التشبيه؛ لأن النجس تكرهه النفس ولا يستلذ، والحرام غير مستلذ؛ لأن الشرع زجر عنه، انتهى.
وقال العلامة العيني (١): "كتاب الأطعمة" أي: هذا كتاب في بيان أنواع الأطعمة وأحكامها، وهو جمع طعام، قال الجوهري: الطعام ما يؤكل، وربما خص بالطعام البُرّ، والطَّعم بالفتح: ما يؤديه ذوق الشيء من حلاوة ومرارة وغيرهما، والطُّعْم بالضم: الأكل، انتهى.
وأما مطابقة الأحاديث بالترجمة فقال الحافظ (٢): (تنبيه): ذكر لي محدث الديار الحلبية برهان الدين: أن شيخنا سراج الدين البلقيني قال: ليس في هذه الأحاديث الثلاثة ما يدل على الأطعمة المترجم عليها المتلو فيها الآيات المذكورة، قلت: وهو ظاهر إذا كان المراد مجرد ذكر أنواع الأطعمة، أما إذا كان المراد بها ذلك وما يتعلق به من أحوالها وصفاتها فالمناسبة ظاهرة؛ لأن من جملة أحوالها الناشئة عنها الشبع والجوع، ومن جملة صفاتها الحل والحرمة والمستلذ والمستخبث، وكل ذلك ظاهر من الأحاديث الثلاثة، وأما الآيات فإنها تضمنت الإذن في تناول الطيبات، فكأنه أشار بالأحاديث إلى أن ذلك لا يختص بنوع من الحلال ولا المستلذ ولا بحالة الشبع ولا بسدِّ الرمق، بل يتناول ذلك بحسب الوجدان وبحسب الحاجة، والله أعلم، انتهى.
(١ - باب التسمية على الطعام والأكل باليمين)
أي: قول "بسم الله" في ابتداء الأكل، وأصرح ما ورد في صفة التسمية ما أخرجه أبو داود والترمذي (٣) عن عائشة مرفوعًا: "إذا أكل أحدكم طعامًا فليقل: بسم الله، فإن نسي في أوله فليقل: بسم الله في أوله
стр. 2994
وآخره"، وقال النووي (١): أجمع العلماء على استحباب التسمية على الطعام في أوله، وفي نقل الإجماع على الاستحباب نظر، إلا إن أريد بالاستحباب أنه راجح الفعل، وإلا فقد ذهب جماعة إلى وجوب ذلك.
قوله: (وكل بيمينك) قال شيخنا في "شرح الترمذي": حمله أكثر الشافعية على الندب، وبه جزم الغزالي ثم النووي، لكن نصّ الشافعي في "الرسالة" وفي موضع آخر من "الأم" على الوجوب، انتهى (٢).
(٢ - باب الأكل مما يليه)
قال العلامة العيني (٣): ليس في بعض النسخ لفظ "باب"، انتهى.
وقال القسطلاني (٤): وقد نص أئمتنا على كراهة الأكل مما يلي غيره ومن الوسط والأعلى، لا نحو الفاكهة مما ينتقل به، وأما ما سبق من نص الشافعي على التحريم فمحمول على المشتمل على الإيذاء، انتهى.
(٣ - باب من تتبع حوالي القصعة)
حوالي بفتح اللام وسكون التحتانية أي: الجوانب، يقال: رأيت الناس حوله وحوليه وحواليه، واللام مفتوحة في الجميع، ولا يجوز كسرها، انتهى من "الفتح" (٥).
وعندي هذا الباب كالاستثناء مما قبله.
وبسط الشرَّاح لا سيما الحافظ الكلام على الغرض من هذه الترجمة والجمع بين الروايات المختلفة في ذلك كما سيأتي.
قوله: (إذا لم يعرف منه كراهية)، قال الحافظ (٦): ذكر فيه حديث
стр. 2995
أنس في تتبع النبي ﷺ الدباء من الصحفة، وهذا ظاهره يعارض الذي قبله في الأمر بالأكل مما يليه، فجمع البخاري بينهما بحمل الجواز على ما إذا علم رضاء من يأكل معه، ورمز بذلك إلى تضعيف حديث عكراش الذي أخرجه الترمذي حيث جاء فيه التفصيل بين ما إذا كان لونًا واحدًا فلا يتعدى ما يليه أو أكثر من لون فيجوز، وقد حمل بعض الشرَّاح فعله ﷺ في هذا الحديث على ذلك فقال: كان الطعام مشتملًا على مرق ودباء وقديد، فكان يأكل مما يعجبه وهو الدباء، ويترك ما لا يعجبه وهو القديد، وحمله الكرماني على أن الطعام كان للنبي ﷺ وحده، قال: فلو كان له ولغيره لكان المستحب أن يأكل مما يليه. . .، إلى آخر ما بسط الحافظ.
(٤ - باب التيمن في الأكل وغيره)
حديث الباب ظاهر فيما ترجم له، وظن بعضهم أن في هذه الترجمة تكرارًا؛ لأنه تقدم في قوله: "باب التسمية، والأكل باليمين"، وقد أجاب عنه ابن بطال بأن هذه الترجمة أعمّ من الأولى؛ لأن الأولى لفعل الأكل فقط، وهذا لجميع الأفعال، فيدخل فيه الأكل والشرب بطريق التعميم، انتهى من "الفتح" (١).
(٥ - باب من أكل حتى شبع)
لعله أشار إلى إباحته لما ورد من ذمِّه في الروايات الكثيرة، قال الحافظ (٢): ذكر فيه ثلاثة أحاديث، قال ابن بطال: في هذه الأحاديث جواز الشبع وإن كان تركه أحيانًا أفضل، وقد ورد عن سلمان وأبي جحيفة: أن النبي ﷺ قال: "إن أكثر الناس شبعًا في الدنيا أطولهم جوعًا في الآخرة" أخرجه ابن ماجه (٣) بسند لَيّن، وأخرج عن ابن عمر نحوه، وفي سنده مقال أيضًا.
стр. 2996
قال القرطبي: وما جاء من النهي عنه محمول على الشبع الذي يثقل المعدة، ويُثَبِّطُ صاحبَه عن القيام للعبادة، ويُفْضي إلى البطر والأشر والنوم والكسل، وقد تنتهي كراهته إلى التحريم بحسب ما يترتب عليه من المفسدة، وذكر الكرماني تبعًا لابن المنيِّر: أن الشبع المذكور محمول على شبعهم المعتاد منهم، وهو أن الثلث للطعام والثلث للشراب والثلث للنفس، ويحتاج في دعوى أن تلك عادتهم إلى نقل خاص، وإنما ورد في ذلك حديث حسن أخرجه الترمذي والنسائي وابن ماجه (١). . . إلى آخر ما ذكر الحافظ.
(٦ - باب ﴿لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ﴾ [النور: ٦١]
الظاهر عندي: أن غرض الإمام البخاري بهذه الترجمة الإشارة إلى اختلاف أقوال العلماء في سبب نزول الآية كما بسطه المفسرون، والإشارة إلى ترجيح قول عطاء بن يزيد الليثي كما يدل عليه ما قاله الشرَّاح في مناسبة الحديث بالآية.
قال الحافظ (٢): وحكى ابن بطال عن المهلب قال: مناسبة الآية لحديث سويد ما ذكره أهل التفسير أنهم كانوا إذا اجتمعوا للأكل عزل الأعمى على حدة والأعرج على حدة والمريض على حدة لتقصيرهم عن أكل الأصحاء، فكانوا يتحرجون أن يتفضلوا عليهم، وهذا عن ابن الكلبي، وقال عطاء بن يزيد: كان الأعمى يتحرج أن يأكل طعام غيره لجعله يده في غير موضعها، والأعرج كذلك لاتساعه في موضع الأكل، والمريض لرائحته، فنزلت هذه الآية فأباح لهم الأكل مع غيرهم، وفي حديث سويد معنى الآية؛ لأنهم جعلوا أيديهم فيما حضر من الزاد سواء، مع أنه لا يمكن أن يكون أكلهم بالسواء لاختلاف أحوال الناس في ذلك، وقد سوغ لهم الشارع
стр. 2997
ذلك مع ما فيه من الزيادة والنقصان فكان مباحًا، والله أعلم، انتهى كلامه.
وقال ابن المنيِّر: موضع المطابقة من الترجمة وسط الآية وهي قوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَأْكُلُوا جَمِيعًا أَوْ أَشْتَاتًا﴾ [النور: ٦١] وهي أصل في جواز أكل المُخارجة؛ ولهذا ذكر في الترجمة: "النِّهد"، والله أعلم، انتهى.
قوله: (والنهد والاجتماع على الطعام)، قال الحافظ (١): ثبتت هذه الترجمة في رواية المستملي وحده، والنِّهد بكسر النون وسكون الهاء، تقدم تفسيره في أول الشركة حيث قال: "باب الشركة في الطعام والنهد"، وتقدم هناك بيان حكمه، انتهى.
وفي "تقرير الشيخ المكي" (٢): قوله: "والنهد" وجوازه من الآية المذكورة
قوله: (فما أتي. . .) إلخ، يعني: فجاء القوم كل واحد منهم بما عنده من السويق، فجمعنا السويق وأكلناه مع أن بعضنا كان أقلّ السويق من البعض، وبعضهم لم يكن عنده شيء فثبت النهد، انتهى.
