قوله: (وقال ابن عمر: هي سُنَّة ومعروف) وصله حماد بن سلمة في "مصنفه"، وللترمذي: أن رجلًا سأل ابن عمر عن الأضحية: أهي واجبة؟ فقال: "ضحَّى رسول الله ﷺ والمسلمون بعده" قال الترمذي: العمل على هذا عند أهل العلم أن الأضحية ليست بواجبة، وكأنه فهم من كون ابن عمر لم يقل في الجواب: نعم أنه لا يقول بالوجوب، فإن الفعل المجرد لا يدلُّ على ذلك، انتهى من "الفتح" (١).
وقال القسطلاني (٢): قوله: "معروف" أي: معروف بين الناس إذا رأوه لا ينكرونه، انتهى.
وكتب الشيخ قُدِّس سرُّه في "اللامع" (٣): قوله: "سُنَّة ومعروف. . ." إلخ، أي: ثابت بالسُّنَّة وأمر معروف بين الناس، انتهى.
وفي هامشه: أوّله الشيخ قُدِّس سرُّه لكون ظاهر الأثر مخالفًا للحنفية، انتهى.
(٢ - باب قسمة الإمام الأضاحي بين الناس)
أي: بنفسه أو بأمره. قوله: (قسم النبي ﷺ . . .) إلخ، سيأتي بعد أربعة أبواب أن عقبة هو الذي باشر القسمة، انتهى من "الفتح" (٤).
وتقدم حديث الباب في "باب وكالة الشريك للشريك" من أبواب الوكالة.
وقال العلامة العيني (٥): وغرضه من هذه الترجمة بيان قسمته ﷺ الضحايا بين أصحابه، فإن كان قسمها بين الأغنياء كانت من الفيء أو ما يجري مجراه مما يجوز أخذه للأغنياء، وإن كان قسمها بين الفقراء خاصة
стр. 3064
كانت من الصدقة، وإنما أراد البخاري بهذا - والله أعلم - أن إعطاء الشارع الضحايا لأصحابه دليل على تأكدها وندبهم إليها، انتهى.
(٣ - باب الأضحية للمسافر والنساء)
قال الحافظ (١): فيه إشارة إلى خلاف من قال: إن المسافر لا أضحية عليه، وإشارة إلى خلاف من قال: إن النساء لا أضحية عليهن، ويحتمل أن يشير إلى خلاف من منع من مباشرتهن التضحية، فقد جاء عن مالك كراهة مباشرة المرأة الحائض للتضحية، انتهى.
وتعقبه العيني (٢) وقال: الكلام ههنا في فصلين: الأول: هل يجب على المسافر أضحية؟ اختلفوا فيه؟ فقال الشافعي: هي سُنَّة على جميع الناس وعلى الحاج بمنى، وقال مالك: لا أضحية عليه ولا يؤمر بتركها إلا الحاج بمنى، وقال أبو حنيفة: لا تجب على المسافر أضحية. والفصل الثاني: أن من أوجب الأضحية أوجبها على النساء، ومن لم يوجبها لم يوجبها عليهن، واستحبَّها في حقهن، انتهى مختصرًا.
وأما مسلك الحنفية ففي "البدائع" (٣): ذكر في الأصل وقال: ولا تجب الأضحية على الحاج، وأراد بالحاج المسافر، فأما أهل مكة فتجب عليهم الأضحية وإن حجوا، إلى آخر ما ذكر.
ويشكل مناسبة الحديث بالباب لأنه قصة حجة الوداع والبقرة كانت هديًا، ويمكن الجواب عنه أن من دأب الإمام البخاري أيضًا الاستدلال بظاهر اللفظ، والوارد في الحديث لفظ ضحى.
قال الحافظ (٤): قوله: "ضحَّى النبي ﷺ . . ." إلخ، ظاهر في أن الذبح المذكور كان على سبيل الأضحية، ثم ردّ الحافظ على ابن التِّين الذي
стр. 3065
أوّل الحديث وقال: المراد أنه ذبحها وقت ذبح الأضحية، لا أنها كانت أضحية. قال الحافظ: كذا قال، ولا يخفى بعده، انتهى.
قلت: كذا قال الحافظ ههنا، لكنه رجح في "باب النحر في منحر النبي ﷺ بمنى" من "كتاب الحج" أنه كان هدي التمتع عمن اعتمر من نسائه، وهكذا أفاد الشيخ قُدِّس سرُّه في "اللامع" (١) تحت حديث الباب حيث قال: وكان ذلك دم متعة وقران لا دم التضحية، انتهى.
وذكر شيء من الكلام عليه في "هامشه".
(٤ - باب ما يشتهى من اللحم يوم النحر)
أي: اتباعًا للعادة بالالتذاذ بأكل اللحم يوم العيد، قال الله تعالى: ﴿وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ﴾ [الحج: ٢٨]، انتهى من "الفتح" (٢).
قلت: لعل المصنف عقد الترجمة بذلك إشارة إلى اختلافهم في معنى الحديث الذي ذكره تحت الباب، فإنهم اختلفوا فيه على مسالك كما ستقف عليه.
قوله: (إن هذا يوم يشتهى فيه اللحم) في رواية داود بن أبي هند عن الشعبي عند مسلم: فقال: يا رسول الله، إن هذا يومٌ اللحمُ فيه مكروه، وفي لفظ له: مقروم، قال عياض: وصوَّب بعضهم هذه الرواية الثانية وقال: معناه يُشتهى فيه اللحم، يقال: قرمت إلى اللحم وقرمته إذا اشتهيته، قال عياض: وقال بعض شيوخنا: صواب الرواية "اللحَم فيه مكروه" بفتح الحاء وهو اشتهاء اللحم، والمعنى ترك الذبح والتضحية وإبقاء أهله فيه بلا لحم حتى يشتهوه مكروه، انتهى.
стр. 3066
وبالغ ابن العربي فقال: الرواية بسكون الحاء هنا غلط. وإنما هو اللَّحَمُ بالتحريك، يقال: لَحِمَ الرجل بكسر الحاء يَلْحَمُ بفتحها إذا كان يشتهي اللحم، وأما القرطبي في "المفهم" فقال: تكلف بعضهم ما لا يصح رواية، أي: اللحم بالتحريك، إلى آخر ما في "الفتح" (١).
(٥ - باب من قال: الأضحى يوم النحر)
في معنى الترجمة وجوه ستأتي.
قال الحافظ (٢): واختصاص النحر باليوم العاشر قول حميد بن عبد الرحمن ومحمد بن سيرين وداود الظاهري، وعن سعيد بن جبير مثله إلا في منى فيجوز ثلاثة أيام، قال ابن المنيِّر: أخذه من إضافة اليوم إلى النحر حيث قال: "أليس يوم النحر" واللام للجنس، فلا يبقى نحر إلا في ذلك اليوم، قال: والجواب على مذهب الجماعة أن المراد النحر الكامل، انتهى.
وقال القرطبي: التمسك بإضافة النحر إلى اليوم الأول ضعيف.
ثم قال الحافظ في معنى الترجمة: ويحتمل أن يكون أراد أن أيام النحر الأربعة أو الثلاثة لكل واحد منها اسم يخصه، فالأضحى هو اليوم العاشر، والذي يليه يوم القر، والذي يليه يوم النفر الأول، والرابع يوم النفر الثاني، وقال ابن التِّين: مراده أنه يوم تنحر فيه الأضاحي في جميع الأقطار، وقيل: مراده لا ذبح إلا فيه خاصة، يعني: كما تقدم، وزاد مالك: ويذبح أيضًا في يومين بعده، وزاد الشافعي اليوم الرابع، قال: وقيل: يذبح عشرة أيام، ولم يعزه لقائل، وقيل: إلى آخر الشهر، وهو عن عمر بن عبد العزيز وأبي سلمة بن عبد الرحمن وغيرهما، وقال به ابن حزم متمسكًا لعدم ورود نصٍّ بالتقييد، انتهى.
стр. 3067
قلت: وأيام النحر عند الأئمة الثلاثة ثلاثة أيام، وعند الإمام الشافعي أربعة أيام.
(٦ - باب الأضحى والنحر (١) بالمصلى)
قال ابن بطال: هو سُنَّة للإمام خاصة عند مالك، قال مالك: إنما يفعل ذلك لئلا يذبح أحد قبله، زاد المهلب: وليذبحوا بعده على يقين وليتعلموا منه صفة الذبح، انتهى (٢).
وفي "الأوجز" (٣) عن "المسوى": الذبح في المصلى أحسن إظهارًا لشعار الدين، انتهى.
(٧ - باب أضحية النبي ﷺ بكبشين. . .) إلخ
لعل المصنف أشار إلى أفضلية الكبشر في الأضحية، أو إلى أفضلية الذكر، ويؤيد الأول قوله ﷺ : "خير الأضحية الكبش الأقرن" الحديث، كما في "الترغيب" برواية أبي داود والترمذي وابن ماجه، وفي "التوشيح": وأفضل أنواع الأضحية بالنسبة لكثرة اللحم ومن حيث إظهار شعار الشريعة إبل ثم بقر ثم غنم، وأما من حيث أطيبية اللحم فالضأن أفضل من المعز، ثم الجواميس أفضل من العراب لطيب لحمها عن لحم العراب، إلى آخر ما ذكر.
وفي "الدر المختار" (٤): الشاة أفضل من سبع البقرة إذا استويا في القيمة واللحم، فإن كان سبع البقرة أكثر لحمًا فهو أفضل، والكبش أفضل من النعجة، وهي الأنثى من الضأن إذا استويا فيهما، والأنثى من المعز أفضل من التيس إذا استويا قيمةً، والأنثى من الإبل والبقر أفضل، ومشى
стр. 3068
ابن وهبان على أن الذكر في الضأن والمعز أفضل، لكنه مقيد بما إذا كان موجوءًا، قال العلامة عبد البر: ومفهومه أنه إذا لم يكن موجوءًا لا يكون أفضل، انتهى بزيادة من "حاشية ابن عابدين".
