الأول: اللعان، وليس فيه خلاف وأجمعوا على صحته ومشروعيته.
الثاني: التفرقة، واختلف العلماء فيها وقد مر قريبًا في الباب السابق.
والثالث: إلحاق الولد بالأم، وذلك أنه إذا لاعنها ونفى عنه نسب الحمل انتفى عنه ويثبت نسبه من الأم ويرثها وترث منه، قال الطحاوي: ذهب قوم إلى أن الرجل إذا نفى ولد امرأته لم ينتف به ولم يلاعن به لقوله ﷺ : "الولد للفراش وللعاهر الحجر" قالوا: الفراش يوجب حق الولد في إثبات نسبه من الزوج والمرأة فليس لها إخراجه منه بلعان ولا غيره، قلت: أراد الطحاوي بالقوم هؤلاء: عامر الشعبي ومحمد بن أبي ذئب وبعض أهل المدينة، وخالفهم الآخرون وهم جمهور الفقهاء من التابعين ومن بعدهم منهم الأئمة الأربعة وأصحابهم فإنهم قالوا: إذا نفى الرجل ولد امرأته يلاعن وينتفي نسبه منه ويلزم أمه، انتهى مختصرًا.
(٣٦ - باب قول الإمام: اللَّهم بين)
قال ابن العربي: ليس معنى هذا الدعاء طلب ثبوت صدق أحدهما فقط؛ بل معناه أن تلد ليظهر الشبه ولا يمتنع دلالتها بموت الولد مثلًا فلا يظهر البيان، والحكمة فيه ردع من شاهد ذلك عن التلبس بمثل ما وقع لما يترتب على ذلك من القبح ولو اندرأ الحد، انتهى من "الفتح" (١).
(٣٧ - باب إذا طلقها ثلاثًا ثم تزوجت بعد العدة زوجًا غيره فلم يمسّها)
أي: هل تحلّ للأول إن طلقها الثاني بغير مسيس، قاله الحافظ (٢).
قال العيني (٣): وجواب "إذا" محذوف، أي: لا تحل للأول إلا بطلاق الزوج الثاني وكان قد وطئها، وهذا لا خلاف فيه إلا سعيد بن المسيب
стр. 2959
فإنه قال: الصحيح كافٍ ويحصل به التحليل للزوج الأول، ولم يوافقه على هذا أحد إلا طائفة من الخوارج، وقيل: إن ابن المسيب رجع عن مذهبه، وقال الحسن البصري: الإنزال شرط، وزعم أن معنى العسيلة الإنزال، وخالفه سائر الفقهاء، فقالوا: التقاء الختانين يحلها للزوج الأول، انتهى مختصرًا.
قال القسطلاني (١): وليس المراد طلاق الملاعن لأن الملاعنة لا تعود للذي لاعن منها ولو تزوجت عشرة سواء وطئها أو لم يطأها، انتهى.
قلت: وهكذا في "الفتح" وهو الصواب، وتوهم العلامة العيني فشرح الترجمة بطلاق الملاعن.
ثم لا يخفى عليك أن هذا الباب لا تعلق له باللعان بل هو متعلق بالعدة، ولذا قال الحافظ (٢):
(تنبيه): لم يفرد كتاب العدة عن كتاب اللعان فيما وقفت عليه من النسخ، ووقع في شرح ابن بطال قبل الباب الذي يلي هذا وهو "باب ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ﴾ [الطلاق: ٤]: "كتاب العدة"، ولبعضهم: "أبواب العدة"، والأولى إثبات ذلك هنا فإن هذا الباب لا تعلق له باللعان، ثم ذكر ما تقدم عن القسطلاني.
* * *
стр. 2960
٦٨ م - كتاب العدّة
هكذا في هامش النسخ الهندية معلمًا بعلامة النسخة وهكذا في نسخة "العيني" بلفظ "كتاب العدة" وليس في متن النسخ الهندية ولا في نسخة "الفتح" و"القسطلاني"، وتقدم بيان اختلاف النسخ في الباب السابق.
قال العلامة العيني (١): والعدة اسم لمدة تتربص بها المرأة عن الزوج بعد وفاة زوجها أو فراقه لها إما بالولادة أو بالأقراء أو بالأشهر، قلت: العدة مصدر من عدّ يعدّ يقال: عددت الشيء إذا أحصيته، وفي الشرع: هي تربص، أي: انتظار مدة تلزم المرأة عند زوال النكاح أو شبهه، إلى آخر ما بسط.
(٣٨ - باب قوله: ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ﴾ [الطلاق: ٤])
قال الحافظ (٢): "باب" لأبي ذر وكريمة، وثبت للباقين، ووقع عند ابن بطال "كتاب العدة، باب قول الله. . ." إلخ، انتهى. وتقدم أيضًا ذكر اختلاف النسخ تحت الباب السابق.
قوله: (قال مجاهد: إن لم تعلموا يحضن أو لا يحضن) أي: فسر قوله تعالى: ﴿إِنِ ارْتَبْتُمْ﴾ أي: لم تعلموا، وقوله: "واللائي قعدن عن الحيض" أي: حكمهن حكم اللائي يئسن، وقوله: "واللائي لم يحضن فعدتهن ثلاثة أشهر" أي: أن حكم اللائي لم يحضن أصلًا ورأسًا حكمهن في العدة حكم اللائي يئسن، فكان تقدير الآية، واللائي لم يحضن كذلك لأنها وقعت بعد قوله: ﴿فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ﴾ وأثر مجاهد هذا وصله الفريابي، وتقدم بيانه
стр. 2961
في تفسير سورة الطلاق، إلى آخر ما ذكر الحافظ (١) في تفسير الآية وبيان الاختلاف.
وكتب الشيخ قُدِّس سرُّه في "اللامع" (٢): قوله: "إن لم تعلموا يحضن. . ." إلخ، أي: اشتبه عليكم علمه بانجرار الدم من الاستحاضة وغيره، انتهى.
وقال القسطلاني (٣): قوله: "واللائي قعدن عن الحيض" أي: كبرن وصرن عجائز، وقوله: "واللائي لم يحضن"، أي: أصلًا وهن الصغار اللائي لم يبلغن سنَّ الحيض، انتهى.
فعلى هذا المذكور ههنا ثلاثة أقسام: الأولى: التي اشتبه أمرها بانجرار الدم. الثانية: العجوز التي بلغت سنّ الإياس. والثالثة: الصغيرة التي لم تبلغ سنّ الحيض.
قال القسطلاني (٤): وقيل: إن ارتبتم في دم البالغات مبلغ اليأس وهو اثنتان وستون سنة أهو دم حيض أو استحاضة فعدتهن ثلاثة أشهر، وإذا كانت عدة المرتابات بها فغير المرتابات أولى، والأكثرون على أن المعنى: إن ارتبتم في الحكم لا في اليأس، انتهى.
فحصل في تفسير الآية ثلاثة أقوال: الأول: المذكور في البخاري من قول مجاهد. والثاني والثالث ما حكاهما القسطلاني.
وفي هامش "اللامع" (٥): قال ابن كثير: وفي قوله تعالى: ﴿إِنِ ارْتَبْتُمْ﴾ قولان: أحدهما وهو قول طائفة من السلف كمجاهد والزهري: أي: إن رأين دمًا وشككتم في كونه حيضًا أو استحاضة وارتبتم فيه. والقول الثاني: إن ارتبتم في حكم عدتهن ولم تعرفوه فوق ثلاثة أشهر، وهذا مروي
стр. 2962
عن سعيد بن جبير وهو اختيار ابن جرير وهو أظهر في المعنى، انتهى.
قلت: وهذا الثاني هو المعنى الأخير المتقدم في كلام القسطلاني الذي نسبه إلى الأكثر.
ثم اعلم أنه اختلفت الأئمة في عدة المستحاضة فعن مالك فيه روايتان: إحداهما سنة مطلقًا، والثانية إن كانت مميزة فعدتها بالأقراء، وإلا فبالسُّنَّة، وفي مسلك الإمام أحمد تفاصيل كثيرة بسطت في "الأوجز" (١) جملتها: أنها إن كانت مميزة أو معتادة فتعتد بالأقراء، وإن كانت مبتدئة أو ناسية فعن أحمد فيها روايتان: إحداهما أن عدتها ثلاثة أشهر، والثانية تعتد سنة، وأما عندنا الحنفية فقال محمد في "موطئه": المعروف عندنا أن عدتها على أقرائها التي كانت تجلس فيما مضى، وبه نأخذ وهو قول أبي حنيفة والعامة من فقهائنا، انتهى من هامش "اللامع" (٢).
(٣٩ - باب ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٤])
يتناول المطلقات والمتوفى عنهن أزواجهن، قاله القسطلاني (٣).
وقال أيضًا تحت حديث الباب: وهو مخصِّص كآية الطلاق لعموم قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ [البقرة: ٢٣٤] ثم قال: وهذا قد أجمع عليه جمهور العلماء من السلف وأئمة الفتوى في الأمصار إلا ما روي عن علي أنها تعتد آخر الأجلين، يعني: إن وضعت قبل الأربعة الأشهر والعشر تربصت إلى انقضائها ولا تحل بمجرد الوضع، وإن انقضت المدة قبل الوضع تربصت إلى الوضع، وبه قال ابن عباس لكن روي أنه رجع عنه، انتهى.
стр. 2963
قال الحافظ (١): وبه، أي: بقول علي، قال ابن عباس، ويقال: إنه رجع عنه، ويقويه أن المنقول عن أتباعه وفاق الجماعة في ذلك، وتقدم في تفسير الطلاق أن عبد الرحمن بن أبي ليلى أنكر على ابن سيرين القولَ بانقضاء عدتها بالوضع، وأنكر أن يكون ابن مسعود قال بذلك، وقد ثبت عن ابن مسعود من عدة طرق أنه كان يوافق الجماعة حتى كان يقول: من شاء لاعنته على ذلك، وقد وافق سحنون من المالكية عليًا، نقله المازري وغيره، وهو شذوذ مردود لأنه إحداث خلاف بعد استقرار الإجماع، والسبب الحامل له الحرصُ على العمل بالآيتين اللتين تعارض عمومهما، وقال ابن عبد البر: لولا حديث السبيعة لكان القول ما قال علي وابن عباس؛ لأنهما عدتان مجتمعتان بصفتين وقد اجتمعتا في الحامل المتوفى عنها زوجها فلا تخرج من عدتها إلا بيقين واليقين آخر الأجلين، انتهى ملخصًا من "الفتح".
