وفي هامش "اللامع" (١): واختلفوا في مصداق الأذى؟ قال الكرماني: قيل: هو إما الشعر وإما الدم وإما الختان، قال الخطابي: قال محمد بن سيرين: لما سمعنا هذا الحديث طلبنا من يعرف إماطة الأذى عنه فلم نجد، وقيل: المراد بالأذى هو شعره الذي علق به دم الرحم فيماط عنه بالحلق، وقيل: إنهم كانوا يلطخون رأس الصبي بدم العقيقة وهو أذى فنهى عن ذلك، أقول: يحتمل أن يراد به آثار دم الرحم فقط، انتهى.
وقال الحافظ: وقع عند أبي داود عن ابن سيرين: إن لم يكن الأذى حلق الرأس فلا أدري ما هو، وجزم الأصمعي بأنه حلق الرأس، انتهى مختصرًا.
والأوجه عند هذا العبد الضعيف - عفا الله تعالى عنه - أن المراد بالأذى البلايا المتعلقة بالمولود، قال القاري في شرح قوله ﷺ : "الغلام مرتهن بعقيقته" يعني: أنه محبوس سلامته عن الآفات بها، انتهى.
وفي "شرح شيخ الإسلام" (٢) على هامش النسخة المصرية: قوله "باب إماطة الأذى. . ." إلخ، أي: إزالة الشعر أو قلفة الختان عنه في وقت العقيقة، انتهى.
(٣ - باب الفرع)
بفتح الفاء والراء وبالعين المهملة، قال في "القاموس": وهو أول ولد تنتجه الناقة والغنم كانوا يذبحونه لآلهتهم، أو كانوا إذا تمت إبل واحد مائة، قدم بكره فنحره لصنمه، وكان المسلمون يفعلونه في صدر الإسلام ثم نسخ، انتهى من "القسطلاني" (٣).
وقال الحافظ (٤): والفرع أيضًا طعام يصنع لنتاج الإبل كالخرس للولادة، ويؤخذ من هذا مناسبة ذكر البخاري حديث الفرع مع العقيقة، انتهى.
стр. 3029
(٤ - باب العتيرة)
تفسيره مذكور في حديث الباب، قال العلامة القسطلاني (١): والعتيرة النسيكة التي تعتر، أي: تذبح، وكانوا يذبحونها في العشر الأول من رجب ويسمونها الرجبية، انتهى.
قال الحافظ (٢): قوله: "كانوا يذبحونه لطواغيتهم. . ." إلخ، فيه إشارة إلى علة النهي، واستنبط الشافعي منه الجواز إذا كان الذبح لله تعالى جمعًا بينه وبين حديث: "الفرع حق"، وهو حديث أخرجه أبو داود والنسائي والحاكم عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عبد الله بن عمرو، وقال الشافعي فيما نقله البيهقي في معنى قوله: "حق": أي: ليس بباطل، ولا مخالفة بينه وبين الحديث الآخر: "لا فرع ولا عتيرة"، فإن معناه لا فرع واجب ولا عتيرة واجبة.
وقال النووي: نص الشافعي في حرملة على أن الفرع والعتيرة مستحبان، وجزم أبو عبيد بأن العتيرة تستحب، وفي هذا تعقب على من قال: إن ابن سيرين تفرد بذلك، ونقل الطحاوي عن ابن عون أنه كان يفعله، ومال ابن المنذر إلى هذا، ثم نقل عن العلماء تركهما إلا ابن سيرين، وكذا ذكر عياض أن الجمهور على النسخ، وبه جزم الحازمي، وما تقدم نقله عن الشافعي يرد عليهم، وقد أخرج أبو داود من حديث أبي العشراء عن أبيه: "أن النبي ﷺ سئل عن العتيرة فحسنها"، وروى النسائي وصححه الحاكم (٣) من حديث الحارث بن عمرو: "أنه لقي رسول الله ﷺ في حجة الوداع، فقال رجل: يا رسول الله العتائر والفرائع؟ قال: من شاء عتر ومن شاء لم يعتر، ومن شاء فرع ومن شاء لم يفرع"، وهذا صريح في عدم الوجوب، لكن لا ينفي الاستحباب، انتهى ملخصًا من "الفتح".
ثم البراعة سكت عنها الحافظ، وعندي في قوله: "يذبحونه" (٤).
стр. 3030
٧٢ - كتاب الذبائح والصيد
قال العلامة العيني (١): أي: هذا كتاب في بيان أحكام الذبائح وأحكام الصيد وبيان التسمية عند إرسال الكلب على الصيد، والذبائح جمع ذبيحة بمعنى المذبوح، انتهى.
وفي نسخة "الفتح": "كتاب الذبائح والصيد، باب التسمية على الصيد".
قال الحافظ (٢): سقط "باب" لكريمة والأصيلي وأبي ذر وثبت للباقين، والصيد في الأصل مصدر صاد يصيد صيدًا، عومل معاملة الأسماء فأوقع على الحيوان المصاد، انتهى.
وفي نسخة "العيني": "كتاب الذبائح والصيد والتسمية على الصيد، باب التسمية على الصيد" وقال (٣): أي: هذا باب في بيان وجوب التسمية على الصيد، ولفظ "باب" لم يثبت في رواية كريمة.
ثم قال بعد حديث الباب: مطابقته للترجمة ظاهرة على تقدير وجود قوله: "باب التسمية على الصيد"، وإلا فقوله: "كتاب الذبائح والصيد والتسمية على الصيد" أظهر لأن في الحديث ثلاثة أشياء: مشروعية الصيد، ووجوب ذكاته حقيقة أو حكمًا، ووجوب التسمية، وللترجمة ثلاثة أجزاء يطابق كل واحد من الثلاثة المذكورة لكل واحد من أجزاء الترجمة، انتهى.
وليست لفظة "باب" في متن النسخ الهندية من البخاري، ولكن ذكرها في الحاشية بطريق النسخة.
стр. 3031
وقال الحافظ (١) في مطابقة الحديث بالترجمة: جرى المصنف على عادته في الإشارة إلى ما ورد في بعض طرق الحديث الذي يورده، وقد أورد البخاري بعده بقليل من طريق ابن أبي السفر عن الشعبي بلفظ: "إذا أرسلت كلبك وسميت فكل"، ومن رواية بيان عن الشعبي: "إذا أرسلت كلابك المعلمة وذكرت اسم الله فكل"، انتهى مختصرًا.
وفي "الهداية" (٢): الصيد الاصطياد، ويطلق على ما يصاد، والفعل مباح لغير المحرم في غير الحرم لقوله تعالى: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ [المائدة: ٢]، ولقوله : ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا﴾ [المائدة: ٩٦] وقوله ﵊ لعدي بن حاتم الطائي ﵁: "إذا أرسلت كلبك المعلم فذكرت اسم الله عليه فكل" الحديث، وعلى إباحته انعقد الإجماع. . .، إلى آخر ما ذكر.
ثم الاصطياد على نوعين: أحدهما الاصطياد بالجوارح كالكلاب المعلمة وغيرها من الحيوان، والثاني الاصطياد بالرمي فذكر الإمام البخاري النوع الثاني بالباب الآتي.
(١ - باب صيد المعراض)
بكسر الميم وسكون العين المهملة وفي آخره ضاد معجمة، قال الخليل وآخرون: هو سهم لا ريش له ولا نصل، وقال ابن دريد وابن سيده: سهم طويل له أربع قذذ رقاق، فإذا رمى به اعترض، وقال الخطابي: المعراض نصل عريض له ثقل ورزانة، وقيل: عود رقيق الطرفين غليظ الوسط، وهو المسمى بالحذافة، وقال ابن التِّين: المعراض عصا في طرفها حديدة يرمي الصائد بها الصيد فما أصاب بحده فهو ذكي فيؤكل، وما أصاب بغير حده فهو وقيذ، انتهى من "العيني" (٣).
стр. 3032
وفي "القسطلاني" (١): قال النووي: المعراض خشبة ثقيلة أو عصا في طرفها حديدة، وقد تكون بغير حديدة، هذا هو الصحيح في تفسيره، ثم ذكر نحو ما تقدم من الأقوال.
وفي هامش النسخة الهندية (٢): قيل: لا وجه لذكر أثر ابن عمر ولا الآثار التي بعده في هذا الباب، قلت: فيه وجه حسن، وهو أن المقتولة بالبندقة موقوذة، كما أن مقتولة المعراض بغير حده موقوذة، وهذا المقدار كاف في بيان المطابقة، انتهى من "العيني".
(٢ - باب ما أصاب المعراض بعرضه)
قال العلامة القسطلاني (٣) تبعًا للعلامة العيني: أي: حكم ما أصاب المعراض من الصيد بعرضه، وهكذا شرح الباب الأول إذ قال في الباب السابق: أي: حكم صيد المعراض، وعلى هذا يلزم التكرار بين الترجمتين، فالأوجه أن يقال في الفرق بين الترجمتين: إن الغرض من السابق بيان لمصداق صيد المعراض، وأنه يشمل صيد البندقة أيضًا، والغرض من هذا الباب بيان حكمه فافترقا.
(٣ - باب صيد القوس)
أي: بيان حكم الصيد بالقوس، قاله العيني والقسطلاني (٤).
وفي "شرح شيخ الإسلام" (٥): أي: بيان حكم مصيد سهمه، انتهى.
стр. 3033
قوله: (وقال الحسن وابراهيم: إذا ضرب صيدًا فبان منه يد أو رجل. . .) إلخ، قال العيني (١): قيل: لا وجه لإيراد الأثر المذكور في هذا الباب.
قلت: له وجه؛ لأنه يمكن ضرب صيد بسهم قوس فأبان منه يده أو رجله، انتهى.
