ما بسط في "الفتح" (١).
(٤٧ - باب السحر وقول الله تعالى: ﴿وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا. . .﴾ [البقرة: ١٠٢]) إلخ
والسحر بكسر السين وسكون الحاء المهملتين، وأما السحر بمعنى الصبح فبفتحتين، قال تعالى: ﴿إلا آلَ لُوطٍ نَجَّيْنَاهُمْ بِسَحَرٍ﴾ [القمر: ٣٤]، وفي "مختار الصحاح" (٢): السحر بالفتح وجمعه سحور كفلس وفلوس، وقد يحرك في مكان حرف الحلق، انتهى.
وقال القسطلاني (٣): والسحر أمر خارق للعادة صادر عن نفس شريرة لا تتعذر معارضته، واختلف هل له حقيقة أم لا؟ والصحيح وهو الذي عليه الجمهور أن له حقيقة، وعلى هذا فهل له تأثير فقط بحيث يغير المزاج فيكون نوعًا من الأمراض أو ينتهي إلى الإحالة بحيث يصير الجماد حيوانًا مثلًا وعكسه؟ فالذي عليه الجمهور هو الأول، وفرقوا بين المعجزة والكرامة والسحر بأن السحر يكون بمعاناة أحوال وأفعال حتى يتم للساحر ما يريد، والكرامة لا تحتاج إلى ذلك، بل إنما تقع غالبًا اتفاقًا، وأما المعجزة فتمتاز عن الكرامة بالتحدي، وقال القرطبي: الحق أن لبعض أصناف السحر تأثيرًا في القلوب كالحبّ والبغض وإلقاء الخير والشر، وفي الأبدان بالألم والسقم، وإنما المنكر أن الجماد ينقلب حيوانًا أو عكسه بسحر الساحر، انتهى من "القسطلاني".
وقال الحافظ (٤): قال الراغب وغيره: السحر يطلق على معان، ثم ذكر عدة معان ثم قال: واختلف في السحر فقيل: هو تخييل فقط ولا حقيقة له، وهذا اختيار أبي جعفر الأستراباذي من الشافعية وأبي بكر الرازي من الحنفية وابن حزم الظاهري وطائفة.
стр. 3134
قال النووي: والصحيح أن له حقيقة، وبه قطع الجمهور، وعليه عامة العلماء، ويدل عليه الكتاب والسُّنَّة الصحيحة المشهورة، انتهى.
لكن محل النزاع هل يقع بالسحر انقلاب عين أو لا؟ إلى آخر ما تقدم في كلام القسطلاني.
قال الحافظ: ونقل الخطابي أن قومًا أنكروا السحر مطلقًا، وكأنه عنى القائلين بأنه تخييل فقط، وإلا فهي مكابرة، وقال في الفرق بين السحر وبين غيره: ونقل إمام الحرمين الإجماع على أن السحر لا يظهر إلا من فاسق وأن الكرامة لا تظهر على فاسق، انتهى.
وفي "الفيض" (١) في الفرق بين المعجزة والسحر: أن السحر يحتاج إلى بقاء توجه نفس الساحر والتفاته إليه وتعلق عزيمته به، فإذا غفل عنه بطل أثره، بخلاف المعجزة فإنها أغنى عنه، وهذا لا ينافي بقاء بعض آثاره كالمرض والصحة، وإنما أريد به بطلانه حيث تأثيره في انقلاب الماهية، كجعل الدراهم دنانير، فتلك الدراهم لا تزال تخيل دنانير ما دام توجهه باقيًا إليها، فإذا انقطع تعود في المنظر كما كانت، ولذا تراهم يحتاجون إلى تجديد سحرهم في الأيام الخاصة ليقوى أثره، انتهى.
وبسط الكلام على حقيقة السحر في "الأوجز" (٢) تحت قول كعب الأحبار: لولا كلمات أقولهن لجعلتني اليهود حمارًا.
وأما حكم السحر تعليمًا وتعلمًا فقال الحافظ (٣): في المسألة اختلاف كثير وتفاصيل ليس هذا موضع بسطها، وقد أجاز بعض العلماء تعلم السحر لأحد أمرين: إما لتمييز ما فيه كفر من غيره، وإما لإزالته عمن وقع فيه، فالأول فلا محظور فيه إلا من جهة الاعتقاد، فإذا سلم الاعتقاد فمعرفة الشيء بمجرده لا تستلزم منعًا، كمن يعرف كيفية عبادة أهل الأوثان
стр. 3135
للأوثان؛ لأن كيفية ما يعمله الساحر إنما هي حكاية قول أو فعل بخلاف تعاطيه، والعمل به، وأما الثاني فإن كان لا يتم كما زعم بعضهم إلا بنوع من أنواع الكفر أو الفسق فلا يحلّ أصلًا، وإلا جاز للمعنى المذكور، وهذا فصل الخطاب في هذه المسألة، وفي إيراد المصنف هذه الآية إشارة إلى اختيار الحكم بكفر الساحر، انتهى.
قلت: ويؤيده الباب الآتي، فقد قرن فيه بين الشرك والسحر، وسيأتي حكم الساحر بعد بابين.
قوله: (لكنه دعا ودعا. . .) إلخ، في هامش المصرية عن "شيخ الإسلام" (١): أي: لكنه لم يكن مشتغلًا بي بل بالدعاء، والمستدرك منه قوله: "وهو عندي" أو قوله: "كان يخيل إليه" أي: كان السحر أضرّ في بدنه لا في عقله وفهمه بحيث إنه توجه إلى الله ودعا، انتهى.
وكذا أفاد صاحب "الفيض" (٢): تحت قوله: "حتى كان يرى أنه يأتي النساء ولا يأتيهن. . ." إلخ، كما سيأتي في " باب هل يستخرج السحر "، فاحفظ هذا اللفظ، فإنه صريح في أن السحر كان في أمور النساء، ولم يكن له تعلق بأمور الشرع، وفي أكثر الألفاظ إيهام كما في الرواية الآتية، ففيها أنه فعل الشيء وما فعله، فسبق إلى بعضهم الإطلاقُ نظرًا إلى اللفظ، فجعل يؤوله حتى إن أبا بكر الجصاص أنكر هذا الحديث رأسًا، انتهى.
(٤٨ - باب الشرك والسحر من الموبقات)
أي: المهلكات.
(٤٩ - باب هل يستخرج السحر؟)
أي: من الموضع الذي وضع فيه، كذا في "القسطلاني" (٣).
стр. 3136
قال صاحب "الفيض" (١): واعلم أن في نقض الهيئة التركيبية للسحر أثرًا في إبطاله، انتهى.
وقال الحافظ (٢): كذا أورد الترجمة بالاستفهام إشارة إلى الاختلاف، وصدَّر بما نقله عن ابن المسيب من الجواز إشارة إلى ترجيحه، انتهى.
قوله: (طبّ) بكسر الطاء المهملة وتشديد الموحدة: سحر، "أو" بإسكان الواو، "يؤخذ" بفتح الهمزة والخاء المعجمة المشددة، أي: يحبس، "عن امرأته" فلا يصل إلى جماعها، و "الأخذة" بضم الهمزة: هي الكلام الذي يقوله الساحر، وقيل: هي خرزة يرقى عليها، أو هي الرقية نفسها، "أيحل عنه" بهمزة الاستفهام وضم التحتية وفتح الهاء وتشديد اللام، "أو ينشر" بضم التحتية وسكون النون، وضبط بفتح النون وتشديد المعجمة من النشرة، وهي ضرب من العلاج يعالج به من يظن أن به سحرًا أو شيئًا من الجن.
قال الكرماني: وكلمة "أو" يحتمل أن تكون شكًّا أو نوعًا شبيهًا باللفّ والنشر بأن يكون الحلّ في مقابلة الطبّ، والتنشير في مقابلة التأخيذ، انتهى من كلام القسطلاني (٣).
وقال الحافظ (٤): ويؤيد مشروعية النشرة ما تقدم في حديث "العين حق" في قصة اغتسال العائن، وممن صرّح بجواز النشرة المزني صاحب الشافعي وأبو جعفر الطبري وغيرهما، ثم وقفت على صفة النشرة في "كتاب الطبّ النبويّ" لجعفر المستغفري، وفيه: وأما النشرة فإنه يجمع أيام الربيع ما قدر عليه من ورد المفازة وورد البساتين، ثم يلقيهما في إناء نظيف، ويجعل فيهما ماء عذبًا، ثم يغلي ذلك الورد في الماء غليًا يسيرًا، ثم يمهل حتى إذا فتر الماء أفاضه عليه، فإنه يبرأ بإذن الله تعالى، انتهى.
стр. 3137
ثم قال الحافظ (١) في شرح قوله: "حتى استخرجه. . ." إلخ، كذا وقع في رواية ابن عيينة، وفي رواية عيسى بن يونس: "قلت: يا رسول الله أفلا استخرجته"، وفي رواية وهيب: "قلت: يا رسول الله، فأخرجه للناس"، وفي رواية ابن نمير: "أفلا أخرجته؟ قال: لا"، وكذا في رواية أبي أسامة التي بعد هذا الباب، قال ابن بطال: ذكر المهلب: أن الرواة اختلفوا على هشام في إخراج السحر المذكور، فأثبته سفيان، وجعل سؤال عائشة عن النشرة، ونفاه عيسى بن يونس، وجعل سؤالها عن الاستخراج ولم يذكر الجواب، وصرَّح به أبو أسامة، قال: والنظر يقتضي ترجيح رواية سفيان لتقدمه في الضبط، ويؤيده أن النشرة لم تقع في رواية أبي أسامة، والزيادة من سفيان مقبولة لأنه أثبتهم، قال: ويحتمل وجهًا آخر فذكر ما محصله: أن الاستخراج المنفيّ في رواية أبي أسامة غير الاستخراج المثبت في رواية سفيان، فالمثبت هو استخراج الجفّ والمنفي استخراج ما حواه، قال: وكأن السرّ في ذلك أن لا يراه الناس فيتعلمه من أراد استعمال السحر، انتهى.
