انتهى ملخصًا.
وما نقله عن الصحابة أخرجه ابن أبي شيبة بأسانيد فيها انقطاع، إلى آخر ما ذكر الحافظ (١).
(١٥ - باب خيار الأمة تحت العبد)
قال الحافظ (٢): يعني إذا عتقت، وهذا مصير من البخاري إلى ترجيح قول من قال: إن زوج بريرة كان عبدًا، وقد ترجم في أوائل النكاح بحديث عائشة في قصة بريرة "باب الحرة تحت العبد" وهو جزم منه أيضًا بأنه كان عبدًا اعترض عليه هناك ابن المنيِّر بأنه ليس في حديث الباب أن زوجها كان عبدًا، وإثبات الخيار لها لا يدل لأن المخالف يدعي أن لا فرق بين ذلك في الحر والعبد، والجواب أن البخاري جرى على عادته من الإشارة إلى
стр. 2936
ما في بعض طرق الحديث، إلى آخر ما بسط الحافظ من الكلام على الروايات المختلفة الواردة في هذا ال باب وترجيح ما هو الراجح عنده، ومسألة الباب خلافية تقدم في أوائل النكاح في "باب الحرة تحت العبد".
وفي "الفيض" (١): خالف أبا حنيفة وجعل لها الخيار إن كانت تحت العبد، وإن كانت تحت الحر فلا خيار لها.
(١٦ - باب شفاعة النبي ﷺ في زوج بريرة)
أي: عند بريرة لترجع إلى عصمته، قال ابن المنيِّر: موقع هذه الترجمة من الفقه تسويغ الشفاعة للحاكم عند الخصم في خصمه أن يحط عنه أو يسقط ونحو ذلك، انتهى من "الفتح" (٢).
(١٧ - باب)
(بغير ترجمة)، قال الحافظ (٣): كذا لهم بغير ترجمة وهو من متعلقات ما قبله، ثم بسط الحافظ الكلام على حديث قصة بريرة من ذكر اختلاف الروايات وترجيح ما هو الراجح عنده، وفي ذكر ما يستفاد منه من الفوائد الكثيرة فارجع إليه لو شئت.
قال العيني (٤): قوله: "باب" أي: هذا باب ذكره مجردًا لأنه كالفصل لما قبله، وقد جرت عادته بذلك كما يذكر الفقهاء في كتبهم: فصل، بعد ذكر لفظة كتاب أو باب، انتهى.
(١٨ - باب قول الله تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾ [البقرة: ٢٢١])
لم يبتّ البخاري حكم المسألة لقيام الاحتمال عنده في تأويلها فالأكثر أنها على العموم وأنها خصت بآية المائدة، وعن بعض السلف أن المراد
стр. 2937
بالمشركات هنا عبدة الأوثان والمجوس، حكاه ابن المنذر وغيره، ثم أورد المصنف فيه قول ابن عمر في نكاح النصرانية وهذا مصير منه إلى استمرار حكم عموم آية البقرة فكأنه يرى أن آية المائدة منسوخة، وبه جزم إبراهيم الحربي وردّه النحاس وحمله على التورع كما سيأتي، وذهب الجمهور إلى أن عموم آية البقرة خص بآية المائدة وهي قوله: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [المائدة: ٥] فبقي سائر المشركات على أصل التحريم، وأطلق ابن عباس أن آية البقرة منسوخة بآية المائدة، وقد قيل: إن ابن عمر شذ بذلك فقال ابن المنذر: لا يحفظ عن أحد من الأوائل أنه حرم ذلك، انتهى.
لكن أخرج ابن أبي شيبة بسند حسن أن عطاء كره نكاح اليهوديات والنصرانيات، وقال: كان ذلك والمسلمات قليل وروي عن عمر أنه كان يأمر بالتنزه عنهن من غير أن يحرمهن، وقيل: إن هذا مراد ابن عمر لكنه خلاف ظاهر السياق لكن الذي احتج به ابن عمر يقتضي تخصيص المنع بمن يشرك من أهل الكتاب لا من يوحّد، وقد فصل كثير من العلماء كالشافعية بين من دخل آباؤها في ذلك الدين قبل التحريف أو النسخ أو بعد ذلك، وهو من جنس مذهب ابن عمر بل يمكن أن يحمل عليه، وذهب الجمهور إلى تحريم النساء المجوسيات، وجاء عن حذيفة أنه تسرى بمجوسية، أخرجه ابن أبي شيبة وأورده أيضًا عن سعيد بن المسيب وطائفة، وبه قال أبو ثور، وقال ابن بطال: هو محجوج بالجماعة والتنزيل، وأجيب بأنه لا إجماع مع ثبوت الخلاف عن بعض الصحابة والتابعين.
وأما التنزيل فظاهره أن المجوس ليسوا أهل كتاب، لقوله تعالى: ﴿أَنْ تَقُولُوا إِنَّمَا أُنْزِلَ الْكِتَابُ عَلَى طَائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنَا﴾ [الأنعام: ١٥٦] لكن لما أخذ النبي ﷺ الجزية من المجوس دل على أنهم أهل كتاب، فكان القياس أن تجري عليهم بقية أحكام الكتابيين لكن أجيب عن أخذ الجزية من المجوس انهم اتبعوا فيهم الخير ولم يرد مثل ذلك في النكاح والذبائح، وسيأتي
стр. 2938
تعرض لذلك في كتاب الذبائح إن شاء الله تعالى، انتهى من "الفتح" (١).
قال العيني (٢) في شرح ترجمة الباب: وإنما ذكر هذه الآية الكريمة توطئة للأحاديث التي ذكرها في هذا الباب وفي البابين اللذين بعده، وإنما لم ينبه على المقصود من إيرادها للاختلاف القائم فيها وقد أخذ ابن عمر بعموم قوله تعالى ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾ [البقرة: ٢٢١] حتى كره نكاح أهل الكتاب وأشار إليه البخاري بإيراد حديثه في هذا الباب، ونكح جماعة من الصحابة نساء نصرانيات ولم يروا بذلك بأسًا، إلى آخر ما بسط.
وقال القسطلاني (٣): والأئمة الأربعة على حلّ الكتابية الحرة وعلى المنع من غير أهل الكتابين من المجوس وإن كان لهم شبهة كتاب إذ لا كتاب بأيديهم، وكذا المتمسكون بصحف شيث وإدريس وإبراهيم وزبور داود لأنها لم تنزل بنظم يدرس ويتلى وإنما أوحي إليهم معانيها، إلى آخر ما ذكر.
قلت: والذي يظهر عند هذا العبد الضعيف أن المصنف مال في تلك المسألة إلى قول ابن عمر ومن وافقه من بعض السلف، ثم لا يذهب عليك أن حكم الحرائر من الكتابيات يخالف حكم إماء أهل الكتاب، أما الأول فقد تقدم الحكم في ذلك وأن الأئمة الأربعة متفقة في إباحة النكاح فيها، وفي "الأوجز" (٤): لا اختلاف بين أهل العلم في حل حرائر أهل الكتاب قال ابن المنذر: لا يصح عن أحد من الأوائل أنه حرم ذلك، وبه قال سائر أهل العلم، وحرمته الإمامية لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ﴾ [البقرة: ٢٢١] وقوله تعالى: ﴿وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ﴾ [الممتحنة: ١٠] إلى آخر ما بسط فيه، وقد تقدم الخلاف فيه لبعض السلف كابن عمر وغيره.
