ومسلم حديث حذيفة من عدة أوجه ليس فيها هذه الزيادة، وهي قوله: "وأن نجلس عليه"، وهي حجة قوية لمن قال: يمنع الجلوس على الحرير، وهو قول الجمهور خلافًا لابن الماجشون والكوفيين وبعض الشافعية، وأجاب بعض الحنفية بأن لفظ "نهى" ليس صريحًا في التحريم، وبعضهم باحتمال أن يكون النهي ورد عن مجموع اللبس والجلوس لا عن الجلوس بمفرده، وأدار بعض الحنفية الجواز والمنع على اللبس لصحة الأخبار فيه، قالوا: والجلوس ليس بلبس، واحتج الجمهور بحديث أنس: "فقمت إلى حصير لنا قد اسودَّ من طول ما لبس"، ولأن لبس كل شيء بحسبه، انتهى من "الفتح" مختصرًا.
وفي "الدر المختار" (١): ويحلّ توسده وافتراشه والنوم عليه، وقالا والشافعي ومالك: حرام وهو الصحيح، انتهى.
وذكر ابن عابدين: قيل: أبو يوسف مع أبي حنيفة، وقيل: مع محمد، انتهى.
وذكر ابن عابدين وكذا العلَّامة العيني (٢) مستدلات الحنفية في ذلك، وبحديث الباب استدل ابن قدامة على تحريم الافتراش كما في "المغني" (٣)، وبه استدل الجمهور كما تقدم في كلام الحافظ.
(٢٨ - باب لبس القسي)
بفتح القاف وتشديد المهملة بعدها ياء نسبة، وذكر أبو عبيد في "غريب الحديث": أن أهل الحديث يقولونه بكسر القاف، وأهل مصر يفتحونها، وهي نسبة إلى بلد يقال لها: القس رأيتها، ولم يعرفها الأصمعي، وكذا قال الأكثر: هي نسبة للقس قرية بمصر، منهم الطبري وابن سيده، ثم ذكر الحافظ الاختلاف في محل وقوع هذه القرية، ثم قال:
стр. 3169
وحكاه أبو عبيد الهروي عن شمر اللغوي أنها بالزاي لا بالسين، نسبة إلى القز وهو الحرير، فأبدلت الزاي سينًا (١)، انتهى.
وقال العلَّامة العيني (٢): أي: هذا باب في بيان لبس الثوب القسي.
قلت: القس كانت بلدة على ساحل البحر الملح بالقرب من دمياط، كان ينسج فيها الثياب من الحرير، واليوم خرابة، انتهى.
وفي الحاشية "الهندية" (٣) عن "المجمع" (٤): هي ثياب من كتّان مخلوط بحرير، وفسّر بثياب مضلعة فيها حرير أمثال الأترنج، انتهى.
قلت: وهذا الثاني الأخير مصرَّح في حديث الباب.
(٢٩ - باب ما يرخص للرجال من الحرير للحكّة)
بكسر المهملة وتشديد الكاف: نوع من الجرب، أعاذنا الله تعالى منه.
وذكر الحكة مثالًا لا قيدًا، وقد ترجم له في الجهاد: "الحرير للجرب"، وتقدم أن الراجح أنه بالمهملة وسكون الراء، وقال في شرح الحديث: قال الطبري: فيه دلالة على أن النهي عن لبس الحرير لا يدخل فيه من كانت به علة يخففها لبس الحرير، انتهى.
ويلتحق بذلك ما يقي من الحر أو البرد حيث لا يوجد غيره، وقد تقدم في الجهاد أن بعض الشافعية خصّ الجواز بالسفر دون الحضر، واختاره ابن الصلاح، وخصّه النووي في "الروضة" مع ذلك بالحكة، ونقله الرافعي في القمل أيضًا، انتهى (٥).
стр. 3170
وقال النووي في "شرح مسلم" (١) تحت حديث الباب: وهذا الحديث صريح في الدلالة لمذهب الشافعي وموافقيه أنه يجوز لبس الحرير للرجل إذا كانت به حكّة لما فيه من البرودة، وكذلك للقمل وما في معنى ذلك، وقال مالك: لا يجوز، وهذا الحديث حجة عليه، وفي هذا الحديث دليل لجواز لبس الحرير عند الضرورة، كمن فاجأته الحرب، ولمن خاف من حر أو برد أو نحوها ولم يجد غيره، ثم الصحيح عند أصحابنا والذي قطع به جماهيرهم أنه يجوز لبس الحرير للحكة ونحوها في السفر والحضر جميعًا، وقال بعض أصحابنا: يختص بالسفر وهو ضعيف، انتهى.
وقال ابن قدامة في "المغني" (٢): فإن لبس الحرير للقمل أو الحكة أو مرض ينفعه لُبسُ الحرير جاز في إحدى الروايتين، ثم ذكر حديث الباب، وقال: وما ثبت في حق صحابي ثبت في حق غيره ما لم يقم دليل التخصيص، والرواية الأخرى: لا يباح لُبسه للمرض لاحتمال أن تكون الرخصة خاصة لهما وهو قول مالك، والأول أصح إن شاء الله، والتخصيص على خلاف الأصل، انتهى.
ولم أجد الكلام على هذه المسألة مشبعًا في فروع الحنفية، وفي "البحر" (٣) وفي "التتارخانية": وإنما يكره اللبس إذا لم تقع الحاجة في لُبس، فلو كان به جرب أو حكة كثيرًا ولا يجد غيره لا يكره لبسه، انتهى.
وهكذا حكى ابن عابدين (٤) عن "التتارخانية" بزيادة حديث الباب في الاستدلال، ثم قال: أقول: لكن صرّح الزيلعي قبيل الفصل الآتي أنه ﵇ رخص ذلك خصوصية لهما، تأمل، انتهى.
قلت: وكذا حمل حديث الباب على الخصوصية أبو بكر الجصاص في "أحكام القرآن" (٥) تحت قوله تعالى: ﴿وَلَا جُنُبًا إلا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا﴾ [النساء: ٤٣]،
стр. 3171
فإنه ذكر في تفسير هذه الآية ما ورد من خصوصية علي ﵁ في جواز المرور له في المسجد جنبًا وغير ذلك من الخصوصيات الواردة في حق بعض الصحابة، وعدّ من جملتها خصوصية الزبير بإباحة لبس الحرير، وذكر شيخنا في "البذل" (١) تحت حديث الباب عن تقرير شيخ شيوخنا الكَنكَوهي: قوله: "من حكة" وقد تعين العلاج به ههنا لضرورة كونهم على السفر، ولا شيء ثمة يداوي به، فما أبيح للضرورة لا يتعداها ويتقدر بقدرها، انتهى.
وهذا ما يتعلق بمسألة الباب، وأما ما يتعلق بصنيع المصنف من دقائق الترجمة فقوله: "للحكة" فلعله أشار به إلى ترجيحها في علة الجواز، فلا يختص الرخصة بالسفر.
قال القسطلاني (٢): قال السبكي: الروايات في الرخصة لعبد الرحمن والزبير يظهر أنها مرة واحدة اجتمع عليهما الحكة والقمل في السفر، وكأن الحكة نشأت عن أثر القمل، وحينئذ فقد يقال: المقتضي للترخيص إنما هو اجتماع الثلاثة، وليس أحدها بمنزلتها، فينبغي اقتصار الرخصة على مجموعها، إلى آخر ما ذكر.
وعندي أيضًا لفظ الترجمة يشير إلى أن الحكم الوارد في حديث الباب ليس بخصيصة للزبير كما قاله الحنفية، بل هو رخصة عامة لجميع الرجال لأجل الحكة.
(٣٠ - باب الحرير للنساء)
لعله أفرده بالذكر لوجود الخلاف فيه في السلف، كما تقدمت الإشارة إليه في "باب لبس الحرير".
وقال الحافظ (٣): كأنه لم يثبت عنده الحديثان المشهوران في
стр. 3172
تخصيص النهي بالرجال صريحًا، فاكتفى بما يدل على ذلك، وقد أخرج أحمد وأصحاب "السنن" وصححه ابن حبان والحاكم من حديث علي: "أن النبي ﷺ أخذ حريرًا وذهبًا فقال: هذان حرامان على ذكور أمتي، حلّ لإناثهم" وأخرج أبو داود والنسائي وصححه الترمذي والحاكم من حديث أبي موسى وأعلّه ابن حبان وغيره بالانقطاع، إلى آخر ما ذكر.
قلت: ولفظه عند الترمذي (١) عن أبي موسى الأشعري: أن رسول الله ﷺ قال: "حرم لباس الحرير والذهب على ذكور أمتي، وأحل لإناثهم" ثم قال الترمذي: وفي الباب عن عمر وعلي وعقبة بن عامر وأم هانيء وأنس وحذيفة وعبد الله بن عمرو وعمران بن حصين وعبد الله بن الزبير وجابر وأبي ريحانة وابن عمر والبراء، هذا حديث حسن صحيح، وقد تقدم الاختلاف في مسألة الباب في "باب لبس الحرير وافتراشه".
وقال الحافظ (٢): قال ابن أبي جمرة (٣): إن قلنا: إن تخصيص النهي للرجال لحكمة فالذي يظهر أنه علم قلة صبرهن عن التزين فلطف بهن في إباحته، ولأن تزيينهن غالبًا إنما هو للأزواج وقد ورد: "أن حسن التبعل من الإيمان" قال: ويستنبط من هذا أن الفحل لا يصلح له أن يبالغ في استعمال الملذوذات لكون ذلك من صفات الإناث، انتهى.
(٣١ - باب ما كان النبي ﷺ يتجوّز من اللباس والبسط)
معنى قوله: "يتجوز": يتوسع، فلا يضيق بالاقتصار على صنف بعينه، أو لا يضيق بطلب النفيس والغالي بل يستعمل ما تيسر، ووقع في رواية الكشميهني: "يتجزى" بجيم وزاي أيضًا لكنها ثقيلة مفتوحة بعدها ألف وهي أوضح، والبسط بفتح الموحدة: ما يبسط ويجلس عليه، انتهى من "الفتح" (٤).