قلت: ولعل المصنف زاد لفظة "هل" لأجل هذا الاختلاف في الاستخراج وعدمه.
وقال القسطلاني (٢): وفي حديث عمرة عن عائشة من الزيادة أنه وجد في الطلعة تمثالًا من شمع تمثال رسول الله ﷺ ، وإذا فيه إبر مغروزة، وإذا وتر فيه إحدى عشرة عقدة، فنزل جبريل بالمعوذتين، وكلما قرأ آية انحلت عقدة، وكلما نزع إبرة وجد لها ألمًا، ثم يجد بعدها راحة، انتهى.
قوله: (فلم ينهه عنه) كتب الشيخ في "اللامع" (٣): يعني: ما لم تكن فيه كلمة منهية عنها مما فيه شرك أو كفر أو غير ذلك، انتهى.
стр. 3138
وذكر في "هامشه" ما يؤيد كلام الشيخ من الروايات، وفيه أيضًا عن "تقرير مولانا محمد حسن المكي" في بيان حكم النشرة: أن النشرة مشترك بين عمل خاص للحبّ وبين كشف السحر، ففي موضع النهي يراد به المعنى الأول، وفي موضع الإجازة يراد به المعنى الثاني، انتهى.
(٥٠ - باب السحر)
قال الحافظ (١): كذا وقع ههنا للكثير وسقط لبعضهم، وعليه جرى ابن بطال والإسماعيلي وغيرهما، وهو الصواب؛ لأن الترجمة قد تقدمت بعينها قبل ببابين، ولا يعهد ذلك للبخاري إلا نادرًا عند بعض دون بعض، انتهى.
قلت: ولا يبعد عند هذا العبد الضعيف أن يقال في دفع التكرار: أن الغرض من الترجمتين مختلف، فالغرض من الأول إثبات حقيقة السحر ردًّا على من أنكره كما تقدم، والغرض ههنا ذكر أحكام السحر من جواز العلاج لإزالته بالدعاء وغيره، أو أشار إلى أن إزالته بالدعاء أفضل من العلاج بالدواء، وسيأتي في "كتاب الدعوات" "باب تكرير الدعاء"، فذكر فيه حديث سحره ﷺ ، وأشار بذلك إلى أنه ينبغي للمسحور أن يكرر الدعاء، فقد كرر النبي ﷺ الدعاء له، فقد دعا ثم دعا.
ثم اعلم أنه قد تقدم حكم تعليم السحر وتعلمه منعًا وجوازًا قبل بابين، وأما حكم الساحر وبيان حدّه فذكره الحافظ (٢) ههنا تحت حديث الباب فقال: استدل بهذا الحديث على أن الساحر لا يقتل حدًّا إذا كان له عهد، وأما ما أخرجه الترمذي: "حدُّ الساحر ضربة بالسيف" ففي سنده ضعف، فلو ثبت لخصّ منه من له عهد، قال ابن بطال: لا يقتل ساحر أهل الكتاب عند مالك والزهري إلا أن يقتل بسحره فيقتل، وهو قول أبي حنيفة
стр. 3139
والشافعي، وعن مالك: إن أدخل بسحره ضررًا على مسلم لم يعاهد عليه نقض العهد بذلك فيحلّ قتله، وإنما لم يقتل النبي ﷺ لبيد بن الأعصم؛ لأنه كان لا ينتقم لنفسه، قال: وعند مالك أن حكم الساحر حكم الزنديق، فلا تقبل توبته ويقتل حدًّا إذا ثبت عليه ذلك، وبه قال أحمد، وقال الشافعي: لا يقتل إلا إن اعترف أنه قتل بسحره فيقتل به، وادّعى أبو بكر الرازي في "الأحكام" أن الشافعي تفرد بقوله: إن الساحر يقتل قصاصًا إذا اعترف أنه قتله بسحره، والله تعالى أعلم، انتهى.
(٥١ - باب من البيان سحر)
وفي نسخة الحافظ: "إن من البيان سحرًا" وقال: في رواية الكشميهني والأصيلي: "السحر".
قوله: (قدم رجلان) قال الحافظ (١): لم أقف على تسميتهما صريحًا، فقد زعم جماعة أنهما الزبرقان وعمرو بن الأهتم التميميان، قدما في وفد بني تميم على النبي ﷺ سنة تسع من الهجرة، ثم ذكر قصة قدومهم من رواية البيهقي في "الدلائل"، ثم قال تحت حديث الباب: وقد حمل بعضهم الحديث على المدح والحثّ على تحسين الكلام وتحبير الألفاظ، وهذا واضح إن صح أن الحديث ورد في قصة عمرو بن الأهتم، وحمله بعضهم على الذمّ لمن تصنّع في الكلام وتكلّف لتحسينه وصرف الشيء عن ظاهره، فشبّه بالسحر الذي هو تخييل لغير حقيقة، وإلى هذا أشار مالك حيث أدخل هذا الحديث في "الموطأ" في "باب ما يكره من الكلام بغير ذكر الله"، إلى آخر ما ذكر.
قلت: وأما عند المصنف فيمكن أن يقال: إنه مال إلى حمله على الذمّ كما يظهر من صنيعه، فإن المذكور في سياق التراجم ههنا هو السحر المذموم كما هو ظاهر، فالتشبيه حينئذٍ يشعر بالذم لا محالة، والله أعلم.
стр. 3140
(٥٢ - باب الدواء بالعجوة للسحر)
أي: لأجل دفعه، والعجوة بفتح المهملة وإسكان الجيم: ضرب من أجود تمر المدينة يضرب إلى السواد، وهو مما غرسه النبي ﷺ بيده الشريفة، كذا في الحاشية (١).
قوله: (يعني حديث علي) كتب الشيخ قُدِّس سرُّه في "اللامع" (٢): بيان للضمير المجرور في قوله: "غيره"، والحاصل: أن في غير حديث علي تنصيص على السبع، انتهى.
قلت: والمراد بعلي، علي بن المديني شيخ البخاري، وللشرَّاح ههنا كلام فارجع إلى القسطلاني (٣) لو شئت.
(٥٣ - باب لا هامة)
قال أبو زيد: هي بالتشديد، وخالفه الجميع فخففوها، وهو المحفوظ في الرواية، وكأن من شدّدها ذهب إلى أنها واحدة الهوامّ وهي ذوات السموم، وقيل: دواب الأرض التي تهم بأذى الناس، وهذا لا يصح نفيه إلا إن أريد أنها لا تضر لذواتها وإنما تضر إذا أراد الله إيقاع الضرر بمن أصابته، انتهى من "الفتح" (٤).
وكتب الشيخ في "البذل" (٥): بتخفيف الميم على المشهور ورجح القرطبي التشديد، انتهى.
وقد تقدمت هذه الترجمة قبل سبعة أبواب، وذكر فيه أيضًا الحديث
стр. 3141
المذكور مختصرًا، فهذا التكرار مشكل. ولذا قال الحافظ (١): وهذا من نوادر ما اتفق له أن يترجم للحديث في موضعين بلفظ واحد.
فالأوجه عند هذا العبد الضعيف: أن الترجمة وإن كانت مكررة من حيث اللفظ لكن ليست بمكررة باعتبار المعنى والمقصود، وتقدم نظيره في "كتاب العلم" من "باب فضل العلم" وذلك أنهم اختلفوا في تفسير الهامة، فكتب شيخنا في "البذل" (٢): فيه تأويلان: أحدهما: أن العرب كانت تتشاءم بالهامة، وهي الطائر المعروف من طير الليل، قيل: هي البومة، كانوا إذا سقط على دار أحدهم رآها ناعية له بعينه أو بعض أهله، وهذا تفسير مالك، والثاني: أن العرب كانت تعتقد أن روح الآدمي - وقيل: عظامه - تنقلب هامة يطير ويسمونها الصدى، وقيل: روح القتيل الذي لا تدرك بثأره يصير هامة فيقول: اسقوني فإذا أدرك بثأره طارت، والثاني قول أكثر العلماء، قاله ابن رسلان، انتهى.
وفي رواية لأبي داود: قلت: فما الهامة؟ قال (أي: عطاء): يقول ناس: الهامة التي تصرِّح هامة الناس وليست بهامة الإنسان إنما هي دابة، انتهى.
قلت: فلعل الإمام البخاري ترجم بالهامة في موضعين إشارة إلى هذين المعنيين، والمناسب للترجمة الأولى التأويل الأول، وحاصله أنه من أسباب النحوسة، ولذا ذكره الإمام البخاري في أبواب التطير والفأل، والمناسب لهذه الترجمة الثانية التأويل الثاني، ولذا أوردها في أبواب السحر، فإن تغير هامة الإنسان إلى الطيران نوع من السحر.
ثم رأيت الحافظ (٣) أشار إلى نحو ما قلت حيث قال بعد ذكر الاختلاف في تفسير الهامة: ولعل المؤلف ترجم "لا هامة" مرتين بالنظر لهذين التفسيرين، والله أعلم، انتهى.
стр. 3142
(٥٤ - باب لا عدوى)
المذكور في حديث الباب شيئان: العدوى والطيرة، وتقدم في الأحاديث السابقة من "باب الجذام" وغيره ذكر أربعة أشياء، منها هذان الاثنان، والثالثة الهامة، والرابعة الصفر، وذكر الحافظ عدة روايات في ذلك ثم قال (١): فالحاصل من ذلك ستة أشياء: العدوى والطيرة والهامة والصفر والغول والنوء، والأربعة الأُوَل قد أفرد البخاري لكل واحد منها ترجمة، انتهى.
