إلى الفاعل، وأسند التكفير للمرض لكونه سببه، وقال في "الكواكب": الإضافة بيانية كنحو: شجر الأراك، أي: كفارة هي مرض، إلى آخر ما ذكر القسطلاني (١).
وقال الحافظ (٢): "وقول الله . . ." إلخ، قال الكرماني: مناسبة الآية للباب أن الآية أعم إذ المعنى أن كل من يعمل سيئة فإنه يجازى بها، وقال ابن المنيِّر: الحاصل: أن المرض كما جاز أن يكون مكفرًا للخطايا فكذلك يكون جزاء لها، وقال ابن بطال: ذهب أكثر أهل التأويل إلى أن معنى الآية أن المسلم يجازى على خطاياه في الدنيا بالمصائب التي تقع له فيها فتكون كفارة لها، وعن الحسن أن الآية المذكورة نزلت في الكفارة خاصة، والأحاديث في هذا الباب تشهد للأول، انتهى.
قال الحافظ: والأحاديث الواردة في سبب نزول الآية لما لم تكن على شرط البخاري ذكرها، ثم أورد من الأحاديث على شرطه ما يوافق ما ذهب إليه الأكثر من تأويلها، ثم ذكر الحافظ عدة روايات في شأن نزولها.
قال العلامة السندي (٣): في ذكر هذه الآية ههنا إشارة إلى أن المراد بالجزاء في الآية ما يعم المرض ونحوه كما ورد في الحديث: "لا جزاء الآخرة فقط"، انتهى.
وفي "الفيض" (٤): نقل عن الشافعي في "المسامرة": أن الصبر ليس بشرط في كون المصائب كفارات، نعم إن صبر يضاعف له الأجر، وقال: إن المصائب بمنزلة العذاب فإنه مكفر مطلقًا، كذلك إن المصائب أيضًا نوع من العذاب فلا يشترط فيها الصبر؛ بل تلك في المسلم بالكفارة وضعًا، قلت: ونحوه عندي الحرُّ والقرُّ فإنه يكفر أيضًا، وإليه يشير قوله: "ما يصيب
стр. 3099
المسلم من نصب ولا وصب ولا همّ ولا حزن ولا أذى ولا غم. . ." إلخ.
وقال الحافظ (١) بعد حديث الباب: وفي هذا الحديث تعقب على الشيخ عز الدين بن عبد السلام حيث قال: ظن بعض الجهلة أن المصاب مأجور، وهو خطأ صريح، فإن الثواب والعقاب إنما هو الكسب، والمصائب ليست منها، بل الأجر على الصبر والرضا، ووجه التعقب أن الأحاديث الصحيحة صريحة في ثبوت الأجر بمجرد حصول المصيبة، وأما الصبر والرضا فقدر زائد يمكن أن يثاب عليهما زيادة على ثواب المصيبة، إلى آخر ما ذكر.
وفي "الأوجز" (٢) تحت حديث "من يرد الله به خيرًا يصب منه. . ." إلخ: وقد استدل به على أن مجرد حصول المرض يترتب عليه التكفير سواء انضم إلى ذلك صبر أم لا؟ وأبى ذلك قوم كالقرطبي في "المفهم" فقال: محل ذلك إذا صبر واحتسب، إلى آخر ما بسط الحافظ في ذلك.
قلت: ومال أبو الوليد الباجي أيضًا إلى التقييد بالصبر والاحتساب كما في "الأوجز"، فارجع إليه لو شئت.
(٢ - باب شدة المرض)
أي: وبيان ما فيها من الفضل، هكذا في "الفتح" و"العيني" و"القسطلاني" (٣).
(٣ - باب أشد الناس بلاءً الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل الأول فالأول)
اختلفت النسخ، وفي نسخة الهندية هكذا، واكتفى في نسخة "الفتح" على لفظ: "ثم الأمثل فالأمثل"، وفي نسختي "العيني" و"القسطلاني": "الأنبياء ثم الأول فالأول".
стр. 3100
قال الحافظ (١): قوله: "ثم الأمثل فالأمثل" كذا للأكثر، وللنسفي "الأول فالأول" وجمعهما المستملي، والمراد بالأول الأولية في الفضل، والأمثل أفعل من المثالة والجمع أماثل، وهم الفضلاء، وصدر هذه الترجمة لفظ حديث أخرجه الدارمي وابن ماجه وصححه الترمذي وابن حبان والحاكم عن سعد بن أبي وقاص قال: "قلت: يا رسول الله، أي الناس أشد بلاء؟ قال: الأنبياء، ثم الأمثل فالأمثل، يبتلى الرجل على حسب دينه" الحديث، وفيه: "حتى يمشي على الأرض وما عليه خطيئة"، ولعل الإشارة بلفظ: "الأول فالأول" إلى ما أخرجه النسائي من حديث فاطمة أخت حذيفة وفيه: "أشد الناس بلاءًا لأنبياء، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم"، انتهى من "الفتح".
(٤ - باب وجوب عيادة المريض)
كذا جزم بالوجوب على ظاهر الأمر بالعيادة، وتقدم حديث أبي هريرة في "الجنائز": "حق المسلم على المسلم خمس"، فذكر منها عيادة المريض، قال ابن بطال: يحتمل أن يكون الأمر على الوجوب بمعنى الكفاية كإطعام الجائع، ويحتمل أن يكون للندب، وجزم الداودي بالأوّل.
وقال الجمهور: هي في الأصل ندب، وقد تصل إلى الوجوب في حق بعض دون بعض، وعن الطبري: تتأكد في حق من ترجى بركته، وتسنّ فيمن يراعى حاله، وتباح فيما عدا ذلك، ونقل النووي الإجماع على عدم الوجوب، يعني: على الأعيان.
واستدل بعموم قوله: "عودوا المريض" على مشروعية العيادة في كل مريض، لكن استثنى بعضهم الأرمد، لكون عائده قد يرى ما لا يراه هو، وهذا الأمر خارجي، قد يأتي مثله في بقية الأمراض كالمغمى عليه، وقد
стр. 3101
عقبه المصنف به، وقد جاء في عيادة الأرمد بخصوصها حديث زيد بن أرقم: "عادني رسول الله ﷺ من وجع كان بعيني" أخرجه أبو داود وصححه الحاكم، وهو عند البخاري في "الأدب المفرد" وسياقه أتم. وأما ما أخرجه البيهقي والطبراني مرفوعًا: "ثلاثة ليس لهم عيادة: العين والدمل والدرس" فصحح البيهقي أنه موقوف على يحيى بن أبي كثير، ويؤخذ من إطلاق الحديث أيضًا عدم التقييد بزمان يمضي من ابتداء مرضه وهو قول الجمهور.
وجزم الغزالي في "الإحياء" بأنه لا يعاد إلا بعد ثلاث، واستند إلى حديث أخرجه ابن ماجه عن أنس: "كان النبي ﷺ لا يعود مريضًا إلا بعد ثلاث"، وهذا حديث ضعيف جدًا، تفرد به مسلمة بن علي وهو متروك، وقد سئل عنه أبو حاتم فقال: هو حديث باطل، انتهى.
ثم ذكر الحافظ الكلام على آداب العيادة، فارجع إليه لو شئت (١).
وفي هامش "اللامع" (٢): بسط الكلام على المسألة في "الأوجز"، وحديث ابن ماجه ذكره ابن الجوزي في "الموضوعات"، وكذا ابن طاهر المقدسي في "تذكرة الموضوعات"، وذكر السخاوي له شواهد في "المقاصد الحسنة"، وقال السندي: لعله إن صح يحمل على أنه لتحقق مرضه، أي: يؤخر حتى يتحقق عنده أنه مريض، انتهى.
وأطال الزرقاني الكلام عليه في "شرح المواهب"، انتهى.
(٥ - باب عيادة المغمى عليه)
قال ابن المنيِّر: فائدة الترجمة أن لا يعتقد أن عيادة المغمى عليه ساقطة الفائدة لكونه لا يعلم بعائده.
قال الحافظ (٣): ومجرد علم المريض بعائده لا تتوقف مشروعية
стр. 3102
العيادة عليه لأن وراء ذلك جبر خاطر أهله، وما يرجى من بركة دعاء العائد، ووضع يده على المريض، والمسح على جسده، والنفث عليه عند التعويذ إلى غير ذلك، انتهى من "الفتح".
وكتب الشيخ قُدِّس سرُّه في "اللامع" (١) تحت الترجمة: دفع بذلك ما عسى أن يتوهم من أن عيادته لغو؛ لأنها لم يتحصل بها تطييب قلبه لعدم عقله وكان الأهم هو هذا، انتهى.
(٦ - باب فضل من يصرع من الريح)
اختلفوا في المراد من الريح على قولين: فالأكثرون على أن المراد منه مرض يحدث من حبس الرياح، وقال بعضهم: هو ما يحدث من أثر الجن، وفي "المجمع" (٢) عن النووي في "شرح مسلم": قوله: "يرقى من هذه الريح" أراد به الجنون ومسّ الجن، وروي "من الأرواح" أي: الجن لأنهم كالريح أو الروح في عدم إبصارهم، انتهى.
وقال العيني (٣): قوله: "من الريح" كلمة "من" تعليلية، أي: بسبب الريح، انتهى.
وبسط الكلام عليه الحافظ، ومنه في هامش "اللامع"، فارجع إليه (٤).
(٧ - باب فضل من ذهب بصره)
قال الحافظ (٥): سقطت هذه الترجمة وحديثها من رواية النسفي، وقد جاء بلفظ الترجمة حديث أخرجه البزار عن زيد بن أرقم بلفظ: "ما ابتلي عبد بعد ذهاب دينه بأشد من ذهاب بصره، ومن ابتلي ببصره فصبر حتى
стр. 3103
يلقى الله تعالى لقي الله تعالى ولا حساب عليه"، وأصله عند أحمد بغير لفظه بسند جيد، انتهى.