قال الحافظ (١): والكبش فحل الضأن في أي سنّ كان، واختلف في ابتدائه فقيل: إذا أثنى، وقيل: إذا أربع، ثم قال في فوائد الحديث: وفيه أن الذكر في الأضحية أفضل من الأنثى، وهو قول أحمد، وعنه رواية أن الأنثى أولى، وحكى الرافعي فيه قولين عن الشافعي، أحدهما عن نصه في البويطي الذكر لأن لحمه أطيب، وهذا هو الأصح، والثاني أن الأنثى أولى، وقال ابن العربي: الأصح أفضلية الذكور على الإناث في الضحايا، وقيل: هما سواء إلى آخر ما ذكر من الفوائد.
ولا يبعد عندي أن يقال: إن المصنف رحمه الله تعالى أراد بهذه الترجمة الترغيب في تسمين الأضحية، ولذا ذكر أثر أبي أمامة، والمعروف على الألسنة في هذا المعنى قوله ﷺ : "سمِّنوا ضحاياكم فإنها على الصراط مطاياكم"، لكن لما كان الحديث ضعيفًا أشار إلى مضمونه.
ثم اعلم أن هذا الحديث اختلف في لفظه، فذكره صاحب "البدائع" (٢) بلفظ: "عظموا ضحاياكم. . ." إلخ، وذكره السخاوي في "المقاصد الحسنة" (٣) بلفظ: "استفرهوا ضحاياكم فإنها مطاياكم على الصراط" وقال: أسنده الديلمي من طريق ابن المبارك عن يحيى بن عبيد الله عن أبيه عن أبي هريرة رفعه بهذا، ويحيى ضعيف جدًّا، ووقع في "النهاية" لإمام الحرمين، ثم في "الوسيط" ثم في "العزيز": "عظموا ضحاياكم فإنها على الصراط مطاياكم" وقال: الأول معناه أنها تكون مراكب للمضحين، وقيل: إنها تسهل الجواز على الصراط، لكن قد قال ابن الصلاح: إن هذا الحديث غير معروف
стр. 3069
ولا ثابت فيما علمناه، وقال ابن العربي في "شرح الترمذي": ليس في فضل الأضحية حديث صحيح، ومنها قوله: "إنها مطاياكم إلى الجنة"، انتهى.
وذكر الحافظ ابن كثير (١) في تفسير قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ [الحج: ٣٢]: شعائر الله، أي: أوامره، ومن ذلك تعظيم الهدايا والبدن، كما قال الحكم عن مقسم عن ابن عباس: تعظيمها استسمانها واستحسانها، ثم ذكر أثر أبي أمامة المذكور في ترجمة الباب، وعزاه إلى البخاري.
(٨ - باب قول النبي ﷺ لأبي بردة: "ضحّ بالجذع من المعز. . .") إلخ
أشار بذلك إلى أن الضمير في قول النبي ﷺ في الرواية التي ساقها "اذبحها" للجذعة التي تقدمت في قول الصحابي: إن عندي داجنًا جذعة من المعز.
ثم قال الحافظ (٢): وفي هذا الحديث تخصيص أبي بردة بإجزاء الجذع من المعز في الأضحية، لكن وقع في عدة أحاديث التصريح بنظير ذلك لغير أبي بردة، وفي حديث عقبة بن عامر كما تقدم قريبًا: "ولا رخصة فيها لأحد بعدك"، قال البيهقي: إن كانت هذه الزيادة محفوظة كان هذا رخصة لعقبة، كما رخّص لأبي بردة، قلت: وفي هذا الجمع نظر؛ لأن في كل منهما صيغة عموم فأيهما تقدم على الآخر اقتضى انتفاء الوقوع للثاني، إلى آخر ما بسط في الجمع بينهما.
وأما مسألة الباب فقد قال الحافظ (٣): وفي الحديث أن الجذع من المعز لا يجزئ وهو قول الجمهور، وعن عطاء وصاحبه الأوزاعي: يجوز مطلقًا، وهو وجه لبعض الشافعية، حكاه الرافعي.
стр. 3070
وقال النووي: هو شاذ أو غلط، وأغرب عياض فحكى الإجماع على عدم الإجزاء، وأما الجذع من الضأن فقال الترمذي: إن العمل عليه - أي: على أنه يجوز - عند أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ وغيرهم، لكن حكى غيره عن ابن عمر والزهري: أن الجذع لا يجزئ مطلقًا سواء كان من الضأن أم من غيره، وبه قال ابن حزم وعزاه لجماعة من السلف، وأطنب في الردِّ على من أجازه.
ثم قال: واختلف القائلون بإجزاء الجذع من الضأن وهم الجمهور في سنِّه على آراء: أحدها: أنه ما أكمل سنة ودخل في الثانية، وهو الأصح عند الشافعية، وهو الأشهر عند أهل اللغة، ثانيها: نصف سنة وهو قول الحنفية والحنابلة، ثالثها: سبعة أشهر، وحكاه صاحب "الهداية" من الحنفية عن الزعفراني، وغير ذلك من الأقوال الذي ذكرها الحافظ، وقد قال صاحب "الهداية": إنه إذا كانت عظيمة بحيث لو اختلطت بالثنيات اشتبهت على الناظر من بعيد أجزأت، انتهى ملخصًا من "الفتح".
وبسط الكلام على مباحث حديث الباب، وكذا في مذاهب العلماء في هامش "اللامع" (١)، وفيه: قال الموفق: لا يجزئ إلا الجذع من الضأن والثني من غيره، وبهذا قال مالك والشافعي وأصحاب الرأي، وقال ابن عمر والزهري: لا يجزئ الجذع؛ لأنه لا يجزئ من غير الضأن فلا يجزئ منه، وعن عطاء والأوزاعي: يجزئ الجذع من جميع الأجناس، انتهى مختصرًا.
(٩ - باب من ذبح الأضاحي بيده)
أي: وهل يشترط ذلك أو هو الأولى؟ وقد اتفقوا على جواز التوكيل فيها للقادر، لكن عند المالكية رواية بعدم الإجزاء مع القدرة، وعند أكثرهم يكره لكن يستحب أن يشهدها، انتهى (٢).
стр. 3071
وفي "الهداية" (١): والأفضل أن يذبح أضحيته بيده إن كان يحسن الذبح، وإن كان لا يحسنه فالأفضل أن يستعين بغيره، وإذا استعان بغيره ينبغي أن يشهدها بنفسه لقوله ﵊ لفاطمة ﵂: "قومي فاشهدي أضحيتك فإنه يغفر لك بأوّل قطرة من دمها كل ذنب"، انتهى.
وفي حاشيته: رواه الحاكم في "المستدرك" (٢) عن عمران بن حصين، انتهى.
(١٠ - باب من ذبح ضحية غيره. . .) إلخ
أراد بهذه الترجمة بيان أن التي قبلها ليست للاشتراط، انتهى من "الفتح" (٣).
وقد تقدم الخلاف فيه في الباب السابق.
(١١ - باب الذبح بعد الصلاة)
سيأتي الكلام عليه في الباب الذي يليه.
(١٢ - باب من ذبح قبل الصلاة أعاده)
ربما يتوهم في بادئ الرأي أن لا فرق بين هذه الترجمة والترجمة السابقة، فإن ألفاظهما وإن كانت مختلفة إلا أن المؤدى واحد، وبهذا لا يخرج عن التكرار كما تقدم مبسوطًا في الأصل الثاني والعشرين من أصول التراجم.
والأوجه عند هذا العبد الضعيف في الفرق بين الترجمتين أن ههنا مسألتين: إحداهما وقت الذبح وهو بعد الصلاة، فلو ذبح أحد قبله لم يجزئه كما عليه الجمهور خلافًا للشافعية، والثانية هل يجوز الذبح بعد الصلاة
стр. 3072
مطلقًا أم يتوقف على شيء آخر؟ وفي هذه المسألة خلاف مالك.
قال الحافظ: نقل الطحاوي عن مالك والأوزاعي والشافعي: لا تجوز أضحية قبل أن يذبح الإمام، وهو معروف عن مالك والأوزاعي لا الشافعي، فالترجمة الأولى ردّ على المالكية، إذ حاصلها أن الذبح بعد الصلاة يصحّ وإن لم يضحّ الإمام، وأما الترجمة الثانية فهي مسألة أخرى من أن الذبح لا يصح قبل الصلاة.
ويمكن أن يقال: إن الترجمة الأولى ردّ على المالكية كما تقدم، والترجمة الثانية ردّ على الشافعية إذ أباحوا الذبح بعد مضي قدر وقت الصلاة وإن لم يصلّ الإمام بعدُ، فالإمام البخاري قد وافق الحنفية والحنابلة إذ قالوا: لا يجوز قبل الصلاة ويجوز بعدها قبل ذبح الإمام.
قال العلامة القسطلاني: اختلف في وقت الأضحية؟ فعند الشافعية بعد مضي قدر صلاة العيد وخطبتها من طلوع الشمس يوم النحر، سواء صلى أم لا، مقيمًا بالأمصار أم لا، وعند الحنفية وقتها في حق أهل الأمصار بعد صلاة الإمام وخطبته، وفي حق غيرهم بعد طلوع الفجر، وعند المالكية بعد فراغ الإمام من الصلاة والخطبة والذبح، وعند الحنابلة لا يجوز قبل صلاة الإمام ويجوز بعدها قبل ذبحه، انتهى من هامش "اللامع" (١).