قلت: وعلى ما أفاده الشيخ لا يرد ما أورده الحافظ إذ قال: ليس حديث سويد ظاهرًا في المراد من النهد. . .، إلى آخر ما ذكر، والبسط في هامش "اللامع".
(٧ - باب الخبز المرقق والأكل على الخوان والسفرة)
قال القسطلاني (٣): "المرقق" بتشديد القاف الأولى: الملين المحسَّن كالحوارى أو الموسع، و"الخوان" بكسر الخاء المعجمة وقال في "القاموس": الخوان كغراب وكتاب: ما يؤكل عليه الطعام كالإخوان، وقال
стр. 2998
في "الكواكب": والأكل عليه من دأب المترفين وصنع الجبابرة؛ لئلا يفتقروا إلى التطأطؤ عند الأكل، انتهى.
قال العيني (١) في تفسير الخوان بعد ذكر ما تقدم عن القسطلاني: وليس فيما ذكر كله بيان هيئة الخوان، وهو طبق كبير من نحاس تحته كرسي من نحاس ملزوق به، طوله قدر ذراع يرص فيه الزباد، ويوضع بين يدي كبير من المترفين، ولا يحمله إلا اثنان فما فوقهما، ثم قال في شرح الحديث: قال ابن بطال: أكل المرقق جائز مباح، ولم يتركه سيدنا رسول الله ﷺ إلا زهدًا في الدنيا وتركًا للتنعم وإيثارًا لما عند الله وغير ذلك، وكذلك الأكل على الخوان، وليس نفي أنس ﵁ يردّ قول من روى أنه ﷺ أكل على خوان، وأنه أكل شواء، وإنما أخبر كلٌّ بما علم، ومن علم حجة على من لم يعلم، انتهى.
وكتب الشيخ قُدِّس سرُّه في "الكوكب" (٢): قوله: "على خوان" هو ما له قوائم غير صغار، ثم إن عدم الأكل عليه إما أن يكون قصدًا أو اتفاقًا، فإن كان الأول لزم كراهته، وإن كان الثاني فلا ضير في الأكل على الخوان، إلا أنه لما كان من ديدن الجبابرة ههنا كان منهيًّا إذا كان على دأبهم، والحاصل: أن الأكل عليه بحسب نفس ذاته لا يربو على ترك الأولوية، فأما إذا لزم فيه التشبه باليهود أو النصارى كما هو في ديارنا كان مكروهًا تحريميًا، إلى أن قال: والخبز المرقق على هذا القياس، فإن مع كونه من دأب المترفين المرفهين يكون سبب الإكثار في الأكل للآكل، انتهى مختصرًا.
(٨ - باب السويق)
قال الحافظ (٣): ذكر فيه حديث سويد بن النعمان، وقد تقدم شرحه في "كتاب الطهارة"، انتهى.
стр. 2999
(٩ - باب ما كان النبي ﷺ لا يأكل حتى يسمَّى له)
لأنه ربما يكون ذلك مما يعافه ﷺ أو لا يجوز أكله؛ لأن الشرع ورد بتحريم بعض الحيوانات وإباحة بعضها، وكانوا - أي: العرب - لا يحرمون شيئًا منها، وربما أتوا به مشويًّا أو مطبوخًا، فلا يتميز عن غيره إلا بالسؤال عنه، انتهى ملتقطًا من "القسطلاني" و"الفتح"، كذا في هامش الهندية (١).
(١٠ - باب طعام الواحد يكفي الاثنين)
أورد فيه حديث أبي هريرة: "طعام الاثنين يكفي الثلاثة، وطعام الثلاثة يكفي الأربعة"، واستشكل الجمع بين الترجمة والحديث، فإن قضية الترجمة مرجعها النصف وقضية الحديث مرجعها الثلث ثم الربع، وأجيب بأنه أشار بالترجمة إلى لفظ حديث آخر ورد ليس على شرطه، وبأن الجامع بين الحديثين أن مطلق طعام القليل يكفي الكثير، لكن أقصاه الضعف، وقال المهلب: المراد بهذه الأحاديث الحضُّ على المكارم والتقنع بالكفاية، يعني: وليس المراد الحصر في مقدار الكفاية، وإنما المراد المواساة. . .، إلى آخر ما بسط الحافظ (٢).
وقال العيني (٣) تحت ترجمة الباب: وهذه الترجمة لفظ حديث أخرجه ابن ماجه بإسناده من حديث عمر مرفوعًا، وروى الطبراني من حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما، قال: قال رسول الله ﷺ : "كلوا جميعًا ولا تفرقوا، فإن طعام الواحد يكفي الاثنين"، انتهى مختصرًا.
وقال القسطلاني (٤): أشار بالترجمة إلى لفظ حديث آخر ليس على شرطه رواه مسلم، ثم ذكر ما تقدم عن الحافظين ابن حجر والعيني.
стр. 3000
(١١ - باب المؤمن يأكل في معِى واحد)
المعى بكسر العين مقصورًا، والجمع أمعاء ممدود، وهي المصارين، انتهى من "الفتح" (١).
وقال العيني (٢): وحكى القاضي عياض عن أهل الطب والتشريح: أنهم زعموا أن أمعاء الإنسان سبعة: المعدة، ثم ثلاثة أمعاء بعدها متصلة بها، وهي كلها رقاق، ثم ثلاثة غلاظ، وذكر العيني أسماءها.
(١٢ - باب المؤمن يأكل في معى واحد. . .) إلخ
هذه الترجمة مكررة في جميع النسخ الهندية والمصرية من المتون والشروح، غير الكرماني ففيها لم تتكرر هذه الترجمة.
قال القسطلاني (٣): كذا ثبت لأبي ذر وسقط ذلك للباقين، وهو أولى إذ لا فائدة في إعادته، انتهى. وبه جزم الحافظان ابن حجر والعيني.
والأوجه عند هذا العبد الضعيف: أنه لما ثبتت الترجمة مكررة في أكثر النسخ كما تقدم، فحينئذ هو من الأصل الثاني والعشرين من أصول التراجم، والغرض من الترجمة الأولى التحريض على تقليل الطعام للمؤمن، والغرض من الترجمة الثانية التنبيه على أن المؤمن ليس من شأنه إلا أن يأكل لسدِّ الجوع، فإنه اختلف في معنى الحديث على عشرة أقوال بسطت في "الأوجز" (٤)، السابع منها ما قال القرطبي: شهوات الطعام سبع: شهوة الطبع والنفس والعين والفم والأذن والأنف وشهوة الجوع، وهي الضرورية يأكل بها المؤمن، وأما الكافر فيأكل بالجميع، انتهى.
ولا يبعد أيضًا أن يكون الترجمة من الأصل الرابع والخمسين كما
стр. 3001
نبهت عليه في "مقدمة اللامع" في هذا الفصل، انتهى من هامش "اللامع" (١).
وذكر المعاني العديدة للحديث بالبسط في هامش النسخة الهندية (٢) فارجع إليه لو شئت.
وأفاد صاحب "الفيض" (٣): أن المراد من معىً تدويرة، وفي الطب أنه ستة تدويرات، سَمَّوا كلًّا منها باسم، فأين تلك السابعة؟! وقد أجاب عنه الطحاوي في "مشكله": أن السابعة هي المعدة، أطلق عليها معىً تغليبًا. وحاصل الحديث أن الكافر يأكل الكثير والمؤمن القليل، انتهى.
(١٣ - باب الأكل متكئًا)
أي: ما حكمه؟ وإنما لم يجزم به لأنه لم يأت فيه نهي صريح، واختلف في صفة الاتكاء فقيل: أن يتمكن في الجلوس للأكل على أيّ صفة كان، وقيل: أن يميل على أحد شقيه، وقيل: أن يعتمد على يده اليسرى من الأرض، انتهى من "الفتح" (٤).
وقال صاحب "التوشيح" بعد ذكر الأقوال الثلاثة: والأول هو المعتمد وهو شامل للقولين، والحكمة في تركه أنه من فعل ملوك العجم، وأنه أدعى إلى كثرة الأكل، انتهى من هامش "الهندية" (٥).
قال الحافظ (٦): قال الخطابي: تحسب العامة أن المتكئ هو الآكل على أحد شقيه، وليس كذلك، بل هو المعتمد على الوطاء الذي تحته، قال: ومعنى الحديث: إني لا أقعد متكئًا على الوطاء عند الأكل فعل
стр. 3002
من يستكثر من الطعام، فإني لا آكل إلا البلغة من الزاد، فلذلك أقعد مستوفرًا، وفي حديث أنس: "أنه ﷺ أكل تمرًا وهو مقع"، وفي رواية: "وهو محتفز"، والمراد الجلوس على وركيه غير متمكن، قلت: وجزم ابن الجوزي في تفسير الاتكاء بأنه الميل على أحد الشقين، ولم يلتفت لإنكار الخطابي لذلك. . .، إلى آخر ما ذكر الحافظ من حكم الاتكاء وعلة النهي.
وفي "الفيض" (١): ونبَّه الخطابي على أن المراد من الاتكاء الجلوس مطمئنًا بأي نحو كان.