(٨ - باب عيادة النساء الرجال)
أي: ولو كانوا أجانب بالشرط المعتبر، انتهى من "الفتح" (١)
(٩ - باب عيادة الصبيان)
مصدر مضاف لمفعوله، أي: عيادة الرجال الصبيان، وقد مرَّ حديث الباب في "الجنائز"، قاله القسطلاني (٢).
(١٠ - باب عيادة الأعراب)
بفتح الهمزة، وهم سكان البوادي، قاله الحافظ (٣).
وقال تحت حديث الباب: قال المهلب: فائدة هذا الحديث أنه لا نقص على الإمام في عيادة مريض من رعيته ولو كان أعرابيًّا جافيًا، ولا على العالم في عيادة الجاهل ليعلّمه ويذكّره بما ينفعه ويأمره بالصبر، إلى آخر ما ذكر الحافظ.
(١١ - باب عيادة المشرك)
قال الكرماني (٤): قالوا: إنما يعاد المشرك ليدعى إلى الإسلام إذا رجي إجابته إليه، وأما إذا لم يطمع في إسلامه فلا يعاد، انتهى.
وحكى الحافظ هذا القول عن ابن بطال، ثم قال (٥): والذي يظهر أن ذلك يختلف باختلاف المقاصد، فقد يقع بعيادته مصلحة أخرى، قال الماوردي: عيادة الذمي جائزة والقربة موقوفة على نوع حرمة تقترن بها من جوار أو قرابة، انتهى.
стр. 3104
قلت: ذكر في "الشرح الكبير" للحنابلة عن أحمد فيه روايتان، وفي "الدر المختار": جاز عيادته بالإجماع، وفي عيادة المجوسي قولان، قال ابن عابدين: قوله: عيادته، أي: عيادة مسلم ذميًّا نصرانيًا أو يهوديًا لأنه نوع برٍّ في حقهم، وما نهينا عن ذلك، وصحَّ أن النبي ﷺ عاد يهوديًا، وقوله: في عيادة المجوسي. . . إلخ، قال في "العناية": فيه اختلاف المشايخ، فمنهم من قال به لأنهم أهل الذمة، وهو المروي عن محمد، ومنهم من قال: هم أبعد عن الإسلام من اليهود والنصارى، ألا ترى أنه لا تباح ذبيحة المجوس ونكاحهم، انتهى. فظاهر المتن كـ "المنتقى" وغيره اختيار الأول، انتهى مختصرًا من هامش "اللامع" (١).
(١٢ - باب إذا عاد مريضًا فحضرت الصلاة فصلى بهم)
أي: المريض بمن عاده، وتقدم شرح حديث الباب في أبواب الإمامة من "كتاب الصلاة"، وكذا قول الحميدي المذكور في آخره، انتهى من "الفتح" (٢).
(١٣ - باب وضع اليد على المريض)
قال ابن بطال: في وضع اليد على المريض تأنيس له وتعرف لشدة مرضه ليدعو له بالعافية على حسب ما يبدو له منه، وربما رقاه بيده ومسح على ألمه بما ينتفع به العليل إذا كان العائد صالحًا.
قلت: وقد يكون العائد عارفًا بالعلاج فيعرف العلة فيصف له ما يناسبه، انتهى من "الفتح" (٣).
стр. 3105
(١٤ - باب ما يقال للمريض وما يجيب)
كتب الشيخ في "اللامع" (١): يعني بذلك أنه ينبغي للعائد أن يقول خيرًا، وللمريض أن يحسن الظن بربه تعالى، فلا يتكلم بشرٍّ، وأيضًا ففي الحديث دلالة على أنه لا بأس لو تكلم بشيء مما يجد إذا لم يكن على سبيل الشكوى، انتهى.
قلت: ما أفاده الشيخ قُدِّس سرُّه ظاهر مطابق لحديث الباب، والأوجه عندي: أن الإمام البخاري أشار بالترجمة على عادته المستمرة إلى ما أخرجه ابن ماجه والترمذي من حديث أبي سعيد رفعه: "إذا دخلتم على المريض فنفسوا له في الأجل، فإن ذلك لا يردّ شيئًا، وهو يطيب نفس المريض"، لكن لما كان في سنده ضعفًا (٢) لم يخرجه البخاري بل أشار إليه.
قال الحافظ (٣) بعد ذكر حديث الترمذي هذا: وفي سنده لين، وقوله: "نفسوا" أي: أطمعوه في الحياة، ففي ذلك تنفيس لما هو فيه من الكرب وطمأنينة لقلبه، انتهى.
والتنفيس في الحديث الثاني من حديثي الباب الظاهر في قوله ﷺ : "لا بأس"، وأما في الحديث الأول ففي قول ابن مسعود: "إنك لتوعك وعكًا شديدًا" يعني: هذه عادة مستمرة لك ليس بأمر جديد يخاف منه، انتهى من هامش "اللامع" بزيادة.
(١٥ - باب عيادة المريض راكبًا وماشيًا ورِدْفًا)
بكسر الراء وسكون الدال، أي: مرتدفًا لغيره، قاله القسطلاني (٤).
(١٦ - باب قول المريض: إني وجع)
كذا في النسخة "الهندية" و"العيني" و"القسطلاني"، وفي نسخة "الفتح": "باب ما رخص للمريض أن يقول: إني وجع. . ." إلخ.
стр. 3106
قال الحافظ (١) في ذكر مناسبة أحاديث الباب بالترجمة: وأما قول أيوب ﵇ فاعترض ابن التِّين ذكره في الترجمة فقال: هذا لا يناسب التبويب؛ لأن أيوب إنما قاله داعيًا، ولم يذكره للمخلوقين، قلت: لعل البخاري أشار إلى أن مطلق الشكوى لا يمنع ردًّا على من زعم من الصوفية أن الدعاء بكشف البلاء يقدح في الرضاء والتسليم، فنبَّه على أن الطلب من الله ليس ممنوعًا، بل فيه زيادة عبادة؛ لما ثبت مثل ذلك عن المعصوم، وأثنى الله عليه بذلك، وأثبت له اسم الصبر مع ذلك، وقد بسط الحافظ الكلام على تفصيل ما يجوز من التشكي وما لا يجوز منه، فارجع إليه لو اشتقت.
قوله: (بل أنا وارأساه) في هامش النسخة المصرية عن شيخ الإسلام (٢): أي: دعي ذكر ما تجدينه من وجع رأسك واشتغلي بي، فإنك لا تموتين في هذه الأيام بل تعيشين بعدي.
وقوله: (وأعهد) أي: أوصي بالخلافة لأبي بكر.
وقوله: (أن يقول القائلون. . .) إلخ، أي: كراهة ذلك، انتهى.
(١٧ - باب قول المريض: قوموا عني)
أي: إذا وقع من الحاضرين عنده ما يقتضي ذلك، وتقدم حديث الباب في "كتاب العلم" بلفظ: "فقال رسول الله ﷺ : قوموا عني"، وهو المطابق للترجمة، ويؤخذ من هذا الحديث أن الأدب في العيادة أن لا يطيل العائد عند المريض حتى يضجره، وأن لا يتكلم عنده بما يزعجه، وجملة آداب العيادة عشرة أشياء، إلى آخر ما ذكر الحافظ (٣).
стр. 3107
(١٨ - باب من ذهب بالصبي المريض ليدعى له)
وفي رواية الكشميهني: "ليدعو له"، ذكر فيه حديث الجعيد وهو ابن عبد الرحمن والسائب هو ابن يزيد، وقد تقدم الحديث مشروحًا في الترجمة النبوية عند ذكر خاتم النبوة، وستأتي الإشارة إلى خصوص المسح على رأس المريض والدعاء بالبركة في "كتاب الدعوات" إن شاء الله تعالى (١).
(١٩ - باب نهي تمني المريض الموت)
كذا في النسخة "الهندية"، وفي نسخ الشروح الثلاثة: "باب تمني المريض الموت".
قال الحافظ (٢): أي: هل يمنع مطلقًا أو يجوز في حالة؟ ثم ذكر اختلاف النسخ المذكور آنفًا.
وقال القسطلاني (٣) تحت حديث الباب: ولابن حبان: "لا يتمنى أحدكم الموت لضر نزل به في الدنيا" الحديث، فلو كان الضرر أخرويّ (٤) بأن خشي فتنة في دينه لم يدخل في النهي، وقد قال عمر بن الخطاب ﵁ كما في "الموطأ" (٥): "اللَّهم كبرت سني وضعفت قوتي وانتشرت رعيتي فاقبضني إليك غير مضيع ولا مفرط"، وعند أبي داود (٦) من حديث معاذ مرفوعًا: "إذا أردت بقوم فتنة فتوفني إليك غير مفتون"، انتهى.
قوله: (لن يدخل أحدًا عمله الجنة) بسط العلامة السندي (٧) الكلام على
стр. 3108
شرح هذا الحديث، وقال أيضًا: وأما قوله: "فسددوا" فمعناه: فتوسطوا في الأعمال ولا تفرطوا فيها، إذ ليس المدار عليها بل على الفضل، والله أعلم، انتهى.
(٢٠ - باب دعاء العائد للمريض)
أي: بالشفاء ونحوه، وقد استشكل الدعاء للمريض بالشفاء مع ما في المرض من كفارة الذنوب والثواب كما تضافرت الأحاديث بذلك، والجواب أن الدعاء عبادة ولا ينافي الثواب والكفارة لأنهما يحصلان بأول مرض وبالصبر عليه، انتهى من "الفتح" (١).