стр. 3173
وتعقب العلَّامة العيني (١) على كلام الحافظ في ضبط هذين اللفظين فقال في الأول يعني قوله: "يتجزى": وما أظنه صحيحًا إلا بالحاء المهملة والراء، ثم حكى في ضبط لفظ البسط ما تقدم في كلام الحافظ.
ثم قال: وقال الكرماني: البسط جمع البساط فحينئذ لا تكون الباء إلا مضمومة، وما أظن الصحيح إلا هذا، انتهى.
قلت: والذي ذكره الإمام البخاري في هذه الترجمة هو الأصل في دأبه ﷺ في اللباس أي: التوسع، فلا يضيق بالاقتصار على صنف بعينه بل يستعمل ما تيسر بلا كلفة، ولذا افتتح القسطلاني في "المواهب اللدنية" بيان لبسه ﷺ من ترجمة البخاري هذه (٢).
(٣٢ - باب ما يدعى لمن لبس ثوبًا جديدًا)
قال الحافظ (٣): كأنه لم يثبت عنده حديث ابن عمر قال: "رأى النبي ﷺ على عمر ثوبًا فقال: البس جديدًا، وعش حميدًا، ومت شهيدًا" أخرجه النسائي وابن ماجه وصححه ابن حبان وأعله النسائي، وجاء أيضًا فيما يدعو به من لبس الثوب الجديد أحاديث: منها ما أخرجه أبو داود والنسائي والترمذي وصححه من حديث أبي سعيد: "كان رسول الله ﷺ إذا استجدّ ثوبًا سماه باسمه عمامة أو قميصًا أو رداء، ثم يقول: اللَّهم لك الحمد، أنت كسوتنيه، أسألك خيره وخير ما صنع له، وأعوذ بك من شره وشر ما صنع له"، وغير ذلك من الروايات التي ذكرها الحافظ.
وقال العيني (٤) بعد ذكر تلك الروايات: ولم يرو البخاري حديثًا منها؛ لأنها لم تثبت على شرطه، انتهى.
قلت: ولعله لم يترجم لهذا الوجه بما يقول الرجل عند لبسه ثوبًا
стр. 3174
جديدًا، وإلا فمقتضى القياس أن يترجم لهذا المعنى ليتم المقابلة بهذه الترجمة، وهكذا صنع الإمام أبو داود في "سننه"، وأما الإمام الترمذي فقد ترجم في "جامعه" لكلا المعنيين على حدة.
(٣٣ - باب التزعفر للرجال)
كذا في النسخة "الهندية" و"العيني" و"القسطلاني"، وفي نسخة "الفتح": "النهي عن التزعفر للرجال".
قال الحافظ (١) أي: في الجسد لأنه ترجم بعده "باب الثوب المزعفر"، وقيّده بالرجل ليخرج المرأة، انتهى.
وقال العيني (٢) تحت حديث الباب: قال ابن بطال وابن التِّين: هذا النهي خاصّ بالجسد ومحمول على الكراهة؛ لأن تزعفر الجسد من الرفاهية التي نهى الشارع عنها بقوله: "البذاذة من الإيمان"، والدليل على كون النهي محمولًا على الكراهة دون التحريم حديثُ أنس: "أن عبد الرحمن بن عوف قدم على رسول الله ﷺ وبه أثر صفرة، فقال: مهيم" الحديث، فلم ينكر عليه النبي ﷺ ولا أمره بغسلها فدلّ على أن نهيه عنه لمن لم يكن عروسًا إنما هو محمول على الكراهة، انتهى.
قال الحافظ (٣): واختلف في النهي عن التزعفر هل هو لرائحته لكونه من طيب النساء ولهذا جاء الزجر عن الخلوق، أو للونه فيلتحق به كل صفرة؟ وقد نقل البيهقي عن الشافعي أنه قال: أنهى الرجل الحلال بكل حال أن يتزعفر وأرخص في المعصفر، ثم ذكر عن البيهقي رواية في النهي عن المعصفر، ثم نقل عن البيهقي: ولو بلغ ذلك الشافعي لقال به اتباعًا للسُّنَّة كعادته.
стр. 3175
وقال النووي: ورخص مالك في المعصفر والمزعفر في البيوت وكرهه في المحافل.
وقال الحافظ أيضًا: والكراهة لمن تزعفر في بدنه أشد من الكراهة لمن تزعفر في ثوبه، انتهى ملخصًا ومختصرًا.
وتقدم في "كتاب النكاح" "باب الصفرة للمتزوج" وما قال الحافظ (١) هناك من أن المصنف قيده بالمتزوج إشارةً إلى الجمع بين حديث الباب وحديث النهي عن التزعفر للرجال، وتقدم هناك عن القسطلاني (٢) أن التزعفر منهي عنه عند الشافعية والحنفية، وقال المالكية: يجوز في الثوب دون البدن.
(٣٤ - باب الثوب المزعفر)
قال الحافظ (٣) في شرح الحديث: وقد أخذ من التقييد بالمحرم جواز لبس الثوب المزعفر للحلال، قال ابن بطال: أجاز مالك وجماعة لباس الثوب المزعفر للحلال، وقالوا: إنما وقع النهي عنه للمحرم خاصة، وحمله الشافعي والكوفيون على المحرم وغير المحرم، وحديث ابن عمر الآتي في "باب النعال السبتية" يدل على الجواز، فإن فيه أن النبي ﷺ كان يصبغ بالصفرة، قال المهلب: الصفرة أبهج الألوان إلى النفس، وقد أشار إلى ذلك ابن عباس في قوله تعالى: ﴿صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَوْنُهَا تَسُرُّ النَّاظِرِينَ﴾ [البقرة: ٦٩]، انتهى.
وأخرج مالك في "الموطأ" عن نافع "أن عبد الله بن عمر كان يلبس الثوب المصبوغ بالزعفران".
وفي "الأوجز" (٤): قال الباجي (٥): أما المصبوغ بالزعفران فذهب
стр. 3176
ابن عمر إلى إباحة ذلك، وبه قال مالك وأكثر فقهاء المدينة، إلى آخر ما ذكر، وفي "المحلى": روى الشيخان عن أنس: "أنه ﷺ هي أن يتزعفر الرجل" وبه قال أبو حنيفة والشافعي والجمهور: أنه يكره تحريمًا لبس الثوب المزعفر، قال ابن الهمام: وإنما عملوا بالنهي مع معارضة أخبار الإباحة تقديمًا للمحرم على المبيح، انتهى من "الأوجز".
وأما حكم الثوب المعصفر وإن لم يتعرض له البخاري فنحن نذكره تتميمًا للفائدة وتكميلًا لها، فقد أخرج مسلم في "صحيحه" عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: "رأى رسول الله ﷺ عليّ ثوبين معصفرين فقال: إن هذه من ثياب الكفار فلا تلبسها" وفي رواية فقال: "أأمك أمرتك بهذا؟ قلت: أغسلهما؟ قال: بل أحرقهما".
قال النووي (١): اختلف العلماء في الثياب المعصفرة وهي المصبوغة بعصفر، فأباحها جمهور العلماء من الصحابة والتابعين ومن بعدهم، وبه قال الشافعي وأبو حنيفة ومالك، لكنه قال: غيرها أفضل منها، وفي رواية عنه أنه أجاز لبسها في البيوت وأفنية الدور، وكرهه في المحافل والأسواق ونحوها، وقال جماعة من العلماء: هو مكروه كراهة تنزيه، وحملوا النهي على هذا؛ لأنه ثبت أن النبي ﷺ لبس حلة حمراء، وفي "الصحيحين" عن ابن عمر قال: "رأيت النبي ﷺ يصبغ بالصفرة" وقال الخطابي: النهي منصرف إلى ما صبغ بعد النسج، فأما ما صبغ غزله ثم نسج فليس بداخل في النهي، وحمل بعض العلماء النهي هنا على المحرم بالحج أو العمرة، ثم ذكر النووي عن الإمام البيهقي ما تقدم في الباب السابق، وحاصله ترجيح تحريم المعصفر للأحاديث الواردة فيه.
قلت: وما حكى النووي من مذهب أبي حنيفة إباحة المعصفر ليس بصحيح، ففي "الدر المختار" (٢): كره لبس المعصفر والمزعفر للرجال، انتهى.
стр. 3177
قال صاحب "المحلى": حكاية الإباحة عن أبي حنيفة لا توجد في كتب المذهب، كذا في "الأوجز" (١)، وذكر الزرقاني عن مالك فيه عدة روايات كما في "الأوجز"، منها ما تقدم في كلام النووي، وعنه الجواز مطلقًا، وعنه الكراهة مطلقًا وهي المشهورة، ففي "المدونة": كره مالك الثوب المعصفر المفدم للرجال في غير الإحرام، والمفدم بضم الميم وسكون الفاء وفتح الدال المهملة: القوي الصبغ الذي ردّ في العصفر مرة بعد أخرى، قال في "التوضيح": أما المعصفر غير المفدم والمزعفر فيجوز لبسها في غير الإحرام، نصّ على الأول في "المدونة" وعلى الثاني في غيرها، انتهى.
وضبط الحافظ المفدم بتشديد الدال، كذا في "الأوجز"، وكذا يكره لبس المزعفر والمعصفر عند الحنابلة كما في "المغني" (٢).
فحاصل الخلاف في لبس المعصفر والمزعفر: أن المزعفر يكره لبسه للرجل عند الجمهور، منهم الأئمة الثلاثة خلافًا لمالك فإنه أباحه، وأما المعصفر فكالمزعفر يكره عندنا الحنفية والحنابلة، وأباحه الشافعي خلافًا للبيهقي فإنه رجّح الكراهة، واختلفت الروايات فيه عن مالك، والمشهور عندهم كراهة المعصفر المفدم وإباحة غيره.