(١٤ - باب الشواء)
بكسر المعجمة وبالمد معروف، قاله الحافظ (٢).
وفي "فيض الباري" (٣): أي: اللحم المشوي، ولعل الكباب أيضًا داخل فيه، انتهى.
ثم قال تحت حديث الباب: أشار ابن بطال إلى أن أخذ الحكم للترجمة ظاهر من جهة أنه ﷺ أهوى ليأكل، ثم لم يمتنع إلا لكونه ضبًّا، فلو كان غير ضبّ لأكل، انتهى.
(١٥ - باب الخزيرة)
بخاء معجمة مفتوحة ثم زاي مكسورة وبعد التحتانية الساكنة راء، هي ما يتخذ من الدقيق على هيئة العصيدة، لكنه أرقّ منها، قاله الطبري، وقال ابن فارس: دقيق يخلط بشحم. . .، إلى آخر ما ذكر الأقوال في تفسيره (٤).
وكتب الشيخ قُدِّس سرُّه في "اللامع" (٥): قوله: "الخزيرة من النخالة" يعني بها الدقيق من غير أن ينخل وينقى لا أنها النخالة خالصة. وقوله:
стр. 3003
"الحريرة من اللبن" يقال: إنه يلقى فيه اللبن حقيقة، وقيل: المراد باللبن الدقيق نفسه؛ لأن رقيقه يشبه صورته صورة اللبن، انتهى.
(١٦ - باب الأقط)
بفتح الهمزة وكسر القاف وقد تسكن بعدها طاء مهملة، وهو جبن اللبن المستخرج زبده، وقد تقدم تفسيره في "باب زكاة الفطر" وغيره، انتهى من "الفتح" (١).
وفي هامش النسخة "الهندية" (٢): قال في "القاموس": الأَقْطُ، مثلثة ويحرك، ككتف ورجل وإبل: شيء يتخذ من المخيض الغنمي، انتهى.
(١٧ - باب السلق والشعير)
بكسر السين المهملة: نوع من البقل معروف، فيه تحليل لسُدَدِ الكبد، ومنه صنف أسود يعقل البطن، انتهى من "الفتح" (٣).
(١٨ - باب النهش وانتشال اللحم)
قال العلامة القسطلاني (٤): النهش بفتح النون وسكون الهاء بعدها سين مهملة في الفرع وأصله، وبالمعجمة في غيرهما، والانتشال: استخراج اللحم من المرق قبل نضجه، واسم ذلك اللحم: النشيل. والنهس: القبض عليه بالفم وإزالته من العظم أو غيره بعد الانتشال، وقيل: النهس بالمهملة: الأخذ بمقدم الفم، وبالمعجمة بالأضراس، انتهى.
والأوجه عند هذا العبد الضعيف: أن الغرض من هذا الباب ندب النهس إشارة إلى رواية الترمذي (٥): "انهشوا اللحم نهشًا فإنه أهنأ وأمرأ".
стр. 3004
وقال الحافظ (١): لعل البخاري أشار بهذه الترجمة إلى تضعيف الحديث الذي سأذكره في الباب الذي يلي الباب الذي بعد هذا في النهي عن قطع اللحم بالسكين، انتهى.
قلت: وهذا ليس بواضح؛ بل هذا الغرض الذي ذكره الحافظ ههنا هو الغرض من الباب الآتي أعني " باب قطع اللحم بالسكين "، فأشار الإمام البخاري بهذا الباب إلى تضعيف ما أخرجه أبو داود (٢) من حديث عائشة مرفوعًا: "لا تقطعوا اللحم بالسكين فإنه من صنيع الأعاجم" الحديث، وهذا الحديث ضعيف جدًّا، وقد أورده ابن الجوزي في "الموضوعات" وقال: قال أحمد: ليس بصحيح، وأبو معشر: ليس بشيء، كما في هامش أبي داود.
قال العيني (٣): قال النسائي: أبو معشر له أحاديث مناكير، منها هذا، وقال ابن عدي: لا يتابع عليه وهو ضعيف، انتهى.
(١٩ - باب تعرق العضد)
وهو العظم الذي بين الكتف والمرفق.
قال العيني (٤) في شرح قوله: "تعرق" على وزن تفعل بالتشديد أي: أكل ما كان من اللحم على الكتف، انتهى من كلام العيني.
(٢٠ - باب قطع اللحم بالسكين)
تقدم الكلام عليه في "باب النهش".
(٢١ - باب ما عاب النبي ﷺ طعامًا قط)
أي: مباحًا، أما الحرام فكان يعيبه ويذمه وينهى عنه، وذهب بعضهم إلى أن العيب إن كان من جهة الخلقة كره، وإن كان من جهة الصنعة
стр. 3005
لم يكره، قال: لأن صنعة الله لا تعاب وصنعة الآدميين تعاب.
قلت: والذي يظهر التعميم فإن فيه كسر قلب الصانع.
قال النووي: من آداب الطعام المتأكدة أن لا يعاب كقوله: مالح، حامض، قليل الملح، غليظ، رقيق، غير ناضج، ونحو ذلك، انتهى من "الفتح" (١).
(٢٢ - باب النفخ في الشعير)
أي: بعد طحنه لتطير منه قشوره، وكأنه نبَّه بهذه الترجمة على أن النهي عن النفخ في الطعام خاص بالطعام المطبوخ، انتهى من "الفتح" (٢).
وتعقبه العلامة العيني (٣) بقوله: قلت: لا نسلم ذلك، بل المراد أن الشعير إذا طحن ينفخ فيه حتى يذهب عنه القشور، ثم يستعمل خبزًا أو طعامًا أو سويقًا أو غير ذلك، ولا ينخل بالمنخل، ونفس معنى الحديث يدل على ذلك، انتهى.
قلت: لا منافاة بين ما أفاده الحافظ في الغرض من الترجمة وبين الغرض الذي ذكره العلامة العيني، فالترجمة يحتمل الغرضين، وما أفاده العيني من الغرض أيضًا وجيه، فسيأتي في الباب الآتي: "هل كان لكم في عهد رسول الله مناخل؟ قال: ما رأى رسول الله ﷺ منخلًا من حين ابتعثه الله حتى قبضه الله" الحديث.
(٢٣ - باب ما كان النبي ﷺ وأصحابه يأكلون)
أي: في زمانه، قاله الحافظان (٤).
стр. 3006
(٢٤ - باب التلبينة)
قال الكرماني: تفعيلة من اللبن بالموحدة، انتهى.
وقال الحافظ: ويقال بلا هاء، انتهى. وقال أيضًا: هي بفتح المثناة وسكون اللام وكسر الموحدة بعدها تحتانية ساكنة ثم نون: طعام يتخذ من دقيق أو نخالة، وربما جعل فيها عسل، سميت بذلك لشبهها باللبن في البياض والرقة، والنافع منه ما كان رقيقًا نضيجًا لا غليظًا نيئًا، انتهى من "الفتح" (١).
وفيه: وفي موضع آخر: قال الأصمعي: هي حساء يعمل من دقيق أو نخالة ويجعل فيه عسل، قال غيره: أو لبن، سميت تلبينة تشبيهًا لها باللبن في بياضها ورقتها، وقال ابن قتيبة: وعلى قول من قال: يخلط فيها لبن سميت بذلك لمخالطة اللبن لها. . .، إلى آخر ما ذكر، وسيأتي في "كتاب الطب" "باب التلبينة للمريض".
(٢٥ - باب الثريد)
بفتح المثلثة وكسر الراء معروف، وهو أن يثرد الخبز بمرق اللحم، وقد يكون معه اللحم، ومن أمثالهم: الثريد أحد اللحمين، وربما كان أنفع وأقوى من نفس اللحم النضيج إذا ثرد بمرقته، انتهى من "الفتح" (٢).
(٢٦ - باب شاة مسموطة والكتف والجنب)
المسموطة التي ينتف شعر جلدها ثم تشوى، وهو مأكل المترفين، وإنما كانت عادتهم أن يأخذوا جلد الشاة ينتفعوا به، انتهى من "القسطلاني" (٣).
قال العلامة العيني (٤): والأولان منها مذكوران في حديثي الباب، وأما الجنب فلا ذكر له، وقال بعضهم (أي: الحافظ): وأما الجنب فأشار
стр. 3007
به إلى حديث أم سلمة "أنها قربت إلى رسول الله ﷺ جنبًا مشويًّا فأكل منه ثم قام إلى الصلاة" أخرجه الترمذي (١) وصححه، انتهى.
ثم تعقبه العيني، والتعقب عندي ليس بصحيح، ثم قال: والأوجه أن يقال: ذكر الجنب استطرادًا وإلحاقًا للجنب بالكتف والشاة المسموطة.
وقال أيضًا في شرح الحديث: قال شارح "التراجم": مقصوده جواز أكل المسموط، ولا يلزم من كونه لم ير شاة مسموطة أنه لم ير عضوًا مسموطًا؛ فإن الأكارع لا تؤكل إلا كذلك، وقد أكلها، انتهى.