(٢١ - باب وضوء العائد للمريض)
ولا يخفى أن محله إذا كان العائد بحيث يتبرك المريض به، قاله الحافظ (٢). وكذا في "القسطلاني"، وقال العيني (٣): أي: هذا باب في بيان وضوء العائد عند دخوله على المريض، انتهى.
وقال القسطلاني (٤) تحت حديث الباب: وفيه أن وضوء العائد للمريض إذا كان إمامًا في الخير يتبرك به، وأن صبّه مما يرجى نفعه، وقيل: كان مرض جابر الحمى المأمور بإبرادها بالماء، وصفة ذلك أن يتوضأ الرجل المرجوّ خيره وبركته، ويصبّ فضل وضوئه عليه، قاله ابن بطال وغيره، انتهى.
(٢٢ - باب من دعا برفع الوباء والحمى)
قال عياض: الوباء عموم الأمراض، وقد أطلق بعضهم على الطاعون أنه وباء لأنه من أفراده، لكن ليس كُلّ وباء طاعونًا، وعلى ذلك يحمل قول الداودي لما ذكر الطاعون: الصحيح أنه الوباء، وقال ابن الأثير في "النهاية": الطاعون المرض العام، والوباء الذي يفسد له الهواء فتفسد به
стр. 3109
الأمزجة والأبدان، إلى آخر ما بسط الحافظ (١).
ثم قال: وقد استشكل بعض الناس الدعاء برفع الوباء لأنه يتضمن الدعاء برفع الموت، والموت حتم مقضيّ فيكون ذلك عبثًا، وأجيب بأن ذلك لا ينافي التعبد بالدعاء لأنه قد يكون من جملة الأسباب في طول العمر أو رفع المرض، وقد تواترت الأحاديث بالاستعاذة من الجنون والجذام وسيئ الأسقام، انتهى مختصرًا.
قلت: وما يظهر لهذا العبد الضعيف في الغرض من الترجمة أنه إنما ترجم بذلك لأن لا يتوهم أنه لا ينبغي الدعاء برفع الوباء والحمى، فإنهما من أسباب الشهادة وكفارة السيئات، فإن الطاعون من أسباب الشهادة لقوله ﵊: "المطعون شهيد".
وبسط الكلام على أسباب الشهادة في آخر "كتاب الجنائز" من "الأوجز" (٢)، وكذا في "كتاب الجهاد" منه، وفيه: ذكر الزرقاني منهم صاحب الحمى، انتهى.
ومطابقة الحديث بالترجمة قال القسطلاني (٣): ولم يذكر في هذا الحديث رفع البلاء الذي ترجم به، أجيب بأنه أشار إلى ما وقع في بعض طرقه كما سبق في أواخر الحج بلفظ: قالت عائشة رضي الله تعالى عنها: فقدمنا المدينة وهي أوبأ أرض الله، انتهى.
وأما براعة اختتام الكتاب ففي قوله: "وانقل حماها" عند الحافظ ﵀، وأوضح منه عندي في قوله: "والموت أدنى من شراك نعله" (٤).
* * *
стр. 3110
٧٦ - كتاب الطب
تقدم في مبدأ "كتاب المرضى" اختلاف النسخ، وأن النسفي لم يفرد "كتاب الطب".
قال الحافظ (١): قوله: "كتاب الطب"، وفي نسخة الصغاني: "والأدوية"، والطبّ بكسر المهملة، وحكى ابن السيد تثليثها، والطبيب هو الحاذق بالطبّ، ويقال له أيضًا: طبّ بالفتح والكسر، ومستطب، وامرأة طبّ بالفتح، ونقل أهل اللغة أن الطبّ بالكسر يقال بالاشتراك للمداوي وللتداوي وللداء أيضًا، فهو من الأضداد، ويقال أيضًا للرفق والسحر، ويقال للشهوة، والطبيب الحاذق في كل شيء، وخص به المعالج عرفًا، والطب نوعان: طبّ جسد وهو المراد ههنا، وطبّ قلب، ومعالجته خاصة بما جاء به الرسول ﵊ عن ربه ، وأما طبّ الجسد فمنه ما جاء في المنقول عنه ﷺ ومنه ما جاء عن غيره، وغالبه راجع إلى التجربة، إلى آخر ما بسط.
قال القسطلاني (٢): والطبيب الحاذق في كل شيء، وخص به المعالج في العرف، لكن كره تسميته بذلك لقوله ﷺ : "أنت رفيق والله الطبيب" أي: أنت ترفق بالمريض والله الذي يبرئه ويعافيه، وترجم له أبو نعيم: كراهية أن يسمى الطبيب الله، انتهى.
قلت: يعني: أنه ليس من أسماء الله الحسنى، فلا يقال لله: يا طبيب.
وبسط الشيخ ابن القيم في "زاد المعاد" (٣): في هديه ﷺ في الطب
стр. 3111
الذي تطبب به ﷺ ، وبيَّن ما فيه من الحكمة التي تعجز عقول أكثر الأطباء عن الوصول إليها، إلى آخر ما ذكر في هامش "اللامع" (١) مختصرًا.
وترجم الإمام مالك في "الموطأ": "تعالج المريض"، وذكرت في "الأوجز" (٢) بعض المباحث مما يتعلق بالعلاج والطب وفيه قال السيوطي: والأحاديث المأثورة في علمه ﷺ بالطب لا تحصى، وقد جمع منها دواوين، واختلف في مبدأ هذا العلم على أقوال كثيرة، والمختار أن بعضه علم بالوحي إلى بعض الأنبياء، وسائره بالتجارب؛ لما روى البزار والطبراني عن ابن عباس عن النبي ﷺ : "إن نبي الله سليمان ﵇ كان إذا قام يصلي رأى شجرة ثابتة بين يديه فيقول لها: ما اسمك؟ فتقول: كذا، فيقول: لأي شيء أنت؟ فتقول: لكذا، فإن كانت لدواء كتبت" الحديث، وفيه أيضًا عن النووي: مذهب السلف وعامة الخلف استحباب الدواء خلافًا لمن أنكره فقال: كل شيء بقضاء وقدر فلا حاجة إلى التداوي، انتهى.
وكتب الشيخ في "البذل" في حديث أسامة: "جاء الأعراب فقالوا: يا رسول الله، أنتداوى؟ فقال: تداووا"، الظاهر أن الأمر للإباحة والرخصة، وهو الذي يقتضيه المقام؛ فإن السؤال كان عن الإباحة قطعًا، ويفهم من كلام بعضهم أنه للندب وهو بعيد، نعم قد تداوى رسول الله ﷺ بيانًا للجواز فمن نوى موافقته ﷺ يؤجر على ذلك، كذا في "فتح الودود"، انتهى.
قلت: وبه جزم شيخ مشايخنا الكَنكَوهي في "الكوكب الدري" إذ قال: الأمر أمر إباحة وتخيير، ثم ذكر أنواع التوكل ومراتبه، إلى آخر ما بسط في "الأوجز".
стр. 3112
(١ - باب ما أنزل الله داء إلا أنزل له شفاء)
قال الحافظ (١): كذا للإسماعيلي وابن بطال ومن تبعه، ولم أر لفظ "باب" من نسخ الصحيح إلا للنسفي، انتهى.
قلت: والترجمة لفظ حديث الباب، وأخرج مسلم من حديث جابر مرفوعًا: أنه ﷺ قال: "لكل داء دواء، فإذا أصيب دواء الداء برئ بإذن الله تعالى".
قال النووي (٢): وفي هذا الحديث إشارة إلى استحباب الدواء، وهو مذهب أصحابنا وجمهور السلف وعامة الخلف، وردّ على من أنكر التداوي من غلاة الصوفية، وقال: كل شيء بقضاء وقدر فلا حاجة إلى التداوي، إلى آخر ما ذكر.
(٢ - باب هل يداوي الرجل المرأة)
ههنا ثلاث أسئلة، ولكل منها جواب يستفاد ذلك من كلام الحافظ كما سترى، إذ قال: ليس في سياق حديث الباب تعرض للمداواة إلا أن يدخل في عموم قولها: "نخدمهم"، نعم ورد الحديث المذكور بلفظ: "ونداوي الجرحى ونردّ القتلى"، وقد تقدم كذلك في "باب مداواة النساء الجرحى" من "كتاب الجهاد"، فجرى البخاري على عادته في الإشارة إلى ما ورد في بعض ألفاظ الحديث، ويؤخذ حكم مداواة الرجل المرأة منه بالقياس، وإنما لم يجزم بالحكم لاحتمال أن يكون ذلك قبل الحجاب أو كانت المرأة تصنع ذلك بمن يكون زوجًا لها أو محرمًا، وأما حكم المسألة فتجوز مداواة الأجانب عند الضرورة، وتقدر بقدرها فيما يتعلق بالنظر والجسّ باليد وغير ذلك، انتهى من "الفتح" (٣).
стр. 3113
(٣ - باب الشفاء في ثلاث)
سقطت الترجمة للنسفي، ولفظ "باب" للسرخسي، انتهى من "الفتح" (١).
(فائدة): كتب الشيخ قُدِّس سرُّه في "اللامع" (٢): قوله: "ورواه القمي. . ." إلخ، وهذا القمي غير القمي المعتبر في الروافض، فلا يغرنّ أحدًا قول الرافضة: أن القمي معتبر حتى إنه من رواة البخاري، انتهى.
