← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 853

الأبواب والتراجم لصحيح البخاري

محمد زكريا الكاندهلوي

Полный текст (3 740 стр.). Показаны 3238–3277 · переход к 3243.

стр. 3238

٧٨ - كتاب الأدب الأدب استعمال ما يحمد قولًا وفعلًا، وعبَّر بعضهم عنه بأنه الأخذ بمكارم الأخلاق، وقيل: الوقوف مع المستحسنات، وقيل: هو تعظيم من فوقك والرفق بمن دونك، قاله الحافظ (١). وقال العلامة العيني (٢): يقال: أَدُبَ الرجل يَأْدُبُ إذا كان أديبًا، كما يقال: كرم يكرم إذا كان كريمًا، والأدب مأخوذ من المأدبة، وهو طعام يتخذ ثم يدعى الناس إليه، فكأن الأدب مما يدعى كل أحد إليه، إلى آخر ما بسط. وفي "فيض الباري" (٣): قال صاحب "المغرب": إن الأدب اسم لكل رياضة محمودة يتخرج بها الرجل إلى كل فضيلة من الفضائل، وترجمته في الهندية: "تَمِيز"، ويقال للفن المخصوص: الأدب؛ لأنه كان في زمن سلاطين الإسلام وسيلة إلى حسن التقرير والتحرير وكتابة الفرامين إلى غير ذلك من الملكات الحسنة مما لا بد لحُضَّار مجالسهم، انتهى. (١ - باب قوله: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ﴾ [العنكبوت: ٨]) كذا في النسخة "الهندية"، وفي نسخ الشروح الثلاثة: "باب البر والصلة وقول الله . . ." إلخ. قال الحافظ (٤): ووقع في أول "الأدب المفرد" للبخاري: "باب ما جاء في قول الله تعالى: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا﴾ "، وكتاب "الأدب المفرد" يشتمل على أحاديث زائدة على ما في "الصحيح"، وفيه قليل من الآثار الموقوفة، وهو كثير الفائدة، انتهى.

стр. 3239

(٢ - باب من أحق الناس بحسن الصحبة) قال الحافظ (١): الصحبة والصحابة مصدران بمعنىً وهو المصاحبة، ثم قال في شرح الحديث: قال ابن بطال: مقتضاه أن يكون بالأم ثلاثة أمثال ما للأب من البرّ، قال: وكان ذلك لصعوبة الحمل ثم الوضع ثم الرضاع، فهذه تنفرد به الأم ثم تشارك الأب في التربية، وقال القرطبي: المراد أن الأم تستحق على الولد الحظّ الأوفر في البر، وتقدم في ذلك على حق الأب عند المزاحمة، وقال عياض: وذهب الجمهور إلى أن الأم تفضل في البر على الأب، وقيل: يكون برّهما سواء، والصواب الأول، قلت: إلى الثاني ذهب بعض الشافعية، لكن نقل الحارث المحاسبي الإجماع على تفضيل الأم في البر، وفيه نظر، إلى آخر ما قال في الترتيب بين الأقرباء، ومال أبو بكر الجصاص في "أحكام القرآن" (٢) في تفسير قوله تعالى: ﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾ الآية [الإسراء: ٢٣] إلى ترجيح حقّ الأم على الأب حيث قال: وقد روي عن النبي ﷺ أنه عظّم حق الأم على الأب، ثم ذكر حديث أبي هريرة حديث الباب. وفي "شرح الإحياء" (٣): قال بعض العلماء: ينبغي أن يكون للأم ثلاثة أمثال ما للأب لأنه ﷺ كرّر الأم ثلاث مرات، وذكر الأب في المرة الرابعة فقط، وقيل: للأم ثُلُثَا البر وللأب الثُلُث، ووجهه الحديث الذي ذكر فيه حق الأم مرتين والأب مرة، وروي هذا عن الليث بن سعد، انتهى مختصرًا. قال العلامة العيني (٤): وحديث أبي هريرة يدل على أن طاعة الأم مقدمة، وهو حجة على من خالفه، انتهى. وكتب الشيخ في "الكوكب" (٥): قوله: "من أبرّ. . ." إلخ، وجه ذكر

стр. 3240

الأم ترجيحها على الأب في أحكام البر والصلة، وأما الإطاعة ففيها تقديم للأب كالتعظيم، انتهى. قلت: وبه صرح في كراهية "العالمكَيرية" (١) وهكذا قال صاحب "الفيض" (٢). (٣ - باب لا يجاهد إلا بإذن الأبوين) تقدم الكلام عليه في "كتاب الجهاد" فإنه قد ترجم هناك بـ "باب الجهاد بإذن الأبوين" ومناسبته بالكتابين ظاهرة. (٤ - باب لا يسبّ الرجل والده) وفي نسخ الشروح الثلاثة "والديه" بالتثنية. قال الحافظ (٣): أي: ولا أحدهما، أي: لا يتسبب إلى ذلك، قال ابن بطال: وحديث الباب أصل في سدّ الذرائع، ويؤخذ منه أن من آل فعله إلى محرم يحرم عليه ذلك الفعل وإن لم يقصد إلى ما يحرم، والأصل في هذا الحديث قوله تعالى ﴿وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ الآية [الأنعام: ١٠٨]، انتهى من "الفتح". (٥ - باب إجابة دعاء من برّ والديه) ذكر فيه قصة الثلاثة الذين انطبق عليهم فمُ الغار حتى ذكروا أعمالهم الصالحة ففرج عنهم، وقد تقدم شرحه مستوفى في "كتاب الإجارة"، قاله الحافظ (٤).

стр. 3241

(٦ - باب عقوق الوالدين من الكبائر. . .) إلخ العقوق بضم العين المهملة مشتق من العقّ وهو القطع، والمراد به صدور ما يتأذى به الوالد من ولده من قول أو فعل إلا في شرك أو معصية ما لم يتعنت الوالد، وضبطه ابن عطية بوجوب طاعتهما في المباحات فعلًا وتركًا، واستحبابها في المندوبات، وفروض الكفاية كذلك، إلى آخر ما ذكر الحافظ (١). (٧ - باب صلة الوالد المشرك) من جهة ولده المؤمن، قاله القسطلاني (٢). وقال الحافظ (٣): ذكر فيه حديث أسماء بنت أبي بكر: "أتتني أمي وهي راغبة"، وقد تقدم شرحه مستوفى في "كتاب الهبة"، وتقدم بيان الاختلاف في قوله: "راغبة" هل هي بالميم أو الموحدة، انتهى. (٨ - باب صلة المرأة أمها ولها زوج) قال القسطلاني (٤): مطابقة الحديث للترجمة ظاهرة إذا قلنا: إن الضمير في "ولها" راجع إلى المرأة، إذ أسماء كانت زوجة للزبير وقت قدومها، وإن قلنا: إنه راجع إلى الأم فذلك باعتبار أن يراد بلفظ "أبيها" زوج أم أسماء، ومثل هذا المجاز شائع، وكونه كالأب لأسماء ظاهر، قاله في "الكواكب". وقال ابن بطال: في الحديث من الفقه أنه ﷺ أباح لأسماء أن تصل أمها ولم يشترط في ذلك مشاورة زوجها، وأن للمرأة أن تتصرف في مالها بدون إذن زوجها، انتهى. قلت: والمسألة خلافية تقدم الكلام عليها في "كتاب الهبة" في "باب هبة المرأة لغير زوجها"، والأوجه عندي: أن الإمام البخاري أشار بهذه

стр. 3242

الترجمة إلى جواز ذلك كما هو مذهب الجمهور، خلافًا لما يتوهم عما ذكره الإمام أبو داود في "باب عطية المرأة بغير إذن زوجها" عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رسول الله ﷺ قال: "لا يجوز لامرأة أمر في مالها إذا ملك زوجها عصمتها" قال الشيخ في "البذل" (١): قال الخطابي (٢): عند أكثر العلماء هذا على معنى حسن العشرة واستطابة نفس الزوج بذلك، ثم ذكر خلاف مالك في المسألة، كذا في هامش "اللامع" (٣). (٩ - باب صلة الأخ المشرك) بالإِضافة إلى المفعول وطيّ ذكر الفاعل أن صلة المسلم لأخيه المشرك، ذكر في الباب حديث ابن عمر: "رآى عمر حلة سيراء تباع" الحديث، وقد تقدم في "كتاب الهبة"، انتهى من "القسطلاني" (٤) بزيادة. (١٠ - باب فضل صلة الرحم) بفتح الراء وكسر الحاء المهملة يطلق على الأقارب، وهم من بينه وبين الآخر نسب، سواء كان يرثه أم لا؟ سواء كان ذا محرم أم لا، وقيل: هم المحارم فقط، والأول هو المرجح؛ لأن الثاني يستلزم خروج أولاد الأعمام وأولاد الأخوال من ذوي الأرحام وليس كذلك، انتهى من "الفتح" (٥). (١١ - باب إثم القاطع) أي: قاطع الرحم، وللمصنف في "الأدب المفرد" من حديث أبي هريرة رفعه: "إن أعمال بني آدم تعرض كل عشية خميس ليلة جمعة،

стр. 3243

فلا يقبل عمل قاطع رحم"، وللطبراني من حديث ابن مسعود: "إن أبواب السماء مغلقة دون قاطع الرحم" وغير ذلك من الروايات ذكرها الحافظ (١). (١٢ - باب من بسط في الرزق لصلة الرحم) أي: لأجل صلة رحمه، ثم قال الحافظ في شرح الحديث: وعند أحمد بسند رجاله ثقات عن عائشة مرفوعًا: "صلة الرحم وحسن الجوار وحسن الخلق يعمران الديار ويزيدان في الأعمار" ونحو ذلك من الروايات ذكرها الحافظ في "الفتح" (٢). وقد تقدم في البيوع "باب من أحب البسط في الرزق"، وأخرج المصنف هناك ثاني حديثي الباب حديث أنس بن مالك. (١٣ - باب من وصل وصله الله) أي: من وصل رحمه وصله الله، يعني: يعطف عليه بفضله إما في عاجل دنياه أو آجل آخرته، والعرب تقول إذا تفضّل رجل على رجل آخر بمال أو وهبه هبة: وصل فلان فلانًا، كذا قاله العلامة العيني (٣). وذكر المصنف فيه ثلاثة أحاديث قال الحافظ: وفي الأحاديث الثلاثة تعظيم أمر الرحم، وأن صلتها مندوب مرغب فيه، وأن قطعها من الكبائر لورود الوعيد الشديد فيه، انتهى من "الفتح" (٤). (١٤ - باب تبلّ الرحم ببلالها) قال صاحب "الفيض" (٥): وهذه محاورة يراد بها صلة الرحم وترجمته بالهندية: "سينجنا"، انتهى.