(٢٧ - باب ما كان السلف يدخرون في بيوتهم وأسفارهم من الطعام. . .) إلخ
قال العيني (٢): أراد البخاري بهذا الردَّ على الصوفية ومن يذهب إلى مذهبهم في قولهم: إنه لا يجوز ادخار طعام لغد، وأن المؤمن الكامل الإيمان لا يستحق اسم الولاية حتى يتصدق بما يفضل عن شبعه، ولا يترك طعامًا لغد، ولا يصبح عنده شيء من عين ولا عرض ويمسي كذلك، ومن خالف ذلك فقد أساء الظن بربّه، وفي هذه الأحاديث كفاية في الردّ على من زعم ذلك، انتهى مختصرًا.
قلت: وحكى الحافظ في "الفتح" (٣) الغرضَ المذكورَ عن ابن بطال، وتقدم أيضًا شيء من الكلام على هذا الباب في "باب حبس الرجل قوت سنة على أهله. . ." إلخ.
(٢٨ - باب الحيس)
بالحاء المفتوحة والسين المهملتين بينهما تحتية ساكنة، وهي تمر يخلط بسمن وأقط، فيعجن شديدًا، ثم يندر نواه، وربما جعل فيه سويق،
стр. 3008
وقد حاسه يحيسه، انتهى من "القسطلاني" (١).
(٢٩ - باب الأكل في إناء مفضض)
أي: جعل فيه الفضة بالتضبيب أو بالخلط أو بالطلاء، قاله القسطلاني (٢).
قال الحافظ (٣): والأكل في جميع الآنية مباح إلا إناء الذهب والفضة، واختلف في الإناء الذي فيه شيء من ذلك إما بالتضبيب وإما بالخلط، وحديث حذيفة الذي ساقه في الباب فيه النهي عن الشرب في آنية الذهب والفضة، ويؤخذ منع الأكل بطريق الإلحاق، قال مغلطاي: لا يطابق الحديث الترجمة إلا إن كان الإناء الذي سقي فيه حذيفة كان مضبّبًا؛ فإن الضبة موضع الشفة عند الشراب، وأجاب الكرماني بأن لفظ "مفضض" وإن كان ظاهرًا فيما فيه فضة لكنه يشمل ما إذا كان متخذًا كله من فضة، انتهى.
(٣٠ - باب ذكر الطعام)
قال ابن بطال: معنى هذه الترجمة إباحة أكل الطعام الطيب، وأن الزهد ليس في خلاف ذلك؛ فإن في تشبيه المؤمن بما طعمه طيب، وتشبيه الكافر بما طعمه مرّ ترغيبًا في أكل الطعام الطيب والحلو، قال: وإنما كره السلف الإدمان على أكل الطيبات خشية أن يصير ذلك عادة، فلا تصبر النفس على فقدها، انتهى من "الفتح" (٤).
والأوجه عندي في غرض الترجمة: أنه أراد بذلك أن ذكر الأطعمة المختلفة ليس بداخل في الحرص والشره كما هو ظاهر مؤدى لفظ الترجمة، والله أعلم، ويؤيده قول الحافظ: ذكر فيه ثلاثة أحاديث: أحدها حديث أبي موسى، والغرض منه تكرار ذكر الطعم فيه، والطعام يطلق بمعنى الطعم، انتهى.
стр. 3009
وقريب منه ما قال العلامة السندي (١): قوله: "باب ذكر الطعام" أي: لا يكره ذكر الطعام في المجلس وعند ذكر العلوم، ولا يستدل به على حقارة طبع صاحبه أو على حاجته إليه، والله أعلم، انتهى.
(٣١ - باب الأدم)
بضم الهمزة والدال المهملة ويجوز إسكانها جمع إدام، وقيل: هو بالإسكان المفرد، وبالضم الجمع.
ثم قال الحافظ (٢): وقد اختلف الناس في الأدم، فالجمهور أنه ما يؤكل به الخبز مما يطيبه سواء كان مرقًا أم لا، واشترط أبو حنيفة وأبو يوسف الاصطناع، وسيأتي بسط ذلك في "كتاب الأيمان والنذور"، انتهى من "الفتح".
(٣٢ - باب الحلواء والعسل)
كذا في النسخ الهندية ممدودًا، وفي بعض النسخ: "الحلوى"، وهما لغتان على قول، وعند الأصمعي بالقصر تكتب بالياء، وعند الفراء بالمد تكتب بالألف، وهو كل حلو يؤكل. وقال الخطابي: اسم الحلواء لا يقع إلا على ما دخلته الصنعة، وفي "المخصص" لابن سيده: هي ما عولج من الطعام بحلاوة، وقد تطلق على الفاكهة، انتهى من "الفتح" (٣).
(٣٣ - باب الدباء)
بضم الدال المهملة وتشديد الباء الموحدة ممدودًا، ويجوز القصر، وهو القرع، وقيل: خاص بالمستدير منه، كذا في الحاشية "الهندية" عن "الفتح" (٤).
стр. 3010
(٣٤ - باب الرجل يتكلف الطعام لإخوانه)
قال الكرماني: وجه التكلف من حديث الباب أنه حصر العدد بقوله: خامس خمسة، ولولا تكلفه لما حصر، وسبق إلى نحو ذلك ابن التِّين، وزاد أن التحديد ينافي البركة، ولذلك لما لم يحدد أبو طلحة حصلت في طعامه البركة حتى وسع العدد الكثير، انتهى من "الفتح" (١). هكذا قال العيني وتبعه القسطلاني.
واستدل المصنف لهذه المسألة، أعني: التكلف للضيف في "كتاب الأدب" بحديث أبي جحيفة في قصة سلمان وأبي الدرداء، وهو ظاهر في الدلالة على المسألة.
وكتب الشيخ قُدِّس سرُّه في "اللامع" (٢) تحت ترجمة الباب: ودلالة الرواية عليه من حيث إنه جعل في طعامهم اللحم وهو غاية في التكلف، انتهى.
وما أفاده الشيخ قُدِّس سرُّه أوجه مما قاله الشرَّاح، ولا يبعد أن يقال: إن تكلفه يظهر من صنيعه إذ قال: اصنع لي طعامًا أدعو رسول الله ﷺ ، فإنه يشير إلى أنه أراد أطيب اللحم.
وفي "التيسير" بعد ذكر كلام الكرماني والعيني: مي توا كَفت كه إين مرد در إذن ششم كس تكلف كرده أكَرجه كَفته أند "طعام الواحد يكفي الاثنين" ليكن خالي أز تكلف نيست، انتهى. فتأمل فإنه بعيد في بادئ الرأي؛ لأنه يدل أنه أذن السادس بالتكلف وهو ليس بتكلف في الطعام.
стр. 3011
ثم اعلم أنه لا بأس في التكلف للضيوف والإخوان لرواية الشيخين: "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه" الحديث.
وفي "الأوجز" في حديث أبي الهيثم إذ ذبح لرسول الله ﷺ شاة: لا يدخل ذلك في التكلف المكروه، بل هو داخل في إكرام الضيف المأمور به.
قال النووي: قد كره جماعة من السلف التكلفَ للضيف، وهو محمول على ما يشقّ على صاحب البيت مشقة ظاهرة؛ لأن ذلك يمنعه من الإخلاص وإكمال السرور بالضيف، وأما فعل الأنصاري فليس مما يشق عليه، بل لو ذبح أغنامًا بل جمالًا في ضيافة رسول الله ﷺ وصاحبيه كان مسرورًا بذلك مغبوطًا فيه. انتهى من هامش "اللامع"، وسيأتي في "كتاب الأدب" "باب صنع الطعام والتكلف للضيف"، وسيأتي هناك الجواب عما في الترجمتين من التكرار.
(٣٥ - باب من أضاف رجلًا إلى طعام وأقبل هو على عمله)
قال الحافظ (١): أشار بهذه الترجمة إلى أنه لا يتحتم على الداعي أن يأكل مع المدعو، وقال ابن بطال: لا أعلم في اشتراط أكل الداعي مع الضيف إلا أنه أبسط لوجهه وأذهب لاحتشامه، فمن فعل فهو أبلغ في قِرَى الضيف، ومن ترك فجائز، فقد تقدم في أضياف أبي بكر أنهم امتنعوا أن يأكلوا حتى يأكل معهم وأنه أنكر ذلك، انتهى.
وزاد القسطلاني (٢): والذي يظهر لي أنه يختلف باختلاف الأحوال والأشخاص على ما لا يخفى، انتهى.
стр. 3012
(٣٦ - باب المرق)
قال العلامة العيني (١): وترجم به إشارة إلى أن له فضلًا على الطعام الثخين، ولهذا كان السلف يأكلون الطعام الممرق، وفي مسلم (٢) من حديث أبي ذر رفعه: "إذا طبخت قدرًا فأكثر مرقها" وفيه: "فليطعم جيرانه"، وقد أمر النبي ﷺ بإكثار المرق بقصد التوسعة على الجيران، والأمر فيه محمول على الندب، انتهى.
(٣٧ - باب القديد)
قال العلامة العيني (٣): وترجم به إشارة إلى أن القديد من طعام النبي ﷺ وطعام السلف، انتهى.
وفي هامش "الهندية" (٤) عن "النهاية": القديد: اللحم المملوح المجفَّف في الشمس، فعيل بمعنى مفعول، انتهى. وهكذا في "المجمع" (٥).