(٣٥ - باب الثوب الأحمر)
قال الحافظ (٣): وتقدم في "باب التزعفر" ما يتعلق بالمعصفر فإنه غالب ما يصبغ بالعصفر يكون أحمر، وقد تلخص لنا من أقوال السلف في لبس الثوب الأحمر سبعة أقوال:
الأول: الجواز مطلقًا، ونسب الحافظ هذا المذهب إلى جماعة من الصحابة والتابعين منهم ابن المسيب والنخعي.
стр. 3178
القول الثاني: المنع مطلقًا لما أخرجه ابن ماجه من حديث ابن عمر مرفوعًا من النهي عن المفدم وهو بالفاء وتشديد الدال وهو المشبع بالعصفر، ثم ذكر الحافظ عدة روايات في المنع عن الحمرة.
القول الثالث: يكره لبس الثوب المشبع بالحمرة دون ما كان صبغه خفيفًا، جاء ذلك عن عطاء وطاوس ومجاهد.
الرابع: يكره لبس الأحمر مطلقًا لقصد الزينة والشهرة، ويجوز في البيوت والمهنة، جاء ذلك عن ابن عباس، وقد تقدم قول مالك في "باب التزعفر".
القول الخامس: يجوز لبس ما كان صبغ غزله ثم نسج، ويمنع ما صبغ بعد النسج، جنح إلى ذلك الخطابي، واحتج بأن الحلة الواردة في الأخبار الواردة في لبسه ﷺ الحلة الحمراء إحدى حلل اليمن، وكذلك البرد الأحمر وبرود اليمن يصبغ غزلها ثم ينسج.
القول السادس: اختصاص النهي بما يصبغ بالعصفر لورود النهي عنه، ولا يمنع ما صبغ بغيره من الأصباغ.
القول السابع: تخصيص المنع بالثوب الذي يصبغ كله، وأما ما فيه لون آخر غير الأحمر من بياض وسواد وغيرهما فلا، وعلى ذلك تحمل الأحاديث الواردة في الحلة الحمراء، فإن الحلل اليمانية غالبًا تكون ذات خطوط حمر وغيرها، إلى آخر ما ذكر الحافظ ما هو الراجح عنده من التحقيق في هذا المقام.
وكتب الشيخ الكَنكَوهي في "الكوكب الدري": والمذهب في لبس الحمرة والصفرة أن المزعفر والمعصفر ممنوع عنه الرجال مطلقًا، والحمرة والصفرة غير ذلك، فالفتوى على جوازهما مطلقًا، لكن التقوى غير ذلك، والله أعلم بالصواب، انتهى.
стр. 3179
وفي هامشه عن "الدر المختار" (١): كره لبس المعصفر والمزعفر الأحمر والأصفر للرجال ولا بأس بسائر الألوان، وفي "شرح النقاية" وغيره: لا بأس بالثوب الأحمر، ومفاده أن الكراهة تنزيهية، وصرَّح في "التحفة" بالحرمة، فأفاد أنها تحريمية وهي المحمل عند الإطلاق، وللشرنبلالي فيه رسالة نقل فيها ثمانية أقوال، منها أنه مستحب، انتهى.
وقال القاري في "شرح الشمائل" (٢) في شرح قوله: "وعليه حلة حمراء": أي: ما فيه خطوط حمر، وإلا فالأحمر البحت منهي عنه ومكروه لبسه، إلى آخر ما ذكر.
ولم يرض به الشارح المناوي وردّ على من قال: إن المراد به ما فيه خطوط حمر، وقال: ولبس المصطفى الأحمر القاني مع نهيه عنه ليبين جوازه، وأن النهي للتنزيه، انتهى.
قلت: ولعله اختار ذلك رعايةً لمذهبه فإن الشافعي أباح لبس الثوب الأحمر كما في "القسطلاني" إذ قال (٣): واختلف في لبس الثياب المصبوغة أحمر بالعصفر أو غيره، فأباحها جماعة من الصحابة والتابعين، وبه قال الشافعي، إلى آخر ما ذكر، وهكذا نقل القاضي مذهب الشافعي كما في "البذل" (٤).
وقال الموفق (٥): وأما الصلاة في الثوب الأحمر فقال أصحابنا: يكره للرجال لبسه والصلاة فيه، ثم ذكر الأحاديث المتعارضة الواردة في لبس الأحمر، ورجّح أحاديث الجواز ثم قال: ولأن الحمرة لون فهي كسائر الألوان، انتهى.
стр. 3180
(٣٦ - باب الميثرة الحمراء)
وفي "مرقاة الصعود" (١): الميثرة بالكسر وهي مفعلة من الوثارة بالمثلثة يقال: وثره وثارة فهو وثير، أي: وطيء؛ لأن أصلها مؤثرة فقلبت الواو ياء لكسرة الميم، وهي من مراكب العجم، تعمل من حرير أو ديباج، ويتخذ كالفراش الصغير، ويحشى بقطن يجعلها الراكب تحته على الرحال فوق الجمال، ويدخل فيه مياثر السرج؛ لأن النهي يشمل كل ميثرة حمراء كانت على رحل أو سرج، انتهى.
وقال الشيخ في "البذل" (٢): هي وطاء محشوّ يترك على رحل البعير تحت الراكب، وأصله الواو وميمه زائدة، وقيل: أغشية للسرج، والحرمة متعلقة بالحرير، وقيل: من الجلود، والنهي للإسراف، أو لأنه يكون فيها حرير، كذا في "المجمع" (٣)، انتهى.
قلت: واختلف في تفسيرها على أقوال كثيرة بسطها الحافظ في "الفتح" (٤).
قال القسطلاني (٥) تحت حديث الباب: وهذه المنهيات كلها للتحريم بخلاف الأوامر فإنها على ما سبق، والتقييد بالحمر لا اعتبار بمفهومه إذا كانت من الحرير، انتهى.
(٣٧ - باب النعال السبتيّة وغيرها)
جمع نعل، وهي مؤنثة، وقال ابن العربي: النعل لباس الأنبياء، وإنما اتخذ الناس غيرها لما في أرضهم من الطين، وقد يطلق النعل على كل ما يقي القدم.
стр. 3181
قوله: "السبتية" بكسر المهملة وسكون الموحدة بعدها مثناة: منسوبة إلى السبت بمعنى القطع، قال أبو عبيد: هي المدبوغة، وقال بعضهم: إنها التي حلق عنها الشعر، انتهى مختصرًا من "الفتح" (١).
وقال العيني (٢): وكانت عادة العرب لباس النعال بشعرها وغير مدبوغة، قال أبو عبيد: وكانوا في الجاهلية لا يلبس النعال المدبوغة إلا أهل السعة، وقال أيضًا بعد ذكر الحديث الأول: مطابقته للترجمة تؤخذ منه، وقال بعد الحديث الثاني: مطابقته للترجمة ظاهرة، انتهى.
قلت: وعندي أن المصنف إنما ترجم بالنعال السبتية لما يتوهم من بعض الروايات من كراهتها، ولما قال عبيد بن جريج كما في رواية الباب من قوله: "لم أر أحدًا يصنعها" فأشار المصنف بالترجمة إلى مشروعيتها.
قال الحافظ (٣): واستدل بحديث ابن عمر في لباس النبي ﷺ النعال السبتية ومحبته لذلك على جواز لبسها على كل حال، وقال أحمد: يكره لبسها في المقابر لحديث بشير بن الخصاصية قال: "بينما أنا أمشي في المقابر وعليّ نعلان إذا رجل ينادي من خلفي: يا صاحب السبتيتين، إذا كنت في هذا الموضع فاخلع نعليك" أخرجه أحمد وأبو داود وصححه الحاكم، واحتج به على ما ذكر.
وتعقبه الطحاوي بأنه يجوز أن يكون الأمر بخلعها لأذى فيهما، وقد ثبت في الحديث أن الميت يسمع قرع نعالهم إذا ولّوا عنه مدبرين، وهو دالّ على جواز لبس النعال في المقابر.
قال الحافظ: ويحتمل أن يكون النهي لإكرام الميت، وليس ذكر السبتيتين للتخصيص بل اتفق ذلك، والنهي إنما هو للمشي على القبور بالنعال، انتهى.
стр. 3182
(٣٨ - باب يبدأ بانتعال اليمنى)
حديث الباب ظاهر فيما ترجم له.
(٣٩ - باب ينزع النعل اليسرى)
هكذا في نسخة "العيني" و"القسطلاني"، وفي نسخة الحافظ بتقديم الباب الآتي على هذا الباب، والمراد بقوله: "ينزع النعل اليسرى" أي: ابتداء ولم يصرّح بذلك؛ لأنه يظهر بمقابلة الترجمة السابقة، وفي "الفتح" (١): قال ابن العربي: البداءة باليمين مشروعة في جميع الأعمال الصالحة لفضل اليمين حسًّا في القوة وشرعًا في الندب إلى تقديمها.
وقال النووي: يستحب البداءة باليمين في كل ما كان من باب التكريم أو الزينة، والبداءة باليسار في ضد ذلك كالدخول إلى الخلاء ونزع النعل والخفّ والخروج من المسجد والاستنجاء وغيره من جميع المستقذرات، وقد مرَّ كثير من هذا في "كتاب الطهارة" في شرح حديث عائشة: "كان يعجبه التيمن"، انتهى.
(٤٠ - باب لا يمشي في نعل واحدة)
قال ابن العربي: قيل: العلة فيها أنها مشية الشيطان، وقيل: لأنها خارجة عن الاعتدال، وقال البيهقي: الكراهة فيه للشهرة فتمتد الأبصار لمن ترى ذلك منه، وقد ورد النهي عن الشهرة في اللباس، فكل شيء صيّرَ صاحبه شهرة فحقه أن يجتنب، وغير ذلك من الحكم التي حكاها الحافظ (٢).