وتقدم الكلام على مسألة الباب في تفسير سورة البقرة أيضًا.
(٤٠ - باب قول الله: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨])
قال العلامة القسطلاني (٢): سقط لفظ "باب" لأبي ذر، قوله: "قال إبراهيم فيمن تزوج في العدة" تزويجًا فاسدًا "فحاضت عنده" أي: عند الثاني "بانت" بانقضاء هذه العدة "من" الزوج "الأول ولا تحتسب به" بالحيض "لمن بعده" لمن بعد الأول بل تعتد أخرى للثاني فلا تداخل لتعدد المستحق فتعتد لكل واحد منهما عدة كاملة، وروى المدنيون عن مالك: إن كانت حاضت حيضة أو حيضتين من الأول أنها تتم بقية عدتها منه ثم تستأنف عدة أخرى، وهو قول الشافعي وأحمد، "وقال الزهري: تحتسب"
стр. 2964
بالحيض الثاني كالأول فيكفي لهما عدة واحدة وهو قول الحنفية ورواية عن مالك، انتهى.
قال العيني (١): هذه مسألة اجتماع العدتين فنقول أولًا: إن العلماء مجمعون على أن الناكح في العدة يفسخ نكاحه ويفرق بينهما، فإذا تزوج في العدة فحاضت عنده ثلاث حيض بانت من الأول لأنها عدتها منه، ثم ذكر نحو ما تقدم عن القسطلاني.
وفي هامش "اللامع" (٢): بسط الكلام على المسألة في "الأوجز" وفيه: وعن "المبسوط" للسرخسي بعد ذكر مذهب الحنفية: وهو قول معاذ بن جبل، وقال الجصاص: وهو قول إبراهيم النخعي، انتهى.
(٤١ - باب قصة فاطمة بنت قيس. . .) إلخ
سقط لفظ "باب" في نسخة الحافظ، وقال (٣): كذا للأكثر ولبعضهم "باب" وبه جزم ابن بطال والإسماعيلي، وفاطمة هي بنت قيس بن خالد من بني محارب بن فهر بن مالك، وهي أخت الضحاك بن قيس الذي ولي العراق ليزيد بن معاوية، وقتل بمرج راهط، وهو من صغار الصحابة وهي أسن منه، وكانت من المهاجرات الأُول، وكان لها عقل وجمال وتزوجها أبو عمرو بن حفص، ويقال: أبو حفص بن عمرو، فخرج مع علي لما بعثه النبي ﷺ إلى اليمن فبعث إليها بتطليقة ثالثة بقيت لها، وأمر ابني عميه الحارث بن هشام وعياش بن أبي ربيعة أن يدفعا لها تمرًا وشعيرًا، فاستقلّت ذلك وشكت إلى النبي ﷺ فقال لها: "ليس لك سكنى ولا نفقة" هكذا أخرج مسلم قصتها من طرق متعددة عنها ولم أرها في البخاري، وإنما ترجم لها كما ترى، وأورد أشياء من قصتها بطريق الإشارة إليها
стр. 2965
ووهم صاحب "العمدة" فأورد حديثها بطوله في المتفق، انتهى.
قال العيني (١): ثم العلماء اختلفوا في الباب في فصلين: الأول: أن المطلقة ثلاثًا تجب لها النفقة ولا السكنى عند قوم إذا لم تكن حاملًا وهم الحسن البصري وطاوس وعطاء بن أبي رباح وأحمد وإسحاق وأهل الظاهر، وقال قوم: لها النفقة والسكنى حاملًا أو غير حامل، وهم حماد وشريح والنخعي والثوري وأبو حنيفة وصاحباه وهو مذهب عمر وعبد الله بن مسعود ﵄، وقال قوم: لها السكنى بكل حال والنفقة إذا كانت حاملًا وهم عبد الرحمن بن مهدي ومالك والشافعي، إلى آخر ما ذكر من الدلائل.
وفي "الأوجز" (٢): اختلفوا في مسألة النفقة والسكنى للمعتدة ففي "التعليق الممجد": اختلف العلماء في هذا الباب فذهب عمر بن الخطاب من الصحابة وآخرون وبه قال أصحابنا: أن للمطلقة المبتوتة النفقة والسكنى في العدة وإن لم تكن حاملًا، وقال ابن عباس وأحمد: لا نفقة لها ولا سكنى، وقال مالك والشافعي وغيرهما: يجب السكنى دون النفقة وأما المتوفى عنها زوجها فلا نفقة لها بالإجماع والأصح وجوب السكنى، وأما المطلقة الرجعية فيجب لها النفقة والسكنى، انتهى.
وفي "البذل" عن "البدائع": أن المعتدة عن طلاق رجعي لها النفقة والسكنى بلا خلاف؛ لأن ذلك النكاح قائم فكان الحال بعد الطلاق كالحال قبله، وإن كان الطلاق ثلاثًا أو بائنًا فلها النفقة والسكنى إن كانت حاملًا بالإجماع، انتهى.
وقال النووي: المطلقة الحائل البائن لها النفقة والسكنى عند أبي حنيفة، وقال أحمد: لا نفقة لها ولا سكنى، وقال مالك والشافعي:
стр. 2966
يجب لها السكنى لا النفقة، وأما البائن الحامل فتجب لها السكنى والنفقة، والرجعية تجبان لها بالإجماع، والمتوفى عنها زوجها فلا نفقة لها بالإجماع، والأصح عندنا وجوب السكنى لها، ولو كانت حاملًا فالمشهور أنه لا نفقة لها كما لو كانت حائلًا، انتهى، إلى آخر ما بسط فيه.
وفي آخره: وقد علمت مما سبق أن السكنى للمبتوتة وإن لم تكن حاملًا تجب عندنا الحنفية، وبه قال مالك والشافعي وهو رواية لأحمد، والأخرى له وهو ظاهر مذهبه أن لا سكنى لها، وبه قال داود، أما إن كانت حاملًا فلا خلاف بين أهل العلم في وجوب السكنى، انتهى.
قال العيني (١): والفصل الثاني في حكم خروج المبتوتة بالطلاق من بيتها في عدتها، روي ذلك عن ابن مسعود وعائشة، وبه قال ابن المسيب قالوا: تعتد في بيت زوجها حيث طلقها، وحكى أبو عبيد هذا القول عن مالك والثوري والكوفيين، وأنهم كانوا يرون أن لا تبيت المبتوتة والمتوفى عنها زوجها إلا في بيتها، وفيه قول آخر أن المبتوتة تعتد حيث شاءت، روي ذلك عن ابن عباس وجابر وعطاء وطاوس والحسن وعكرمة، وكان مالك يقول: المتوفى عنها زوجها تزور وتقيم إلى قدر ما يهدأ الناس بعد العشاء ثم تنقلب إلى بيتها وهو قول الليث والشافعي وأحمد، وقال أبو حنيفة: تخرج المتوفى عنها نهارًا ولا تبيت إلا في بيتها، ولا تخرج المطلقة ليلًا ولا نهارًا، قال محمد: لا تخرج المطلقة ولا المتوفى عنها زوجها ليلًا ولا نهارًا في العدة، وقام الإجماع على أن الرجعية تستحق السكنى والنفقة إذ حكمها حكم الزوجات في جميع أمورها، انتهى.
وفي "الأوجز" (٢): اعلم أن ههنا ثلاثة مسائل كلها خلافية وطالما تلتبس إحداهما بالأخرى على نقلة المذاهب: الأولى: وجوب سكنى المتوفى عنها على الزوج يعني في ماله، الثانية: خروجها عن بيت العدة ليلًا
стр. 2967
أو نهارًا لحوائجها، والثالثة: الاعتداد في بيتها الذي بلغها فيه نعيه سواء كانت السكنى عليها أو على زوجها، ثم بسط الكلام على تلك المسائل واختلاف العلماء فيها.
أما المسألة الأولى فقد تقدم آنفًا، وأما الثانية وهي أيضًا خلافية شهيرة قال الموفق: للمعتدة الخروج في حوائجها نهارًا سواء كانت مطلقة أو متوفى عنها، انتهى.
وقال محمد في "موطئه": المتوفى عنها تخرج بالنهار في حوائجها ولا تبيت إلا في بيتها، وأما المطلقة مبتوتة كانت أو غير مبتوتة فلا تخرج ليلًا أو نهارًا ما دامت في عدتها، انتهى.
وقال مالك: تخرج المبتوتة أيضًا بالنهار لقضاء الحاجة وإنما تلزم بيتها في الليل، وسواء في ذلك الرجعية والبائنة، وقال الشافعي في الرجعية: لا تخرج ليلًا ولا نهارًا وإنما تخرج نهارًا المبتوتة، كذا قال ابن رسلان، وهكذا حكى الزرقاني مذهب مالك، انتهى من "الأوجز".
وتقدم أيضًا بيان الاختلاف في سكنى المتوفى عنها ونفقتها في التفسير في "باب قوله: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا﴾ ".
(٤٢ - باب المطلقة إذا خشي عليها في مسكن زوجها. . .) إلخ
قال العلامة القسطلاني (١): وجواب "إذا" محذوف والتقدير: تنتقل إلى مسكن غير مسكن الطلاق، قال في "الفتح": وقد أخذ البخاري الترجمة من مجموع ما ورد في قصة فاطمة فرتب الجواز على أحد الأمرين: إما خشية الاقتحام عليها، وإما أن يقع منها على أهل مطلقها فحش في القول، ولم ير أن بين الأمرين في قصة فاطمة معارضة لاحتمال وقوعهما معًا في شأنها.