(١٣ - باب وضع القدم على صفح الذبيحة)
قال الحافظ (٢) تحت حديث الباب: وفيه استحباب وضع الرجل على صفحة عنق الأضحية الأيمن، واتفقوا على أن إضجاعها يكون على الجانب الأيسر، فيضع رجله على الجانب الأيمن؛ ليكون أسهل على الذابح في أخذ السكين باليمين وإمساك رأسها بيده اليسار، انتهى.
стр. 3073
(١٤ - باب التكبير عند الذبح)
قال الحافظ (١) في فوائد الحديث: وفيه استحباب التكبير مع التسمية، انتهى.
وفي "الهداية" (٢): وما تداولته الألسن عند الذبح وهو قوله: بسم الله والله أكبر، منقول عن ابن عباس ﵄ في قوله تعالى: ﴿فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ﴾ [الحج: ٣٦]، انتهى.
(١٥ - باب إذا بعث بهديه ليذبح لم يحرم عليه شيء)
ذكر فيه حديث عائشة، وقد تقدمت مباحثه في "كتاب الحج"، قاله الحافظ (٣).
(١٦ - باب ما يؤكل من لحوم الأضاحي)
أي: من غير تقييد بثلث ولا نصف، (وما يتزود منها) أي: للسفر وفي الحضر، وبيان أن التقييد بثلاثة أيام إما منسوخ وإما خاص بسبب، انتهى من "الفتح" (٤).
وحكى ابن عابدين (٥) عن "البدائع": والأفضل أن يتصدق بالثلث، ويتخذ الثلث ضيافة لأقربائه وأصدقائه، ويدَّخِر الثلث ويستحب أن يأكل منها، ولو حبس الكل لنفسه جاز؛ لأن القربة في الإراقة والتصدق باللحم تطوع، انتهى.
قال في "الدر المختار": وندب ترك التصدق لذي عيال غير موسع الحال توسعةً عليهم، انتهى.
وفي "التوشيح" من فروع الشافعية: ويطعم حتمًا من الأضحية المتطوع
стр. 3074
بها الفقراء والمساكين من المسلمين على سبيل التصدق جزءًا يسيرًا من لحمها نيئًا، والأفضل التصدق بجميعها إلا لقمة أو لقمتين يتبرك المضحي بأكلها فإنه يسنّ له ذلك، انتهى مختصرًا.
ثم البراعة عند الحافظ في قوله: "حين ينفر من منى"، وعندي في قوله: "من الأضاحي" أو في قوله: "لحوم الهدي" كما تقدم في مقدمة "اللامع" (١).
* * *
стр. 3075
٧٤ - كتاب الأشربة
الأشربة جمع شراب كأطعمة وطعام: اسم لما يشرب، وليس مصدرًا لأن المصدر هو الشرب بتثليث الشين، انتهى من "القسطلاني" (١).
وفي "الدر المختار" (٢): الشراب لغة: كل مائع يشرب، واصطلاحًا: يسكر، انتهى.
قلت: والإمام البخاري ذكر في الكتاب الشراب الحلال والحرام كلّها باعتبار أصل اللغة.
قال الحافظ (٣): ذكر الإمام البخاري الآية وأربعة أحاديث تتعلق بتحريم الخمر، وذلك أن الأشربة منها ما يحل وما يحرم، وينظر في حكم كل منهما، ثم بالآداب المتعلقة بالشرب، فبدأ بتبيين المحرم منه لقلته بالنسبة إلى الحلال، فإذا عرف ما يحرم كان ما عداه حلالًا، وقد بينت في تفسير المائدة الوقت الذي نزلت فيه الآية المذكورة، وأنه كان في عام الفتح قبل الفتح، ثم رأيت الدمياطي في "سيرته" جزم بأن تحريم الخمر كان سنة الحديبية سنة ست، وذكر ابن إسحاق أنه كان في وقعة بني النضير، وهي بعد وقعة أُحد وذلك سنة أربع على الراجح، وفيه نظر.
ثم قال الحافظ: وكأن المصنف لمح بذكر الآية إلى بيان السبب في نزولها، وقد مضى بيانه في تفسير المائدة أيضًا، إلى آخر ما ذكر.
وقال العيني (٤): ذكر الإمام البخاري هذه الآية تمهيدًا لما يذكره من الأحاديث التي وردت في الخمر، وقد ذكرناها في سورة المائدة، ثم
стр. 3076
ذكر سبب نزولها من حديث عمر مفصلًا، وفيه أن عمر قال لما نزل تحريم الخمر: اللَّهم بيِّن لنا في الخمر بيانًا شافيًا، فنزلت هذه الآية التي في البقرة ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ﴾ [البقرة: ٢١٩] الحديث بطوله، ثم نزلت الآية التي في سورة النساء ﴿لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾ [النساء: ٤٣] فقال عمر: اللَّهم بيِّن لنا في الخمر بيانًا شافيًا، فنزلت التي في المائدة ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ﴾ الآية [المائدة: ٩٠] التي ذكرت في صدر هذا الكتاب، وفيه ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ [المائدة: ٩١] قال عمر: انتهينا، أخرجه أحمد وأبو داود والترمذي والنسائي كما ذكره العيني.
قلت: وإنما ذكر الإمام البخاري هذه الآية من جملة آيات الخمر الثلاثة إشارة إلى أنها آخر ما نزلت في الخمر، وقد بسط صاحب "الفيض" (١) الكلام على الأشربة أشد البسط.
(١ - باب أن الخصر من العنب)
كذا في النسخة "الهندية" و"العيني" و"القسطلاني"، وفي نسخة "الفتح": "باب الخمر من العنب وغيره".
وقال الحافظ (٢): كذا في شرح ابن بطال، ولم أر لفظ "غيره" في شيء من نسخ الصحيح ولا المستخرجات ولا الشروح سواه، قال ابن المنيِّر: غرض البخاري الردّ على الكوفيين إذ فرقوا بين ماء العنب وغيره، فلم يحرموا من غيره إلا القدر المسكر خاصة، وزعموا أن الخمر ماء العنب خاصة، قال: لكن في استدلاله بقول ابن عمر، يعني: الذي أورده في الباب: "حرمت الخمر وما بالمدينة منها شيء" على أن الأنبذة التي كانت يومئذ تسمى خمرًا نظر؛ بل هو بأن يدل على أن الخمر من العنب خاصة أجدر لأنه قال: وما منها بالمدينة شيء، يعني: الخمر، وقد كانت الأنبذة من غير
стр. 3077
العنب موجودة حينئذ بالمدينة، فدل على أن الأنبذة ليست خمرًا، انتهى.
وقال العلامة السندي (١): وقد يقال: لعله قصد الردّ على من زعم الخصوص بماء العنب على أن ضمير "منها" لخمر العنب خاصة لا لمطلق الخمر بقرينة الردّ على الزاعم، أي: كيف يختص بماء العنب مع أنه يوم نزول التحريم ما كان في المدينة من ماء العنب شيء، وإنما كان الموجود غيره، فلا بد من شمول الاسم بذلك الغير، وهذا أوقع لتتبع الأحاديث، والله أعلم، انتهى.
قال الحافظ (٢): ويحتمل أن يكون مراد البخاري بهذه الترجمة وما بعدها أن الخمر يطلق على ما يتخذ من عصير العنب وعلى نبيذ البسر والتمر، ويطلق على ما يتخذ من العسل، فعقد لكل واحد منها بابًا، ولم يرد حصر التسمية في العنب بدليل ما أورده بعده، ويحتمل أن يريد بالترجمة الأولى الحقيقة وبما بعدها المجاز، والأول أظهر من تصرفه، وحاصله أنه أراد بيان الأشياء التي وردت فيها الأخبار على شرطه لما يتخذ منه الخمر، فبدأ بالعنب لكونه المتفق عليه، إلى آخر ما ذكر.
(٢ - باب نزل تحريم الخمر وهي من البسر والتمر)
قال العلامة القسطلاني (٣): قوله: "وهي" أي: والحال أن الخمر كان يصنع من البسر والتمر، وإطلاق الخمر على غير ما اتخذ من العنب مجاز، وقيل: هو حقيقة لظاهر الأحاديث، انتهى.
(٣ - باب الخمر من العسل وهو البتع)
بكسر الموحدة وتفتح وسكون الفوقية وقد تحرك آخره عين مهملة، لغة يمانية، انتهى من "القسطلاني" (٤).
стр. 3078
(٤ - باب ما جاء في أن الخمر ما خامر العقل. . .) إلخ
قال الحافظ (١): قوله: "الخمر ما خامر العقل" قال الكرماني: هذا تعريف بحسب اللغة، وأما بحسب العرف فهو ما يخامر العقل من عصير العنب خاصة، كذا قال، وفيه نظر؛ لأن عمر ليس في مقام تعريف اللغة بل هو في مقام تعريف الحكم الشرعي، إلى آخر ما بسط أشدّ البسط.
قلت: الأول قول الحنفية، والثاني مسلك الجمهور من الأئمة الثلاثة، وحاصل اختلاف الأئمة في حكم الأشربة ما ذكرته في "الأوجز" (٢) مبسوطًا، وعنه في هامش "اللامع" (٣) مختصرًا.
وفيه: اعلم أن الأشربة المسكرة كلها حرام عند الأئمة الثلاثة والإمام محمد ﵃ أجمعين، فإنهم جعلوا كلها خمرًا، وحرموا كل أنواعها بلا تفصيل وتفريق، والحنفية أهل الرأي الثاقب لما أمعنوا النظر في الروايات المختلفة في هذا الباب، ورأوا عمل جمهور الصحابة لا سيما أكابر الصحابة رضوان الله تعالى عليهم أجمعين فرقوا في أنواع الأشربة، وجعلوها بأربعة أنواع، ففي "الهداية": إن الأشربة المحرمة أربعة:
أحدها: الخمر، وهي عصير العنب إذا غلا واشتد وقذف بالزبد، الثاني: العصير إذا طبخ حتى يذهب أقل من ثلثيه وهو الطلاء، الثالث: نقيع التمر وهو السكر، الرابع: نقيع الزبيب إذا اشتد وغلا، إلى آخر ما ذكر فيه.