стр. 3244

قال العلامة العيني (١): "يَبَلُّ" على بناء المعلوم وفاعله محذوف تقديره يبلّ الشخص المكلف، و"الرحم" منصوب على أنه مفعول "يبل"، ويجوز أن يكون "يبل" على صيغة المجهول مسندًا إلى "الرحم" المرفوع به، والبلال بكسر الموحدة، وكل ما يبل به الحلق من الماء واللبن يسمى بلالًا، وقد يجمع البلة بالكسر وهي الندواة على بلال، وقال الخطابي: البلال مصدر بللت الرحم أبلّه بِلالًا وبَلالًا بالكسر والفتح إذا نديتها بآلة، انتهى. (١٥ - باب ليس الواصل بالمكافئ) قال الحافظ (٢): قال شيخنا في "شرح الترمذي": المراد بالواصل في هذا الحديث الكامل، فإن في المكافأة نوع صلة بخلاف من إذا وصله قريبه لم يكافئه، فإن فيه قطعًا بإعراضه عن ذلك وهو من قبيل: "ليس الشديد بالصرعة"، و"ليس الغناء عن كثرة العرض"، انتهى. وأقول: لا يلزم من نفي الوصل ثبوت القطع فهم ثلاث درجات: واصل ومكافئ وقاطع، فالواصل من يتفضل ولا يتفضل عليه، والمكافئ الذي لا يزيد في الإعطاء على ما يأخذ، والقاطع الذي يتفضل عليه ولا يتفضل، وكما تقع المكافأة بالصلة من الجانبين كذلك تقع بالمقاطعة من الجانبين، فمن بدأ حينئذٍ فهو الواصل، فإن جوزي سمي من جازاه مكافئًا، والله تعالى أعلم، انتهى. (١٦ - باب من وصل رحمه في الشرك ثم أسلم) أي: هل يكون له في ذلك ثواب؟ وإنما لم يجزم بالحكم لوجود الاختلاف في ذلك، وتقدم البحث في ذلك في "كتاب الإيمان" في الكلام على حديث أبي سعيد الخدري: "إذا أسلم العبد فحسن إسلامه"، انتهى من "الفتح" (٣).

стр. 3245

قلت: وترجم الإمام البخاري هناك بـ "باب حسن إسلام المرء"، وتقدم الكلام على المسألة هناك، يعني: هل الكافر يثاب على حسناته إذا أسلم؟ وأيضًا قد ترجم المصنف في "كتاب الزكاة" بـ "باب من تصدق في الشرك ثم أسلم"، وأخرج فيه حديث حكيم بن حزام المذكور في هذا الباب. (١٧ - باب من ترك صبية غيره حتى تلعب به) أي: ببعض جسده. قوله: (أو قبلها أو مازحها) قال ابن التِّين: ليس في الخبر المذكور في الباب للتقبيل ذكر، فيحتمل أن يكون لما لم ينهها عن مسّ جسده صار كالتقبيل، وإلى ذلك أشار ابن بطال، والذي يظهر لي أن ذكر المزح بعد التقبيل من العام بعد الخاص، وأن الممازحة بالقول والفعل مع الصغيرة إنما يقصد به التأنيس، والتقبيل من جملة ذلك، انتهى من "الفتح" (١). وأورد العلامة العيني (٢) على قول الحافظ: من العام بعد الخاص: بأنه ليس كذلك؛ لأن لكل واحد من التقبيل والمزاح معنى خاصًّا، وليس بينهما عموم وخصوص، انتهى. وحكى القسطلاني قول ابن التِّين المتقدم في كلام الحافظ ثم قال: كذا قال فليتأمل (٣)، انتهى. والأوجه عند هذا العبد الضعيف: أن الباب الآتي من قبيل باب في باب، كما هو معروف من أصول التراجم فلا إيراد ولا حاجة إلى الجواب. (١٨ - باب رحمة الولد وتقبيله ومعانقته) لعل المصنف أشار إلى أن القبلة والمعانقة وغيرهما رحمة، وردّ على من أنكره من المتكبرين كما يستفاد من قول الأقرع بن حابس، قال

стр. 3246

ابن بطال: يجوز تقبيل الولد الصغير في كل عضو منه، وكذا الكبير عند أكثر العلماء ما لم يكن عورة، وتقدم في مناقب فاطمة ﵍ أنه ﷺ كان يقبلها، وكذا كان أبو بكر يقبل ابنته عائشة، قاله الحافظ (١). وقال أيضًا في شرح حديث أبي هريرة: وفي جواب النبي ﷺ للأقرع إشارة إلى أن تقبيل الولد وغيره من الأهل المحارم وغيرهم من الأجانب إنما يكون للشفقة والرحمة لا للذة والشهوة، وكذا الضم والشم والمعانقة، انتهى من "الفتح" (٢). وحكى القاري في "المرقاة" (٣) عن النووي: قبلة الوالد خدّ الولد واجب، وقبلة غيره من الأطراف، وقبلة غير الولد من أولاد الأصدقاء سنة، انتهى فتأمل. والذي ذكره العلامة النووي في "شرح مسلم" تحت حديث أنس بن مالك: "ما رأيت أحدًا كان أرحم بالعيال من رسول الله ﷺ " الحديث، وفيه فضيلة رحمة العيال والأطفال وتقبيلهم (٤)، انتهى. (١٩ - باب) بغير ترجمة، كذا في النسخة "الهندية"، وفي نسخ الشروح: "باب جعل الله الرحمة في مائة جزء". قال الحافظ (٥): هكذا ترجم ببعض الحديث، وفي رواية النسفي: "باب من الرحمة"، وللإسماعيلي: "باب" بغير ترجمة، انتهى. وفي "فيض الباري" (٦): قوله: "فمن ذلك الجزء يتراحم الخلق"، وفيه رائحة من وحدة الوجود لأنه يدل على أن تلك الرحمة عينها جعلت بين العباد مع أنها كانت جزءًا من أجزاء رحمة الربّ، فما كان للربّ

стр. 3247

جلّ مجده صارت للعباد بعينها، وهل الوحدة المذكورة ممكنة أو لا؟ فالوجه أنها ممكنة إلا أن الغلو فيها غلو، وقد أنكرها الشيخ المجدد السرهندي في "مكتوباته"، وفي "العبقات": أن بطاقة وجدت من تحت وسادة حضرة الشيخ المجدد فوجد فيها مكتوبًا: إن آخر ما انكشف عليَّ هو أن وحدة الوجود حق، قلت: وفيه احتمال بعد ما لم يثبت من جهة صاحب الشرع، وكيف ما كان ليست المسألة مما تصلح أن تدخل في العقائد، انتهى. (٢٠ - باب قتل الولد خشية أن يأكل معه) قال الحافظ (١): ووقع لأبي ذر عن المستملي والكشميهني: "باب أيّ الذنب أعظم"، وعند النسفي: "باب من الرحمة"، انتهى. (٢١ - باب وضع الصبي في الحجر) شفقةً وتعطفًا عليه، الحجر بفتح الحاء المهملة وكسرها وسكون الجيم، قاله القسطلاني (٢). قال الحافظ (٣): ويستفاد من الحديث الرفق بالأطفال والصبر على ما يحدث منهم وعدمُ مؤاخذتهم لعدم تكليفهم، انتهى. (٢٢ - باب وضع الصبي على الفخذ) هذه الترجمة أخصُّ من التي قبلها، قاله الحافظ (٤). وقال القسطلاني (٥) تحت حديث الباب: واستشكل بأن أسامة أسنّ من الحسن بكثير لأنه ﷺ أمّره على جيش عند وفاته الشريفة، وكان عمره

стр. 3248

فيما قيل: عشرين سنة حينئذ، وكان سنّ الحسن إذ ذاك ثمان سنين، وأجيب باحتمال أن يكون أقعد أسامة على فخذه لنحو مرض أصابه فمرَّضَه بنفسه الشريفة لمزيد محبته له، وجاء الحسن فأقعده على الآخر، أو أن إقعادهما ليس في وقت واحد، أو عبَّر به عن إقعاده بحذاء فخذه لينظر في مرضه بقوله: "فيقعدني على فخذه" مبالغة في شدة قربه منه، انتهى. (٢٣ - باب حسن العهد من الإيمان) قال أبو عبيد: العهد هنا رعاية الحرمة، وقال عياض: هو الاحتفاظ بالشيء والملازمة له، وقال الراغب: حفظ الشيء ومراعاته حالًا بعد حال، إلى آخر ما بسط الحافظ (١). وقال القسطلاني (٢): فإن قلت: ما وجه المطابقة بين الحديث والترجمة؟ أجيب بأن لفظ الترجمة ورد في حديث عائشة عند الحاكم والبيهقي في "الشعب" قالت: "جاءت عجوز إلى النبي ﷺ فقال: كيف أنتم، كيف حالكم، كيف كنتم بعدنا؟ قالت: بخير بأبي أنت وأمي يا رسول الله. فلما خرجت قلت: يا رسول الله تقبل على هذه العجوز هذا الإقبال؟ فقال: يا عائشة إنها كانت تأتينا زمان خديجة، وإن حسن العهد من الإيمان"، فاكتفى البخاري بالإشارة على عادته تشحيذًا للأذهان، تغمده الله تعالى بالرحمة والرضوان، انتهى. وهكذا في "الفتح". (٢٤ - باب فضل من يعول يتيمًا) أي: يربيه وينفق عليه، كذا في "الفتح" (٣).