وتقدم الكلام على ما عدا العدوى من تلك الأربعة في تراجمها، وأما العدوى فقال القسطلاني (٢) في شرح الحديث: أي: لا سراية للمرض عن صاحبه إلى غيره نفيًا لما كانت الجاهلية تعتقده في بعض الأدواء أنها تعدي بطبعها، وهو خبر أريد به النهي، انتهى.
وقال العلامة العيني (٣): العدوى اسم من الإعداء كالرعوى والبقوى من الإرعاء والإبقاء يقال: أعداه الداء يعديه إعداء، وهو أن يصيبه مثل ما بصاحب الداء، وكانوا يظنون أن المرض بنفسه يعدي، انتهى.
وقال السندي في "حاشية أبي داود": هي مجاوزة العلة من صاحب إلى غيره بالمجاورة والقرب، انتهى.
وأما الجمع بين روايتي الباب فقد بسط الكلام على ذلك الحافظ وغيره من الشرَّاح، وتقدم أيضًا الإشارة إليه مجملًا في "باب الجذام"، قال العلامة السندي: يحتمل أن المراد بقوله: "لا عدوى" نفي ذلك وإبطاله من أصله، وعلى هذا فما جاء من الأمر بالفرار من المجذوم ونحوه فهو من باب سدّ الذرائع، لئلا يظن المرض الحادث أنه بسبب المجاورة، ويحتمل أن المراد نفي التأثير وبيان أن مجاورة المريض من الأسباب العادية
стр. 3143
لا هي مؤثرة كما يعتقده أهل الطبيعة، وعلى هذا فالأمر بالفرار وغيره ظاهر، انتهى.
وقال الحافظ (١): قال عياض: اختلفت الآثار في المجذوم، فجاء ما تقدم عن جابر: "أن النبي ﷺ أكل مع مجذوم، وقال: ثقة بالله وتوكلًا عليه" قال: فذهب عمر وجماعة من السلف إلى الأكل معه، ورأوا أن الأمر باجتنابه منسوخ، قال: والصحيح الذي عليه الأكثر ويتعين المصير إليه أن لا نسخ، بل يجب الجمع بين الحديثين، وحمل الأمر باجتنابه والفرار منه على الاستحباب والاحتياط والأكل معه على بيان الجواز، انتهى.
هكذا اقتصر القاضي ومن تبعه على حكاية هذين القولين، وحكى غيره قولًا ثالثًا وهو الترجيح، وقد سلكه فريقان:
أحدهما: مسلك ترجيح الأخبار الدالة على نفي العدوى وتزييف الأخبار الدالة على عكس ذلك فأعلّوه بالشذوذ، وبأن عائشة أنكرت ذلك، فأخرج الطبري عنها: أن امرأة سألتها عنه فقالت: ما قال ذلك، ولكنه قال: "لا عدوى"، وقال: "فمن أعدى الأول"؟ وبأن أبا هريرة تردد في ذلك الحكم كما سيأتي، فيؤخذ الحكم من رواية غيره، وبأن الأخبار الواردة في نفي العدوى كثيرة شهيرة بخلاف الأخبار المرخصة في ذلك.
والفريق الثاني: سلكوا في الترجيح عكس هذه المسألة، فردوا حديث "لا عدوى" بأن أبا هريرة رجع عنه، إما لشكه فيه، وإما لثبوت عكسه عنده، قالوا: والأخبار الدالة على الاجتناب أكثر مخارج وأكثر طرقًا، فالمصير إليه أولى، وأما حديث جابر ففيه نظر، وقد أخرجه الترمذي وبيَّن الاختلاف فيه ورجّح وقفه على عمر، انتهى من "الفتح".
قلت: وميل الحافظ إلى الجمع، فإنه قال في الجواب عن كل فريق:
стр. 3144
إن طريق الترجيح لا يصار إليها إلا مع تعذر الجمع وهو ممكن، ثم ذكر الأقوال في طريق الجمع بالبسط، فارجع إليه لو شئت.
وأفاد الشيخ مولانا أشرف علي التهانوي قُدِّس سرُّه كما حكاه في رسالة "أنفاس عيسى": أن في العدوى ثلاثة مذاهب: الأول: أن العدوى ثابت ولا يتوقف على مشيئة الله، وهذا كفر صريح وزندقة، والثاني: اعتقاد ثبوت العدوى بالمشيئة، لكن المشيئة ضرورية توجد لا محالة، وهذا المذهب باطل لكنه ليس بكفر، الثالث: أنه مقيد بالمشيئة، والمشيئة ليست بلازمة، إن شاء الله كان وإن لم يشأ لم يكن، ثم قال: لكن الأحاديث الصحيحة تدل على أن العدوى ليس بشيء، انتهى.
(٥٥ - باب ما يذكر في سمّ النبي ﷺ -)
الإضافة فيه إلى المفعول، انتهى من "الفتح" (١).
وفي "القسطلاني" (٢): قال في "القاموس": السم: القاتل المعروف، ويثلث، الجمع سموم وسمام، انتهى.
وهو هنا من إضافة المصدر لمفعوله، وقول الكرماني: سم بالحركات الثلاث، تعقبه العيني بأنه مصدر فلا تكون السين فيه مفتوحة جزمًا، والحركات الثلاث إنما تكون في كونه اسمًا، كذا في "القسطلاني"، وفيه تحريف، والموجود في نسخة "العيني" (٣) هكذا: قلت: ليس في هذا المحل، فإن السين فيه مفتوحة جزمًا؛ لأنه مصدر. . . إلخ.
قوله: (رواه عروة عن عائشة) كأنه يشير إلى ما علقه في الوفاة النبوية آخر المغازي، فقال: قال يونس عن ابن شهاب قال عروة: قالت عائشة: "كان النبي ﷺ يقول في مرضه الذي مات فيه: يا عائشة ما أزال أجد ألم
стр. 3145
الطعام الذي أكلت بخيبر، فهذا أوان انقطاع أبهري من ذلك السم"، وصله البزار وغيره، انتهى من "الفتح" (١).
(٥٦ - باب شرب السمّ والدواء به وما يخاف منه والخبيث)
أي: الدواء الخبيث، كأنه يشير بالدواء بالسم إلى ما ورد من النهي عن التداوي بالحرام، وقد تقدم بيانه في "كتاب الأشربة"، وزعم بعضهم أن المراد بقوله: "به" منه، والمراد ما يدفع ضرر السم، وأشار بذلك إلى ما تقدم قبلُ من حديث: "من تصبح بسبع تمرات" الحديث، وفيه: "لم يضره سم" فيستفاد منه استعمال ما يدفع ضرر السم قبل وصوله، ولا يخفى بعد ما قال، لكن يستفاد منه مناسبة ذكر حديث العجوة في هذا الباب، وأما قوله: "وما يخاف منه" فهو معطوف على الضمير المجرور العائد على السم، وقوله: "منه" أي: من (٢) الموت به أو استمرار المرض، فيكون فاعل ذلك قد أعان على نفسه، وأما مجرد شرب السم فليس بحرام على الإطلاق؛ لأنه يجوز استعمال اليسير منه إذا ركب معه ما يدفع ضرره إذا كان فيه نفع، أشار إلى ذلك ابن بطال، وقد أخرج ابن أبي شيبة وغيره: "أن خالد بن الوليد لما نزل الحيرة قيل له: احذر السم لا تسقيكه الأعاجم، فقال: ائتوني به، فأتوه به فأخذه بيده ثم قال: بسم الله واقتحمه فلم يضره"، فكأن المصنف رمز إلى أن السلامة من ذلك وقعت كرامةً لخالد بن الوليد، فلا يتأسى به في ذلك لئلا يفضي إلى قتل المرء نفسه، ويؤيد ذلك حديث أبي هريرة في الباب، ولعله كان عند خالد في ذلك عهد عمل به، وأما قوله: "والخبيث" فيجوز جرّه والتقدير: والتداوي بالخبيث،
стр. 3146
ويجوز الرفع على أن الخبر محذوف والتقدير: ما حكمه؟ أو هل يجوز التداوي به؟ وقد ورد النهي عن تناوله صريحًا، أخرجه أبو داود والترمذي وغيرهما من حديث أبي هريرة مرفوعًا (١)، انتهى.
وفي "القسطلاني" (٢): قوله: "والخبيث" لنجاسته كالخمر ولحم الحيوان المحرم الأكل، أو لاستقذاره، فتكون كراهته من جهة إدخال المشقة على النفس، وفي الترمذي: "نهى النبي ﷺ عن الدواء الخبيث" قال البدر الدماميني: وهو حجة على الشافعية في إجازتهم التداوي بالنجس، وقول الترمذي: يعني السمّ، غير مسلّم، فاللفظ عام، ولم يقم دليل على التخصيص بما ذكره، انتهى.
قال في "فتح الباري" (٣): حمل الحديث على ما ورد في بعض طرقه أولى، وقد ورد في آخر الحديث متصلًا به: يعني السم، قال: ولعل البخاري أشار في الترجمة إلى ذلك، انتهى.
وقال العلامة العيني (٤) تحت الترجمة: وأبهم الحكم اكتفاءً بما يفهم من حديث الباب، وهو عدم جوازه؛ لأنه يفضي إلى قتل نفسه، ثم قال بعد ذكر الحديث الأول: هذا الحديث يوضح إبهام ما في الترجمة من الحكم، وهو وجه المطابقة بينهما، انتهى.
قلت: لم يتعرض لمطابقة أحاديث الباب بالترجمة العلامة القسطلاني، بل سكت عليه مع أن الترجمة ومطابقة أحاديث الباب بها تحتاج إلى تدقيق وتفتيش، وذلك أن الترجمة متضمنة لأربعة أجزاء، والمذكور في الحديث صريحًا واحد منها، فالجزء الأول من الترجمة شرب السم، والثاني التداوي بالسم، والثالث التداوي بما يخاف منه، والرابع
стр. 3147
التداوي بالخبيث، كما هو ظاهر من ألفاظ الترجمة، وما ذكره الشرَّاح ههنا لا يشفي العليل ولا يروي الغليل.