والمسألة خلافية، قال الحافظ (٢): قال ابن المنذر: اختلفوا في هذه المسألة؟ فقال ابن عباس وعطاء: لا تأكل العضو منه، وذكِّ الصَّيْدَ وكُلْه، وقال عكرمة: إن عدا حيًّا بعد سقوط العضو منه فلا تأكل العضو، وذكِّ الصيد وكلْه، وإن مات حين ضرب فكلْه كُلَّه، وبه قال الشافعي، وقال: لا فرق أن ينقطع قطعتين أو أقل إذا مات من تلك الضربة، وعن الثوري وأبي حنيفة: إن قطعه نصفين أُكلا جميعًا، وإن قطع الثلث مما يلي الرأس فكذلك، ومما يلي العجز أُكل الثلثين مما يلي الرأس، ولا يأكل الثلث الذي يلي العجز، انتهى.
وهكذا ذكر المذاهب العلامة العيني (٣) وزاد: وفي "التمهيد" عن مالك: إن قطع عضوه لا يؤكل العضو وأكل الباقي، انتهى.
وفي "الهداية" (٤): وإذا رمى صيدًا فقطع عضوًا منه أكل الصيد ولا يؤكل العضو، وقال الشافعي: أكلا إن مات الصيد منه؛ لنا قوله ﵇: "ما أبين من الحي فهو ميت". . .، إلى آخر ما ذكر في الدلائل.
قوله: (وإذا ضربت عنقه أو وسطه فكله) كتب الشيخ - قُدِّس سرُّه - في "اللامع" (٥): لأنه لا يمكن بقاؤه دون العنق، وكذلك إذا تقطع قطعتين فلم يبق مبانًا من الحي، بل هو مبان من المذكى، فلا يكون حرامًا، وهذا هو المذهب، انتهى.
стр. 3034
(٤ - باب الخذف والبندقة)
أي: حكمهما، والخذف بالخاء والذال المعجمتين والفاء: الرمي بحصى أو نوى بين سبابتيه وبين الإبهام والسبابة، كذا في "القسطلاني" (١).
قال الحافظ (٢): قال المهلب: أباح الله الصيد على صفة فقال: ﴿تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ﴾ [المائدة: ٩٤]، وليس الرمي بالبندقة ونحوها من ذلك، وإنما هو وقيذ، وأطلق الشارع أن الخذف لا يصاد به؛ لأنه ليس من المجهزات، وقد اتفق العلماء إلا من شذ منهم على تحريم أكل ما قتلته البندقة والحجر، انتهى. وإنما كان كذلك لأنه يقتل الصيد بقوة راميه لا بحده، انتهى.
قلت: وسيأتي في "كتاب الأدب" "باب الخذف" ولا يتوهم التكرار، فإن الغرض ههنا بيان حكم صيدهما، والغرض هناك النهي عن هذا الفعل.
(٥ - باب من اقتنى كلبًا ليس بكلب صيد أو ماشية)
الاقتناء هو الاتخاذ والادخار للقنية، قاله العيني (٣).
وقال الحافظ: (٤) وقد أورد المصنف حديث الباب من حديث أبي هريرة في "المزارعة" وفي "بدء الخلق"، انتهى.
(٦ - باب إذا أكل الكلب. . .) إلخ
قال العلامة العيني (٥): وجواب "إذا" محذوف تقديره: إذا أكل الكلب من الصيد لا يؤكل، ولم يذكره اعتمادًا على ما يفهم من متن الحديث، انتهى.
ومسألة الباب خلافية، قال الحافظ (٦): في الحديث تحريم أكل الصيد
стр. 3035
الذي أكل الكلب منه ولو كان الكلب معلمًا، وقد علل في الحديث بالخوف من أنه إنما أمسك على نفسه، وهذا قول الجمهور وهو الراجح من قولي الشافعي، وقال في القديم وهو قول مالك ونقل عن بعض الصحابة: يحل، واحتجوا بما ورد في حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: أن أعرابيًا يقال له: أبو ثعلبة قال: يا رسول الله إن لي كلابًا مكلبة فأفتني في صيدها؟ قال: "كل مما أمسكن عليك" قال: وإن أكل منه؟ قال: "وإن أكل منه" أخرجه أبو داود (١) ولا بأس بسنده، إلى آخر ما بسط الحافظ من الجمع بين الحديثين.
قلت: وهذا الاختلاف مبني على اختلافهم في صفة التعليم وشروطه، كما بسط الكلام على ذلك في "الأوجز" (٢)، وذكر فيه الاختلاف في صفة تعليم السباع، وكذا اختلافهم في صفة تعليم الطير وشرائطه.
قوله: (وقال عطاء: إن شرب الدم. . .) إلخ، أي: قال عطاء بن أبي رباح: إن شرب الكلب دم الصيد "ولم يأكل" من لحمه "فكل" يعني: كل هذا الصيد، وهذا التعليق رواه ابن أبي شيبة في "مصنفه"، وذكر عن عدي بن أبي حاتم: إن شرب من دمه فلا تأكل، فإنه لم يتعلم ما علمته، وزعم ابن حزم أن الجارح إذا شرب من دم الصيد لم يضر ذلك شيئًا، إلى آخر ما ذكر (٣).
قلت: وبه قال الحنفية، بل قال ابن عابدين (٤): هو أشدّ تعليمًا إذا شرب ما يحرم على الصائد، وترك ما يحل له، انتهى.
(٧ - باب الصيد إذا غاب عنه يومين أو ثلاثة)
أي: عن الصائد، قال العلامة العيني (٥) تحت حديث الباب: وهذا الحديث مشتمل على أحكام إلى أن قال: الرابع: إذا رمى الصيد وغاب عنه
стр. 3036
ثم وجد بعد يوم أو بعد يومين، وليس به إلا أثر سهمه فإنه يؤكل، واختلف العلماء فيه؟ فقال الأوزاعي: إذا وجده من الغد ميتًا ووجد سهمه أو أثرًا من كلبه فليأكله، وهو قول أشهب وابن الماجشون، وروي عن مالك، والمعروف عنه خلافه، ففي "الموطأ" و"المدونة": لا بأس بأكل الصيد وإن غاب عنك مصرعه إذا وجدت به أثرًا من كلبك أو كان به سهمك ما لم يبت، فإذا بات لم يؤكل، وعنه الفرق بين السهم فيؤكل، وبين الكلب فلا يؤكل، وقال أبو حنيفة: إذا توارى عنه الصيد والكلب في طلبه فوجده مقتولًا والكلب عنده كرهت أكله، وقال الشافعي: القياس أنه لا يؤكل إذا غاب عنه لاحتمال أن غيره قتله، وقال النووي: الحِلّ أصح، انتهى.
وبسط الكلام على المسألة في "الأوجز" (١) من كتب فروع الأئمة وفيه: قال الخرقي: إذا رماه فغاب عنه، فوجده ميتًا وسهمه فيه، ولا أثر به غيره، حلّ أكله، قال الموفق: هذا هو المشهور عن أحمد، وكذلك لو أرسل كلبه على صيد فغاب عنه، ثم وجده ميتًا ومعه كلبه حلّ، وعن أحمد: إن غاب نهارًا فلا بأس به، وإن غاب ليلًا لم يأكله، وعن مالك كالروايتين، وعن أحمد ما يدل: إن غاب مدةً طويلةً لم يبح، وإن كانت يسيرة أبيح؛ لأنه قيل له: إن غاب يومًا؟ قال: يوم كثير، وكره عطاء والثوري أكل ما غاب، وعن أحمد مثل ذلك، وقال أبو حنيفة: يباح إن لم يكن ترك طلبه، وإن تشاغل عنه ثم وجده لم يبح، انتهى.
وقال النووي في "شرح مسلم" - تحت حديث الباب -: هذا دليل لمن يقول: إذا أثر جرحه فغاب عنه فوجده ميتًا ليس فيه أثر غير سهمه حلّ، وهو أحد قولي الشافعي ومالك، والثاني يحرم، وهو الأصح عند أصحابنا، والثالث يحرم في الكلب دون السهم، والأول أقوى وأقرب إلى الأحاديث الصحيحة، انتهى.
стр. 3037
قلت: والمدار عندنا على أمرين: أحدهما أن لا يقعد عن طلبه، والثاني أن لا يجد به جراحة سوى جراحة سهمه، فإن فقد أحد الشرطين لم يحل كما في "الهداية" (١) وغيره.
(٨ - باب إذا وجد مع الصيد كلبًا آخر)
ذكر فيه حديث عدي بن حاتم، وقد تقدم البحث في ذلك في الباب الأول، قاله الحافظ (٢).
(٩ - باب ما جاء في التصيد)
وفي "شرح شيخ الإسلام" (٣): أي: ما جاء في التكلف بالصيد والاشتغال به للتكسب، انتهى.
قال ابن المنيِّر: مقصوده بهذه الترجمة التنبيه على أن الاشتغال بالصيد لمن هو عيشه به مشروع، ولمن عرض له ذلك وعيشه بغيره مباح، وأما التصيد لمجرد اللهو فهو محل الخلاف.
قال الحافظ (٤): وقد تقدم البحث في ذلك في الباب الأول، انتهى.
وقال في الباب الأول الذي أحال عليه ههنا: وفيه (٥) - أي: حديث عدي - إباحة الاصطياد للانتفاع بالصيد للأكل والبيع، وكذا للَّهو بشرط قصد التزكية والانتفاع، وكرهه مالك وخالفه الجمهور، قال الليث: لا أعلم حقًّا أشبه بباطل منه، فلو لم يقصد الانتفاع به حرم؛ لأنه من الفساد في الأرض بإتلاف نفس عبثًا. . .، إلى آخر ما ذكر.