وفي هامشه: القمي منسوب إلى قم: بلد بعراق العجم، وما له في البخاري سوى هذا الموضع، ورقم عليه الحافظ في "التهذيب": خت والأربعة، وما أفاده الشيخ من أنه ليس من الروافض به جزم شيخنا في "البذل" إذ قال: ليس هو بابن بابويه القمي الرافضي كما زعمه بعض المتأخرين، انتهى.
وهذا ظاهر فإن الرافضي هو ابن بابويه، وراوي البخاري ابن عبد الله بن سعد، وقد ذكره الحافظ في "مقدمة الفتح" في سياق أسماء من طُعِن فيه من رجال البخاري في المعلقات، انتهى ملخصًا.
(٤ - باب الدواء بالعسل وقول الله تعالى: ﴿فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ﴾ [النحل: ٦٩])
كأنه أشار بذكر الآية إلى أن الضمير فيها للعسل وهو قول الجمهور، وزعم بعض أهل التفسير أنه للقرآن.
قال الحافظ (٣): والعسل يذكر ويؤنث، وأسماؤه تزيد على المائة، وفيه منافع كثيرة، ثم بسطها.
قوله: (إن كان في شيء من أدويتكم خير. . .) إلخ، قال السندي ﵀ في
стр. 3114
الحاشية (١): التعليق بهذا الشرط ليس للشك، بل للتحقيق والتأكيد إذ وجود الخير في شيء من الأدوية من المحقق الذي لا يمكن فيه الشك، فالتعليق به يوجب تحقق المعلق به بلا ريب، كأن يقال: إن كان في أحد في العالم خير ففيك، ونحو ذلك، والله تعالى أعلم، انتهى.
(٥ - باب الدواء بألبان الإبل)
أي: في المرض الملائم له، قاله الحافظ (٢).
وعندي أن المصنف ﵀ أشار بهذه الترجمة إلى أن شرب ألبان الإبل كان للتداوي كما أن شرب الأبوال كان للتداوي، فهذه الترجمة كالتوطئة للترجمة الآتية، فليس للذي يحل أبوالها كالمالكية والحنابلة مساغ لإثبات مذهبهم بأن شرب أبوالها كان للإباحة لاستوائه بشرب ألبانها وهو للتغذية، فنبَّه بهذه الترجمة بأن شرب الألبان أيضًا كان للتداوي، فتأمل فإنه لطيف، والله أعلم.
وأجاد البحث في "فيض الباري" (٣): وأبدى احتمال أن التداوي بالأبوال لم يكن بالشرب بل بالنشوق، وحكي عن بعض الأطباء أن رائحة أبوال الإبل نافعة لمرض الاستسقاء، انتهى.
ثم رأيت "الفيض" فإذا هو أيضًا قد أشار إلى نحو هذا.
(٦ - باب الدواء بأبوال الإبل)
ذكر فيه حديث العرنيين، ووقع في خصوص التداوي بأبوال الإبل حديث أخرجه ابن المنذر عن ابن عباس رفعه: "عليكم بأبوال الإبل فإنها نافعة للذّرِبَة بطونَهم" والذربة بفتح المعجمة وكسر الراء جمع ذرب، والذرب بفتحتين: فساد المعدة، انتهى من "الفتح" (٤).
стр. 3115
(٧ - باب الحبة السوداء)
وسيأتي في آخر الحديث: "والحبة السوداء الشونيز"، والشونيز بضم المعجمة وسكون الواو وكسر النون التحتانية بعدها زاي، وروي بفتح الشين، وحكى عياض عن ابن الأعرابي أنه كسرها فأبدل الواو ياء فقال: الشينيز، وتفسير الحبة السوداء بالشونيز لشهرة الشونيز عندهم إذ ذاك، وأما الآن فالأمر بالعكس، وتفسيرها بالشونيز هو الأكثر الأشهر، وهي الكمون الأسود، ويقال له أيضًا: الكمون الهندي، وعن الحسن البصري أنها الخردل، وحكى أبو عبيد الهروي أنها ثمرة البطم بضم الموحدة وسكون المهملة، وقال الجوهري: هو صمغ شجرة تدعى الكمكام، قال القرطبي تفسيرها بالشونيز أولى من وجهين: أحدهما أنه قول الأكثر، والثاني كثرة منافعها بخلاف الخردل والبطم، انتهى من "الفتح" (١).
وفي "فيض الباري" (٢): وقد كتب جالينوس في الشونيز أربعين فائدة، وما لنا ولجالينوس، وإنما هو دواء من ربّنا ينتفع به مَن توكَّل عليه وفوَّض أمره إليه، انتهى.
(٨ - باب التلبينة للمريض)
تقدم تفسير التلبينة بالبسط في "كتاب الأطعمة".
(٩ - باب السعوط)
بمهملتين: ما يجعل في الأنف مما يتداوى به، انتهى من "الفتح" (٣).
(١٠ - باب السعوط بالقسط الهندي والبحري)
قال أبو بكر بن العربي: القسط نوعان: هندي وهو أسود، وبحري وهو أبيض، والهندي أشدهما حرارة، قاله الحافظ (٤).
стр. 3116
(١١ - باب أي ساعة يحتجم)
والمراد بالساعة في الترجمة مطلق الزمان لا خصوص الساعة المتعارفة، وورد في الأوقات اللائقة بالحجامة أحاديث ليس فيها شيء على شرطه، فكأنه أشار إلى أنها تصنع عند الاحتياج، ولا تتقيد بوقت دون وقت؛ لأنه ذكر الاحتجام ليلًا، وذكر حديث ابن عباس: "أن النبي ﷺ احتجم وهو صائم"، وهو يقتضي كون ذلك وقع منه نهارًا.
ثم ذكر الحافظ (١) عدة روايات واردة في تعيين الأوقات والأيام للحجامة من روايات ابن ماجه و"سنن أبي داود" وغيرهما، وقال صاحب "الفيض" (٢) تحت ترجمة الباب: لعل البخاري يشير إلى حديث عند أبي داود، فيه تفصيل الأيام للاحتجام، انتهى.
وتقدم عن الحافظ أن البخاري مال فيه إلى عدم تعيين الزمان.
(١٢ - باب الحجم في السفر)
قال الحافظ (٣): كأنه يشير إلى ما أورده في الباب الذي يليه: "أن النبي ﷺ احتجم في طريق مكة"، وقد تبين في حديث ابن عباس أنه كان حينئذ محرمًا، فانتزعت الترجمة من الحديثين معًا، على أن حديث ابن عباس وحده كاف في ذلك؛ لأن من لازم كونه ﷺ كان محرمًا أن يكون مسافرًا؛ لأنه لم يحرم قط وهو مقيم، انتهى.
(١٣ - باب الحجامة من الداء)
أي: بسبب الداء، قال الموفق البغدادي: الحجامة تنقي سطح البدن أكثر من الفصد، والفصد لأعماق البدن، والحجامة للصبيان، وفي البلاد الحارة أولى من الفصد وآمن غائلة، وقد تُغني عن كثير من الأدوية، إلى
стр. 3117
آخر ما ذكر الحافظ (١).
(١٤ - باب الحجامة على الرأس)
ورد في فضل الحجامة في الرأس حديث ضعيف أخرجه ابن عدي عن ابن عباس رفعه: "الحجامة في الرأس تنفع من سبع: من الجنون، والجذام، والبرص، والنعاس، والصداع، ووجع الضرس، والعين" وقال الأطباء: إن الحجامة في وسط الرأس نافعة جدًّا، وقد ثبت أن النبي ﷺ فعلها، انتهى من "الفتح" (٢).
قلت: وترجم الإمام أبو داود في "سننه (٣): "باب في موضع الحجامة" وأخرج فيه عن أنس: "أن النبي ﷺ احتجم ثلاثًا في الأخدعين والكاهل" قال معمر: احتجمت فذهب عقلي حتى كنت ألقن فاتحة الكتاب في صلاتي، وكان احتجم على هامته، انتهى.
وقال محشيه: كأنه أخطأ الموضع أو المرض، انتهى.
فيمكن أن يكون الإمام البخاري تبادر ذهنه الثاقب إلى هذا الأثر فترجم بذلك.
(١٥ - باب الحجامة من الشقيقة والصداع)
أي: بسببهما، والشقيقة وزن عظيمة: وجع يأخذ في أحد جانبي الرأس أو في مقدمه، وذكر الصداع بعده من العام بعد الخاص، إلى آخر ما بسط الحافظ (٤) من الكلام على أسباب الصداع وغير ذلك.
(١٦ - باب الحلق من الأذى)
أي: حلق شعر الرأس وغيره، وكأنه أورده عقب حديث الحجامة
стр. 3118
وسط الرأس للإشارة إلى أن جواز حلق الشعر للمحرم لأجل الحجامة عند الحاجة إليها يستنبط من جواز حلق جميع الرأس للمحرم عند الحاجة، انتهى من "الفتح" (١).
(١٧ - باب من اكتوى أو كوى غيره وفضل من لم يكتو)
كأنه أراد أن الكيّ جائز للحاجة، وأن الأولى تركه إذا لم يتعين، وأنه إذا جاز كان أعم من أن يباشر الشخص ذلك بنفسه أو بغيره لنفسه أو لغيره، وعموم الجواز مأخوذ من نسبة الشفاء إليه، انتهى من "الفتح" (٢).
قلت: واختلفت الروايات في الكيّ منعًا وجوازًا، وقد ترجم الإمام أبو داود في "سننه (٣): "باب في الكيّ"، وذكر فيه حديثين: أحدهما عن عمران بن حصين ﵁ أنه قال: "نهى النبي ﷺ عن الكيّ فاكتوينا فما أفلحن ولا أنجحن"، وثانيهما حديث جابر: "أن النبي ﷺ كوى سعد بن معاذ من رمية"، واختلفوا في الجمع بينهما والبسط في الشروح.