والأوجه عند هذا العبد الضعيف كما ذكرت في هامش "اللامع" (١): أن الجزء الأول من الترجمة ثابت بحديث الباب، كما هو ظاهر، وهو أن شرب السم حرام، وأما الجزء الثاني وهو التداوي بالسم فيستفاد من الحديث أنه جائز؛ لأن مدار النهي على القتل والإهلاك والضرر، فإذا لم يضر ولم يقتل بل يشرب دواءً فلا بأس به، كما يتداوى بالمباحات مثل العجوة وغيرها، ولذا ذكر الإمام البخاري حديث العجوة ثاني حديثي الباب إشارة إلى أن التداوي كما هو جائز بالمباحات فكذا بالسمّ إذا كان شربه بحدّ لا يضر، فالتداوي به حينئذٍ كالتداوي بالمباحات، وأما الجزء الثالث، أي: التداوي بما يخاف منه فهو ملحق بالسم، فما هو حكم السم هو حكمه، أي: الجواز حين ينفع ولا يضره، وعدم الجواز إذا كان مضرًا غير نافع، وأما الجزء الرابع، أي: التداوي بالخبيث فلم يثبت بحديثي الباب صريحًا فإما أن يقال: إنه أشار إلى ما ورد في بعض طرق الحديث كما تقدم في كلام الحافظ، وإما أن يقال: إنه يستفاد أيضًا بحديث السم؛ لأنه أيضًا خبيث، ويحتمل أن يقال: إن هذا الجزء ثابت بالحديث الآتي في الترجمة الآتية، فإن لبن الأتان خبيث لا محالة، وحينئذ فالترجمة الآتية جزء من هذه الترجمة، فهو من الأصل الستين وهو أصل مطرد من أصول التراجم.
(٥٧ - باب ألبان الأتن)
بضم الهمزة والمثناة الفوقانية بعدها نون جمع أتان، قال في "الفتح" (٢). قال العلَّامة العيني (٣): أي: بيان حكم ألبان الأتن، وبيان الحكم في الحديث، انتهى.
стр. 3148
قلت: المراد بالحكم حكم التداوي بها، ولذا ذكره في "كتاب الطب".
وقال الحافظ (١): وقد اختلف في ألبان الأتن، فالجمهور على التحريم، وعند المالكية قول في حلّها من القول بحل أكل لحمها، انتهى من "الفتح".
وقد تقدم ذكر الخلاف في لحوم الحمر الأهلية في بابها من "كتاب الذبائح والصيد"، وفي "البحر شرح الكنز" (٢): كره لبن الأتان؛ لأن اللبن يتولد من اللحم فصار مثله، وكذا لبن الخيل يكره عند الإمام كلحمه عنده، انتهى.
وكذا في "الدر المختار" (٣) إذ قال: وكره لحم الأتان، أي: الحمارة الأهلية خلافًا لمالك، ولبنها ولبن الجلالة. . . إلخ، قال ابن عابدين: قوله: الأهلية، بخلاف الوحشية فإنها ولبنها حلالان، قوله: خلافًا لمالك، وللخلاف لم يقل حرم فإنه دليل تعارض الأدلة، انتهى.
وقال الموفق (٤): وألبان الحمر محرمة في قول أكثرهم، ورخص فيها عطاء وطاوس والزهري، والأول أصح؛ لأن حكم الألبان حكم اللحمان، انتهى.
قلت: والمبحوث عنه ههنا هو استعمال لبنها للتداوي، ولم أر من تعرض لحكم ألبان الأتن للتداوي فليفتش، نعم صرَّحوا في أبوال الإبل أنه لا بأس بها للتداوي عند صاحبي أبي حنيفة.
(٥٨ - باب إذا وقع الذباب في الإناء)
وإنما عقد المصنف الترجمة بذلك؛ لأن ما هو المذكور في حديث الباب في حق الذباب إنما هو من باب الطب كما لا يخفى.
стр. 3149
قال الحافظ (١) في ذكر ما يستفاد من الحديث: قال الطبري: لم يقصد النبي ﷺ بهذا الحديث بيان النجاسة والطهارة، وإنما قصد بيان التداوي من ضرر الذباب، انتهى.
وذكر الحافظ وغيره من الشرَّاح بعض الروايات الواردة في الذباب وبعض خواصه وما يتعلق به من الأحكام، قال الحافظ (٢): وقد أخرج أبو يعلى عن ابن عمر مرفوعًا: "عمر الذباب أربعون ليلة، والذباب كله في النار إلا النحل" وسنده لا بأس به، قال الجاحظ: كونه في النار ليس تعذيبًا له بل ليعذب أهل النار به، قال الجوهري: يقال: إنه ليس شيء من الطيور يلغ إلا الذباب، وقال أفلاطون: الذباب أحرص الأشياء حتى إنه يلقي نفسه في كل شيء ولو كان فيه هلاكه، ويحكى أن بعض الخلفاء سأل الشافعي: لأي علة خلق الذباب؟ فقال: مذلة للملوك، وكانت ألَحّت عليه ذبابة فقال الشافعي: سألني ولم يكن عندي جواب فاستنبطته من الهيئة الحاصلة، انتهى.
وفي "الفيض" (٣): وقد مرّ منّا أن الغمس إنما هو إذا لم يكن الشيء حارًّا، فإنه إذا كان حارًّا شديدًا كالشاي فإن الغمس لا يزيده إلا شرًّا، انتهى.
قلت: وهذا رأيه وإلا فالواقع في الحديث هو الأمر المطلق، والله تعالى أعلم.
ثم براعة الاختتام عند الحافظ في قوله: "ثم ليطرحه" وعندي في قوله: "فليغمسه" وأيضًا في قوله: "داءً" (٤).
стр. 3150
٧٧ - كتاب اللباس
قال العلَّامة العيني (١): أي: هذا كتاب في بيان أنواع اللباس وأحكامها، واللباس ما يلبس، وكذلك الملبس واللبس بالكسر واللبوس أيضًا ما يلبس، وأورد ابن بطال هذا الكتاب بعد الاستئذان، ولا وجه له، انتهى.
وفي "الأوجز" (٢) عن القاري عن "القاموس": لبس الثوب كسمع، لبسًا بالضم ولباسًا بالكسر، وأما لبس كضرب لبسًا بالفتح فمعناه خلط، ومنه قوله تعالى: ﴿وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ﴾ [البقرة: ٤٢]، وإنما ذكرته للالتباس على كثير من الناس، انتهى.
قال القسطلاني (٣): واللبس بالكسر والملبس كمقعد ومنبر: ما يلبس، انتهى.
قلت: مقصود المصنف بهذا الكتاب بيان اللباس ومتعلقاته من أبواب الزينة، فإن المصنف قد أدرج في هذا الكتاب كثيرًا من الأبواب التي ليست هي من جنس اللباس كالتزعفر للرجال والتلبيد والذبائب، وجملة من أبواب الطيب وإصلاح الشعر وغير ذلك، وقد اختلف صنيع المحدثين ههنا، فترجم الإمام النسائي "كتاب الزينة" بدل كتاب اللباس، وترجم الإمام أبو داود بترجمتين فترجم أولًا "كتاب اللباس" ثم ترجم بـ "كتاب الترجل"، وذكر فيه جملة من الأبواب التي يتعلق بالزينة، وأما الإمام أبو عيسى الترمذي فقد ذكر بعض هذه الأبواب تحت عنوان "كتاب اللباس" وبعضها في "أبواب الاستئذان والآداب".
стр. 3151
(١ - باب قول الله: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ﴾ الآية [الأعراف: ٣٢])
هكذا في النسخ الهندية و"القسطلاني"، وسقط لفظ "باب" في نسخة "الفتح" و"العيني"، بل ذكرا هذه الآية تحت "كتاب اللباس".
قال الحافظ (١): كأنه أشار إلى سبب نزول هذه الآية، وقد أخرجه الطبري بسنده عن ابن عباس قال: كانت قريش تطوف بالبيت عراة يصفّرون ويصفّقون، فأنزل الله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ﴾ الآية [الأعراف: ٣٢]، وسنده صحيح، انتهى.
وذكر هذا الحديث الحافظ ابن كثير (٢) أيضًا في تفسير هذه الآية وعزاه إلى أبي القاسم الطبراني وزاد في آخر الحديث: "فأمروا بالثياب".
وفي "الأوجز" (٣): التجمل بالثياب مشروع بل مندوب، فإنه ﵎ منّ بذلك على عباده بقوله: ﴿يَابَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا﴾ [الأعراف: ٢٦]، وفي "تفسير الجلالين": هو ما يتجمل به من الثياب، إلى آخر ما بسط في "الأوجز".
ثم لا يخفى عليك أن الأولى والأنسب لهذا المقام هو قوله ﵎: ﴿يَابَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا﴾ الآية، فهذه الآية هي التي ذكر فيها اللباس والزينة صريحًا، ومع ذلك لم يذكرها البخاري بل صدَّر "كتاب اللباس" بالآية الأخرى كما ترى، ولم يتعرض لذلك أحد من الشرَّاح، وما يظهر لهذا العبد الضعيف: أن من دأب الإمام البخاري كما تقدم في تفسير سورة الطلاق واضحًا هو إيثار الأخفى على الأجلى، فلذلك اختار هذه الآية، وأيضًا فإن المصنف قد ذكر في هذا الكتاب جملة من الأبواب التي يتعلق بالزينة كما تقدم آنفًا، فناسب ذكر هذه الآية لهذا الوجه أيضًا،
стр. 3152
فإنه ذكر في هذه الآية لفظ الزينة، وهذا بحث لطيف لعلك لم تجده في غير هذا الكتاب.
قوله: (في غير إسراف ولا مخيلة. . .) إلخ، قال العلامة السندي (١): متعلق بالكل، والإسراف والمخيلة يتصوران في التصدق أيضًا، انتهى.