وفي "القسطلاني" (٦) تحت ترجمة الباب: أي: التكلف بالصيد والاشتغال به للتكسب أكلًا وبيعًا مما يدل لمشروعيته أو إباحته، انتهى.
стр. 3038
قلت: وهو كذلك، وإنما أثبت مشروعيته دفعًا لما يتوهم من حديث السنن عن ابن عباس مرفوعًا: "من سكن البادية جفا، ومن اتبع الصيد غفل" أخرجه الإمام أبو داود في "سننه" (١) في "باب اتباع الصيد"، وكذا أخرجه الترمذي أيضًا، ومحمل هذا الحديث فيما إذا توغَّل في اتباع الصيد وانهمك به، فقد كتب شيخنا في "البذل" (٢): لأنه إذا استولى عليه رغبة اتباع الصيد وحبه يغفل عن الصلاة وغيرها من الواجبات، أو يحمل على ما إذا لم يقصد به الانتفاع بالصيد بل قصد اللهو فقط، والله تعالى أعلم.
وقال الحافظ (٣) تحت حديث أنس: "أنفجنا أرنبًا ونحن بمر الظهران" الحديث كما سيأتي: وفي الحديث أيضًا جواز استثارة الصيد والغدو (٤) في طلبه، وأما ما أخرجه أبو داود والنسائي من حديث "من اتبع الصيد غفل" فهو محمول على من واظب على ذلك حتى يشغله عن غيره من المصالح الدينية وغيرها.
(١٠ - باب التصيد على الجبال)
بالجيم جمع جبل بالتحريك، أورد فيه حديث أبي قتادة في قصة الحمار الوحشي لقوله فيه: كنت رقّاء على الجبال، وهو بتشديد القاف مهموز، أي: كثير الصعود عليها، قال ابن المنيِّر: نبَّه بهذه الترجمة على جواز ارتكاب المشاق لمن له غرض لنفسه أو لدابته إذا كان الغرض مباحًا، وأن التصيد في الجبال كهو في السهل، وأن إجراء الخيل في الوعر جائز للحاجة، وليس هو من تعذيب الحيوان، انتهى من "الفتح" (٥).
стр. 3039
(١١ - باب قول الله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ﴾ [المائدة: ٩٦])
قال العلامة العيني (١): روى سعيد بن جبير وسعيد بن المسيب عن ابن عباس في قوله: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ﴾ يعني: ما يصطاد منه طريًّا ﴿وَطَعَامُهُ﴾ ما يتزود منه مليحًا يابسًا، انتهى.
قوله: (وقال عمر ﵁. . .) إلخ، وصله المصنف في "التاريخ" وعبد بن حميد عن أبي هريرة قال: لما قدمت البحرين سألني أهلها عما قذف البحر؟ فأمرتهم أن يأكلوه، فلما قدمت على عمر فذكر قصة قال: فقال عمر: قال الله في كتابه: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ﴾ فصيده ما صيد وطعامه ما قذف به، انتهى (٢).
قلت: اختلفوا في تفسير قوله تعالى: ﴿وَطَعَامُهُ﴾، ففي "تفسير الجلالين" (٣): ﴿وَطَعَامُهُ﴾ ما يقذفه إلى الساحل ميتًا، انتهى.
وفي هامشه: كذا فسر عمر وابنه وابن عباس وأبو هريرة كما حكاه البغوي، وبه قال الشافعي: إنه يحل أكل جميع صيود البحر وما ألقاه ميتًا، وقال الزمخشري: صيد البحر مصيداته مما يؤكل ولا يؤكل، وطعامه ما يطعم من صيده، والمعنى: أحل لكم الانتفاع بجميع ما يصاد في البحر، وأحل لكم أكل المأكول منه وهو السمك وحده، انتهى.
وهذا على قول أبي حنيفة أنه لا يحل من البحر إلا السمك ولا يحل أكل الطافي، وقيل: صيده طريه، وطعامه مالحه، انتهى.
قوله: (وقال أبو بكر: الطافي حلال) وصله أبو بكر بن أبي شيبة والطحاوي والدارقطني من رواية عبد الملك بن أبي بشير عن عكرمة عن ابن عباس قال: أشهد على أبي بكر أنه قال: السمكة الطافية حلال، انتهى.
стр. 3040
والطافي بغير همز من طفا يطفو: إذا علا الماء ولم يرسب، انتهى من "الفتح" (١).
وكتب الشيخ قُدِّس سرُّه في "اللامع" (٢): قوله: الطافي حلال، وأنت تعلم أن الترجيح عند اجتماع المحرم والمبيح للمحرم لا غير، انتهى.
وفي هامشه: أشار الشيخ بذلك إلى اختلاف الروايات فيه كما بسط في "الأوجز" (٣)، والمسألة خلافية شهيرة، وهي أن الطافي مباح عند الأئمة الثلاثة وغير مباح عندنا الحنفية، وبقولهم قال جماعة من الصحابة والتابعين بسطت أسماؤهم في "الأوجز"، وفيه: ولنا حديث جابر مرفوعًا: "ما ألقى البحر أو جزر عنه فكلوه، وما مات فيه فطفا فلا تأكلوه" رواه أبو داود (٤)، وما تكلموا عليه أجاب عنه الزيلعي ولخَّص كلامه الشيخ في "البذل" (٥)، وأكثر ما أوردوا عليه أنه موقوف، قال القاري في "المرقاة": لا يضر وقفه، فإن الموقوف في هذا كالمرفوع كما هو المعروف. . .، إلى آخر ما ذكر في هامش "اللامع".
قوله: (وأما الطير فأرى أن يذبحه. . .) إلخ، كتب الشيخ قُدِّس سرُّه في "اللامع" (٦): أي: مائي المعاش غير مائي المولد، وقوله: "أصيدُ بحرٍ؟ قال: نعم" وكان منشأ سؤاله اختصاص البحر بالمعظم منه المحيط بأقطار العالم وهو مالح، ولذلك استدل على دفع توهمه بقوله تعالى: ﴿هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ﴾ ليظهر أن الحكم فيهما سواء، وإذا ثبت الحكم في البحر العذب ثبت في الأنهار والفلات وغير ذلك قياسًا.
قوله: (قال أبو الدرداء في المري. . .) إلخ، يعني: أنه استفتي في المري ماذا حكمه؟ فقال: إنه حلال أحلّه الحيتان ذوات الملح إلا أنه عبّر عن الحل بالذكاة لما أنها سببه، انتهى.
стр. 3041
وبسط الكلام على هذه الأقوال في هامش "اللامع"، وفيه أيضًا: قال الحافظ: وكان أبو الدرداء وجماعة من الصحابة يأكلون هذا المري المعمول بالخمر، وأدخله البخاري في طهارة صيد البحر، يريد أن السمك طاهر حلال، وأن طهارته وحلّه يتعدى إلى غيره كالملح، حتى يصير الحرام النجس بإضافتها إليه طاهرًا حلالًا، وهذا على رأي من يجوز تخليل الخمر، وهو قول أبي الدرداء وجماعة، انتهى.
قال العلامة العيني: إن أبا الدرداء ممن يرى جواز تخليل الخمر، وهو مذهب الحنفية، انتهى.
قلت: والمسألة خلافية شهيرة، ذكر ههنا في هامش "اللامع" فارجع إليه لو شئت.
قوله: (فألقى البحر حوتًا ميتًا. . .) إلخ، قال صاحب "الفيض" (١): وليس كذلك، بل ألقاه البحر خارجه، فمات في البر لعدم الماء، فليس ذلك الطافي، انتهى.
(١٢ - باب أكل الجراد)
ذكر الحافظ شيئًا من أحوال الجراد والاختلاف في أصله وحقيقته، وهل هو برّيّ أو بحري؟ ثم قال (٢): قد أجمع العلماء على جواز أكله بغير تذكية، إلا أن المشهور عند المالكية اشتراط تذكية، واختلفوا في صفتها، فقيل: يقطع رأسه، وقيل: إن وقع في قدر أو نار حلّ، وقال ابن وهب: أخذه ذكاته، ووافق مطرف منهم الجمهور في أنه لا يفتقر إلى ذكاته لحديث ابن عمر: "أحلت لنا ميتتان ودمان: السمك والجراد، والكبد والطحال" أخرجه أحمد والدارقطني (٣) مرفوعًا، وقال: إن الموقوف أصح، ورجح البيهقي أيضًا الموقوف إلا أنه قال: إن له حكم الرفع، انتهى.
стр. 3042
قال القسطلاني (١) تبعًا للعيني في شرح ترجمة الباب: أي: باب جواز أكل الجراد، انتهى.
قلت: ولعل الإمام البخاري أشار بهذه الترجمة إلى ثبوت أكله ﷺ الجراد، وإلى تضعيف ما ورد من حديث سلمان: "سئل ﷺ عن الجراد فقال: لا آكله ولا أحرمه" أخرجه أبو داود (٢).
وقال الحافظ (٣): قوله: "وكنا نأكل معه الجراد" يحتمل أن يريد بالمعية مجرد الغزو دون ما تبعه من أكل الجراد، ويحتمل أن يريد مع أكله، ويدل على الثاني أنه وقع في رواية أبي نعيم في "الطب": "ويأكل معنا"، وقال أيضًا في حديث سلمان المذكور: الصواب أنه مرسل.
(١٣ - باب آنية المجوس)
أي: حكمها في الاستعمال أكلًا وشربًا، واستشكل مطابقة الحديث للترجمة إذ ليس فيه ذكر ما ترجم به وهو المجوس، وأجاب ابن التِّين باحتمال أنه كان يرى أن المجوس أهل كتاب، وابن المنيِّر بأنه بناء على أن المحذور منهما واحد وهو عدم توقي النجاسات، وابن حجر بأنه أشار إلى ما عند الترمذي من طريق أخرى عن ثعلبة: "سئل رسول الله ﷺ عن قدور المجوس، فقال: أنقوها غسلًا واطبخوا فيها"، وهذه طريقة أكثر منها البخاري فيما كان سنده فيه مقال يترجم به، ثم يورد في الباب ما يؤخذ الحكم منه بطريق الإلحاق، انتهى من "القسطلاني" (٤).