قال الحافظ (٤): والنهي فيه محمول على الكراهة أو على خلاف الأولى لما يقتضيه مجموع الأحاديث، وقيل: إنه - أي: النهي - خاصّ بعمران؛ لأنه كان به الباسور، وكان موضعه خطرًا، فنهاه عن كيّه.
ثم قال الحافظ: ولم أر في أثر صحيح أن النبي ﷺ اكتوى إلا أن القرطبي نسب إلى "كتاب أدب النفوس" للطبري: أن النبي ﷺ اكتوى، وذكره الحليمي بلفظ: روي أنه اكتوى للجرح الذي أصابه بأُحد، قلت: والثابت في الصحيح كما تقدم في غزوة أُحد أن فاطمة أحرقت حصيرًا فحشت به جرحه، وليس هذا الكيّ المعهود، وجزم ابن التِّين بأنه اكتوى، وعكسه ابن القيم في "الهدي"، انتهى.
стр. 3119
(١٨ - باب الإثمد والكحل من الرمد)
أي: بسبب الرمد، والإثمد بكسر الهمزة والميم بينهما ثاء مثلثة ساكنة، وحكي فيه ضم الهمزة: حجر معروف أسود يضرب إلى الحمرة يكون في بلاد الحجاز، وأجوده يؤتى به من أصبهان، والرمد بفتح الراء والميم: ورم حار يعرض في الطبقة الملتحمة من العين، وهو بياضها الظاهر، وسببه انصباب أحد الأخلاط أو أبخرة تصعد من المعدة إلى الدماغ، فإن اندفع إلى الخياشيم أحدث الزكام، أو إلى العين أحدث الرمد، أو إلى اللهاة والمنخرين أحدث الخنان بالخاء المعجمة والنون، أو إلى الصدر أحدث النزلة، إلى آخر ما ذكر الحافظ (١).
قوله: (فيه عن أم عطية) يشير إلى حديث أم عطية مرفوعًا، وقد تقدم في أبواب العدة، لكن لم أر في شيء من طرقه ذكر الإثمد، فكأنه ذكره لكون العرب غالبًا إنما تكتحل به، وقد ورد التنصيص عليه في حديث ابن عباس رفعه: "اكتحلوا بالإثمد فإنه يجلو البصر وينبت الشعر" أخرجه الترمذي وحسّنه، انتهى من "الفتح" (٢).
(١٩ - باب الجذام)
بضم الجيم وتخفيف المعجمة: هو علة رديئة تحدث من انتشار المِرَّة السوداء في البدن كله فتفسد مزاج الأعضاء، انتهى.
ثم إنه يشكل ههنا أن حق هذه الترجمة أن تذكر في "كتاب المرضى" السابق لا في "كتاب الطب"، ولم يتعرض لهذا الإشكال أحد من الشرَّاح، ويمكن التفصي عنه أن الإمام البخاري إنما ذكره ههنا لقوله ﷺ كما في حديث الباب: "فرّ من المجذوم. . ." إلخ، وإرشاده ﷺ هذا من قبيل الحِمْيَة التي تناسب "كتاب الطب"، لا يقال: إنه سيأتي في هذا الكتاب
стр. 3120
بعض الأبواب المتعلقة بالأمراض؛ فإن للتوجيه فيها مساغًا كما لا يخفى، ويشكل على الحديث أيضًا أن ظاهره يخالف قوله ﷺ : "لا عدوى. . ." إلخ، واختلف العلماء في الجمع بينهما كما بسط عليه الكلام الحافظ أشدَّ البسط، وكذا في "الأوجز"، ولخَّص في هامش "اللامع" من "الأوجز"، وفي آخره: فهذه ستة مسالك في الجمع بين تلك الأحاديث والاثنان في الترجيح، فصار المجموع ثمانية أقوال (١)، انتهى.
قلت: وسيأتي قريبًا "باب لا عدوى" ونذكر الكلام على دفع التعارض بين الروايات هناك.
(٢٠ - باب المنّ شفاء للعين)
قال الحافظ (٢): في هذه الترجمة إشارة إلى ترجيح القول السائر إلى أن المراد بالمنّ في حديث الباب الصنف المخصوص من المأكول لا المصدر الذي بمعنى الامتنان، وإنما أطلق على المنّ شفاء؛ لأن الخبر ورد أن الكمأة منه وفيها شفاء، فإذا ثبت الوصف للفرع كان ثبوته للأصل أولى، انتهى. وبسط الكلام في شرح حديث الباب.
(٢١ - باب اللدود)
بفتح اللام وبمهملتين: هو الدواء الذي يصبّ في أحد جانبي فم المريض، واللدود بالضم: الفعل، ولددت المريض: فعلت ذلك به، وتقدم في "باب وفاة النبي ﷺ " بيان مما لدوه ﷺ به، قال الحافظ (٣).
قلت: واللدود في إباحته كالسعوط كلاهما من الأدوية المباحة، وإنما أنكر النبي ﷺ عليه؛ لأنه كان غير ملائم لدائه؛ لأنهم ظنوا أن به ذات الجنب فداووه بما يلائمها ولم يكن به ذلك.
стр. 3121
(٢٢ - باب)
بغير ترجمة، قال العلامة العيني (١): كذا وقع "باب" مجردًا عن الترجمة، ولم يذكر ابن بطال لفظ "باب"، وأدخل الحديث في الباب الذي قبله، انتهى.
قال الحافظ (٢): وقد استشكل ابن بطال مناسبة حديث هذا الباب للترجمة الذي قبله بعد أن تقرر أن الباب إذا كان بلا ترجمة يكون كالفصل من الذي قبله، وأجاب باحتمال أن يكون أشار إلى أن الذي يفعل بالمريض بأمره لا يلزم فاعل ذلك لوم ولا قصاص؛ لأنه ﷺ لم يأمر بصبّ الماء على كل من حضره بخلاف ما نهى عنه أن لا يفعل به؛ لأن فعله جناية عليه فيكون فيه القصاص.
قلت: ولا يخفى بعده، ويمكن أن يقرب بأن يقال أولًا: إنه أشار إلى أن الحديث عن عائشة في مرض النبي ﷺ وما اتفق له فيه واحد، ذكره بعض الرواة تامًا، واقتصر بعضهم على بعضه، وقصة اللدود كانت عند ما أغمي عليه وكذلك قصة السبع قرب، لكن اللدود كان نهى عنه، ولذلك عاتب عليه بخلاف الصبّ فإنه كان أمر به فلم ينكر عليهم، فيؤخذ منه أن المريض إذا كان عارفًا لا يكره على تناول شيء ينهى عنه ولا يمنع من شيء يأمر به، انتهى.
وقال العيني (٣) بعد ذكر الإشكال: وأجيب بجواب فيه تعسف، وهو أنه يحتمل أن يكون بينه وبين الحديث السابق نوع تضادٍ؛ لأن في الأول فعلوا ما لم يأمر به النبي ﷺ فحصل عليهم الإنكار واللوم بذلك، وفي هذا فعلوا بما أمر به وهو ضدّ ذلك في المعنى، والأشياء تتبين بضدها، انتهى.
وسكت العلامة القسطلاني عن هذا البحث.
стр. 3122
والأوجه عندي: أن يقال: إن مَنْعَه ﷺ عن اللدود كان خاصًا لنفسه الشريف إذ لو كان عامًّا لم يأمر بلدودهم.
(٢٣ - باب العذرة)
بضم المهملة وسكون الذال المعجمة: هو وجع الحلق وهو الذي يسمى سقوط اللهاة، وقيل: هو اسم اللهاة والمراد وجعها سمي باسمها، وقيل: هو موضع قريب من اللهاة، واللهاة بفتح اللام: اللحمة التي في أقصى الحلق، قاله الحافظ (١).
(٢٤ - باب دواء المبطون)
المراد بالمبطون من اشتكى بطنه لإفراط الإسهال، وأسباب ذلك متعددة، انتهى من "الفتح" (٢).
قوله: (كذب بطن أخيك) كتب الشيخ قُدِّس سرُّه في "اللامع" (٣): فيه مجاز والجامع الدلالة، والمقصود أنه ينتفع ويخبرك أنه يستضر فكان كذبًا حيث أظهر ما أبطن خلافه، وأراك خلاف الواقع، انتهى.
وأوضح منه ما أفاده الشيخ قُدِّس سرُّه في "الكوكب الدري" (٤) كما ذكر في هامش "اللامع"، وكذا ذكر فيه من كلام الشرَّاح، فارجع إليه لو شئت.
(٢٥ - باب لا صفر وهو داء يأخذ البطن)
وهذا اختيار البخاري، وقيل: هو النسيء، أي: تأخير المحرم إلى صفر، وقيل: هو حية في البطن أعدى من الجرب، وقيل: هو الشؤم الذي كانوا يتشاءمون بدخول شهر صفر، كذا في الحاشية عن الكرماني (٥).
стр. 3123
قال الحافظ (١): وترجح عند البخاري ما قال لكونه قرن الحديث بالعدوى، إلى آخر ما بسط في تفسيره.
وفي "القسطلاني" (٢): قوله: "وهو داء يأخذ البطن" زاد في "القاموس": يصفر الوجه، انتهى.
(٢٦ - باب ذات الجنب)
قال العلامة القسطلاني (٣): أي: ذكر دواء داء، هو ذات الجنب الحادث في نواح الجنب من رياح غليظة تحتقن بين الصفاقات والعضل الذي في الصدر والأضلاع، انتهى.
