← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 853

الأبواب والتراجم لصحيح البخاري

محمد زكريا الكاندهلوي

Полный текст (3 740 стр.). Показаны 333–372 · переход к 338.

стр. 333

قال القسطلاني: رواة حديث الباب كلهم بصريون، و [إسناد] الحديث السابق مصريون، والذي قبله كوفيون فوقع التسلسل في الأبواب الثلاثة على الولاء. (٨ - باب حب الرسول من الإيمان. . .) إلخ عامة الشرَّاح على أن المحبة هنا عقلية، ولكن والدي نوَّر الله مرقده كان يقول: إن المحبة تعم العقلية والطبعية كليهما، ولكن المحبة الطبعية تسترها العوارض أحيانًا وتظهر عند التزاحم، ومثال ذلك: رجل يكون له ولد يحبه حُبًّا جمًّا، ولا يغفل عنه ساعة، ولكنه لو وضع هذا الطفلُ الحبيبُ قَدَمَه على القرآن الكريم فماذا سيكون؟ إن الوالد سيرمي بابنه بعيدًا ويضطرب لما حدث، هكذا لو أساء حبيبُ أحدٍ في ذات الرسول ﷺ ، فلا يمكن لمسلم أن يتحمَّل ذلك مهما بلغت محبة الحبيب. وقد أخرج أبو داود والنسائي (١) عن ابن عباس: "أن أعمى كانت له أم ولد تشتم النبي ﷺ وتقع فيه، فينهاها فلا تنتهي، ويزجرها فلا تنزجر، قال: فلما كانت ذات ليلة جعلت تقع في النبي ﷺ وتشتمه، فأخذ المِعْولَ فوضعه في بطنها، واتكأ عليها فقتلها، فوقع بين رجليها طفل، فلطخت ما هنالك بالدم، فلما أصبح ذُكِر ذلك للنبي ﷺ ، فجمع الناس فقال: أنشد اللهَ رجلًا فعل ما فعل، لي عليه حق إلا قام، فقام الأعمى يتخطّى الناسَ وهو يتزلزل حتى قعد بين يدي النبي ﷺ فقال: يا رسول الله! أنا صاحبها، كانت تشتمك وتقع فيك فأنهاها فلا تنتهي، وأزجرها فلا تنزجر، ولي منها ابنان مثلُ اللؤلؤتين، وكانت بي رفيقة، فلما كان البارحة جعلت تشتمك وتقع فيك، فأخذت المِعْوَلَ فوضعته في بطنها، واتكأت عليها حتى قتلتها، فقال النبي ﷺ : ألا اشهدُوا أنّ دمها هدر". ومما ينبغي التنبيه عليه ما في "الأرواح الثلاثة" ما تعريبه ملخصًا

стр. 334

من ذكر المفاضلة بين الحب العقلي والحب العشقي، ففضّل مولانا محمد إسماعيل الشهيد رحمه الله تعالى في كتابه "الصراط المستقيم" الحب العقلي على الحب العشقي؛ لأن الحب العشقي يضمحل بعد وصال المحبوب، بخلاف العقلي فإنه باقٍ لبقائه، وعكسه سيد هذه الطائفة مولانا الحاج إمداد الله المهاجر المكي نوَّر الله مرقده مستدلًا بأن الحب العقلي متناهٍ لتناهي العقل، ولذا قال علي ﵁: لو كشف الغطاء ما ازددت يقينًا، وإنما قاله في الحب العقلي، بخلاف الحب العشقي فإنه لا يتناهى لعدم ذات المحبوب وصفاته. وقال العارف المحدث الكَنكَوهي: كلا الكلامين حسنان جيدان، إلا أن الحب العشقي مع كونه معمورًا بالفضائل لا ينتظم معه الأمر، ولذا لا تبقى رعاية الحدود الشرعية معه، ولذلك أختار الحب العقلي ما دام يحتاج إلى الأعمال، وأما في وقت الوفاة فاختاروا حب غلبة الحب العشقي، انتهى. (من والده. . .) إلخ، قَدّمه للأكثرية؛ لأن كل أحد له والد من غير عكس، أو نظرًا إلى جانب التعظيم، أو لسبقه في الزمان، وعند النسائي بتقديم الولد لمزيد الشفقة، كذا في "القسطلاني" و"الفتح" (١)، وفي "التراجم" للشاه ولي الله المحدث الدهلوي: قَدَّم الوالد للأكثرية، أو لأنه ﷺ في حكم الوالد (٢)، انتهى. قال النووي (٣): ذكر ابن بطال وغيره أن المحبة ثلاثة أقسام: محبة إجلال وإعظام كمحبة الوالد، ومحبة شفقة ورحمة؛ كمحبة الولد، ومحبة استحسان واستلذاذ؛ كمحبة سائر الناس، فجمع النبي ﷺ في هذه الألفاظ أصناف المحبة، انتهى.

стр. 335

قال القسطلاني (١): وهل تدخل النفس في عموم الناس؟ الظاهر: نعم، وقيل: إضافة المحبة إليه تقتضي خروجه منهم، فإنك إذا قلت: جميع الناس أحب إلى زيد من غلامه، يفهم منه خروج زيد منهم، وأجيب بأن اللفظ عام، وما ذكر ليس من المخصصات، وحينئذ فلا يخرج، وقد وقع التنصيص بذكر النفس في حديث عبد الله بن هشام الآتي إن شاء الله تعالى، انتهى. قال النووي (٢): قال القاضي عياض: ومن محبته ﷺ نصرةُ سنَّته، والذبُّ عن شريعته، وتمني حضور حياته، فيبذل ماله ونفسه دونه، انتهى. (٩ - باب حلاوة الإيمان) قال القسطلاني في آخر الباب السابق (٣): ولما ذكر المؤلف في هذا الباب أن حبَّه ﵊ من الإيمان، أردفه بما يوجد حلاوة ذلك فقال: "باب حلاوة الإيمان". وقال أيضًا: والمراد أن الحلاوة من ثمراته، فهي أصل زائد عليه، انتهى. وفي "تراجم شيخ الهند قُدِّس سرُّه: أن المرجئة قالت: إن الإيمان لا يحتاج إلى طاعة، ولا تضره معصية، فعقد المصنف "باب حلاوة الإيمان" و"باب علامة الإيمان حب الأنصار"، وذكر في الأول حديث: "ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان"، وفي الثاني حديث: "آية الإيمان حب الأنصار، وآية النفاق بغض الأنصار"، فاستبان بذلك احتياجُ الإيمان إلى الحسنات واستضرارُه بالسيئات، انتهى. (وجد حلاوة الإيمان) وهذا الوجدان حسِّي أو معنوي، وعلى الثاني فهو على سبيل المجاز، وفيه تلميح إلى قضية المريض والصحيح؛ لأن المريض الصفراوي يجد طعم العسل مُرًّا، والصحيح يذوق حلاوته على

стр. 336

ما هي عليه، وكلما نقصت الصحة شيئًا مّا نَقَصَ ذوقُه بقدر ذلك، فكانت هذه الاستعارة من أوضح ما يُقَوِّي استدلال المصنف على الزيادة والنقصان، انتهى من "الفتح" (١). وفي "تراجم مسند الهند" الشاه ولي الله الدهلوي: أن حلاوة الإيمان استلذاذ الطاعات، وتحمُّل المشاق في الدين (٢). وقال السندي في حاشية النسائي (٣): قوله: "حلاوة الإيمان"، أي: انشراح الصدر به، ولذة في القلب له تشبه لذة الشيء إلى حصول في الفم، وقيل: الحلاوة الحسن، وبالجملة فللإيمان لذة في القلب تشبه الحلاوة الحسية، بل ربما يغلب عليها حتى يدفع بها أشد المرارات، وهذا مما يعلم به من شَرَحَ الله صدره للإسلام، اللّهم ارزقناها مع الدوام عليها، انتهى. اللّهم ارزقناها مع الدوام عليها. (١٠ - باب علامة الإيمان حب الأنصار) والحب كليٌّ مشكِّك يزيد وينقص، قال القسطلاني (٤): قال ابن المنيِّر: علامة الشيء لا يخفى أنها غير داخلة في حقيقته، فكيف تفيد هذه الترجمة مقصوده من أن الأعمال داخلة في مسمَّى الإيمان؟ وجوابه: أن المستفاد منها كون مجرد التصديق بالقلب لا يكفي حتى تنصب عليه علامة من الأعمال الظاهرة التي هي مؤازرة الأنصار وموادّتهم، انتهى. قلت: ولا يخفى أن السؤال أقوى من الجواب، فإن الحديث لم يتعرض عن كون التصديق كافيًا أو غير كافٍ، قال شيخ الإسلام زكريا الأنصاري في "تحفة الباري" (٥): ولا يقتضي الحديث أن من لم يحبهم

стр. 337

لا يكون مؤمنًا؛ لأنه لا يلزم من عدم العلامة عدم ما هي له، نعم يقتضي أن من أبغضهم يكون منافقًا وإن صدَّق بقلبه؛ لأن من أبغضهم لكونهم أنصار رسول الله ﷺ يكون منافقًا، انتهى. وتعقب بأن علامة الشيء يكون خارجًا عن حقيقته. قال القسطلاني: وإنما خصُّوا بهذه المنقبة العظيمة لما فازوا به من نصره ﵊ والسعي في إظهاره وإيوائه وإصحابه، ومؤاساتهم بأنفسهم وأموالهم، وقيامهم بحقهم حق القيام مع معاداتهم جميع من وُجِدَ من قبائل العرب والعجم، فمن ثَمّ كان حبهم علامة الإيمان وبغضهم علامة النفاق مجازاةً لهم على عملهم، والجزاء من جنس العمل، انتهى. (١١ - باب) بلا ترجمة، وهذا أول باب وُجِد بغير ترجمة، وقد تقدم في الأصول أن مثل هذا الباب يكون لمعانٍ كثيرة، منها: ما تقدم في الأصل السابع بدل حاء التحويل، وهذا خاص بباب واحد كما تقدم في موضعه. والثاني: وهو الأصل العشرون: كالفصل للباب السابق، وهذا أصل مطَّرد وشائع كثير الوقوع. والثالث: [وهو] الأصل الخامس والعشرون: تشحيذًا للأذهان ليترجم عليه بترجمة نفيسة مناسبة لشأن البخاري. والرابع: وهو الأصل السادس والعشرون: تعميمًا وتكثيرًا للتراجم، وهذان اخترعهما شيخ الهند. والخامس: وهو الأصل السابع والثلاثون: تنبيهًا على تعدد طرق الحديث كما قاله الشرَّاح. والسادس: وهو الأصل السابع والخمسون: رجوع إلى الأصل، والمعروف على الألسنة أن الأكثر في مثل هذا الباب يكون له تعلق بالباب