ثم بسط الحافظ ههنا الكلام على اختلاف الروايات، فذكر من رواية مسلم عن أبي هريرة: "إذا انقطع شسع أحدكم فلا يمش في نعل واحدة
стр. 3183
حتى يصلحها" ثم قال: وهو دالّ على ضعف ما أخرجه الترمذي عن عائشة قال: "ربما انقطع شسع نعل رسول الله ﷺ فمشى في النعل الواحدة حتى يصلحها"، وقد رجح البخاري وغير واحد وقفه على عائشة، إلى آخر ما بسط من الكلام عليه.
(٤١ - باب قبالان في نعل)
أي: في كل فردة، "ومن رأى قبالًا واحدًا واسعًا" أي: جائزًا، القبال بكسر القاف وتخفيف الموحدة: هو الزمام وهو السير الذي يعقد فيه الشسع الذي يكون بين أصبعي الرجل، قاله الحافظ (١).
وقال في شرح الحديث: قوله "قبالان" زاد ابن سعد: "من سبت ليس عليهما شعر"، قال الكرماني: دلالة الحديث على الترجمة من جهة أن النعل صادقة على مجموع ما يلبس في الرجلين، وأما الركن الثاني من الترجمة فمن جهة أن مقابلة الشيء بالشيء يفيد التوزيع، فلكل واحد من نعل كل رجل قبال واحد.
قلت: بل أشار البخاري إلى ما ورد عن بعض السلف، فقد أخرج البزار والطبراني في "الصغير" من حديث أبي هريرة مثل حديث أنس هذا، وزاد: "وكذا لأبي بكر ولعمر، وأول من عقد عقدة واحدة عثمان بن عفان ﵁"، ورجال سنده ثقات، انتهى.
وسكت العلامة القسطلاني عن وجه المطابقة.
وقال العلَّامة العيني (٢) تحت كل واحد من حديثي الباب: مطابقته للترجمة ظاهرة، فكأنه لم يراع الركن الثاني من الترجمة، وقال أيضًا في شرح الترجمة: وأشار بهذا إلى أن قبالين أو قبالًا واحدًا مباح، وليس في ذلك شيء لا يجزي غيره، انتهى.
стр. 3184
كذا قال، والظاهر عندي من سياق الترجمة أن الإمام البخاري رجح القبالين على قبال واحد كما لا يخفى.
(٤٢ - باب القبة الحمراء من أدم)
بفتح الهمزة والمهملة: هو الجلد المدبوغ وكأنه صبغ بحمرة قبل أن يجعل قبة، ذكر فيه طرفًا من حديث أبي جحيفة، وقد تقدم في أوائل الصلاة بتمامه، والغرض منه هذا قوله: "وهو في قبة حمراء من أدم" فهو مطابق لما ترجم له، ولعله أراد الإشارة إلى تضعيف حديث رافع المقدم ذكره في "باب الثوب الأحمر"، انتهى (١).
قلت: ولعل الحافظ أشار بقوله: حديث رافع إلى ما ذكره في الباب المذكور بقوله: ومن طريق البيهقي في "الشعب" من رواية أبي بكر الهذلي - وهو ضعيف - عن الحسن عن رافع بن يزيد الثقفي رفعه: "إن الشيطان يحبّ الحمرة، وإياكم والحمرة وكل ثوب ذي شهرة"، وأخرجه ابن منده وأدخل في رواية له بين الحسن ورافع رجلًا فالحديث ضعيف، وبالغ الجوزقاني فقال: إنه باطل (٢)، انتهى.
وأما مطابقة الحديث الثاني بالترجمة فذكر الحافظ (٣): قال الكرماني (٤): هذا لا يدل على أن القبة حمراء لكن يكفي أنه يدل على بعض الترجمة، وكثيرًا ما يفعل البخاري ذلك.
قال الحافظ: ويمكن أن يقال: لعله حمل المطلق على المقيد وذلك لقرب العهد، فإن القصة التي ذكرها أنس كانت في غزوة حنين، والتي ذكرها أبو جحيفة كانت في حجة الوداع، وبينهما نحو سنتين، فالظاهر أنها هي تلك القبة لأنه ﷺ ما كان يتأنق في مثل ذلك حتى يستبدل، انتهى.
стр. 3185
(٤٣ - باب الجلوس على الحصير ونحوه)
أما الحصير فمعروف، يتخذ من السعف وما أشبهه، وأما قوله: "ونحوه" فيريد من الأشياء التي تبسط وليس لها قدر رفيع.
وفيه إشارة إلى ضعف ما أخرجه ابن أبي شيبة من طريق شريح بن هانئ أنه سأل عائشة: "أكان النبي ﷺ يصلي على الحصير والله يقول: ﴿وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيرًا﴾ [الإسراء: ٨]؟ فقالت: لم يكن يصلي على الحصير"، ويمكن الجمع بحمل النفي على المداومة، وقد تقدم شرح حديث عائشة في "كتاب الصلاة"، وترجم المصنف هناك "باب الصلاة على الحصير"، انتهى من "الفتح" (١).
(٤٤ - باب المزرّر بالذهب)
قال العلامة العيني (٢): أي: هذا باب في ذكر لبس الثياب المزررة بالذهب وهو المشدود بالأزرار، انتهى.
وذكر الحافظ في "المقدمة" (٣): "المزرر بالذهب" أي: أزرارها ذهب، انتهى.
قلت: والأزرار جمع زرّ بالكسر وهو الذي يوضع في القميص كما في "القاموس" (٤)، وذكر له عدة معان، وقال أيضًا: وبالفتح: شدّ الأزرار، انتهى.
وفي "البذل" (٥) في شرح قوله: "فبايعناه وإن قميصه لمطلق الأزرار": وهو جمع زرّ ما يعلّق بالعروة، والعروة حلق الجيب، انتهى.
قال الحافظ (٦): قوله: "فخرج وعليه قباء من ديباج مزرر بالذهب"
стр. 3186
هذا يحتمل أن يكون قبل التحريم فلما وقع تحريم الحرير والذهب على الرجال لم يبق في هذا حجة لمن يبيح شيئًا من ذلك، ويحتمل أن يكون بعد التحريم، فيكون أعطاه لينتفع به بأن يكسوه النساء أو ليبيعه، ويكون معنى قوله: "فخرج وعليه قباء" أي: على يده، فيكون من إطلاق الكل على البعض، انتهى.
قلت: وهذا كله باعتبار الديباج والحرير كما في حديث الباب، وأما الثوب المزرر بالذهب إذا كان الثوب من غير حرير فهو مباح عندنا كما في "الدر المختار" (١) إذ قال: وفي "شرح الوهبانية" عن "المنتقى": لا بأس بعروة القميص وزرّه من الحرير لأنه تبع، وفي "السير الكبير": لا بأس بأزرار الذهب والديباج، إلى آخر ما ذكر. وفي "فتاوى رشيدية" (٢): أن العبرة في إباحة أزرار الذهب والفضة للمساحة لا الوزن، بخلاف الخاتم فإن العبرة فيها للوزن، انتهى.
وقال صاحب "الفيض" (٣): صرَّح محمد في "السير الكبير" أن أزرار الذهب جائز، وقال مولانا الكَنكَوهي: إن ما كان منها مخيطًا بالثوب فهو جائز لكونها تابعًا للثوب، وما كان منفصلًا عنه فإنه لا يجوز، انتهى.
وفي "الفيض" (٤) أيضًا في موضع آخر: والزر ترجمته (تكمه كَهندي) لا (بىن)، انتهى.
قلت: والأول هو الذي يكون مخيطًا بالثوب، وأما الثاني (بىن) فهو الذي يكون منفصلًا عن الثوب غير مخيط به.
(٤٥ - باب خواتيم الذهب)
جمع خاتم، ويجمع أيضًا على خواتم بلا ياء، وعلى خياتيم بياء بدل الواء، وبلا ياء أيضًا، وفي الخاتم ثمان لغات: فتح التاء وكسرها وهما
стр. 3187
واضحتان، ثم ذكر الحافظ (١) بقية اللغات نظمًا ونثرًا، ثم قال في الكلام على الروايات الواردة في الباب: وقد أخرج ابن أبي شيبة من حديث عائشة: "أن النجاشي أهدى للنبي ﷺ حلية فيها خاتم من ذهب، فأخذه وإنه لمعرض عنه، ثم دعا أمامة بنت ابنته فقال: تحلي به"، قال ابن دقيق العيد: فظاهر النهي التحريم، وهو قول الأئمة واستقر الأمر عليه، قال عياض: وما نقل عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم [من] تختمه بالذهب فشذوذ، والأشبه أنه لم تبلغه السُّنَّة فيه، وكذا ما روي فيه عن خباب، وقد قال له ابن مسعود: "أما آن لهذا الخاتم أن يلقى؟ فقال: إنك لن تراه عليّ بعد اليوم"، قال: وقد ذهب بعضهم إلى أن لبسه للرجال مكروه كراهة تنزيه لا تحريم كما قال مثل ذلك في الحرير، قال ابن دقيق العيد: وهو يناقض القول بالإجماع على التحريم.
قال الحافظ: التوفيق بين الكلامين ممكن بأن يكون القائل بكراهة التنزيه انقرض واستقر الإجماع بعده على التحريم، وقد جاء عن جماعة من الصحابة لبس خاتم الذهب، ثم بسط الكلام عليه، وقال أيضًا: النهي عن خاتم الذهب مختص بالرجال دون النساء، فقد نقل الإجماع على إباحته للنساء، انتهى.
وقال المناوي في "شرح الشمائل" (٢) نقلًا عن النووي: أجمعوا على تحريمه للرجال إلا ما حكي عن ابن حزم أنه أباحه، وعن بعضهم أنه مكروه لا حرام، قال: وهذان باطلان وقائلهما محجوج بالأحاديث التي ذكرها مسلم مع إجماع من قبله على تحريمه، انتهى.