وحاصل مذهبنا في الأشربة أنها ثلاثة أنواع: أحدها: الخمر، وهو التي من ماء العنب إذا اشتد وغلا وقذف بالزبد، وحكمها أن عينها حرام يحدّ بشرب قطرة منها وإن لم يسكر، ويكفر مستحلها، والثاني: الأشربة الثلاثة المذكورة أعني عصير العنب المطبوخ حتى يذهب أقل من ثلثيه،
стр. 3079
ونقيع التمر، ونقيع الزبيب، وحكم هذه الثلاثة أنه يحرم قليلها وكثيرها، لكن لا يحدّ بها ما لم يسكر ولا يكفر مستحلها، النوع الثالث: ما سوى ذلك من الأشربة المسكرة كالمتخذة من الحنطة أو الشعير أو العسل، وحكمها أنه يجوز شربها عند أبي حنيفة وأبي يوسف للتقوي على العبادة لا للتلهي ما لم يبلغ حدّ السكر، فإن بلغ مقدار الشرب إلى حدّ السكر يحرم هذه الجرعة الأخيرة، ومع ذلك لا يحدّ شاربها على قول، قالوا: والأصح أنه يحدّ، انتهى ملخصًا من هامش "اللامع" بزيادة.
(٥ - باب ما جاء فيمن يستحلّ الخمر ويسميه بغير اسمه)
ذكر الخمر باعتبار الشراب وإلا فالخمر مؤنث سماعي. قاله القسطلاني (١)، وعزاه الحافظ في "الفتح" (٢) إلى الكرماني، وزاد: قلت: بل فيه لغة بالتذكير.
ثم قال القسطلاني: ومطابقة الجزء الأول من الترجمة للحديث ظاهرة، وأما الجزء الثاني ففي حديث مالك بن أبي مريم عند الإمام أحمد وابن أبي شيبة والبخاري في "تاريخه" عن أبي مالك الأشعري مرفوعًا: "ليشربنّ أناس من أمتي الخمر يسمونها بغير اسمها" كما هو عادة المؤلف ﵀ في الإشارة بالترجمة إلى حديث لم يكن على شرطه، وقال في "الكواكب": أو لعل نظر المؤلف إلى لفظ: "من أمتي" إذ فيه دليل على أنهم استحلوها بالتأويل، إذ لو لم يكن بالتأويل لكان كفرًا وخروجًا عن أمته؛ لأن تحريم الخمر معلوم من الدين بالضرورة، انتهى.
واختار الحافظ التوجيه الأول، والحديث الذي ذكره القسطلاني، قال
стр. 3080
الحافظ فيه: أخرجه أبو داود وصححه ابن حبان، وله شواهد كثيرة، إلى آخر ما ذكر.
(٦ - باب الانتباذ في الأوعية والتور)
هو من عطف الخاص على العام، لأن التور من جملة الأوعية، وهو بفتح المثناة: إناء من حجارة أو من نحاس أو من خشب، ويقال: لا يقال له تور إلا إذا كان صغيرًا، وقيل: هو قدح كبير كالقدر، وقيل: مثل الطست، انتهى من "الفتح" (١).
(٧ - باب ترخيص النبي ﷺ في الأوعية. . .) إلخ
ذكر فيه خمسة أحاديث، الأول منها عام في الرخصة، وفي الثاني استثناء المزفت، وفي الثالث النهي عن الدباء والمزفت، وفي الرابع وهو حديث عائشة كذلك، وفي الخامس النهي عن الجر الأخضر، وظاهر صنيعه أنه يرى أن عموم الرخصة مخصوص بما ذكر في الأحاديث الأخرى، وهي مسألة خلاف، فذهب مالك إلى ما دلّ عليه صنيع البخاري، وقال الشافعي والثوري وابن حبيب من المالكية: يكره ذلك ولا يحرم، وقال سائر الكوفيين: يباح، وعن أحمد روايتان، وقال الخطابي: ذهب الجمهور إلى أن النهي إنما كان أولًا ثم نسخ، وذهب جماعة إلى أن النهي عن الانتباذ في هذه الأوعية باقٍ، منهم ابن عمر وابن عباس، وبه قال مالك وأحمد وإسحاق، كذا أطلق، قال: والأول أصح، انتهى بتغير واختصار (٢).
قلت: وقد أخرج الإمام مالك في "الموطأ" من حديث أبي هريرة مرفوعًا: "أنه نهى عن أن ينتبذ في الدباء والمزفت"، وبسط في "الأوجز" (٣) في النقل عن كتب فروع المالكية، ثم قال: وعلم من ذلك أن المعروف في
стр. 3081
مذهب الإمام مالك الكراهة عن الدباء والمزفت فقط، ولذا أورد الروايتين فيهما دون غيرهما من الظروف، قال الموفق: يجوز الانتباذ في كلها، وعن أحمد أنه كره الانتباذ في الأربعة، والصحيح الأول، انتهى.
(٨ - باب نقيع التمر ما لم يسكر)
أشار بالترجمة إلى أن الذي أخرجه ابن أبي شيبة عن عبد الرحمن بن معقل وغيره من كراهة نقيع الزبيب محمول على ما تغير، وكاد يبلغ حدّ الإسكار، أو أراد قائله حسم المادة كما سيأتي عن عبيدة السلماني، وتقييده في الترجمة بما لم يسكر مع أن الحديث لا تعرض فيه للسكر لا إثباتًا ولا نفيًا إما من جهة أن المدة التي ذكرها سهل - وهو من أول الليل إلى أثناء نهاره - لا يحصل فيه التغير جملة، أو إنما خصه بما لا يسكر من جهة المقام، والله أعلم، انتهى من "الفتح" (١).
(٩ - باب الباذق ومن نهى عن كل مسكر من الأشربة)
بسط الكلام في هامش النسخة "الهندية" (٢) في تحقيق الباذق.
قال الحافظ (٣): قوله: "ومن نهى عن كل مسكر" كأنه أخذه من قول عمر: "فإن كان يسكر جلدته" مع نقله عنه تجويز شرب الطلاء على الثلث، فكأنه يؤخذ من الخبرين أن الذي أباحه ما لم يسكر أصلًا، وأما قوله: "من الأشربة" فلأن الآثار التي أوردها مرفوعها وموقوفها تتعلق بما يشرب، انتهى من "الفتح".
стр. 3082
(١٠ - باب من رأى أن لا يخلط البسر والتمر. . .) إلخ
قال ابن بطال: قوله: "إذا كان مسكرًا" خطأ؛ لأن النهي عن الخليطين عام وإن لم يسكر كثيرهما لسرعة سريان الإسكار إليهما من حيث لا يشعر صاحبه به، فليس النهي عن الخليطين لأنهما يسكران حالًا بل لأنهما يسكران مآلًا، فإنهما إذا كانا مسكرين في الحال لا خلاف في النهي عنهما.
قال الكرماني: فعلى هذا فليس هو خطأ، بل يكون أطلق ذلك على سبيل المجاز، وهو استعمال مشهور، وأجاب ابن المنيِّر بأن ذلك لا يرد على البخاري إما لأنه يرى جواز الخليطين قبل الإسكار، وإما لأنه ترجم على ما يطابق الحديث الأول، إلى آخر ما ذكر الحافظ (١).
وقال: الذي يظهر لي أن مراد البخاري بهذه الترجمة الردّ على من أوّل النهي عن الخليطين بأحد تأويلين: أحدهما: حمل الخليط على المخلوط، وهو أن يكون نبيذ تمر وحده مثلًا وقد اشتد، ونبيذ زبيب وحده مثلًا قد اشتد، فيخلطان ليصيرا خلًّا، فيكون النهي من أجل تعمد التخليل، وهذا مطابق للترجمة من غير تكلف، ثانيهما: أن يكون علة النهي عن الخلط الإسراف، فيكون كالنهي عن الجمع بين إدامين، ويؤيد الثاني قوله في الترجمة: "وأن لا يجعل إدامين في إدام"، وقد نصر الطحاوي من حمل النهي عن الخليطين على منع السرف، إلى آخر ما بسط الحافظ، وبسط في نقل مذاهب العلماء في حكم الخليط.
وقال القسطلاني (٢): وهل إذا خلط نبيذ البسر الذي لم يشتد مع نبيذ التمر الذي لم يشتد يمتنع أو يختص النهي عن الخلط عند الانتباذ؟ فقال الجمهور: لا فرق ولو لم يسكر، وقال الكوفيون بالحل، ولا خلاف أن
стр. 3083
العسل باللبن ليس بخليطين؛ لأن اللبن لا ينبذ، واختلف في الخليطين بالتخليل، انتهى.
قال العلامة العيني (١): قلت: في هذا الباب أقوال: أحدها: أنه يحرم، وبه قال مالك والشافعي وأحمد وإسحاق، والثاني: يحرم خليط كل نوعين مما ينتبذ في الانتباذ، وبعد الانتباذ لا يخص شيء، وهو قول بعض المالكية، والثالث: أن النهي محمول على التنزيه، وأنه ليس بحرام ما لم يصر مسكرًا، وقال شيخنا زين الدين: حكاه النووي عن مذهبنا وأنه قول جمهور العلماء، الرابع: روي عن الليث أنه قال: لا بأس أن يخلط نبيذ الزبيب ونبيذ التمر ثم يشربان جميعًا، وإنما جاء النهي عن أن ينتبذا جميعًا لأن أحدهما يشد صاحبه، الخامس: أنه لا كراهة في شيء من ذلك، وهو قول أبي حنيفة في رواية عن أبي يوسف.