وأما حكم إماء أهل الكتاب فهي مسألة خلافية فقد ترجم الإمام مالك
стр. 2939
في "موطئه": النهي عن نكاح إماء أهل الكتاب، وفي "الأوجز" (١): قال الموفق: وليس للمسلم وإن كان عبدًا أن يتزوج أمة كتابية لقوله تعالى: ﴿مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ [النساء: ٢٥] وهذا ظاهر مذهب أحمد وهو قول مالك والشافعي، وقال أبو ميسرة وأبو حنيفة: يجوز للمسلم نكاحها لأنها تحل بملك اليمين فحلت بالنكاح، ونقل ذلك عن أحمد إلا أن الخلال ردّ هذه الرواية وقال: إنما توقف أحمد فيها، إلى آخر ما فيه.
وههنا مسألة ثالثة وهي إجماعية بين الأئمة الأربعة، وهي إباحة وطء الأمة الكتابية بملك اليمين، ففي "الأوجز" (٢) عن "المغني": إن أمته الكتابية حلال له وهذا قول عامة أهل العلم إلا الحسن البصري فإنه كرهه، انتهى.
(١٩ - باب نكاح من أسلم من المشركات وعدتهن)
قال الحافظ (٣): أي: قدرها، والجمهور على أنها تعتد عدة الحرة، وعن أبي حنيفة: يكفي أن تستبرئ بحيضة، انتهى.
قال العيني (٤): أي هذا باب في بيان حكم من أسلم من المشركات وبيان حكم عدتهن، فإذا أسلمت وهاجرت إلى المسلمين وقعت الفرقة بإسلامها بينها وبين زوجها الكافر عند جماعة الفقهاء ووجب استبراؤها بثلاث حيض ثم تحل للأزواج، هذا قول مالك وأبي يوسف ومحمد والشافعي، وقال أبو حنيفة ﵁: لا عدة عليها وإنما عليها استبراء رحمها بحيضة، واحتج بأن العدة إنما تكون عن طلاق وإسلامها فسخ وليس بطلاق، انتهى.
قلت: وفي المسألة فروع كثيرة متقاربة خلافية بين الأئمة بسطت في "الأوجز" (٥) في "باب نكاح المشرك إذا أسلمت زوجته"، وفي "الفيض" (٦):
стр. 2940
أي: ما الحكم فيما أسلم أحد الزوجين؟ قلنا: إن كان الزوجان في دار الإسلام يعرض الإسلام على الآخر، فإن أسلم هو أيضًا فهما على نكاحهما وإلا بانت منه، وإن كانا في دار الحرب لم يقع الفرقة حتى تحيض ثلاث حيض، وإذا خرجت المرأة إلينا مهاجرة وقعت البينونة بمجرد المهاجرة ولا عدة عليها.
(٢٠ - باب إذا أسلمت المشركة أو النصرانية تحت الذمي والحربي)
قال العيني (١): واقتصاره على النصرانية ليس بقيد لأن اليهودية أيضًا مثلها، ولو قال: إذا أسلمت المشركة أو الذمية لكان أحسن وأشمل، ولم يذكر جواب "إذا" الذي هو الحكم لإشكاله، إلى آخر ما ذكر.
قال الحافظ (٢): وكأنه راعى لفظ الأثر المنقول في ذلك ولم يجزم بالحكم لإشكاله بل أورد الترجمة مورد السؤال فقط، وقد جرت عادته أن دليل الحكم إذا كان محتملًا لا يجزم بالحكم، والمراد بالترجمة بيان حكم إسلام المرأة قبل زوجها هل تقع الفرقة بينهما بمجرد إسلامها، أو يثبت لها الخيار، أو يوقف في العدة فإن أسلم استمر النكاح وإلا وقعت الفرقة بينهما؟ وفيه خلاف مشهور وتفاصيل يطول شرحها، وميل البخاري إلى أن الفرقة تقع بمجرد الإسلام كما سأبينها، انتهى.
وكتب الشيخ في "الكوكب الدري" (٣) تحت ترجمة الإمام الترمذي "باب في الزوجين المشركين يسلم أحدهما": هذا يشمل ما إذا بقي بعد الإسلام في دار الكفر ولم ينتقل إلى دار الإسلام، وما إذا هاجر أحد الزوجين بعد الإسلام فعندنا لا يفرق بينهما من غير تباين الدارين وهو الثابت بالحديث، وأما إذا أسلم وبقي هناك فلا يقع التفريق بنفس الإسلام
стр. 2941
ما لم يصدر أمر ينسب إليه التفريق كالإباء فإن الإسلام جامع لا مفرق، إلى آخر ما بسط فيه من قصة زينب وغيرها.
وفي هامشه: قال ابن عباس: إذا أسلمت النصرانية قبل زوجها بساعة حرمت عليه، وبذلك قال عطاء والثوري وفقهاء الكوفة، واختاره ابن المنذر وإليه جنح البخاري، وشرط أهل الكوفة ومن وافقهم أن يعرض على زوجها الإسلام في تلك المدّة فيمتنع إن كانا معًا في دار الإسلام، وقال مجاهد: إذا أسلم في العدة يتزوجها وبه قال الشافعي ومالك وأحمد وإسحاق وأبو عبيد، قاله الحافظ.
قلت: أي: بدون تجديد العقد في العدة كما صرَّحوا به.
قوله: (عن ابن عباس: إذا أسلمت. . .) إلخ، فقال بالحرمة بدون عرض الإسلام أو غيره وهو مختار البخاري فيقع الفرقة بلا مهلة، انتهى من "الفيض" (١).
وفيه أيضًا: قوله: "وقال الحسن وقتادة في مجوسيين أسلما" أي: أسلما معًا فهما على نكاحهما وهو المذهب عندنا ولا عبرة بالنظر المنطقي بأن صورة إسلامهما متعذر فلا بد من التقدم ولو يسيرًا لأن التقدم مثله ساقط لا يعتبر به.
قوله: (وإذا سبق أحدهما صاحبه وأبى الآخر بانت. . .) إلخ، وهذا يشير إلى عرض الإسلام أيضًا؛ لأنه أدار البينونة على الإباء والإباء يشعر بعرض الإسلام عنده أيضًا، انتهى كلام "الفيض".