لكن قال الزين العراقي: لا يصح نقل الإجماع فقد لبسه جمع من الصحابة والتابعين، إلى آخر ما ذكر، وتقدم توجيه نقل الإجماع في كلام الحافظ.
стр. 3188
لكن في "الأوجز" (١): قال صاحب "المحلى": مذهب الأئمة الأربعة والجمهور أنه يحرم، ورخص فيه طائفة منهم إسحاق بن راهويه، وقال: مات خمس من الصحابة وخواتيمهم من ذهب، رواه ابن أبي شيبة، انتهى.
(٤٦ - باب خاتم الفضة)
أي: جواز لبسه، ولم يذكر الحافظ الخلاف ههنا، وذكر فيه الخلاف في "الأوجز" (٢) ففيه: قال الباجي (٣): روي عن بعض أهل الشام أنه منع من ذلك، أي: التختم بالفضة لغير السلطان لحديث أبي ريحانة: "أنه سمع النبي ﷺ نهى عن عشر خصال: الوشم والوسم والتختم لغير السلطان" الحديث، وهو حديث ضعيف، وقد أجمع الناس بعد هذا القائل على جواز التختم، وفي "المحلى": اختلفوا في إباحة لبس خاتم الفضة، فأباحه كثير مطلقًا، ومنهم من كرهه إذا قصد به الزينة، ومنهم من كرهه إلا لذي سلطان، والصحيح عند الشافعية والمالكية القول الأول، وقالوا: إن لبسه ﷺ وإن كان لمصلحة الكتابة ثم استدامه ولبسه أصحابه فلم ينكره عليهم بل أقرَّهم عليه، وأما حديث أبي ريحانة فقال الحافظ زين الدين بن رجب: ذكر بعض أصحابنا أن أحمد ضعّفه، انتهى.
وقال الزرقاني (٤): أما حديث أبي ريحانة الذي أخرجه أبو داود والنسائي فضعّفه مالك لما سئل عنه، وكذا ضعّفه أحمد، انتهى.
وبسط الكلام عليه في "الأوجز" أشدّ البسط.
ثم جواز لبس خاتم الفضة مقيّد بما ورد عند أبي داود من حديث بريدة بن الحصيب: "أن رجلًا جاء إلى النبي ﷺ " الحديث بطوله كما سيأتي في "باب خاتم الحديد" وفي آخره: "فقال: يا رسول الله، من أي شيء
стр. 3189
أتخذه؟ قال: اتخذه من ورق ولا تتمه مثقالًا"، قال ابن رسلان في "شرحه" كما في "البذل" (١): ولا يحلّ لبس خاتم ثقيل يزيد على مثقال، انتهى.
وحكى القاري في "جمع الوسائل" (٢) اختلاف الشافعية في الزيادة على المثقال، وفي "شرح الإقناع" (٣): لم يتعرض الأصحاب لمقداره، ولعلهم اكتفوا على العرف، انتهى.
وأما عند المالكية فقال الدردير (٤): يحرم الزائد على الدرهمين، وأما عند الحنابلة ففي "نيل المآرب" (٥): يباح للذكر الخاتم من الفضة ولو زاد على مثقال، انتهى.
وأما عند الحنفية ففي "الدر المختار" (٦): ولا يزيده على مثقال، انتهى.
قال ابن عابدين: وقيل: لا يبلغ به المثقال، "ذخيرة"، أقول: ويؤيده نصّ الحديث السابق من قوله ﵊: "ولا تتمه مثقالًا"، انتهى.
(٤٧ - باب)
بغير ترجمة، هكذا في النسخة "الهندية"، وكذا في نسخة "العيني" و"القسطلاني"، وسقط الباب في نسخة الحافظ، ولم يتعرض الحافظ لاختلاف النسخ ولا العيني، نعم تعرض له العلامة القسطلاني (٧) إذ قال: وسقط هذا الباب لأبي ذر، انتهى.
قال العيني (٨): هو كالفصل للباب الذي قبله، انتهى.
стр. 3190
كذا قال واقتصر عليه، وعندي لعله ذكره للتنبيه على تنقيح المطروح هل هو خاتم الذهب أو الفضة؟ فأورد الروايتين تحت الباب، رواية طرح الذهب وطرح الفضة.
قال الحافظ (١) تحت رواية طرح الفضة: هكذا روى الحديث الزهري عن أنس، واتفق الشيخان على تخريجه من طريقه، ونسب فيه إلى الغلط لأن المعروف أن الخاتم الذي طرحه النبي ﷺ بسبب اتخاذ الناس مثله إنما هو خاتم الذهب كما صرَّح به في حديث ابن عمر، قال النووي تبعًا لعياض (٢): قال جميع أهل الحديث: هذا وهم من ابن شهاب؛ لأن المطروح ما كان إلا خاتم الذهب، ومنهم من تأوّله كما سيأتي.
قال الحافظ: وحاصل الأجوبة ثلاثة، ثم ذكرها وزاد عليه من عنده وجهًا رابعًا ذكره فارجع إليه.
(٤٨ - باب فصّ الخاتم)
قال الجوهري: الفصّ بفتح الفاء والعامة تكسرها، وأثبتها غيره لغة، وزاد بعضهم الضمَّ، وعليه جرى ابن مالك في المثلث، كذا في "الفتح" (٣).
وفيه أيضًا: قوله: "وكان فصه منه" لا يعارضه ما أخرجه مسلم وأصحاب "السنن" من حديث أنس: "كان خاتم النبي ﷺ من ورق وكان فصه حبشيًّا"؛ لأنه إما أن يحمل على التعدد، وحينئذ فمعنى قوله: "حبشي" أي: كان حجرًا من بلاد الحبشة، أو على لون الحبشة، أو كان جزعًا أو عقيقًا لأن ذلك قد يؤتى به من بلاد الحبشة، ويحتمل أن يكون هو الذي فصه منه ونسب إلى الحبشة لصفة فيه، إما الصياغة وإما النقش، انتهى.
ثم ذكر الحافظ في آخر الباب: وقد اعترضه الإسماعيلي، فقال: ليس هذا الحديث من الباب الذي ترجمه في شيء، ثم ذكر الجواب عنه، وأراد
стр. 3191
بالحديث الحديث الأول من الباب، فإن مطابقته بالترجمة خفية، ولذا قال العيني (١): مطابقته بالترجمة تؤخذ من قوله: "أنظر إلى وبيص خاتمه" لأن الوبيص لا يكون إلا من الفصّ غالبًا، سواء كان فصه منه أم لا؟ انتهى.
وقال الحافظ (٢): والذي يظهر لي أنه أشار إلى أن الإجمال في الرواية الأولى محمول على التبيين في الرواية الثانية، انتهى.
وعندي أن في ترجمة المصنف بلفظ "فص الخاتم"، ثم في إيراده حديث أنس: "كان فصه منه" إيماء إلى ترجيح ذلك، أي: أن فصه كان منه بخلاف ما ورد أن فصه كان حبشيًا كما تقدم في كلام الحافظ، والله تعالى أعلم.
ثم ههنا اختلاف آخر في الروايات ذكره الحافظ والعلامة العيني وهو أن خاتمه ﷺ كان كلّه من فضة أو كان من حديد ملويًّا عليه فضة كما في رواية أبي داود والنسائي، وأجاب الحافظ عن ذلك الاختلاف بحمله على التعدد.
(٤٩ - باب خاتم الحديد)
أراد المصنف بذلك إثبات جوازه، كما هو الراجح عند الشافعية خلافًا لما ذهب إليه الجمهور، لكن لا يصح الاستدلال بحديث الباب على جواز لبس خاتم الحديد، كما قال الحافظ (٣) حيث قال: ولا حجة فيه لأنه لا يلزم من جواز الاتخاذ جواز اللبس، فيحتمل أنه أراد وجوده لتنتفع المرأة بقيمته، انتهى.
واستدل الجمهور بما أخرجه أبو داود (٤) وغيره من أصحاب "السنن" من رواية عبد الله بن بريدة عن أبيه: "أن رجلًا جاء إلى النبي ﷺ وعليه
стр. 3192
خاتم من شبه فقال: ما لي أجد منك ريح الأصنام، فطرحه، ثم جاء وعليه خاتم من حديد فقال: ما لي أرى عليك حلية أهل النار، فطرحه" الحديث.
وقال الحافظ (١) تحت ترجمة الباب: قد ذكرت ما ورد فيه في الباب الذي قبله وكأنه لم يثبت عنده شيء من ذلك على شرطه، انتهى.
وأشار الحافظ بقوله: قد ذكرت، ما تقدم في الباب السابق من رواية أبي داود: "كان خاتم النبي ﷺ من حديد ملويّا عليه فضة" الحديث، واختلفوا في التختم بالحديد كما سيأتي ذكر الخلاف فيه لو كان خاتم الحديد ملويًّا عليه فضة حتى لا يرى جاز، صرَّح به ابن عابدين، ففي "الدر المختار" (٢): ولا يتختم إلا بالفضة لحصول الاستغناء بها، فيحرم بغيرها كحجر وذهب وحديد وصفر ورصاص وزجاج وغيرها، انتهى.
وذكر ابن عابدين في الاستدلال عليه حديث أبي داود المذكور، وهذا الحديث صححه ابن حبان كما قال الحافظ، وقال المناوي (٣) تعقبًا على كلام النووي: وخبر النهي عنه ضعيف إذ قال: واعترض بقول بعض الحفاظ: إن له شواهد إن لم ترقه إلى درجة الصحة لم تدعه ينزل عن درجة الحسن، ثم قال: والإنصاف أن خبر النهي دليل صالح للكراهة التنزيهية، انتهى.
وفي هامشي على "البذل" (٤): قال ابن العربي في "شرح الترمذي" (٥): الأحاديث في ذلك صحاح، وإن لم يكن في الصحيح، ويعضده الإجماع على تركه عملًا، انتهى.