стр. 338

السابق، وهو أصل مطرد كما تقدم قريبًا في الأصل العشرين. وأفاد شيخ الهند في الأصل الثامن من أصوله: أن المصنف لا يترك الترجمة سهوًا، ولا لإرادة أن يترجم بعد ذلك، بل الأوجه أن فيه وجهين: الأول: أن لها تعلقًا بالترجمة السابقة، مع أن مفهوم العلاقة أيضًا وسيع عند المصنف رحمه الله تعالى، والأوجه منه: أن المصنف يفعل ذلك تشحيذًا للأذهان وترغيبًا للطالبين أن يترجموا عليه ترجمةً تُنَاسِبُ الحديثَ والتراجم التي ذُكِرَتْ قبلُ مطابقةً لشأن المصنف، وبناءً على ذلك قال: هذه الترجمة أن لها مناسبة بالباب السابق بأن الاجتناب عن الكبائر أيضًا من علامات الإيمان، كما أن حبَّ الأنصار من الإيمان، أو يقال: إنه أراد التنبيه على ترجمة جديدة مناسبة لتراجمه، مثلًا الاجتناب من الكبائر من الإيمان، أو البيعة على ترك الكبائر من الإيمان. والأولى ها هنا: أن المصنف قد أثبت في تراجم عديدة كون الأعمال من الإيمان ومن الإسلام، وهذا وإن باديه مذهب المرجئة، ولكن فيه مظنة لتقوية مذهب المعتزلة والخوارج، وهو مما يختلج في الصدر، فعقد هذا الباب بلا ترجمة، وأورد فيه حديثًا ظهر به بطلان مذهب المرجئة والخوارج والمعتزلة، فنظرًا إلى هذه الأمور يلصق بالقلب أن الباعث على ترك الترجمة هو تكثير الفوائد أيضًا، انتهى. قلت: والأوجه عند هذا العبد الضعيف أن الباب متعلق بما سبق خاصة، والمناسبة لبيان سبب كون حبهم من الإيمان هو بيعة العقبة؛ لأن هذه البيعة كانت أصلًا وأساسًا لنصرتهم النبيّ ﷺ والمهاجرين، أو أن هذا بيان لبدء تلقيبهم بالأنصار، فإنهم عاهدوا في هذه الليلة بالنصرة. ولا يذهب عليك أن هذا الباب مذكور في الجدول الرابع من جداول شيخ الهند، ورَقَمَ عليه نقطة واحدة، وذكر هذا النوع في الأبواب التي حذف المصنف ترجمتها تشحيذًا للأذهان، فينبغي أن يترجم له على أصول شيخ الهند قُدِّس سرُّه ترجمة تناسب الحديث، وقد أشرت إليه فيما سبق،

стр. 339

مثلًا: يمكن أن تكون الترجمة ها هنا باب سبب كون حب الأنصار من الإيمان، ونحو ذلك، فلكلِّ أحد أن يترجم بما شاء، وللناس فيما يعشقون مذاهب. (وكان شهد بدرًا) بسط القسطلاني في إعراب هذه الجملة وما بعدها أشد البسط، وقال (١): أشار الراوي بذلك إلى المبالغة في ضبط الحديث وأنه عن تحقيق وإتقان، ولذا ذكر أن الراوي شهد بدرًا وأنه أحد النقباء، والمراد به التقوية، فإن الرواية تترجَّح عند المعارضة بفضل الراوي وشرفه. (أحد النقباء) جمع نقيب وهو الناظر، وكانوا اثني عشر، كذا في "القسطلاني"، وذكر صاحب "مجمع البحار" (٢) في الحادية العشرة النبوية أنه ﷺ على دأبه كان يعرض نفسه على القبائل موسم الحج ويقول: "من ينصرني ويأخذني معه حتى أؤدي كلام ربي"، فلقي رهطًا من الخزرج ودعاهم فآمنوا وكانوا ستة، منهم أسعد بن زرارة، وفي الثانية كانت بيعة العقبة الأولى حيث قدم من الأنصار اثنا عشر أحدهم عبادة بن الصامت، وفي الثالثة كانت بيعة العقبة الثانية وكانوا سبعين رجلًا وامرأتين، انتهى. وهل كانت هذه البيعة الأولى أو الثانية؟ ذكرهما في بين سطور النسخة الهندية، انتهى. وما يظهر من "العيني" (٣) أن عُبادة كان فيهما، إذ ذكر له بيعة الثالثة بيعة الرضوان. وقال مسند الهند الشاه ولي الله الدهلوي في "تراجمه" (٤): النقباء جمع نقيب، وهو الناظر على القوم وضمينهم.

стр. 340

اعلم أن رسول الله ﷺ كان يعرض نفسه على القبائل في كل موسم، فبينا هو عند العقبة إذ لقي رهطًا من الخزرج فقال: "ألا تجلسون أكلِّمكم؟ " قالوا: بلى، فجلسوا فدعاهم إلى الله ، وعرض عليهم الإسلام، وتلا عليهم القرآن فأجابوا، فلما انصرفوا إلى بلادهم وذكروه لقومهم فشا أمر رسول الله ﷺ ، فأتى في العام القابل اثنا عشر رجلًا إلى الموسم من الأنصار أحدهم عبادة بن الصامت، فلقوا رسول الله ﷺ بالعقبة وهي بيعة العقبة الأولى فبايعوا ثم انصرفوا، وخرج في العام القابل الآخر سبعون رجلًا منهم إلى الحج، فواعدهم رسول الله ﷺ بالعقبة أوسط أيام التشريق، فأتى رسول الله ﷺ مع عمه العباس لا غير، فتكلم رسول الله ﷺ داعيًا إلى أمر الله مرغِّبًا إلى الإسلام تاليًا للقرآن فأجبناه للإيمان، فقلنا: ابسط يدك نبايعك عليه، فقال رسول الله ﷺ : "أخرجوا إليّ منكم اثني عشر نقيبًا"، فأخرجنا من كل فرقة نقيبًا، وكان عبادة نقيب بني عوف فبايعوه، هذه هي بيعة العقبة الثانية، انتهى. قوله: (وحوله عصابة من أصحابه فقال: بايعوني)، قال النووي (١): كان ذلك في أول الأمر في ليلة العقبة قبل الهجرة من مكة، وقبل فرض الجهاد، انتهى. وهذا الذي جزم به النووي أن هذه البيعة بيعة العقبة قد جزم به القاضي عياض والقرطبي. وقال العيني (٢): إن القاضي عياض وجماعة من الأئمة الأجلَّاء قد جزم بأن حديث عبادة هذا كان بمكة ليلة العقبة لما بايع الأنصار رسول الله ﷺ البيعة الأولى بمنى، ثم استدل على ذلك بأمور ذكرها. وأما الحافظ ابن حجر فمال إلى أنها بيعة أخرى بعد الفتح، وقال (٣):

стр. 341

والحق عندي أن المبايعة المذكورة في حديث عبادة على الصفة المذكورة لم تقع ليلة العقبة، وإنما نصُّ (١) ليلة العقبة ما ذكر ابن إسحاق وغيره من أهل المغازي أن النبي ﷺ قال لمن حضر من الأنصار: "أبايعكم على أن تمنعوني مما تمنعون منه نساءكم وأبناءكم" فبايعوه على ذلك، وعلى أن يرحل إليهم هو وأصحابه، وسيأتي في هذا الكتاب في كتاب الفتن، وغيره من حديث عبادة أيضًا، ثم أطال في إثبات ذلك، ولخَّص القسطلاني (٢) تعقبَ العيني على الحافظ، ولخَّص في "فيض الباري" (٣) كلام الحافظين فأجاد، فإن كانت هذه البيعة بيعة بعد فتح مكة فالحديث نصٌّ في بيعة السلوك، كما يدل عليه قول الراوي: "وحوله عصابة من أصحابه"؛ لأن المخاطبين حينئذ الصحابة الكرام ﵃ أجمعين، وهذه الألفاظ التي وردت في الحديث هي ألفاظ البيعة عن مشايخ السلوك، وما زاد بعضهم من بعض الألفاظ فهو لمصلحة وقتية، كما زاده النبي ﷺ أيضًا في بعض المواقع من عدم السؤال وعدم النياحة. نعم لو كانت هذه البيعة بيعة العقبة فلا حجة فيه على بيعة السلوك؛ لأنها كانت بيعة الإسلام، والأوجه عند هذا العبد الضعيف أنهما بيعتان، إحداهما: بيعة العقبة، والثانية: بيعة السلوك التي يأتي ذكرها في تفسير سورة الممتحنة، واشتركت ألفاظ البيعة في كلتيهما. وبسط الكلام مولانا النواب صدِّيق حسن خان القنوجي البهوفالي من علماء منكري التقليد، البحثَ في المبايعة في "عون الباري" (٤) فقال: قوله: "فبايعناه على ذلك"، وقد صدرت مبايعات أخرى منها هذه البيعة التي في حديث الباب في الزجر عن الفواحش المذكورة، وأنها وقعت بعد فتح

стр. 342

مكة، وفي هذا الحديث دلالة على أن البيعة سُنَّة في الدين، واستفاض عن رسول الله ﷺ أن الناس كانوا يبايعونه: تارةً على الهجرة والجهاد، وتارةً على إقامة أركان الإسلام، وتارةً على الثبات والقرار في معارك الكفار، وتارةً على هجر الفواحش والمنكرات كما في حديث الباب، وتارةً على التمسُّك بالسنَّة والاجتناب عن البدعة والحرص على الطاعات، كما بايع نسوة من الأنصار على أن لا يخنّ، وبايع ناسًا من فقراء المهاجرين على أن لا يسألوا الناس شيئًا، فكان أحدهم يسقط سوطه فينزل عن فرسه فيأخذه ولا يسأل أحدًا، رواه ابن ماجه (١)، وقد نطق به الكتاب العزيز كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [الفتح: ١٠]، وقوله تعالى: ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ﴾ الآية [الممتحنة: ١٢]. ومما لا شك فيه ولا شبهة أنه إذا ثبت عن رسول الله ﷺ فِعلٌ على سبيل العبادة والاهتمام بشأنه، فإنه لا ينزل عن كونه سُنَّةً في الدين، بقي أنه ﷺ كان خليفة الله في أرضه، عالمًا بما أنزله الله تعالى من القرآن والحكمة، معلّمًا للكتاب والسُّنَّة، مزكِّيًا للأمة، فما فَعَلَه على جهة الخلافة كان سُنَّةً للخلفاء، وما فعله على جهة كونه معلّمًا للكتاب والحكمة ومزكِّيًا للأمة كان سُنَّةً للعلماء الراسخين. وهذا "صحيح البخاري" شاهد على أنه ﷺ اشترط على جرير عند مبايعته "والنصح لكل مسلم" (٢)، وأنه بايع قومًا من الأنصار فاشترط أن لا يخافوا في الله لومة لائم ويقولوا بالحق حيث كانوا، فكان أحدهم يجاهر الأمراء والملوك بالرد والإنكار إلى غير ذلك، وكل ذلك من باب التزكية والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