ثم ذكر الحافظ في "الفتح" (٢):
(تنبيه): استطرد البخاري من أصل ترجمة الباب إلى شيء مما يتعلق بشرح آية الامتحان، فذكر أثر عطاء فيما يتعلق بالمعاوضة المشار إليها في الآية بقوله تعالى: ﴿وَإِنْ فَاتَكُمْ شَيْءٌ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ إِلَى الْكُفَّارِ فَعَاقَبْتُمْ﴾ [الممتحنة: ١١]
стр. 2942
ثم ذكر أثر مجاهد المقوي لدعوى عطاء أن ذلك كان خاصًا بذلك العهد الذي وقع بين المسلمين وبين قريش، وأن ذلك انقطع يوم الفتح، وكأنه أشار بذلك إلى أن الذي وقع في ذلك الوقت من تقرير المسلمة تحت المشركة لانتظار إسلامه ما دامت في العدة منسوخ، لما دلت عليه هذه الآثار من اختصاص ذلك بأولئك، وأن الحكم بعد ذلك فيمن أسلمت أن لا تقرّ تحت زوجها المشرك أصلًا ولو أسلم وهي في العدة، وقد ورد في أصل المسألة حديثان متعارضان: أحدهما: ما أخرجه أحمد من حديث ابن عباس أن رسول الله ﷺ ردّ ابنته زينب على أبي العاص وكان إسلامها قبل إسلامه بست سنين على النكاح الأول ولم يحدث شيئًا، والحديث الثاني: ما خرجه الترمذي وابن ماجه من رواية عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي ﷺ ردّ ابنته زينب على أبي العاص الربيع بمهر جديد ونكاح جديد، إلى آخر ما بسط الحافظ من الكلام على هذين الحديثين فارجع إليه.
وقال أيضًا: ثم ذكر البخاري حديث عائشة في شأن الامتحان وبيانه لشدة تعلقه بأصل المسألة، انتهى.
(٢١ - باب قوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ﴾ الآية [البقرة: ٢٢٦])
ووقع في شرح ابن بطال "باب الإيلاء، وقوله تعالى .. . ." إلخ، قاله الحافظ (١).
وقال العيني (٢): واعلم أن الكلام ههنا، أي: في الإيلاء في عدة مواضع، ثم بسطها أشد البسط، وفي هامش النسخة "الهندية" (٣) عن "العيني": الإيلاء في اللغة الحلف والإيلاء المذكور في قوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ
стр. 2943
يُؤْلُونَ﴾ هو الحلف على ترك قربان امرأته، أي: وطئها أربعة أشهر أو أكثر منها، كقوله لامرأته: والله لا أقربك أربعة أشهر، أو لا أقربك، وهو قول أبي حنيفة وأصحابه والثوري، وقال ابن المنذر: أكثر أهل العلم قالوا: لا يكون الإيلاء أقل من أربعة أشهر، وقال مالك والشافعي وأحمد وأبو ثور: الإيلاء أن يحلف أن لا يطأ امرأته أكثر من أربعة أشهر، وإن حلف على أربعة أشهر أو فيما دونها لم يكن مؤليًا، انتهى.
ثم قال العيني (١): الموضع الثاني في حكم الإيلاء وهو أنه إن وطئها في الأربعة الأشهر كفّر؛ لأنه حنث في يمينه، وإن لم يطأها حتى مضت أربعة أشهر بانت المرأة منه بتطليقة واحدة وهو مذهب أبي حنيفة وأصحابه، وعند ابن المسيب ومكحول وربيعة والزهري: يقع تطليقة رجعية، وذكر البخاري عن ابن عمر أن المولي يوقف حتى يطلق، وقال مالك: كذلك الأمر عندنا، وبه قال الليث والشافعي وأحمد وإسحاق، فإن طلق فهي واحدة رجعية إلا أن مالكًا قال: لا تصح رجعته حتى يطأ في العدة ولا يعلم أحد قاله غيره، انتهى.
وقال الإمام الترمذي (٢) في "جامعه": والإيلاء أن يحلف الرجل أن لا يقرب امرأته أربعة أشهر أو أكثر، واختلف أهل العلم فيه إذا مضت أربعة أشهر فقال بعض أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ وغيرهم: إذا مضت أربعة أشهر يوقف فإما أن يفيء، وإما أن يطلق وهو قول مالك ابن أنس والشافعي وأحمد وإسحاق، وقال بعض أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ وغيرهم: إذا مضت أربعة أشهر فهي تطليقة بائنة، وهو قول الثوري وأهل الكوفة، انتهى.
وفي هامشه: قال محمد في "الموطأ": قال ابن عباس في تفسير آية الإيلاء أنه قال: الفيء الجماع في الأربع الأشهر وعزيمة الطلاق انقضاء
стр. 2944
الأربعة، فإذا مضت بانت بتطليقة ولا يوقف بعدها، وكان عبد الله بن عباس أعلم بتفسير القرآن من غيره، وهو قول أبي حنيفة والعامة، انتهى.
وفي "التعليق الممجد" (١): ثم عند أبي حنيفة وأصحاب والشافعي في الجديد: إذا حلف على ترك قربان زوجته أربعة أشهر يكون مؤليًا، واشترط مالك أن يكون مضرًا بها أو يكون حالة الغضب، فإن كان للإصلاح لم يكن مؤليًا، ووافقه أحمد واتفق الأئمة الأربعة وغيرهم على أنه لو حلف أن لا يقرب أقل من أربعة أشهر لا يكون مؤليًا، ثم في الإيلاء الشرعي إن جامع زوجته في أربعة أشهر فليس عليه إلا كفارة يمين، وإن مضت أربعة أشهر ولم يفيء بجماع ولا بلسان طلقت طلقة بائنة عند الحنفية، وبه قال ابن مسعود وعلي وزيد بن ثابت وغيرهم، وذهب مالك والشافعي وأحمد إلى أن المولي إذا لم يفئ ومضت أربعة أشهر لا يقع بمضي هذه المدة طلاق بل يوقف حتى يفيء أو يطلق، انتهى مختصرًا.
وكتب الشيخ قدس سره في "الكوكب الدري" (٢): وفسروا - أي: الحنفية - قوله تعالى فيه: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا﴾ الآية [البقرة: ٢٢٦] في أيام التربص فكذا وإن عزموا الطلاق فلم يفيئوا فكذا وهو أوفق بقوله تعالى: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ لما فيه من نقض ما حلفوا عليه من عدم القربان أربعة أشهر بخلاف ما فسروه، انتهى.
(٢٢ - باب حكم المفقود فيى أهله وماله)
كذا أطلق ولم يفصح بالحكم ودخول حكم الأهل يتعلق بأبواب الطلاق بخلاف المال لكن ذكره معه استطرادًا، انتهى من "الفتح" (٣).
وفي هامش "الهندية" (٤): قوله: "وقال ابن المسيب" وصله عبدر
стр. 2945
الرزاق بأتم منه عن الثوري عن داود بن أبي هند عنه قال: إذا فقد في الصف تربصت امرأته سنة، وإذا فقد في غير الصف فأربع سنين، وإلى قول ابن المسيب ذهب مالك لكن فرق بين ما إذا وقع القتال في دار الحرب أو في دار الإسلام، وفرق مالك بين من فقد في الحرب فتؤجل الأجل المذكور وبين من فقد في غير الحرب فلا تؤجل بل ينتظر مضي العمر الذي يغلب على الظن أنه لا يعيش أكثر منه، وقال أحمد وإسحاق: من غاب عن أهله فلم يعلم خبره لا تأجيل فيه وإنما يؤجل من فقد في البحر أو في الحرب أو نحو ذلك، وجاء عن علي: إذا فقدت المرأة زوجها لا تزوج حتى يقدم أو يموت، قال عبد الرزاق: بلغني عن ابن مسعود أنه وافق عليًا في أنها تنتظره أبدًا، وروي من طريق النخعي: لا تزوج حتى يستبين أمره، وهو قول فقهاء الكوفة والشافعي، كذا في "الفتح"، قال العيني: والكوفيون يقولون: لا يقسم ماله حتى يأتي عليه من الزمان ما لا يعيش مثله، وقال الشافعي: لا يقسم حتى يعلم وفاته، انتهى.