(٢ - باب من جرّ إزاره من غير خيلاء)
أي: فلا بأس به، قال القسطلاني: قال النووي (٢): ظواهر الأحاديث في تقييدها بالجر خيلاء تدل على أن التحريم مخصوص بالخيلاء، وهكذا نصّ الشافعي على الفرق، فإن كان للخيلاء فهو ممنوع منع تحريم، وإلا فمنع تنزيه، والأحاديث المطلقة يجب حملها على المقيدة بالخيلاء، انتهى ملخصًا.
وهكذا نقل القسطلاني (٣) عن نصّ الشافعي أن التحريم مخصوص بالخيلاء وإلا كره تنزيهًا.
وفي "الفيض" (٤): وجرُّ الثوب عندنا ممنوع مطلقًا، فهو إذنْ من أحكام اللباس، وقصر الشافعية النهي على قيد المخيلة، فإن كان الجر بدون التكبر فهو جائز، وإذنْ لا يكون الحديث من أحكام اللباس، إلى آخر ما ذكر.
(٣ - باب التشمر في الثياب)
وهكذا في نسخة "الفتح" (٥) هو بالشين المعجمة وتشديد الميم، انتهى.
وفي نسخة "العيني" و"القسطلاني": "التشمير" بالياء من التفعيل، وهو رفع أسفل الثوب.
стр. 3153
قال الحافظ (١): ويؤخذ من حديث الباب أن النهي عن كفّ الثياب في الصلاة محله في غير ذيل الإزار، ويحتمل أن تكون هذه الصورة وقعت اتفاقًا فإنها كانت في حالة السفر وهو محل التشمير، انتهى.
(٤ - باب ما أسفل من الكعبين ففي النار)
كذا أطلق في الترجمة ولم يقيده بالإزار كما في الخبر إشارةً إلى التعميم في الإزار والقميص وغيرهما، وكأنه أشار إلى لفظ حديث أبي سعيد، وقد أخرجه مالك وأبو داود والنسائي وابن ماجه، وصححه أبو عوانة وابن حبان، كلهم من طريق العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي سعيد، ورجاله رجال مسلم، وكأنه أعرض عنه لاختلاف وقع فيه على العلاء وعلى أبيه، انتهى (٢).
قلت: ولفظه عند أبي داود (٣) من طريق العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه قال: سألت أبا سعيد الخدري عن الإزار فقال: على الخبير سقطت، قال رسول الله ﷺ : "أزرة المسلم إلى نصف الساق، ولا حرج - أو لا جناح - فيما بينه وبين الكعبين، وما كان أسفل من الكعبين فهو في النار، من جرّ إزاره بطرًا لم ينظر الله إليه"، كذا في "الأوجز" (٤).
قلت: لكن فيه أن حديث أبي سعيد هذا الذي أحال عليه الحافظ قُدِّس سرُّه ليس بمطلق، بل سياقه في حق الإزار كما ترى، اللَّهم إلا أن يقال: إنه لم يقيد في سياق هذا الحديث قوله: "من أسفل من الكعبين" بقوله: "من الإزار"، كما قيد بذلك في حديث الباب.
стр. 3154
(٥ - باب من جرّ ثوبه من الخيلاء)
أي: بسبب الخيلاء، فكلمة "من" للتعليل، والغرض من الترجمة ظاهر من أن المنع لا يختص بالإزار، ففي "المشكاة" (١) برواية أبي داود (٢) والنسائي (٣) وابن ماجه (٤) من حديث ابن عمر عن النبي ﷺ أنه قال: "الإسبال في الإزار والقميص والعمامة، من جرّ منها شيئًا خيلاء لم ينظر الله إليه يوم القيامة".
وفي "الأوجز" (٥): وقد أخرج أبو داود عن ابن عمر قال: ما قال رسول الله ﷺ في الإزار فهو في القميص، قال الطبري: إنما ورد الخبر بلفظ الإزار؛ لأن أكثر الناس في عهده كانوا يلبسون الإزار والأردية، فلما لبس الناس القميص والدراريع كان حكمها حكم الإزار في النهي. قال ابن بطال: هذا قياس صحيح لو لم يأت النصّ بالثوب فإنه يشمل جميع ذلك، انتهى.
قال الحافظ (٦): وقد نقل عياض الإجماع على أن المنع في حق الرجال دون النساء، قال الحافظ: والحاصل: أن للرجال حالين: حال استحباب وهو أن يقتصر بالإزار على نصف الساق، وحال جواز وهو إلى الكعبين، وكذلك للنساء حالان، إلى آخر ما ذكر.
قلت: هكذا نقلوا في حق الرجال أن الجائز في أزرهم أنها إلى الكعبين، لكن لم يصرِّحوا في حكم الكعبين من أن الغاية هل هي داخلة في المغيّا أم لا؟ ويستفاد من روايةٍ أن الكعبين داخلان في المنع فلا يجوز سترهما، فقد ذكر الحافظ (٧): أخرج النسائي وصحح الحاكم أيضًا
стр. 3155
من حديث حذيفة بلفظ "الإزار إلى أنصاف الساقين، فإن أبيت فأسفل، فإن أبيت فمن وراء الساقين، ولا حق للكعبين في الإزار"، انتهى.
وهذا صريح في أنه لا يجوز ستر الكعبين، وقال ابن عابدين (١) في الكلام على آداب اللبس وأحكامه: ويكره للرجال السراويل التي تقع على ظهر القدمين، "عتابية"، انتهى. وهكذا في "البحر" (٢).
وقال النووي في "شرح مسلم" (٣): فالمستحب نصف الساقين، والجائز بلا كراهة ما تحته إلى الكعبين، فما نزل عن الكعبين فهو ممنوع، فإن كان للخيلاء فهو ممنوع منع تحريم وإلا فمنع تنزيه، انتهى.
(٦ - باب الإزار المهدّب)
بدال مهملة ثقيلة مفتوحة، أي: الذي له هدب، وهي أطراف من سدى بغير لحمة، ربما قصد بها التجمل، وقد تفتل صيانة لها من الفساد، وقال الداودي: هي ما يبقى من الخيوط من أطراف الأردية.
ثم قال الحافظ تحت حديث الباب: ووقع في هذا الباب حديث مرفوع أخرجه أبو داود من حديث أبي جري جابر بن سليم قال: أتيت النبي ﷺ وهو محتب بشملة، وقد وقع هدبها على قدميه، انتهى من "الفتح" (٤).
(٧ - باب الأردية)
جمع رداء بالمدّ، وهو ما يوضع على العاتق أو بين الكتفين من الثياب على أيّ صفة كان، قاله الحافظ (٥).
стр. 3156
(٨ - باب لبس القميص وقال يوسف: ﴿اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هَذَا. . .﴾ [يوسف: ٩٣] إلخ)
وفي نسخ الشروح: "وقول الله تعالى حكاية عن يوسف".
قال الحافظ (١): كأنه يشير إلى أن لبس القميص ليس حادثًا وإن كان الشائع في العرب لبس الإزار والرداء، ثم قال تحت حديث الباب: قال ابن العربي: لم أر للقميص ذكرًا صحيحًا إلا في الآية المذكورة وقصة ابن أُبي، ولم أر لهما ثالثًا فيما يتعلق بالنبي ﷺ ، قال هذا في كتابه "سراج المريدين"، وكأنه صنفه قبل شرح الترمذي، فلم يستحضر حديث أم سلمة ولا حديث أبي هريرة: "كان النبي ﷺ إذا لبس قميصًا بدأ بميامنه"، ثم ذكر الحافظ عدة روايات أخر.
قلت: وحديث أم سلمة الذي أشار إليه الحافظ أخرجه الترمذي (٢) في "باب ما جاء في القميص" بعدة طرق ولفظه: قالت: "كان أحبّ الثياب إلى رسول الله ﷺ القميص"، وكتب الشيخ في "الكوكب" (٣): هذا في الثياب المخيطة، والسبب في ترجيحه ما فيه من الستر ما ليس في غيره، ولم تكن سراويل إذا ذاك رائجة رواج القميص مع أنه ليس السراويل يجزئ عن القميص والقميص يجزئ عنه، وأيضًا فليس شمول الجسم في السراويل مثله في القميص، وأما حيث رجح الحلة فهو في غير المخيطة وترجحه من حيث إن فيها زيادة فائدة نسبة القميص من نزعه أنَّى شاء مع بقاء الستر بالرداء الأخرى، ولا يمكن ذلك في نحو القميص، إلى آخر ما ذكر.
(٩ - باب جيب القميص من عند الصدر وغيره)
قال القسطلاني (٤): قوله: "وغيره" بالجر عطفًا على القميص، انتهى.
стр. 3157
قال الحافظ (١): الجيب بفتح الجيم وسكون التحتانية بعدها موحدة: هو ما يقطع في الثوب ليخرج منه الرأس أو اليد أو غير ذلك، واعترضه الإسماعيلي فقال: الجيب الذي يحيط بالعنق جيب الثوب، أي: جعل فيه ثقب، وأورده البخاري على أنه ما يجعل في الصدر ويوضع فيه الشيء، وبذلك فسّره أبو عبيد لكن ليس هو المراد هنا، وإنما الجيب الذي أشار إليه في الحديث هو الأول، كذا قال، ولا مانع من حمله على المعنى الآخر، بل استدل به ابن بطال (٢) على أن الجيب في ثياب السلف كان عند الصدر، إلى آخر ما بسط الحافظ.
(١٠ - باب من لبس جبة ضيقة الكمين في السفر)
ترجم له في الصلاة "الصلاة في الجبة الشامية" وفي الجهاد "الجبة في السفر والحرب"، وكأنه يشير إلى أن لبس النبي ﷺ الجبة الضيقة إنما كان لحال السفر لاحتياج المسافر إلى ذلك، وأن السفر يغتفر فيه لبس غير المعتاد في الحضر، وقد تواردت الأحاديث عمن وصف وضوء النبي ﷺ وليس في شيء منها أن كميه ضاقا عن إخراج يديه منهما، أشار إلى ذلك ابن بطال (٣)، انتهى من "الفتح" (٤).