وقال أيضًا في شرح قوله: "منها ذات الجنب" إلخ،: أي: صاحبة الجنب، ومعناه باليونانية "ورم الجنب"، وهو من الأمراض الخطرة؛ لأنه يحدث بين القلب والكبد، وهو من سيئ الأسقام، وينقسم قسمين: حقيقي وغير حقيقي، إلى آخر ما بسط.
(٢٧ - باب حرق الحصير ليسدّ به الدم)
قال الحافظ (٤): قوله: "حرق الحصير" كذا لهم، وأنكره ابن التِّين فقال: والصواب "إحراق الحصير" لأنه من أحرق أو تحريق من حرّق، قال: فأما الحرق فهو: حرق الشيء يؤذيه، قلت: لكن له توجيه، انتهى.
قلت: وفي "مختار الصحاح" (٥): الحرق بفتحتين: النار، وأحرقه بالنار وحرّقه شُدِّد للكثرة، وتحرق الشيء بالنار واحترق، ثم قال: وحَرَقَ الشيءَ بالتخفيف بَرَدَه وحكّ بعضه ببعض، انتهى.
وهذا يخالف ما ذكره البخاري من قوله: "حرق الحصير" لكن قال في
стр. 3124
"القاموس" (١): وحَرَقَه بالنار يَحْرِقُه، وأحرقه، وحرّقه بمعنى، انتهى، وهذا يوافق البخاري.
وقال الحافظ (٢): وقوله: "ليسد به الدم" أي: مجاري الدم، أو ضمّن سدّ معنى قطع، وهو الوجه، وكأنه أشار إلى أن هذا ليس من إضاعة المال؛ لأنه إنما يفعل للضرورة المبيحة، قال ابن بطال: زعم أهل الطبّ أن الحصير كلها إذا أحرقت تبطل زيادة الدم، بل الرماد كله كذلك؛ لأن الرماد من شأنه القبض، ولهذا ترجم الترمذي لهذا الحديث "التداوي بالرماد" انتهى.
(٢٨ - باب الحمى من فيح جهنم)
قال الحافظ (٣): وسيأتي في آخر الباب "من فوح" بالواو، وتقدم في صفة النار بلفظ "فور" بالراء بدل الحاء وكلها بمعنى، والمراد سطوع حرّها ووهجه، والحمى أنواع، واختلف في نسبتها إلى جهنم فقيل: حقيقة، واللهب الحاصل في جسم المحموم قطعة من جهنم، وقدر الله ظهورها بأسباب تقتضيها ليعتبر العباد بذلك، كما أن أنواع الفرح واللذة من نعيم الجنّة أظهرها في هذه الدار عبرة ودلالة، وقيل: بل الخبر ورد مورد التشبيه، والمعنى أن حرَّ الحمى شبيه بحرِّ جهنم تنبيهًا للنفوس على شدة حرّ النار، والأول أولى، والله أعلم.
ثم بسط الحافظ الكلام على شرح قوله: "فأطفئوها بالماء"، وكذا بسط الكلام عليه في "الأوجز" (٤)، وذكر أيضًا مختصرًا في هامش "اللامع".
وقال العلامة السندي (٥): قوله: "فأطفئوها بالماء. . ." إلخ، للحديث
стр. 3125
تأويلات كثيرة أشار المصنف إلى بعضها بحديث أسماء المذكور بعد ذلك، وقد سبق في الكتاب إشارة إلى أن المراد بـ[الماء] ماءُ زمزم، ومما يحتمله الحديث أن يكون كناية عن تغطية المحموم، والسعي في خروج العرق منه بما أمكن على أن المراد بالماء العرق المعلوم أنه يبرد الحمى، ويحتمل أن يكون كناية عن الاشتغال بما يستحق به المحموم الرحمة من التصدق وغيره من أعمال البر على أن المراد بالماء ماء الرحمة المعارض لنار جهنم، انتهى مختصرًا.
وقد وقع في سالف الزمان في بلدة ميرته وباء الحمى، وقد ضاع به رجال كثير، فعمل مولانا محمد قاسم النانوتوي نوَّر الله مرقده بهذا العلاج الغسل، فاشتفى به سبعمائة نفر، ولله در مشايخنا ﵏ ورضي عنهم، ومما يجب التنبيه عليه أن العبرة في أمثال هذه الأمور لقوة الإيمان وشدة الاعتقاد كما لا يخفى.
(٢٩ - باب من خرج من أرض لا تلائمه)
من الملائمة بالمدّ، أي: الموافقة وزنًا ومعنىً، وكأنه أشار إلى أن الحديث الذي أورده بعده في النهي عن الخروج من الأرض التي وقع فيها الطاعون ليس على عمومه، وإنما هو مخصوص بمن خرج فرارًا منه، انتهى من "الفتح" (١).
قلت: ويناسب هذا الباب ما أخرجه أبو داود بسنده عن فروة بن مسيك ﵁، قال "قلت: يا رسول الله، أرض عندنا يقال لها أرض أبين هي أرض ريفنا وميرتنا وأنها وبيئة، أو قال: وباؤها شديد، فقال النبي ﷺ : دعها عنك فإن من القرف التلف"، انتهى (٢).
قال الخطابي: ليس هذا من باب الطيرة والعدوى، وإنما هذا من باب
стр. 3126
الطبّ؛ لأن استصلاح الهواء من أعون الأشياء على صحة الأبدان، وفساد الهواء من أضرها وأسرعها إلى أسقام البدن عند الأطباء، وكل ذلك بإذن الله تعالى ومشيئته، ولا حول ولا قوة إلا بالله، انتهى.
(٣٠ - باب ما يذكر في الطاعون)
أي: مما يصح على شرطه، والطاعون بوزن فاعول من الطعن، عدلوا به عن أصله ووضعوه دالًّا على الموت العام كالوباء، ويقال: طعن فهو مطعون وطعين إذ أصابه الطاعون، وإذا أصابه الطعن بالرمح فهو مطعون، هذا كلام الجوهري، إلى آخر ما بسط الحافظ من كلام أهل اللغة والفقه والأطباء في تعريفه، واختار الحافظ أن الطاعون يغاير الوباء، فارجع إليه لو شئت (١).
(٣١ - باب أجر الصابر في الطاعون)
وفي نسخة الحافظ: "على الطاعون"، وقال (٢): أي: سواء وقع به أو وقع في بلد هو مقيم بها، انتهى.
وقال العلَّامة القسطلاني (٣) في شرح الترجمة: أي: ذكر أجر الصابر في الطاعون ولو لم يصبه، ثم قال في شرح قوله: "فجعله الله رحمة للمؤمنين": من هذه الأمة، وزاد في حديث أبي عسيب عند أحمد: "ورجس على الكافر"، وهل يكون الطاعون رحمة وشهادة للعاصي من هذه الأمة أو يختص بالمؤمن الكامل؟ والمراد بالعاصي مرتكب الكبيرة الذي يهجم عليه الطاعون وهو مصرّ، فإنه يحتمل أن لا يلحق بدرجة الشهداء لقوله تعالى: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ [الجاثية: ٢١].
стр. 3127
وفي حديث ابن عمر عند ابن ماجه: "لم تظهر الفاحشة في قوم حتى يعلنوا بها إلا فشا فيهم الطاعون والأوجاع"، قال في "الفتح": فدل هذا وغيره مما روي معناه أن الطاعون قد يقع عقوبة بسبب المعصية فكيف يكون شهادة، نعم يحتمل أن تحصل له درجة الشهادة لعموم الأحاديث في ذلك، ولا يلزم المساواة بين الكامل والناقص في المنزلة؛ لأن درجات الشهادة متفاوتة، انتهى ملخصًا من "الفتح"، كذا في "القسطلاني"، وقد تقدم في مبدأ "كتاب المرضى" أن الثواب في المرض لا يتوقف على الصبر، نعم يحصل به مضاعفة الأجر.
(٣٢ - باب الرقى بالقرآن والمعوذات)
الرقى بضم الراء وفتح القاف مقصورًا: جمع رقية بسكون القاف، أي: التعويذ، والمعوذات بكسر الواو المشددة: الفلق والناس والإخلاص من باب تسمية التغليب، أو المراد: المعوذتان وسائر العوذ كـ ﴿وقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ﴾ [المؤمنون: ٩٧]، أو جمع اعتبارًا بأن أقل الجمع اثنان، وإنما اجتزأ بهما لما اشتملتا عليه من جوامع الاستعاذة من المكروهات جملةً وتفصيلًا من السحر والحسد وشرّ الشيطان ووسوسته وغير ذلك، انتهى من "القسطلاني" (١).
وفي "الفيض" (٢): "باب الرقى. . ." إلخ، وترجمته فيما وافقت الشرع "دم" وفيما خالفته "منتر"، انتهى.
(٣٣ - باب الرقى بفاتحة الكتاب)
ذكر فيه حديث أبي سعيد، وقد تقدم في "كتاب الإجارة" في "باب ما يعطى في الرقية بفاتحة الكتاب".
قال الحافظ (٣): قال ابن القيم: إذا ثبت أن لبعض الكلام خواص
стр. 3128
ومنافع فما الظن بكلام ربِّ العالمين، ثم بالفاتحة التي لم ينزل في القرآن ولا في غيره من الكتب مثلها لتضمنها جميع معاني الكتاب إلى أن قال: وحقيق بسورة هذا بعض شأنها أن يستشفى بها من كل داء، والله أعلم، انتهى.
(٣٤ - باب الشرط في الرقية بقطيع من الغنم)
أراد إثبات جواز أخذ الأجرة في الرقية، وهو جائز عند الأئمة الأربعة، وإنما اختلفوا في أخذ الأجر على تعليم القرآن، كما تقدم الاختلاف في ذلك في "كتاب الإجارة".