وقال النووي في "شرح مسلم" (٦): لأصحابنا في كراهة خاتم الحديد وجهان، أصحهما لا يكره، انتهى.
стр. 3193
وكذا يكره التختم بالحديد عند المالكية كما قال الدسوقي (١)، وكذا عند الحنابلة، ففي "نيل المآرب" (٢): كره تختمهما، أي: الرجل والمرأة بالحديد والرصاص والنحاس، انتهى.
(٥٠ - باب نقش الخاتم)
أي: بيان نقش الخاتم وكيفيته، قاله العيني والقسطلاني (٣)، وسكت الحافظ عن شرح الترجمة.
والظاهر عندي أنه أراد بيان جوازه لأن النقش مظنة المنع، ويؤيده ما قاله المناوي (٤) بحثًا على مسألة جواز التختم وكراهته: لأن الفساد كما قاله ابن جماعة وغيره إنما هو ناشئ عن النقش لا التختم، انتهى.
وفي "الدر المختار" (٥): وينقشه اسمه أو اسم الله تعالى لا تمثال إنسان أو طير ولا محمد رسول الله، انتهى.
قال ابن عابدين: وذلك لأنه نقش خاتمه ﷺ ، وقد نهى ﵊ أن ينقش أحد عليه، كما رواه في "الشمائل"، ونقش خاتم أبي بكر: "نعم القادر الله" وعمر: "كفى بالموت واعظًا" وعثمان: "لتصبرن أو لتندمن" وعلي: "الملك لله" وأبي حنيفة: "قل الخير وإلا فاسكت" وأبي يوسف: "من عمل برأيه فقد ندم" ومحمد: "من صبر ظفر"، انتهى، "قهستاني" عن "البستان".
قال الحافظ (٦) في شرح قوله: "نقشه: محمد رسول الله": زاد ابن سعد من مرسل ابن سيرين: بسم الله محمد رسول الله، ولم يتابع على هذه الزيادة، وأما ما أخرجه عبد الرزاق عن معمر عن
стр. 3194
عبد الله بن محمد بن عقيل: أنه أخرج لهم خاتمًا وزعم أن رسول الله ﷺ كان يلبسه، فيه تمثال أسد، ففيه مع إرساله ضعف؛ لأن ابن عقيل مختلف في الاحتجاج به إذا انفرد، فكيف إذا خالف، وعلى تقدير ثبوته فلعله لبسه مرة قبل النهي، انتهى.
(٥١ - باب الخاتم في الخنصر)
أي: دون غيرها من الأصابع، وكأنه أشار إلى ما أخرجه مسلم وأبو داود والترمذي من حديث علي قال: "نهاني رسول الله ﷺ عن ألبس خاتمي في هذه وفي هذه" يعني: السبابة والوسطى، وسيأتي بيان أيّ الخنصرين اليمنى أو اليسرى كان يلبس الخاتم فيه، انتهى من "الفتح" (١).
قلت: ومسألة الباب، أي: كون الخاتم في الخنصر إجماعية، ففي "البذل" (٢): قال النووي (٣): يكره جعل الخاتم في الوسطى والتي تليها لهذا الحديث (الذي تقدم في كلام الحافظ)، وأجمع المسلمون على جعل الخاتم في الخنصر، انتهى.
وفي هامشي على "البذل": كذا حكى المناوي في "شرح الشمائل" (٤) عن النووي الإجماع على سُنِّيته جعله في الخنصر، وقال: ورد النهي عن السبابة والوسطى، ولم يرد شيء في الإبهام والبنصر، انتهى.
وقال ابن عابدين (٥): ينبغي أن يكون في خنصرها (أي: اليسرى) دون سائر أصابعه، انتهى.
وصرَّح في "شرح الإقناع" (٦) بكراهة غير الخنصر، وذكر صاحب "نيل
стр. 3195
المآرب" (١) الحكمة فيه، ولم يصرّح بالكراهة حيث قال: وإنما كان في الخنصر لكونها طرفًا فهو أبعد من الامتهان فيما تتناوله اليد، انتهى.
وأما كونها في اليد اليسرى أو اليمنى فمسألة خلافية لم يترجم لها المصنف، وترجم له الإمام أبو داود إذ قال: "باب ما جاء في التختم في اليمين أو اليسار"، وأخرج فيه حديثين متعارضين، فأخرج أوّلًا حديث علي: "أن النبي ﷺ كان يتختم في يمينه"، ثم أخرج حديث ابن عمر: "أن النبي ﷺ كان يتختم في يساره"، وكتب الشيخ في "البذل": قال في "فتح الودود": قد صح تختمه ﷺ في اليمين واليسار جميعًا، فقال بعضهم: يجوز الوجهان، واليمين أفضل؛ لأنه زينة واليمين بها أولى، وقال آخرون بنسخ اليمين لما جاء في بعض الروايات الضعيفة أنه تختم أولًا في اليمين ثم حوّل إلى اليسار، ومنهم من يرى الوجهين مع ترجيح اليسار، انتهى.
قلت: ولكن علماء الأحناف منعوا عن التختم في اليسار لما صار ذلك شعارًا لأهل البدع من الرافضة، وقد حرم التشبه بأهل الاهواء كما حرم بالكفرة، انتهى مختصرًا من "البذل".
وهكذا كتب الشيخ الكَنكَوهي في "الكوكب" (٢): إن اتخاذ الخاتم في اليسار من ديدن الروافض وشعارهم فكره لنا ذلك، وإلا فكان الأمران كأنهما متساويان، انتهى.
قلت: ولكن في "الدر المختار" (٣): ويجعله في اليد اليسرى، وقيل: اليمنى إلا أنه من شعار الروافض فيجب التحرز عنه، انتهى.
وهذا خلاف ما أفاده الشيخ قُدِّس سرُّه، والجواب أن هذا مبني على اختلاف حالهم بحسب اختلاف الزمان كما أشير إليه أيضًا بعد ذلك في "الدر المختار"، فارجع إليه.
стр. 3196
وحاصل مذاهب الأئمة الأربعة كما في كتب فروعهم أن اليسار أولى عندنا الحنفية كما تقدم عن "الدر المختار"، وكذا عند الحنابلة كما في "نيل المآرب" (١)، وعند المالكية اليسار سُنَّة، قال الدسوقي (٢): لأنه آخر الفعلين عنه ﷺ ، وللشافعية وجهان: الصحيح أن اليمين أفضل؛ لأنه زينة واليمين أشرف وأخص بالزينة، كما قال النووي (٣).
وبسط الحافظ الكلام في هذه المسألة ثم قال (٤): ويظهر لي أن ذلك يختلف باختلاف القصد، فإن كان اللبس للتزين به فاليمين أفضل، وإن كان للتختم به فاليسار أولى، إلى آخر ما بسط. وأما الإمام البخاري فنقل الإمام الترمذي عنه أن حديث عبد الله بن جعفر أصح شيء روي في هذا الباب. وصرَّح فيه بالتختم في اليمين، قاله الحافظ.
(٥٢ - باب اتخاذ الخاتم ليختم به الشيء أو ليكتب به. . .) إلخ
عندي أشار المصنف بقوله: "ليختم به. . ." إلخ، إلى أن تركه أولى لمن لا يحتاج إليه، وفي "الدر المختار" (٥): وترك التختم لغير السلطان والقاضي وذي حاجة إليه كمُتَولٍّ أفضل، انتهى.
قال ابن عابدين: أشار إلى أن التختم سُنَّة لمن يحتاج إليه كما في "الاختيار". قال القهستاني: وفي "الكرماني": نهى الحلواني بعض تلامذته عنه، وقال: إذا صرت قاضيًا فتختم، وفي "البستان" عن بعض التابعين: لا يتختم إلا ثلاثة: أمير، أو كاتب، أو أحمق، وظاهره أنه يكره لغير ذي الحاجة، لكن قول المصنف: أفضل؛ كـ "الهداية" وغيرها يفيد الجواز،
стр. 3197
فالنهي للتنزيه. وفي "التتارخانية": كره بعض الناس اتخاذ الخاتم إلا لذي سلطان وأجازه عامة أهل العلم، انتهى.
وتقدم شيء من الكلام عليه في "باب خاتم الفضة".
وبسط الكلام على المسألة في "الأوجز" (١)، وفيه: قال المناوي (٢): حلّ اتخاذ خاتم الفضة ولبسه بإجماع من يعتد به بل يسنّ ولو منقوشًا ولو لم يحتجه لختم ولا غيره، انتهى.
(تكملة): قال الحافظ (٣): جزم أبو الفتح اليعمري أن اتخاذ الخاتم كان في السنة السابعة، وجزم غيره بأنه كان في السادسة، ويجمع بأنه كان في أواخر السادسة وأوائل السابعة؛ لأنه إنما اتخذه عند إرادته مكاتبة الملوك، وكان إرساله إلى الملوك في مدة الهدنة، وكان في ذي القعدة سنة ست، ورجع إلى المدينة في ذي الحجة، ووجّه الرسل في المحرم من السابعة، وكان اتخاذه الخاتم قبل إرساله الرسل إلى الملوك، والله تعالى أعلم، انتهى.
(٥٣ - باب من جعل فصّ الخاتم في بطن كفه)
قال ابن بطال (٤): قيل لمالك: يجعل الفصّ في باطن الكف؟ قال: لا، قال ابن بطال: ليس في كون فصّ الخاتم في بطن الكفّ ولا ظهرها أمر ولا نهي، وقال غيره: السرّ في ذلك أن جعله في بطن الكف أبعد من أن يظن أنه فعله للتزين به، وقد أخرج أبو داود من حديث ابن عباس: "جعله في ظاهر الكف"، انتهى من "الفتح" (٥).