وفي "الفيض" (٦): كانوا يقدّون اللحم ثم يلقونه في الشمس حتى ييبس، ثم يدخرونه ويأكلونه متى احتاجوا إليه، انتهى.
(٣٨ - باب من نَاوَل أو قدّم إلى صاحبه على المائدة شيئًا)
قال صاحب "الفيض" (٧) في شرح ترجمة الباب: يعني: أن الناس إذا قعدوا على طعام حلقًا حلقًا فيجوز لأصحاب حلقة واحدة أن يناول أحدهما
стр. 3013
الآخر مما عندهم من الطعام، ولا يجوز لصاحب حلقة أن يناوله لصاحب حلقة أخرى إلا أن يستأذن المضيف، انتهى.
ذكر فيه حديث أنس في قصة الخياط وفيه: وقال ثمامة عن أنس: "فجعلت أجمع الدباء بين يديه"، وصله قبل بابين من طريق ثمامة، وقد تقدم في "باب من تتبع حوالي القصعة" أن في رواية حميد عن أنس: "فجعلت أجمعه فأدنيه منه" وهو المطابق للترجمة. . .، إلى آخر ما ذكر الحافظ (١) من الكلام على المطابقة بين الحديث والترجمة.
(٣٩ - باب الرطب بالقثاء)
قال في "القاموس": القثاء بالكسر والضم معروف، أو هو الخيار، والمراد أكلهما معًا، قاله القسطلاني (٢).
ثم قال في شرح الحديث: وإنما جمع ﷺ بينهما ليعتدلا، فإن كل واحد منهما مصلح للآخر مزيل لأكثر ضرره، فالقثاء مسكن للعطش منعش للقوى بشمِّه لما فيه من العطرية مطفئ لحرارة المعدة الملتهبة غير سريع الفساد، والرطب حار في الأولى، رطب في الثانية يقوي المعدة الباردة، لكنه معطش سريع التعفن، فقابل الشيء البارد بالمضاد له، إلى آخر ما ذكر فيه.
(٤٠ - باب الحشف)
كذا في النسخة الهندية، وفي نسخ الشروح الثلاثة "باب" بغير ترجمة.
قال القسطلاني: "باب" من غير ترجمة ولم يزد عليه.
وقال العيني (٣): كذا وقع عند جميع الرواة مجردًا، وكانت عادته أن يذكر مثل هذا كالفصل لما قبله، ويكون المذكور بعده ملحقًا به لمناسبة بينهما، ولا مناسبة أصلًا بين الحديث المذكور بعده وبين الحديث قبله،
стр. 3014
ولهذا اعترض الإسماعيلي بأنه ليس فيه للرطب والقثاء ذكر، ولم يذكر لفظ الباب، انتهى.
وقال الحافظ (١): قوله: "باب" كذا هو في رواية الجميع بغير ترجمة، وسقط عند الإسماعيلي، فاعترض بأنه ليس فيه للرطب والقثاء ذكر، والذي أظنه أنه أراد أن يترجم به للتمر وحده أو لنوع منه، انتهى.
وفي هامش النسخة الهندية (٢) عن "الخير الجاري": هو كالفصل لما قبله حيث ذكر فيما قبله (٣) وههنا ذكر التمرة، والمناسبة بينهما ظاهر، انتهى.
قلت: ولم يذكر الحافظان ولا القسطلاني ما في النسخة الهندية من قوله: "باب الحشف"، وكذا لم يتعرضوا لترجمة الباب.
وكتب الشيخ قُدِّس سرُّه في "اللامع" (٤): "باب الحشف"، أراد بذلك دفع ما يتوهم من باب التكلف أنه لعله لا بد له منه فأراد ردَّه بإثبات أن النبي ﷺ اكتفى بالحاضر عنده ولو حشفًا، فعلم أن التكلف ليس أمرًا لا بد له منه، انتهى.
قلت: والحشف هو الفاسد اليابس من التمر، وقيل: الضعيف الذي لا نوى له، كما قاله العيني وغيره.
(٤١ - باب الرطب والتمر)
قال العلامة العيني (٥): أشار به إلى أن التمر له فضل على غيره من الأقوات؛ فلذلك ذكر قوله: ﴿وَهُزِّي إِلَيْكِ﴾ الآية [مريم: ٢٥] على
стр. 3015
ما نذكره إن شاء الله تعالى، وقد روى الترمذي (١) من حديث عائشة رضي الله تعالى عنها مرفوعًا: "بيت لا تمر فيه جياع أهله"، وقد وقع في كتاب ابن بطال: "باب الرطب بالتمر" بالباء الموحدة، وليس في حديث الباب مثل لذلك، انتهى.
(٤٢ - باب أكل الجمار)
بضم الجيم وتشديد الميم، ذكر فيه حديث ابن عمر في النخلة، وقد تقدم شرحه في "كتاب العلم" مستوفى، وتقدم الكلام على خصوص الترجمة بأكل الجمار في "كتاب البيوع"، انتهى من "الفتح" (٢).
(٤٣ - باب العجوة)
بفتح العين المهملة وسكون الجيم: نوع من التمر معروف، انتهى من "الفتح" (٣).
قال العيني (٤): أي: باب فضل العجوة على غيرها من التمر، وفي الترغيب على أكلها، وهي أجود تمر المدينة، ويسمونه لينة، وقيل: هي أكبر من الصيحاني يضرب إلى السواد، وذكر ابن التِّين أن العجوة غرس النبي ﷺ ، انتهى.
وفي هامش الهندية (٥): ودفع السحر والسم من خاصية ذلك النوع، أو من دعائه ﷺ ، أي: بالبركة، أي: من أكله في الصباح قبل أن يطعم شيئًا، قاله الطيبي. قال الكرماني: هو ببركة دعوته لا من خاصيته، وتخصيص عجوة المدينة وعدد السبع توقيفية من باب عدد الركعات، انتهى من "المجمع".
стр. 3016
ولا نعلم نحن عن حكمها فيجب الإيمان بها، انتهى من كلام النووي.
(٤٤ - باب القران في التمر)
بكسر القاف وتخفيف الراء، أي: ضم تمرة إلى أخرى إذا أكل مع غيره، ولأبي ذر: "الإقران" من أقرن، والمشهور استعماله ثلاثيًا، وسقط له: "في التمر"، انتهى من "القسطلاني" (١).
وبسط الحافظ الكلام على تحقيق لفظ الإقران لغة ورواية، وقال (٢): وقد أوضحت في "كتاب الحج" أن اللغة الفصحى بغير ألف، قال ابن الأثير في "النهاية": إنما وقع النهي عن القران؛ لأن فيه شرهًا وذلك يزري بصاحبه، أو لأن فيه غبنًا برفيقه، وقيل: إنما نهى عنه لما كانوا فيه من شدة العيش وقلة الشيء، وكانوا مع ذلك يواسون من القليل، وإذا اجتمعوا ربما آثر بعضهم بعضًا، انتهى مختصرًا.
وقد بسط الحافظ الكلام على حكم القران وذكر الاختلاف فيه.
(٤٥ - باب بركة النخلة)
هكذا وقع في النسخة الهندية بتقديم هذا الباب على الباب الآتي، أي: " باب القثاء "، وفي نسخ الشروح الثلاثة بعكس الترتيب.
(٤٦ - باب القثاء)
قال العلامة العيني (٣): وهذه الترجمة زائدة لا فائدة تحتها؛ لأنه ذكر عن قريب "باب الرطب بالقثاء"، وذكر الحديث الذي ذكره في هذا الباب، انتهى. وسكت الحافظ عن ذلك وكذا العلامة القسطلاني.
стр. 3017
(عجيبة) ذكرها الإمام أبو داود في "باب صدقة الزرع" من "كتاب الزكاة": قال أبو داود (١): شبرت قثاءة بمصر ثلاثة عشر شبرًا، ورأيت أترجة على بعير بقطعتين قطعت وصيرت على مثل عدلين، انتهى.
(٤٧ - باب جمع اللونين أو الطعامين بمرة)
أي: في حالة واحدة، ولعل البخاري لمح إلى تضعيف حديث أنس: "أن النبي ﷺ أتي بإناء - أو بقعب - فيه لبن وعسل فقال: أدمان في إناء لا آكله ولا أحرمه" أخرجه الطبراني وفيه راو مجهول، قاله الحافظ (٢).
وقال في شرح الحديث: ووقع في رواية الطبراني كيفية أكله لهما، فأخرج في "الأوسط" من حديث عبد الله بن جعفر قال: "رأيت في يمين النبي ﷺ قثاء وفي شماله رطبًا وهو يأكل من ذا مرة ومن ذا مرة، وفي سنده ضعف، وأخرج فيه وهو في "الطب" لأبي نعيم من حديث أنس: "كان يأخذ الرطب بيمينه والبطيخ بيساره فيأكل الرطب بالبطيخ"، وأخرج النسائي عن أنس: "رأيت رسول الله ﷺ يجمع بين الرطب والخربز" وهو بكسر الخاء المعجمة وسكون الراء وكسر الموحدة بعدها زاي: نوع من البطيخ الأصفر، وقد تكبر القثاء فتصفر من شدة الحر فتصير كالخربز، كما شاهدته كذلك في الحجاز، وفي هذا تعقب على من زعم أن المراد بالبطيخ في الحديث الأخضر، واعتل بأن في الأصفر حرارة كما في الرطب، وقد ورد التعليل بأن أحدهما يطفئ حرارة الآخر، والجواب عن ذلك بأن في الأصفر بالنسبة للرطب برودة وإن كان فيه لحلاوته طرف حرارة، والله أعلم، انتهى من "الفتح".