ثم قال القسطلاني: ومطابقة الحديث للترجمة من جهة أن الضالة كالمفقود فكما لم يزل ملك المالك فيها فكذلك يجب أن يكون النكاح باقيًا بينهما، وقد سبق الحديث مرات في اللقطة، انتهى.
قال صاحب "الفيض" (١) تحت ترجمة الباب: ويحكم عندنا بموته - أي: المفقود - بموت أقرانه ثم يجري الإرث في ماله، وفي "الهداية" (٢): إنه هو الأقيس وقد قدّره بعضهم بتسعين وغيره، وأما عند مالك فينتظر أربع سنين ثم يحكم بموته، وبه يفتي علماء زماننا، ونقل الشامي مذهب مالك ثم لم ينقل شرائطه عنده، والناس اليوم يفتون بمذهبه ولا يراعون شرائطه المدونة عندهم فهؤلاء لا يعملون بمذهبهم ولا بمذهبه، إلى آخر ما ذكره، انتهى.
стр. 2946
(٢٣ - باب ﴿قَدْ سَمِعَ اللهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا﴾ [المجادلة: ١])
كذا في النسخة "الهندية"، وفي نسخ الشروح الثلاثة "باب الظهار، وقول الله تعالى. . ." إلخ، ولم يتعرضوا عن اختلاف النسخ، وفي "الأوجز" (١): والظهار بكسر الظاء المعجمة مصدر ظاهر مفاعلة من الظهر.
قال الحافظ: الظهار قول الرجل لامرأته: أنت علي كظهر أمي، وإنما خص الظهر بذلك دون سائر الأعضاء لأنه محل الركوب غالبًا، ولذلك سمي المركوب ظهرًا فشبهت الزوجة بذلك؛ لأنها مركوب الرجل، انتهى.
وذكر في "الأوجز" في ذلك وجوه آخر فارجع إليه لو شئت، وكذا بسط فيه فروع عديدة مما يتعلق بالظهار.
وقال العيني (٢): ثم الكلام فيه على أنواع: الأول: سبب نزول هذه الآيات، ثم بسطها.
النوع الثاني: في صورة الظهار واعلم أن الألفاظ التي يصير به المرء مظاهرًا على نوعين: صريح نحو: أنت علي كظهر أمي، أو أنت عندي كظهر أمي، وكناية نحو أن يقول: أنت علي كأمي أو مثل أمي أو نحوهما، يعتبر فيه نيته فإن أراد ظهارًا كان ظهارًا، وإن لم ينو لا يصير مظاهرًا، وعند محمد بن الحسن: هو ظهار، وعن أبي يوسف: هو مثله إن كان في الغضب، وعنه أن يكون إيلاء وإن نوى [طلاقًا كان] طلاقًا بائنًا.
النوع الثالث: لا يكون الظهار إلا بالتشبيه بذات محرم فإذا ظاهر بغير ذات محرم فليس بظهار، وبه قال الحسن وعطاء وهو قول أبي حنيفة والشافعي في قول، وعنه وهو أشهر أقواله: إن كل من ظاهر بامرأة حل له نكاحها يومًا من الدهر فليس ظهارًا، ومن ظاهر بامرأة لم يحل له نكاحها
стр. 2947
قط فهو ظهار، وقال مالك: من ظاهر بذات محرم أو بأجنبية فهو كله ظهار، وعن الشعبي: أنه لا ظهار إلا بأم أو جدة، وهو قول للشافعي وبه قالت الظاهرية.
النوع الرابع: فيمن يصح منه الظهار ثم بسط الاختلاف فيه.
والنوع الخامس: في بيان الكفارة وهو تحرير رقبة قبل الوطء سواء كانت ذكرًا أو أنثى، صغيرة أو كبيرة، مسلمة أو كافرة لإطلاق النص، وقال الشافعي: لا تجوز الكافرة، وبه قال مالك وأحمد، إلى آخر ما بسط.
وفي هامش "الهندية" (١): واختلف فيما إذا لم يعين الأم بأن قال مثلًا: كظهر أختي، فعن الشافعي في القديم لا يكون ظهارًا بل يختص بالأم، وقال في الجديد: يكون ظهارًا وهو قول الجمهور وعليه الحنفية، قوله: "وقول الله تعالى: ﴿قَدْ سَمِعَ اللهُ﴾. . ." إلخ، واستدل بقوله: ﴿وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَرًا مِنَ الْقَوْلِ وَزُورًا﴾ الآية [المجادلة: ٢] على أن الظهار حرام، وقد ذكر المصنف في الباب آثارًا واقتصر على الآية وعليها، وكأنه أشار بذكر الآية إلى الحديث المرفوع الوارد في سبب ذلك وقد ذكر بعض طرقه تعليقًا في أوائل كتاب التوحيد من حديث عائشة، وفيه تسمية المظاهر وتسمية المجادلة وهي التي ظاهر منها، والراجح أنها خولة بنت ثعلبة، وأنه أول ظهار كان في الإسلام، كذا في "الفتح"، انتهى ما في الهامش.
(٢٤ - باب الإشارة في الطلاق والأمور. . .) إلخ
قال ابن بطال: ذهب الجمهور إلى أن الإشارة إذا كانت مفهمة تتنزل منزلة النطق، وخالفه الحنفية في بعض ذلك، ولعل البخاري ردّ عليهم بهذه الأحاديث التي جعل فيها النبي ﷺ الإشارة قائمة مقام النطق، وإذا جازت الإشارة في أحكام مختلفة في الديانة فهي لمن لا يمكنه النطق أجوز، وقال
стр. 2948
ابن المنيِّر: أراد البخاري أن الإشارة بالطلاق وغيره من الأخرس وغيره التي يفهم منه الأصل والعدد نافذ كاللفظ.
قال الحافظ (١): ويظهر لي أن البخاري أورد هذه الترجمة وأحاديثها توطئة لما يذكره من البحث في الباب الذي يليه مع من فرق بين لعان الأخرس وطلاقه، والله تعالى أعلم.
وقد اختلف العلماء في الإشارة المفهمة فأما في حقوق الله تعالى فقالوا: يكفي ولو من القادر على النطق، وأما في حقوق الآدميين كالعقود والإقرار والوصية ونحو ذلك فاختلف العلماء فيمن اعتقل لسانه. ثالثها عن أبي حنيفة إن كان مأيوسًا من نطقه وعن بعض الحنابلة إن اتصل بالموت، ورجحه الطحاوي، وعن الأوزاعي إن سبقه كلام، ونقل عن مكحول: إن قال فلان حر ثم أصمت فقيل له وفلان فأومأ صح، وأما القادر على النطق فلا تقوم إشارته مقام نطقه عند الأكثرين، انتهى.