قلت: وهو ما أخرجه أبو داود (٦) عن محمد بن إسحاق قال: رأيت
стр. 3198
على الصلت بن عبد الله بن نوفل بن عبد المطلب خاتمًا في خنصره اليمنى فقلت: ما هذا؟ قال: رأيت ابن عباس يلبس خاتمه هكذا وجعل فصّه على ظهرها، قال: ولا يخال ابن عباس إلا قد كان يذكر أن رسول الله ﷺ كان يلبس خاتمه كذلك، انتهى.
وكتب شيخنا قُدِّس سرُّه في "البذل" (١): قال العلماء: حديث الباطن أصح وأكثر وهو الأفضل، كذا في "مرقاة الصعود"، وقال ابن رسلان: يجوز أن يكون فعل ذلك في وقت لبيان الجواز، وأكثر أوقاته مما يلي باطن كفه، انتهى.
قلت: وجعلُ فصِّه مما يلي بطنَ كفِّه مصرَّح في كتب مذاهب الأربعة، ففي "الدر المختار" (٢) وشرحه: ويجعله، أي: الفص، لبطن كفه بخلاف النسوان لأنه تزين في حقهن "هداية"، انتهى.
وفي "شرح الإقناع" (٣): والسُّنَّة أن يجعل الفص مما يلي كفه، انتهى.
وهكذا في "نيل المآرب" (٤) إذ قال: ويجعل فصه مما يلي كفه، انتهى.
وقال الدسوقي (٥): وكما يندب لبسه في اليسرى يندب جعل فصّه للكف لأنه أبعد من العجب، انتهى.
(٥٤ - باب قول النبي ﷺ : لا ينقشنّ على نقش خاتمه)
قوله: (لا ينقشنّ) هكذا في النسخة "الهندية" بنون التأكيد، وفي نسخ الشروح الثلاثة بغيرها.
стр. 3199
قال القسطلاني (١): وسبب النهي كما قاله النووي أنه ﷺ إنما نقش على خاتمه ذلك ليختم به كتبه إلى الملوك، فلو نقش غيره مثله لحصل الخلل، انتهى.
(٥٥ - باب هل يجعل نقش الخاتم ثلاثة أسطر)
قال ابن بطال (٢): ليس كون نقش الخاتم ثلاثة أسطر أو سطرين أفضل من كونه سطرًا واحدًا، كذا قال، قلت: قد يظهر أثر الخلاف من أنه إذا كان سطرًا واحدًا يكون الفصّ مستطيلًا لضرورة كثرة الأحرف، فإذا تعددت الأسطر أمكن كونه مربعًا أو مستديرًا، وكل منهما أولى من المستطيل، قاله الحافظ (٣).
وقال (٤) أيضًا في كيفية تلك الأسطر: وأما قول بعض الشيوخ: إن كتابته كانت من أسفل إلى فوق، يعني: أن الجلالة في أعلى الأسطر الثلاثة ومحمد في أسفلها، فلم أر التصريح بذلك في شيء من الأحاديث، بل رواية الإسماعيلي يخالف ظاهرها ذلك فإنه قال فيها: محمد سطر، والسطر الثاني: رسول، والسطر الثالث: الله، ولك أن تقرأ محمد بالتنوين، ورسول بالتنوين وعدمه، والله بالرفع وبالجر، انتهى.
(٥٦ - باب الخاتم للنساء. . .) إلخ
أي: أعم من أن يكون من ذهب أو فضة كما هو ظاهر لفظ الترجمة وحديث الباب، فلعل الغرض منه أن لبسهن إياه ليس فيه التشبه بالرجال كما حكي عن الخطابي في خاتم الفضة، وسيأتي.
قال الحافظ (٥): قال ابن بطال (٦): الخاتم للنساء من جملة الحلي الذي أبيح لهن، انتهى.
стр. 3200
قلت: وقد تقدم في "باب خاتم الذهب" من كلام الحافظ (١) أن النهي عن خاتم الذهب مختص بالرجال دون النساء، فقد نقل الإجماع على إباحته للنساء، انتهى.
وهذا الذي ذكره الحافظ في حق خاتم الذهب، ولم أجد الخلاف في كتب مذاهب الأئمة الأربعة في جواز خاتم الفضة للنساء إلا ما يحكى عن الخطابي فقد قال النووي (٢): وقال الخطابي: يكره للنساء خاتم الفضة لأنه من شعار الرجال، قال: فإن لم تجد خاتم ذهب فلتصفره بزعفران وشبهه، وهذا الذي قاله ضعيف أو باطل لا أصل له، والصواب أنه لا كراهة في لبسها خاتم الفضة، انتهى.
وهكذا بحث المناوي في "شرح الشمائل" (٣) على هذه المسألة إذ قال: ثم إن مما يتعجب منه قول الشارح: فيه حلّ اتخاذ خاتم الفضة للرجال والنساء إذ ليس في اتخاذ النبي ﷺ له ما يفيد حلّه للنساء، بل احتمال اختصاصه بالرجال قائم لكونه من شعارهم، ووقائع الأحوال إذا تطرق إليه الاحتمال سقط بها الاستدلال، ومن ثم ذهب جمع، منهم الخطابي إلى كراهته للأنثى لما ذكر فإن لَبِسَتْه صَفَّرْته بنحو زعفران، لكن ليس بمقبول عند أجلاء الشافعية، نعم لُبسها له خلاف الأولى، فقد قال جمع من عظمائهم: الأولى لها أن لا تلبس البياض والفضة لما فيه من التشبه بالرجال، انتهى.
ولا يخفى أن هذا اختلاف في خاتم الفضة، وأما خاتم الذهب فليس فيه خلاف أحد، والله تعالى أعلم.
(٥٧ - باب القلائد والسخاب للنساء)
السخاب بكسر المهملة وتخفيف الخاء المعجمة وبعد الألف موحدة: هو قلادة من عنبر أو قرنفُلٍ أو غيره ولا يكون فيه خرز، وقيل: هو خيط فيه
стр. 3201
خرز، وسمي سخابًا لصوت خرزه عند الحركة، مأخوذ من السخب وهو اختلاط الأصوات، يقال بالصاد والسين، انتهى.
قال الحافظ (١): وتفسير السخاب أيضًا مذكور في الترجمة، وقال العلامة العيني (٢): قال ابن الأثير: السخاب خيط ينظم فيه خرز تلبسه الصبيان والجواري، وقيل: هو قلادة تتخذ من قرنفل وطيب وسُكّ ونحوه، وليس فيها من اللؤلؤ والجوهر شيء، انتهى.
(تنبيه): وفي "الفتح" (٣): والسخاب جمع سُخُب بضمتين، انتهى.
كذا في النسخة التي بأيدينا من "الفتح"، وفي هامش النسخة "الهندية" (٤) معزيًا إلى "المجمع" (٥): قوله: "وسخابها" جمع سخب، وهو قلادة من قرنفل إلخ، ويتوهم منه أن السخاب لفظ جمع ومفرده سُخُب، وليس كذلك بل الواقع عكسه، كما في "القاموس" (٦) وهكذا في "المجمع"، وعبارة "المجمع" هكذا: والسخاب: هو خيط ينظم فيه خرز إلى أن قال: وحديث "فكأنهم صبيان يمرثون سخبهم" هي جمع سخاب، انتهى.
فوقع الغلط في عبارة الحاشية في نقل كلام صاحب "المجمع" في الاختصار.
(٥٨ - باب استعارة القلائد)
ذكر فيه حديث عائشة في قصة قلادة أسماء، وقد تقدم في "كتاب الهبة" "باب الاستعارة للعروس عند البناء" وفي "النكاح" "باب استعارة الثياب للعروس"، وتقدم الكلام على الغرض من هذه التراجم الثلاثة في "كتاب الهبة".
стр. 3202
(٥٩ - باب القرط للنساء)
بضم القاف وسكون الراء بعدها طاء مهملة: ما يحلى به الأذن ذهبًا كان أو فضة صرفًا أو مع لؤلؤ وغيره، ويعلّق غالبًا على شحمتها، قاله الحافظ (١).
(٦٠ - باب السخاب للصبيان)
تقدم الأقوال في تفسير السخاب قريبًا، ومنها ما قاله ابن الأثير أنه خيط ينظم فيه خرز تلبسه الصبيان والجواري، والغرض من الترجمة بيان جوازه كما هو ظاهر من حديث الباب، وتقدم حديث الباب في "كتاب البيوع"، وأخرجه مسلم أيضًا في الفضائل، وكذا النسائي وابن ماجه في "السُّنَّة"، قال العلامة النووي (٢): وفي هذا الحديث جوازُ إلباس الصبيان القلائد والسُّخُب ونحوها من الزينة، واستحبابُ تنظيفهم لا سيما عند لقائهم أهلَ الفضل، واستحباب النظافة مطلقًا، انتهى.
وقد أخرج الإمام أبو داود (٣) من حديث ثوبان قصة يناسب هذا الباب وفيه: "أن فاطمة رضي الله تعالى عنها حلّت الحسن والحسين قُلبين من فضة، فقدم رسول الله ﷺ (أي: من غزوة) ولم يدخل، فظنت أنه إنما منعه أن يدخل ما رأى، فهتكت الستر وَفَكَّكَتْ القُلبين عن الصبيين وقطعته بينهما، فانطلقا إلى رسول الله ﷺ وهما يبكيان فأخذه منهما وقال: يا ثوبان، اذهب بهذا إلى آل فلان أهل بيت بالمدينة، إن هؤلاء أهل بيتي أكره أن يأكلوا طيباتهم في حياتهم الدنيا، يا ثوبان اشتر لفاطمة قلادة من عصب وسوارين من عاج"، انتهى.
وفي "فيض الباري" (٤) تحت ترجمة الباب: ذهب مالك إلى جواز
стр. 3203
الحلي للصبيان ما داموا صبيانًا، وهذا منه توسيع عظيم لم يذهب إليه أحد، انتهى.
قلت: قال الدردير (١): وأما الصغير فيكره لوليه إلباسُه الحريرَ والذهبَ، ويجوز له إلباسُه الفضةَ هذا هو المعتمد، انتهى.