стр. 3249

قوله: "أنا وكافل اليتيم في الجنة هكذا. . ." إلخ، قال العلامة السندي (١): كأنه كناية عن زيادة قرب لكافل اليتيم إليه ﷺ من بعض الوجوه، وإلا فمعلوم أن درجته ﷺ أرفع، والله تعالى أعلم، انتهى. (٢٥ - باب الساعي على الأرملة) بفتح الميم: التي لا زوج لها، سواء تزوجت قبل ذلك أم لا؟ أو هي التي فارقها زوجها، غنية كانت أو فقيرة، وقال ابن قتيبة: سميت بذلك لما يحصل لها من الإرمال وهو الفقر وذهاب الزاد بفقد الزوج، انتهى (٢). قال الحافظ (٣): قوله: "باب الساعي على الأرملة. . ." إلخ، أي: في مصالحها، ذكر فيه حديث أبي هريرة موصولًا، وحديث صفوان بن سليم مرسلًا، وقد تقدم شرحه في "كتاب النفقات"، قاله الحافظ. (٢٦ - باب الساعي على المسكين) قال العلامة العيني (٤): أي: فضل الساعي على المسكين، أي: الكاسب لأجل المسكين والقائم بمصلحته، انتهى. (٢٧ - باب رحمة الناس والبهائم) أي: صدور الرحمة من الشخص لغيره، وكأنه أشار إلى حديث ابن مسعود رفعه قال: "لن تؤمنوا حتى ترحموا، قالوا: كلنا رحيم يا رسول الله، قال: إنه ليس برحمة أحدكم صاحبه ولكنها رحمةُ الناس رحمةَ العامة" أخرجه الطبراني ورجاله ثقات، انتهى من "الفتح" (٥).

стр. 3250

(٢٨ - باب الوصاية بالجار) هكذا في النسخ الهندية، وفي نسخ الشروح الثلاثة: "الوصاءة" بالهمزة بدل الياء. قال القسطلاني (١): وفي نسخة: "كتاب"، يعني: بدل "باب"، وفي نسخة: "كتاب البر والصلة"، والوصاءة بفتح الواو والصاد المهملة المخففة بعدها همزة، ممدودًا، لغة في الوصية، وكذا الوصاية بإِبدال الهمزة ياءً، انتهى. (٢٩ - باب إثم من لا يأمن جاره بوائقه) جمع بائقة، وهي الداهية والشيء المهلك والأمر الشديد الذي يوافي بغتةً، انتهى من "الفتح" (٢). (٣٠ - باب لا تحقرنّ جارة لجارتها) يعني: لا تمنع الجارة عن إعطاء شيء حقير لجارتها لأجل قلَّته، قاله العيني (٣). (٣١ - باب من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يؤذ جاره) المراد به الإيمان الكامل، وخصّه بالله واليوم الآخر إشارة إلى المبدأ والمعاد، أي: من آمن بالله الذي خلقه وآمن بأنه سيجازيه بعمله فليفعل الخصال المذكورات، انتهى من "الفتح" (٤).

стр. 3251

(٣٢ - باب حق الجوار في قرب الأبواب) قال الحافظ (١): قوله "أقربهما" أي: أشدهما قربًا، قيل: الحكمة فيه أن الأقرب يرى ما يدخل بيت جاره من هدية وغيرها فيتشوف لها بخلاف الأبعد، وأن الأقرب أسرع إجابة لما يقع لجاره من المهمات، ولا سيَّما في أوقات الغفلة، واختلف في حدّ الجوار فجاء عن علي ﵁: من سمع النداء فهو جار، وقيل: من صلى معك صلاة الصبح في المسجد فهو جار، وعن عائشة: حدّ الجوار أربعون دارًا من كل جانب، وعن الأوزاعي مثله، انتهى. وتقدم التبويب في الشفعة بـ "باب أي الجوار أقرب". (٣٣ - باب كل معروف صدقة) أورد فيه حديث جابر ﵁ بهذا اللفظ، وقد أخرج مسلم من حديث حذيفة، وقد أخرجه الدارقطني والحاكم مثله، وزاد في آخره: "وما أنفق الرجل على أهله كتب له به صدقة، وما وقى به المرء عرضه فهو صدقةً"، انتهى من "الفتح" (٢). (٣٤ - باب طيب الكلام) أصل الطيب ما تستلذّه الحواسُّ، ويختلف باختلاف متعلقه، قال ابن بطال: طيب الكلام من جليل عمل البر لقوله تعالى: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [المؤمنون: ٩٦]، والدفع قد يكون بالقول كما يكون بالفعل، انتهى من "الفتح" (٣).

стр. 3252

(٣٥ - باب الرفق في الأمر كله) الرفق بكسر الراء: هو لين الجانب بالقول والفعل والأخذ بالأسهل، وهو ضد العنف، قاله الحافظ (١). (٣٦ - باب تعاون المؤمنين بعضهم بعضًا) قال الحافظ (٢): بجر "بعضهم" على البدل ويجوز الضم، قال ابن بطال: والمعاونة في أمور الآخرة وكذا في الأمور المباحة من الدنيا مندوب إليها، وقد ثبت حديث أبي هريرة: "والله في عون العبد ما دام العبد في عون أخيه". قال الحافظ: وقع في حديث عن ابن عباس سنده ضعيف رفعه: "من سعى لأخيه المسلم في حاجة قضيت له أو لم تقض غفر له"، انتهى. (٣٧ - باب ﴿مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً﴾ الآية [النساء: ٨٥]) وقد عقب المصنف الحديث المذكور قبله بهذه الترجمة إشارة إلى أن الأجر على الشفاعة ليس على العموم، بل مخصوص بما تجوز فيه الشفاعة، وهي الشفاعة الحسنة، وضابطها ما أذن فيه الشرع دون ما لم يأذن فيه كما دلت عليه الآية، وقد أخرج الطبري بسند صحيح عن مجاهد قال: هي في شفاعة الناس بعضهم لبعض، وقيل: الشفاعة الحسنة الدعاء للمؤمن، والسيئة الدعاء عليه، انتهى مختصرًا من "الفتح" (٣). (٣٨ - باب لم يكن النبي ﷺ فاحشًا ولا متفحشًا) الفحش كل ما خرج عن مقداره حتى يستقبح، ويدخل في القول

стр. 3253

والفعل والصفة، يقال: طويل فاحش الطول إذا أفرط في طوله، لكن استعماله في القول أكثر، والمتفحش بالتشديد، أي: الذي يتعمد ذلك ويكثر منه ويتكلفه، انتهى (١). (٣٩ - باب حسن الخلق والسخاء وما يكره من البخل) جمع في هذه الترجمة بين هذه الأمور الثلاثة؛ لأن السخاء من جملة محاسن الأخلاق بل هو من معظمها، والبخل ضده، ثم بسط الحافظ الكلام في تحقيق معنى الحسن والخلق والسخاء والبخل، ثم قال: وأشار بقوله: "وما يكره من البخل" إلى أن بعض ما يجوز إطلاق اسم البخل عليه قد لا يكون مذمومًا، انتهى من "الفتح" (٢). (٤٠ - باب كيف يكون الرجل في أهله) ذكر فيه حديث عائشة "كان في مهنة أهله"، وقد تقدم شرحه في أبواب صلاة الجماعة من "كتاب الصلاة"، والمهنة بكسر الميم وبفتحها، وأنكر الأصمعي الكسر وفسّرها هناك بخدمة أهله، وبينت أن التفسير من قول الراوي، وقد وقع في حديث آخر لعائشة أخرجه أحمد وابن سعد وصححه ابن حبان من رواية هشام بن عروة عن أبيه: "قلت لعائشة: ما كان رسول الله ﷺ يصنع في بيته؟ قالت: يخيط ثوبه، ويخصف نعله، ويعمل ما يعمل الرجال في بيوتهم"، ولأحمد من حديث عائشة: "يخصف نعله، ويخيط ثوبه، ويرقع دلوه"، وفي رواية عنها أيضًا بلفظ: "ما كان إلا بشرًا من البشر، كان يفلي ثوبه، ويحلب شاته، ويخدم نفسه"، وأخرجه الترمذي في "الشمائل" وفي رواية عند ابن سعد: "كان ألين الناس وأكرم الناس وكان رجلًا من رجالكم، إلا أنه كان بسامًا"، قال ابن بطال: من أخلاق الأنبياء التواضع، والبعد عن التنعم، وامتهان النفس ليستنّ بهم، ولئلا