(٣٥ - باب رقية العين)
أي: رقية الذي يصاب بالعين، تقول: عنت الرجل: أصبته بعينك، فهو معين ومعيون، ورجل عائن ومعيان وعيون، انتهى من "الفتح" (١).
وقال العيني (٢) في شرح الترجمة: وليس المراد به الرمد، بل الإضرار بالعين والإصابة بها، كما يتعجب الشخص من الشيء بما يراه بعينه فيتضرر ذلك الشيء من نظره.
وقال النووي: أنكرت طائفة العين قالوا: لا أثر لها، والدليل على فساد قولهم أنه أمر ممكن، والصادق أخبر بذلك فلا يجوز ردُّه، انتهى.
وبسط الحافظ الكلام على حقيقة الإصابة بالعين (٣).
(٣٦ - باب العين حق)
أي: الإصابة بها من جملة ما تحقق من كونه لها تأثير في النفوس، قاله القسطلاني (٤).
стр. 3129
وقال أيضًا تحت حديث الباب: وفي الحديث ردّ على طائفة من المبتدعة حيث أنكروا إصابة العين كما تقدم في الباب السابق، ثم قال: واختلف في القصاص فقال القرطبي: لو أتلف العائن شيئًا ضمنه، ولو قتل فعليه القصاص أو الدية إذا تكرر ذلك منه بحيث يصير عادة كالساحر عند من لا يقتله كفرًا، وقال الشافعي: لا قصاص ولا دية ولا كفارة، إلى آخر ما ذكر.
(٣٧ - باب رقية الحية والعقرب)
أي: مشروعية ذلك، وأشار بالترجمة إلى ما ورد في بعض طرق حديث الباب على ما سأذكره. ثم قال تحت حديث الباب: ووقع في رواية أبي الأحوص عن الشيباني بسنده: "رخص في الرقية من الحية والعقرب"، انتهى من "الفتح" (١).
وقال العلَّامة العيني (٢) بعد حديث الباب: مطابقته للترجمة تؤخذ من قوله: "الرقية من كل ذي حمة" لأن الحمة كل شيء يلدغ أو يلسع، قاله الخطابي، وقيل: هي شوكة العقرب، انتهى.
(٣٨ - باب رقية النبي ﷺ -)
أي: التي كان يرقي بها، قاله الحافظ (٣).
قلت: لعله أشار به إلى أولوية الأخذ في الرقى بالمأثور من الأدعية.
(٣٩ - باب النفث في الرقية)
بفتح النون وسكون الفاء بعدها مثلثة، في هذه الترجمة إشارة إلى الردّ على من كره النفث مطلقًا كالأسود بن يزيد أحد التابعين تمسّكًا
стр. 3130
بقوله تعالى: ﴿وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ﴾ [الفلق: ٤] وعلى من كره النفث عند قراءة القرآن خاصة كإبراهيم النخعي، أخرج ذلك ابن أبي شيبة وغيره، فأما الأسود فلا حجة له في ذلك؛ لأن المذموم ما كان من نفث السحرة وأهل الباطل، ولا يلزم منه ذمّ النفث مطلقًا، ولا سيما بعد ثبوته في الأحاديث الصحيحة، إلى آخر ما ذكر الحافظ (١).
وكتب الشيخ قُدِّس سرُّه في "اللامع" (٢): إثبات الترجمة بالرواية مبنيّ على نوع مقايسة وتعدية للحكم لوجود علته، والله أعلم، انتهى.
وبهذا جزم العلامة العيني، وتعقب على الحافظ كما ذكر في هامش "اللامع" فارجع إليه.
(٤٠ - باب مسح الراقي في الوجع بيده اليمنى)
لعله دفع بهذه الترجمة ما يتوهم من النفث كون اليسار أولى به وإن لم يكن في حديث الباب ذكر النفث.
(٤١ - باب المرأة ترقي الرجل)
مطابقة الحديث بالترجمة واضحة، وإنما ترجم المصنف بهذا الباب لكون الرقية متضمنة للنفث كما تقدم في الأبواب السابقة، والنفث يوجد فيه شيء من الريق البتة، وأيضًا لا يوجد بين الراقي والمرقي عادةً الحجاب، ولا إشكال في حديث الباب لكون الراقية من أزواجه، والإشكال إنما هو إذا كانت المرأة الراقية أجنبية، فإن ريقها مما يجتنب عنه، والله أعلم. ولم يتعرض لذلك أحد من الشرَّاح.
стр. 3131
(٤٢ - باب من لم يرق)
هو بفتح أوله وكسر القاف مبنيًّا للفاعل، وبضم أوله وفتح القاف مبنيًّا للمفعول، انتهى من "الفتح" (١).
قلت: وكأن المصنف أشار إلى كونه - أي: ترك الرقية - من أعلى مراتب التوكل، أو الغرض بيان مستدل من لم ير الرقية وكرهها.
وقال العلامة القسطلاني (٢) في شرح حديث الباب: قال ابن الأثير: وهذا من صفة الأولياء المعرضين عن الدنيا وأسبابها وعلائقها وهم خواص الأولياء، ولا يرد على هذا وقوع ذلك من النبي ﷺ فعلًا وأمرًا؛ لأنه كان في أعلى مقامات العرفان ودرجات التوكل، وكان ذلك منه للتشريع وبيان الجواز، ولا ينقص ذلك من توكله؛ لأنه كان كامل التوكل يقينًا، فلا يؤثر فيه تعاطي الأسباب شيئًا بخلاف غيره، انتهى.
(٤٣ - باب الطيرة)
بكسر المهملة وفتح التحتانية وقد تسكن: هي التشاؤم، وهو مصدر تطير مثل تحير حيرة، وأصل التطير أنهم كانوا في الجاهلية يعتمدون على الطير، فإذا خرج أحدهم لأمر فإن رأى الطير طار يمنة تيمن به واستمر، وإن رآه طار يسرة تشاءم به ورجع، وربما كان أحدهم يهيج الطير ليطير فيعتمدها، فجاء الشرع بالنهي عن ذلك، وكانوا يسمونه السانح بمهملة ثم نون ثم حاء مهملة، والبارح بموحدة وآخره مهملة، وكانوا يتيمنون بالسانح ويتشائمون بالبارح، انتهى من "الفتح" (٣) مختصرًا.
وفيه أيضًا (٤): أخرج عبد الرزاق حديثًا مرفوعًا: "ثلاثة لا يسلم منهن أحد: الطيرة والظن والحسد، فإذا تطيرت فلا ترجع، وإذا حسدت فلا تبغ،
стр. 3132
وإذا ظننت فلا تحقق"، وأخرج البيهقي في "الشعب" من حديث عبد الله بن عمرو موقوفًا: "من عرض له من هذه الطيرة شيء فليقل: اللَّهم لا طير إلا طيرك، ولا خير إلا خيرك، ولا إله غيرك"، انتهى.
(٤٤ - باب الفأل)
بفاء ثم همزة وقد تسهل، والجمع فؤول بالهمزة جزمًا، وفي حديث عروة بن عامر الذي أخرجه أبو داود قال: "ذكرت الطيرة عند رسول الله ﷺ فقال: خيرها الفأل ولا ترد مسلمًا، فإذا رأى أحدكم ما يكره فليقل: اللَّهم لا يأتي بالحسنات إلا أنت، ولا يدفع السيئات إلا أنت، ولا حول ولا قوة إلا بالله".
وقوله: "وخيرها الفأل" قال الكرماني تبعًا لغيره: هذه الإضافة تشعر بأن الفأل من جملة الطيرة وليس كذلك، بل هي إضافة توضيح إلى آخر ما ذكر في الفرق بين الفأل والطيرة وغير ذلك، انتهى من "الفتح" (١).
(٤٥ - باب لا هامة)
وسيعيد المصنف هذه الترجمة قريبًا، وسيأتي هناك إن شاء الله وجه الفرق بين الترجمتين.
(٤٦ - باب الكهانة)
بفتح الكاف ويجوز كسرها ادّعاء علم الغيب كالإخبار بما سيقع في الأرض مع الاستناد إلى سبب، قال الخطابي: الكهنة قوم لهم أذهان حادّة ونفوس شريرة وطباع نارية فألفتهم الشياطين لما بينهم من التناسب في هذه الأمور وساعدتهم بكل ما تصل قدرتهم إليه، وكانت الكهانة في الجاهلية فاشية، خصوصًا في العرب لانقطاع النبوة فيهم، وهي أصناف، إلى آخر
стр. 3133
ما بسط في "الفتح" (١).
(٤٧ - باب السحر وقول الله تعالى: ﴿وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا. . .﴾ [البقرة: ١٠٢]) إلخ
والسحر بكسر السين وسكون الحاء المهملتين، وأما السحر بمعنى الصبح فبفتحتين، قال تعالى: ﴿إلا آلَ لُوطٍ نَجَّيْنَاهُمْ بِسَحَرٍ﴾ [القمر: ٣٤]، وفي "مختار الصحاح" (٢): السحر بالفتح وجمعه سحور كفلس وفلوس، وقد يحرك في مكان حرف الحلق، انتهى.
وقال القسطلاني (٣): والسحر أمر خارق للعادة صادر عن نفس شريرة لا تتعذر معارضته، واختلف هل له حقيقة أم لا؟ والصحيح وهو الذي عليه الجمهور أن له حقيقة، وعلى هذا فهل له تأثير فقط بحيث يغير المزاج فيكون نوعًا من الأمراض أو ينتهي إلى الإحالة بحيث يصير الجماد حيوانًا مثلًا وعكسه؟ فالذي عليه الجمهور هو الأول، وفرقوا بين المعجزة والكرامة والسحر بأن السحر يكون بمعاناة أحوال وأفعال حتى يتم للساحر ما يريد، والكرامة لا تحتاج إلى ذلك، بل إنما تقع غالبًا اتفاقًا، وأما المعجزة فتمتاز عن الكرامة بالتحدي، وقال القرطبي: الحق أن لبعض أصناف السحر تأثيرًا في القلوب كالحبّ والبغض وإلقاء الخير والشر، وفي الأبدان بالألم والسقم، وإنما المنكر أن الجماد ينقلب حيوانًا أو عكسه بسحر الساحر، انتهى من "القسطلاني".