وكتب الشيخ قُدِّس سرُّه في "الكوكب الدري" (٣): البطيخ هو المشهور
стр. 3018
فينا بـ "خربزه"، وأما ما قال بعضهم في معناه أنه "التربز" فهو ليس بسديد، ومنشأ توهمه ما ورد في بعض الروايات أنه كان يميت بحر الرطب برده، والجواب عنه أن المراد بالحر والبرد ثمة حرارة الحس واللمس وبرودته لا حرارة المزاج وبرودته، فإن الحالي من الأشياء يحسّ كأنه حار، ولا كذلك البطيخ فإنه يتبرد بتركه مقطوعًا، وأما ما أجاب بعضهم بأنه كان نيًّا غير نضيج فيأبى عنه أنه لا يؤكل عادة، انتهى.
وفي "هامشه": مال القاري في "شرح الشمائل" إلى أن المراد به الأخضر المشهور عندنا بـ "تربوز"، وقال: هو الأظهر لأنه رطب بارد، انتهى. وإليه مال غير واحد من الشرَّاح، ومال الحافظ في "الفتح" إلى الأول وتعقب الثاني وهو مختار الشيخ، وهو الأوجه لموافقة أهل اللغة فإنهم فسروه بالخربز، انتهى.
وأما حكم مسألة الباب فقال الحافظ (١): قال النووي: في حديث الباب جواز أكل الشيئين من الفاكهة وغيرها معًا، وجواز أكل طعامين معًا، ويؤخذ منه جواز التوسع في المطاعم، ولا خلاف بين العلماء في جواز ذلك، وما نقل عن السلف من خلاف هذا محمول على الكراهة منعًا لاعتياد التوسع والترفه لغير مصلحة دينية، انتهى.
(٤٨ - باب من أدخل الضيفان عشرة عشرة. . .) إلخ
أي: إذا احتيج إلى ذلك لضيق الطعام أو مكان الجلوس عليه، قاله الحافظ (٢).
وقال أيضًا في شرح الحديث: قال ابن بطال: الاجتماع على الطعام من أسباب البركة، قال: وإنما أدخلهم عشرة عشرة؛ لأنها كانت قصعة واحدة، ولا يمكن الجماعة الكثيرة أن يقدروا على التناول منها مع قلة
стр. 3019
الطعام، فجعلهم عشرة عشرة، وليس في الحديث المنع عن اجتماع أكثر من عشرة على الطعام، انتهى.
(٤٩ - باب ما يكره من الثوم والبقول)
أي: التي لها رائحة كريهة، وهل النهي عن دخول المسجد لآكلها على التعميم أو على من أكل التي منها دون المطبوخ؟ وقد تقدم بيان ذلك في "كتاب الصلاة"، انتهى من "الفتح" (١).
وقال القسطلاني (٢): وظاهر هذه الأحاديث شامل للنِّيِّ والمطبوخ، لكن عند أبي داود (٣) من حديث علي: "نهى عن أكل الثوم إلا مطبوخًا" لأنه حينئذ تزول رائحته الكريهة لا سيما البصل، انتهى.
(٥٠ - باب الكباث)
بفتح الكاف وتخفيف الموحدة وبعد الألف مثلثة.
قوله: (وهو ورق الأراك) كذا وقع في رواية أبي ذر عن مشايخه، وقال: كذا في الرواية والصواب: "تمر الأراك"، انتهى. ووقع للنسفي "ثمر الأراك" وللباقين على الوجهين. وقال الكرماني: وقع في نسخة البخاري: "وهو ورق الأراك"، قيل: وهو خلاف اللغة، انتهى ملخصًا من "الفتح" (٤).
(٥١ - باب المضمضة بعد الطعام)
سقط الباب لغير أبي ذر، انتهى من "القسطلاني" (٥).
قال العلامة العيني (٦) تحت حديث الباب: مطابقته للترجمة ظاهرة،
стр. 3020
وهذا الحديث بعين هذا الإسناد والمتن مع بعض اختلاف فيه بزيادة ونقصان قد مر في "كتاب الأطعمة" في "باب ﴿لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ﴾ [النور: ٦١] "، انتهى.
(٥٢ - باب لعق الأصابع ومصّها. . .) إلخ
قال القسطلاني (١): أي: استحبابه، انتهى.
وقال الحافظ (٢): قوله: (قبل أن تمسح. . .) إلخ، كذا قيده بالمنديل، وأشار بذلك إلى ما وقع في بعض طرق الحديث كما أخرجه مسلم عن جابر بلفظ: "فلا يمسح يده بالمنديل. . ." إلخ، لكن حديث جابر المذكور في الباب الذي يليه صريح في أنهم لم يكن لهم مناديل، ومفهومه يدل على أنهم لو كانت لهم مناديل لمسحوا بها، فيحمل حديث النهي على من وجد، وأما قوله في الترجمة: "ومصّها" فيشير إلى ما وقع في بعض طرقه عن جابر أيضًا، وذلك فيما أخرجه ابن أبي شيبة من رواية أبي سفيان عنه بلفظ: "إذا طعم أحدكم فلا يمسح يده حتى يمصّها"، وذكر القفال في "محاسن الشريعة": أن المراد بالمنديل هنا المنديل المعدّ لإزالة الزهومة لا المنديل المعدّ للمسح بعد الغسل، انتهى.
وقال أيضًا في فوائد الحديث: وفي الحديث ردٌّ على من كره لعق الأصابع استقذارًا، نعم يحصل ذلك لو فعله في أثناء الأكل؛ لأنه يعيد أصابعه في الطعام وعليها أثر ريقه، قال الخطابي: عاب قوم أفسد عقلَهم الترفُّهُ فزعموا أن لعق الأصابع مستقبح؛ كأنهم لم يعلموا أن الطعام الذي علق بالأصابع أو الصحفة جزء من أجزاء ما أكلوه، إلى أن قال: ووقع في حديث كعب بن عجرة عند الطبراني في "الأوسط" صفة لعق الأصابع ولفظه: "رأيت رسول الله ﷺ يأكل" الحديث، وفيه: "ثم رأيته يلعق أصابعه
стр. 3021
الثلاث: الوسطى ثم التي تليها ثم الإبهام"، قال شيخنا في "شرح الترمذي": كأن السر فيه أن الوسطى أكثر تلويثًا لأنها أطول، انتهى مختصرًا.
(٥٣ - باب المنديل)
ترجم له ابن ماجه: "مسح اليد بالمنديل"، كذا في "الفتح" (١). وفيه تحت الحديث المذكور في الباب السابق: وفي الحديث استحباب مسح اليد بعد الطعام، قال عياض: محله فيما لم يحتج فيه إلى الغسل مما ليس فيه غمر ولُزوجة مما لا يذهبه إلا الغسل؛ لما جاء في الحديث من الترغيب في غسله والحذر من تركه، وهو ما أخرجه أبو داود (٢) عن أبي هريرة رفعه: "من بات وفي يده غمر ولم يغسله فأصابه شيء فلا يلومنّ إلا نفسه"، انتهى.
(٥٤ - باب ما يقول إذا فرغ من طعامه)
قال ابن بطال: اتفقوا على استحباب الحمد بعد الطعام، ووردت في ذلك أنواع، يعني: لا يتعين شيء منها، كذا في "الفتح" (٣). وفيه تحت حديث الباب: ووقع في حديث أبي سعيد عند أبي داود: "الحمد لله الذي أطعمنا وسقانا وجعلنا مسلمين"، ولأبي داود والترمذي من حديث أبي أيوب: "الحمد لله الذي أطعم وسقى وسوغه وجعل له مخرجًا"، انتهى.
(٥٥ - باب الأكل مع الخادم)
قال القسطلاني (٤): أي: للتواضع ونفي الكبر سواء كان الخادم حرًّا أو رقيقًا ذكرًا أو أنثى إذا جاز له النظر إليه، انتهى.
وهكذا في "الفتح"، قلت: والمقصود بيان الأولوية.
стр. 3022
(٥٦ - باب الطاعم الشاكر مثل الصائم الصابر)
(فيه: عن أبي هريرة. . .) إلخ، هذا الحديث من الأحاديث المعلقة التي لم تقع في هذا الكتاب موصولة، وقد أخرجه المصنف في "التاريخ" والحاكم في "المستدرك" ولفظه: "إن للطاعم الشاكر من الأجر مثل ما للصائم الصابر"، قال ابن بطال: هذا من تفضل الله على عباده أن جعل للطاعم إذا شكر ربه على ما أنعم به عليه ثواب الصائم الصابر.
وقال الكرماني: التشبيه ههنا في أصل الثواب لا في الكمية ولا الكيفية، والتشبيه لا يستلزم المماثلة من جميع الأوجه. . .، إلى آخر ما بسط الحافظ (١) من الكلام والاختلاف في التفضيل بين الغني الشاكر والفقير الصابر.