стр. 3254

يخلدوا إلى الرفاهية المذمومة، وقد أشير إلى ذمّها بقوله تعالى: ﴿وَذَرْنِي وَالْمُكَذِّبِينَ أُولِي النَّعْمَةِ وَمَهِّلْهُمْ قَلِيلًا﴾ [المزمل: ١١]، انتهى من "الفتح" (١). (٤١ - باب المقة من الله) أي: ابتداؤها من الله، والمقة بكسر الميم وتخفيف القاف هي المحبة، وقد ومق يمق، والأصل الومق، والهاء فيه عوض عن الواو، كعدة ووعد وزنة ووزنَ. وهذه الترجمة لفظ زيادة وقعت في نحو حديث الباب في بعض طرقه، لكنها على غير شرط البخاري، فأشار إليها في الترجمة كعادته، أخرجه أحمد والطبراني وابن أبي شيبة عن أبي أمامة مرفوعًا قال: "المقة من الله، والصيت من السماء، فإذا أحبّ الله عبدًا" الحديث، وللبزار عن أبي هريرة رفعه: "ما من عبد إلا وله صيت في السماء، فإن كان حسنًا وضع في الأرض، وإن كان سيئًا وضع في الأرض"، والصيت بكسر الصاد المهملة وسكون التحتانية أصله الصوت كالريح من الروح، والمراد به الذكر الجميل، وربما قيل لضده لكن بقيد، انتهى من "الفتح" (٢). وقال صاحب "الفيض" (٣): المقة المحبة، والجار والمجرور بعده فاعل له، وصرّح الأشموني أن الجار والمجرور بعد المصدر يصلح فاعلًا ومفعولًا، انتهى. (٤٢ - باب الحب في الله) أي: في ذات الله من غير أن يشوبه رياء أو هوىً، قاله العيني والقسطلاني (٤).

стр. 3255

(٤٣ - باب قول الله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ﴾ الآية [الحجرات: ١١]) قال العيني (١): المناسبة بين الحديث والآية الكريمة هي أن ضحك الرجل مما يخرج من الأنفس فيه معنى الاستهزاء والسخرية، ثم قال: وتمام هذا الحديث على ثلاث قصص: القصة الأولى قصة عقر الناقة، والثانية قصة النهي عن الضحك مما يخرج من الإنسان، والثالثة قصة النهي عن جلد المرأة، وأخرج البخاري في تفسير سورة ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا﴾ الثلاثة عن موسى بن إسماعيل، وأخرج في أحاديث الأنبياء ﵈ بالقصة الأولى، وأخرج هنا بالقصة الثانية والثالثة، وأخرج في النكاح القصة الثالثة، انتهى. (٤٤ - باب ما ينهى عن السباب واللعن) قال العلامة العيني (٢): السباب بكسر السين المهملة، يحتمل أن يكون من باب المفاعلة، وأن يكون بمعنى السبّ، أي: الشتم، وهو التكلم في شأن الإنسان بما يعيبه، واللعن هو التبعيد عن رحمة الله ، انتهى. قوله: (لا يرمي رجل رجلًا بالفسوق ولا يرميه بالكفر إلا ارتدت عليه. . .) إلخ، قال صاحب "الفيض" (٣): ذهب الغزالي من الشافعية والسرخسي من الحنفية إلى أن من رمى أخاه بكلمة الكفر فقد كفر هو بنفسه حقيقةً. وفي "الدر المختار": أنه لا يوجب كفرًا إذا قالها ستًا، نعم إن قالها جادًّا فكما قال الغزالي والسرخسي، انتهى. ثم بسط الكلام في شرح الحديث.

стр. 3256

(٤٥ - باب ما يجوز من ذكر الناس نحو قولهم: الطويل والقصير. . .) إلخ هذه الترجمة معقودة لبيان حكم الألقاب وما لا يعجب الرجل أن يوصف به مما هو فيه، وحاصله أن اللقب إن كان مما يعجب الملقب ولا إطراء فيه مما يدخل في نهي الشرع فهو جائز أو مستحب، وإن كان مما لا يعجبه فهو حرام أو مكروه، إلا إن تعين طريقًا إلى التعريف به حيث يشتهر به ولا يتميز عن غيره إلا بذكره، ومن ثم أكثر الرواة من ذكر الأعمش والأعرج ونحوهما وعارم وغندر وغيرهم، والأصل فيه قوله ﷺ لما سلم في ركعتين من صلاة الظهر فقال: "أكما يقول ذو اليدين"؟ وقد أورده المصنف في الباب ولم يذكر هذه الزيادة. وإلى ما ذهب إليه البخاري من التفصيل في ذلك ذهب الجمهور، وشذّ قوم فشددوا حتى نقل عن الحسن البصري أنه كان يقول: أخاف أن يكون قولنا: "حميد الطويل" غيبة، وكأن البخاري لمح بذلك حيث ذكر قصة ذي اليدين وفيها: "وفي القوم رجل في يديه طول". قال ابن المنيِّر: أشار البخاري إلى أن ذكر مثل هذا إن كان للبيان والتمييز فهو جائز، وإن كان للتنقيص فهو لم يجز، انتهى من "الفتح" (١). (٤٦ - باب الغيبة وقول الله تعالى ﴿وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا. . .﴾ [الحجرات: ١٢]) إلخ قال الحافظ (٢): هكذا اكتفى بذكر الآية المصرّحة بالنهي عن الغيبة، ولم يذكر حكمها كما ذكر حكم النميمة بعد بابين حيث جزم بأن النميمة من الكبائر. وقد اختلف في حدّ الغيبة وفي حكمها، فأما حدّها فقال الراغب: هي أن يذكر الإنسان عيب غيره من غير محوج إلى ذكر ذلك،

стр. 3257

وقال ابن الأثير في "النهاية": الغيبة أن تذكر الإنسان في غيبته بسوء وإن كان فيه. وقال النووي في "الأذكار" تبعًا للغزالي: ذكر المرء بما يكرهه سواء كان ذلك في بدن الشخص أو دينه أو دنياه أو نفسه أو خلقه أو خلقه أو ماله أو والده أو ولده أو زوجه أو خادمه أو ثوبه أو حركته أو طلاقته أو عبوسته أو غير ذلك مما يتعلق به، سواء ذكرته باللفظ أو بالإشارة والرمز. قال النووي: وممن يستعمل التعريض في ذلك كثير من الفقهاء في التصانيف وغيرها كقولهم: قال بعض من يدعي العلم، أو بعض من ينسب إلى الصلاح أو نحو ذلك مما يفهم السامع المراد به، وكل ذلك من الغيبة، وتمسك من قال: إنها لا يشترط فيها غيبة الشخص بالحديث المشهور الذي أخرجه مسلم وأصحاب السنن عن أبي هريرة رفعه وفيه: "ذكرك أخاك بما يكرهه" فلم يقيد ذلك بغيبة الشخص، فدلّ على أن لا فرق بين أن يقول ذلك في غيبته أو في حضوره، والأرجح اختصاصها بالغيبة مراعاةً لاشتقاقها، وبذلك جزم أهل اللغة. ثم بسط الحافظ الكلام في حكم الغيبة، ونقل الإجماع على أنها من الكبائر، وقيل: من الصغائر، وتعقب هذا القول، ثم قال: ذكر المصنف في الباب حديث ابن عباس وليس فيه ذكر الغيبة بل فيه "يمشي بالنميمة" قال ابن التِّين: إنما ترجم بالغيبة وذكر النميمة لأن الجامع بينهما ذكر ما يكرهه المقول فيه بظهر الغيب، انتهى من "الفتح". وقال ابن عابدين (١) بحثًا على تعريف الغيبة: قوله: حال كونه غائبًا، هذا القيد مأخوذ من مفهومها اللغوي ولم يذكر في الحديث، والظاهر أنه لو ذكر في وجهه فهو سبّ وشتم وهو حرام أيضًا بالأولى؛ لأنه أبلغ في الإيذاء عن حال الغيبة، انتهى.