стр. 343

فالبيعة على أقسام: منها بيعة الخلافة، ومنها بيعة الإسلام، ومنها بيعة التمسك بحبل التقوى، ومنها بيعة الهجرة والجهاد، ومنها بيعة التوثق في الجهاد، وكانت بيعة الإسلام متروكة في زمن الخلفاء، أما في زمن الراشدين منهم فلأن دخول الناس في الإسلام في أيامهم كان غالبًا بالقهر والسيف، لا بالتأليف وإظهار البرهان، ولا طوعًا ولا رغبة، وأما في زمن غيرهم فلأنهم كانوا في الأكثر ظَلَمَةَ فَسَقَة لا يهتمون، وكذلك بيعة التمسك بحبل التقوى كانت متروكة، أما في زمان الخلفاء الراشدين فلكثرة الصحابة الذين استناروا بصحبة النبي ﷺ فتأدبوا في حضرته فكانوا لا يحتاجون إلى بيعة الخلفاء، وأما في زمن غيرهم فخوفًا من افتراق الكلمة وأن يظن بهم مبايعة الخلافة فتهيج الفتن، ثم لما اندرس هذا في الخلفاء انتهز أكابر العلماء والمشايخ الفرصةَ، وتمسَّكوا بسُنَّة البيعة، إلى آخر ما بسطه. (تفترونه بين أيديكم وأرجلكم) خصَّ الأيدي والأرجل بالافتراء؛ لأن معظم الأفعال تقع بهما، ويحتمل أن يكون المراد لا تبهتوا الناس كفاحًا وبعضكم يشاهد بعضًا، ويحتمل أن يكون المراد بالأيدي والأرجل القلب؛ لأنه هو الذي يترجم عنه اللسان، ويحتمل أن يكون قوله: "بين أيديكم" أي: في الحال، وقوله: "وأرجلكم" أي: في المستقبل؛ لأن السعي من أفعال الأرجل. وقيل: أصل هذا كان في بيعة النساء، وكنَّى بذلك - كما قال الهروي في "الغريبين" - عن نسبة المرأة الولد الذي تزني به أو تلتقطه إلى زوجها، ثم لما استعمل في بيعة الرجال احتيج إلى حمله على غير ما ورد فيه أولًا، انتهى من "الفتح" (١) ملخصًا، وذكر شيء من الكلام عليه في "الأوجز" (٢). (ولا تعصوني في معروف) هو ما يحسن، وهو ما لم ينه الشارع عنه، ويقال: هو ما عُرف من الشارع حسنه نهيًا وأمرًا، قاله شيخ الإسلام زكريا

стр. 344

الأنصاري (١)، وفي "القسطلاني" (٢): وقيد به مع أن رسول الله ﷺ لا يأمر بغير المعروف، للتنبيه على أنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، وخص ما ذكر من المناهي بالذكر دون غيره للاهتمام به. (فهو كفارة له) بسط الكلام عليه القسطلاني، وقال: قال الجمهور: هي كفارة، وتوقف بعضهم لحديث أبي هريرة عند الحاكم وصحَّحه أنه ﷺ قال: "لا أدري الحدود كفارة أم لا"، وأَوَّلَه بأنه قبل العلم، وأشكل بقتل المرتد، فإن عقوبة المرتد القتل بلا خلاف، وقتله هذا لا يكون كفارة إجماعًا. قلت: يمكن التفصِّي عنه بأن المرتد ليس بأهل للكفارة لكونه خارجًا عن الإسلام، والكفارة إنما تكون على المعاصي غير الكفر، وقد قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ [النساء: ٤٨]. ومستدَلَّات الحنفية من النصوص الآيات والأحاديث ستأتي في كتاب الشهادات والحدود، منها قوله عزَّ اسمه: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ الآية [المائدة: ٣٨]، وفيها الحجة بوجهين: الأول: أنه جعل في الآية القطع نكالًا، وهو يكون زاجرًا، والثاني: أنه عَزَّ اسمه ذكر بعد ذلك: ﴿فَمَنْ تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ﴾ الآية [المائدة: ٣٩]، ذكر التوبة بفاء التعقيب بعد القطع، وكذا في حد القذف ذكر: ﴿إلا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ﴾ [آل عمران: ٨٩] أي: بعد استيفاء الحد. ومنها آية المحاربة، وفيها: ﴿ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [المائدة: ٣٣]، فقد جمع الله بين عذاب الدنيا والآخرة، وأسقط عذاب الآخرة بالتوبة في قوله: ﴿إلا الَّذِينَ تَابُوا﴾ الآية كما بسط في هامش "اللامع" (٣) في كتاب الشهادات، وفيها بسط في الأحاديث

стр. 345

الدالة، منها حديث أبي داود (١) في قصة لصٍّ أُتي به قد اعترف، فأمر به فقطع، وجيء به فقال: "استغفر الله وتُبْ عليه" [فقال: أستغفر الله وأتوب إليه]، فلم أمره ﷺ بالتوبة بعد القطع؟ وقد أخرج أيضًا في قصة ماعزٍ وقد رجم قال: ذهبوا يسبّونه، فنهاهم، وذهبوا يستغفرون له فنهاهم، قال: "هو رجل أصاب ذنبًا حسيبه الله" (٢)، وغير ذلك من الروايات المذكورة هناك. والجواب عن حديث الباب بأنها من عموم الكفارات، فإن كل أذى للمؤمن حتى الشوكة يشاكها كفارة للمؤمن، كما وردت في الروايات الكثيرة من باب ثواب المرض (٣). (ثم ستره الله) يعم من تاب ومن لم يتب، وقال الجمهور: إن التوبة ترفع المؤاخذة، لكن لا اطلاع على قَبول التوبة، كذا في "القسطلاني" (٤). (١٢ - باب من الدين الفرار من الفتن) وقد تقدم أن الإمام ذكر في كتاب الإيمان الإسلام والدين لاتحادهما مصداقًا، قال تعالى ذكره: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ الآية [آل عمران: ١٩]، ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا﴾ الآية [آل عمران: ٨٥]، وترجم هنا بالدين، ولم يقل "من الإيمان" كما قال فيما سبق رعايةً للفظ الحديث. وقال الطيبي: اصطلحوا على ترادف الإيمان والدين والإسلام، ولا مشاحة فيه، كذا في "تراجم مسند الهند" (٥)، وأشكل في "اللامع" (٦): أن الترجمة لا تطابق الحديثَ حيث دلت الترجمة على كون الفرار من الفتن

стр. 346

بعض أجزاء الدين وأبعاضه على ما هو مدلول من التبعيضية، وهو الذي كان المؤلف متصدِّيًا لإثباته، وسكت في "اللامع" عن الجواب، بل وقع البياض بعد قوله: والجواب، وذكر في هامشه كلامًا طويلًا، فارجع إليه لو شئت التفصيل. ثم قال العيني (١): وجه المناسبة بينه وبين الباب السابق أن البيعة من الأنصار في السابق كانت فرارًا بدينهم من الفتن. (شَعَف) بمعجمة ومهملة مفتوحتين جمع شعفة بالتحريك، أي: رؤوس الجبال. (ومواقع القطر) عطف على "شعف"، أي: بطون الأودية، كذا في "القسطلاني" (٢). (يفر بدينه) فالعزلة ممدوحة إلا لقادر على إزالتها، فتجب الخلطة عينًا أو كفاية، واختلف فيها عند عدمها، فمذهب الشافعي تفضيل الصحبة، وقال آخرون بتفضيل العزلة كما بسطه القسطلاني. قلت: محل هذا البحث ما سيأتي من باب التعرب في الفتنة. (١٣ - باب قول النبي ﷺ : أنا أعلمكم بالله) أشكل إدخاله في كتاب الإيمان، والمسألة من كتاب العلم على الظاهر، وفي "تراجم شيخ الهند": أن الشرَّاح اختلفوا في توجيه ذلك، والمرجَّح عندي أن المصنف أراد بذلك التنبيه على الزيادة والنقصان في التصديق القلبي الذي هو فعل القلب بإثبات التفاوت في العلم الذي هو فعل القلب، وإليه أشار بقوله: "المعرفة فعل القلب". وفي تقرير مولانا محمد حسن المكي ﵀ أنه لما كان ورد في بعض الروايات بدله: "أنا أعرفكم بالله"، فسَّر المعرفة، وأشار إلى ترادف العلم

стр. 347

والمعرفة، وتمامه في هامش "اللامع" (١). وقال القسطلاني (٢) في آخر الباب السابق: لما كان الفرار من الفتن لا يكون إلا على قدر قوة دين الرجل وهي تدل على قوة المعرفة شرع بذكر ذلك فقال: باب قول النبي ﷺ . . . إلخ. وظاهر كلام الكرماني أن الغرض رد على الكرَّامية القائلة بأن الإيمان هو النطق فقط. وكتب الشيخ قُدِّس سرُّه في "اللامع": اعلم أن العلم نوعان: كسبي: وهو حاصل بالاختيار وغيره، وهو الواقع في القلب بالاضطرار، والمعتبر في الإيمان من التصديق ما كان اختيارًا منه، لا ما وقع في القلب ضرورةً وليس كسبًا له، وهو المعبَّر عنه في قوله تعالى: ﴿يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ﴾ [البقرة: ١٤٦]. والكسبي هو الممدوح عليه، فهو المراد في قوله: "أنا أعلمكم بالله"، ولا ريب في أنه فعل القلب لثبوت المؤاخذة عليه بالآية، فكان حاصل الترجمة أن النبي ﷺ لما أثبت لنفسه الأعلمية، والعلم هو الإيمان، ثبت التفاوت بين أفراد الإيمان والمؤمنين، ولما كان الإيمان هو الكسبي من العلم لا مطلقه احتج عليه بالآية، فإن المؤاخذة لما لم تكن إلا على الأفعال الاختيارية كان المأمور به هو العلم الكسبي لا العلم الضروري، وهو المراد في الرواية؛ لأنه مذكور في معرض المدح، ولا مدح إلا على الاختياري. وأيضًا ففي قوله: "أتقاكم" حجة أخرى على قَبول الإيمان الزيادة والنقصان؛ لأن التقوى هو الإيمان، أو لأن التقوى اجتناب السيئات، وهو داخل في الإيمان، فكان التفاوت فيه بالزيادة والنقصان تفاوتًا بهما في الإيمان لما أن الكل يتصف بالتغير إذا تغيرت أجزاؤه، وبسط في هامش "اللامع" في شرح ما ذكر الشيخ، وفيه: يشكل على المصنف إيراد هذا الباب في كتاب الإيمان، وكان حقه كتاب العلم.