(١٤ - باب التسمية على الذبيحة ومن ترك متعمدًا. . .) إلخ
وتقييده بالعمدية مشعر بالتفرقة بين العمد والنسيان، قاله القسطلاني (٥)
стр. 3043
وقال أيضًا: والحاصل من اختلاف العلماء تحريم تركها عمدًا ونسيانًا، وهو قول ابن سيرين والشعبي ورواية عن أحمد لظاهر الآية، أو تخصيص التحريم بغير النسيان، وهو مذهب الحنفية ومشهور مذهب المالكية والحنابلة (وإليه ميل المصنف ﵀ كما تقدم)، والإباحة مطلقًا عمدًا أو نسيانًا وهو مذهب الشافعية، وروي عن مالك وأحمد، إلى آخر ما ذكر من الدلائل.
(١٥ - باب ما ذبح على النصب والأصنام)
النصب بضم النون واحد الأنصاب، وقيل: النصب جمع والواحد نصاب، وقال الجوهري: النصب بسكون الصاد وضمها: ما نُصب وعُبد من دون الله، وقال الزمخشري: كانت لهم أحجار منصوبة حول البيت، يذبحون عليها، ويشرحون اللحم عليها تعظيمًا لها بذلك، ويتقربون به إليها تسمى الأنصاب، قاله العيني (١).
وقال القسطلاني (٢) بعد ذكر القول الثاني من هذه الأقوال: فقوله: "والأصنام" عطف تفسيري، وهي جمع صنم، وهو ما اتخذ إلهًا من دون الله، انتهى.
(١٦ - باب قول النبي ﷺ : "فليذبح على اسم الله ")
حديث الباب قد سبق في الضحايا قبل صلاة العيد، كذا في "القسطلاني" (٣).
ويشكل ههنا أن مؤدى هذه الترجمة وما تقدم من "باب التسمية على الذبيحة" واحد.
قال العلامة العيني (٤): قيل: فائدة هذه الترجمة بعد تقدم الترجمة على
стр. 3044
التسمية التنبيه على أن الناسي يذبح على اسم الله؛ لأنه لم يقل فيه: فليسم، وإنما جعل أصل ذبح المسلم على اسم الله من صفة فعله ولوازمه، كما ورد "ذكر الله على قلب كل مسلم سمى أو لم يسم"، انتهى.
قلت: وهذا وجيه وإن تعقب عليه العلامة العيني.
(١٧ - باب ما أنهر الدم من القصب والمروة والحديد)
أشار المصنف بذكرها إلى ما ورد في بعض طرق حديث رافع عند الطبراني: "أفنذبح بالقصب والمروة؟ "، وأما الحديد فمن قوله: "وليست معنا مدى"، فإن فيه إشارة إلى أن الذبح بالحديد كان مقررًا عندهم جوازه، كذا في الهامش (١) عن "الفتح".
وفي "الأوجز" (٢): قال ابن رُشد في "البداية": أجمع العلماء على أن كل ما أنهر الدم وفرى الأوداج من حديد أو صخر أو غيرهما أن التذكية به جائز، واختلفوا في ثلاثة: في السن، والظفر، والعظم، ولا خلاف في المذهب أن الزكاة بالعظم جائز إذا أنهر الدم، واختلف في السن والظفر على الأقاويل الثلاثة: أعني بالمنع مطلقًا، وبالفرق بين الانفصال والاتصال، وبالكراهة لا المنع، انتهى.
وقال الموفق: أما الآلة فلها شرطان: أحدهما: أن تكون محددة تقطع أو تخرق بحدها لا بثقلها، الثاني: أن لا تكون سنًا ولا ظفرًا، فإن اجتمع هذان الشرطان حلّ الذبح به، سواء كان حديدًا أو حجرًا أو خشبًا، وبهذا قال الشافعي وإسحاق، وبه قال أبو حنيفة إلا في السن والظفر فقال: إذا كانا منفصلين جاز، أما العظم غير السن فمقتضى إطلاق قول أحمد والشافعي إباحة الذبح به، وهو قول مالك وأصحاب الرأي، وقال
стр. 3045
ابن جريج: يذكى بعظم الحمار ولا يذكى بعظم القرد، وعن أحمد لا يذكى بعظم ولا ظفر، انتهى.
وفي "شرح الإقناع": وتجوز الذكاة بكل ما يجرح إلا بالسن والظفر وباقي العظام متصلًا كان أو منفصلًا من آدمي أو غيره؛ لحديث الصحيح "ليس السن والظفر. . ." إلخ، انتهى من "الأوجز" والبسط فيه.
(١٨ - باب ذبيحة الأمة والمرأة)
كأنه يشير إلى الردّ على من منع ذلك، ونقل محمد بن عبد الحكم عن مالك كراهته، وفي "المدونة" جوازه، وفي وجه للشافعية يكره ذبح المرأة الأضحية، وعند سعيد بن منصور بسند صحيح عن إبراهيم النخعي أنه قال في ذبيحة المرأة والصبي: لا بأس إذا أطاق الذبيحة وحفظ التسمية، وهو قول الجمهور، انتهى من "الفتح" (١).
وفيه أيضًا في فوائد الحديث: وفيه جواز أكل ما ذبحته المرأة سواء كانت حرة أو أمة، كبيرة أو صغيرة، مسلمة أو كتابية، طاهرًا أو غير طاهر؛ لأنه ﷺ أمر بأكل ما ذبحته ولم يستفصل، نصّ على ذلك الشافعي وهو قول الجمهور، وقد تقدم في صدر الباب، انتهى.
قال العيني (٢): واختلف في كراهة ذبح الخصي، وروى ابن حزم عن طاوس منع ذبيحة الزنجي، انتهى.
(١٩ - باب لا يذكى بالسن والعظم والظفر)
قال الكرماني: ترجم بالعظم ولم يذكره في الحديث، ولكن حكمه يعلم منه - لأن المذكور في الحديث، أعني: السن والظفر أيضًا من العظم -.
قال الحافظ (٣): والبخاري في هذا ماشٍ على عادته في الإشارة إلى
стр. 3046
ما يتضمنه أصل الحديث، فإن فيه: "أما السن فعظم"، وإن كانت هذه الجملة لم تذكر هنا لكنها ثابتة مشهورة في نفس الحديث، انتهى.
وتقدم بيان الاختلاف في مسألة الباب في "باب ما أنهر الدم. . ." إلخ.
(٢٠ - باب ذبيحة الأعراب ونحوهم)
وهم ساكن البادية من العرب الذين لا يقيمون في الأمصار ولا يدخلون المدن إلا لحاجة.
قوله: (ونحوهم) بالواو في رواية الأكثرين، وفي رواية الكشميهني والنسفي: "ونحرهم" بالراء من نحر الإبل.
ومطابقة الحديث للترجمة تؤخذ من قوله: "إن قومًا يأتوننا" لأن المراد منهم الأعراب الذين يأتون إليهم من البادية، انتهى من كلام العيني (١).
قلت: وفي رواية النسائي كما قال القسطلاني (٢) وغيره: "إن ناسًا من الأعراب" بدل قوله: "إن قومًا. . ." إلخ، ولم يتعرض الشرَّاح لما هو الغرض من الترجمة إلا ما أشار إليه صاحب "الفيض" (٣) إذ قال: "باب ذبيحة الأعراب" أي: الجهلاء الذين يتوهم فيهم ترك التسمية تهاونًا أو لجهلهم بالمسائل، وأيضًا أفاد في توجيه الحديث: وليس معنى قوله: "سموا عليه أنتم وكلوه" أن التسمية ليست بواجبة، بل معناه أن احملوا أنتم حالهم على أعدل الأحوال وسموا أنتم قبل الأكل، فإن محل تسميتكم الآن، فلا تغفلوا عنها، وأما محل تسميتهم فكان عند الذبح، والظاهر من حالهم أنهم قد أتوا بما وجب عليهم، انتهى.
وهكذا أفاد العلامة السندي (٤) في توجيه الحديث بالبسط والإيضاح.
ولا يبعد عندي في غرض الترجمة ما يخطر ببالي أن الإمام البخاري
стр. 3047
ترجم بذلك إشارة إلى جوازه دفعًا لما يتوهم من ظاهر حديث أبي داود (١) عن ابن عباس قال: "نهى رسول الله ﷺ عن معاقرة الأعراب"، ومحل هذا الحديث هو ما نقله الشيخ قُدِّس سرُّه في "البذل" (٢) في شرح هذا الحديث عن "مجمع بحار الأنوار" إذ قال: وهو ما كان يتبارى الرجلان في الجود والسخاء، فيعقر هذا إبلًا وهذا إبلًا، حتى يعجز أحدهم الآخر رياءً وسمعةً وتفاخرًا لا لوجه الله، كذا في "المجمع"، وكذلك كل طعام صنع رياء ومفاخرة، وكذا ما ذبح لقدوم أمير متقربًا إليه لا يجوز أكله، انتهى من "البذل".
(٢١ - باب ذبائح أهل الكتاب وشحومها من أهل الحرب وغيرهم)
أي: هذا باب في بيان حكم ذبائح أهل الكتاب، "وشحومها" أي: شحوم أهل الكتاب، قاله العيني (٣).
قلت: والأولى إرجاع الضمير إلى الذبائح، أي: شحوم ذبائح أهل الكتاب، وهكذا شرح القسطلاني (٤).