стр. 3258

وقال أيضًا: أعلم أن الغيبة حرام بنص الكتاب العزيز، وشبّه المغتاب بآكل لحم أخيه ميتًا إذ هو أقبح من الأجنبي ومن الحي، فكما يحرم لحمه يحرم عرضه، قال ﷺ : "كل المسلم على المسلم حرام دمه وماله وعرضه" رواه مسلم وغيره، ولا تحل إلا عند الضرورة بقدرها كهذه المواضع (أي: التي ذكرت في "الدر المختار" كما سيأتي). وفي "تنبيه الغافلين" للفقيه أبي الليث: الغيبة على أربعة أوجه: في وجه هي كفر بأن قيل له: لا تغتب، فيقول: ليس هذا غيبة لأني صادق فيه، فقد استحلّ ما حرم بالأدلة القطعية وهو كفر، إلى أن قال: وفي وجه هي مباح وهو أن يغتاب معلنًا بفسقه أو صاحب بدعة، وإن اغتاب الفاسق ليحذره الناس يثاب عليه؛ لأنه من النهي عن المنكر، انتهى. أقول: والإباحة لا تنافي الوجوب في بعض المواضع الآتية، انتهى. وفي "الدر المختار": وكذا لا إثم عليه لو ذكر مساوئ أخيه على وجه الاهتمام فلا يكون غيبة، إنما الغيبة أن يذكر على وجه الغضب يريد السبّ، انتهى. قال ابن عابدين: قوله: لا يكون غيبة؛ لأنه لو بلغه لا يكرهه؛ لأنه مهتم له متحزن ومتحسر عليه، لكن بشرط أن يكون صادقًا في اهتمامه وإلا كان مغتابًا منافقًا مرائيًا مزكيًّا لنفسه؛ لأنه شتم أخاه المسلم وأظهر خلاف ما أخفى، وأشعر الناس أنه يكره هذا الأمر لنفسه ولغيره، وأنه من أهل الصلاح حيث لم يأت بصريح الغيبة، وإنما أتى بها في معرض الاهتمام، فقد جمع أنواعًا من القبائح، نسأل الله تعالى العصمة، انتهى. وقال صاحب "الفيض" (١) بعد تعريف الغيبة: ذكر الشامي فيها المستثنيات، وملخصها يرجع عندي إلى كلمة واحدة وهي أن الغيبة هي التي كانت لتجريد الصدر والتلذذ بها وجعلها شغلًا، أما إذا كان بصدد ذكر

стр. 3259

حوادث الأيام وصروفها فذكر فيه أشياء لا يكون من الغيبة المحظورة. شر الورى بمساوئ الناس مشتغل … مثل الذباب يراعي موضع العلل انتهى. وسيأتي ترجمة المصنف بقوله: "ما يجوز من اغتياب أهل الفساد". قال الحافظ (١): قال العلماء تباح الغيبة في كل غرض صحيح شرعًا حيث يتعين طريقًا إلى الوصول إليه بها كالتظلم والاستعانة على تغيير المنكر والاستفتاء والمحاكمة والتحذير من الشر، ويدخل فيه تجريح الرواة والشهود، وممن تجوز غيبتهم من يتجاهر بالفسق أو الظلم أو البدعة، انتهى. (٤٧ - باب قول النبي ﷺ : خير دور الأنصار) وكأنَّ فيه تعريضًا لغيرهم، وبذلك يدخل هذا الباب في هذا الكتاب، أو يقال: إن الخير فيهم لأجل اهتمامهم ومراعاتهم الآداب، وبهذا يزول الإشكال. وكتب الشيخ قُدِّس سرُّه في "اللامع" (٢) تحت الترجمة: ظاهره إزراء بالآخرين فكان مظنة عدم الجواز، ودفعه بأن المنهي عنه هو الالتزام، وأما إذا لزم ذلك ولم يكن من قصده إزراء الآخرين وتحقيرهم، وإنما قصد امتداح قوم فلا ضير فيه، انتهى. وفي هامشه: ولأجل ذلك ذكره الإمام البخاري في أبواب الغيبة وغيرها. قال الحافظ: في إيراد هذه الترجمة هنا إشكال؛ لأن هذا ليس من الغيبة أصلًا إلا إن أخذ من أن المفضل عليهم يكرهون ذلك، فيستثنى ذلك من عموم قوله: "ذكرك أخاك بما يكره"، ويكون محل الزجر إذا

стр. 3260

لم يترتب عليه حكم شرعي، فأما ما يترتب عليه حكم شرعي فلا يدخل في الغيبة ولو كرهه المحدث عنه، انتهى. وقال العلامة العيني (١): وهذا المقدار لا يعدّ غيبة وهذا نحو قولك: أبو بكر أفضل من عمر، وليس ذلك غيبة لعمر، انتهى. (٤٨ - باب ما يجوز من اغتياب أهل الفساد والريب) والمراد من أهل الريب المتهمون بالفساد، انتهى من كلام "فيض الباري" (٢). ذكر فيه حديث عائشة في قوله: "بئس أخو العشيرة"، ونوزع في كون ما وقع من ذلك غيبة وإنما هو نصيحة ليحذر السامع، وإنما لم يواجه المقول فيه بذلك لحسن خلقه ﷺ ، والجواب أن المراد أن صورة الغيبة موجودة فيه وإن لم يتناول الغيبة المذمومة شرعًا، وغايته أن تعريف الغيبة المذكور أولًا هو اللغوي، وإذا استثني منه ما ذكر كان ذلك تعريفها الشرعي، انتهى من "الفتح" (٣). قلت: وهذا الباب كالاستثناء من باب الغيبة، وتقدم الكلام هناك على المسألة مبسوطًا. (٤٩ - باب النميمة من الكبائر) قال القسطلاني (٤): وهي نقل مكروه بقصد الإفساد، وضابطها كشف ما يكره من شيء بكل ما يفهم، وهي أم الفتن، وقد قيل: إن النمام يفسد في ساعةٍ مما لا يفسده الساحر في شهر، وعلى سامعها إن جهل كونها نميمة أو نصحًا أن يتوقف حتمًا، فإن تبين أنها نميمة، فعليه أن لا يصدّقه لفسقه بها، ثم ينهاه عنها وينصحه، ثم يبغضه في الله ما لم يتب، ولا يظنّ بأخيه

стр. 3261

الغائب سوءًا، ويحرم بحثه عنها وحكاية ما نقل إليه كيلا ينتشر التباغض، ولا ينمّ على النمام فيصير نمامًا. قال النووي: وهذا إذا لم يكن في النقل مصلحة شرعية وإلا فهو مستحب أو واجب، كمن اطلع من شخص أنه يريد أن يؤذي شخصًا ظلمًا فحذره منه، انتهى. وفي "المجمع" (١): النميمة نقل الحديث على جهة الفساد والشرِّ، نمَّ الحديث ينمّه وينمُّه فهو نمّام، وهو أقبح القبائح، وأكثر إطلاقه على من ينمّ قول الغير إلى المقول فيه إن كره، انتهى. قال الحافظ (٢): واختلف في الغيبة والنميمة هل هما متغايرتان أو متحدتان؟ والراجح التغاير، وأن بينهما عمومًا وخصوصًا وجهيًّا، إلى آخر ما ذكر. وقال في مطابقة الحديث بالترجمة: ذكر فيه حديث ابن عباس في قصة القبرين وهو ظاهر فيما ترجم به لقوله في سياقه: "وانه لكبير"، وقد صحح ابن حبان من حديث أبي هريرة بلفظ: "وكان الآخر يؤذي الناس بلسانه ويمشي بينهم بالنميمة"، انتهى. (٥٠ - باب ما يكره من النميمة) كأنه أشار بهذه الترجمة إلى أن بعض القول المنقول على جهة الإفساد يجوز إذا كان المقول فيه كافرًا مثلًا، كما يجوز التجسس في بلاد الكفار ونقل ما يضرّهم، قاله الحافظ (٣). (٥١ - باب قول الله: ﴿وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ﴾ [الحج: ٣٠]) قال الراغب: الزور الكذب، قيل له ذلك لكونه مائلًا عن الحق، والزور بفتح الزاي: الميل، وكان موقع هذه الترجمة للإشارة إلى أن القول

стр. 3262

المنقول بالنميمة لما كان أعم من أن يكون صدقًا أو كذبًا، فالكذب فيه أقبح، انتهى من "الفتح" (١). (٥٢ - باب ما قيل في ذي الوجهين) أورد فيه حديث أبي هريرة، وفيه تفسيره وهو من جملة صور النمام، انتهى من "الفتح" (٢). (٥٣ - باب من أخبر صاحبه بما يقال فيه) كتب الشيخ قُدِّس سرُّه في "اللامع" (٣): والفرق بينه وبين النميمة أن المقصود ههنا الإصلاح ودفع الشرّ، وفي النميمة الإفساد وإثارة الشر، فجاز ذلك دونها، انتهى. قال الحافظ (٤): قد تقدمت الإشارة إلى أن المذموم من نقلة الأخبار من يقصد الإفساد، وأما من يقصد النصيحة ويتحرى الصدق ويجتنب الأذى فلا، وقلّ من يفرق بين البابين، فطريقُ السلامة في ذلك لمن يخشى عدم الوقوف على ما يباح من ذلك مما لا يباح الإمساكُ عن ذلك، وأراد البخاري بالترجمة بيان جواز النقل على وجه النصيحة لكون النبي ﷺ لم ينكر على ابن مسعود نقله ما نقل، بل غضب من قول المنقول عنه، انتهى. قال العلامة القسطلاني (٥): ويفهم من الحديث أن الكبراء من الخواص قد يعز عليهم ما يقال فيهم من الباطل لما في فطر البشر إلا أن أهل الفضل يتلقون ذلك بالصبر الجميل اقتداءً بالسلف ليتأسى بهم الخلف، انتهى.