стр. 2968
وقال الكرماني: فإن قلت: لم يذكر البخاري ما شرط في الترجمة من البذاء، قلت: علم من القياس على الاقتحام، والجامع بينهما رعاية المصلحة وشدة الحاجة إلى الاحتراز عنه، وقال شارح التراجم: ذكر في الترجمة الخوف عليها والخوف منها والحديث يقتضي الأول وقاس الثاني عليه، ويؤيده قول عائشة لها في بعض الطرق "أخرجك هذا اللسان" فكأن الزيادة لم تكن على شرطه فضمنها للترجمة قياسًا، انتهى.
(٤٣ - باب قول الله: ﴿وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ﴾ [البقرة: ٢٢٨] من الحيض والحمل)
قال الحافظ (١) ﵀: كذا للأكثر، وهو تفسير مجاهد، وفصل أبو ذر بين ﴿أَرْحَامِهِنَّ﴾ وبين "من" بدائرة إشارة إلى أنه أريد به التفسير، لا أنها قراءة، وأخرج الطبري عن طائفة أن المراد به الحيض، وعن آخرين الحمل، وعن مجاهد كلاهما، والمقصود من الآية أن أمر العدة لما دار على الحيض والطهر، والاطلاع على ذلك يقع من جهة النساء غالبًا، جعلت المرأة مؤتمنة على ذلك، وقد تقدم بيان مدة أكثر الحيض وأقله في كتاب الحيض والاختلاف في ذلك، انتهى.
وفي هامش النسخة "الهندية" (٢) عن "الخير الجاري": قوله: "كئيبة" أي: حزينة، وهذا موضع الترجمة إذ يفهم منه أنها أظهرت حيضها، انتهى.
وقال القسطلاني (٣): قال ابن المنيِّر: لما رتب ﷺ على مجرد قول صفية: أنها حائض تأخيره عن السفر أخذ منه تعدي الحكم إلى الزوج فتصدق المرأة في الحيض والحمل باعتبار رجعة الزوج وسقوطها وإلحاق الحمل به، انتهى.
стр. 2969
(٤٤ - باب قوله: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ﴾ [البقرة: ٢٢٨])
قال القسطلاني (١): جمع بعل، والتاء لاحقة لتأنيث الجمع، أي: أزواجهن أولى برجعتهن ما كن في العدة، فإذا انقضت العدة احتيج لعقد جديد، انتهى.
قال الحافظ (٢): وقال ابن بطال ما ملخصه: المراجعة على ضربين: إما في العدة فهي على ما في حديث ابن عمر لأن النبي ﷺ أمره بمراجعتها، ولم يذكر أنه احتاج إلى عقد جديد، وإما بعد العدة فعلى ما في حديث معقل، وقد أجمعوا على أن الحر إذا طلق الحرة بعد الدخول بها تطليقة أو تطليقتين فهو أحق برجعتها، ولو كرهت المرأة ذلك، فإن لم يراجع حتى انقضى العدة فتصير أجنبية، فلا تحل له إلا بنكاح مستأنف، واختلف السلف فيما يكون به الرجل مراجعًا، فذكر نحو ما سيأتي من كلام العيني.
قوله: (وكيف يراجع) قال العيني (٣): جزء آخر للترجمة، ولم يذكر جواب المسألة، إما بناء على عادته اعتمادًا على معرفة الناظر بذلك، وإما اكتفاء بما يعلم من أحاديث الباب، واختلفوا فيما يكون به مراجعًا، فقالت طائفة: إذا جامعها فقد راجعها، روي ذلك عن ابن المسيب والأوزاعي، وبه قال الثوري وأبو حنيفة، وقالا أيضًا: إذا لمسها أو نظر إلى فرجها بشهوة من غير قصد الرجعة فهي رجعة، وينبغي أن يشهد، وقال مالك وإسحاق: إذا وطئها في العدة وهو يريد الرجعة، وجهل أن يشهد فهي رجعة، وينبغي للمرأة أن تمنعه الوطء حتى يشهد، وقال ابن أبي ليلى: إذا راجع ولم يشهد صحت الرجعة، وهو قول أصحابنا أيضًا، والإشهاد مستحب، وقال الشافعي: لا تكون الرجعة إلا بالكلام فإن جامعها بنية الرجعة فلا رجعة، ولها عليه مهر المثل، انتهى.
стр. 2970
(٤٥ - باب مراجعة الحائض)
أي: إذا طلقت طلاقًا غير بائن، واختلفوا في وجوب هذه المراجعة وعدمه، كما تقدم في مبدء كتاب الطلاق من أنها واجبة عند مالك والحنفية وأحمد في رواية، وقال الجمهور: هي مستحبة، وفي "المغني" (١): فإن طلق للبدعة - وهو أن يطلقها حائضًا، أو في طهر أصابها فيه - أثم، ووقع طلاقه في قول عامة أهل العلم، ولم يخالف في ذلك إلا أهل البدع والضلال، ثم قال: ويستحب أن يراجعها لأمر النبي ﷺ بمراجعتها، وأقل أحوال الأمر الاستحباب، ولا يجب ذلك في ظاهر المذهب، وهو قول الثوري والشافعي وأصحاب الرأي، وعن أحمد رواية أخرى أنها تجب وهو قول مالك وداود، انتهى مختصرًا.
(٤٦ - باب تحدّ المتوفى عنها أربعة أشهر وعشرًا)
تُحِدّ بضم الفوقية وكسر الحاء المهملة من الثلاثي المزيد فيه، من أحدّ تحدّ إحدادًا، وهو لغةً: المنع، واصطلاحًا: ترك المتوفى عنها زوجها في عدة الوفاة لُبسَ مصبوغ بما يقصد لزينة، إلى آخر ما ذكر القسطلاني (٢).
وبسط الحافظ الكلام عليه لغة، وقال (٣): يروى بالجيم حكاه الخطابي، قال: يروى بالحاء والجيم، وبالحاء أشهر، والجيم مأخوذ من جددت الشيء إذا قطعته، فكأن المرأة انقطعت عن الزينة، انتهى.
قوله: (وقال الزهري: لا أرى أن تقرب الصبية. . .) إلخ، وفي هامش النسخة "الهندية" (٤) عن الكرماني: اختلفوا في الصغيرة التي مات عنها زوجها فقال أبو حنيفة: لا إحداد عليها، وقال الأئمة الثلاثة: عليها الإحداد يأمرها به من يتولاها، انتهى.
стр. 2971
وهكذا حكى العيني عن الكرماني.
وكتب الشيخ قُدِّس سرُّه في "اللامع" (١): قوله: "لا أرى أن تقرب الصبية. . ." إلخ، يعني بذلك: أنها وإن لم تكن مكلَّفة بذلك إلا أن الأولياء ليس لهم التلبس بما يحرم على المعتدة، فلا يجوز لهم إلباسها مزعفرًا ولا معصفرًا وغير ذلك مما نهي عنه، فإن لبست هي بنفسها أو تطيبت كانت غير مأخوذة، وعلى هذا التقرير لا يخالف مذهبه مذهب الأحناف، انتهى.
وفي هامشه: قال الحافظ: قوله: "لأن عليها العدة" أظنه من تصرف المصنف، فإن أثر الزهري وصله ابن وهب في "موطئه" عن يونس عنه بدونها، انتهى.
(٤٧ - باب الكحل للحادة)
قال ابن التِّين: الصواب الحادّ بلا هاء؛ لأنه نعت للمؤنث كطالق وحائض، ثم رد الحافظ عليه بأنه جائز، وليس بخطأ، ثم ردّ العيني على الحافظ ثم أجاب عنه القسطلاني فارجع إليه (٢).
ومسألة الباب خلافية، قال الموفق (٣): يحرم عليها أن تختضب وأن تكتحل بالإثمد من غير ضرورة لرواية أم سلمة وغيرها؛ ولأن الكحل من أبلغ الزينة وتحرك الشهوة فهي كالطيب وأبلغ منه، وإن اضطرت إلى الكحل بالإثمد للتداوي فلها أن تكتحل ليلًا وتمسحه نهارًا، ورخص فيه عند الضرورة عطاء والنخعي ومالك وأصحاب الرأي وإنما منع من الكحل
стр. 2972
بالإثمد لأنه الذي تحصل به الزينة، فأما الكحل بالتوتيا (١) ونحوه فلا بأس به لأنه لا زينة فيه، انتهى مختصرًا.
وقال النووي (٢): في حديث الباب دليل على تحريم الاكتحال على الحادة سواء احتاجت إليه أم لا، وجاء في حديث أم سلمة في "الموطأ" وغيره: "اجعليه بالليل وامسحيه بالنهار" ووجه الجمع أنها إذا لم تحتج إليه لا يحل، وإذا احتاجت لم يجز بالنهار ويجوز بالليل، انتهى مختصرًا.
وقال مالك في رواية عنه بمنعه مطلقًا، وعنه: يجوز إذا خافت على عينها بما لا طيب فيه، وبه قالت الشافعية مقيدًا بالليل، كذا في "الفتح"، قال الباجي: قال ابن المواز عن مالك: إن اكتحلت من علة وضرورة بالصبر بالليل فلتمسحه بالنهار، وقال مالك في "المختصر الصغير": لا تكتحل الحاد إلا أن تضطر فتكتحل بالليل وتمسحه بالنهار، انتهى مختصرًا من "الأوجز" (٣).
وفي "الدر المختار" (٤): وتحد بترك الكحل والحناء ولبس المعصفر والمزعفر إلا بعذر، إذ الضرورات تبيح المحظورات، قال ابن عابدين: وقيد بعض الشافعية الاكتحال للعذر بكونه ليلًا ثم تنزعه نهارًا، كما وردت في الحديث، ولم أر من قيد بذلك من علمائنا، وكأنه معلوم من قاعدة: إن الضرورة تتقدر بقدرها، لكن إن كفاها الليل أو النهار اقتصرت على الليل ولا تعكس؛ لأن الليل أخفى لزينة الكحل، وهو محمل الحديث، والله سبحانه أعلم، انتهى.