وقال العيني (٥): كلمة "من" يجوز أن تكون بيانية ويجوز أن تكون للتبعيض، أي: من أهل الحرب الذين لا يعطون الجزية، "وغيرهم" أي: وغير أهل الحرب من الذين يعطون الجزية، وأشار بهذه الترجمة إلى جواز ذبائح أهل الكتاب وجواز أكل شحومهم، وهو قول الجمهور، وعن مالك وأحمد تحريم ما حرم على أهل الكتاب كالشحوم، انتهى.
وفي "الأوجز" (٦): قال الموفق: أجمع أهل العلم على إباحة ذبائح
стр. 3048
أهل الكتاب، وأكثر أهل العلم يرون إباحة صيدهم أيضًا، قال ذلك عطاء والليث والشافعي وأصحاب الرأي، ولا نعلم أحدًا حرم صيد أهل الكتاب إلا مالكًا أباح ذبائحهم وحرم صيدهم، ولا يصح؛ لأن صيدهم من طعامهم فيدخل في عموم الآية، ولا فرق بين العدل والفاسق من المسلمين وأهل الكتاب، ولا بين الحربي والذمي في إباحة ذبيحة الكتابي منهم وتحريم ذبيحة من سواه، انتهى.
وذكر فيه عن ابن المنذر أنهم اختلفوا في نصارى بني تغلب ونصارى العرب، فارجع إليه لو شئت.
قوله: (لا بأس بذبيحة الأقلف) أثر إبراهيم هذا أخرجه أبو بكر الخلال، وقد ورد ما يخالفه، فأخرج ابن المنذر عن ابن عباس: الأقلف لا تؤكل ذبيحته ولا تقبل صلاته ولا شهادته، وقال ابن المنذر: قال جمهور أهل العلم: تجوز ذبيحته؛ لأن الله سبحانه أباح ذبائح أهل الكتاب، ومنهم من لا يختتن، انتهى من "الفتح" (١).
قلت: وبه يظهر مناسبة ذكر هذا الأثر في هذا الباب.
وفي "الفيض" (٢): قوله: "لا بأس. . ." إلخ، رفع توهم - عسى أن يتوهم - أن في الذكاة شرط الملة، والأقلف يخالف ملته فينبغي أن لا تجوز ذبيحته، انتهى.
(٢٢ - باب ما ندّ من البهائم. . .) إلخ
أي: الإنسية، (فهو بمنزلة الوحش) أي: في جواز عقره على أي صفة اتفقت، وهو مستفاد من قوله في الخبر: "فإذا غلبكم منها شيء فافعلوا به هكذا"، كذا في "الفتح" (٣).
стр. 3049
قوله: (ورأى ذلك علي وابن عمر وعائشة) ذلك إشارة إلى ما ذكر من أن حكم البهيمة التي تندّ مثل حكم حيوان الوحشي، وأثر عائشة ذكره ابن حزم فقال: هو أيضًا قول عائشة، ولا يعرف لهم من الصحابة مخالف، قال: وهو قول أبي حنيفة والثوري والشافعي وأحمد وإسحاق وأصحابهم وأصحابنا، وقال مالك: لا يجوز أن يذكَّى أصلًا إلا في الحلق واللبَّة، وهو قول الليث وربيعة، انتهى من "العيني" (١).
وهكذا حكى المذاهب الحافظ (٢) إذ قال: ونقله ابن المنذر وغيره عن الجمهور، وخالفهم مالك والليث، ونقل أيضًا عن سعيد بن المسيب وربيعة فقالوا: لا يحل أكل الإنسي إذا توحش إلا بتذكيته في حلقه أو لبته، وحجة الجمهور حديث رافع، انتهى.
(٢٣ - باب النحر والذبح)
قال ابن التِّين: الأصل في الإبل النحر، وفي الشاة ونحوها الذبح، وأما البقر فجاء في القرآن ذكر ذبحها وفي السُّنَّة ذكر نحرها، واختلف في ذبح ما ينحر ونحر ما يذبح، فأجازه الجمهور ومنع ابن القاسم، انتهى من "الفتح" (٣).
وهكذا في العيني وزاد: قال ابن المنذر: روي عن أبي حنيفة والثوري والليث ومالك والشافعي جواز ذلك إلا أنه يكره، وقال أحمد وإسحاق: لا يكره، وقال أشهب: إن ذبح بعيرًا من غير ضرورة لا يؤكل، انتهى.
قلت: وعندي أن الإمام البخاري أشار بهذه الترجمة إلى جواز الأمرين؛ لأن الوارد في أحد الحديثين المذكورين لفظ الذبح وفي الثاني لفظ النحر، لكن فيه أن المصنف ذكر المتابعة لأحد الطريقين بقوله: "تابعه وكيع وابن عيينة عن هشام في النحر"، وتكلم عليه الحافظ أيضًا فارجع إليه لو شئت.
стр. 3050
(٢٤ - باب ما يكره من المثلة)
بضم الميم وسكون المثلثة: هي قطع أطراف الحيوان أو بعضها، وهو حي، يقال: مثلت به أمثّل بالتشديد للمبالغة، (والمصبورة) بفتح الميم وسكون الصاد المهملة وضم الموحدة: الدابة التي تحبس حية لتقتل بالرمي ونحوه، (والمجثمة) بضم الميم وفتح الجيم والمثلثة المشددة: التي تربط وتجعل غرضًا للرمي أو خاصة بالطير، فإذا ماتت من ذلك حرم أكلها لأنها موقوذة، انتهى من "القسطلاني" (١) بزيادة.
وفي "الفتح" (٢): والجثوم للطير ونحوها بمنزلة البروك للإبل، فلو جثمت بنفسها فهي جاثمة ومجثمة بكسر المثلثة، وتلك إذا صيدت على تلك الحالة فذبحت جاز أكلها، وإن رميت فماتت لم يجز لأنها تصير موقوذة، انتهى.
وقال صاحب "الفيض" (٣): قوله: "باب ما يكره من المثلة. . ." إلخ، أي: قطع القوائم والكراع عند الذبح، انتهى.
قلت: أشار به إلى مناسبة الترجمة بـ "كتاب الذبائح".
(٢٥ - باب لحم الدجاج)
هو اسم جنس، مثلث الدال، ذكره المنذري في الحاشية وابن مالك وغيرهما، ولم يحك النووي الضم، والواحدة دجاجة مثلث أيضًا، وقيل: إن الضم فيه ضعيف. . .، إلى آخر ما ذكر الحافظ (٤) في تحقيقه لغةً.
وقال بعد حديث الباب: وفيه جواز أكل الدجاج إنسيه ووحشيه وهو بالاتفاق، إلا عن بعض المتعمقين على سبيل الورع، إلا أن بعضهم استثنى الجلّالة، وهي ما تأكل الأقذار، ثم ذكر الحافظ الروايات في النهي عن الجلّالة واختلاف العلماء فيه.
стр. 3051
(٢٦ - باب لحوم الخيل)
أي: بيان حل أكلها، كذا في هامش المصرية عن شيخ الإسلام (١).
وقال الحافظ (٢): قال ابن المنيِّر: لم يذكر الحكم لتعارض الأدلة، كذا قال، ودليل الجواز ظاهر القوة كما سيأتي، انتهى.
وقال العلامة العيني (٣): واحتج بهذا الحديث عطاء وابن سيرين والحسن والشافعي وأبو يوسف ومحمد وأحمد على جواز أكل لحم الخيل، وقال أبو حنيفة والأوزاعي ومالك: يكره أكله، ثم قيل: الكراهة عند أبي حنيفة كراهة تحريم وقيل: كراهة تنزيه. . .، إلى آخر ما ذكر في الدلائل.
وفي "الفتح" (٤): قال الطحاوي: وذهب أبو حنيفة إلى كراهة أكل الخيل، وخالفه صاحباه وغيرهما، واحتجوا بالأخبار المتواترة في حلها، ولو كان ذلك مأخوذًا من طريق النظر لما كان بين الخيل والحمر الأهلية فرق، ولكن الآثار إذا صحت عن رسول الله ﷺ أولى أن يقال بها مما يوجبه النظر.
قال الحافظ: وصح القول بالكراهة عن الحكم بن عيينة ومالك وبعض الحنفية، وعن بعض المالكية والحنفية التحريم، وقال الفاكهي: المشهور عند المالكية الكراهة، والصحيح عند المحققين منهم التحريم، إلى آخر ما بسط من الكلام على المسألة.
(٢٧ - باب لحوم الحمر الإنسية)
القول في عدم جزمه بالحكم في هذا كالقول في الذي قبله، لكن الراجح في الحمر المنع بخلاف الخيل، انتهى من "الفتح" (٥).
стр. 3052
وقال العيني (١): واحترز بالإنسية عن الوحشية فإنها تؤكل، والإنسية بكسر الهمزة وسكون النون: نسبة إلى الإنس، ويقال فيه: أنسية بفتحتين نسبة إلى الأنس بفتحتين وهو ضد الوحشة، وقال أيضًا: قال ابن عبد البر: لا خلاف بين علماء المسلمين اليوم في تحريمه، وإنما حكي عن ابن عباس وعائشة إباحته بظاهر قوله تعالى: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا﴾ الآية [الأنعام: ١٤٥].
قلت: ذكر في التفريع للمالكية: ولا بأس بأكل لحم الحمر الأهلية ولا البغل، انتهى.
(٢٨ - باب أكل كل ذي ناب من السباع)
قال الحافظ (٢): لم يبتّ القول بالحكم للاختلاف فيه أو للتفصيل كما سأبينه، ثم قال بعد ذكر الحديث: قال الترمذي: العمل على هذا عند أكثر أهل العلم، وعن بعضهم لا يحرم، وحكى ابن وهب عن مالك كالجمهور، وقال ابن العربي: المشهور عنه الكراهة. . .، إلى آخر ما بسط، ثم قال: واختلف القائلون بالتحريم في المراد بما له ناب، فذكر الاختلاف في بعض أفراد السبع.