(١١ - باب لبس جبة الصوف في الغزو)
قال ابن بطال (٥): كره مالك لبس الصوف لمن يجد غيره لما فيه من الشهرة بالزهد لأن إخفاء العمل أولى. قال: ولم ينحصر التواضع في لبسه بل في القطن وغيره ما هو بدون ثمنه، انتهى من "الفتح" (٦).
стр. 3158
(١٢ - باب القباء وفرّوج حرير)
بفتح القاف وبالموحدة، ممدود، فارسي معرب، وقيل: عربيّ، واشتقاقه من القبو وهو الضم، قوله: "وهو القباء" قلت: وقع كذلك مفسّرًا في بعض طرق الحديث، قوله: "ويقال: هو الذي له شقّ من خلفه" أي: فهو قباء مخصوص، ولهذا جزم أبو عبيد (١) ومن تبعه من أصحاب الغريب نظرًا لاشتقاقه، وقال ابن فارس: هو قميص الصبيّ الصغير.
وقال القرطبي (٢): القباء والفروج كلاهما ثوب ضيق الكمين والوسط مشقوق من خلف، يلبس في السفر والحرب لأنه أعون على الحركة، انتهى من كلام الحافظ (٣).
(١٣ - باب البرانس)
جمع برنس بضم الموحدة والنون بينهما راء ساكنة وآخره مهملة، تقدم تفسيره في "كتاب الحج". قاله الحافظ (٤). وقال القسطلاني (٥): قال في "القاموس" (٦): قلنسوة طويلة كان النساء في صدر الإسلام يلبسنها، أو كل ثوب رأسه منه، انتهى.
قال الحافظ (٧): وقد كره بعض السلف لبس البرنس لأنه كان من لباس الرهبان، وقد سئل مالك عنه فقال: لا بأس به، قيل: فإنه من لبوس النصارى، قال: كان يلبس ههنا. ولعل من كرهه أخذ بعموم حديث علي رفعه: "إياكم ولبوس الرهبان، فإنه من تزيّا بهم أو تشبَّه فليس مني" أخرجه الطبراني في "الأوسط" (٨) بسند لا بأس به، انتهى.
стр. 3159
وذكر القسطلاني (١) فيمن كرهه ابن عمر وسالمًا وابن جبير.
(١٤ - باب السراويل)
ذكر فيه حديث ابن عباس رفعه: "من لم يجد إزارًا فليلبس السراويل" ولم يرد فيه حديث على شرطه، ثم ذكر الحافظ عدة روايات في ذلك (٢).
وقال القسطلاني (٣): والمطابقة للترجمة في قوله: "السراويل" كما لا يخفى، وفي حديث أبي هريرة مرفوعًا عند أبي نعيم الأصبهاني: "إن أول من لبس السراويل إبراهيم الخليل ﷺ "، وفي السنن الأربعة وصححه ابن حبان من حديث سويد بن قيس: "أنه ﷺ اشترى من رجل سراويل"، وعند أبي يعلى والطبراني في حديث طويل وفيه: "فاشترى سراويل بأربعة دراهم"، انتهى مختصرًا.
قال الحافظ (٤): ووقع في "الإحياء" للغزالي: أن الثمن ثلاثة دراهم، والذي تقدم أنه أربعة دراهم أولى، انتهى.
وهل لبس ﷺ السراويل أم لا؟ بسط الكلام عليه أصحاب السير.
(١٥ - باب العمائم)
قال الحافظ (٥): كأنه لم يثبت عنده على شرطه في العمامة شيء، وقد ورد فيها حديث عمرو بن حريث أنه قال: "كأني أنظر إلى رسول الله ﷺ وعليه عمامة سوداء قد أرخى طرفها بين كتفيه" أخرجه مسلم، وعن أبي المليح بن أسامة عن أبيه رفعه: "اعتموا تزدادوا حلمًا" أخرجه الطبراني والترمذي في "العلل المفرد"، وضعّفه البخاري، وقد صححه الحاكم فلم يصب، إلى آخر ما ذكر.
стр. 3160
قلت: وقد ذكر السخاوي في "المقاصد الحسنة" (١) عدة روايات في هذا المعنى، وذكر فيه حديث: "العمائم تيجان العرب" الديلمي من جهة أبي نعيم، ثم من جهة ابن عباس به مرفوعًا بزيادة: "والاحتباء حيطانها"، وقال أيضًا: ومنه للبيهقي في "الشعب" عن ابن عباس مرفوعًا: "عليكم بالعمائم فإنها سيما الملائكة، فأرخوها خلف ظهوركم"، ومما لا يثبت ما أورده الديلمي في "مسنده" عن ابن عمر رفعه: "صلاة بعمامة تعدل بخمس وعشرين صلاة" وعن جابر: "ركعتان بعمامة أفضل من سبعين بغيرها"، ثم قال بعد ذكر الروايات: وبعضه أوهى من بعض، انتهى.
(١٦ - باب التقنّع)
هو تغطية الرأس وأكثر الوجه برداء أو غيره.
ثم قال الحافظ (٢): قال الإسماعيلي ما ذكره من العصابة لا يدخل في التقنع، فالتقنع تغطية الرأس، والعصابة شدّ الخرقة على ما أحاط بالعمامة، قلت: الجامع بينهما وضع شيء زائد على الرأس فوق العمامة، والله أعلم، انتهى.
وقال القاري في "شرح الشمائل" (٣): التقنع معروف، وهو تغطية الرأس بطرف العمامة أو برداء، أعم من أن يكون فوق العمامة أو تحتها؛ لما ورد في البخاري، ثم ذكر حديث الباب وفيه: "متقنعًا بثوبه"، والظاهر أنه كان متغشيًا به فوق العمامة لا تحتها؛ لأنه كان مستخفيًا من أهل مكة متوجهًا إلى المدينة، انتهى.
(فائدة): وقد ترجم الإمام أبو داود (٤): "باب في التقنع"، وذكر فيه حديث الباب أعني حديث الهجرة كما فعل المصنف، وترجم أيضًا الإمام
стр. 3161
الترمذي في "الشمائل": "باب ما جاء في تقنع رسول الله ﷺ "، وذكر تحته حديث أنس قال: "كان رسول الله ﷺ يكثر القناع، كأن ثوبه ثوب زيّات"، ولا يخفى أن المراد بالتقنع ههنا غير المراد في ترجمة البخاري، ولذا قال القاري (١): والمراد به هنا استعمال القناع، وهو ثوب يلقي [به] الشخص على رأسه بعد تدهينه لئلا يصل أثر الدهن إلى القلنسوة والعمامة وأعالي الثوب، انتهى.
وقال الحافظ (٢) في شرح قوله: "متقنعًا": أي: مطيلسًا رأسه، هذا أصل لبس الطيلسان.
وبسط الكلام عليه المناوي (٣) وقال: صح عن ابن مسعود وله حكم المرفوع: "التقنع من أخلاق الأنبياء"، وغير ذلك من الروايات.
(١٧ - باب المغفر)
بكسر الميم وسكون المعجمة وفتح الفاء، ذكر ابن بطال (٤): أن بعض المتعسفين أنكر على مالك قوله في هذا الحديث: "وعلى رأسه المغفر" وأنه تفرد به. قال: والمحفوظ أنه دخل مكة وعليه عمامة سوداء، ثم أجاب عن دعوى التفرد - كما ذكر في "الفتح" فارجع إليه - وعن الحديث الآخر بأنه دخل وعلى رأسه المغفر، وكانت العمامة السوداء فوق المغفر، انتهى مختصرًا من "الفتح" (٥).
وقال القسطلاني (٦): وجمع بين الحديثين باحتمال أن أحدهما كان فوق الآخر، أو دخل أولًا وعليه المغفر ثم نزعه ولبس العمامة السوداء في بقية دخوله، انتهى.
стр. 3162
(١٨ - باب البرود)
جمع بردة بضم الموحدة، قال الجوهري: كساء أسود مربع فيه صور تلبسه الأعراب.
قوله: (والحبرة) وفي نسخة "الفتح": "والحبر"، قال الحافظ: بكسر المهملة وفتح الموحدة جمع حبرة على وزن عنبة، وهي البرد اليماني، وقال الداودي: هي الخضراء؛ لأنها لباس أهل الجنّة، ولذلك يستحب في الكفن، وقال ابن بطال (١): هي من برود اليمن تصنع من قطن، وكانت أشرف الثياب عندهم، سميت حبرة؛ لأنها تحبر، أي: تزين، والتحبير التزيين، انتهى من "الفتح" (٢) بزيادة من كلام العيني.
قال القسطلاني (٣): و"الشملة" بفتح الشين المعجمة وسكون الميم: كساء دون القطيفة يشتمل به، انتهى.
(١٩ - باب الأكسية والخمائص)
جمع خميصة بالخاء المعجمة والصاد المهملة، وهي كساء من صوف أسود أو خزّ مربعة لها أعلام، ولا يسمى الكساء خميصة إلا إن كان لها علم، انتهى من "الفتح" (٤).
(٢٠ - باب اشتمال الصماء)
في "القسطلاني" (٥) عن "القاموس": هو أن يردّ الكساء من قبل يمينه على يده اليسرى وعاتقه الأيسر، ثم يردّه ثانية من خلفه على يده اليمنى فعاتقه الأيمن فيغطيهما جميعًا، أو الاشتمال بثوب واحد ليس عليه غيره،
стр. 3163
ثم يرفعه من أحد جانبيه فيضعه على منكبه، فيبدو منه فرجه، انتهى.