стр. 2973
(٤٨ - باب القُسْطِ للحادة عند الطهر)
قال العيني (١): أي: هذا باب في بيان استعمال القسط للمرأة الحادة عند طهرها من الحيض إذا كانت ممن تحيض، والقسط بضم القاف وسكون السين: وهو عود يتبخر به، وقال ابن الأثير: القسط: ضرب من العود، ثم قال العيني تحت حديث الباب: مطابقته للترجمة في قوله: "من كست" لأنه القسط فأبدلت الكاف من القاف والتاء من الطاء، وقد مر بيانه مستقصى في كتاب الحيض في "باب الطيب للمرأة عند غسلها من الحيض" فإنه أخرج هذا الحديث هناك بعين هذا الإسناد والمتن.
وقال النووي: القسط والأظفار: نوعان معروفان من البخور، وليسا من مقصود الطيب، ورخص فيهما لإزالة الرائحة لا للتطيب، انتهى.
(٤٩ - باب تلبس الحادّة ثياب العصب)
بفتح العين وسكون الصاد المهملتين وبالباء الموحدة: وهو برود اليمن يعصب غزلها، أي: يجمع ويشد ثم يصبغ وينسج، فيأتي موشيًا لبقاء ما عصب منه أبيض لم يأخذه صبغ، يقال: برد عصب وبرود عصب بالتنوين والإضافة، وقيل: هي برود مخططة، قال ابن الأثير: فيكون نهي المعتدة عما صبغ بعد النسج، انتهى من كلام العيني (٢).
وقال الحافظ (٣): قوله: "إلا ثوب عصب" وهي برود اليمن يعصب غزلها، أي: يربط ثم يصبغ ثم ينسج معصوبًا وإنما يعصب السدي دون اللحمة، ثم ذكر أقوالًا أخر في تفسيره، وقال أيضًا: قال ابن المنذر: أجمع العلماء على أنه لا يجوز للحادة لبس الثياب المعصفر ولا المصبغ إلا ما صبغ بسواد فرخص فيه مالك والشافعي لكونه لا يتخذ للزينة بل هو من لباس الحزن، وكره عروة العصب، وكره مالك غليظه.
стр. 2974
قال النووي: الأصح عند أصحابنا تحريمه مطلقًا، وهذا الحديث حجة لمن أجازه، وقال ابن دقيق العيد: يفهم من مفهوم الحديث جواز ما ليس بمصبوغ وهي ثياب البيض، ومنع بعض المالكية المرتفع منها الذي يتزين به، وكذلك الأسود إذا كان مما يتزين به.
قال النووي: ورخص أصحابنا فيما لا يتزين به ولو كان مصبوغًا، انتهى.
والحاصل أنها لا تلبس العصب عند الحنفية مطلقًا وهو الأصح عند الشافعي كما قال النووي، وقوله الآخر: إنه يجوز مطلقًا، وأجاز الإمام مالك غليظه دون رقيقه كما صرَّح بذلك في "موطئه"، وعن أحمد فيه روايتان: إحداهما - وهو الأصح - أنه يحرم، قال الموفق (١): وما صبغ غزله ثم نسج فيه احتمالان: إحداهما: يحرم لبسه لأنه أرفع وأحسن ولأنه مصبوغ للحسن فأشبه ما صجغ بعد نسجه، والثاني: لا يحرم لقوله ﷺ : "إلا ثوب عصب" وهو ما صبغ غزله قبل نسجه، والأول أصح، انتهى.
(٥٠ - باب ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ﴾ الآية [البقرة: ٢٣٤])
قد تقدم تبويب المصنف بهذه الترجمة في كتاب التفسير في تفسير سورة البقرة، وتقدم هناك الكلام على المسألة وبيان مسلك الجمهور ومذهب ابن عباس وعطاء ومجاهد في تلك المسألة بالبسط فارجع إليه لو شئت.
(٥١ - باب مهر البغي والنكاح الفاسد)
البغي بكسر المعجمة وتشديد التحتانية بوزن فعيل من البغاء وهو الزنا، يستوي فيه المذكر والمؤنث، والتقدير: ومهر من نكحت في النكاح
стр. 2975
الفاسد، أتي: بشبهة من إخلال شرط أو نحو ذلك، انتهى (١).
وقال العيني (٢): قوله: "والنكاح الفاسد" وأنواعه كثيرة كالنكاح بلا، شهود، وبلا ولي عند البعض، ونكاح المعتدة، والنكاح الموقت، والشغار عند البعض ونحوها.
قوله: (وقال الحسن: إذا تزوج محرمة. . .) إلخ، بضم الميم وتشديد الراء: امرأة محرمة عليه، وفي رواية المستملي "محرمه" بفتح الميم وسكون الحاء وفتح الراء والميم وبالضمير، وقوله: "ولها ما أخذت" أي: من الرجل يعني صداقها المسمى، "وليس لها غيره" وهو قول مالك المشهور، قوله: "ثم قال" أي: الحسن "بعد" أي: بعد أن قال: وليس له غيره "لها صداقها" يعني صداق مثلها، وسائر الفقهاء على هذين القولين فطائفة تقول بصداق المثل، وطائفة تقول بالمسمى، وأما من تزوج محرمة وهو عالم بالتحريم فقال مالك وأبو يوسف ومحمد والشافعي: عليه الحد ولا صداق في ذلك، وقال الثوري وأبو حنيفة: لا حد عليه وإن علم يعزر، انتهى.
(٥٢ - باب المهر للمدخول عليها وكيف الدخول) [¬*]
قال العيني (٣): عطف على ما قبله، أي: وفي بيان كيفية الدخول، يعني: بم يثبت بين العلماء؟ فقالت طائفة: إذا أغلق بابًا وأرخى سترًا على المرأة فقد وجب الصداق كاملًا والعدة، وهو قول الكوفيين والليث والأوزاعي وأحمد، وقالت طائفة: لا يجب المهر إلا بالمسيس، أي: الجماع، وإليه ذهب الشافعي وأبو ثور، وقال ابن المسيب: إذا دخل بالمرأة في بيتها صدق عليها، وإن دخلت عليه في بيته صدقت عليه وهو قول مالك.
قوله: (أو طلقها قبل الدخول والمسيس) قال ابن بطال: تقديره:
стр. 2976
أو كيف طلاقها؟ فاكتفى بذكر الفعل عن ذكر المصدر لدلالته عليه، انتهى.
وإنما ذكر اللفظين أعني الدخول والمسيس إشارة إلى المذهبين: الاكتفاء بالخلوة، والاحتياج إلى الجماع إنتهى كله من "العيني".
وقال الحافظ (١) في بيان مسألة الباب: قال الكوفيون: الخلوة الصحيحة يجب معها المهر كاملًا سواء وطء أم لم يطأ، إلا إن كان أحدهما مريضًا أو صائمًا أو محرمًا أو كانت حائضًا فلها النصف وعليها العدة كاملًا، وذهب الشافعي وطائفة إلى أن المهر لا يجب كاملًا إلا بالجماع، انتهى.
(٥٣ - باب المتعة للتي لم يفرض لها)
قال الحافظ (٢): وتقييده في الترجمة بالتي لم يفرض لها قد استدل له بقوله في الآية: ﴿أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ الآية [البقرة: ٢٣٦] وهو مصير منه إلى أن "أو" للتنويع، فنفى الجناح عمن طلقت قبل المسيس فلا متعة لها لأنها نقصت عن المسمى فكيف يثبت لها قدر زائد عمن فرض لها قدر معلوم مع وجود المسيس، وهذا أحد قولي العلماء وأحد قولي الشافعي أيضًا، وعن أبي حنيفة: تختص المتعة بمن طلقها قبل الدخول ولم يسم لها صداقًا، وقال الليث: لا تجب المتعة أصلًا وبه قال مالك، وذهبت طائفة من السلف إلى أن لكل مطلقة متعة من غير استثناء، وعن الشافعي مثله، وهو الراجح، وكذا تجب في كل فرقة إلا في فرقة وقعت بسبب منها، انتهى.
وقال العيني (٣): قوله: "لقوله تعالى: ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ٢٣٦]. . ." إلخ، استدل البخاري بهذه الآية على وجوب المتعة لكل مطلقة مطلقًا وهو قول سعيد بن جبير وغيره واختاره ابن جرير، وقوله:
стр. 2977
" ﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ٢٤١]. . ." إلخ، أي: ولقوله تعالى: ﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ﴾ الآية، واستدل البخاري أيضًا بعموم هذه الآية في وجوب المتعة لكل مطلقة مطلقًا، انتهى.
قلت: وأجاب الجصاص (١) عن الجمهور بقوله: فإن قيل: قوله تعالى: ﴿وَلِلْمُطَلَّقَات مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ﴾ الآية، عام في سائرهن إلا ما خصه الدليل، قيل له: هو كذلك إلا أن المتاع اسم لجميع ما ينتفع به؛ قال الله تعالى: ﴿وَفَاكِهَةً وَأَبًّا (٣١) مَتَاعًا لَكُمْ﴾ [عبس: ٣١، ٣٢] وقال تعالى: ﴿مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ﴾ [آل عمران: ١٩٧] وغير ذلك من الآيات، فالمتعة والمتاع اسم يقع على جميع ما ينتفع به ونحن متى أوجبنا للمطلقات شيئًا مما ينتفع به من مهر أو نفقة فقد قضينا عهدة الآية، إلى آخر ما ذكر.
ثم لم أتحصل ما قاله العيني من أن البخاري قائل بالعموم والحال أن المصنف قيد في الترجمة بقوله: للتي لم يفرض لها، فتأمل.
ثم المذكور في الآية شيئان: أحدهما: عدم المسيس وهو واضح، والثاني: تسمية المهر بقوله: ﴿تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ [البقرة: ٢٣٦] ولم يتعرض المصنف في الترجمة للأول منهما، وتعرض للثاني بقوله: للتي لم يفرض لها، والظاهر أن المصنف أشار بذلك إلى أن الشيء الثاني منهما داخل تحت النفي، واختلف فيه أقوال المفسرين كما في "الجمل" وغيره، قال أبو بكر الجصاص في "أحكام القرآن" (٢) في تفسير هذه الآية: تقديره: ما لم تمسوهن ولم تفرضوا لهن فريضة، ألا ترى أنه عطف عليه قوله: ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ [البقرة: ٢٣٧] فلو كان الأول بمعنى: ما لم تمسوهن وقد فرضتم لهن فريضة أو لم تفرضوا، لَمَا عطف عليها المفروض لها، فدل ذلك على أن معناه: ما لم تمسوهن ولم تفرضوا لهن فريضة، ثم ذكر تفصيل الخلاف في المسألة.