قال النووي: أنكر عليه الجمهور وقالوا: هذه منابذة لصاحب الشرع، فقد ثبتت الأحاديث الصحيحة الصريحة في النهي عنه، فإن لم يكن حرامًا كان مكروهًا.
قلت: هذه جرأة شنيعة على إمام أجلّ من ذلك، وأبو حنيفة لم يكن قال ذلك برأيه، وإنما مستنده في ذلك أحاديث، ثم ذكر العلامة العيني تلك الأحاديث.
وكتب الشيخ قُدِّس سرُّه في "الكوكب" (٢): قوله: "نهى عن أن ينتبذ البسر والرطب. . ." إلخ، هذا النهي كالنهي عن الانتباذ في الظروف كان في أول الأمر لما فيه بعد الخلط من قوة فيسرع الاشتداد، ثم صار الأمر واسعًا غير أن المسكر حرام أيًّا ما كان، انتهى.
وفي هامشه عن "الهداية": لا بأس بالخليطين لما روي عن ابن زياد أنه قال: سقاني ابن عمر شربة ما كدت أهتدي إلى أهلي، فغدوت إليه
стр. 3084
من الغد فأخبرته بذلك فقال: ما زدناك على عجوة وزبيب، وهذا من الخليطين، ثم ذكر توجيه الحديث نحو ما قال الشيخ قُدِّس سرُّه.
قوله: (وأن لا يجعل إدامين) أي: التمر والزبيب مثلًا فيكونان كالواحد فيكون تابعًا لما سبق، كذا قالوا.
والأوجه عندي: أنه تأسيس وحكم مستقل كما هو المعروف عن عمر ﵁، وقد تقدم نحوه في كلام الحافظ.
(١١ - باب شرب اللبن)
قال ابن المنيِّر: أطال التفنن في هذه الترجمة ليردّ قول من زعم أن اللبن يسكر كثيره، فردّ ذلك بالنصوص، وهو قول غير مستقيم؛ لأن اللبن لا يسكر بمجرده، وإنما يتفق فيه ذلك نادرًا بصفة تحدث، وقال غيره: قد زعم بعضهم أن اللبن إذا طال العهد به وتغيَّر صار يسكر، وهذا ربما يقع نادرًا إن ثبت وقوعه، ولا يلزم منه تأثيم شاربه، إلا إن علم أن عقله يذهب به فشربه لذلك، ثم ذكر الحافظ رواية عن "سنن سعيد بن منصور" من قول ابن عمر ما يؤيد اتخاذ الخمر باللبن، فارجع إليه لو شئت (١).
قلت: وعندي لا حاجة إلى هذه المباحث التي ذكرها الشرَّاح كما ترى ولا طائل تحتها، والظاهر أن المصنف ﵀ بدأ من ههنا من أنواع الأشربة ما يحلّ بعد الفراغ عن بيان ما يحرم منها، ويؤيده التراجم الآتية، وتقدم أيضًا في أول الكتاب أن المصنف ﵀ ذكر في "كتاب الأشربة" كلا النوعين: الحلال والحرام، والظاهر إنما شرع باللبن لكونه أشرف الأنواع، ويؤيده حديث الباب من حيث إنه عرض عليه ﷺ ليلة الإسراء، وأشار بذكر الآية في الترجمة إلى أصل حلِّه حيث منَّ الله تعالى على عباده به، ويمكن أن يقال: إن الإمام البخاري أشار بذكر هذه الآية إلى ما عسى أن يتوهمه
стр. 3085
أحد من قوله تعالى: ﴿مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ﴾ [النحل: ٦٦] كراهة اللبن لكون معدنه قريبًا من معدن النجاسة، فذكر في الباب ما يزيل هذا التوهم [من] حديث الإسراء وعرض اللبن عليه ﷺ .
(١٢ - باب استعذاب الماء)
بالذال المعجمة، أي: طلب الماء العذب، والمراد به الحلو، ذكر فيه حديث أنس في صدقة أبي طلحة لقوله فيه: "ويشرب من ماء فيها طيب"، وقد ورد في خصوص لفظ الترجمة حديث عائشة رضي الله تعالى عنها: "كان رسول الله ﷺ يستعذب له الماء من بيوت السقيا"، والسقيا بضم المهملة وبالقاف بعدها تحتانية: عين بينها وبين المدينة يومان، هكذا أخرجه أبو داود، انتهى من "الفتح" (١).
قلت: ولعل الإمام البخاري أشار بالترجمة إلى أن استعذاب الماء ثابت عنه ﷺ ، وكان من دأبه الشريف ﷺ ، ويمكن أنه أشار بذلك إلى ما يستفاد من كلام ابن بطال.
قال الحافظ (٢): قال ابن بطال: استعذاب الماء لا ينافي الزهد، ولا يدخل في الترفه المذموم، بخلاف تطييب الماء بالمسك ونحوه، وقد كرهه مالك لما فيه من السرف، أما شرب الماء الحلو وطلبه فمباح، فقد فعله الصالحون، وليس في شرب الماء الملح فضيلة، انتهى.
(١٣ - باب شرب اللبن بالماء)
قال الحافظ (٣): أي: ممزوجًا، وإنما قيَّده بالشرب للاحتراز عن الخلط عند البيع فإنه غش، قال ابن المنيِّر: مقصوده أن ذلك لا يدخل في النهي عن الخليطين، وهو يؤيد ما تقدم من فائدة تقييده الخليطين بالمسكر،
стр. 3086
أي: إنما ينهى عن الخليطين إذا كان كل واحد منهما من جنس ما يسكر، وإنما كانوا يمزجون اللبن بالماء؛ لأن اللبن عند الحلب يكون حارًا، وتلك البلاد في الغالب حارة فكانوا يكسرون حرَّ اللبن بالماء البارد، انتهى.
(١٤ - باب شراب الحلواء والعسل)
تقدم الكلام على تحقيق لفظ الحلواء ومعناه في "باب الحلواء والعسل" من "كتاب الأطعمة".
قال القسطلاني (١): وليس المراد بقوله: "شراب الحلواء" الحلواء المعهودة المعقودة بالنار، بل كل حلواء تشرب من نقيع حلو وغيره مما يشبهه، وقوله: "الحلواء" شامل للعسل، فذكره بعدها من التخصيص بعد التعميم، ثم ذكر أثرين للزهري وابن مسعود، ثم قال: فإن قلت: ما وجه المطابقة بين الترجمة والأثرين؟ أجاب ابن المنيِّر بأنه ترجم على شيء وأعقبه بضده قال: وبضدها تتبين الأشياء، ثم عاد إلى ما يطابق الترجمة نصًّا، ثم ذكر توجيهًا آخر، فارجع إليه لو شئت.
والأوجه عندي: أن المراد في الترجمة بشراب الحلواء والعسل الماء المخلوط بشيء حلو الذي يقال له في الهندية: "شربت"، و"شربت العسل" معروف في ديارنا، ولذا لم يترجم المصنف بالشراب الحلو؛ لأنه يطلق على العذب.
وبسط الحافظ الكلام في مصداق الترجمة.
(١٥ - باب الشرب قائمًا)
قال ابن بطال: أشار بهذه الترجمة إلى أنه لم يصح عنده الأحاديث الواردة في كراهة الشرب قائمًا، كذا قال وليس بجيد، بل الذي يشبه صنيعه أنه إذا تعارضت عنده الأحاديث لا يثبت الحكم، انتهى من "الفتح" (٢).
стр. 3087
والأوجه عندي ما قال ابن بطال من أنه أشار بالترجمة إلى ترجيح أحاديث الجواز، ولذا لم يذكر في الباب شيئًا من أحاديث النهي كما ترى، فمعنى الترجمة جواز الشرب قائمًا، والمسألة خلافية لأجل اختلاف الروايات.
قال الحافظ (١): واستدل بهذا الحديث على جواز الشرب للقائم، وقد عارض ذلك أحاديث صريحة في النهي عنه، منها عند مسلم عن أنس: "أن النبي ﷺ زجر عن الشرب قائمًا"، ومثله عنده عن أبي سعيد بلفظ: "نهى"، ولمسلم عن أبي هريرة بلفظ: "لا يشربنّ أحدكم قائمًا فمن نسي فليستقئ" إلى أن قال الحافظ: قال القرطبي: لم يصر أحد إلى أن النهي فيه للتحريم، وإن كان جاريًا على أصول الظاهرية القول به، وتعقب بأن ابن حزم جزم بالتحريم.
ثم قال: وسلك العلماء في ذلك مسالك:
أحدها: الترجيح، وأن أحاديث الجواز أثبت من أحاديث النهي، وهذا طريقة أبي بكر بن الأثرم، الثاني: دعوى النسخ، وإليها جنح الأثرم وغيره فقالوا: إن أحاديث النهي منسوخة بأحاديث الجواز بقرينة عمل الخلفاء الراشدين ومعظم الصحابة والتابعين بالجواز، وقد عكس ذلك ابن حزم، فادعى نسخ أحاديث الجواز بأحاديث النهي، الثالث: الجمع بين الخبرين بضرب من التأويل فقيل: المراد بالقيام ههنا المشي، وجنح الطحاوي إلى حمل النهي على من لم يسمّ عند شربه، ومال جماعة إلى حمل النهي على كراهة التنزيه، وأحاديث الجواز على بيانه، وهذا أحسن المسالك، وقيل: إن النهي عن ذلك إنما هو من جهة الطبّ مخافة وقوع ضرر به، إلى آخر ما بسط في هامش "اللامع" (٢).