стр. 3263

(٥٤ - باب ما يكره من التمادح) [أي] بين الناس بما فيه الإطراء ومجاوزة الحد، قاله القسطلاني (١). قال الحافظ (٢): وكأنه ترجم ببعض ما يدل عليه الخبر من الصور لأنه أعم من أن يكون من الجانبين أو من جانب واحد، ويحتمل أن لا يريد حمل التفاعل فيه على ظاهره، وقد ترجم له في الشهادات: "ما يكره من الإطناب في المدح"، انتهى. وتعقب العلامة العيني (٣) على كلام الحافظ، وذكر الفرق في المشاركة التي تكون في المفاعلة والتفاعل، فارجع إليه لو شئت. (٥٥ - باب من أثنى على أخيه بما يعلم) أي: فهو جائز ومستثنى من الذي قبله، والضابط أن لا يكون في المدح مجازفة ويؤمن على الممدوح الإعجاب والفتنة، انتهى من "الفتح" (٤). وفي "فيض الباري" (٥): اعلم أن المصنف بوّب أولًا بكراهة التمادح، ولما علم أن إطلاقها غير مراد بَوَّبَ ثانيًا ليدل على استثناء فيه، انتهى. (٥٦ - باب قول الله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ﴾ [النحل: ٩٠]) قال العيني (٦): أشار البخاري بإيراد هذه الآيات إلى وجوب ترك إثارة الشر على مسلم أو كافر، يدل عليه قوله: ﴿وَالْإِحْسَانِ﴾ أي: إلى المسيء وترك معاقبته على إساءته، ثم في تفسير هذه الآية أقوال، ثم بسط العيني عشرة أقوال في تفسير العدل والإحسان.

стр. 3264

وقال الحافظ (١): قال ابن بطال: وجه الجمع بين الآيات المذكورة وترجمة الباب جمع الحديث أن الله تعالى لما نهى عن البغي، وأعلم أن ضرر البغي إنما هو راجع إلى الباغي، وضمن النصر لمن بغي عليه، كان حق من بغي عليه أن يشكر الله على إحسانه إليه بأن يعفو عمن بغى عليه، وقد امتثل النبي ﷺ فلم يعاقب الذي كاده بالسحر مع قدرته على ذلك. قال الحافظ: ويحتمل أن يكون مطابقة الترجمة للآيات والحديث أنه ﷺ ترك استخراج السحر خشية أن يثور على الناس منه شرّ، فسلك مسلك العدل في أن لا يحصل لمن لم يتعاط السحر من أثر الضرر الناشيء عن السحر شر، وسلك مسلك الإحسان في ترك عقوبة الجاني، انتهى. (٥٧ - باب ما ينهى عن التحاسد والتدابر وقوله تعالى: ﴿وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ. . .﴾ [الفلق: ٥]) إلخ أشار بذكر هذه الآية إلى أن النهي عن التحاسد ليس مقصورًا على وقوعه بين اثنين فصاعدًا، بل الحسد مذموم، ومنهي عنه لو وقع من جانب واحد، انتهى من "الفتح" (٢). (٥٨ - باب قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ﴾ [الحجرات: ١٢]) قال العلامة العيني (٣): قال المفسرون: نزلت هذه الآية في رجلين من الصحابة اغتابا سلمان ﵁، انتهى. (٥٩ - باب ما يكون في الظن) كذا في النسخ الهندية، وفي نسخة "العيني" و"القسطلاني": "ما يكون من الظن"، وفي نسخة الحافظ: "ما يجوز من الظن".

стр. 3265

قال الحافظ (١): كذا للنسفي ولأبي ذر عن الكشميهني وكذا في ابن بطال، وفي رواية القابسي والجرجاني: "ما يكره" وللباقين: "ما يكون"، والأول أليق بسياق الحديث، انتهى. ولم يتعرض الشرَّاح لما في النسخ الهندية بلفظ "في" بدل "من"، وتعرض له الشيخ قُدِّس سرُّه في "اللامع" (٢) إذ قال: لعل المعنى: هذا باب بيان جواز إظهار ما في ظن الرجل، أو المعنى: باب ما يكون في الظن من جواز أو كراهة أو حرمة، فالظن الظاهر دليله جائز كما هو ظاهر الحديث، والظن الذي ليس عليه قرينة وفيه إساءة ظن بالآخر لا يجوز، وهذا على نسخة "في"، وأما على نسخة "من" فالمعنى: باب بيان الظن، فإن كلمة "من" بيان لـ "ما"، والله تعالى أعلم، انتهى. ولله در الشيخ قُدِّس سرُّه فإنه قد أجاد في شرح ألفاظ الترجمة على كلتا النسختين. ثم قال الحافظ (٣) بعد ذكر حديث الباب: قيل: الحديث لا يطابق الترجمة لأن في الترجمة إثبات الظن وفي الحديث نفي الظن، والجواب أن النفي في الحديث لظن النفي لا لنفي الظن، فلا تنافي بينه وبين الترجمة، وحاصل الترجمة أن مثل هذا الذي وقع في الحديث ليس من الظن المنهي عنه لأنه في مقام التحذير من مثل من قال حاله كحال الرجلين، والنهي إنما هو عن الظن السوء بالمسلم السالم في دينه وعرضه، انتهى. زاد العلامة العيني (٤) بعد حكاية هذا الجواب: وقال الكرماني: العرف في قول القائل: ما أظن زيدًا في الدار: أظنه ليس في الدار، قلت: هو حاصل الجواب المذكور، انتهى.

стр. 3266

(٦٠ - باب ستر المؤمن على نفسه) قال الحافظ (١): أي: إذا وقع منه ما يعاب فيشرع له ويندب له، ثم قال في شرح الحديث: قال ابن بطال: في الجهر بالمعصية استخفاف بحق الله ورسوله وبصالحي المؤمنين، وفيه ضرب من العناد لهم، وفي الستر بها السلامةُ من الاستخفاف، وقد استشكلت مطابقة الحديث للترجمة من جهة أنها معقودة لستر المؤمن على نفسه، والذي في الحديث ستر الله على المؤمن، والجواب أن الحديث مصرّح بذمّ من جاهر بالمعصية فيستلزم مدح من يستتر، انتهى. (٦١ - باب الكبر) قال الراغب: الكبر والتكبر والاستكبار متقارب، فالكبر الحالة التي يختص بها الإنسان من إعجابه بنفسه، وذلك أن يرى نفسه أكبر من غيره، وأعظم ذلك أن يتكبر على ربّه بأن يمتنع من قبول الحقّ والإذعان له بالتوحيد والطاعة، انتهى من "الفتح" (٢). وقال القاري في "المرقاة" (٣): قالت السادة الصوفية ﵏: إن آخر ما يخرج من رأس الصديقين محبة الجاه، فإن الجاه ولو كان في الأمور العلمية والعملية والمشيخة والحالات الكشفية فمن حيث النظر إلى المخلوق والغفلة عن الغيرة الربوبية أو الرؤية الإثنينية بعد ظهور أنوار الأحدية يحجب السالك عن الخلوة في الجلوة بوصف البقاء بالله والفناء عما سواه، هذا وقد روى صاحب "الكشاف" في "ربيع الأبرار" عن ابن مسعود ﵁: يكون الرجل مرائيًا في حياته وبعد موته، قيل: كيف ذاك؟ قال: يحب أن يكثر الناس في جنازته، انتهى.

стр. 3267

(٦٢ - باب الهجرة) بكسر الهاء وسكون الجيم، أي: ترك الشخص مكالَمَتَه الآخر إذا تلاقيا، وهي في الأصل: الترك، فعلًا كان أو قولًا، وليس المراد بها مفارقة الوطن، فإن تلك تقدم حكمها. قال النووي: قال العلماء: تحرم الهجرة بين المسلمين أكثر من ثلاث ليال بالنصّ، وتباح في الثلاث بالمفهوم، وإنما عفي عنه في ذلك لأن الآدمي مجبول على الغضب فسومح بذلك القدر ليرجع ويزول ذلك العارض. وقال أبو العباس القرطبي: المعتبر ثلاث ليال حتى لو بدأ بالهجرة في أثناء النهار ألغي البعض وتعتبر ليلة ذلك اليوم وينقضي العفو بانقضاء الليلة الثالثة. قال الحافظ: وفي الجزم باعتبار الليالي دون الأيام جمود، وقد مضى في "باب ما نهي عن التحاسد" في حديث أبي أيوب بلفظ: "ثلاثة أيام" فالمعتمد أن المرخص فيه ثلاثة أيام بلياليها إلى آخر ما ذكر (١). وقال القسطلاني (٢): تزول الهجرة بمجرد السلام وردّه عند الأكثرين، وقال الإمام أحمد: لا يبرأ من الهجرة إلا بعوده إلى الحال التي كان عليها أولًا، انتهى. (٦٣ - باب ما يجوز من الهجران لمن عصى) وهذا استثناء مما سبق، وذكره صاحب "الفيض" (٣) أيضًا إذ قال: فعل فيه مثل ما فعل في الغيبة والنميمة؛ فترجم أولًا بالهجرة وذكر ما فيها من الوعيد، ثم نبَّه على أن فيها استثناء أيضًا، انتهى. وقال الحافظ (٤): أراد بهذه الترجمة بيان الهجران الجائز؛ لأن عموم