стр. 2978
وقال أيضًا: وأما فقهاء الأمصار فإن أبا حنيفة وأبا يوسف ومحمدًا قالوا: المتعة واجبة للتي طلقها قبل الدخول ولم يسم لها مهرًا، وقال ابن أبي ليلى وأبو الزناد: المتعة ليست واجبة إن شاء فعل وإن شاء لم يفعل ولا يجبر عليها، ولم يفرقا بين المدخول بها وبين غير المدخول بها، وبين من سمى لها وبين من لم يسم لها، وهكذا ذكر مذهب مالك وقال في مذهب مالك أنه قال: وإنما هي مما ينبغي أن يفعله فلا يجبر عليها، وقال الشافعي: المتعة واجبة لكل مطلقة ولكل زوجة إذا كان الفراق من قبله إلا التي سمى لها وطلق قبل الدخول، انتهى مختصرًا.
قوله: (ولم يذكر في الملاعنة متعة) قال الحافظ (١): قد تقدمت أحاديث اللعان مستوفاة الطرق، وليس في شيء منها للمتعة ذكر، فكأنه تمسك في ترك المتعة للملاعنة بالعدم، انتهى.
ولم يذكر الحافظ ولا العلامة العيني ولا القسطلاني اختلاف الأئمة فيه، نعم قال الجصاص (٢): قال مالك: وليس للملاعنة متعة على حال من الحالات، ولم يذكر فيه خلاف غيره من الأئمة، وأما عندنا الحنفية فاللعان لا ينافي وجوب المتعة لأن اللعان في حكم التطليقة البائنة وضابطة وجوب المتعة عندنا ما في "البدائع" (٣) إذ قال: الطلاق الذي تجب فيه المتعة نوعان: أحدهما: أن يكون قبل الدخول في نكاح لا تسمية فيه ولا فرض بعده، والثاني: أن يكون قبل الدخول في نكاح لم يسم فيه المهر وإنما فرض بعده، وقال أيضًا بحثًا على مسائل المتعة: وكذا الفرقة بالإيلاء واللعان والجب والعنة، فكل فرقة جاءت من قبل الزوج قبل الدخول في نكاح لا تسمية فيه فتوجب المتعة، إلى آخر ما ذكر.
وفي "الدر المختار" (٤): وتجب متعة لمفوضة وهي من زوّجت بلا مهر
стр. 2979
طلقت قبل الوطء، قال ابن عابدين: قوله: طلقت قبل الوطء، أي: والخلوة، وقد مرَّ أنها وطء حكمًا، والمراد بالطلاق فرقة جاءت من قبل الزوج ولم يشاركه صاحب المهر في سببها طلاقًا كانت أو فسخًا كالطلاق والفرقة بالإيلاء واللعان والجب والعنة والردة وإبائه الإسلام، إلى آخر ما ذكر.
وفي "الأنوار" في فروع الشافعية في بيان من تجب لها المتعة: وكل فراق يحصل في الحياة من جهته لا بسبب من جهتها كالطلاق، وكل فراق منها أو بسببها فلا متعة لها وإن لم يجب لها مهر، انتهى.
لكن لم أجد فيه تصريح اللعان ثم وجدت في "شرح الإقناع" (١) حيث قال: وفرقة لا بسببها بأن كانت من الزوج كردته ولعانه كطلاق في إيجاب المتعة، انتهى.
وأما مذهب الحنابلة كمذهب مالك أنه لا متعة لها، ففي "نيل المآرب" (٢): ويسقط الصداق كله قبل الدخول حتى المتعة بفرقة اللعان قبل تقريره لكون الفرقة من قبلها؛ لأن الفسخ إنما يقع إذا تم لعانها، إلى آخر ما ذكر.
فالحاصل: أنهم اختلفوا في وجوب المتعة للملاعنة فعندنا الحنفية والشافعية: الملاعنة كالمطلقة فتجب فيما تجب للمطلقة، وعند المالكية والحنابلة: لا متعه لها.
ثم البراعة في قوله: "أبعد لك منها" عند الحافظ، وأما عندي ففي قوله: "حسابكما على الله".
* * *
стр. 2980
٦٩ - كتاب النفقات
قال العلامة القسطلاني (١): جمع نفقة، مشتقة من النفوق وهو الهلاك، يقال: نفقت الدابة تنفق نفوقًا: هلكت، وأنفق الرجل افتقر وذهب ماله، أو من النفاق وهو الرواج، يقال: نفقت السلعة نفاقًا راجت، وفي الشرع: عبارة عما وجب لزوجة أو قريب أو مملوك، وجمعها لاختلاف أنواعها من نفقة زوج وقريب ومملوك، انتهى مختصرًا.
وسيأتي الكلام على وجوب النفقة في باب مستقل.
(١ - باب فضل النفقة على الأهل)
وقع في النسخ الهندية هكذا، واختلفت النسخ ههنا كما ذكره الشرَّاح، وفي نسخ الشروح الثلاثة "كتاب النفقات، وفضل النفقة على الأهل".
قال القسطلاني (٢) في شرح حديث الباب: قوله: "كانت له صدقة" أي: كالصدقة في الثواب وإلا لحرمت على الهامشي والمطلبي، والصارف له عن الحقيقة الإجماع، وإطلاق الصدقة على النفقة مجاز، والمراد بها الثواب، فالتشبيه واقع على أصل الثواب لا في الكمية ولا في الكيفية، إلى آخر ما بسط.
وقال الحافظ (٣): قال الطبري ما ملخصه: الإنفاق على الأهل واجب، والذي يعطيه يؤجر على ذلك بحسب قصده، ولا منافاة بين كونها واجبة وبين تسميتها صدقة بل هي أفضل من صدقة التطوع، انتهى.
стр. 2981
(٢ - باب وجوب النفقة على الأهل والعيال)
قال القسطلاني (١): الأهل الزوجة، وقوله: "والعيال" من عطف العام على الخاص، وعيال الرجل من يقوم بهم وينفق عليهم، وبدأ بالزوجة لأنها أقوى لوجوبها بالمعاوضة وغيرها بالمواساة؛ ولأنها لا تسقط بمضي الزمان والعجز بخلاف غيرها، ولوجوبها سببان: نسب وملك، يجب بالنسب خمس نفقات: نفقة الأب الحر وآبائه وأمهاته، ونفقة الأم الحرة وآبائها وأمهاتها، ونفقة الأولاد الأحرار وأولادهم بشرط يسار المنفق بفاضل عن قوته وقوت زوجته وخادمها وخادمه وولده يومه وليلته، ويعتبر مع القوت الكسوة والسكنى، ويجب بالملك خمس أيضًا، إلى آخر ما بسط.
وقال الحافظ (٢): الظاهر أن المراد بالأهل في الترجمة الزوجة وعطف العيال عليها من العام بعد الخاص، أو المراد بالأهل الزوجة والأقارب والمراد بالعيال الزوجة والخدم، فتكون الزوجة ذكرت مرتين تأكيدًا لحقها، ووجوب نفقة الزوجة دليله الإجماع، قال المهلب: النفقة على الأهل واجبة بالإجماع، ودليله من السُّنَّة حديث جابر عند مسلم "ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف" ومن جهة المعنى أنها محبوسة عن التكسب لحق الزوج وانعقد الإجماع على الوجوب، لكن اختلفوا في تقديرها فذهب الجمهور إلى أنها بالكفاية، والشافعية وطائفة إلى أنها بالأمداد، ووافق الجمهورَ من الشافعية أصحابُ الحديث كابن خزيمة وابن المنذر ومن غيرهم أبو الفضل بن عبدان، إلى آخر ما بسط، انتهى مختصرًا ملتقطًا.
(٣ - باب حبس الرجل قوت سنة على أهله وكيف نفقات العيال)
قال الحافظ (٣): ذكر فيه حديث عمر وهو مطابق لركن الترجمة
стр. 2982
الأول، وأما الركن الثاني وهو كيفية النفقة على العيال فلم يظهر لي أولًا وجه أخذه من الحديث، ولا رأيت من تعرض له، ثم رأيت أنه يمكن أن يؤخذ منه دليل التقدير لأن مقدار نفقة السَّنَة إذا عرف عرف منه توزيعها على أيام السَّنَة، فيعرف حصة كل يوم من ذلك فكأنه قال: لكل واحدة في كل يوم قدر معين من النخل المذكور، والأصل في الإطلاق التسوية، انتهى.
وسيأتي في كتاب الأطعمة "باب ما كان السلف يدخرون. . ." إلخ، ولا يتوهم التكرار لاختلاف الأغراض، فالأوجه عند هذا العبد الضعيف أن الغرض من هذا الباب بيان ندب نفقة العيال لسنة لكونه فعله ﷺ ومداومة عليه، والغرض من الباب الآتي الردّ على من زعم من الصوفية أنه لا يجوز ادخار طعام لغد، وأنه ينافي التوكل، وما ورد في الترمذي من حديث أنس من أنه ﷺ كان لا يدخر شيئًا لغد لا ينافي الجواز، أو مخصوص بذاته الشريفة فإنه ﷺ كان يذكر شيئًا من التبر في الصلاة فيتخطى الناس حتى يأمر بقسمته، كما ورد في مواضع من البخاري، وهذا هو الجدير بشأنه الرفيع ﷺ كما هو أهله، انتهى من هامش "اللامع" (١).
وقال الحافظ (٢): قال ابن دقيق العيد: في الحديث جواز الادخار للأهل قوت سنة، وفي السياق ما يؤخذ منه الجمع بينه وبين حديث: "كان لا يدخر شيئًا لغد" فيحمل على الادخار لنفسه، وحديث الباب على الادخار لغيره، إلى آخر ما ذكر.