وفيه: وعلم مما سبق أنهم اختلفوا في ذلك على ستة أقوال:
أحدها: أن النهي مخصوص بما سوى زم زم وفضل الوضوء، وهو
стр. 3088
مختار بعض أصحابنا الحنفية، كصاحب "المنية" وصاحب "الدر المختار" وغيرهما إلى أن قال: الخامس: النهي للتنزيه والفعل للجواز، وهو مختار النووي والسيوطي وغيرهما، وهو مختار أكثر أصحابنا الحنفية حتى أن الحلبي نقل عليه الإجماع، والسادس: ما اختاره الطحاوي أن النهي للمضرة، فهذا أمر إرشاد طبّيّ لا شرعي، انتهى.
(١٦ - باب من شرب وهو واقف على بعيره)
قال ابن العربي: لا حجة في هذا على الشرب قائمًا؛ لأن الراكب على البعير قاعد غير قائم، كذا قال، والذي يظهر لي أن البخاري أراد حكم هذه الحالة وهل تدخل تحت النهي أو لا؟ وإيراده الحديث من فعله ﷺ يدلّ على الجواز، انتهى من "الفتح" (١).
وقال العلامة السندي (٢): قوله: "باب من شرب وهو واقف" أي: بعرفة "على بعيره"، والوقوف بعرفة هو الكون فيها أعم من القيام والقعود والنوم كما لا يخفى، فلا يرد أن الراكب على البعير قاعد لا قائم، فكيف سماه واقفًا، ولا حاجة إلى الجواب عنه بأن الراكب من حيث كونه سائرًا يشبه القائم، ومن حيث كونه مستقرًا على الدابة يشبه القاعد، فمراده بيان حكم هذه الحالة هل تدخل تحت النهي أم لا؟ مع أن هذا يتحقق إذا كان البعير سائرًا لا واقفًا، والأمر ههنا بالعكس، والله أعلم، انتهى.
(١٧ - باب الأيمن فالأيمن في الشرب)
هذا مستحب عند الجمهور، وقال ابن حزم: يجب، وقوله: "في الشرب" يعم الماء وغيره من المشروبات، ونقل عن مالك وحده أنه خصه بالماء، قال ابن عبد البر: لا يصح عن مالك، وقال عياض: يشبه أن يكون
стр. 3089
مراده أن السُّنَّة ثبتت في الماء خاصة، وتقديم الأيمن في غير شرب الماء يكون بالقياس، انتهى من "الفتح" (١).
قلت: وصنيع الإمام مالك في "الموطأ" أيضًا يدل على أنه لا يقول بتخصيص الماء فإنه قد ترجم فيه: "السُّنَّة في الشراب وتناوله عن اليمين" وذكر فيه حديث الباب، وفيه ذكر اللبن.
وفي "الأوجز" (٢): قال الباجي: قوله: "الأيمن فالأيمن" يقتضي أن التيامن مشروع في مناولة الشراب والطعام وما جرى مجراهما، وفي "العتبية" عن أشهب: يستحب في مكارم الأخلاق أن يبدأ بالأيمن فالأيمن في الكتاب بالشهادات والمجلس والوضوء وما أشبه ذلك، انتهى.
قلت: ومسألة الباب أعني الأيمن فالأيمن إنما هو إذا كان الحاضرون مرتبون في الجلوس، وأما إذا كانوا غير مرتبين في جلوسهم فالأدب حينئذٍ الأكبر فالأكبر والأسنّ فالأسنّ، كما يستفاد مما ورد في حديث السواك أن "كبر" أي: أعط السواك أكبرهما، هكذا قال ابن رسلان في "شرحه".
(١٨ - باب هل يستأذن الرجل من عن يمينه في الشرب)
كأنه لم يجزم بالحكم لكونها واقعة عين فيتطرق إليها احتمال الاختصاص، فلا يطرد الحكم فيها لكل جليسين، انتهى من "الفتح" (٣).
(١٩ - باب الكرع في الحوض)
اختلفت الروايات فيه، فقد ورد النهي عن الكرع في بعض الروايات عند ابن ماجه كما سيأتي، فلعل المصنف أشار إلى ردّ تلك الروايات، والله أعلم.
стр. 3090
قال الحافظ (١): الكرع: تناول الماء بالفم من غير إناء ولا كفٍّ، وقال ابن التِّين: حكى أبو عبد الملك أنه الشرب باليدين معًا قال: وأهل اللغة على خلافه قلت: ويرده ما أخرجه ابن ماجه (٢) عن ابن عمر قال: "مررنا على بركة فجعلنا نكرع فيها، فقال رسول الله ﷺ : لا تكرعوا ولكن اغسلوا أيديكم ثم اشربوا بها" الحديث، ولكن في سنده ضعف، فإن كان محفوظًا فالنهي فيه للتنزيه، والفعل لبيان الجواز، أو قصة جابر قبل النهي، أو النهي في غير حال الضرورة، وهذا الفعل كان لضرورة شرب الماء الذي ليس ببارد فيشرب بالكرع لضرورة العطش لئلا تكرهه نفسه إذا تكررت الجرع، فقد لا يبلغ الغرض من الري، أشار إلى هذا الأخير ابن بطال، وإنما قيل للشرب بالفم: كرع؛ لأنه فعل البهائم لشربها بأفواهها، والغالب أنها تدخل أكارعها حينئذ في الماء، ووقع عند ابن ماجه (٣) من وجه آخر عن ابن عمر فقال: "نهانا رسول الله ﷺ أن نشرب على بطوننا وهو الكرع" وسنده أيضًا ضعيف، انتهى مختصرًا.
وأما مطابقة الحديث بالترجمة فقد قال الحافظ (٤): وإنما قيد في الترجمة بالحوض؛ لأن جابرًا أعاد قوله: وهو يحول الماء في أثناء مخاطبة النبي ﷺ الرجل مرتين، والظاهر أنه كان ينقله من أسفل البئر إلى أعلاه، فكأنه كان هناك حوض يجمعه فيه ثم يحوله من جانب إلى جانب، انتهى.
(٢٠ - باب خدمة الصغار الكبار)
ذكر فيه حديث أنس: "كنت قائمًا على الحي أسقيهم وأنا أصغرهم" وهو ظاهر فيما ترجم به، انتهى من "الفتح" (٥).
стр. 3091
(٢١ - باب تغطية الإناء)
ذكر فيه حديث جابر وفيه: "وخمروا الطعام والشراب"، ومعنى التخمير التغطية، انتهى من "الفتح" (١).
(٢٢ - باب اختناث الأسقية)
افتعال من الخنث بالخاء المعجمة والنون والمثلثة، وهو الانطواء والتكسر والانثناء، والأسقية جمع السقاء، والمراد به المتخذ من الأدم صغيرًا كان أو كبيرًا، وقيل: القربة قد تكون كبيرة وقد تكون صغيرة، والسقاء لا يكون إلا صغيرًا، انتهى من "الفتح" (٢).
(٢٣ - باب الشرب من فم السقاء)
أشار المصنف إلى ترجيح روايات النهي وإلى أن النهي عامّ، ولذا لم يكتف على الترجمة السابقة، وكذا مال الحافظ إلى ترجيح المنع كما سيأتي.
قال الحافظ (٣): الفم بتخفيف الميم ويجوز تشديدها، قال ابن المنيِّر: لم يقنع بالترجمة التي قبلها لئلا يظن أن النهي خاصّ بصورة الاختناث فبين أن النهي عام، انتهى.
قال النووي: اتفقوا على أن النهي هنا للتنزيه لا للتحريم، كذا قال، وفي نقل الاتفاق نظر؛ فقد جزم ابن حزم بالتحريم لثبوت النهي، قال النووي: ويؤيد كون هذا النهي للتنزيه أحاديث الرخصة في ذلك.
قلت: لم أر في شيء من الأحاديث المرفوعة ما يدل على الجواز إلا من فعله ﷺ ، وأحاديث النهي كلها من قوله، فهي أرجح، وأطلق أبو بكر الأثرم صاحب أحمد أن أحاديث النهي ناسخة للإباحة؛ لأنهم كانوا أولًا
стр. 3092
يفعلون ذلك حتى وقع دخول الحية في بطن الذي شرب من فم السقاء فنسخ الجواز.
قال الحافظ: ومن الأحاديث الواردة في الجواز ما أخرجه الترمذي وصححه من حديث كبشة قالت: "دخلت على رسول الله ﷺ فشرب من في قربة معلقة"، وفي الباب عن عبد الله بن أنيس عند أبي داود والترمذي، وعن أم سلمة في "الشمائل"، انتهى، ملخصًا وملتقطًا من "الفتح".
وقد بسط الحافظ في الجمع بين الروايات، وحاصله أن فعله ﷺ إما خاصّ به أو محمول على الجواز أو للضرورة أو منسوخ بأحاديث النهي، وكذا حكى الحافظ عن ابن أبي جمرة عدة أقوال في علة النهي، فارجع إليه لو شئت.
(٢٤ - باب النهي عن التنفس في الإناء)
ذكر فيه حديث أبي قتادة، وقد تقدم في "كتاب الطهارة".
قال الحافظ (١) تحت حديث الباب: زاد ابن أبي شيبة من وجه آخر النهي عن النفخ في الإناء، وله شاهد من حديث ابن عباس عند أبي داود والترمذي، وجاء في النهي عن النفخ في الإناء عدة أحاديث، وكذا النهي عن التنفس في الإناء، إلى آخر ما ذكره الحافظ.
(٢٥ - باب الشرب بنفسين أو ثلاثة)
كذا ترجم مع أن لفظ الحديث الذي أورده في الباب: "كان يتنفس" فكأنه أراد أن يجمع بين حديث الباب والذي قبله؛ لأن ظاهرهما التعارض فحملهما على حالتين: التنفس داخل الماء والتنفس خارجه، انتهى مختصرًا من "الفتح" (٢).