فههنا اختلافان: الأول: أن النهي للتحريم أو الكراهة، والثاني: الاختلاف في مصداق ذي الناب.
وبسط الكلام على المسألة في "الأوجز" (٣)، وفيه: قال الزرقاني: قال ابن الأثير: الناب: السن الذي خلف الرباعية، وهل المراد كل ذي ناب مطلقًا أو المراد ناب يعدو به ويصول على غيره ويصطاد ويعدو بطبعه غالبًا، بخلاف غير العادي كثعلب وضبع، وبه قال الشافعي وأصحاب مالك المدنيين، انتهى.
стр. 3053
وهكذا قال الحافظ في "الفتح"، وذكر مذهب الشافعي الجواز في الضبع والثعلب، وعدَّ الخرقي في جملة المحرمات كل ذي مخلب من الطير، وهي التي تعلق بمخالبها الشيء وتصيد بها، قال الموفق: هذا قول أكثر أهل العلم، وبه قال الشافعي وأصحاب الرأي، وقال مالك والليث والأوزاعي: لا يحرم من الطير شيء، قال مالك: لم أر أحدًا من أهل العلم يكره سباع الطير. . .، إلى آخر ما بسط في "الأوجز".
(٢٩ - باب جلود الميتة)
زاد في البيوع: "قبل أن تدبغ"، فقيّده هناك بالدباغ، وأطلق ههنا، فيحمل مطلقه على مقيده، قاله الحافظ (١).
ومسألة طهارة الجلد بالدباغ خلافية شهيرة تقدم في "كتاب البيوع".
(٣٠ - باب المسك)
بكسر المحم: الطيب المعروف، قال الكرماني: مناسبة ذكره في الذبائح أنه فضلة من الظبي وهو مما يصاد، قاله الحافظ (٢).
وذكر أيضًا مناسبة هذا الباب بالباب السابق، وهو ما حكاه عن القفال من أن السرة التي فيها الدم تندبغ بما فيها من المسك فتطهر كما يطهر غيرها من المدبوغات.
تم بسط الكلام في حقيقة المسك في طريق أخذه، وقال أيضًا: قال النووي: أجمعوا على أن المسك طاهر، يجوز استعماله في البدن والثوب، ويجوز بيعه، ونقل أصحابنا عن الشيعة فيه مذهبًا باطلًا وهو مستثنى من القاعدة: ما أُبين من حي فهو ميت، انتهى.
وقد أجمع المسلمون على طهارة المسك إلا ما حكي عن عمر
стр. 3054
من كراهته، وكذا حكى ابن المنذر عن جماعة ثم قال: ولا يصح المنع فيه إلا عن عطاء بناءً على أنه جزء منفصل، وقال ابن المنيِّر: وجه استدلال البخاري بهذا الحديث على طهارة المسك وقوع تشبيه دم الشهيد به؛ لأنه في سياق التكريم والتعظيم، فلو كان نجسًا لكان من الخبائث، ولم يحسن التمثيل به في هذا المقام، انتهى.
(٣١ - باب الأرنب)
ذكر الحافظ وغيره بعض أحواله وخصائصه وعجائب خلقته، ثم قال (١): وفي الحديث جواز أكل الأرنب، وهو قول العلماء كافة إلا ما جاء في كراهتها عن عبد الله بن عمر من الصحابة، وعن عكرمة من التابعين، وعن محمد بن أبي ليلى من الفقهاء، واحتج بحديث خزيمة بن جزء: "قلت: يا رسول الله، ما تقول في الأرنب؟ قال: لا آكله ولا أحرمه"، إلى أن قال الحافظ: وحكى الرافعي عن أبي حنيفة أنه حرّمه، وغلَّطه النووي في النقل عن أبي حنيفة، انتهى.
(٣٢ - باب الضبّ)
قال الحافظ (٢) تحت ثاني حديثي الباب: وفيه من الفوائد جواز أكل الضبّ، وحكى عياض عن قوم تحريمه، وعن الحنفية كراهته، وأنكر ذلك النووي وقال: لا أظنه يصح عن أحد، فإن صحَّ فإنه محجوج بالنصوص وبإجماع من قبله.
قلت: قد نقله ابن المنذر عن علي، فأيُّ إجماع يكون مع مخالفته، ونقل الترمذي كراهته عن بعض أهل العلم، وقال الطحاوي في "معاني الآثار": كره قوم أكل الضبّ، منهم أبو حنيفة وصاحباه. . .، إلى آخر ما ذكر في الدلائل.
стр. 3055
(٣٣ - باب إذا وقعت الفأرة في السمن الجامد أو الذائب)
أي: هل يفترق الحكم أو لا؟ وكأنه ترك الجزم بذلك لقوة الاختلاف، وقد تقدم في الطهارة ما يدل على أنه يختار أنه لا ينجس إلا بالتغير، ولعل هذا هو السرّ في إيراد طريق يونس المشعرة بالتفصيل، قاله الحافظ (١).
ثم قال تحت حديث الباب: واستدل بهذا الحديث لإحدى الروايتين عن أحمد: أن المائع إذا حلّت فيه النجاسة لا ينجس إلا بالتغير، وهو اختيار البخاري وقول ابن نافع من المالكية وحكي عن مالك. وفرق الجمهور بين المائع والجامد، وقد تمسك ابن العربي بقوله: "وما حولها" على أنه كان جامدًا، قال: لأنه لو كان مائعًا لم يكن له حول، وأما ذكر السمن والفأرة فلا عمل بمفهومهما، وجمد ابن حزم على عادته فخصّ التفرقة بالفأرة فلو وقع غير جنس الفأرة من الدواب في مائع لم ينجس إلا بالتغير، انتهى من "الفتح".
وبسط الكلام على المسألة في "الأوجز" (٢) وفيه: قال الحافظ: أخذ الجمهور بحديث معمر الدال على التفرقة بين الجامد والذائب، ونقل ابن عبد البر الاتفاق على أن الجامد إذا وقعت فيه ميتة طرحت وما حولها منه إذا تحقق أن شيئًا من أجزائها لم يصل إلى غير ذلك، وأما المائع فاختلفوا فيه؟ فذهب الجمهور إلى أنه ينجس كله بملاقاة النجاسة، وخالف فريق منهم الزهري والأوزاعي، انتهى.
قال العلامة العيني: ويقاس على السمن الجامد نحو العسل والدِّبْس إذا كان جامدًا، وأما المائع فذهب الجمهور إلى أنه ينجس كله قليلًا كان
стр. 3056
أو كثيرًا، وشذّ قوم فجعلوا المائع كالماء، وسلك داود في ذلك مسلكهم إلا في السمن الجامد والذائب، فإنه تبع ظاهر هذا الحديث، وخالف معناه في العسل والخلّ وسائر المائعات، انتهى.
وقال الموفق: إن النجاسة إذا وقعت في مائع غير الماء نجسته وإن كثر، وهذا ظاهر المذهب، وعن أحمد رواية أخرى: أنه كالماء لا ينجس إذا كثر، أي: بلغ القلتين. . .، إلى آخر ما في "الأوجز". وتقدم شيء من الكلام على المسألة في "كتاب الطهارة" في "باب ما يقع من النجاسات في السمن والماء".
والحاصل: أن الإمام البخاري رحمه الله تعالى لم يفرق بين مسألة الماء والمائع، وكذا لم يفرق بين المائع والجامد، خلافًا للجمهور فإنهم فرقوا بين مسألة الماء والمائع غير الماء، وكذا بين الجامد وغير الجامد، وقد تكلم صاحب "الفيض" (١) على تحقيق مسلك المصنف في مسألة الباب، فارجع إليه لو اشتقت.
(٣٤ - باب العلم والوسم في الصورة)
العَلَم بفتحتين بمعنى العلامة، والوسم بالسين المهملة وقيل بالمعجمة، ومعناهما واحد، وهو: أن يعلم الشيء بشيء يؤثر فيه تأثيرًا بليغًا، وأصل ذلك أن يجعل في البهيمة ليميزها عن غيرها، وقيل: الوسم بالمهملة في الوجه، وبالمعجمة في سائر الجسد، فعلى هذا الصواب بالمهملة (أي: في الترجمة) لقوله: "في الصورة". وفي "التوضيح": الوسم في الصورة مكروه عند العلماء كما قاله ابن بطال، وعندنا حرام.
وقال النووي: الضرب في الوجه منهي عنه في كل حيوان محترم، لكنه في الآدمي أشدّ؛ لأنه مجمع المحاسن، وأما الوسم ففي الآدمي حرام وفي غيره مكروه.
стр. 3057
قال الكرماني: والوسم في نحو نَعَم الصدقة في غير الوجه مستحب، وقال أبو حنيفة: مكروه؛ لأنه تعذيب ومثلة، انتهى من كلام العيني (١).
وكتب الشيخ قُدِّس سرُّه في "اللامع" (٢): قوله: "في آذانها" وكان ذلك لعذر هناك، انتهى.
وفي هامشه: أوله الشيخ قُدِّس سرُّه لكون ظاهر الحديث مخالفًا لمسلك الحنفية، قال الحافظ: وفي الحديث حجة للجمهور في جواز وسم البهائم في الكيّ، وخالف فيه الحنفية تمسكًا بعموم النهي عن التعذيب بالنار، انتهى.
وأجاب عن الحديث صاحب "التيسير" بأنه يحتمل أن حديث الباب لم يثبت أو لم يصح عند الحنفية، انتهى.
قلت: بل الجواب أنه يجوز الكيّ عندنا الحنفية، صرَّح به ابن عابدين إذ قال: لا بأس بكيّ البهائم للعلامة وثقب أذن الطفل من البنات؛ لأنهم كانوا يفعلونه في زمن رسول الله ﷺ من غير إنكار، انتهى.