(٤ - باب قوله: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٣])
كذا في النسخ الهندية و"العيني" و"القسطلاني"، وأما في نسخة "الفتح" فهذا الباب متأخر عن الباب الآتي.
قال العيني (٣): وهذه الترجمة وقعت في رواية النسفي بعد الباب الذي
стр. 2983
يليه قوله: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ﴾ خبر ومعناه أمر لما فيه من الإلزام، أي: لترضع الوالدات أولادهن، يعني: الأولاد من أزواجهن وهن أحق، وليس ذلك بإيجاب إذا كان المولود له حيًّا موسرًا في قوله تعالى في سورة النساء القصرى: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٦] وأكثر المفسرين على أن المراد بالوالدات هنا المبتوتات فقط، وقام الإجماع على أن أجر الرضاع على الزوج إذا خرجت المطلقة من العدة، واختلفوا في ذات الزوج هل تجبر على رضاع ولدها؟ قال ابن أبي ليلى: نعم ما كانت امرأته، وهو قول مالك وأبي ثور، وقال الثوري والكوفيون والشافعي: لا يلزمها رضاعه وهو على الزوج على كل حال، وقال ابن القاسم: تجبر على رضاعه إلا أن يكون مثلها لا ترضع، فذلك على الزوج.
قوله: (﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا﴾ [الأحقاف: ١٥]) ذكر هذه الآية الكريمة إشارة إلى قدر المدة التي يجب فيها الرضاع، قوله: "وقال ﴿وَإِنْ تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى﴾ [الطلاق: ٦]. . ." إلخ، أشار بهذه الآية الكريمة إلى مقدار الإنفاق وأنه بالنظر لحال المنفق، انتهى من "العيني".
وقال العلامة القسطلاني (١): قوله: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ﴾ وهذا الأمر على وجه الندب، أو على وجه الوجوب إذا لم يقبل الصبي إلا ثدي أمه، أو لم يوجد له ظئر، أو كان الأب عاجزًا عن الاستئجار، أو أراد الوالدات المطلقات، وإيجاب النفقة أو الكسوة لأجل الرضاع، قوله: "قال: ﴿وَإِنْ تَعَاسَرْتُمْ﴾ " أي: تضايقتم فلم ترض الأم بما ترضع به الأجنبية ولم يزد الأب على ذلك ﴿فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى﴾ فستؤجر ولا تعوز مرضعة غير الأم ترضعه، وفيه طرف من معاتبة الأم على المعاسرة، وقوله: " ﴿لَهُ﴾ " أي: للأب، أي: سيجد الأب غير معاسرة ترضع له ولده إن عاسرته أمه، وفيه أنه لا يجب على الأم إرضاع ولدها، نعم عليها إرضاعه اللبأ - بالهمزة والقصر -
стр. 2984
بأجرة وبدونها لأنه لا يعيش غالبًا إلا به وهو اللبن أول الولادة، وله إجبار أمته على إرضاع ولدها منه أو من غيره لأن لبنها ومنافعها له بخلاف الحرة، انتهى.
وقال الحافظ (١) في شرح ترجمة الباب: قيل: دلت الآية الأولى على إيجاب الإنفاق على المرضعة من أجل إرضاعها الولد سواء كان في العصمة أم لا؟ وفي الثانية الإشارة إلى قدر المدة التي يجب ذلك فيها، وفي الثالثة الإشارة إلى مقدار الإنفاق وأنه بالنظر لحال المنفق، وفيها أيضًا الإشارة إلى أن الإرضاع لا يتحتم على الأم، انتهى.
(٥ - باب نفقة المرأة إذا غاب عنها زوجها)
قال القسطلاني (٢): إذا غاب الزوج الموسر عن زوجته فليس لها فسخ النكاح لتمكنها من تحصيل حقها بالحاكم، فيبعث قاضي بلدها إلى قاضي بلده فيلزمه بدفع نفقتها إن علم موضعه، واختار القاضي الطبري وابن الصباغ جواز الفسخ لها إذا تعذر تحصيلها في غيبته للضرورة، ولو انقطع خبره ثبت لها الفسخ لأنّ تعذر النفقة بانقطاع خبره كتعذرها بالإفلاس، نقله الزركشي عن صاحبي "المهذب" و"الكافي" وأقره، وأما نفقة الولد فتجب بشرط الحاجة والأصح عند الشافعية اعتبار الصغر أو الزمانة، انتهى.
وقال العيني (٣) بعد الحديث الأول من حديثي الباب: مطابقته للترجمة ظاهرة في نفقة الولد فقط لأن أبا سفيان كان حاضرًا في المدينة، وقال بعد الحديث الثاني: قيل: لا وجه لإيراد هذا الحديث في هذا الباب فلا مطابقة بينه وبين الترجمة، وأجيب بأنه كما كان للمرأة أن تتصدق من مال زوجها من غير أمره بما تعلم أنه يسمح لمثله وهو غير واجب كان لها أن تأخذ من ماله بما يجب عليه بالطريق الأولى، وهذا هو الجامع بين الحديثين، وهذا القدر كاف في المطابقة، انتهى.
стр. 2985
(٦ - باب عمل المرأة في بيت زوجها)
الظاهر عندي أن المصنف أشار بالترجمة إلى مسألة خلافية شهيرة، وهي استخدام المرأة، قال ابن رسلان في شرح حديث عائشة: "كان نبي الله ﷺ يعطيني السواك لأغسله": قد يستدل به على أن على الزوجة خدمة زوجها لا سيما إذا طلب منها، واختلف العلماء فيه فمذهب الشافعي: ليس عليها الخدمة لأن العقد يتناول الاستمتاع لا الخدمة، وقال بعض المالكية: عليها خدمة مثلها: إن كانت شريفة المحل فعليها التدبير للمنزل، وإن كانت متوسطة فعليها أن تفرش الفراش وتناول الشراب، وإن كانت دون ذلك فعليها التكنس والتطبخ، قال تعالى: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ٢٢٨] انتهى.
قال الموفق: وليس على المرأة خدمة زوجها من العجن والخبز والطبخ وأشباهه، نص عليه أحمد، وقال أبو بكر بن أبي شيبة وأبو إسحاق الجوزجاني: عليها ذلك، واحتجا بقصة علي وفاطمة، انتهى مختصرًا.
وفي "الدر المختار": امتنعت المرأة من الطحن والخبز إن كانت ممن لا تخدم، أو كان بها علة فعليه أن يأتيها بطعام مهيأ، وإن لا بأن كانت ممن تخدم نفسها وتقدر على ذلك لا يجب عليه ولا يجوز لها أخذ الأجرة على ذلك لوجوبه عليها ديانة ولو شريفة؛ لأنه ﷺ قسم الأعمال بين علي وفاطمة فجعل أعمال الخارج على علي والداخل على فاطمة ﵄ مع أنها سيدة نساء العالمين، قال ابن عابدين: قال السرخسي: لا تجبر ولكن إذا لم تطبخ لا يعطيها الإدام وهو الصحيح، انتهى (١).
(٧ - باب خادم المرأة)
أي: هل يشرع ويلزم الزوج إخدامها؟ ذكر فيه حديث علي المذكور في الباب الذي قبله، وسياقه أخصر منه، قاله الحافظ (٢)، ثم قال:
стр. 2986
وحكى ابن حبيب عن أصبغ وابن الماجشون عن مالك أن خدمة البيت تلزم المرأة ولو كانت الزوجة ذات قدر وشرف إذا كان الزوج معسرًا، قال: ولذلك ألزم النبي ﷺ فاطمة بالخدمة الباطنة، وعليًّا بالخدمة الظاهرة، وحكى ابن بطال أن بعض الشيوخ قال: لا نعلم في شيء من الآثار أن النبي ﷺ قضى على فاطمة بالخدمة بالباطنة وإنما جرى الأمر بينهم على ما تعارفوه من حسن العشرة وجميل الأخلاق، بل الإجماع منعقد على أن على الزوج مؤنة الزوجة كلها، ونقل الطحاوي الإجماع على أن الزوج ليس له إخراج خادم المرأة من بيته، فدل على أنه يلزمه نفقة الخادم على حسب الحاجة إليه، وقال الشافعي والكوفيون: يفرض لها ولخادمها النفقة إذا كانت ممن تخدم، وشذ أهل الظاهر فقالوا: ليس على الزوج أن يخدمها ولو كانت بنت الخليفة، انتهى مختصرًا.
(٨ - باب خدمة الرّجل في أهله)
حمل العلامة القسطلاني (١) هذه الترجمة على بيان الجواز، ولذا قدّر لفظ الجواز فقال: باب جواز خدمة الرجل بنفسه، ولم يتعرض لذلك الحافظان، نعم قال العيني (٢) في ذكر فوائد الحديث: وفيه أن خدمة الدار وأهله سُنَّة عباد الله الصالحين، انتهى.
وهذا يومئ إلى الاستحباب، وهو الظاهر عند هذا العبد الضعيف.