стр. 3093
فأشار المصنف بعقد الترجمتين هذه والسابقة إلى أن كل واحد منهما من آداب الشرب، أحدهما عدم التنفس في الإناء، وثانيهما عدم الشرب بنفس واحد.
قال القسطلاني (١) تحت حديث الباب: أي: لا يجعل نفسه داخل الإناء لأنه قد يقع منه شيء من الريق فيعافه الشارب، و"أو" للتنويع أو للشك من الراوي، وفي حديث ابن عباس رفعه بسند ضعيف عند الترمذي: "لا تشربوا واحدة كما يشرب البعير ولكن اشربوا مثنى وثلاث" فلم يقل "أو"، انتهى.
وقال العيني (٢) بحثًا على المسألة: والأصل أن المستحب الشرب في ثلاثة أنفاس، واختلفوا هل يجوز الشرب بنفس واحد؟ فروي عن ابن عباس وطاوس وعكرمة كراهته، وقال ابن عباس: هو شرب الشيطان، إلى آخر ما ذكر.
(٢٦ - باب الشرب في آنية الذهب)
كذا أطلق الترجمة، وكأنه استغنى عن ذكر الحكم بما صرح به بعد في "كتاب الأحكام" أن نهي النبي ﷺ على التحريم حتى يقوم دليل الإباحة، وقد وقع التصريح في حديث الباب بالنهي، ونقل ابن المنذر الإجماع على تحريم الشرب في آنية الذهب والفضة إلا عن معاوية بن قرة أحد التابعين، فكأنه لم يبلغه النهي، وعن الشافعي في القديم ونقل عنه أدت النهي فيه للتنزيه؛ لأن علته ما فيه من التشبه بالأعاجم، ونصّ في الجديد على التحريم، انتهى من "الفتح" (٣).
стр. 3094
(٢٧ - باب آنية الفضة)
تقدم حكمه في الباب السابق.
قال الحافظ (١): وفي هذه الأحاديث تحريم الأكل والشرب في آنية الذهب والفضة على كل مكلف رجلًا كان أو امرأة، ولا يلتحق ذلك بالحلي للنساء؛ لأنه ليس من التزين الذي أبيح لها في شيء، قال القرطبي وغيره: ويلتحق بهما (أي: بالأكل والشرب) ما في معناهما مثل التطيب والتكحل وسائر وجوه الاستعمالات، وبهذا قال الجمهور، وأغربت طائفة شذّت فأباحت ذلك مطلقًا، ومنهم من قصر التحريم على الأكل والشرب، ومنهم من قصره على الشرب؛ لأنه لم يقف على الزيادة في الأكل، قال: واختلف في علة المنع، فذكر فيه أقوالًا عديدة، فارجع إليه لو شئت.
(٢٨ - باب الشرب في الأقداح)
أي: هل يباح أو يمنع لكونه من شعار الفسقة؟ ولعله أشار إلى أن الشرب فيها وإن كان من شعار الفسقة لكن ذلك بالنظر إلى المشروب وإلى الهيئة الخاصة بهم فيكره التشبه بهم، ولا يلزم من ذلك كراهة الشرب في القدح إذا سلم من ذلك، قاله الحافظ (٢).
وتعقب عليه العلَّامة العيني (٣) إذ قال: هذا كلام غير مستقيم، وكيف يقول: إن الشرب فيها من شعائر الفسقة؟ وقد وضع البخاري عقيب هذا "باب الشرب من قدح النبي- ﷺ "، وذكروا أيضًا أنه كان للنبي ﷺ قدح يقال له: الريان، وآخر يقال له: المغيث، وآخر مضبّب بثلاث ضبّات من فضة، وقيل: من حديد، وفيه حلقة يعلق بها، أصغر من المد وأكثر من نصف المد، إلى آخر ما بسط، وسكت العلامة القسطلاني عن غرض الترجمة.
стр. 3095
ولا يبعد عندي أن تكون إشارة إلى ترجيح القدح على الكوز والإبريق وغيرهما، فإن القدح لسعة فمه يظهر فيه للشارب ما قد يسقط فيه شيء من التبن ونحوه.
(٢٩ - باب الشرب من قدح النبي ﷺ -)
أي: تبركًا به، قال ابن المنيِّر: كأنه أراد بهذه الترجمة دفع توهم من يقع في خياله أن الشرب في قدح النبي ﷺ بعد وفاته تصرف في ملك الغير بغير إذن، فبيَّن أن السلف كانوا يفعلون ذلك؛ لأن النبي ﷺ لا يورث وما تركه فهو صدقة، لا يقال: إن الأغنياء كانوا يفعلون ذلك والصدقة لا تحل للغني؛ لأن الجواب أن الممتنع على الأغنياء من الصدقة هو المفروض منها، وهذا ليس من الصدقة المفروضة.
قال الحافظ (١): والذي يظهر أن الصدقة المذكورة من جنس الأوقاف المطلقة ينتفع بها من يحتاج إليها، وتقرّ تحت يد من يؤتمن عليها، ولهذا كان عند سهل قدح، وعند عبد الله بن سلام آخر، والجبة عند أسماء بنت أبي بكر وغير ذلك، انتهى من "الفتح".
قلت: لا حاجة إلى هذا البحث الطويل، بل الغرض من الترجمة الشرب من قدح شرب منه ﷺ تبركًا به أعم من أن يكون ذلك القدح في ملكه ﷺ أم لا؟ وعلى هذا فمطابقة الحديث للترجمة أيضًا ظاهرة، فإن الظاهر أن القدح المذكور في أول حديث الباب كان لسهل لا للنبي ﷺ ، فلا حاجة حينئذٍ في إثبات المطابقة إلى ما ذكره العلَّامة العيني (٢) من أن هذا القدح في الأصل كان للنبي ﷺ ، انتهى. فإنه خلاف الظاهر، بل الظاهر أنه كان لسهل ﵁، والله تعالى أعلم.
стр. 3096
وقال الحافظ (١) أيضًا: ومطابقة الحديث بالترجمة ظاهرة من جهة رغبة الذين سألوا سهلًا أن يخرج لهم القدح المذكورة ليشربوا فيه تبركًا به، انتهى.
ولم يتعرض القسطلاني لوجه المطابقة.
(٣٠ - باب شرب البركة والماء المبارك)
قال المهلب: سمي الماء بركة؛ لأن الشيء إذا كان مباركًا فيه يسمى بركة، وقال ابن بطال: يؤخذ من الحديث أنه لا سرف ولا شره في الطعام أو الشراب الذي تظهر فيه البركة بالمعجزة، بل يستحب الإكثار منه، وقال ابن المنيِّر: في ترجمة البخاري إشارة إلى أنه يغتفر في الشرب منه الإكثار دون المعتاد الذي ورد باستحباب جعل الثلث له، انتهى (٢).
فعلى هذا الغرض من الترجمة بيان جواز الإكثار في الشرب من الماء المبارك.
والأوجه عندي: أن الغرض من الترجمة السابقة الاستبراك المخصوص بقدح النبي ﷺ ، وأشار بهذه الترجمة إلى الاستبراك مطلقًا أعم من أن يكون حصل بيد النبي ﷺ أو بيد غيره من الصلحاء، ويشير إليه إطلاق لفظ الترجمة، وإن كان المذكور في حديث الباب ذكر بركته ﷺ فيقاس بركة غيره عليه ﷺ .
وأما براعة الاختتام ففي قوله: "ليس معنا ماء"، وهكذا يمكن في قوله: "تابعه سعيد. . ." إلخ، كما أفاده الحافظ، فإن الناس يتبع أحدهم الآخر في كل يوم إلى دار القرار، وهو المعبر بلساننا بلفظ "جل جلاؤ" (٣).
стр. 3097
٧٥ - كتاب المرضى
هكذا في النسخة "الهندية" وكذا في نسخة "الفتح"، وفي نسخة "العيني" و"القسطلاني" "كتاب المرضى والطب"، ثم أفرد في نسختيهما فيما سيأتي "كتاب الطب"، فعلى هاتين النسختين يلزم التكرار، ولعل زيادة "والطب" في نسختيهما من تصرف النساخ، وليس في أصل نسختيهما فإنهما قد تعرضا ههنا لتحقيق لفظ المرضى ولم يتعرضا لمعنى الطب أصلًا، والله أعلم.
قال القسطلاني (١): وقال في "الفتح": "كتاب المرضى، باب ما جاء في كفارة المرض "، كذا لهم إلا أن البسملة سقطت لأبي ذر، وخالفهم النسفي فلم يفرد كتاب المرضى من كتاب الطبّ بل صدر بـ "كتاب الطب"، ثم بسمل، ثم ذكر "باب ما جاء في كفارة المرض"، واستمر على ذلك إلى آخر "كتاب الطب"، ولكل وجه، والمرضى جمع مريض، والمرض خروج الجسم عن المجرى الطبيعي، ويعبر عنه بأنه حالة تصدر بها الأفعال خارجة عن الموضوع لها غير سليمة، انتهى.
وقال الحافظ (٢): المراد بالمرض ههنا مرض البدن، وقد يطلق المرض على مرض القلب إما للشبهة كقوله تعالى: ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ [البقرة: ١٠] وإما للشهوة كقوله تعالى: ﴿فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ﴾ [الأحزاب: ٣٢]، ووقع ذكر مرض البدن في القرآن في الوضوء والصوم والحج، انتهى.
(١ - باب ما جاء في كفارة المرض)
الكفارة صيغة مبالغة من الكفر وهو التغطية، ومعناه أن ذنوب المؤمن تتغطى بما يقع له من ألم المرض، وقوله: "كفارة المرض" هو من الإضافة
стр. 3098
إلى الفاعل، وأسند التكفير للمرض لكونه سببه، وقال في "الكواكب": الإضافة بيانية كنحو: شجر الأراك، أي: كفارة هي مرض، إلى آخر ما ذكر القسطلاني (١).