وفي "البذل" (٣) في قوله ﷺ : "أما بلغكم أني لعنت من وسم البهيمة في وجهها" الحديث: كتب مولانا محمد يحيى المرحوم من تقرير شيخه ﵁: الوسم لا ضير فيه، إذا اشتمل على فائدة بعد أن لا يكون في الوجه؛ لأنه في الوجه يقبح الوجه ويعود على بعض الحواسّ بالإبطال أو بالإفساد كالباصرة، انتهى.
قلت: وقد تقدم التبويب في "الزكاة" بقوله: "باب وسم الإمام إبل الصدقة بيده"، وتقدم هناك أيضًا ذكر الخلاف في المسألة.
стр. 3058
(٣٥ - باب إذا أصاب قوم غنيمة فذبح بعضهم غنمًا. . .) إلخ
قوله: (لحديث رافع) هذا مصير من البخاري إلى أن سبب منع الأكل من الغنم التي طبخت في القصة التي ذكرها رافع بن خديج كونها لم تقسم، انتهى من "الفتح" (١).
يعني: أنه كان بطريق التعدي لا بطريق الإصلاح، كما سيأتي في الباب الآتي.
(٣٦ - باب إذا ندّ بعير لقوم. . .) إلخ
قال ابن المنيِّر: نبَّه بهذه الترجمة على أن ذبح غير المالك إذا كان بطريق التعدي كما في القصة الأولى فاسد، وأن ذبح غير المالك إذا كان بطريق الإصلاح للمالك خشية أن تفوت عليه المنفعة ليس بفاسد، انتهى (٢).
قلت: وقد ترجم المصنف في كتاب الوكالة بـ "باب إذا أبصر الراعي أو الوكيل شاة تموت أو شيئًا يفسد ذبح أو أصلح ما يخاف عليه الفساد"، ومؤدى الترجمتين واحد.
(٣٧ - باب أكل المضطر)
أي: جواز أكل المضطر من الميتة، وفي بعض النسخ: "باب إذا أكل المضطر"، انتهى من "القسطلاني" (٣).
وقال الحافظ (٤): كأنه أشار إلى الخلاف في ذلك وهو في موضعين: أحدهما في الحالة التي يصح الوصف بالاضطرار فيها ليباح الأكل، والثاني في مقدار ما يؤكل، فأما الأول فهو أن يصل به الجوع إلى حدّ الهلاك
стр. 3059
أو إلى مرض يفضي إليه، هذا قول الجمهور، وعن بعض المالكية تحديد ذلك بثلاثة أيام، قال ابن أبي جمرة: الحكمة في ذلك أن في الميتة سميةً شديدةً فلو أكلها ابتداء لأهلكته، فشرع له أن يجوع ليصير في بدنه بالجوع سمية أشد من سمية الميتة، فإذا أكل منها حينئذ لا يتضرر، انتهى.
وهذا إن ثبت حسن بالغ في غاية الحسن.
وأما الثاني فذكره في تفسير قوله تعالى: ﴿مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ﴾ [المائدة: ٣] وقد فسره قتادة بالمتعدي وهو تفسير معنى، وقال غيره: الإثم أن يأكل فوق سدّ الرمق، وقيل: فوق العادة، وهو الراجح لإطلاق الآية، انتهى.
وفي "الأوجز" (١): قال الموفق: أجمع العلماء على تحريم الميتة على حال الاختيار، وعلى إباحة الأكل منه في الاضطرار، وكذلك سائر المحرمات، والأصل فيه قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ﴾ الآية [البقرة: ١٧٣]، ويباح له الأكل ما يسدّ الرمق ويأمن معه الموت بالإجماع، ويحرم ما زاد على الشبع بالإجماع، وفي الشبع روايتان: أظهرهما لا يباح، وهو قول أبي حنيفة وإحدى الروايتين عن مالك وأحد القولين للشافعي، والثانية يباح له الشبع، اختارها أبو بكر، إلى آخر ما بسط.
وقال ابن رُشد: أما مقدار ما يؤكل فإن مالكًا قال: حدّ ذلك الشبع والتزود منها حتى يجد غيرها، وقال الشافعي وأبو حنيفة: لا يأكل منها إلا ما يمسك به الرمق، وبه قال بعض أصحاب مالك، انتهى.
وبسط الكلام على مباحث تلك المسألة على ثمانية فصول في "الأوجز" (٢)، فارجع إليه لو شئت.
وفي هامش "الجلالين" المعروف بـ "حاشية الجمل" (٣): واختلف
стр. 3060
العلماء في قدر ما يحل للمضطر أكله من الميتة على قولين: أحدهما: أن يأكل مقدار ما يمسك رمقه، وهو قول أبي حنيفة والراجح عند الشافعي، والقول الآخر: يجوز أن يأكل حتى يشبع، وبه قال مالك، انتهى، "خطيب".
قال الحافظ (١): قال الكرماني وغيره: عقد البخاري هذه الترجمة، ولم يذكر فيها حديثًا إشارة إلى أن الذي ورد فيها ليس فيه شيء على شرطه، فاكتفى بما ساق فيها من الآيات، ويحتمل أن يكون بيّض فانضم بعض ذلك إلى بعض عند تبييض الكتاب.
قلت: والثاني أوجه، واللائق بهذا الباب على شرطه حديث جابر في قصة العنبر، فلعله قصد أن يذكر له طريقًا أخرى، انتهى.
ثم البراعة عندي في قول: "المضطر والدم المسفوح" (٢).
* * *
стр. 3061
٧٣ - كتاب الأضاحي
بسط الكلام على ذلك في "الأوجز" (١)، وفيه: حكى الشيخ في "البذل" عن "فتح الودود": فيه أربع لغات: أضحية بضم الهمزة وبكسرها، وجمعها الأضاحي بتشديد الياء وتخفيفها، واللغة الثالثة ضحية وجمعها ضحايا كعطية وعطايا، والرابعة أضحاة بفتح الهمزة والجمع أضحى كأرطاة وأرطى، وبها سمي يوم الأضحى، وحكي فيه عن ابن عابدين ثمان لغات.
قال الكرماني: وهي ما يذبح يوم العيد تقربًا إلى الله تعالى، وسميت بذلك لأنها تفعل في الضحى، انتهى.
وفي "التوشيح" من فروع الشافعية: وهي اسم لما يذبح من النعم يوم عيد النحر وأيام التشريق بلياليها تقربًا إلى الله تعالى، وعن ابن عباس أنه يكفي إراقة الدم ولو من دجاج أو إوزّ، وكان الشيخ محمد الفضالي يأمر الفقير بتقليده، ويقاس على الأضحية العقيقة، فيجوز لمن لم يقدر على ثمن الشاة أن يعقّ ولده بالديكة على مذهب ابن عباس، انتهى.
قال الموفق: الأصل في مشروعيتها الكتاب والسُّنَّة والإجماع، أما الكتاب فقوله تعالى: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ [الكوثر: ٢]، قال بعض أهل التفسير: المراد به الأضحية بعد صلاة العيد، وأما السُّنَّة فما روي عن أنس: "أنه ﷺ ضحَّى بكبشين أملحين" الحديث، متفق عليه. وأجمع المسلمون على مشروعيتها، وأكثر أهل العلم يرونها سُنَّةً مؤكدةً غير واجبة، وهو مذهب جماعة من الصحابة والتابعين، وقال مالك والثوري وأبو حنيفة وغيرهم: هي واجبة لرواية أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "من كانت له
стр. 3062
سعة ولم يضحِّ فلا يقربنّ مصلانا"، إلى آخر ما بسط في "الأوجز"، وما حكى الموفق عن مالك وجوبها رواية عنه، وإلا فمعروف مذهبه سنيتها، انتهى من هامش "اللامع" (١).
وسيأتي تفصيل الخلاف في ذلك في الباب الآتي.
(١ - باب سُنَّة الأضحية)
كذا لأبي ذر والنسفي، ولغيرهما: "سُنَّة الأضاحي"، وهو جمع أضحية، وكأنه ترجم بالسُّنَّة إشارة إلى مخالفة من قال بوجوبها، قال ابن حزم: لا يصح عن أحد من الصحابة أنها واجبة، وصحَّ أنها غير واجبة عن الجمهور، ولا خلاف في كونها من شرائع الدين، وهي عند الشافعية والجمهور سُنَّة مؤكدة على الكفاية، وفي وجه للشافعية من فروض الكفاية، وعن أبي حنيفة: تجب على المقيم الموسر، وعن مالك مثله في رواية لكن لم يقيد بالمقيم، وخالف أبو يوسف من الحنفية وأشهب من المالكية فوافقا الجمهور، وعن أحمد: يكره تركها مع القدرة، وعنه: واجبة، وعن محمد بن الحسن: هي سُنَّة غير مرخص في تركها، قال الطحاوي: وبه نأخذه، ليس في الآثار ما يدلُّ على وجوبها، انتهى، كذا في "الفتح" (٢).
وفي "الهداية" (٣): الأضحية واجبة على كل حُرٍّ مسلمٍ مقيمٍ موسرٍ في يوم الأضحى عن نفسه وعن ولده الصغار، أما الوجوب فقول أبي حنيفة ومحمد وزفر والحسن وإحدى الروايتين عن أبي يوسف رحمهم الله تعالى، وعنه (أي: أبي يوسف): أنها سُنَّة، ذكره في "الجوامع"، وهو قول الشافعي، وذكر الطحاوي أن على قول أبي حنيفة: واجبة، وعلى قول أبي يوسف ومحمد: سُنَّة مؤكدة، وهكذا ذكر بعض المشايخ الاختلاف، إلى آخر ما بسط في الدلائل، وسيأتي حكم الأضحية للمسافر في باب مستقل.