(٩ - باب إذا لم ينفق الرجل فللمرأة أن تأخذ. . .) إلخ
أي: مع حضور الزوج، فلا تكرار بما تقدم من "باب نفقة المرأة إذا غاب عنها زوجها" أو يقال: إن الغرض من الترجمة الأولى بيان
стр. 2987
وجوب النفقة مطلقًا سواء كان الزوج حاضرًا أو غائبًا، والغرض من هذه الترجمة أن الزوج إذا لم يعطيها النفقة فماذا تفعل، هل تأخذ بغير إذنه أم لا؟
قال الحافظ (١): أخذ المصنف هذه الترجمة من حديث الباب بطريق الأولى؛ لأنه دل على جواز الأخذ لتكملة النفقة، وكذا يدل على جواز أخذ جميع النفقة عند الامتناع، ثم ذكر الحافظ فوائد عديدة في شرح الحديث فقال: وفيه وجوب نفقة الزوجة، وأنا مقدرة بالكفاية، ثم ذكر الخلاف فيه، وقد تقدم في باب وجوب النفقة على الأهل والعيال، ثم قال: وفيه اعتبار النفقة بحال الزوجة، وهو قول الحنفية، واختار الخصاف منهم أنها معتبرة بحال الزوجين معًا، قال صاحب "الهداية": وعليه الفتوى، والحجة فيه ضم قوله تعالى: ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ﴾ الآية [الطلاق: ٧] إلى هذا الحديث، وذهبت الشافعية إلى اعتبار حال الزوج تمسكًا بالآية، وهو قول بعض الحنفية، واستدل به على أن من له عند غيره حق وهو عاجز عن استيفائه جاز له أن يأخذ من ماله قدر حقه بغير إذنه، وهو قول الشافعي وجماعة، وتسمى مسألة الظفر، والراجح عندهم لا يأخذ غير جنس حقه إلا إذا تعذر حق جنسه، وعن أبي حنيفة المنع، وعنه يأخذ جنس حقه ولا يأخذ من غير جنس حقه إلا أحد النقدين بدل الآخر.
وعن مالك ثلاث روايات كهذه الآراء، وعن أحمد المنع مطلقًا، انتهى.
وقد تقدمت هذه المسألة في أبواب المظالم والقصاص فإنه قد ترجم المصنف هناك على حديث الباب بقوله: قصاص المظلوم إذا وجد مال ظالمه، فارجع إليه لو شئت.
стр. 2988
(١٠ - باب حفظ المرأة زوجها في ذات يده والنفقة عليه)
المراد بذات اليد المال وعطف النفقة عليه من عطف الخاص على العام، ووقع في شرح ابن بطال "والنفقة عليه" وزيادة لفظ عليه غير محتاج إليها في هذا الموضع، وليست من حديث الباب في شيء، انتهى من "الفتح" (١).
(١١ - باب كسوة المرأة بالمعروف)
هذه الترجمة لفظ حديث أخرجه مسلم من حديث جابر المطول في صفة الحج، ومن جملته في خطبة النبي ﷺ بعرفة: "اتقوا الله في النساء، ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف" ولما لم يكن على شرط البخاري أشار إليه، واستنبط الحكم من حديث آخر على شرطه، قال ابن المنيِّر: وجه مطابقة الحديث أن الذي حصل لزوجته فاطمة ﵂ من الحلة قطعة فرضيت بها اقتصادًا بحسب الحال لا إسرافًا، وأما حكم المسألة فقال ابن بطال: أجمع العلماء على أن للمرأة مع النفقة على الزوج كسوتها وجوبًا، انتهى من "الفتح" (٢).
(١٢ - باب عون المرأة زوجها في ولده)
كأنه استنبط قيام المرأة على ولد زوجها من قيام امرأة جابر على أخواته، ووجه ذلك منه بطريق الأولى قال ابن بطال: وعون المرأة زوجها في ولده ليس بواجب عليها وإنما هو من جميل العشرة ومن شيمة صالحات النساء، انتهى من "الفتح" (٣).
стр. 2989
(١٣ - باب نفقة المعسر على أهله)
قال الحافظ (١) ﵀ بعد ذكر استنباط الترجمة عن ابن بطال: والذي يظهر أن الأخذ من جهة اهتمام الرجل بنفقة أهله حيث قال لما قيل له: تصدق به، فقال: أعلى أفقر منا؟ فلولا اهتمامه بنفقة أهله لبادر وتصدق، انتهى.
قلت: أراد الإمام البخاري بالترجمة أن إعسار الزوج لا يسقط عنه النفقة على أهله.
(١٤ - باب ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾ [البقرة: ٢٣٣])
قال ابن بطال ما ملخصه: اختلف السلف في المراد بقوله: ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾ فقال ابن عباس: عليه أن لا يضار، وبه قال الشعبي ومجاهد، والجمهور قالوا: ولا غرم على أحد من الورثة ولا يلزمه نفقة ولد الموروث، وقال آخرون: على من يرث الأب مثل ما كان على الأب من أجر الرضاع إذا كان الولد لا مال له، ثم اختلفوا في المراد بالوارث فقال الحسن والنخعي: هو كل من يرث الأب من الرجال والنساء، وهو قول أحمد وإسحاق، وقال أبو حنيفة وأصحابه: هو من كان ذا رحم محرم للمولود دون غيره، وقال زيد بن ثابت: إذا خلف أمًّا وعمًّا فعلى كل منهما إرضاع الولد بقدر ما يرث، وبه قال الثوري، قال ابن بطال: وإلى هذا القول أشار البخاري بقوله: "وهل على المرأة منه شيء" ثم أشار إلى رده بقوله تعالى: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ﴾ [النحل: ٧٦] فنزل المرأة من الوارث منزلة الأبكم من المتكلم، انتهى مختصرًا من "الفتح" (٢).
وقال الكرماني (٣): قال شارح التراجم: مقصود البخاري الرد على
стр. 2990
من أوجب النفقة الإرضاع على الأم بعد الأب، وذلك لأن الأم كل على الأب ومن تجب النفقة له كيف تجب عليه لغيره، وحمل حديث أم سلمة على التطوع لقوله: "لك أجر" وحديث هند إذا أباح لها أخذها من ماله دلّ عليه سقوطها عنه فكذلك بعد وفاته، قال: وفي استدلاله نظر، إلى آخر ما بسطه، انتهى مختصرًا من هامش "اللامع" (١).
وقال القسطلاني (٢): قوله: ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ﴾ عطف على قوله: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٣] أي: وعلى وارث الصبي عند عدم الأب مثل الذي كان على أبيه في حياته من الرزق والكسوة وأجر الرضاع إذا كان الولد لا مال له، واختلف في الوارث فعند ابن أبي ليلى: كل من ورثه، وهو قول أحمد، وعند الحنفية: من كان ذا رحم محرم منه، وقال الجمهور: لا غرم على أحد من الورثة ولا يلزمه نفقة ولد الموروث، وقال زيد بن ثابت: إذا خلف أمًّا وعمًّا فعلى كل واحد منهما إرضاع الولد بقدر ما يرث، وإليه أشار المؤلف بقوله: "وهل على المرأة" أي: الأم "منه" أي: من إرضاع الصبي "شيء" وهل ههنا للنفي وأشار به إلى الردّ على قول زيد.
ثم قال القسطلاني بعد حديث الباب: وغرض المؤلف أنه لما لم يلزم الأمهات نفقة الأولاد في حياة الآباء فالحكم مستمر بعد الآباء ويقويه قوله تعالى: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ﴾ أي: رزق الأمهات وكسوتهن من أجل الإرضاع للأبناء فكيف يجب لهن في أوّل الآية ويجب عليهن نفقة الأبناء في آخرها، قاله في "الفتح"، انتهى.
(١٥ - باب قول النبي ﷺ : من ترك كلًّا أو ضياعًا فإلي)
قال الحافظ (٣): ذكر فيه حديث أبي هريرة من غير لفظ الترجمة، وأما لفظ الترجمة فأورده في الاستقراض من طريق أبي حازم عن أبي هريرة،
стр. 2991
وأراد المصنف بإدخاله في أبواب النفقات الإشارةَ إلى أن من مات وله أولاد ولم يترك لهم شيئًا فإن نفقتهم تجب في بيت مال المسلمين، والله أعلم، انتهى.
(١٦ - باب المراضع من المواليات وغيرهن)
قال العلامة القسطلاني (١): بفتح الميم في الفرع كأصله، والذي في معظم الروايات "من الموالي"، انتهى.
وفي "شرح شيخ الإسلام" (٢): بفتح الميم جمع مولاة وهي الأمة، انتهى.
وبسط الشرَّاح من الحافظين ابن حجر والعيني الكلام في تحقيق هذا اللفظ، قال العلامة العيني (٣): قال ابن بطال: كانت العرب في أوّل أمرها تكره رضاع الإماء وتحبّ العربيات طلبًا لنجابة الولد، فأراهم النبي ﷺ وأنه قد رضع من غير العرب وأن رضاع الإماء لا يهجن.
قوله: (وقال شعيب عن الزهري. . .) إلخ، تعليق مرّ في حديث موصول في أوائل كتاب النكاح وأراد بذكره ههنا إيضاح أن ثويبة كانت مولاة ليطابق الترجمة، انتهى.
وبراعة الاختتام كما تقدم في مقدمة "اللامع" في قوله: أعتقها أبو لهب.
وبه تم الجزء الخامس فالحمد لله أولًا وآخرًا، والصلاة والسلام على رسوله سرمدًا ودائمًا.
* * *
стр. 2992
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
نحمده ونصلي على رسوله الكريم
٧٠ - كتاب الأطعمة
اعلم أن مناسبة هذا الكتاب بما قبله هي ما تقدم في "مقدمة اللامع" (١) في الفائدة الثالثة عشر - في مناسبة الترتيب بين الكتب والأبواب المذكورة في "صحيح البخاري" - من قوله: ولما انقضت النفقات وهي من المأكولات غالبًا أردف "كتاب الأطعمة" وأحكامها وآدابها، انتهى.
قال القسطلاني (٢): الأطعمة جمع طعام كرحى وأرحية، قال في "القاموس": الطعام: البرّ وما يؤكل، وجمع الجمع أطعمات، وقال ابن فارس في "المجمل": يقع على كل ما يطعم حتى الماء قال تعالى: ﴿فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي﴾ [البقرة: ٢٤٩]، وقال النبي ﷺ في زمزم: "إنها طعام طعم وشفاء سقم"، والطَّعْم بالفتح: ما يؤديه الذوق يقال: طعمه مرّ أو حلو، والطُعام (٣) أيضًا بالضم: الطعام، وطَعِمَ بالكسر، أي: أكل وذاق، يَطْعَمُ بالفتح طعمًا فهو طاعم.
وقول الله تعالى: ﴿كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ [البقرة: ٥٧] من مستلذاته أو من حلالاته، والحلال المأذون فيه ضد الحرام الممنوع منه، والطيب في اللغة بمعنى الطاهر، والحلال يوصف بأنه طيب، والطيب في الأصل ما يستلذ ويستطاب، ووصف به الطاهر والحلال على جهة
стр. 2993
التشبيه؛ لأن النجس تكرهه النفس ولا يستلذ، والحرام غير مستلذ؛ لأن الشرع زجر عنه، انتهى.