(٦١ - باب المتشبهين بالنساء والمتشبهات بالرجال)
أي: ذمّ الفريقين، ويدلّ على ذلك اللعن المذكور في الخبر، قاله الحافظ (٢).
وقال في شرح الحديث: قال الطبري: المعنى لا يجوز للرجال التشبه بالنساء في اللباس والزينة التي تختص بالنساء ولا العكس، قلت: وكذا في الكلام والمشي، وأما هيئة اللباس فتختلف باختلاف عادة كل بلد، فربّ قوم لا يفترق زيّ نسائهم من رجالهم في اللبس لكن يمتاز النساء بالاحتجاب والاستتار، انتهى.
(٦٢ - باب إخراجهم)
وفي نسخ الشروح الثلاثة: "باب إخراج المتشبهين بالنساء من البيوت".
(٦٣ - باب قصّ الشارب)
قد تقدم في مبدأ "كتاب اللباس" أن مقصود المصنف بهذا الكتاب ليس هو بيان اللباس خاصة، بل المقصود ذكر اللباس وما يناسبه من أبواب الزينة ونحوها، فكُنْ منه على ذكر.
قال العلامة القسطلاني (٣): ولما فرغ المصنف من اللباس شرع يذكر
стр. 3204
ما له تعلق به من جهة الاشتراك في الزينة، وبدأ بالتراجم المتعلقة بالشعور وما أشبهها، انتهى.
وهكذا في "الفتح" وزاد (١): وذكر ثانيًا التراجم المتعلقة بالتطيب، وثالثًا المتعلقة بتحسين الصورة، ورابعًا المتعلقة بالتصاوير لأنها قد تكون في الثياب، وختم بما يتعلق بالارتداف وتعلقه به خفي، وتعلقه بـ "كتاب الأدب" الذي يليه ظاهر، والله أعلم، انتهى من "الفتح".
وفيه: وأصل القصّ تتبع الأثر، وقيّده ابن سيده في "المحكم" بالليل، والقصّ أيضًا إيراد الخبر تامًّا على من لم يحضره، ويطلق أيضًا على قطع شيء من شيء بآلة مخصوصة، والمراد به هنا قطع الشعر النابت على الشفة العليا من غير استئصال، انتهى.
قال القسطلاني (٢): وعند النسائي بلفظ الحلق، لكن أكثر الأحاديث بلفظ القصّ، وعند النسائي في رواية بلفظ تقصير الشارب، وفي حديث ابن عمر في الباب التالي: "وأحفوا الشوارب"، وفي الباب الذي بعده: "أنهكوا الشوارب"، وفي مسلم: "جزوا الشوارب"، وهي تدل على أن المطلوب المبالغة في الإزالة؛ لأن الإحفاء الإزالة والاستقصاء، والإنهاك المبالغة في الإزالة، والجزّ قصّ الشعر إلى أن يبلغ الجلد، انتهى مختصرًا.
قال الحافظ (٣): قال النووي: المختار في قصّ الشارب أنه يقصّه حتى يبدو طرف الشفة ولا يحفه من أصله، وأما رواية "أحفوا" فمعناها أزيلوا ما طال على الشفتين، قال ابن دقيق العيد: ما أدري هل نقله عن المذهب أو قاله اختيارًا منه لمذهب مالك.
قال الحافظ: صرّح في "شرح المهذب" بأن هذا مذهبنا، وقال الطحاوي: لم أر عن الشافعي في ذلك نصًّا وأصحابه الذين رأيناهم
стр. 3205
كالمزني والربيع يحفون، وما أظنهم أخذوا ذلك إلا عنه، وكان أبو حنيفة وأصحابه يقولون: الإحفاء أفضل من التقصير، ونقل ابن القاسم عن مالك أن إحفاء الشارب مثلة، وأن المراد بالحديث المبالغة في أخذ الشارب حتى يبدو طرف الشفة، وقال أشهب: سألت مالكًا عمن يحفي شاربه فقال: أرى أن يوجع ضربًا، وقال الأثرم: كان أحمد يحفي إحفاء شديدًا، ونصّ على أنه من القصّ، انتهى.
وأما مذهب الحنفية فقال الحافظ (١): قال الطحاوي: الحلق مذهب أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد، انتهى.
وفي "الدر المختار" (٢): وفيه - أي: "المجتبى" -: حلق الشارب بدعة، وقيل: سنة، انتهى.
قال ابن عابدين: قوله: وقيل: سُنَّة، مشى عليه في "الملتقى"، وعبارة "المجتبى" بعد ما رمز للطحاوي: حلقه سُنَّة، ونسبه إلى أبي حنيفة وصاحبيه، انتهى.
قلت: كذا نقل بعض العلماء عن الإمام الطحاوي أنه قال: الحلق مذهب الحنفية، وأصل عبارة الطحاوي في "معاني الآثار" (٣): قصّ الشارب حسن وإحفاؤه أحسن وأفضل، وهذا مذهب أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد، انتهى.
وقال الطحطاوي (٤): قال الطحاوي: يستحب إحفاء الشوارب ونراه أفضل من قصّها، وفي "شرح شرعة الإسلام": قال الإمام: الإحفاء قريب من الحلق، وأما الحلق فلم يرد بل كرهه بعض العلماء ورآه بدعة، انتهى.
فالظاهر أن في نسبة الحلق إلى الطحاوي مسامحة.
стр. 3206
وأما الجمع بين تلك الروايات المختلفة ففي "فتح الملهم" (١): قلت: في "القاموس": قصّ الشعر والظفر: قطع شيء منهما بالمقصّ، أي: المقراض، انتهى.
وهذا لا ينافي في الإحفاء؛ فإن القصّ إذا بولغ فيه ينتهي إلى الإحفاء كما ذكره ابن الهمام في "فتح القدير"، والإحفاء الشديد قريب من الحلق، فيطلق عليه الحلق مبالغة كما ذكره الزبيدي في "شرح الإحياء"، وعلى هذا لا تتضاد الروايات، ويمكن أن يحمل حديث القصّ على أدنى ما تحصل به السُّنَّة ومخالفة المجوس وغيرهم، وحديث الإحفاء على أفضل مراتب السُّنَّة وأكملها، ويراد بالحلق الوارد في رواية النسائي الإحفاء الشديد كما ذكرنا، والله تعالى أعلم، انتهى.
وكتب الشيخ قُدِّس سرُّه في "الكوكب" (٢): في إحفاء الشوارب أقوال: حلقها أو قصّها قليلًا بحيث تظهر أطراف الشفة العليا فحسب، وقيل: بل قصّها بالمبالغة، ولعل هذا القول الثالث أصح، فإنه يجمع العمل بالروايتين معًا، أي: رواية القصّ ورواية الإحفاء، انتهى.
(٦٤ - باب تقليم الأظفار)
وهو تفعيل من القلم، وهو القطع، والمراد إزالة ما يزيد على ما يلابس رأس الإصبع من الظفر؛ لأن الوسخ يجتمع فيه فيستقذر، وقد ينتهي إلى حدّ يمنع من وصول الماء إلى ما يجب غسله في الطهارة، وقد أخرج البيهقي في "الشعب" من طريق قيس بن أبي حازم قال: "صلى النبي ﷺ صلاة فأوهم فيها، فسئل فقال: ما لي لا أوهم ورُفُغ أحدكم بين ظفره وأنملته" رجاله ثقات مع إرساله، والرُفُغُ بضم الراء ويجمع على أرفاغ، وهي مغابن الجسد كالإبط وكل موضع يجتمع فيه الوسخ، والتقدير:
стр. 3207
وسخ رفغ أحدكم، والمعنى أنكم لا تقلمون أظفاركم ثم تحكّون بها أرفاغكم فيتعلق بها ما في الأرفاغ من الأوساخ المجتمعة (١).
ثم قال الحافظ (٢): ولم يثبت في ترتيب الأصابع عند القصّ شيء من الأحاديث، لكن جزم النووي في "شرح مسلم" بأنه يستحب البداءة بمسبحة اليمنى ثم بالوسطى ثم البنصر ثم الخنصر ثم الإبهام، وفي اليسرى بالبداءة بخنصرها ثم بالبنصر إلى الإبهام، ويبدأ في الرجلين بخنصر اليمنى إلى الإبهام، وفي اليسرى بإبهامها إلى الخنصر، ولم يذكر للاستحباب مستندًا، وقال ابن دقيق العيد: يحتاج من ادعى استحباب تقديم اليد في القصّ على الرجل إلى دليل؛ فإن الإطلاق يأبى ذلك.
قلت: يمكن أن يؤخذ بالقياس على الوضوء والجامع التنظيف، وتوجيه البداءة باليمنى لحديث عائشة: "كان يعجبه التيمن في طهوره وترجله وفي شأنه كله"، والبداءة بالمسبحة منها لكونها أشرف الأصابع لأنها آلة التشهد، إلى آخر ما ذكر.
وفي "الدر المختار" (٣): ويستحب قلم أظافيره - إلا لمجاهد في دار الحرب فيستحبّ توفير شاربه وأظفاره - يوم الجمعة، وكونه بعد الصلاة أفضل إلا إذا أخَّره إليه تأخيرًا فاحشًا فيكره، انتهى.
قال الحافظ (٤): وقد ذكر في الباب ثلاثة أحاديث، الثالث منها لا تعلق له بالظفر، وإنما هو مختصّ بالشارب واللحية، فيمكن أن يكون مراده في هذه الترجمة والتي قبلها تقليم الأظفار وما ذكر معها وقصّ الشارب وما ذكر معه، ويحتمل أن يكون أشار إلى أن حديث ابن عمر في الأول وحديثه في الثالث واحد، منهم من طوّله ومنهم من اختصره، انتهى.
(فائدة): ذكر السيوطي في رسالة "نور اللمعة في خصائص الجمعة"