وفي هامش "الهندية" (١) عن "مجمع البحار" (٢): هو أن يتجلّل الرجل بثوبه ولا يرفع منه ويسدّ على يديه ورجليه المنافذ كلها كالصخرة الصماء [التي] ليس فيها خرق ولا صدع، ويقول الفقهاء: هو أن يتغطى بثوب واحد ليس عليه غيره فيرفعه من أحد جانبيه فيضعه على منكبه فتنكشف عورته، ويكره على الأول لئلا يعرض له حاجة من دفع بعض الهوامّ أو غيره فيتعذر عليه أو يعسر، ويحرم على الثاني إن انكشف بعض عورته وإلا يكره، انتهى.
(٢١ - باب الاحتباء في ثوب واحد)
قال العيني (٣): قال الجوهري: احتبى الرجل: إذا جمع ظهره وساقيه بعمامته، وقيل: هو أن يقعد الإنسان على إليتيه وينصب ساقيه ويحتوي عليهما بثوب ونحوه، انتهى.
قلت: وقوله في الترجمة: "في ثوب واحد" كأنه أشار به إلى محمل النهي. قال القسطلاني (٤): لأنه إذا لم يكن عليه إلا ثوب واحد ربما يتحرك فتبدو عورته، انتهى.
قلت: وسيأتي بسط الكلام عليه في "كتاب الاستئذان"، فإن المصنف ﵀ بوّب هناك بـ "باب الاحتباء باليد".
(٢٢ - باب الخميصة السوداء)
تقدم تفسيره قريبًا قبل بابين، قال القسطلاني (٥): ثوب من حرير أو صوف معلم أو كساء رقيق من أيّ لون كان، وقيل: لا تسمى خميصة إلا إذا كانت سوداء معلمة، انتهى.
стр. 3164
(٢٣ - باب الثياب الخضر)
كذا للكشميهني، وللمستملي والسرخسي: "ثياب الخضر" كقولهم: مسجد الجامع، قال ابن بطال (١): الثياب الخضر من ثياب الجنة وكفى بذلك شرفًا لها.
قلت: وأخرج أبو داود من حديث أبي رمثة: "أنه رأى على النبي ﷺ بردين أخضرين"، انتهى من "الفتح" (٢).
(٢٤ - باب الثياب البيض)
كأنه لم يثبت عنده على شرطه فيها شيء صريح، فاكتفى بما وقع في الحديثين اللذين ذكرهما، وقد أخرج أحمد وأصحاب السنن وصححه الحاكم من حديث سمرة رفعه: "عليكم بالثياب البيض فالبسوها فإنها أطيب وأطهر، وكفنوا فيها موتاكم" وأخرج أحمد وأصحاب السنن إلا النسائي وصححه الترمذي وابن حبان من حديث ابن عباس بمعناه وفيه: "فإنها من خير ثيابكم"، انتهى من "الفتح" (٣).
(٢٥ - باب لبس الحرير وافتراشه للرجال وقدر ما يجوز منه)
هكذا في النسخة "الهندية"، وكذا في نسخة "العيني" و"القسطلاني"، وليس في نسخة الحافظ ذكر افتراش، قال: ووقع في "شرح ابن بطال" و"مستخرج أبي نعيم" زيادة افتراشه في الترجمة، والأولى ما عند الجمهور، وقد ترجم للافتراش مستقلًا كما سيأتي بعد أبواب، والتقييد بالرجال يخرج النساء، وسيأتي في ترجمة مستقلة.
قال ابن بطال (٤): اختلف في الحرير فقال قوم: يحرم لبسه في كل
стр. 3165
الأحوال حتى على النساء، نقل ذلك عن علي وابن عمر وحذيفة وأبي موسى وابن الزبير، ومن التابعين عن الحسن وابن سيرين، وقال قوم: يجوز لبسه مطلقًا وحملوا أحاديث المنع على من لبسه خيلاء أو على التنزيه.
قلت: وهذا الثاني ساقط لثبوت الوعيد على لبسه، قال القاضي عياض: إن الإجماع انعقد بعد ابن الزبير ومن وافقه على تحريم الحرير على الرجال وإباحته للنساء، واختلف في علة تحريم الحرير على رأيين مشهورين: أحدهما: الفخر والخيلاء، والثاني: لكونه ثوب رفاهية وزينة فيليق بزيّ النساء دون شهامة الرجال، ويحتمل علة ثالثة وهي التشبه بالمشركين (١)، انتهى.
قلت: وهذا الإجماع في الحرير الخالص، وأما المخلوط ففي "الهداية" (٢): ولا بأس بلبس ما سداه حرير ولحمته غير حرير كالقطن والخز في الحرب وغيره؛ لأن الصحابة ﵃ كانوا يلبسون الخز مسدًّى بالحرير، ولأن الثوب إنما يصير ثوبًا بالنسج، والنسج باللحمة فكانت هي المعتبرة دون السدي، انتهى.
وفي "جامع الرموز" (٣): قوله: ولحمته غيره. . . إلخ، سواء كان مغلوبًا أو مساويًا للحرير كالقطن والكتان والصوف، فإن الاعتبار لآخر الوصفين، وقيل: لا يلبس إلا إذا غلب اللحمة على الحرير، والصحيح الأولى كما في "المحيط"، انتهى.
وهذا التفصيل، أي: التفريق بين السدي واللحمة عندنا الحنفية، وأما الجمهور فالعبرة عندهم للغلبة، قال الموفق (٤): فأما المنسوج من الحرير وغيره كثوب منسوج من قطن وإبريسم أو قطن وكتّان فالحكم للأغلب منها؛ لأن الأولى مستهلك فيه، قال ابن عبد البر: مذهب ابن عباس وجماعة
стр. 3166
من أهل العلم أن المحرم الحرير الصافي الذي لا يخالطه غيره، فإن كان الأقل الحرير فهو مباح، وإن كان القطن فهو محرم، فإن استويا ففي تحريمه وإباحته وجهان، وهذا مذهب الشافعي، انتهى.
وذكر العلامة العيني في هذه المسألة عشرة أقوال للعلماء.
وأما الجزء الثالث من الترجمة ففيه خلاف أيضًا قال العيني (١): قال شيخنا: في حديث عمر ﵁ حجة لما قاله أصحابنا من أنه لا يرخص في التطريز والعلم في الثوب إذا زاد على أربعة أصابع، وأنه تجوز الأربعة فما دونها، وممن ذكره من أصحابنا البغوي في "التهذيب" وتبعه الرافعي والنووي، انتهى.
وذكر الزاهدي من أصحابنا الحنفية أن العمامة إذا كانت طُرّتُها قدر أربع أصابع من إبريسم بأصابع عمر، وذلك قيس شبرنا يرخص فيه، والأصابع لا مضمومة كل الضم ولا منشورة كل النشر، والعلم في مواضع قال بعضهم: يجمع، وقيل: لا يجمع، إلى آخر ما ذكر في تفصيل المسألة.
(٢٦ - باب مس الحرير من غير لبس)
وفي نسخة "الفتح": "من مس الحرير"، ويستفاد غرض الترجمة مما حكاه الحافظ (٢) عن ابن بطال (٣) من أن النهي عن لبس الحرير ليس من أجل نجاسة عينه، بل من أجل أنه ليس من لباس المتقين، وعينه مع ذلك طاهرة فيجوز مسّه وبيعه والانتفاع بثمنه، انتهى.
قلت: ومما ينبغي الوقوف عليه لكونه مناسبًا لهذا المقام، ولم يتعرض له أحد من الشرَّاح أنه لا يتوهم من ظاهر لفظ الترجمة أن البخاري أراد به أنه ﵊ لم يلبس الحرير، ويتأكد هذا التوهم من كلام
стр. 3167
العيني (١) حيث قال: أي: هذا باب في بيان من مسّ الحرير وتعجب منه ولم يلبس، انتهى.
لكن هذا ليس بصحيح فإنه قد أخرج الترمذي (٢) في "باب" بلا ترجمة من أبواب اللباس بسنده عن واقد بن عمرو بن سعد بن معاذ قال: "قدم أنس بن مالك فأتيته، فقال: من أنت؟ فقلت: أنا واقد بن عمرو، قال: فبكى، وقال: إنك لشبيه بسعد، وإن سعدًا كان من أعظم الناس وأطولهم، وأنه بُعث إلى النبي ﷺ جبة من ديباج منسوج (٣) فيها الذهب فلبسها رسول الله ﷺ فصعد المنبر فجعل الناس يلمسونها فقال: أتعجبون من هذا؟ لمناديل سعد في الجنة خير مما ترون"، انتهى.
وكذا أخرجه أحمد (٤) ولفظه: "إن أكيدر دومة أهدى إلى النبي ﷺ جبة سندس أو ديباج قبل أن ينهى عن الحرير فلبسها" الحديث.
قوله: (ويروى فيه عن الزبيدي عن الزهري. . .) إلخ، قال الحافظ (٥): أراد البخاري بهذا التعليق ما رويناه في "المعجم الكبير" (٦) للطبراني من طريق عبد الله بن سالم الحمصي عن الزبيدي عن الزهري عن أنس قال: "أهدي للنبي ﷺ حلة من استبرق، فجعل ناس يلمسونها بأيديهم ويتعجبون منها، فقال النبي ﷺ : تعجبكم هذه؟ فوالله لمناديل سعد في الجنة أحسن منها" قال الدارقطني في "الأفراد": لم يروه عن الزبيدي إلا عبد الله بن سالم، انتهى.
(٢٧ - باب افتراش الحرير)
أي: حكمه في الحلّ والحرمة، قاله الحافظ (٧).