(٥٧ - باب الرجل يدعى إلى طعام فيقول: وهذا معي)
قال الحافظ (٢): واعترض الإسماعيلي فقال: إن القصة ليس فيها ما ذكر وأن الرجل تبعهم من تلقاء نفسه، قلت: أشار به البخاري إلى حديث أنس في قصة الخياط الذي دعا النبي ﷺ فقال: "وهذه" يعني: عائشة، وإنما عدل البخاري عن إيراد حديث أنس هنا إلى حديث أبي مسعود إشارة منه إلى تغاير القصتين واختلاف الحالين، ثم قال الحافظ: ومطابقة الأثر للحديث من جهة كون اللحام لم يكن متهمًا، وأكل النبي ﷺ من طعامه ولم يسأله، انتهى من "الفتح".
(٥٨ - باب إذا حضر العشاء فلا يعجل عن عشائه)
قال العلامة العيني (٣): قال الكرماني: قوله: "إذا حضر العشاء" روي بفتح العين وكسرها، وهو بالكسر من صلاة المغرب إلى العتمة،
стр. 3023
وبالفتح الطعام خلاف الغداء، ولفظ "عن عَشائه" هو بالفتح لا غير، انتهى.
وقال القسطلاني (١): إذا حضر العَشاء بفتح العين مصححًا عليها في الفرع كأصله.
وقال الحافظ ابن حجر: إنها الرواية عنده وهو ضد الغداء، أي: حضر الأكل وصلاة المغرب، فلا يعجل أحدكم عن أكل عشائه بالفتح أيضًا، فإذا فرغ فليصل ليكون قلبه فارغًا لمناجاة ربه تعالى، انتهى.
وقال الحافظ (٢) ﵀: ولفظ هذه الترجمة وقع معناه في حديث أورده المصنف في الصلاة في أوائل صلاة الجماعة، ثم قال بعد ذكر الحديث الأول من الباب: قال الكرماني: دلالته على الترجمة من جهة أنه استنبط من اشتغاله ﷺ بالأكل وقت الصلاة.
قلت: ويظهر لي أن البخاري أراد بتقديم هذا الحديث بيان أن الأمر في حديث ابن عمر وعائشة بترك المبادرة إلى الصلاة قبل تناول الطعام ليس على الوجوب، انتهى.
وكتب الشيخ قُدِّس سرُّه في "اللامع" (٣): أشار بتقديم هذه الرواية إلى تخصيص الترجمة وما دلّ عليها من الروايات بما إذا كانت له فاقة إلى الطعام، انتهى.
وفي هامشه عن "تقرير الشيخ المكي": قوله: "فألقاها. . ." إلخ، فعلم أنه لم يكن مضطرًا من الأكل، وما سيجيئ من قوله: "فابدؤا بالعشاء" في حق المضطر، انتهى.
стр. 3024
(٥٩ - باب قول الله : ﴿فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا﴾ [الأحزاب: ٥٣])
ذكر فيه حديث أنس في قصة زينب بنت جحش والبناء عليها ونزول آية الحجاب، المراد بالانتشار ههنا التوجه عن مكان الطعام للتخفيف عن صاحب المنزل كما هو مقتضى الآية، وقد مر مستوفى في تفسير سورة الأحزاب، انتهى من "الفتح" (١).
أما براعة الاختتام فكما تقدم في "مقدمة اللامع" (٢) أنها في قوله: "وأنزل الحجاب" فإن الرجل محجوب في قبره.
* * *
стр. 3025
٧١ - كتاب العقيقة
بفتح العين المهملة، وهي لغة: الشعر الذي على رأس الولد حين ولادته، وشرعًا: ما يذبح عند حلق شعره؛ لأن مذبحه يعقّ، أي: يشقّ ويقطع، ولأن الشعر يحلق إذ ذاك، وقال ابن أبي الدم: قال أصحابنا: يستحب تسميتها نسيكة أو ذبيحة، وتكره تسميتها عقيقة، كما تكره تسمية العشاء عتمة، والمعنى فيها إظهار البشر والنعمة ونشر النسب. . .، إلى آخر ما ذكر العلامة القسطلاني (١) في حكمها شرعًا.
وفي هامش "اللامع" (٢): بسط الكلام على هذا الباب في "الأوجز"، وذكر فيه عشرة أبحاث: الأول: في لغتها، والثاني: في حكمها، والثالث: في وقتها، وفيه أنه إذا فات الوقت هل تقضى أم لا؟ الرابع: هل تختص بالذكر أو تسن للأنثى أيضًا، والخامس: هل يفرق بين الذكر والأنثى بالشاة والشاتين أو هي شاة شاة لكل منهما؟ والسادس: هل تختص بالشاة أو تكون من البقر والإبل أو الشركة فيهما أيضًا؟ والسابع: هل يشترط فيها ما يشترط في الضحايا؟ والثامن: المكلف بها الوالد خاصة أو غيره أيضًا، ويدخل فيه أنه إذا لم يعق عن الصغير هل يعق عن نفسه بعد البلوغ، التاسع: هل يكسر عظامها في الطبخ أم لا؟ العاشر: هل يلطخ رأس الصبي بدم العقيقة أم لا؟ فهذه عشرة أبحاث بسط الكلام عليها في "الأوجز" مفصلًا.
أما البحث الثاني فقد اختلف العلماء في حكمها على مذاهب: أولها: أنها واجبة، وهو مذهب الليث وداود وأبي الزناد، وهو رواية عن أحمد
стр. 3026
وروي عن الحسن وأهل الظاهر، وقال ابن حزم: هي فرض واجب يجبر الإنسان عليه إذا فضل من قوته مقدارها.
القول الثاني: أنها سُنَّة مؤكدة حكاها شارح "الإقناع" من فروع الشافعية، وهو مقتضى كلام صاحب "الروض المربع" من فروع الحنابلة، وبه جزم صاحب "نيل المآرب" منهم، وحكاه ابن عابدين أيضًا عن الشافعي وأحمد.
الثالث: الندب، جزم به الدردير، وهو نص الإمام مالك في "الموطأ".
واختلفت الروايات في ذلك عن الحنفية، والمعروف في فروعهم أنها مندوبة، وهو الصواب، والثانية أنها مباحة، والثالثة أنها بدعة، وأنكرها العيني وبسط الكلام على ردّ هذا القول، وأثبت الاستحباب في "الأوجز"، انتهى من هامش "اللامع". وفي "الفيض" (١): وهي مستحبة كما في "العالمكَيرية"، وفي "البدائع": أنها منسوخة.
قلت: وإنما حملته عليه عبارة محمد في "موطئه" قال محمد: العقيقة بلغنا أنها كانت في الجاهلية، وقد جعلت في أول الإسلام ثم نسخ الأضحى كل ذبح كان قبله. . .، إلى آخر ما قال.
قال العلامة القسطلاني (٢): والأصل فيها الأحاديث كحديث "الغلام مرتهن بعقيقته تذبح عنه يوم السابع ويحلق رأسه" رواه الترمذي (٣) وقال: حسن صحيح، وعند البزار عن ابن عباس مرفوعًا: "للغلام عقيقتان وللجارية عقيقة" وقال: لا نعلمه بهذا اللفظ إلا بهذا الإسناد، انتهى.
وقال الحافظ (٤): ووقع في عدة أحاديث "عن الغلام شاتان وعن الجارية شاة"، انتهى.
стр. 3027
(١ - باب تسمية المولود غداة يولد لمن لم يعق عنه)
قال الحافظ (١): وقضية أن من لم يرد أن يعق عنه لا يؤخر تسميته إلى السابع، كما وقع في قصة إبراهيم بن أبي موسى وعبد الله بن أبي طلحة، وكذلك إبراهيم ابن النبي ﷺ وعبد الله بن الزبير، فإنه لم ينقل أنه عقّ عن أحد منهم، ومن أريد أن يعق عنه تؤخر تسميته إلى السابع، كما سيأتي في الأحاديث الأخرى، وهو جمع لطيف لم أره لغير البخاري.
قوله: (وتحنيكه) أي: غداة يولد، وكأنه قيد بالغداة اتباعًا للفظ الخبر، والغداة تطلق ويراد بها مطلق الوقت وهو المراد هنا، وإنما اتفق تأخير ذلك لضرورة الواقع، والتحنيك: مضغ الشيء ووضعه في فم الصبي ودلك حنكه به، ويصنع ذلك بالصبي ليتمرن على الأكل ويقوى عليه، انتهى.
قوله: (ساق الحديث. . .) إلخ، في الحاشية (٢): هذا يوهم أنه يريد الحديث الذي قبله، وليس كذلك؛ لأن لفظهما مختلف، وهما حديثان عند ابن عون: أحدهما عنده عن أنس بن سيرين وهو المذكور ههنا، والثاني عنده عن محمد بن سيرين عن أنس، وقد ساقه المصنف في اللباس بهذا الإسناد، انتهى.
وبسط الحافظ الاختلاف في سنده.
(٢ - باب إماطة الأذى عن الصبي في العقيقة)
قال العيني (٣): وفي "التوضيح": وإماطة الأذى عن الصبي: حلق الشعر الذي على رأسه، انتهى.