стр. 348

قال الكرماني (١) وتبعه شيخ مشايخنا مسند الهند الدهلوي في "التراجم" إذ قالا: فإن قلت: ما وجه تعلق هذه الترجمة بالإيمان؟ قلت: العلم بالله، وكذا المعرفة به هو التصديق به فهو من الإيمان؛ لأن الإيمان إما التصديق أو التصديق مع العمل، فالمقصود بيان أن رسول الله ﷺ أشد إيمانًا منهم، وبيان أن الإيمان هو بعضه فعل القلب ردًّا على الكرَّامية، انتهى. (١٤ - باب من كره أن يعود في الكفر. . .) إلخ من عادة المصنف ذكر الأضداد في الكتب؛ لأن بضدِّها تتبين الأشياء، ولذا ذكر الكفر في الإيمان، وذكر فيه: "باب كفران العشير وكفر دون كفر"، و"باب المعاصي من أمر الجاهلية"، و"باب ظلم دون ظلم"، و"باب علامة المنافق"، وذكر في كتاب العلم "باب رفع العلم وظهور الجهل"، وذكر في الاستسقاء "باب دعاء القحط وقول النبي ﷺ : اجعلها سنين كسني يوسف"، ونظائرها كثيرة. وفي "تراجم شيخ الهند": إشارة إلى أن المصنف ﵀ أشار بذلك إلى أن الفرار من الفتن وغيره كما هو داخل في الإيمان كذلك كراهة الكفر أيضًا من الإيمان، انتهى. قلت: أو هو إشارة إلى أن مجرد الكراهة للكفر لا تكفي، بل ينبغي الكراهة مثل كراهته من الإلقاء في النار، والأوجه: أنه أشار بذلك إلى أن الكراهة من القلب أيضًا داخل في الفرار من الفتن، فيكون مشعرًا إلى ما في أبي داود (٢) مرفوعًا: "إذا عملت الخطيئة في الأرض كان من شهدها فكرهها كان كمن غاب عنها"، كذا في "المشكاة".

стр. 349

(١٥ - باب تفاضل أهل الإيمان) قال القسطلاني (١): لما ذكر في الحديث السابق ثلاث خصال، والناس مختلفون فيها شرع في ذكر تفاضل الأعمال، انتهى. قال الحافظ (٢): قوله: "في الأعمال" في ظرفية، ويحتمل أن تكون سببية، أي: التفاضل الحاصل بسبب الأعمال، انتهى. واختاره شيخنا الدهلوي في "التراجم" (٣) إذ قال: وفي للتعليل، انتهى. وذكر الشيخ الكَنكَوهي قُدِّس سرُّه في "اللامع" (٤): أن المصنف ﵀ أشار بذلك إلى إثبات ما ذهب إليه الفقهاء والمتكلمون من أن الزيادة والنقصان إنما هما باعتبار الكيفيات الزائدة والثمرات المترتبة، فأما نفس التصديق المنجي من الخلود فأمر بسيط لا يقبل الزيادة والنقصان، فزاد لفظ الأعمال في الترجمة إشارةً إلى ما ورد في الروايات مثل ذلك، كما في رواية أبي سعيد الخدري المسوقة قريبًا، فإنما هو التفاوت بحسب الأعمال، ثم إن صنيعه [هذا] وكذلك ما سلكه في أكثر الأبواب ردٌّ على المرجئة، انتهى. والظاهر عند هذا العبد الضعيف أن المصنف مال إلى النقص والزيادة في التصديق القلبي أيضًا، كما هو ظاهر من عامة تراجمه، فإنه تقدم قريبًا "المعرفة فعل القلب"، وقرنه بقوله: "أعلمكم"، لكن قوله في الترجمة هذه لفظ: "الأعمال" يؤيد كلام الشيخ قُدِّس سرُّه، وبسط في هامش "اللامع" الكلام على شرح كلام الشيخ. وفيه: وحكى مولانا محمد حسن المكي في تقريره: قوله: "باب

стр. 350

تفاضل أهل الإيمان" المقصود من مثل هذا الباب كما سيجيء من قوله: "باب المعاصي من أمر الجاهلية ولا يكفر صاحبها"، وكذا ما مر من قوله: "يزيد وينقص"، أن الأعمال ليست بداخلة في أصل الإيمان وهو التصديق، وليست بأركان له، بل هي مكملة له، فهي أجزاء للإيمان الكامل، وهذا بعينه مذهب المتكلمين، فلا نزاع هنا أصلًا. وقوله: "من خردل من إيمان" وصِغَرُ إيمانه هذا باعتبار الكيفية فقط، وذلك لعدم الأعمال له أصلًا، فالحاصل: أن الإيمان يزيد كيفًا بكثرة الأعمال وينقص كيفًا بقلَّتها، حتى إن من لم يكن له أعمال أصلًا يكون إيمانه في غاية الصغر كيفًا، فثبت تفاضل أهل الإيمان في الأعمال. ويمكن أن يقال: إن قوله في الترجمة "في الأعمال"، شارحة لما في الحديث "من خردل من إيمان"، وغرضه بيان أن المراد بالإيمان في الحديث هو الأعمال بدليل ما ورد في رواية أخرى بدله لفظ: "من خير"، فيكون حاصل الترجمة أن المؤمنين متفاوتون في الأعمال، فبعضهم عمله أزيد من البعض الآخر، ولكن مع ذلك مقصود البخاري واضح، فإنه بصدد إثبات الزيادة والنقصان في الإيمان، وقد أثبت فيما قبلُ كون الأعمال من الإيمان، فثبت بهذا الباب التفاضل في الإيمان، والله أعلم. (قال وهيب) أي: لم يشك وهيب كما شك مالك، بل ذكر لفظ الحياة بدون الشك، وروى لفظ "خير" بدل الإيمان، كذا في "تراجم مسند الهند" (١). (قال: الدين) كتب الشيخ في "اللامع": قوله: "الدين"، ومقتضى زيادته لفظ "الأعمال" في الترجمة أن يحمل الزيادة في دين عمر، وكذلك زيادة من تضمنه الحديث الأول على أن كمالهم في الدين هذا ناشٍ من كثرة القربات، ففيه فضل تنبيه على نفي الجزئية، انتهى.

стр. 351

وفي هامشه: وهذا ظاهر من صنيع المصنف، إذ ذكر الحديث في التفاضل بالأعمال، انتهى. قال الحافظ (١): ومطابقة الحديث للترجمة ظاهرة من جهة تأويل القمص بالدين، وقد ذكر أنهم متفاضلون في لبسها، فدل على أنهم متفاضلون في الإيمان، انتهى. (١٦ - باب الحياء من الإيمان) أي: يمنع صاحبه عن ارتكاب المعاصي كما يمنعه الإيمان، فسُمي إيمانًا مجازًا من باب تسمية الشيء باسم ما يقوم مقامه، كذا في "تراجم مسند الهند" (٢)، وقال القسطلاني (٣): كما ذكر في السابق تفاضل أهل الإيمان في الأعمال ذكر ههنا ما ينقص به الإيمان، انتهى. قلت: أو مراتب الحياء متفاوتة جدًا، فلا بد من تفاوت درجات الإيمان. قال النووي (٤) في الحديث المتقدم من قوله ﷺ : "الحياء شعبة من الإيمان": قال القاضي وغيره من الشرَّاح: إنما جعل الحياء من الإيمان وإن كان غريزة؛ لأنه يكون تخلُّقًا واكتسابًا كسائر أعمال البر، وقد يكون غريزة ولكن استعماله على قانون الشرع يحتاج إلى اكتساب ونية وعلم فهو من الإيمان بهذا، ولكونه باعثًا على أفعال الخير ومانعًا من المعاصي. وأما كونه خيرًا كله ولا يأتي إلا بخير، فقد يستشكل من حيث إن صاحب الحياء قد يستحيي أن يواجه بالحق رجلًا يجلّه فيترك أمره بالمعروف ونهيه عن المنكر، وقد يحمله الحياء على الإخلال ببعض الحقوق وغير ذلك مما هو معروف في العادة.

стр. 352

والجواب عن هذا الإشكال: أن هذا المانع المذكور ليس بحياء حقيقة، بل هو عجز ومهانة وضعف، وإنما تسميته حياءً من إطلاق بعض أهل العرف أطلقوه مجازًا لمشابهته الحياء الحقيقي، وإنما حقيقة الحياء خُلُق يبعث على اجتناب القبيح، ويمنع عن التقصير في حق ذي الحق، ويدل عليه ما ذكرناه عن الجنيد، انتهى. فقد حكى عنه قبل ذلك فقال: روينا في رسالة الإمام القشيري عن السيد الجليل أبي القاسم الجنيد رحمه الله تعالى قال: الحياء رؤية الآلاء، أي: النعم، ورؤية التقصير، فيتولد بينهما حالة تسمَّى الحياء، انتهى. (١٧ - باب ﴿فَإِنْ تَابُوا﴾ الآية) أي: عن الشرك، ليوافق الحديث الوارد فيه، وهو قوله: "حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله"، كذا في "تراجم مسند الهند" (١). وفي "اللامع" (٢): علق التخلية على التوبة وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة، فعلم أن الإيمان لا معتبر به بحسب الكمال بدونهما، فكانتا من الأجزاء للإيمان، أي: الكامل، انتهى. ثم حديث الباب قد اعترض عليه بوجهين: الأول: أنه قد استبعد قوم صحته من جهة أن هذا الحديث لو كان عند ابن عمر لما ترك أباه ينازع أبا بكر ﵄ في قتال مانعي الزكاة، كما ذكر الحافظ (٣)، وذكر الجواب عنه وبسط في هامش "اللامع" (٤) فيما يتعلق بمانعي الزكاة في أوائل كتاب الزكاة، وذكر هناك ما يكفي عما يتعلق بهذا الإشكال، وجواب الحافظ: أن ابن عمر لعله لم يحضر المناظرة، أو حضر ولكنه لم يستحضر الحديث، وجوابه عندي: أن الحديث وارد في