وتقدم شيء من الكلام على الإشارة في كتاب الوصايا في "باب إذا أومأ المريض برأسه" كذا في هامش "اللامع" (٢).
وردّ العلامة العيني (٣) على أبلغ وجه وأوكده على من قال من الشرَّاح من ابن بطال وغيره: أن الإمام البخاري أراد بهذا الباب الردّ على أبي حنيفة، إذ قال: وكذلك ابن بطال الذي أطلق لسانه في أبي حنيفة بوجه باطل حيث قال: حاول البخاري بهذا الباب الردّ على أبي حنيفة لأنه ﷺ حكم بالإشارة في هذه الأحاديث، إلى أن قال: وإنما حمل أبا حنيفة على قوله هذا أنه لم يعلم السنن التي جاءت بجواز الإشارات في أحكام مختلفة، انتهى.
قلت: هذا الذي قاله قلة أدب فمن قال: إن أبا حنيفة لم يعلم هذه
стр. 2949
السنن فمن نقله عنه أنه لم يجوز العمل بالإشارة؟ وهذه كتب أصحابه ناطقة بجواز ذلك كما نبهنا على بعض شيء من ذلك، وقال أصحابنا: إشارة الأخرس وكتابته كالبيان باللسان فيلزمه الأحكام بالإشارة وبالكتابة حتى يجوز نكاحه وطلاقه وعتاقه وبيعه وشراؤه وغير ذلك من الأحكام بخلاف معتقل اللسان الذي حبس لسانه فإن إشارته غير معتبرة لأن الإشارة لا تنبئ عن المراد إلا إذا طالت وصارت معهودة كالأخرس، انتهى.
قلت: وطلاق الأخرس واقع عند الأئمة الأربعة قال الموفق (١): ولا يقع الطلاق بغير لفظ الطلاق إلا في موضعين: أحدهما من لا يقدر على الكلام؛ كالأخرس إذا طلق بالإشارة طلقت زوجته، وبهذا قال مالك والشافعي وأصحاب الرأي، ولا نعلم عن غيرهم خلافهم، إلى آخر ما فيه.
(٢٥ - باب اللعان) [¬*]
قال العلامة العيني (٢): هو مصدر لاعن وهو مشتق من اللعن وهو الطرد والإبعاد؛ لبعدهما من الرحمة أو لبعد كل منها عن الآخر ولا يجتمعان أبدًا، واللعان والالتعان والملاعنة بمعنى، وسمي به لما فيه من لعن نفسه في الخامسة، وهي من تسمية الكل باسم البعض كالصلاة تسمى ركوعًا وسجودًا، ومعناه الشرعي: شهادات مؤكدات بالأيمان مقرونة باللعن، وقال الشافعي: هي أيمان مؤكدات بلفظ الشهادة، فيشترط أهلية اليمين عنده فيجري بين المسلم وامرأته الكافرة، وبين الكافر والكافرة، وبين العبد وامرأته، وبه قال مالك وأحمد، وعندنا يشترط أهلية الشهادة فلا يجري إلا بين المسلمين الحرين العاقلين البالغين غير محدودين في قذف، واختير لفظ اللعن على لفظ الغضب وإن كانا مذكورين في الآية لتقدمه فيهما، ولأن جانب الرجل فيه أقوى من جانب المرأة لأنه قادر على الابتداء باللعان، إلى آخر ما ذكر.
стр. 2950
وقال أيضًا: وجوِّز اللعان لحفظ الأنساب ودفع المعرة عن الأزواج، وأجمع العلماء على صحته، انتهى.
قوله: (فإذا قذف الأخرس امرأته. . .) إلخ، قال العيني (١): أراد البخاري بهذا الكلام كله بيان الاختلاف بين أهل الحجاز وبين الكوفيين في حكم الأخرس في اللعان والحدّ فلذلك قال: "فإذا قذف الأخرس" إلى آخره بالفاء عقب ذكر قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ﴾ الآية [النور: ٦]، وأخذ بعموم قوله: ﴿يَرْمُونَ﴾ لأن الرمي أعم من أن يكون باللفظ أو بالإشارة المفهمة، وبنى على هذا كلامه فقال: إذا قذف الأخرس امرأته إلخ، انتهى.
ثم قال العيني (٢): قوله: "وقال بعض الناس" أراد به الكوفيين لأنه لما فرغ من الاحتجاج لكلام أهل الحجاز شرع لبيان قول الكوفيين في قذف الأخرس، إلى آخر ما بسط في شرح كلام البخاري والجواب عن الحنفية فارجع إليه لو شئت.
واختلفت الأئمة في لعان الأخرس والخرساء قال الموفق (٣): فأما الأخرس والخرساء فإن كانا غير معلومي الإشارة والكتابة فهما كالمجنونين لأنه لا يتصور منهما لعان، وإن كانا معلومي الإشارة والكتابة فقد قال أحمد: إذا كانت المرأة خرساء لم تلاعن لأنه لا تعلم مطالبتها، وحكاه ابن المنذر عن أحمد وأصحاب الرأي، وكذلك ينبغي أن يكون في الأخرس، وقال القاضي وأبو الخطاب: هو كالناطق في قذفه ولعانه، وهو مذهب الشافعي، انتهى مختصرًا.
وأما مذهب المالكية فموافق للشافعي قال الدردير (٤): شهد بالله أربعًا لرأيتها تزني وأشار الأخرس ذكرًا كان أو أنثى أو كتب ما يدل عليه، انتهى.
стр. 2951
قوله: (ثم زعم إن طلقوا بكتاب أو إشارة. . .) إلخ، في هامش "الهندية" (١) عن "الخير الجاري": المؤلف أورد النقض في كلام الحنفية حيث جعلوا أحد الكلامين وهو الطلاق صحيحًا بالإشارة دون الآخر وهو القذف، وهذا النقض غير وارد عليهم فإن القذف من الحدود وهي تندرء بالشبهات والطلاق من الأمور التي جدهن جد وهزلهن جد، فجده وهزله سواء، فأين أحدهما من الآخر؟ انتهى.
وكتب الشيخ قُدِّس سرُّه في "اللامع" (٢): قوله: "فإذا قذف الأخرس امرأته. . ." إلخ، بحثه عن الإشارة بعد باب اللعان إشارة إلى أن الإشارة معتبرة في جملة هذه الأبواب لعانًا كان أو طلاقًا أو غير ذلك، ولذلك عمم في ترجمة الباب الأول لفظ الأمور ليشمل كل باب، وأنت تعلم أن اندراء الحدود عندنا مبني على قوله ﷺ : "ادرءوا الحدود بالشبهات" فلا يضرنا ما ساقه من الروايات والآثار وغيرها؛ لأنا لم ننكر ثبوت الحكم بالإشارة حتى يفتقر إلى ثبوته، وإنما قلنا: إن الإشارة غير صريحه في المراد ولا شك فيه فنشأت شبهة درأت الحد في القاذف وكذلك في غيره من الحدود، وإنما سقط اللعان لقيامه مقام الحد، انتهى.