стр. 3028
وفي هامش "اللامع" (١): واختلفوا في مصداق الأذى؟ قال الكرماني: قيل: هو إما الشعر وإما الدم وإما الختان، قال الخطابي: قال محمد بن سيرين: لما سمعنا هذا الحديث طلبنا من يعرف إماطة الأذى عنه فلم نجد، وقيل: المراد بالأذى هو شعره الذي علق به دم الرحم فيماط عنه بالحلق، وقيل: إنهم كانوا يلطخون رأس الصبي بدم العقيقة وهو أذى فنهى عن ذلك، أقول: يحتمل أن يراد به آثار دم الرحم فقط، انتهى.
وقال الحافظ: وقع عند أبي داود عن ابن سيرين: إن لم يكن الأذى حلق الرأس فلا أدري ما هو، وجزم الأصمعي بأنه حلق الرأس، انتهى مختصرًا.
والأوجه عند هذا العبد الضعيف - عفا الله تعالى عنه - أن المراد بالأذى البلايا المتعلقة بالمولود، قال القاري في شرح قوله ﷺ : "الغلام مرتهن بعقيقته" يعني: أنه محبوس سلامته عن الآفات بها، انتهى.
وفي "شرح شيخ الإسلام" (٢) على هامش النسخة المصرية: قوله "باب إماطة الأذى. . ." إلخ، أي: إزالة الشعر أو قلفة الختان عنه في وقت العقيقة، انتهى.
(٣ - باب الفرع)
بفتح الفاء والراء وبالعين المهملة، قال في "القاموس": وهو أول ولد تنتجه الناقة والغنم كانوا يذبحونه لآلهتهم، أو كانوا إذا تمت إبل واحد مائة، قدم بكره فنحره لصنمه، وكان المسلمون يفعلونه في صدر الإسلام ثم نسخ، انتهى من "القسطلاني" (٣).
وقال الحافظ (٤): والفرع أيضًا طعام يصنع لنتاج الإبل كالخرس للولادة، ويؤخذ من هذا مناسبة ذكر البخاري حديث الفرع مع العقيقة، انتهى.
стр. 3029
(٤ - باب العتيرة)
تفسيره مذكور في حديث الباب، قال العلامة القسطلاني (١): والعتيرة النسيكة التي تعتر، أي: تذبح، وكانوا يذبحونها في العشر الأول من رجب ويسمونها الرجبية، انتهى.
قال الحافظ (٢): قوله: "كانوا يذبحونه لطواغيتهم. . ." إلخ، فيه إشارة إلى علة النهي، واستنبط الشافعي منه الجواز إذا كان الذبح لله تعالى جمعًا بينه وبين حديث: "الفرع حق"، وهو حديث أخرجه أبو داود والنسائي والحاكم عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عبد الله بن عمرو، وقال الشافعي فيما نقله البيهقي في معنى قوله: "حق": أي: ليس بباطل، ولا مخالفة بينه وبين الحديث الآخر: "لا فرع ولا عتيرة"، فإن معناه لا فرع واجب ولا عتيرة واجبة.
وقال النووي: نص الشافعي في حرملة على أن الفرع والعتيرة مستحبان، وجزم أبو عبيد بأن العتيرة تستحب، وفي هذا تعقب على من قال: إن ابن سيرين تفرد بذلك، ونقل الطحاوي عن ابن عون أنه كان يفعله، ومال ابن المنذر إلى هذا، ثم نقل عن العلماء تركهما إلا ابن سيرين، وكذا ذكر عياض أن الجمهور على النسخ، وبه جزم الحازمي، وما تقدم نقله عن الشافعي يرد عليهم، وقد أخرج أبو داود من حديث أبي العشراء عن أبيه: "أن النبي ﷺ سئل عن العتيرة فحسنها"، وروى النسائي وصححه الحاكم (٣) من حديث الحارث بن عمرو: "أنه لقي رسول الله ﷺ في حجة الوداع، فقال رجل: يا رسول الله العتائر والفرائع؟ قال: من شاء عتر ومن شاء لم يعتر، ومن شاء فرع ومن شاء لم يفرع"، وهذا صريح في عدم الوجوب، لكن لا ينفي الاستحباب، انتهى ملخصًا من "الفتح".
ثم البراعة سكت عنها الحافظ، وعندي في قوله: "يذبحونه" (٤).
стр. 3030
٧٢ - كتاب الذبائح والصيد
قال العلامة العيني (١): أي: هذا كتاب في بيان أحكام الذبائح وأحكام الصيد وبيان التسمية عند إرسال الكلب على الصيد، والذبائح جمع ذبيحة بمعنى المذبوح، انتهى.
وفي نسخة "الفتح": "كتاب الذبائح والصيد، باب التسمية على الصيد".
قال الحافظ (٢): سقط "باب" لكريمة والأصيلي وأبي ذر وثبت للباقين، والصيد في الأصل مصدر صاد يصيد صيدًا، عومل معاملة الأسماء فأوقع على الحيوان المصاد، انتهى.
وفي نسخة "العيني": "كتاب الذبائح والصيد والتسمية على الصيد، باب التسمية على الصيد" وقال (٣): أي: هذا باب في بيان وجوب التسمية على الصيد، ولفظ "باب" لم يثبت في رواية كريمة.
ثم قال بعد حديث الباب: مطابقته للترجمة ظاهرة على تقدير وجود قوله: "باب التسمية على الصيد"، وإلا فقوله: "كتاب الذبائح والصيد والتسمية على الصيد" أظهر لأن في الحديث ثلاثة أشياء: مشروعية الصيد، ووجوب ذكاته حقيقة أو حكمًا، ووجوب التسمية، وللترجمة ثلاثة أجزاء يطابق كل واحد من الثلاثة المذكورة لكل واحد من أجزاء الترجمة، انتهى.
وليست لفظة "باب" في متن النسخ الهندية من البخاري، ولكن ذكرها في الحاشية بطريق النسخة.
стр. 3031
وقال الحافظ (١) في مطابقة الحديث بالترجمة: جرى المصنف على عادته في الإشارة إلى ما ورد في بعض طرق الحديث الذي يورده، وقد أورد البخاري بعده بقليل من طريق ابن أبي السفر عن الشعبي بلفظ: "إذا أرسلت كلبك وسميت فكل"، ومن رواية بيان عن الشعبي: "إذا أرسلت كلابك المعلمة وذكرت اسم الله فكل"، انتهى مختصرًا.
وفي "الهداية" (٢): الصيد الاصطياد، ويطلق على ما يصاد، والفعل مباح لغير المحرم في غير الحرم لقوله تعالى: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ [المائدة: ٢]، ولقوله : ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا﴾ [المائدة: ٩٦] وقوله ﵊ لعدي بن حاتم الطائي ﵁: "إذا أرسلت كلبك المعلم فذكرت اسم الله عليه فكل" الحديث، وعلى إباحته انعقد الإجماع. . .، إلى آخر ما ذكر.
ثم الاصطياد على نوعين: أحدهما الاصطياد بالجوارح كالكلاب المعلمة وغيرها من الحيوان، والثاني الاصطياد بالرمي فذكر الإمام البخاري النوع الثاني بالباب الآتي.
(١ - باب صيد المعراض)
بكسر الميم وسكون العين المهملة وفي آخره ضاد معجمة، قال الخليل وآخرون: هو سهم لا ريش له ولا نصل، وقال ابن دريد وابن سيده: سهم طويل له أربع قذذ رقاق، فإذا رمى به اعترض، وقال الخطابي: المعراض نصل عريض له ثقل ورزانة، وقيل: عود رقيق الطرفين غليظ الوسط، وهو المسمى بالحذافة، وقال ابن التِّين: المعراض عصا في طرفها حديدة يرمي الصائد بها الصيد فما أصاب بحده فهو ذكي فيؤكل، وما أصاب بغير حده فهو وقيذ، انتهى من "العيني" (٣).
стр. 3032
وفي "القسطلاني" (١): قال النووي: المعراض خشبة ثقيلة أو عصا في طرفها حديدة، وقد تكون بغير حديدة، هذا هو الصحيح في تفسيره، ثم ذكر نحو ما تقدم من الأقوال.
وفي هامش النسخة الهندية (٢): قيل: لا وجه لذكر أثر ابن عمر ولا الآثار التي بعده في هذا الباب، قلت: فيه وجه حسن، وهو أن المقتولة بالبندقة موقوذة، كما أن مقتولة المعراض بغير حده موقوذة، وهذا المقدار كاف في بيان المطابقة، انتهى من "العيني".
(٢ - باب ما أصاب المعراض بعرضه)
قال العلامة القسطلاني (٣) تبعًا للعلامة العيني: أي: حكم ما أصاب المعراض من الصيد بعرضه، وهكذا شرح الباب الأول إذ قال في الباب السابق: أي: حكم صيد المعراض، وعلى هذا يلزم التكرار بين الترجمتين، فالأوجه أن يقال في الفرق بين الترجمتين: إن الغرض من السابق بيان لمصداق صيد المعراض، وأنه يشمل صيد البندقة أيضًا، والغرض من هذا الباب بيان حكمه فافترقا.
(٣ - باب صيد القوس)
أي: بيان حكم الصيد بالقوس، قاله العيني والقسطلاني (٤).
وفي "شرح شيخ الإسلام" (٥): أي: بيان حكم مصيد سهمه، انتهى.