стр. 353

الجاحدين، والمناظرة كانت في المتأولين المقرِّين بالفرضية، المنكرين لوجوب الأداء إلى الإمام. والإشكال الثاني: أن مقتضى حديث الباب قتال كل من امتنع عن التوحيد، فكيف ترك قتال مؤدي الجزية والمعاهد؟ وأجاب الحافظ عن ذلك بستة أجوبة، منها: أن يقال: إن الغرض من ضرب الجزية اضطرارهم إلى الإسلام، وسبب السبب سبب، فكأنه قال: حتى يسلموا أو يلتزموا ما يؤديهم إلى الإسلام. (١٨ - باب من قال: إن الإيمان هو العمل) يعني بذلك: أن العمل وإن كان المتبادر منه عند الإطلاق أعمال الجوارح إلا أنه كثيرًا ما يطلق على العمل القلبي أيضًا، كما استشهد عليه بالآية والرواية، فمن قال منهم في تفسير الإيمان: إنه العمل، لم يعن به عمل الجوارح حتى يرد عليه أنه كيف خالف البداهة، بل غرضه هو الإيمان والعمل القلبي، والله أعلم، كذا في "اللامع". وقال مسند الهند في "تراجمه" (١): المراد بالعمل ههنا مجموع عمل اللسان والقلب والجوارح، والاستدلال عليه بمجموع الآيات والأحاديث، إذ يدل كل من القرآن والسُّنَّة على بعض الدعوى بحيث يدل الكل [على الكل]، انتهى. ثم رأيت أن العلامة الكرماني (٢) سبق إلى ذلك، ولا يذهب عليك أن الإمام البخاري ترجم ههنا "باب من قال: إن الإيمان هو العمل"، وتقدم في أول كتاب الإيمان هو قول وفعل، وظاهر ما قال شيخ الهند: أن الغرض من الأول كان إثبات أن الأعمال هي أجزاء، والمقصود ههنا أن

стр. 354

الإيمان هو العمل، فغرض الترجمتين إثبات التلازم والعلاقة من الطرفين، أو دفع ما يتوهم من العطف في نحو قوله تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ [التين: ٦]. وقال القسطلاني (١) تحت قوله تعالى: ﴿لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ﴾ [الصافات: ٦١] أي: فليؤمن المؤمنون لا للحظوظ الدنيوية المشوبة بالآلام السريعة الانصرام، وهذا يدل على أن الإيمان هو العمل كما ذهب إليه المصنف، لكن اللفظ عام ودعوى التخصيص بلا برهان لا تقبل، نعم إطلاق العمل على الإيمان صحيح من حيث إن الإيمان هو عمل القلب، لكن لا يلزم من هذا أن يكون العمل من نفس الإيمان، وغرض البخاري من هذا الباب وغيره إثبات أن العمل من أجزاء الإيمان ردًّا على من يقول: إن العمل لا دخل له في ماهية الإيمان، فحينئذ لا يتم مقصوده على ما لا يخفى، وإن كان مراده جواز إطلاق العمل على الإيمان فلا نزاع فيه؛ لأن الإيمان عمل القلب وهو التصديق، انتهى. وقال السندهي (٢): لما ورد في مواضع من كتاب الله تعالى عطف العمل على الإيمان، والعطف للمغايرة، توهم أن الإيمان لا يطلق عليه اسم العمل شرعًا، فوضع هذا الباب لإثبات أن اسم العمل شرعًا يشمل الإيمان، واستدل عليه بقوله تعالى: ﴿تِلْكَ الْجَنَّةُ﴾ الآية [مريم: ٦٣]، لا بناءً على أن معنى ﴿بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾: تؤمنون، فإنه بعيد، بل بناءً على أن الإيمان هو السبب الأعظم في دخول الجنة، فلا بد من شمول ﴿بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ له، وكذا قول عدة أهل العلم لبيان شمول العمل لقول: لا إله إلا الله، على معنى: أي حتى عن قول لا إله إلا الله، لا لبيان اقتصار العمل، والمراد - والله تعالى أعلم - عما كانوا يعملون فعلًا وتركًا، فيشمل السؤال من قال ومن ترك، وكذا قوله: ﴿لِمِثْلِ هَذَا﴾. . . إلخ، العمل فيه يشمل الإيمان، لا أن المراد به الإيمان فقط.

стр. 355

والحاصل: أنه في هذه الآية وقع الاقتصار على ذكر العمل مع أن الموضع موضع ذكر الإيمان والعمل جميعًا، فلا بد من القول بشمول العمل للإيمان وهو المطلوب، وعلى هذا فما وقع في القرآن من عطف العمل على الإيمان في مواضع فهو من عطف العام على الخاص لمزيد الاهتمام بالخاص، والله تعالى أعلم، انتهى. ويؤخذ من هذا الجوابُ لاعتراض القسطلاني على المصنف. ومحصل الأقوال في غرض الترجمة ثلاثة: الأول: أن المراد بالعمل هو العمل القلبي الذي هو التصديق، وهو مختار العارف الكبير المحدث الكَنكَوهي، والعلامة الكشميري (١). والثاني: أن المراد به عمل الجوارح، والغرض دفع ما يتوهم من مغايرة العمل للإيمان بسبب العطف، واستدل على عدم التغاير بآيات أوردها، وأما العطف فمن قبيل عطف العام على الخاص لمزيد الاهتمام بالخاص، وهو مختار العلامة السندي (٢)، وإليه مال شيخ الهند. والثالث: أن المراد به أعم من عمل القلب واللسان والجوارح، وهو الذي مال إليه الشرَّاح ومسند الهند الشاه ولي الله الدهلوي، وعلى هذا فغرضه الرد على من أنكر كون العمل من الإيمان، كما صرح به القسطلاني (٣) وابن بطال والنووي وغيرهم، وهو الغرض أيضًا على مختار السندي، والله أعلم. (١٩ - باب إذا لم يكن الإسلام على الحقيقة) لم يتكلم على هذا الباب مسند الهند قُدِّس سرُّه، وتكلم عليه شيخ الهند في "تراجمه"، وشيخ المشايخ الكَنكَوهي قُدِّس سرُّه في "لامع

стр. 356

الدراري"، ومآل كلامهما واحد، إلا أنهما اختلفا في التعبير والسياق، وأجاد كل منهما الكلام على ذلك، ونذكرهما تفهيمًا وتوضيحًا لتغير السياق والسباق، ونكتب أولًا ما أفاده شيخ الهند معرِّبًا لكلامه، ثم بعد ذلك نذكر كلام شيخ المشايخ من "اللامع". قال شيخ الهند قُدِّس سرُّه: اختلف العلماء في العلاقة بين الإسلام والإيمان وكيفية النسبة بينهما، وبعضهم يرون الترادف والاتحاد، والأكثر يرجِّحون المساواة، وبعضهم يقولون بالعموم والخصوص، والآيات القرآنية والأحاديث أيضًا مختلفة الظواهر، وقد ذكرها المحدثون والمتكلمون، واستدل بهما الفريقان، لذا نقل المؤلف ﵀ للإسلام معنيين: أحدهما: الاستسلام والانقياد الظاهري الذي يظهره صاحبه لطمع مال أو خوف قتل وأسر ونحوه، وهذا يقال له المجاز الشرعي أيضًا، والحقيقة الشرعية، أي: مجموعة الأمور الدينية كلها، فاندفع بذلك اختلاف النصوص، وأيضًا وأصبح خلاف أهل العلم فيه خلافًا لفظيًا، وكذلك الآيات والحديث مثل: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾ الآية [الحجرات: ١٤]، وقوله ﷺ : "أو مسلمًا" في رواية سعد بن أبي وقاص يظهر منهما المغايرة بين الإيمان والإسلام، وهذا يخالف صراحة مدعى الأبواب السابقة؛ لأن مغايرة الإسلام يستلزم مغايرة الأعمال، فبهذا الباب زالت هذه الشبهة أيضًا. وتوضيح كلامه قُدِّس سرُّه أن للإسلام إطلاقين: فمرة يطلق مرادفًا للإيمان، وأخرى يطلق بمعنى الاستسلام الظاهر، والأول: هو الإسلام بالحقيقة، وهو المعتبر عند الشرع، والثاني: مثلًا أن يكون مخافة القتل والأسر أو لطمع في الغنيمة، وهو إسلام ظاهرًا، وإن لم يصحبه التصديق لم ينفعه، وهذا محمل ما يتراءى في الظاهر من الاختلافات بين النصوص، ولما كان الظاهر من بعض النصوص مخالفة الإيمان للإسلام، كما يفيد قوله ﷺ لسعد: "أو مسلمًا"، فيؤخذ منه مغايرة الإيمان للأعمال، فإن

стр. 357

الأعمال إسلام، وقد أثبت المصنف فيما تقدم أن الأعمال داخلة في الإيمان، فدفع بهذه الترجمة هذه الشبهة أيضًا بأن الإسلام الذي يغاير الإيمان هو الذي يكون على الظاهر لا ما كان على الحقيقة. وقال الشيخ قُدِّس سرُّه في "اللامع" (١): اعلم أن للإسلام المعتبر شرعًا لزومًا بالإيمان كما أن للإيمان ملازمة بالإسلام، ولو كان التسليم والانقياد حكمًا لا حقيقةً، وقد سبق بعض بيانه في أول كتاب الإيمان، ولما كان كذلك كان الإسلام والإيمان غير منفك أحدهما عن الآخر ولا متحقق كل منهما دون الثاني، إلا أن الإسلام كما يطلق على هذا المعنى المتلازم للإيمان فكثيرًا ما يطلق أيضًا على الانقياد الظاهري الذي لم يعتبر عند الشرع إلا في حق إجراء أحكام المسلمين على من اتصف به، وذلك لتعذر وقوف الناس على سرائر القلوب وضمائرها فيما بينهم، فلم يكن [بُدٌّ] من نصب علامة لهم يعرفون به المسلم عن غيره، وهذا الإطلاق للإسلام جار في عرف الشريعة، وفي كثير من الآيات والروايات، فبوَّب المؤلف بابًا لذلك إشارةً منه إلى أن الإسلام والإيمان المعتبرين وإن لم يتحقق أحدهما دون الآخر، إلا أنه قد يطلق في الشرع لفظ الإسلام بإطلاق آخر غير ما ذكرناه أولًا، فيشتبه الأمر على الناظر. وأيضًا ففي كلامه إشارة إلى أن من ذهب منهم إلى المغايرة بينهما، فإنما غرضه التغاير بحسب المفهوم لا المصاديق، فإن المسلم صفة بحسب الظاهر، والمؤمن صفة له بحسب اعتقاده، وإن كانا متلازمين وجودًا، أو قصد بالمغايرة أنهما يتغايران بحسب ذلك الإطلاق الآخر للإسلام الذي هو غير معتبر به شرعًا كما في قوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾، فإنهم لم يؤمروا أن ينسبوا إلى أنفسهم ذلك الإسلام الحقيقي المعتبر شرعًا، إذ لو كانوا متصفين به لما صح نفي الإيمان عنهم لِما أنهما متلازمان، بل