стр. 3268

النهي مخصوص بمن لم يكن لهجره سبب مشروع، فبيَّن ههنا السبب المسوغ للهجر، وهو لمن صدرت منه معصية، فيسوغ لمن اطلع عليها منه هجره عليها ليكفّ عنها، قال المهلب: غرض البخاري في هذا الباب أن يبين صفة الهجران الجائز وأنه يتنوع بقدر الجرم، فمن كان من أهل العصيان يستحق الهجران بترك المكالمة كما في قصة كعب وصاحبيه، وما كان من المغاضبة بين الأهل والإخوان فيجوز الهجر فيه بترك التسمية مثلًا أو بترك بسط الوجه مع عدم هجر السلام والكلام، وقال الطبري: قصة كعب أصل في هجران أهل المعاصي، وقد استشكل كون هجران الفاسق أو المبتدع مشروعًا، ولا يشرع هجران الكافر وهو أشدّ جرمًا منهما، وأجاب ابن بطال بأن لله أحكامًا فيها مصالح للعباد، وهو أعلم بشأنها وعليهم التسليم لأمره فيها، فجنح إلى أنه تعبّد لا يعقل معناه، وأجاب غيره بأن الهجران على مرتبتين: الهجران بالقلب، والهجران باللسان، فهجران الكافر بالقلب وبترك التودد والتعاون والتناصر، وإنما لم يشرع هجرانه بالكلام لعدم ارتداعه بذلك عن كفره بخلاف العاصي المسلم، انتهى. وفي هامش "اللامع" (١): اعلم أن الإمام البخاري رحمه الله تعالى ترجم للهجرة ببابين: الأول في النهي عن الهجرة لأمر دنيوي، والثاني في جوازها لأمر ديني، لكن يشكل إدخال حديث عائشة في هذا الباب. قال الكرماني: فإن قلت: كيف طابق الحديث الترجمة ولا معصية ثمة؟ قلت: لعل البخاري أراد قياس هجران الشخص للأمر المخالف للشريعة على هجران اسمه للأمر المخالف للطبيعة، قال ابن بطال: غرضه بيان صفة الهجران الجائز، وأن ذلك متنوع على قدر الأسباب، فما كان لمعصية ينبغي هجره مطلقًا كما في حديث كعب، وما كان (٢) لمعاتبة بين

стр. 3269

الأهل والإخوان فيهجر عن التسمية ونحوها كما فعلت عائشة رضي الله تعالى عنها، قال القاضي: مغاضبة عائشة هي من الغيرة التي عفي عنها للنساء، ولولا ذلك لكان عليها في ذلك من الحرج ما فيه؛ لأن الغضب على النبي ﷺ معصية كبيرة، وفي قولها: "لا أهجر إلا اسمك" دلالة على أن قلبها مملوء من المحبة، وإنما الغيرة في النساء لفرط المحبة، انتهى بزيادة من "الفتح" (١). وقال العلامة السندي (٢) في شرح ترجمة الباب: قوله: "لمن عصى" أي: ونحوه كهجران الاسم لشدة الغيرة، فلذلك ذكر في الباب حديث عائشة، والله أعلم، انتهى. (٦٤ - باب هل يزور صاحبه كل يوم أو بكرة وعشيًّا) قال الحافظ (٣): وكأنّ البخاري رمز بالترجمة إلى توهين الحديث المشهور: "زُرْ غبًّا تزدد حبًّا"، وقد ورد من طرق أكثرها غرائب لا يخلو واحد منها عن مقال، وقد جمع طرقه أبو نعيم وغيره، وجاء من حديث علي وأبي ذر وأبي هريرة وعبد الله بن عمرو وأبي برزة وعبد الله بن عمر وأنس وجابر وحبيب بن مسلمة ومعاوية بن حيدة، وقد جمعتها في جزء مفرد. ثم قال الحافظ: ولا منافاة بين هذا الحديث وحديث الباب لأن عمومه يقبل التخصيص فيحمل على من ليست له خصوصية ومودة ثابتة، فلا ينقص كثرة زيارته من منزلته، قال ابن بطال: الصديق الملاطف لا يزيده كثرة الزيارة إلا محبةً بخلاف غيره، انتهى.

стр. 3270

(٦٥ - باب الزيارة) أي: مشروعيتها، "ومن زار قومًا فطعم عندهم" أي: من تمام الزيارة أن يقدّم للزائر ما حضر، قاله ابن بطال، انتهى من "الفتح" (١). قلت: لكن المذكور في الترجمة الطعم الذي هو فعل الزائر وليس المذكور فيه الإطعام، والذي ذكره ابن بطال يناسب هذا لا ذاك، فالأوجه عندي أن يقال في الغرض من الترجمة: إنه لا ينبغي للزائر أن يمتنع عن الطعام لأجل أنه لم يدعه لذلك من قبل، يعني: لا يقول الزائر: لا آكل الطعام؛ لأنك ما دعوتني، وأفاد العزيز المولوي محمد عاقل: (٢) أنه يحتمل أن يكون الغرض أن طعامه عنده لا يقدح في إخلاص هذا العمل، أي: الزيارة. (٦٦ - باب من تجمّل للوفود) أي: حسّن هيئته بالملبوس ونحوه لمن يقدم عليه، والمراد بالوفود من كان يرد على النبي ﷺ ممن يرسلهم قبائلهم يبايعون لهم على الإسلام ويتعلمون أمور الدين حتى يعلموهم، وإنما أورد الترجمة بصورة الاستفهام؛ لأن النبي ﷺ أنكر على عمر، فالظاهر أنه إنما أنكر لبس الحرير، ولم ينكر أصل التجمل لكنه محتمل مع ذلك (٣)، انتهى. وفي "الفيض" (٤): قال الشيخ ابن الهمام في "الفتح": إن الجمال غير الزينة، فإن التزين يكون من الأوصاف الرديئة بخلاف الجمال فإنه من الخصال الحميدة، ثم فرق أن الزينة هو جلب الحسن والتطرية ليكون له

стр. 3271

منظرًا حسنًا عند الخلائق، بخلاف الجمال فإنه اكتساب الحسن لئلا يكون قبيح المنظر ومشارًا إليه بالأصابع، انتهى. (٦٧ - باب الإخاء والحلف) بكسر المهملة وسكون اللام، وبفتح المهملة وكسر اللام، هو المعاهدة، وقد تقدم بيانها في أوائل الهجرة، انتهى من "الفتح" (١). وقال العلامة العيني (٢): أي: هذا باب في بيان مشروعية الإخاء، أي: المؤاخاة، ثم قال في شرح الحديث: وليس بين قوله: "قد حالف" وبين قوله: "لا حلف في الإسلام" منافاة؛ لأن المنفي هو المعاهدة الجاهلية والمثبت هو المؤاخاة. وقال النووي: "لا حلف في الإسلام" معناه حلف التوارث وما يمنع الشرع منه، وأما المؤاخاة والمحالفة على طاعة الله تعالى والتعاون على البرّ فلم ينسخ، إنما المنسوخ ما يتعلق بالجاهلية، انتهى. ولا يبعد عندي أن يقال: إن الإخاء والحلف يشمل ما اشتهر في هذا الزمان باسم: (كميي بنانا). (٦٨ - باب التبسم والضحك) قال الحافظ (٣): قال أهل اللغة: التبسم مبادئ الضحك، والضحك انبساط الوجه حتى تظهر الأسنان من السرور، فإن كان بصوت وكان بحيث يسمع من بعد فهو القهقهة وإلا فهو الضحك، وإن كان بلا صوت فهو التبسم، انتهى. وقال العلامة العيني (٤): أي: هذا باب في بيان إباحة التبسم والضحك، انتهى. وهكذا في "القسطلاني".

стр. 3272

قوله: (فقال عجبت من هؤلاء اللاتي كنّ عندي. . .) إلخ، قال العلامة السندي (١): لا يخفى أن المبادرة إلى الحجاب لازمة عند دخول الأجنبي سواء كان عمر أو غيره فما وجه التعجب؟ فلعل الواقعة كانت قبل آية الحجاب، أو لعل فيهن من يجوز لها الكشف عند عمر كحفصة مثلًا، فالتعجب بالنظر إلى قيامها، أو لعل التعجب من إسراعهن قبل أن يعلمن أن النبي ﷺ يأذن له أم لا، وهذا أقرب إلى لفظ الحديث، والله أعلم، انتهى. (٦٩ - باب قول الله ﴿اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ [التوبة: ١١٩]) قال ابن التِّين: اختلف في قوله: ﴿مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ فقيل: معناه: مثلهم، وقيل: منهم، قلت: وأظن المصنف لمح بذكر الآية إلى قصة كعب بن مالك وما أدّاه صدقه في الحديث إلى الخير الذي ذكره في الآية بعد أن وقع له ما وقع من ترك المسلمين كلامه تلك المدة حتى ضاقت عليه الأرض بما رحبت، ثم منّ الله عليه بقبول توبته، وقال في قصته: "ما أنعم الله عليّ من نعمة بعد إذ هداني للإسلام أعظم في نفسي من صدقي أن لا أكون كذبت فأهلك كما هلك الذين كذبوا"، انتهى من "الفتح" (٢). (٧٠ - باب الهدي الصالح) بفتح الهاء وسكون الدال: هو الطريقة الصالحة، وهذه الترجمة لفظ حديث أخرجه البخاري في "الأدب المفرد" من وجهين عن ابن عباس رفعه: "الهدي الصالح والسمت الصالح والاقتصاد جزء من خمسة وعشرين جزء من النبوة"، وفي الطريق الأخرى: "جزء من سبعين جزء من النبوة"، وأخرجه أبو داود وأحمد باللفظ الأول وسنده حسن، انتهى من "الفتح" (٣).