(٢٦ - باب إذا عرّض بنفي الولد)
قال الحافظ (٣): بتشديد الراء من التعريض وهو ذكر شيء يفهم منه شيء آخر لم يذكر، ويفارق الكناية بأنها ذكر شيء بغير لفظه الموضوع يقوم مقامه، وترجم البخاري لهذا الحديث في الحدود "ما جاء في التعريض" وكأنه أخذه من قوله في بعض طرقه: يعرّض بنفيه، انتهى.
وقال العيني (٤): مطابقة الحديث للترجمة تؤخذ من قوله: "ولد لي
стр. 2952
غلام أسود" فإن فيه تعريضًا لنفيه عنه، يعني: أنا أبيض وهذا أسود فلا يكون مني، انتهى.
قال القسطلاني (١) تحت حديث الباب: وفائدة الحديث المنع عن نفي الولد بمجرد الأمارات الضعيفة بل لا بد من تحقق كأن رآها تزني، أو ظهور دليل قوي كأن لم يكن وطئها، أو أتت بولد قبل ستة أشهر من مبدء وطئها، أو لأكثر من أربع سنين، بل يلزمه نفي الولد لأن ترك نفيه يتضمن استلحاقه واستلحاق من ليس منه حرام، كما يحرم نفي من هو منه، وقال أيضًا: وفي الحديث أن التعريض بالقذف ليس قذفًا، وبه قال الجمهور واستدل به إمامنا الشافعي لذلك، وعن المالكية: يجب به الحدّ إذا كان مفهومًا، انتهى.
قال العيني (٢) في كتاب الحدود: اختلف العلماء في هذا الباب فقال قوم: لا حدّ في التعريض وإنما يحد الحد بالتصريح البين، وبه قال الثوري وأبو حنيفة والشافعي إلا أنهما يوجبان الأدب والزجر، وعليه يدل تبويب البخاري، وقال الآخرون: التعريض كالتصريح وبه قال مالك والأوزاعي، انتهى.
قلت: ففي "الموطأ": قال مالك: لا حد عندنا إلا في قذف أو نفي أو تعريض يُرى أن قائله إنما أراد بذلك نفيًا أو قذفًا، فعلى من قال ذلك الحد تامًا.
وفي "الأوجز" (٣): قال الباجي: وقد جلد عمر بن الخطاب في التعريض وبه قال عمر بن عبد العزيز، وقال أبو حنيفة والشافعي: ليس في التعريض حدّ، إلى آخر ما بسط. وقال الموفق: واختلفت الرواية عن أحمد في التعريض بالقذف مثل أن يقول لمن يخاصمه: ما أنت بزان، أو ما يعرفك الناس بالزنا، أو يقول: ما أنا بزان، فروى عنه حنبل: لا حدّ عليه، وهو
стр. 2953
ظاهر كلام الخرقي واختيار أبي بكر، وبه قال الشافعي وأصحاب الرأي، ثم ذكر حديث الباب، وروى الأثرم وغيره عن أحمد أن عليه الحدّ، وبه قال إسحاق، إلى آخر ما فيه.
وفي "فيض الباري" (١): "باب إذا عرض. . ." إلخ، والتعريض كالإيماء والإشارة بالقذف وعدّهما البخاري كالصريح، فلزمه أن يقول باللعان في صورة التعريض أيضًا، انتهى.
قال الحافظ (٢): وقد اعترضه ابن المنيِّر فقال: ذكر ترجمة التعريض عقب ترجمة الإشارة لاشتراكهما في إفهام المقصود، لكن كلامه يشعر بإلغاء حكم التعريض فيتناقض مذهبه في الإشارة، انتهى.
وأجاب عنه الحافظ ببيان الفرق بينهما فارجع إليه.
(٢٧ - باب إحلاف الملاعن)
المراد بالإحلاف ههنا النطق بكلمات اللعان، وقد تمسك به من قال: إن اللعان يمين وهو قول مالك والشافعي والجمهور، وقال أبو حنيفة: اللعان شهادة وهو وجه للشافعية، وقيل: شهادة فيها شائبة اليمين، وقيل بالعكس، انتهى من "الفتح" (٣).
وفي هامش "اللامع" (٤): أشار الإمام البخاري بهذه الترجمة إلى مسألة خلافية شهيرة بسطت في "الأوجز" وهي أن اللعان شهادات مؤكدات بالأيمان أو هو أيمان مؤكدات بلفظ الشهادة، وقد تقدم الخلاف مع التفريع عليه في أول كتاب اللعان.
قال القسطلاني (٥) في شرح قوله: "فأحلفهما النبي ﷺ : أي:
стр. 2954
الإحلاف المخصوص وهو اللعان وهو دليل على أن اللعان يمين، ثم ذكر الاختلاف المذكور.
(٢٨ - باب يبدأ الرجل بالتلاعن)
أشار الإمام البخاري بذلك إلى مسألة خلافية بسطت في "الأوجز" (١)، ومنه في هامش "اللامع" (٢) وفيه أنه استدل بالآية وبحديث ابن عباس في قصة هلال على أن الرجل يقدم قبل المرأة في الملاعنة، وبه قال الشافعي ومن تبعه وأشهب من المالكية، ورجحه ابن العربي، وقال ابن القاسم: لو ابتدأت به المرأة تصح واعتد به وهو قول أبي حنيفة، واحتجوا بأن الله تعالى عطفه بالواو وهي لا تقتضي الترتيب، وفي "الدر المختار": فإن لاعن لاعنت بعده لأنه المدعي فلو بدأ بلعانها أعادت فلو فرق قبل الإعادة صح لحصول المقصود، قال ابن عابدين: قوله: أعادت، ليكون على الترتيب المشروع وظاهره الوجوب لكن في "الغاية" لا تجب الإعادة وقد أخطأ في السُّنَّة ورجحه في "الفتح" بأن الوجه وهو قول مالك، انتهى.
قلت: ومقتضى كلام "البدائع" الوجوب كما في "الأوجز" وقال الموفق: يشترط في صحة اللعان شروط ستة: الخامس: الترتيب فإن قدّم لفظة اللعنة على شيء من الألفاظ الأربعة أو قدّمت المرأة لعانها على لعان الرجل لم يعتد به، انتهى.
(٢٩ - باب اللعان ومن طلق بعد اللعان)
أشار الإمام بهذه الترجمة أيضًا إلى خلافية شهيرة ومال في ذلك إلى مسلك الحنفية، وهي أن الفرقة هل تقع بنفس اللعان أو بإيقاع الحاكم بعد الفراع أو بإيقاع الزوج؟ فذهب مالك والشافعي ومن تبعهما إلى أن الفرقة
стр. 2955
تقع بنفس اللعان، ثم اختلفا قال مالك وغالب أصحابه: بعد فراغ المرأة، وقال الشافعي: بعد فراغ الزوج، وتظهر فائدة الخلاف في التوارث لو مات أحدهما عقب فراغ الرجل، وفيما إذا علّق طلاق امرأة بفراق أخرى ثم لاعن الأخرى، وقال الثوري وأبو حنيفة وأتباعهما: لا تقع الفرقة حتى يوقعها عليها الحاكم، وعن أحمد روايتان: إحداهما مع الحنفية، والثانية مع المالكية، والقول الثالث أنه لا تقع الفرقة حتى يوقعها الزوج، ذهب إليه عثمان البتي، ومقابله قول أبي عبيد أن الفرقة تقع بنفس القذف ولو لم يقع اللعان، انتهى من هامش "اللامع" (١) ملخصًا.