وقال الحافظ (٢): "وقول الله . . ." إلخ، قال الكرماني: مناسبة الآية للباب أن الآية أعم إذ المعنى أن كل من يعمل سيئة فإنه يجازى بها، وقال ابن المنيِّر: الحاصل: أن المرض كما جاز أن يكون مكفرًا للخطايا فكذلك يكون جزاء لها، وقال ابن بطال: ذهب أكثر أهل التأويل إلى أن معنى الآية أن المسلم يجازى على خطاياه في الدنيا بالمصائب التي تقع له فيها فتكون كفارة لها، وعن الحسن أن الآية المذكورة نزلت في الكفارة خاصة، والأحاديث في هذا الباب تشهد للأول، انتهى.
قال الحافظ: والأحاديث الواردة في سبب نزول الآية لما لم تكن على شرط البخاري ذكرها، ثم أورد من الأحاديث على شرطه ما يوافق ما ذهب إليه الأكثر من تأويلها، ثم ذكر الحافظ عدة روايات في شأن نزولها.
قال العلامة السندي (٣): في ذكر هذه الآية ههنا إشارة إلى أن المراد بالجزاء في الآية ما يعم المرض ونحوه كما ورد في الحديث: "لا جزاء الآخرة فقط"، انتهى.
وفي "الفيض" (٤): نقل عن الشافعي في "المسامرة": أن الصبر ليس بشرط في كون المصائب كفارات، نعم إن صبر يضاعف له الأجر، وقال: إن المصائب بمنزلة العذاب فإنه مكفر مطلقًا، كذلك إن المصائب أيضًا نوع من العذاب فلا يشترط فيها الصبر؛ بل تلك في المسلم بالكفارة وضعًا، قلت: ونحوه عندي الحرُّ والقرُّ فإنه يكفر أيضًا، وإليه يشير قوله: "ما يصيب
стр. 3099
المسلم من نصب ولا وصب ولا همّ ولا حزن ولا أذى ولا غم. . ." إلخ.
وقال الحافظ (١) بعد حديث الباب: وفي هذا الحديث تعقب على الشيخ عز الدين بن عبد السلام حيث قال: ظن بعض الجهلة أن المصاب مأجور، وهو خطأ صريح، فإن الثواب والعقاب إنما هو الكسب، والمصائب ليست منها، بل الأجر على الصبر والرضا، ووجه التعقب أن الأحاديث الصحيحة صريحة في ثبوت الأجر بمجرد حصول المصيبة، وأما الصبر والرضا فقدر زائد يمكن أن يثاب عليهما زيادة على ثواب المصيبة، إلى آخر ما ذكر.
وفي "الأوجز" (٢) تحت حديث "من يرد الله به خيرًا يصب منه. . ." إلخ: وقد استدل به على أن مجرد حصول المرض يترتب عليه التكفير سواء انضم إلى ذلك صبر أم لا؟ وأبى ذلك قوم كالقرطبي في "المفهم" فقال: محل ذلك إذا صبر واحتسب، إلى آخر ما بسط الحافظ في ذلك.
قلت: ومال أبو الوليد الباجي أيضًا إلى التقييد بالصبر والاحتساب كما في "الأوجز"، فارجع إليه لو شئت.
(٢ - باب شدة المرض)
أي: وبيان ما فيها من الفضل، هكذا في "الفتح" و"العيني" و"القسطلاني" (٣).
(٣ - باب أشد الناس بلاءً الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل الأول فالأول)
اختلفت النسخ، وفي نسخة الهندية هكذا، واكتفى في نسخة "الفتح" على لفظ: "ثم الأمثل فالأمثل"، وفي نسختي "العيني" و"القسطلاني": "الأنبياء ثم الأول فالأول".
стр. 3100
قال الحافظ (١): قوله: "ثم الأمثل فالأمثل" كذا للأكثر، وللنسفي "الأول فالأول" وجمعهما المستملي، والمراد بالأول الأولية في الفضل، والأمثل أفعل من المثالة والجمع أماثل، وهم الفضلاء، وصدر هذه الترجمة لفظ حديث أخرجه الدارمي وابن ماجه وصححه الترمذي وابن حبان والحاكم عن سعد بن أبي وقاص قال: "قلت: يا رسول الله، أي الناس أشد بلاء؟ قال: الأنبياء، ثم الأمثل فالأمثل، يبتلى الرجل على حسب دينه" الحديث، وفيه: "حتى يمشي على الأرض وما عليه خطيئة"، ولعل الإشارة بلفظ: "الأول فالأول" إلى ما أخرجه النسائي من حديث فاطمة أخت حذيفة وفيه: "أشد الناس بلاءًا لأنبياء، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم"، انتهى من "الفتح".
(٤ - باب وجوب عيادة المريض)
كذا جزم بالوجوب على ظاهر الأمر بالعيادة، وتقدم حديث أبي هريرة في "الجنائز": "حق المسلم على المسلم خمس"، فذكر منها عيادة المريض، قال ابن بطال: يحتمل أن يكون الأمر على الوجوب بمعنى الكفاية كإطعام الجائع، ويحتمل أن يكون للندب، وجزم الداودي بالأوّل.
وقال الجمهور: هي في الأصل ندب، وقد تصل إلى الوجوب في حق بعض دون بعض، وعن الطبري: تتأكد في حق من ترجى بركته، وتسنّ فيمن يراعى حاله، وتباح فيما عدا ذلك، ونقل النووي الإجماع على عدم الوجوب، يعني: على الأعيان.
واستدل بعموم قوله: "عودوا المريض" على مشروعية العيادة في كل مريض، لكن استثنى بعضهم الأرمد، لكون عائده قد يرى ما لا يراه هو، وهذا الأمر خارجي، قد يأتي مثله في بقية الأمراض كالمغمى عليه، وقد
стр. 3101
عقبه المصنف به، وقد جاء في عيادة الأرمد بخصوصها حديث زيد بن أرقم: "عادني رسول الله ﷺ من وجع كان بعيني" أخرجه أبو داود وصححه الحاكم، وهو عند البخاري في "الأدب المفرد" وسياقه أتم. وأما ما أخرجه البيهقي والطبراني مرفوعًا: "ثلاثة ليس لهم عيادة: العين والدمل والدرس" فصحح البيهقي أنه موقوف على يحيى بن أبي كثير، ويؤخذ من إطلاق الحديث أيضًا عدم التقييد بزمان يمضي من ابتداء مرضه وهو قول الجمهور.
وجزم الغزالي في "الإحياء" بأنه لا يعاد إلا بعد ثلاث، واستند إلى حديث أخرجه ابن ماجه عن أنس: "كان النبي ﷺ لا يعود مريضًا إلا بعد ثلاث"، وهذا حديث ضعيف جدًا، تفرد به مسلمة بن علي وهو متروك، وقد سئل عنه أبو حاتم فقال: هو حديث باطل، انتهى.
ثم ذكر الحافظ الكلام على آداب العيادة، فارجع إليه لو شئت (١).
وفي هامش "اللامع" (٢): بسط الكلام على المسألة في "الأوجز"، وحديث ابن ماجه ذكره ابن الجوزي في "الموضوعات"، وكذا ابن طاهر المقدسي في "تذكرة الموضوعات"، وذكر السخاوي له شواهد في "المقاصد الحسنة"، وقال السندي: لعله إن صح يحمل على أنه لتحقق مرضه، أي: يؤخر حتى يتحقق عنده أنه مريض، انتهى.
وأطال الزرقاني الكلام عليه في "شرح المواهب"، انتهى.
(٥ - باب عيادة المغمى عليه)
قال ابن المنيِّر: فائدة الترجمة أن لا يعتقد أن عيادة المغمى عليه ساقطة الفائدة لكونه لا يعلم بعائده.
قال الحافظ (٣): ومجرد علم المريض بعائده لا تتوقف مشروعية
стр. 3102
العيادة عليه لأن وراء ذلك جبر خاطر أهله، وما يرجى من بركة دعاء العائد، ووضع يده على المريض، والمسح على جسده، والنفث عليه عند التعويذ إلى غير ذلك، انتهى من "الفتح".
وكتب الشيخ قُدِّس سرُّه في "اللامع" (١) تحت الترجمة: دفع بذلك ما عسى أن يتوهم من أن عيادته لغو؛ لأنها لم يتحصل بها تطييب قلبه لعدم عقله وكان الأهم هو هذا، انتهى.
(٦ - باب فضل من يصرع من الريح)
اختلفوا في المراد من الريح على قولين: فالأكثرون على أن المراد منه مرض يحدث من حبس الرياح، وقال بعضهم: هو ما يحدث من أثر الجن، وفي "المجمع" (٢) عن النووي في "شرح مسلم": قوله: "يرقى من هذه الريح" أراد به الجنون ومسّ الجن، وروي "من الأرواح" أي: الجن لأنهم كالريح أو الروح في عدم إبصارهم، انتهى.
وقال العيني (٣): قوله: "من الريح" كلمة "من" تعليلية، أي: بسبب الريح، انتهى.
وبسط الكلام عليه الحافظ، ومنه في هامش "اللامع"، فارجع إليه (٤).
(٧ - باب فضل من ذهب بصره)
قال الحافظ (٥): سقطت هذه الترجمة وحديثها من رواية النسفي، وقد جاء بلفظ الترجمة حديث أخرجه البزار عن زيد بن أرقم بلفظ: "ما ابتلي عبد بعد ذهاب دينه بأشد من ذهاب بصره، ومن ابتلي ببصره فصبر حتى