وقال الحافظ (٤): قال الراغب وغيره: السحر يطلق على معان، ثم ذكر عدة معان ثم قال: واختلف في السحر فقيل: هو تخييل فقط ولا حقيقة له، وهذا اختيار أبي جعفر الأستراباذي من الشافعية وأبي بكر الرازي من الحنفية وابن حزم الظاهري وطائفة.
стр. 3134
قال النووي: والصحيح أن له حقيقة، وبه قطع الجمهور، وعليه عامة العلماء، ويدل عليه الكتاب والسُّنَّة الصحيحة المشهورة، انتهى.
لكن محل النزاع هل يقع بالسحر انقلاب عين أو لا؟ إلى آخر ما تقدم في كلام القسطلاني.
قال الحافظ: ونقل الخطابي أن قومًا أنكروا السحر مطلقًا، وكأنه عنى القائلين بأنه تخييل فقط، وإلا فهي مكابرة، وقال في الفرق بين السحر وبين غيره: ونقل إمام الحرمين الإجماع على أن السحر لا يظهر إلا من فاسق وأن الكرامة لا تظهر على فاسق، انتهى.
وفي "الفيض" (١) في الفرق بين المعجزة والسحر: أن السحر يحتاج إلى بقاء توجه نفس الساحر والتفاته إليه وتعلق عزيمته به، فإذا غفل عنه بطل أثره، بخلاف المعجزة فإنها أغنى عنه، وهذا لا ينافي بقاء بعض آثاره كالمرض والصحة، وإنما أريد به بطلانه حيث تأثيره في انقلاب الماهية، كجعل الدراهم دنانير، فتلك الدراهم لا تزال تخيل دنانير ما دام توجهه باقيًا إليها، فإذا انقطع تعود في المنظر كما كانت، ولذا تراهم يحتاجون إلى تجديد سحرهم في الأيام الخاصة ليقوى أثره، انتهى.
وبسط الكلام على حقيقة السحر في "الأوجز" (٢) تحت قول كعب الأحبار: لولا كلمات أقولهن لجعلتني اليهود حمارًا.
وأما حكم السحر تعليمًا وتعلمًا فقال الحافظ (٣): في المسألة اختلاف كثير وتفاصيل ليس هذا موضع بسطها، وقد أجاز بعض العلماء تعلم السحر لأحد أمرين: إما لتمييز ما فيه كفر من غيره، وإما لإزالته عمن وقع فيه، فالأول فلا محظور فيه إلا من جهة الاعتقاد، فإذا سلم الاعتقاد فمعرفة الشيء بمجرده لا تستلزم منعًا، كمن يعرف كيفية عبادة أهل الأوثان
стр. 3135
للأوثان؛ لأن كيفية ما يعمله الساحر إنما هي حكاية قول أو فعل بخلاف تعاطيه، والعمل به، وأما الثاني فإن كان لا يتم كما زعم بعضهم إلا بنوع من أنواع الكفر أو الفسق فلا يحلّ أصلًا، وإلا جاز للمعنى المذكور، وهذا فصل الخطاب في هذه المسألة، وفي إيراد المصنف هذه الآية إشارة إلى اختيار الحكم بكفر الساحر، انتهى.
قلت: ويؤيده الباب الآتي، فقد قرن فيه بين الشرك والسحر، وسيأتي حكم الساحر بعد بابين.
قوله: (لكنه دعا ودعا. . .) إلخ، في هامش المصرية عن "شيخ الإسلام" (١): أي: لكنه لم يكن مشتغلًا بي بل بالدعاء، والمستدرك منه قوله: "وهو عندي" أو قوله: "كان يخيل إليه" أي: كان السحر أضرّ في بدنه لا في عقله وفهمه بحيث إنه توجه إلى الله ودعا، انتهى.
وكذا أفاد صاحب "الفيض" (٢): تحت قوله: "حتى كان يرى أنه يأتي النساء ولا يأتيهن. . ." إلخ، كما سيأتي في " باب هل يستخرج السحر "، فاحفظ هذا اللفظ، فإنه صريح في أن السحر كان في أمور النساء، ولم يكن له تعلق بأمور الشرع، وفي أكثر الألفاظ إيهام كما في الرواية الآتية، ففيها أنه فعل الشيء وما فعله، فسبق إلى بعضهم الإطلاقُ نظرًا إلى اللفظ، فجعل يؤوله حتى إن أبا بكر الجصاص أنكر هذا الحديث رأسًا، انتهى.
(٤٨ - باب الشرك والسحر من الموبقات)
أي: المهلكات.
(٤٩ - باب هل يستخرج السحر؟)
أي: من الموضع الذي وضع فيه، كذا في "القسطلاني" (٣).
стр. 3136
قال صاحب "الفيض" (١): واعلم أن في نقض الهيئة التركيبية للسحر أثرًا في إبطاله، انتهى.
وقال الحافظ (٢): كذا أورد الترجمة بالاستفهام إشارة إلى الاختلاف، وصدَّر بما نقله عن ابن المسيب من الجواز إشارة إلى ترجيحه، انتهى.
قوله: (طبّ) بكسر الطاء المهملة وتشديد الموحدة: سحر، "أو" بإسكان الواو، "يؤخذ" بفتح الهمزة والخاء المعجمة المشددة، أي: يحبس، "عن امرأته" فلا يصل إلى جماعها، و "الأخذة" بضم الهمزة: هي الكلام الذي يقوله الساحر، وقيل: هي خرزة يرقى عليها، أو هي الرقية نفسها، "أيحل عنه" بهمزة الاستفهام وضم التحتية وفتح الهاء وتشديد اللام، "أو ينشر" بضم التحتية وسكون النون، وضبط بفتح النون وتشديد المعجمة من النشرة، وهي ضرب من العلاج يعالج به من يظن أن به سحرًا أو شيئًا من الجن.
قال الكرماني: وكلمة "أو" يحتمل أن تكون شكًّا أو نوعًا شبيهًا باللفّ والنشر بأن يكون الحلّ في مقابلة الطبّ، والتنشير في مقابلة التأخيذ، انتهى من كلام القسطلاني (٣).
وقال الحافظ (٤): ويؤيد مشروعية النشرة ما تقدم في حديث "العين حق" في قصة اغتسال العائن، وممن صرّح بجواز النشرة المزني صاحب الشافعي وأبو جعفر الطبري وغيرهما، ثم وقفت على صفة النشرة في "كتاب الطبّ النبويّ" لجعفر المستغفري، وفيه: وأما النشرة فإنه يجمع أيام الربيع ما قدر عليه من ورد المفازة وورد البساتين، ثم يلقيهما في إناء نظيف، ويجعل فيهما ماء عذبًا، ثم يغلي ذلك الورد في الماء غليًا يسيرًا، ثم يمهل حتى إذا فتر الماء أفاضه عليه، فإنه يبرأ بإذن الله تعالى، انتهى.
стр. 3137
ثم قال الحافظ (١) في شرح قوله: "حتى استخرجه. . ." إلخ، كذا وقع في رواية ابن عيينة، وفي رواية عيسى بن يونس: "قلت: يا رسول الله أفلا استخرجته"، وفي رواية وهيب: "قلت: يا رسول الله، فأخرجه للناس"، وفي رواية ابن نمير: "أفلا أخرجته؟ قال: لا"، وكذا في رواية أبي أسامة التي بعد هذا الباب، قال ابن بطال: ذكر المهلب: أن الرواة اختلفوا على هشام في إخراج السحر المذكور، فأثبته سفيان، وجعل سؤال عائشة عن النشرة، ونفاه عيسى بن يونس، وجعل سؤالها عن الاستخراج ولم يذكر الجواب، وصرَّح به أبو أسامة، قال: والنظر يقتضي ترجيح رواية سفيان لتقدمه في الضبط، ويؤيده أن النشرة لم تقع في رواية أبي أسامة، والزيادة من سفيان مقبولة لأنه أثبتهم، قال: ويحتمل وجهًا آخر فذكر ما محصله: أن الاستخراج المنفيّ في رواية أبي أسامة غير الاستخراج المثبت في رواية سفيان، فالمثبت هو استخراج الجفّ والمنفي استخراج ما حواه، قال: وكأن السرّ في ذلك أن لا يراه الناس فيتعلمه من أراد استعمال السحر، انتهى.
قلت: ولعل المصنف زاد لفظة "هل" لأجل هذا الاختلاف في الاستخراج وعدمه.
وقال القسطلاني (٢): وفي حديث عمرة عن عائشة من الزيادة أنه وجد في الطلعة تمثالًا من شمع تمثال رسول الله ﷺ ، وإذا فيه إبر مغروزة، وإذا وتر فيه إحدى عشرة عقدة، فنزل جبريل بالمعوذتين، وكلما قرأ آية انحلت عقدة، وكلما نزع إبرة وجد لها ألمًا، ثم يجد بعدها راحة، انتهى.
قوله: (فلم ينهه عنه) كتب الشيخ في "اللامع" (٣): يعني: ما لم تكن فيه كلمة منهية عنها مما فيه شرك أو كفر أو غير ذلك، انتهى.