стр. 358

أمروا أن يسندوا إليها صورة الإسلام وظاهره، وهذا هو المراد في الرواية حيث نهى سعدًا أن يحكم على رجل بالإيمان لكونه أمرًا مبطنًا عنه خفيًا أمره عليه، وكذلك الإسلام الحقيقي. نعم إن له أن يحكم على من رآه آتيًا بأوامر الشرع مجتنبًا عن ارتكاب نواهيه بأنه مسلم بمعنى منقاد، وذلك لأنه متيقن به غير مشكوك فيه، وأما الحكم بالإيمان والإسلام الحقيقيين فلا يمكن إلا ظنًّا عبرةً للظاهر، وهو وإن كان جائزًا لِما أُمرنا به من بناء الحكم على ظواهر ما نراه، إلا أنه خلاف الأدب لكون الحكم بحسب الواقع على ما لم يعلم، فافهم فإن فيه دقة ما. ثم إن كلمة "أو" في قوله ﷺ : "أو مسلمًا" ظاهرها أنها بمعنى "بَل"، حيث أراد النبي ﷺ رده عما قال فيه، وجزم إلى ما هو متيقن به منه وهو الانقياد الظاهري، وذلك لعدم تيقن سعد بما في قلبه من الإيمان والكفر، وإن كان النبي ﷺ يعلم منه أنه مؤمن كما هو الظاهر من قوله وهو: "أحب إليّ"، ويمكن كونها أيضًا للشك، فإنه لما لم يتبين عنده إيمانه أو نفاقه والتبس عليه فلم يكن تعيين أحد الأمرين من شأنه، فكان عليه أن يقول: إني أراه مؤمنًا إن كان باطنه كظاهره، أو مسلمًا إن لم يكن كذلك، فقوله ﷺ : "أو مسلمًا" عطف على مفعول قوله: "أراه" ومثل ذلك في الكلام كثير، انتهى. وفي هامشه: وفي تقرير الشيخ المكي ﵀ عن الشيخ الكَنكَوهي قُدِّس سرُّه: قوله: "على الحقيقة" أي: على الحقيقة الشرعية بل يكون على الحقيقة اللغوية، وجزاء الشرط محذوف: فلا يعتبر به عند الله، و"الأعراب" المنافقون، وقوله: "أسلمنا" فإطلاق الإسلام ههنا حقيقة لغوية ومجاز شرعي، إذ لا فرق في الشرع بين الإيمان والإسلام والدين إلا بالاعتبار، وبسط في هامش "اللامع" الكلام على هذا الباب أشد البسط، وذكر فيه

стр. 359

أقوال الشرَّاح من السندي وغيره (١). (حدثنا أبو اليمان. . .) إلخ، الأوجه عندي: أن المصنف رحمه الله تعالى أراد بالترجمة بين الآيتين اللتين ظاهرهما المخالفة، وأراد بذكر هذا الحديث الإشارة إلى أن الرجل المتروك ليس من الأول، وأن يظهر هذا من قوله ﵇: "أو مسلمًا"، بل من الثاني لقوله ﵇: "لأعطي الرجل وغيره أحب إلي" لكنه ﷺ رد على قوله: "أراه مؤمنًا" لأن الإيمان فعل القلب لا يظهر عليه غيره. (قوله: أحب إليّ. . .) إلخ، فيه دلالة على أن الإيمان يزيد وينقص؛ لأن حبه ﷺ تزايد بتزايد مراتب الإيمان كما دل عليه السياق، ثم لما أثبت للغير

стр. 360

أنه أحب إليّ فكان إيمانه أزيد ممن ليس أحب إليه ﷺ . فأما مناسبة الحديث بالباب الذي وضعه فحاصلة بقوله: "مسلمًا"، حيث فرَّق بين الإيمان والإسلام، فجوَّز إطلاق الثاني دون الأول، وذلك بحسب ما له من المعنى الأعم من معناه المعتبر شرعًا، وهو، أي: المعنى الأعم الانقياد ظاهرًا، سواء وجد معه الإيمان أو لا، انتهى. كذا في "اللامع" (١). قال الحافظ (٢): مناسبة الحديث للترجمة ظاهرة من حيث إن المسلم يطلق على من أظهر الإسلام وإن لم يعلم باطنه، فلا يكون مؤمنًا لأنه ممن لم تصدق عليه الحقيقة الشرعية، وأما اللغوية فحاصلة، انتهى. (٢٠ - باب إفشاء السلام) قال العيني (٣): وجه المناسبة بين البابين هو أن من جملة المذكور في الباب السابق أن الدين هو الإسلام، والإسلام لا يكمل إلا باستعمال خلاله، ومن جملة خلاله إفشاء السلام للعالَم، وفي هذا الباب يبين هذه الخلّة في الحديث الموقوف والمرفوع جميعًا، مع زيادة خلّة أخرى فيهما، وهي إطعام الطعام، وزيادة خلّة أخرى في الموقوف، وهي الإنصاف من نفسه، انتهى. قال الكرماني (٤): فإن قلت: الحديث بعينه هو المتقدم - أي: في باب إطعام الطعام. . . إلخ - فلم ذكره مكررًا؟ قلت: ذكره ثمة للاستدلال على أن الإطعام من الإسلام، وههنا للاستدلال على أن السلام منه. فإن قلت: كان يكفيه أن يقول ثمة أو ههنا: باب الإطعام والسلام

стр. 361

من الإسلام بأن يدخلهما في سِلك واحد ويتم المطلوب؟ ثم أجاب عن ذلك بأن البخاري تبع في وضع التراجم مشايخه. وأنكره الحافظ ابن حجر أشد الإنكار، وقال (١): الظاهر من صنيع البخاري أنه يقصد تعديد شعب الإيمان كما قدَّمناه، فخصَّ كل شعبة بباب تنويهًا بذكرها، وقصدُ التنويه يحتاج إلى التأكيد، فلذلك غاير بين الترجمتين، انتهى. قوله: (الإنصاف من نفسك. . .) إلخ، وفي هامش "اللامع" (٢): وفي تقرير مولانا محمد حسن المكي: أي: إعطاء الإنصاف من نفسك بأن يقول للمظلوم: خُذْ ظُلمك مني، انتهى. قلت: وهذا أوجه عندي مما قالته الشرَّاح قاطبة، ففي "القسطلاني" (٣) تبعًا للحافظ: قوله: "الإنصاف" أي: العدل من نفسك بأن لم تترك لمولاك حقًا واجبًا عليك إلا أديته، ولا شيئًا مما نُهيتَ عنه إلا اجتنبته، وأنت خبير بأن هذا الذي قالوه هو تمام الإيمان، فأي شيء بقي بعد ذلك، والوارد في الأثر: "ثلاث من جمعهن جمع الإيمان"، فالموافق للفظ الأثر ما أفاده الشيخ قُدِّس سرُّه. قال العيني (٤): يقال: أنصفه من نفسه، وانتصفت أنا منه، انتهى. قال المجد (٥): انتصف منه: استوفي حقه منه، وتناصفوا: أنصف بعضهم بعضًا، انتهى. (من الإقتار) بكسر الهمزة، أي: في حالة الفقر، كذا قال القسطلاني.

стр. 362

(٢١ - باب كُفْرَانِ العشير وكفرٍ دون كفرٍ) أراد بالترجمة التنبيه على أن المراد في الرواية ليس حقيقة الكفر، بل المراد كفرٌ دون كفر. قال الشيخ قُدِّس سرُّه في "اللامع" (١): هذا تصريح بما ذهبنا إليه من أن الأعمال ليست بداخلة في أصل الإيمان، إذ لو كان كذلك لما تحقق كفر دون كفر، بل كان مرتكب السيئات كافرًا، وغرضه من عقد الباب الرد على المعتزلة القائلين بإثبات المنزلة بين الإيمان والكفر، وأن مرتكب الكبيرة خارج من الإيمان، وحاصل الرد: أن إطلاق المؤمن على مرتكب الكبيرة شائع في الآيات والروايات، فما ورد في مثل تلك المعاصي من لفظ الكفر فالمراد به غير ما هو نقيض الإيمان، فإن الكفر أنواع بعضها أكمل من بعض، وأقصى أنواعه الكفر المقابل للإيمان، والرواية مصرِّحة بالترجمة، انتهى. وفي هامشه: قال بعض العلماء: الكفر أربعة أنواع: كفر إنكار، وجحود، ومعاندة، ونفاق، وهذه الأربعة من لقي الله بواحدة منها لم يغفر له، فكفر الإنكار: أن يكفر بقلبه ولسانه وأن لا يعرف ما يذكر له، وكفر الجحود: أن يعرف بقلبه ولا يقر بلسانه ككفر إبليس، وكفر المعاندة: أن يعرف بقلبه ويقر بلسانه ويأبى أن يقبل الإيمان ككفر أبي طالب، وكفر النفاق ظاهر. قال النووي (٢): إن الشرع أطلق الكفر على ما سوى الأربعة ككفران الحقوق والنعم، فمن ذلك حديث الباب، وحديث: "لا ترجعوا بعدي كفارًا يضرب بعضكم رقاب بعض" وأشباهه، وهذا مراد البخاري بقوله: وكفر دون كفر، إلى آخر ما بسطه فيه.