وقال في شرح الحديث: قوله: "وأن نجلس عليه" قد أخرج البخاري
стр. 3168
ومسلم حديث حذيفة من عدة أوجه ليس فيها هذه الزيادة، وهي قوله: "وأن نجلس عليه"، وهي حجة قوية لمن قال: يمنع الجلوس على الحرير، وهو قول الجمهور خلافًا لابن الماجشون والكوفيين وبعض الشافعية، وأجاب بعض الحنفية بأن لفظ "نهى" ليس صريحًا في التحريم، وبعضهم باحتمال أن يكون النهي ورد عن مجموع اللبس والجلوس لا عن الجلوس بمفرده، وأدار بعض الحنفية الجواز والمنع على اللبس لصحة الأخبار فيه، قالوا: والجلوس ليس بلبس، واحتج الجمهور بحديث أنس: "فقمت إلى حصير لنا قد اسودَّ من طول ما لبس"، ولأن لبس كل شيء بحسبه، انتهى من "الفتح" مختصرًا.
وفي "الدر المختار" (١): ويحلّ توسده وافتراشه والنوم عليه، وقالا والشافعي ومالك: حرام وهو الصحيح، انتهى.
وذكر ابن عابدين: قيل: أبو يوسف مع أبي حنيفة، وقيل: مع محمد، انتهى.
وذكر ابن عابدين وكذا العلَّامة العيني (٢) مستدلات الحنفية في ذلك، وبحديث الباب استدل ابن قدامة على تحريم الافتراش كما في "المغني" (٣)، وبه استدل الجمهور كما تقدم في كلام الحافظ.
(٢٨ - باب لبس القسي)
بفتح القاف وتشديد المهملة بعدها ياء نسبة، وذكر أبو عبيد في "غريب الحديث": أن أهل الحديث يقولونه بكسر القاف، وأهل مصر يفتحونها، وهي نسبة إلى بلد يقال لها: القس رأيتها، ولم يعرفها الأصمعي، وكذا قال الأكثر: هي نسبة للقس قرية بمصر، منهم الطبري وابن سيده، ثم ذكر الحافظ الاختلاف في محل وقوع هذه القرية، ثم قال:
стр. 3169
وحكاه أبو عبيد الهروي عن شمر اللغوي أنها بالزاي لا بالسين، نسبة إلى القز وهو الحرير، فأبدلت الزاي سينًا (١)، انتهى.
وقال العلَّامة العيني (٢): أي: هذا باب في بيان لبس الثوب القسي.
قلت: القس كانت بلدة على ساحل البحر الملح بالقرب من دمياط، كان ينسج فيها الثياب من الحرير، واليوم خرابة، انتهى.
وفي الحاشية "الهندية" (٣) عن "المجمع" (٤): هي ثياب من كتّان مخلوط بحرير، وفسّر بثياب مضلعة فيها حرير أمثال الأترنج، انتهى.
قلت: وهذا الثاني الأخير مصرَّح في حديث الباب.
(٢٩ - باب ما يرخص للرجال من الحرير للحكّة)
بكسر المهملة وتشديد الكاف: نوع من الجرب، أعاذنا الله تعالى منه.
وذكر الحكة مثالًا لا قيدًا، وقد ترجم له في الجهاد: "الحرير للجرب"، وتقدم أن الراجح أنه بالمهملة وسكون الراء، وقال في شرح الحديث: قال الطبري: فيه دلالة على أن النهي عن لبس الحرير لا يدخل فيه من كانت به علة يخففها لبس الحرير، انتهى.
ويلتحق بذلك ما يقي من الحر أو البرد حيث لا يوجد غيره، وقد تقدم في الجهاد أن بعض الشافعية خصّ الجواز بالسفر دون الحضر، واختاره ابن الصلاح، وخصّه النووي في "الروضة" مع ذلك بالحكة، ونقله الرافعي في القمل أيضًا، انتهى (٥).
стр. 3170
وقال النووي في "شرح مسلم" (١) تحت حديث الباب: وهذا الحديث صريح في الدلالة لمذهب الشافعي وموافقيه أنه يجوز لبس الحرير للرجل إذا كانت به حكّة لما فيه من البرودة، وكذلك للقمل وما في معنى ذلك، وقال مالك: لا يجوز، وهذا الحديث حجة عليه، وفي هذا الحديث دليل لجواز لبس الحرير عند الضرورة، كمن فاجأته الحرب، ولمن خاف من حر أو برد أو نحوها ولم يجد غيره، ثم الصحيح عند أصحابنا والذي قطع به جماهيرهم أنه يجوز لبس الحرير للحكة ونحوها في السفر والحضر جميعًا، وقال بعض أصحابنا: يختص بالسفر وهو ضعيف، انتهى.
وقال ابن قدامة في "المغني" (٢): فإن لبس الحرير للقمل أو الحكة أو مرض ينفعه لُبسُ الحرير جاز في إحدى الروايتين، ثم ذكر حديث الباب، وقال: وما ثبت في حق صحابي ثبت في حق غيره ما لم يقم دليل التخصيص، والرواية الأخرى: لا يباح لُبسه للمرض لاحتمال أن تكون الرخصة خاصة لهما وهو قول مالك، والأول أصح إن شاء الله، والتخصيص على خلاف الأصل، انتهى.
ولم أجد الكلام على هذه المسألة مشبعًا في فروع الحنفية، وفي "البحر" (٣) وفي "التتارخانية": وإنما يكره اللبس إذا لم تقع الحاجة في لُبس، فلو كان به جرب أو حكة كثيرًا ولا يجد غيره لا يكره لبسه، انتهى.
وهكذا حكى ابن عابدين (٤) عن "التتارخانية" بزيادة حديث الباب في الاستدلال، ثم قال: أقول: لكن صرّح الزيلعي قبيل الفصل الآتي أنه ﵇ رخص ذلك خصوصية لهما، تأمل، انتهى.
قلت: وكذا حمل حديث الباب على الخصوصية أبو بكر الجصاص في "أحكام القرآن" (٥) تحت قوله تعالى: ﴿وَلَا جُنُبًا إلا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا﴾ [النساء: ٤٣]،
стр. 3171
فإنه ذكر في تفسير هذه الآية ما ورد من خصوصية علي ﵁ في جواز المرور له في المسجد جنبًا وغير ذلك من الخصوصيات الواردة في حق بعض الصحابة، وعدّ من جملتها خصوصية الزبير بإباحة لبس الحرير، وذكر شيخنا في "البذل" (١) تحت حديث الباب عن تقرير شيخ شيوخنا الكَنكَوهي: قوله: "من حكة" وقد تعين العلاج به ههنا لضرورة كونهم على السفر، ولا شيء ثمة يداوي به، فما أبيح للضرورة لا يتعداها ويتقدر بقدرها، انتهى.
وهذا ما يتعلق بمسألة الباب، وأما ما يتعلق بصنيع المصنف من دقائق الترجمة فقوله: "للحكة" فلعله أشار به إلى ترجيحها في علة الجواز، فلا يختص الرخصة بالسفر.
قال القسطلاني (٢): قال السبكي: الروايات في الرخصة لعبد الرحمن والزبير يظهر أنها مرة واحدة اجتمع عليهما الحكة والقمل في السفر، وكأن الحكة نشأت عن أثر القمل، وحينئذ فقد يقال: المقتضي للترخيص إنما هو اجتماع الثلاثة، وليس أحدها بمنزلتها، فينبغي اقتصار الرخصة على مجموعها، إلى آخر ما ذكر.
وعندي أيضًا لفظ الترجمة يشير إلى أن الحكم الوارد في حديث الباب ليس بخصيصة للزبير كما قاله الحنفية، بل هو رخصة عامة لجميع الرجال لأجل الحكة.
(٣٠ - باب الحرير للنساء)
لعله أفرده بالذكر لوجود الخلاف فيه في السلف، كما تقدمت الإشارة إليه في "باب لبس الحرير".
وقال الحافظ (٣): كأنه لم يثبت عنده الحديثان المشهوران في
стр. 3172
تخصيص النهي بالرجال صريحًا، فاكتفى بما يدل على ذلك، وقد أخرج أحمد وأصحاب "السنن" وصححه ابن حبان والحاكم من حديث علي: "أن النبي ﷺ أخذ حريرًا وذهبًا فقال: هذان حرامان على ذكور أمتي، حلّ لإناثهم" وأخرج أبو داود والنسائي وصححه الترمذي والحاكم من حديث أبي موسى وأعلّه ابن حبان وغيره بالانقطاع، إلى آخر ما ذكر.
قلت: ولفظه عند الترمذي (١) عن أبي موسى الأشعري: أن رسول الله ﷺ قال: "حرم لباس الحرير والذهب على ذكور أمتي، وأحل لإناثهم" ثم قال الترمذي: وفي الباب عن عمر وعلي وعقبة بن عامر وأم هانيء وأنس وحذيفة وعبد الله بن عمرو وعمران بن حصين وعبد الله بن الزبير وجابر وأبي ريحانة وابن عمر والبراء، هذا حديث حسن صحيح، وقد تقدم الاختلاف في مسألة الباب في "باب لبس الحرير وافتراشه".
وقال الحافظ (٢): قال ابن أبي جمرة (٣): إن قلنا: إن تخصيص النهي للرجال لحكمة فالذي يظهر أنه علم قلة صبرهن عن التزين فلطف بهن في إباحته، ولأن تزيينهن غالبًا إنما هو للأزواج وقد ورد: "أن حسن التبعل من الإيمان" قال: ويستنبط من هذا أن الفحل لا يصلح له أن يبالغ في استعمال الملذوذات لكون ذلك من صفات الإناث، انتهى.
(٣١ - باب ما كان النبي ﷺ يتجوّز من اللباس والبسط)
معنى قوله: "يتجوز": يتوسع، فلا يضيق بالاقتصار على صنف بعينه، أو لا يضيق بطلب النفيس والغالي بل يستعمل ما تيسر، ووقع في رواية الكشميهني: "يتجزى" بجيم وزاي أيضًا لكنها ثقيلة مفتوحة بعدها ألف وهي أوضح، والبسط بفتح الموحدة: ما يبسط ويجلس عليه، انتهى من "الفتح" (٤).