وسيأتي في هذا المعنى "باب التفريق بين المتلاعنين".
(٣٠ - باب التلاعن في المسجد)
قال الحافظ (٢): أشار بهذه الترجمة إلى خلاف الحنفية أن اللعان لا يتعين في المسجد وإنما يكون حيث كان الإمام أو حيث شاء، انتهى.
وتعقبه العلامة العيني (٣) فقال: قلت: الذي يفهم مما قاله إنما وضع هذه الترجمة لتعين اللعان في المسجد، وليس كذلك وإنما هذا بيان ما قد وقع من التلاعن في المسجد، ولا يلزم من ذلك أن يكون المسجد متعينًا، ولهذا قال صاحب "التوضيح": استحب جماعة أن يكون التلاعن بعد العصر في أي مكان كان والمسجد الجامع أحرى، انتهى.
وتقدم بيان الخلاف في المسألة في أبواب المساجد فإنه قد ترجم المصنف هناك بقوله: "باب القضاء واللعان في المسجد" فارجع إليه.
стр. 2956
(٣١ - باب قول النبي ﷺ : لو كنت راجمًا بغير بينة. . .) إلخ
أي: من أنكر وإلا فالمعترف أيضًا يرجم، قاله الحافظ (١).
وقال العيني (٢): وجواب "لو" محذوف، أي: لرجمته، انتهى.
وقال الحافظ (٣) في شرح قوله في الحديث: "لو كنت راجمًا بغير بينة": تمسك به من قال: إن نكول المرأة عن اللعان لا يوجب عليها الحد، وهو قول الأوزاعي وأصحاب الرأي، واحتجوا بأن الحدود لا تثبت بالنكول، وبأن قوله ﷺ : "لو كنت راجمًا" لم يقع بسبب اللعان فقط، وقال أحمد: إذا امتنعت تحبس، وأهاب أن أقول: ترجم لأنها لو أقرت صريحًا ثم رجعت لم ترجم فكيف ترجم إذا أبت اللعان؟ انتهى.
(٣٢ - باب صداق الملاعنة)
أي: بيان الحكم فيه، وقد انعقد الإجماع على أن المدخول بها تستحق جميعه، واختلف في غير المدخول بها فالجمهور على أن لها النصف كغيرها من المطلقات قبل الدخول، وقيل: بل لها جميعه، قاله أبو الزناد والحكم وحماد، وقيل: لا شيء لها أصلًا قاله الزهري، وروي عن مالك، انتهى من "الفتح" (٤).
(٣٣ - باب قول الإمام للمتلاعنين: إن أحدكما كاذب. . .) إلخ
قال الحافظ (٥): قوله: "وقال: الله يعلم أن أحدكما لكاذب" قال عياض: ظاهره أنه قال هذا الكلام بعد فراغهما من اللعان، فيؤخذ منه
стр. 2957
عرض التوبة على المذنب ولو بطريق الإجمال، وأنه يلزم من كذبه التوبة من ذلك، وقال الداودي: قال ذلك قبل اللعان تحذيرًا لهما منه، والأول أظهر وأولى في سياق الكلام، قلت: والذي قاله الداودي أولى من جهة أخرى وهي مشروعية الموعظة قبل الوقوع في المعصية بل هو أحرى مما بعد الوقوع، إلى آخر ما ذكر.
(٣٤ - باب التفريق بين المتلاعنين)
ثبتت هذه الترجمة للمستملي وذكرها الإسماعيلي وثبت عند النسفي "باب" بلا ترجمة، وسقط ذلك للباقين والأول أنسب، قاله الحافظ (١).
وقال العيني (٢) في شرح قوله في الحديث: "فرّق بين رجل وامرأة": فيه دليل لأبي حنيفة وصاحبيه أن اللعان لا يتم إلا بتفريق الحاكم وهو قول الثوري أيضًا، وقد مر الكلام فيه مبسوطًا، انتهى.
قلت: وأشار بذلك إلى ما تقدم في "باب اللعان ومن طلق بعد اللعان" وقد تقدم هناك تفصيل الخلاف في هذه المسألة، وتقدم هناك أيضًا أن الظاهر أن ميل المصنف إلى مسلك الحنفية، وذكر الحافظ توجيه الحديث على مسلك الشافعية بأن قوله: "فرق بينهما" بيان حكم لا إيقاع فرقة، إلى آخر ما بسط من الكلام على الروايات المختلفة في مسألة الباب.
(٣٥ - باب يلحق الولد بالملاعنة)
قال العلامة العيني (٣): يعني: أن الولد يلحق بالمرأة الملاعنة إذا نفاه الزوج قبل الوضع أبو بعده، وحديث الباب رواه البخاري أيضًا في الفرائض، وأخرجه مسلم في اللعان، وأبو داود في الطلاق، وهو مشتمل على ثلاثة أحكام.
стр. 2958
الأول: اللعان، وليس فيه خلاف وأجمعوا على صحته ومشروعيته.
الثاني: التفرقة، واختلف العلماء فيها وقد مر قريبًا في الباب السابق.
والثالث: إلحاق الولد بالأم، وذلك أنه إذا لاعنها ونفى عنه نسب الحمل انتفى عنه ويثبت نسبه من الأم ويرثها وترث منه، قال الطحاوي: ذهب قوم إلى أن الرجل إذا نفى ولد امرأته لم ينتف به ولم يلاعن به لقوله ﷺ : "الولد للفراش وللعاهر الحجر" قالوا: الفراش يوجب حق الولد في إثبات نسبه من الزوج والمرأة فليس لها إخراجه منه بلعان ولا غيره، قلت: أراد الطحاوي بالقوم هؤلاء: عامر الشعبي ومحمد بن أبي ذئب وبعض أهل المدينة، وخالفهم الآخرون وهم جمهور الفقهاء من التابعين ومن بعدهم منهم الأئمة الأربعة وأصحابهم فإنهم قالوا: إذا نفى الرجل ولد امرأته يلاعن وينتفي نسبه منه ويلزم أمه، انتهى مختصرًا.
(٣٦ - باب قول الإمام: اللَّهم بين)
قال ابن العربي: ليس معنى هذا الدعاء طلب ثبوت صدق أحدهما فقط؛ بل معناه أن تلد ليظهر الشبه ولا يمتنع دلالتها بموت الولد مثلًا فلا يظهر البيان، والحكمة فيه ردع من شاهد ذلك عن التلبس بمثل ما وقع لما يترتب على ذلك من القبح ولو اندرأ الحد، انتهى من "الفتح" (١).
(٣٧ - باب إذا طلقها ثلاثًا ثم تزوجت بعد العدة زوجًا غيره فلم يمسّها)
أي: هل تحلّ للأول إن طلقها الثاني بغير مسيس، قاله الحافظ (٢).