стр. 3273

(٧١ - باب الصبر والأذى وقول الله: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ﴾ [الزمر: ١٠]) كذا في النسخة "الهندية"، وفي نسخة "العيني": "الصبر على الأذى"، وفي نسخة "الفتح": "الصبر في الأذى". قال الحافظ (١): أي: حبس النفس عن المجازاة على الأذى قولًا أو فعلًا، وقد يطلق على الحلم، قال بعض أهل العلم: الصبر على الأذى جهاد النفس، وقد جبل الله الأنفس على التألم بما يفعل بها، ويقال فيها، ولهذا شقّ على النبي ﷺ نسبتهم له إلى الجور في القسمة لكنه حلم عن القائل فصبر لما علم من جزيل ثواب الصابرين، وأن الله تعالى يأجره بغير حساب، والصابر أعظم أجرًا من المنفق؛ لأن حسنته مضاعفة إلى سبعمائة، والحسنة في الأصل بعشر أمثالها إلا من شاء الله أن يزيده، وقد تقدم في أوائل الإيمان حديث ابن مسعود: "الصبر نصف الإيمان"، وقد ورد في فضل الصبر على الأذى حديث ليس على شرط البخاري، وهو ما أخرجه ابن ماجه بسند حسن عن ابن عمر رفعه: "المؤمن الذي خالط الناس ويصبر على أذاهم خير من الذي لا يخالط الناس ولا يصبر على أذاهم"، وأخرجه الترمذي من حديث صحابي لم يسم، انتهى. (٧٢ - باب من لم يواجه الناس بالعتاب) أي: حياءً منهم، وقوله: "ما بال أقوام؟ " في رواية جرير: "ما بال رجال؟ " قال ابن بطال: هذا لا ينافي الترجمة؛ لأن المراد بها المواجهة مع التعيين كأن يقول: ما بالك يا فلان تفعل كذا، وما بال فلان يفعل كذا، فأما مع الإبهام فلم تحصل المواجهة، انتهى من "الفتح" (٢). وقال العلامة العيني (٣): قال ابن بطال: إنما كان لا يواجه الناس

стр. 3274

بالعتاب إذا كان في خاصة نفسه كالصبر على جهل الجهال وجفاء الأعراب، ألا يُرى أنه ترك الذي جبذ البردة عن عنقه حتى أثرت جبذته فيه، وأما إذا انتهكت من الدين حرمة فإنه لا يترك العتاب عليها والتقريع فيها، ويصدع بالحق فيما يجب على منتهكها ويقتصّ منه، انتهى. قلت: وإليه أشار الإمام البخاري من الترجمة التي تأتي بعد بابين، وما حكى الحافظ عن ابن بطال في شرح الترجمة يؤيده ما أخرجه الإمام أبو داود في "سننه" (١) في "باب حسن العشرة" من "كتاب الأدب" عن عائشة قالت: "كان النبي ﷺ إذا بلغه عن الرجل الشيء لم يقل: ما بال فلان يقول، ولكن يقول: ما بال أقوام يقولون كذا وكذا"، وأخرج من حديث أنس: "كان رسول الله ﷺ قلما يواجه رجلًا في وجهه بشيء يكرهه" الحديث. (٧٣ - باب من أكفر أخاه بغير تأويل فهو كما قال) كذا قيد مطلق الخبر بما إذا صدر ذلك بغير تأويل من قائله، واستدل لذلك في الباب الذي يليه، انتهى من "الفتح" (٢). وقال العيني (٣): قوله: "بغير تأويل" يعني: في تكفيره، قيّد به لأنه إذا تأوّل في تكفيره يكون معذورًا غير آثم، ولذلك عذر النبي ﷺ عمر ﵁ في نسبة النفاق إلى حاطب بن أبي بلتعة لتأويله، وذلك أن عمر بن الخطاب ظنّ أنه صار منافقًا بسبب ذلك، انتهى. وقال القسطلاني (٤) في شرح الحديث: كذا حمله البخاري على تحقق الكفر على أحدهما بمقتضى الترجمة، ولذا ترجم عليه مقيّدًا بغير تأويل، وحمله بعضهم على الزجر والتغليظ، فيكون ظاهره غير مراد، انتهى.

стр. 3275

(٧٤ - باب من لم ير إكفار من قال ذلك متأوّلًا أو جاهلًا) أي: بالحكم أو بحال المقول فيه، انتهى من "الفتح" (١). وقال العيني (٢): قوله: "من قال ذلك" إشارة إلى قوله في الترجمة السابقة: "من كفر أخاه بغير تأويل" يعني: من قال ذلك القول حال كونه متأولًا بأن ظنه كذا، أو قاله حال كونه جاهلًا بحكم ما قاله أو بحال المقول فيه، انتهى. وهكذا شرح الترجمة العلامة القسطلاني، فظاهر كلام الشرَّاح أن كلا البابين متعلق بمسألة واحدة وهي قول الرجل لآخر: يا كافر، فإن قال ذلك بغير تأويل فهو لا يجوز وهو مؤدّى الباب الأول، وإن قاله متأوّلًا فهو جائز وهو مؤدّى الباب الثاني على رأي الشرَّاح. وأنت تعلم أن أحدهما مستلزم للآخر فيلزم التكرار بين هذين البابين، وما يخطر بالبال - والله أعلم بحقيقة الحال - أنهما مسألتان مختلفتان، فالباب الأول كما قال الشرَّاح في حق من قال للآخر: يا كافر بغير تأويل في هذا القول، وأما الباب الثاني فمؤدّاه عندي مسألة أخرى، وهي تكفير من قال كلمة الكفر أو فعل فعلًا يوجب الكفر جاهلًا أو متأوّلًا، فمتعلق التأويل ههنا فعل المقول فيه لا فعل القائل بخلاف الترجمة السابقة فإنها على عكس ذلك، وعلى هذا لا يلزم التكرار، فتأمل فإنه لطيف مناسب لدقائق تراجم البخاري. ومطابقة حديث الباب أعني قصة حاطب إما على قول الشرَّاح ففي قول عمر: إنه منافق، فإنما قال عمر ما قاله متأولًا، وإما على ما اخترته في معنى الترجمة فالمطابقة في فعل حاطب، فإنه فعل ما فعله متأوّلًا، والله أعلم.

стр. 3276

وترجم الإمام البخاري في "كتاب استتابة المعاندين والمرتدين" بلفظ "باب ما جاء في المتأولين"، وسيأتي شيء من الكلام على المسألة هناك إن شاء الله تعالى. (٧٥ - باب ما يجوز من الغضب والشدة لأمر الله تعالى. . .) إلخ قال الحافظ (١): كأنه يشير إلى أن الحديث الوارد في أنه ﷺ وكان يصبر على الأذى إنما هو فيما كان من حق نفسه، وأما إذا كان لله تعالى فإنه يمتثل فيه أمر الله من الشدة، انتهى. (٧٦ - باب الحذر من الغضب لقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ﴾ الآية [الشورى: ٣٧]) أي: الحذر من الغضب لغير أمر الله لقوله في الترجمة الأولى: "لأمر الله". (٧٧ - باب الحياء) قال العلامة القسطلاني (٢): أي: فضل الحياء، وهو تغير وانكسار يعمري الإنسان من خوف ما يعاب به ويذمّ، وفي الشرع: خلق يبعث على اجتناب القبيح ويمنع من التقصير في حق ذي الحق، انتهى. قلت: وتقدم بعض المباحث المتعلقة بالحياء في "كتاب الإيمان"، وذكر المصنف فيه ثلاثة أحاديث: أحدها حديث عمران بن حصين، وقد أخرجه مسلم أيضًا في "كتاب الإيمان"، قال الحافظ (٣): وقد ذكر مسلم في مقدمة "صحيحه" لبشير بن كعب

стр. 3277

هذا قصة مع ابن عباس تشعر بأنه كان يتساهل في الأخذ عن كل من لقيه، انتهى. وأما الحديث الثاني فقد تقدم في "كتاب الإيمان"، وأما الثالث فقد تقدم قريبًا في "باب من لم يواجه الناس بالعتاب" وفي "باب صفته ﷺ ". (٧٨ - باب إذا لم تستحي فاصنع ما شئت) كذا في النسخة "الهندية" بإثبات الياء التحتانية، وفي نسخ الشروح الثلاثة: "إذا لم تستح" بحذف الياء. قال القسطلاني (١): لم تستح بكسر الحاء، وفي نسخة "الكرماني": "لم تستحي" بإثبات الياء كما في النسخة "الهندية"، وهو القياس فإنه في الأصل تستحيي بيائين، وبدخول الجازم سقطت إحدى اليائين. قال الكرماني في الباب السابق: قوله: "إنك تستحي" بياء واحدة وبيائين، فإذا جزم يجوز أن يبقى بدونها، انتهى. قال الحافظ (٢): كذا ترجم بلفظ الحديث، وضمّه في "الأدب المفرد" إلى ترجمة الحياء، ثم قال في شرح الحديث: وقد سبق هذا الحديث في ذكر بني إسرائيل في أواخر أحاديث الأنبياء. قال النووي في "الأربعين": الأمر فيه للإباحة، أي: إذا أردت فعل شيء فإن كان مما لا تستحي إذا فعلته من الله ولا من الناس فافعله وإلا فلا، وعلى هذا مدار الإسلام، وتوجيه ذلك أن المأمور به الواجب والمندوب يستحي من تركه، والمنهي عنه الحرام والمكروه يستحي من فعله، وأما المباح فالحياء من فعله جائز وكذا من تركه، فتضمن الحديث الأحكام الخمسة، وقيل: هو أمر تهديد، ومعناه إذا نزع منك الحياء فافعل ما شئت
следующие страницы →