وقال العلامة العيني (١): "كتاب الأطعمة" أي: هذا كتاب في بيان أنواع الأطعمة وأحكامها، وهو جمع طعام، قال الجوهري: الطعام ما يؤكل، وربما خص بالطعام البُرّ، والطَّعم بالفتح: ما يؤديه ذوق الشيء من حلاوة ومرارة وغيرهما، والطُّعْم بالضم: الأكل، انتهى.
وأما مطابقة الأحاديث بالترجمة فقال الحافظ (٢): (تنبيه): ذكر لي محدث الديار الحلبية برهان الدين: أن شيخنا سراج الدين البلقيني قال: ليس في هذه الأحاديث الثلاثة ما يدل على الأطعمة المترجم عليها المتلو فيها الآيات المذكورة، قلت: وهو ظاهر إذا كان المراد مجرد ذكر أنواع الأطعمة، أما إذا كان المراد بها ذلك وما يتعلق به من أحوالها وصفاتها فالمناسبة ظاهرة؛ لأن من جملة أحوالها الناشئة عنها الشبع والجوع، ومن جملة صفاتها الحل والحرمة والمستلذ والمستخبث، وكل ذلك ظاهر من الأحاديث الثلاثة، وأما الآيات فإنها تضمنت الإذن في تناول الطيبات، فكأنه أشار بالأحاديث إلى أن ذلك لا يختص بنوع من الحلال ولا المستلذ ولا بحالة الشبع ولا بسدِّ الرمق، بل يتناول ذلك بحسب الوجدان وبحسب الحاجة، والله أعلم، انتهى.
(١ - باب التسمية على الطعام والأكل باليمين)
أي: قول "بسم الله" في ابتداء الأكل، وأصرح ما ورد في صفة التسمية ما أخرجه أبو داود والترمذي (٣) عن عائشة مرفوعًا: "إذا أكل أحدكم طعامًا فليقل: بسم الله، فإن نسي في أوله فليقل: بسم الله في أوله
стр. 2994
وآخره"، وقال النووي (١): أجمع العلماء على استحباب التسمية على الطعام في أوله، وفي نقل الإجماع على الاستحباب نظر، إلا إن أريد بالاستحباب أنه راجح الفعل، وإلا فقد ذهب جماعة إلى وجوب ذلك.
قوله: (وكل بيمينك) قال شيخنا في "شرح الترمذي": حمله أكثر الشافعية على الندب، وبه جزم الغزالي ثم النووي، لكن نصّ الشافعي في "الرسالة" وفي موضع آخر من "الأم" على الوجوب، انتهى (٢).
(٢ - باب الأكل مما يليه)
قال العلامة العيني (٣): ليس في بعض النسخ لفظ "باب"، انتهى.
وقال القسطلاني (٤): وقد نص أئمتنا على كراهة الأكل مما يلي غيره ومن الوسط والأعلى، لا نحو الفاكهة مما ينتقل به، وأما ما سبق من نص الشافعي على التحريم فمحمول على المشتمل على الإيذاء، انتهى.
(٣ - باب من تتبع حوالي القصعة)
حوالي بفتح اللام وسكون التحتانية أي: الجوانب، يقال: رأيت الناس حوله وحوليه وحواليه، واللام مفتوحة في الجميع، ولا يجوز كسرها، انتهى من "الفتح" (٥).
وعندي هذا الباب كالاستثناء مما قبله.
وبسط الشرَّاح لا سيما الحافظ الكلام على الغرض من هذه الترجمة والجمع بين الروايات المختلفة في ذلك كما سيأتي.
قوله: (إذا لم يعرف منه كراهية)، قال الحافظ (٦): ذكر فيه حديث
стр. 2995
أنس في تتبع النبي ﷺ الدباء من الصحفة، وهذا ظاهره يعارض الذي قبله في الأمر بالأكل مما يليه، فجمع البخاري بينهما بحمل الجواز على ما إذا علم رضاء من يأكل معه، ورمز بذلك إلى تضعيف حديث عكراش الذي أخرجه الترمذي حيث جاء فيه التفصيل بين ما إذا كان لونًا واحدًا فلا يتعدى ما يليه أو أكثر من لون فيجوز، وقد حمل بعض الشرَّاح فعله ﷺ في هذا الحديث على ذلك فقال: كان الطعام مشتملًا على مرق ودباء وقديد، فكان يأكل مما يعجبه وهو الدباء، ويترك ما لا يعجبه وهو القديد، وحمله الكرماني على أن الطعام كان للنبي ﷺ وحده، قال: فلو كان له ولغيره لكان المستحب أن يأكل مما يليه. . .، إلى آخر ما بسط الحافظ.
(٤ - باب التيمن في الأكل وغيره)
حديث الباب ظاهر فيما ترجم له، وظن بعضهم أن في هذه الترجمة تكرارًا؛ لأنه تقدم في قوله: "باب التسمية، والأكل باليمين"، وقد أجاب عنه ابن بطال بأن هذه الترجمة أعمّ من الأولى؛ لأن الأولى لفعل الأكل فقط، وهذا لجميع الأفعال، فيدخل فيه الأكل والشرب بطريق التعميم، انتهى من "الفتح" (١).
(٥ - باب من أكل حتى شبع)
لعله أشار إلى إباحته لما ورد من ذمِّه في الروايات الكثيرة، قال الحافظ (٢): ذكر فيه ثلاثة أحاديث، قال ابن بطال: في هذه الأحاديث جواز الشبع وإن كان تركه أحيانًا أفضل، وقد ورد عن سلمان وأبي جحيفة: أن النبي ﷺ قال: "إن أكثر الناس شبعًا في الدنيا أطولهم جوعًا في الآخرة" أخرجه ابن ماجه (٣) بسند لَيّن، وأخرج عن ابن عمر نحوه، وفي سنده مقال أيضًا.
стр. 2996
قال القرطبي: وما جاء من النهي عنه محمول على الشبع الذي يثقل المعدة، ويُثَبِّطُ صاحبَه عن القيام للعبادة، ويُفْضي إلى البطر والأشر والنوم والكسل، وقد تنتهي كراهته إلى التحريم بحسب ما يترتب عليه من المفسدة، وذكر الكرماني تبعًا لابن المنيِّر: أن الشبع المذكور محمول على شبعهم المعتاد منهم، وهو أن الثلث للطعام والثلث للشراب والثلث للنفس، ويحتاج في دعوى أن تلك عادتهم إلى نقل خاص، وإنما ورد في ذلك حديث حسن أخرجه الترمذي والنسائي وابن ماجه (١). . . إلى آخر ما ذكر الحافظ.
(٦ - باب ﴿لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ﴾ [النور: ٦١]
الظاهر عندي: أن غرض الإمام البخاري بهذه الترجمة الإشارة إلى اختلاف أقوال العلماء في سبب نزول الآية كما بسطه المفسرون، والإشارة إلى ترجيح قول عطاء بن يزيد الليثي كما يدل عليه ما قاله الشرَّاح في مناسبة الحديث بالآية.
قال الحافظ (٢): وحكى ابن بطال عن المهلب قال: مناسبة الآية لحديث سويد ما ذكره أهل التفسير أنهم كانوا إذا اجتمعوا للأكل عزل الأعمى على حدة والأعرج على حدة والمريض على حدة لتقصيرهم عن أكل الأصحاء، فكانوا يتحرجون أن يتفضلوا عليهم، وهذا عن ابن الكلبي، وقال عطاء بن يزيد: كان الأعمى يتحرج أن يأكل طعام غيره لجعله يده في غير موضعها، والأعرج كذلك لاتساعه في موضع الأكل، والمريض لرائحته، فنزلت هذه الآية فأباح لهم الأكل مع غيرهم، وفي حديث سويد معنى الآية؛ لأنهم جعلوا أيديهم فيما حضر من الزاد سواء، مع أنه لا يمكن أن يكون أكلهم بالسواء لاختلاف أحوال الناس في ذلك، وقد سوغ لهم الشارع
стр. 2997
ذلك مع ما فيه من الزيادة والنقصان فكان مباحًا، والله أعلم، انتهى كلامه.
وقال ابن المنيِّر: موضع المطابقة من الترجمة وسط الآية وهي قوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَأْكُلُوا جَمِيعًا أَوْ أَشْتَاتًا﴾ [النور: ٦١] وهي أصل في جواز أكل المُخارجة؛ ولهذا ذكر في الترجمة: "النِّهد"، والله أعلم، انتهى.
قوله: (والنهد والاجتماع على الطعام)، قال الحافظ (١): ثبتت هذه الترجمة في رواية المستملي وحده، والنِّهد بكسر النون وسكون الهاء، تقدم تفسيره في أول الشركة حيث قال: "باب الشركة في الطعام والنهد"، وتقدم هناك بيان حكمه، انتهى.
وفي "تقرير الشيخ المكي" (٢): قوله: "والنهد" وجوازه من الآية المذكورة
قوله: (فما أتي. . .) إلخ، يعني: فجاء القوم كل واحد منهم بما عنده من السويق، فجمعنا السويق وأكلناه مع أن بعضنا كان أقلّ السويق من البعض، وبعضهم لم يكن عنده شيء فثبت النهد، انتهى.
قلت: وعلى ما أفاده الشيخ لا يرد ما أورده الحافظ إذ قال: ليس حديث سويد ظاهرًا في المراد من النهد. . .، إلى آخر ما ذكر، والبسط في هامش "اللامع".
(٧ - باب الخبز المرقق والأكل على الخوان والسفرة)
قال القسطلاني (٣): "المرقق" بتشديد القاف الأولى: الملين المحسَّن كالحوارى أو الموسع، و"الخوان" بكسر الخاء المعجمة وقال في "القاموس": الخوان كغراب وكتاب: ما يؤكل عليه الطعام كالإخوان، وقال