стр. 3063
قوله: (وقال ابن عمر: هي سُنَّة ومعروف) وصله حماد بن سلمة في "مصنفه"، وللترمذي: أن رجلًا سأل ابن عمر عن الأضحية: أهي واجبة؟ فقال: "ضحَّى رسول الله ﷺ والمسلمون بعده" قال الترمذي: العمل على هذا عند أهل العلم أن الأضحية ليست بواجبة، وكأنه فهم من كون ابن عمر لم يقل في الجواب: نعم أنه لا يقول بالوجوب، فإن الفعل المجرد لا يدلُّ على ذلك، انتهى من "الفتح" (١).
وقال القسطلاني (٢): قوله: "معروف" أي: معروف بين الناس إذا رأوه لا ينكرونه، انتهى.
وكتب الشيخ قُدِّس سرُّه في "اللامع" (٣): قوله: "سُنَّة ومعروف. . ." إلخ، أي: ثابت بالسُّنَّة وأمر معروف بين الناس، انتهى.
وفي هامشه: أوّله الشيخ قُدِّس سرُّه لكون ظاهر الأثر مخالفًا للحنفية، انتهى.
(٢ - باب قسمة الإمام الأضاحي بين الناس)
أي: بنفسه أو بأمره. قوله: (قسم النبي ﷺ . . .) إلخ، سيأتي بعد أربعة أبواب أن عقبة هو الذي باشر القسمة، انتهى من "الفتح" (٤).
وتقدم حديث الباب في "باب وكالة الشريك للشريك" من أبواب الوكالة.
وقال العلامة العيني (٥): وغرضه من هذه الترجمة بيان قسمته ﷺ الضحايا بين أصحابه، فإن كان قسمها بين الأغنياء كانت من الفيء أو ما يجري مجراه مما يجوز أخذه للأغنياء، وإن كان قسمها بين الفقراء خاصة
стр. 3064
كانت من الصدقة، وإنما أراد البخاري بهذا - والله أعلم - أن إعطاء الشارع الضحايا لأصحابه دليل على تأكدها وندبهم إليها، انتهى.
(٣ - باب الأضحية للمسافر والنساء)
قال الحافظ (١): فيه إشارة إلى خلاف من قال: إن المسافر لا أضحية عليه، وإشارة إلى خلاف من قال: إن النساء لا أضحية عليهن، ويحتمل أن يشير إلى خلاف من منع من مباشرتهن التضحية، فقد جاء عن مالك كراهة مباشرة المرأة الحائض للتضحية، انتهى.
وتعقبه العيني (٢) وقال: الكلام ههنا في فصلين: الأول: هل يجب على المسافر أضحية؟ اختلفوا فيه؟ فقال الشافعي: هي سُنَّة على جميع الناس وعلى الحاج بمنى، وقال مالك: لا أضحية عليه ولا يؤمر بتركها إلا الحاج بمنى، وقال أبو حنيفة: لا تجب على المسافر أضحية. والفصل الثاني: أن من أوجب الأضحية أوجبها على النساء، ومن لم يوجبها لم يوجبها عليهن، واستحبَّها في حقهن، انتهى مختصرًا.
وأما مسلك الحنفية ففي "البدائع" (٣): ذكر في الأصل وقال: ولا تجب الأضحية على الحاج، وأراد بالحاج المسافر، فأما أهل مكة فتجب عليهم الأضحية وإن حجوا، إلى آخر ما ذكر.
ويشكل مناسبة الحديث بالباب لأنه قصة حجة الوداع والبقرة كانت هديًا، ويمكن الجواب عنه أن من دأب الإمام البخاري أيضًا الاستدلال بظاهر اللفظ، والوارد في الحديث لفظ ضحى.
قال الحافظ (٤): قوله: "ضحَّى النبي ﷺ . . ." إلخ، ظاهر في أن الذبح المذكور كان على سبيل الأضحية، ثم ردّ الحافظ على ابن التِّين الذي
стр. 3065
أوّل الحديث وقال: المراد أنه ذبحها وقت ذبح الأضحية، لا أنها كانت أضحية. قال الحافظ: كذا قال، ولا يخفى بعده، انتهى.
قلت: كذا قال الحافظ ههنا، لكنه رجح في "باب النحر في منحر النبي ﷺ بمنى" من "كتاب الحج" أنه كان هدي التمتع عمن اعتمر من نسائه، وهكذا أفاد الشيخ قُدِّس سرُّه في "اللامع" (١) تحت حديث الباب حيث قال: وكان ذلك دم متعة وقران لا دم التضحية، انتهى.
وذكر شيء من الكلام عليه في "هامشه".
(٤ - باب ما يشتهى من اللحم يوم النحر)
أي: اتباعًا للعادة بالالتذاذ بأكل اللحم يوم العيد، قال الله تعالى: ﴿وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ﴾ [الحج: ٢٨]، انتهى من "الفتح" (٢).
قلت: لعل المصنف عقد الترجمة بذلك إشارة إلى اختلافهم في معنى الحديث الذي ذكره تحت الباب، فإنهم اختلفوا فيه على مسالك كما ستقف عليه.
قوله: (إن هذا يوم يشتهى فيه اللحم) في رواية داود بن أبي هند عن الشعبي عند مسلم: فقال: يا رسول الله، إن هذا يومٌ اللحمُ فيه مكروه، وفي لفظ له: مقروم، قال عياض: وصوَّب بعضهم هذه الرواية الثانية وقال: معناه يُشتهى فيه اللحم، يقال: قرمت إلى اللحم وقرمته إذا اشتهيته، قال عياض: وقال بعض شيوخنا: صواب الرواية "اللحَم فيه مكروه" بفتح الحاء وهو اشتهاء اللحم، والمعنى ترك الذبح والتضحية وإبقاء أهله فيه بلا لحم حتى يشتهوه مكروه، انتهى.
стр. 3066
وبالغ ابن العربي فقال: الرواية بسكون الحاء هنا غلط. وإنما هو اللَّحَمُ بالتحريك، يقال: لَحِمَ الرجل بكسر الحاء يَلْحَمُ بفتحها إذا كان يشتهي اللحم، وأما القرطبي في "المفهم" فقال: تكلف بعضهم ما لا يصح رواية، أي: اللحم بالتحريك، إلى آخر ما في "الفتح" (١).
(٥ - باب من قال: الأضحى يوم النحر)
في معنى الترجمة وجوه ستأتي.
قال الحافظ (٢): واختصاص النحر باليوم العاشر قول حميد بن عبد الرحمن ومحمد بن سيرين وداود الظاهري، وعن سعيد بن جبير مثله إلا في منى فيجوز ثلاثة أيام، قال ابن المنيِّر: أخذه من إضافة اليوم إلى النحر حيث قال: "أليس يوم النحر" واللام للجنس، فلا يبقى نحر إلا في ذلك اليوم، قال: والجواب على مذهب الجماعة أن المراد النحر الكامل، انتهى.
وقال القرطبي: التمسك بإضافة النحر إلى اليوم الأول ضعيف.
ثم قال الحافظ في معنى الترجمة: ويحتمل أن يكون أراد أن أيام النحر الأربعة أو الثلاثة لكل واحد منها اسم يخصه، فالأضحى هو اليوم العاشر، والذي يليه يوم القر، والذي يليه يوم النفر الأول، والرابع يوم النفر الثاني، وقال ابن التِّين: مراده أنه يوم تنحر فيه الأضاحي في جميع الأقطار، وقيل: مراده لا ذبح إلا فيه خاصة، يعني: كما تقدم، وزاد مالك: ويذبح أيضًا في يومين بعده، وزاد الشافعي اليوم الرابع، قال: وقيل: يذبح عشرة أيام، ولم يعزه لقائل، وقيل: إلى آخر الشهر، وهو عن عمر بن عبد العزيز وأبي سلمة بن عبد الرحمن وغيرهما، وقال به ابن حزم متمسكًا لعدم ورود نصٍّ بالتقييد، انتهى.
стр. 3067
قلت: وأيام النحر عند الأئمة الثلاثة ثلاثة أيام، وعند الإمام الشافعي أربعة أيام.
(٦ - باب الأضحى والنحر (١) بالمصلى)
قال ابن بطال: هو سُنَّة للإمام خاصة عند مالك، قال مالك: إنما يفعل ذلك لئلا يذبح أحد قبله، زاد المهلب: وليذبحوا بعده على يقين وليتعلموا منه صفة الذبح، انتهى (٢).
وفي "الأوجز" (٣) عن "المسوى": الذبح في المصلى أحسن إظهارًا لشعار الدين، انتهى.
(٧ - باب أضحية النبي ﷺ بكبشين. . .) إلخ
لعل المصنف أشار إلى أفضلية الكبشر في الأضحية، أو إلى أفضلية الذكر، ويؤيد الأول قوله ﷺ : "خير الأضحية الكبش الأقرن" الحديث، كما في "الترغيب" برواية أبي داود والترمذي وابن ماجه، وفي "التوشيح": وأفضل أنواع الأضحية بالنسبة لكثرة اللحم ومن حيث إظهار شعار الشريعة إبل ثم بقر ثم غنم، وأما من حيث أطيبية اللحم فالضأن أفضل من المعز، ثم الجواميس أفضل من العراب لطيب لحمها عن لحم العراب، إلى آخر ما ذكر.
وفي "الدر المختار" (٤): الشاة أفضل من سبع البقرة إذا استويا في القيمة واللحم، فإن كان سبع البقرة أكثر لحمًا فهو أفضل، والكبش أفضل من النعجة، وهي الأنثى من الضأن إذا استويا فيهما، والأنثى من المعز أفضل من التيس إذا استويا قيمةً، والأنثى من الإبل والبقر أفضل، ومشى