قال العيني (٣): وجواب "إذا" محذوف، أي: لا تحل للأول إلا بطلاق الزوج الثاني وكان قد وطئها، وهذا لا خلاف فيه إلا سعيد بن المسيب
стр. 2959
فإنه قال: الصحيح كافٍ ويحصل به التحليل للزوج الأول، ولم يوافقه على هذا أحد إلا طائفة من الخوارج، وقيل: إن ابن المسيب رجع عن مذهبه، وقال الحسن البصري: الإنزال شرط، وزعم أن معنى العسيلة الإنزال، وخالفه سائر الفقهاء، فقالوا: التقاء الختانين يحلها للزوج الأول، انتهى مختصرًا.
قال القسطلاني (١): وليس المراد طلاق الملاعن لأن الملاعنة لا تعود للذي لاعن منها ولو تزوجت عشرة سواء وطئها أو لم يطأها، انتهى.
قلت: وهكذا في "الفتح" وهو الصواب، وتوهم العلامة العيني فشرح الترجمة بطلاق الملاعن.
ثم لا يخفى عليك أن هذا الباب لا تعلق له باللعان بل هو متعلق بالعدة، ولذا قال الحافظ (٢):
(تنبيه): لم يفرد كتاب العدة عن كتاب اللعان فيما وقفت عليه من النسخ، ووقع في شرح ابن بطال قبل الباب الذي يلي هذا وهو "باب ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ﴾ [الطلاق: ٤]: "كتاب العدة"، ولبعضهم: "أبواب العدة"، والأولى إثبات ذلك هنا فإن هذا الباب لا تعلق له باللعان، ثم ذكر ما تقدم عن القسطلاني.
* * *
стр. 2960
٦٨ م - كتاب العدّة
هكذا في هامش النسخ الهندية معلمًا بعلامة النسخة وهكذا في نسخة "العيني" بلفظ "كتاب العدة" وليس في متن النسخ الهندية ولا في نسخة "الفتح" و"القسطلاني"، وتقدم بيان اختلاف النسخ في الباب السابق.
قال العلامة العيني (١): والعدة اسم لمدة تتربص بها المرأة عن الزوج بعد وفاة زوجها أو فراقه لها إما بالولادة أو بالأقراء أو بالأشهر، قلت: العدة مصدر من عدّ يعدّ يقال: عددت الشيء إذا أحصيته، وفي الشرع: هي تربص، أي: انتظار مدة تلزم المرأة عند زوال النكاح أو شبهه، إلى آخر ما بسط.
(٣٨ - باب قوله: ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ﴾ [الطلاق: ٤])
قال الحافظ (٢): "باب" لأبي ذر وكريمة، وثبت للباقين، ووقع عند ابن بطال "كتاب العدة، باب قول الله. . ." إلخ، انتهى. وتقدم أيضًا ذكر اختلاف النسخ تحت الباب السابق.
قوله: (قال مجاهد: إن لم تعلموا يحضن أو لا يحضن) أي: فسر قوله تعالى: ﴿إِنِ ارْتَبْتُمْ﴾ أي: لم تعلموا، وقوله: "واللائي قعدن عن الحيض" أي: حكمهن حكم اللائي يئسن، وقوله: "واللائي لم يحضن فعدتهن ثلاثة أشهر" أي: أن حكم اللائي لم يحضن أصلًا ورأسًا حكمهن في العدة حكم اللائي يئسن، فكان تقدير الآية، واللائي لم يحضن كذلك لأنها وقعت بعد قوله: ﴿فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ﴾ وأثر مجاهد هذا وصله الفريابي، وتقدم بيانه
стр. 2961
في تفسير سورة الطلاق، إلى آخر ما ذكر الحافظ (١) في تفسير الآية وبيان الاختلاف.
وكتب الشيخ قُدِّس سرُّه في "اللامع" (٢): قوله: "إن لم تعلموا يحضن. . ." إلخ، أي: اشتبه عليكم علمه بانجرار الدم من الاستحاضة وغيره، انتهى.
وقال القسطلاني (٣): قوله: "واللائي قعدن عن الحيض" أي: كبرن وصرن عجائز، وقوله: "واللائي لم يحضن"، أي: أصلًا وهن الصغار اللائي لم يبلغن سنَّ الحيض، انتهى.
فعلى هذا المذكور ههنا ثلاثة أقسام: الأولى: التي اشتبه أمرها بانجرار الدم. الثانية: العجوز التي بلغت سنّ الإياس. والثالثة: الصغيرة التي لم تبلغ سنّ الحيض.
قال القسطلاني (٤): وقيل: إن ارتبتم في دم البالغات مبلغ اليأس وهو اثنتان وستون سنة أهو دم حيض أو استحاضة فعدتهن ثلاثة أشهر، وإذا كانت عدة المرتابات بها فغير المرتابات أولى، والأكثرون على أن المعنى: إن ارتبتم في الحكم لا في اليأس، انتهى.
فحصل في تفسير الآية ثلاثة أقوال: الأول: المذكور في البخاري من قول مجاهد. والثاني والثالث ما حكاهما القسطلاني.
وفي هامش "اللامع" (٥): قال ابن كثير: وفي قوله تعالى: ﴿إِنِ ارْتَبْتُمْ﴾ قولان: أحدهما وهو قول طائفة من السلف كمجاهد والزهري: أي: إن رأين دمًا وشككتم في كونه حيضًا أو استحاضة وارتبتم فيه. والقول الثاني: إن ارتبتم في حكم عدتهن ولم تعرفوه فوق ثلاثة أشهر، وهذا مروي
стр. 2962
عن سعيد بن جبير وهو اختيار ابن جرير وهو أظهر في المعنى، انتهى.
قلت: وهذا الثاني هو المعنى الأخير المتقدم في كلام القسطلاني الذي نسبه إلى الأكثر.
ثم اعلم أنه اختلفت الأئمة في عدة المستحاضة فعن مالك فيه روايتان: إحداهما سنة مطلقًا، والثانية إن كانت مميزة فعدتها بالأقراء، وإلا فبالسُّنَّة، وفي مسلك الإمام أحمد تفاصيل كثيرة بسطت في "الأوجز" (١) جملتها: أنها إن كانت مميزة أو معتادة فتعتد بالأقراء، وإن كانت مبتدئة أو ناسية فعن أحمد فيها روايتان: إحداهما أن عدتها ثلاثة أشهر، والثانية تعتد سنة، وأما عندنا الحنفية فقال محمد في "موطئه": المعروف عندنا أن عدتها على أقرائها التي كانت تجلس فيما مضى، وبه نأخذ وهو قول أبي حنيفة والعامة من فقهائنا، انتهى من هامش "اللامع" (٢).
(٣٩ - باب ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٤])
يتناول المطلقات والمتوفى عنهن أزواجهن، قاله القسطلاني (٣).
وقال أيضًا تحت حديث الباب: وهو مخصِّص كآية الطلاق لعموم قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ [البقرة: ٢٣٤] ثم قال: وهذا قد أجمع عليه جمهور العلماء من السلف وأئمة الفتوى في الأمصار إلا ما روي عن علي أنها تعتد آخر الأجلين، يعني: إن وضعت قبل الأربعة الأشهر والعشر تربصت إلى انقضائها ولا تحل بمجرد الوضع، وإن انقضت المدة قبل الوضع تربصت إلى الوضع، وبه قال ابن عباس لكن روي أنه رجع عنه، انتهى.