стр. 363

وكتب شيخ الهند قُدِّس سرُّه في "تراجمه" ما تعريبه: الظاهر أن لا مناسبة لترجمة الباب بكتاب الإيمان، فأشار المؤلف ﵀ بقوله: "وكفر دون كفر" إلى المناسبة بينهما وإلى الغرض من الترجمة، والظاهر أن غرض المؤلف ﵀ أمران: الأول: إثبات التشكيك في الكفر؛ لأن بإثباته يثبت التشكيك في ضده وهو الإيمان؛ لأن التشكيك في شيء تشكيك في ضده. والثاني: أن المعاصي داخلة في الكفر كما أن الأعمال الصالحة داخلة في الإيمان، وسيذكر المؤلف ذلك في الترجمة الآتية واضحًا، ثم علم من التشكيك في الكفر ودخول المعاصي في الكفر [أن] النصوص التي ورد فيها إطلاق الكفر على ترك بعض الأعمال كما في ترك الصلاة والحج هي إطلاقات حقيقية، والتأويل فيها وجعلها مجازية إنما هو تكلُّف لا حاجة إليه؛ لأن إطلاق الكلي المشكك يكون على جميع أفراده القوي والضعيف حقيقيًا لا مجازيًا، ثم إنه لما كان في الكفر تشكيك، فإن هذا التشكيك مسلّم في سلب الإيمان أيضًا، وبذلك نتخلَّص من التأويلات المتنوعة في الروايات الكثيرة، فالحمد لله. (رأيت أكثر أهلها النساء) وظاهره أن النساء أكثر في جهنم من الرجال، ويشكل عليه ما ورد أن لكل رجل من أهل الجنة امرأتين من أهل الدنيا، ويظهر منه كثرة النساء في الجنة. وذَكَر هذا الإيرادَ والجوابَ الشَّيْخُ الكَنكَوهي قُدِّس سرُّه في "الكوكب الدرِّي" (١) فقال: قوله: "فرأيت أكثر أهلها النساء"، فإن النساء في أنفسها كثيرة نسبة إلى الرجال، فما كان منها في الجنة أكثر من الرجال، وما كان منها في النار أكثر من نساء الجنة ومن رجال النار أيضًا. وفي هامشه: أشار الشيخ بذلك إلى جواب عن إيراد وارد على

стр. 364

الحديث، وتوضيح ذلك ما قال القاري: قد يشكل عليه ما جاء في حديث الطبراني: "أن أدنى أهل الجنة يمسي على زوجتين من نساء الدنيا"، فكيف يكنّ مع ذلك أكثر أهل النار وهنّ أكثر أهل الجنة؟ وجوابه: أنهن أكثر أهلها ابتداء، ثم يخرجن ويدخلن فيصرن أكثر أهلها انتهاءً، أو المراد أنهن أكثر أهلها بالقوة، ثم يعفو الله عنهن، هذا ولا بدع أنهن يكنَّ أكثر أهلهما لكثرتهن، وتكلم على ذلك في هامش "اللامع" أيضًا. ثم قال الحافظ (١): وظاهره أنه رأى ذلك ليلة الإسراء أو منامًا وهو غير رؤية النار، وهو في صلاة الكسوف، ووهم من وحَّدهما، وقال الداودي: رأى ذلك ليلة الإسراء أو حين خسفت الشمس، كذا قال، وبسط الكلام على حديث الباب في "الأوجز" (٢). (٢٢ - باب المعاصي من أمر الجاهلية. . .) إلخ كتب شيخ الهند في "تراجمه" ما تعريبه: في هذا الباب ترجمتان، ولكن المقصود هي الترجمة الأولى، والثانية كدفع دخل مقدر، والغرض أن المعاصي من أمر الجاهلية، يعني: داخلة في الأمور الشركية، كما أثبت في الأبواب السابقة أن أعمال الخير من الأمور الإيمانية، أي: داخلة في الإيمان، قد تحقق في الأبواب السابقة الحاجة إلى أعمال الخير، وثبت في هذا الباب قبح المعاصي ومضرتها، وبجمعها يبطل قول المرجئة بالكلية، ولكن يخشى أن يطمع الخوارج والمعتزلة من هذه الترجمة، لذا ذكر المؤلف المحقق بعدها: "ولا يكفر صاحبها بارتكابها"، فسدَّ بذلك بابهم، ثم قوله: "لقول النبي ﷺ " متعلق بالترجمة الأولى، "وقول الله" دليل الترجمة الثانية، ثم ذكر حديث أبي ذر ﵁ فهو بالبداهة مربوط بالترجمة الأصلية، ولما نرى أن الأحمق الجاهل أيضًا لا يمكن له أن يتكلم بحرف

стр. 365

بسبب هذه القصة في كمال إيمان أبي ذر رضي الله تعالى عنه، فحينئذ نرى مطابقتها بالأمر الثاني أيضًا، وبطل بهذا الباب قول المرجئة والخوارج والمعتزلة، وقد ذكرت مراتٍ أن المؤلف لا يصرح في كثير من المواقع بغرض التمرين وتشحيذًا للأذهان، هكذا تجده يستخدم الإشارة حيث يرى التصريح خلافًا للمصلحة، أو أنه يخالف الاحتياط. (إنك امرؤ فيك جاهلية) كتب الشيخ في "اللامع" (١): رماه بذلك وليست الجاهلية بأهون شيء، ومع ذلك فلم يأمره بتجديد الإيمان أو بغيره من أحكام الكفر، فعلم أن ارتكاب الكبائر غير مكفر. وفي هامشه: قال ابن بطال (٢): يريد أنك في تعييره بأمه على خُلُق من أخلاق الجاهلية؛ لأنهم كانوا يتفاخرون بالأنساب، ولم تستحق بذلك الفعل أن تكون كأهل الجاهلية في كفرهم بالله. وغرض البخاري بهذا الردُّ على الخوارج، وروي أنه ﷺ قال لأبي ذر: "أعَيَّرْتَه بأمه؟ ارفع رأسك ما أنت بأفضل مما ترى من الأحمر والأسود إلا أن تفضل في دين" (٣)، وقد روي: أن بلالًا كان الذي عيَّره أبو ذر بأمِّه، أي: بسوادها، فانطلق بلال إلى رسول الله ﷺ فشكا إليه تعييره بذلك، فأمره رسول الله ﷺ أن يدعوه، فلما جاء أبو ذر قال له رسول الله ﷺ : "شتمت بلالًا وعيرته بسواد أمه؟ "، قال: نعم، قال له رسول الله ﷺ : "ما كنت أحسب أنه بقي في صدرك من كبر الجاهلية شيء"، فألقى أبو ذر ﵁ نفسه إلى الأرض، ثم وضع خدّه على التراب، وقال: والله لا أرفع خدِّي منها إلا أن يطأ بلال خدي بقدمه، فوطأ خدّه بقدمه (٤)، انتهى.

стр. 366

قال الكرماني (١): الجاهلية زمان الفترة قبل الإسلام، سُميت بذلك بكثرة جهالاتهم، انتهى. إلى آخر ما بسطه فيه. (أبو بكرة) اسمه نُفيع بالنون مصغرًا، كُنِّي بها لأنه نزل يوم الطائف إلى رسول الله ﷺ من الحِصن في بكرة، كذا في "العيني" (٢)، وفي "التهذيب" (٣): وإنما قيل له أبو بكرة؛ لأنه تدلى من الحصن إلى رسول الله ﷺ ، انتهى. وزاد في "الإصابة" (٤): تدلى ببكرة فاشتهر بأبي بكرة، انتهى. (إذا التقى المسلمان. . .) إلخ، كتب الشيخ قُدِّس سرُّه في "اللامع" (٥): سمَّاهم مسلمَين حين اشتغلا بالمقاتلة. وفي هامشه: وبذلك استدل البخاري في الترجمة في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ الآية [الحجرات: ٩]، ولهذا ذكر الحديث لأن الإيمان والإسلام في الشرع متحدان، انتهى. (وعليه حُلة) كذا رواه أكثر أصحاب شعبة، وعند الإسماعيلي عن معاذ عن شعبة: "إذا حلة عليه ثوب وعلى عبده ثوب"، ويؤيده رواية الأعمش عن معرور الآتي في الأدب: "رأيت عليه بردًا وعلى غلامه بردًا، فقلت: لو أخذت هذا لكانت حلة"، ونحوه في "مسلم" و"أبي داود"، ويمكن الجمع بأن عليه بردًا جيدًا تحته برد خلِق، وهكذا على غلامه، فالمعنى لو أخذت الجديد منه لكانت عليك حلة جيدة، كذا في "الفتح" (٦). (٢٣ - باب ظلم دون ظلم) كتب شيخ الهند في "تراجمه" ما تعريبه: أورد في هذا الباب حديث ابن مسعود الذي ذكر فيه: "أينا لم يظلم نفسه؟ فأنزل الله تعالى: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ " [لقمان: ١٣].

стр. 367

ويظهر منه أن الظلم العظيم هو الشرك، وأما سائر المعاصي والذنوب فداخلة في مرتبة ما دون الظلم العظيم، فظهر بهذا الباب بنوع وضاحة تحقيق ما أراده المؤلف في الترجمتين السابقتين، وهما: كفر دون كفر، والمعاصي من أمر الجاهلية، وظهر أن المعاصي داخلة في الشرك والكفر، لكن لا يغفل عما قال المؤلف: "لا يكفر صاحبها بارتكابها إلا بالشرك"، ويجب التمسك به بقوة وإلا فيلزم خلاف ما رامه المؤلف، ونظرًا إلى هذه الخطرات لم يفصح المؤلف، بل أشار إلى مدَّعاه في أبواب شتى بتغير العنوان وتبديل البيان، والله أعلم. (أينا لم يظلم) كتب الشيخ قُدِّس سرُّه في "اللامع" (١): استشكل عليهم ما يتبادر من العموم حيث وقعت النكرة تحت النفي، والتجنب بأنواع الظلم بأسرها بحيث يتناول المكروهات التنزيهية والتحريمية، والصغار من المعاصي والكبار متعذر على غير الأنبياء لعصمتهم، فأجاب رسول الله ﷺ بأن اللبس قرينة على أن المراد بالظلم معظم أفراده وهو الشرك، وأما اللمم فليست لها في جنبة الإسلام من وجود، وكذا الكبائر من المعاصي فإنها تتلاشى في زاخر الإيمان إلا الكفر، فالآية مسوقة لبيان أن الظلم يطلق على الكفر والشرك، وأنه معظم أنواعه، وأما الجواب ففي تنكير الظلم أنه للتعظيم بقرينة اللبس، انتهى. وبسط في هامشه الكلامَ على أكثر كلام الشيخ قُدِّس سرُّه، وكتب على قوله: إنه للتعظيم بقرينة اللبس، فقال: لله در الشيخ ما أجاد فيما أفاد، فإن اللبس، أي: الخلط، يشعر إلى عظمة ما خالطه، فإن الشيء القليل الذي يتلاشى في البحر العظيم لا يقال فيه: الخلط، فكذا الإيمان بحر عظيم والمعاصي بجنبه أجزاء متلاشية، بخلاف الكفر فإنه مقابل للإيمان فيصدق عليه الخلط بداهة، انتهى.

стр. 368

وحكى صاحب "النور الساري" عن تقرير شيخ الهند قُدِّس سرُّه في قوله: ﴿وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ [الأنعام: ٨٢] إلخ: هذا الحديث مختصر، وجاء بطريق آخر أن الصحابة لما نزلت هذه الآية قالوا: أينا لم يظلم يا رسول الله؟ فقال النبي ﷺ : "إن المراد من الظلم الشرك"، وجاء الوحي أن الشرك لظلم عظيم، قيل: ما وجه فزع الصحابة من هذه الآية؟ وما وجه تخطئة النبي ﷺ لهم، وقوله لهم ما قال؟ فالشرَّاح - رحمهم الله تعالى - قالوا: إن الصحابة فهموا ما فهموا من الآية بالنظر إلى القاعدة الكلية، وهو أن النكرة إذا وقعت تحت النفي تفيد العموم والاستغراق والشمول، فالظلم عام شامل للمعاصي والكفر جميعًا، فالتنوين في "ظلم" للتنكير، وما قال النبي ﷺ فهو بناءً على أن التنوين فيه للتعظيم، والظلم العظيم هو الشرك. لكن قال الأستاذ العلامة سلَّمه الله تعالى: إن هذا التقرير يخل بفصاحتهم وبلاغتهم، وليس من شأنهم كهذا الكلام، ومع هذا فسأل منهم ما وجه عدول النبي ﷺ عن القاعدة الكلية، ولا دليل على ما قال، وهذا بعيد من شأن النبي ﷺ ، ولكن شيئًا آخر كان بينهما فعلًا للمقصود، ولما قال النبي ﷺ ما قال فهموا مطلبه، فقال الأستاذ العلامة سلَّمه الله تعالى: الأَولى والألصق بالقلب أن يقال كما قال مولانا الشاه عبد القادر الدهلوي في ترجمته للكلام المجيد تحت هذه الآية، خلاصته: أن الصحابة فهموا من هذه الآية الإيمان الكامل، فقال النبي ﷺ : "المراد من الظلم الشرك" بناءً على أن المراد من الإيمان التصديق واليقين، فالتباس الظلم به يكون إذا كان يراد منه الشرك. وقال مولانا قاسم الخيرات - أي: مولانا الشيخ محمد قاسم النانوتوي -: إن اللبس في اللغة الاختلاط في محل واحد، والصحابة - رضي الله تعالى عنهم - وقعوا في هذا، وقالوا ما قالوا؛ لأنهم فهموا معنى اللبس اتصالًا، فقالوا: أينا لم يظلم؟ فقال النبي ﷺ : "إن الشرك لظلم

стр. 369

عظيم" يعني: أن المراد من اللبس هو الجمع في محل واحد، وهو يتحقق إذا كان يراد من الظلم الشرك، فإن للإيمان والشرك محلًّا واحدًا، وإن شئت أن يتيسر لك المقصود فعليك أن تجمع ما قالا بأن تقول: إنهم فهموا اللبس اتصالًا والإيمان كاملًا، وقال النبي ﷺ : إن الإيمان هو الاعتقاد واليقين، واللبس خلط شيئين في محل واحد، والله أعلم بالصواب، انتهى. وما أفاده حجة الإسلام النانوتوي قد سبقه إلى ذلك العلامة بهاء الدين السبكي في "عروس الأفراح": وكان خطر لي قديمًا أن في الآية الكريمة ما يشير إلى أن المراد بالظلم فيها الكفر، وهو قوله تعالى: ﴿وَلَمْ يَلْبِسُوا﴾؛ لأن الذي يلبس الإيمان هو الشرك، فإنه كالممازج له ولا تلتبس بالإيمان، وعرضت هذا المعنى على والدي بدرس الشامية بـ "دمشق" فارتضاه وفرح به، انتهى. قلت: وحاصله: أنه جعل اللبس قرينة على كون المراد بالظلم هو الشرك، فإن الخلط إنما يمكن في محل واحد، ومحل الأمرين هو القلب. (٢٤ - باب علامة المنافق) قال الحافط (١): لما قدم أن مراتب الكفر متفاوتة وكذلك الظلم، أتبعه بأن النفاق كذلك، وقال الشيخ محيي الدين: مراد البخاري بهذه الترجمة أن المعاصي تنقص الإيمان، كما أن الطاعة تزيده، انتهى. والأوجه عندي في غرض الترجمة: أن الأعمال الحسنة كما هي مكملات للإيمان وليست الإيمان نفسه، فكذلك مقابلها هذه الأعمال مكملات للكفر ليست هي الكفر نفسه. وكتب الشيخ الكَنكَوهي قُدِّس سرُّه في "اللامع" (٢): "باب علامة المنافق" سردها ليتجنب عنها المسلم مع ما فيه من الاحتجاج على أن

стр. 370

الاتصاف بها وبالذنوب سوى ذلك لا يوجب الخروج عن الإيمان، وأن النفاق في مثل تلك الروايات إنما هو نفاق العمل، أو تسميته نفاقًا بحسب صورة النفاق لا حقيقته، وذلك لأنه لم يطلق عليه لفظ المنافق، وإنما قال: إنها علامات له، فمن كانت فيه واحدة منها كان فيه من النفاق بقدرها، ومن كانت فيه زيادة منها كانت فيه زيادة منه، ولم يقل إنه منافق، وقد علم أن الإيمان غير مُتَجَزٍّ، فلا يمكن إثبات بعض الإيمان وبعض الكفر في مثل ذلك الرجل الذي فيه علامة أو علامتان أو ثلاث منها، وأيضًا: فقد ذكر فيه ما يدل على أنه لم يخرج بوجود تلك العلامات فيه من الإيمان وهو قوله: حتى يدعها، فعُلم أن نفس الموادعة والترك كافٍ ولا يفتقر إلى تجديد إيمانه، وأيضًا: ففيه دلالة على أن الإيمان يزيد وينقص؛ لأنه لما اتصف بعلائم المنافقين كان فيه نقص في الإيمان بهذا القدر، فافهم، انتهي. وقال حضرة شيخ الهند ﵀ في «تراجمه» ما تعريبه: «باب علامات المنافق»، بيَّن المؤلف رحمه الله تعالى النفاق بعد بيان الكفر والمعاصي والشرك، ويظهر من الترجمة أن علامات النفاق متعددة، والغرض بيانها، ثم ذكر في الحديث الأول ثلاثة علامات، وفي الثاني أربعة صراحة، فعُلم أن النفاق له مراتب عديدة أيضًا، ويزيد وينقص مثل الكفر، وما ذكر في الحديث الثاني قوله: «أربع من كن فيه كان منافقًا خالصًا، ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها»، يظهر منه الزيادة والنقصان في النفاق ظهور الشمس، ثم يظهر هنا أمران علاوةً على الغرض المذكور: الأول: أن في هذا الباب تأييد للأبواب السابقة؛ كباب ظلم دون ظلم وغيره. والثاني: كما أن المعاصي من الأمور الكفرية هكذا الأفعال التي ذكرها لعلامة النفاق هي داخلة في أفعال النفاق. فكما صح أن يطلق على كفران العشير كفرًا هكذا يجوز أن يطلق على

стр. 371

الكفر والخيانة نفاقًا أيضًا، وما يفعله العلماء الكرام من التأويلات المختلفة للروايات على النفاق في العمل، فبعضهم جعل النفاق قسمين: نفاق في العقيدة ونفاق في العمل، وحمل هذه الروايات على النفاق في العمل، وبعضهم يجعل مجموعة العلامات الثلاثة الموجودة في الحديث الأول ومجموعة العلامات الأربعة الموجودة في الحديث الثاني كل منهما علاقة على حدة، ويقصد أن يثبت له معني خاصًّا فيما ذكرنا لا تبقى الحاجة إلى أي ذلك، فعليك بالتأمل الصادق، والله تعالى أعلم، انتهى. وبسط الكلام على ذلك في هامش «اللامع» (١)، وفيه: قال الكرماني (٢): إن جماعة من العلماء عدُّوا هذا الحديث مشکلًا من حيث إن هذه الخصال قد توجد في المسلم، من أن الإجماع حاصل [على] أنه لا يحكم بكفره ولا بنفاق يجعله في الدرك الأسفل من النار، انتهى. قال النووي (٣): ليس في الحديث إشكال؛ لأن معناه: هذه خصال نفاق، وصاحبها شبيه بالمنافقين [في هذه الخصال، و] متخلق بأخلاقهم، إذ النفاق إظهار ما يبطن خلافه، وهو موجود في صاحب هذه الخصال، ويكون نفاقه خاصًّا في حق من حدَّثه ووعده وائتمنه، لا أنه منافق في الإسلام مبطن للكفر. وأجمل الحافظ الكلام على الأجوبة، فقال بعد جواب النووي (٤): ومحصل هذا الجواب في التسمية على المجاز، أي: صاحب هذه الخصال کالمنافق، وهو بناءً على أن المراد بالنفاق نفاق الكفر، وقد قيل في الجواب عنه: إن المراد به نفاق العمل، وهذا ارتضاه القرطبي واستدل له بقول عمر ﵁ لحذيفة: هل تعلم فيَّ شيئًا من النفاق؟ فإنه لم يرد بذلك نفاق الكفر، وإنما أراد نفاق العمل، ويؤيده وصفه بالخالص في الحديث الثاني بقوله: «كان منافقًا خالصًا».

стр. 372

وقيل: المراد بإطلاق النفاق الإنذار والتحذير عن ارتكاب هذه الخصال، والظاهر غير مراد، وهذا ارتضاه الخطابي، وذكر أيضًا أنه يحتمل أن المتصف بذلك هو من اعتاد ذلك وصار له ديدنًا، قال: ويدل عليه التعبير بإذا، فإنها تدل على تكرار الفعل، كذا قال، والأولى ما قال الكرماني: إن حذف المفعول من حدّث يدل على العموم، أي: إذا حدّث في كل شيء كذب فيه، قال الكرماني (١): ولا شك أدن مثله منافق في الدين. وقيل: محمول على من غلبت عليه هذه الخصال وتهاون بها واستخفّ بأمرها، فإن من كان كذلك كان فاسد الاعتقاد غالبًا، وهذه الأجوبة كلها مبنية على أن اللام في المنافق للجنس، ومنهم من ادَّعى أنها للعهد فقال: إنه ورد في حق شخص معين، وكان رسول الله ﷺ لا يواجههم بصريح القول فيقول: فلان منافق، بل يشير إشارة كقوله ﷺ : "ما بال أقوام يفعلون كذا؟ " فههنا إشارة بالآية إليه حتى يعرف ذلك الشخص بها. وقيل: ورد في حق المنافقين في عهد النبي ﷺ ، فحدثوا بإيمانهم فكذبوا، ووعدوا في نصر الدين فأخلفوا، وائتمنوا في دنياهم فخانوا، وتمسَّك هؤلاء بأحاديث ضعيفة جاءت في ذلك لو ثبت شيء منها تعيَّن المصير إليه، وأحسن الأجوبة ما ارتضاه القرطبي، انتهى ما في "الفتح" بزيادة. قال الكرماني (٢): فلدفع الإشكال خمسة أوجه؛ لأن اللام فيه إما للجنس فهو إما على سبيل التشبيه أو المراد الاعتياد أو معناه الإنذار، وإما للعهد من منافقي زمن رسول الله، وإما من منافق خاص، وههنا وجه سادس، وهو أن المراد نفاق العمل لا نفاق الإيمان، وأحسن الوجوه وهو السابع بأن يقال: إن النفاق: شرعي، وهو ما يبطن الكفر ويظهر الإسلام،
следующие страницы →